by الياس حموي | Oct 3, 2026 | Culture - EN, News - EN, Reports - EN, Reviews - EN, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة للروائي التونسي عماد علي قيدة الذي حضر الاحتفالية واستلم الجائزة عن روايته غير المنشورة (المنصرمون) كما حضر حفل التكريم عدد من مثقفي وفناني اللاذقية وسوريا كالشاعر منذر المصري والفنان فارس الحلو أصدقاء الكاتب الراحل بالإضافة لأصدقائه الآخرين وعدد من المهتمين بالثقافة والأدب في المدينة، وترأست لجنة تحكيم الجائزة هذا العام الروائية الفلسطينية ليانة بدر وبعضوية الأديبة السورية شهلا العجيلي والناقد المصري خيري دومة وقد اختار القائمون على الجائزة التي قدرها ألف دولار أمريكي-مدينة اللاذقية لاحتفاليتهم لأن الرواية الأخيرة للراحل خليفة (سمك ميت يتنفس قشور الليمون) تدور أحداثها في هذه المدينة التي أحبها كثيرا والتي لم يسعفه الوقت كي يراها منشورة وصدرت بعد وفاته عن دار هاشيت /أنطوان (نوفل) في لبنان عام ٢٠٢٤ فقررت هذه المدينة رد الجميل له بإقامة احتفالية جائزته فيها بعد أن كرمها في روايته الأخيرة محتفيا بمجتمعها المتنوع وقد أشادت لجنة التحكيم ببناء الرواية التونسية الفائزة (المنصرمون) موضحة في بيانها أن الرواية: “تحاور تاريخ تونس السياسي تفصيليا عبر شخصيات واقعية وتخيلية، وتطرح أفكارا أساسية لما جرى في المجتمع التونسي منذ بداياته المبكرة وحتى الآن”، وأضافت اللجنة مسلطة الضوء على الأسلوب السردي: “تتمتع الرواية ببنية مركبة وتقنيات متداخلة، لكنها ورغم هذا التركيب وربما بسببه لا تخلو من تشويق حقيقي يدفع القارئ لمتابعة رحلة البطل عبر تداخلاتها الزمانية والمكانية، والشخوص الكثيرة التي عبرت حياته وحياة تونس”.
أما رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” فقد شرح فيها خليفة مجتمع مدينة اللاذقية شديد التعقيد في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين حيث تتمحور قصتها حول عدد من الشخصيات التي عاشت فيها واندمجت في مجتمعها المتنوع طائفيا واجتماعيا حيث استلم دفة السرد فيها أربعة رواة تربطهم الصداقة والحب والعمل المشترك فروت كل شخصية من هذه الشخصيات قصتها وعلاقتها مع باقي الشخصيات الأخرى التي تتقاطع مصائرها معهم فكانت رواية بوليفينية (نسبة إلى ميخائيل باخت) متعددة الأصوات ضمن سرد متصاعد يتأرجح زمنيا بين ماضي الشخصيات وحاضرها وقسمت لأربع فصول كل فصل منها ترويه شخصية من هذه الشخصيات وهم على التوالي سام ومريانا وموسى ومنال وهناك شخصيات ثانوية أخرى تربطهم فيهم الصداقة والعمل ضمن الفرقة الموسيقية التي شكلوها كأنس ومروة وروني ويارا بالإضافة لشخصيات من خارج الشلة كميسون ولميس.
صورة مصغرة عن مدينة كبيرة
يصور خالد خليفة في روايته هذه مجتمع اللاذقية من خلال عيون شلة الأصدقاء الأربعة التي تنتمي لطوائف وطبقات اجتماعية مختلفة فسام الذي يسرد الفصل الأول بصوته ينتمي إلى عائلة متنفذة من الطائفة العلوية فعمه لواء في مخابرات نظام الأسد يدعى فوزي أبو مضر يقوم باستغلال منصبه للثراء وفرض السطوة الاجتماعية وتساعده في تسيير أعماله القذرة هذه أخته أمل من خلال استغلال سلطته فتقوم بشراء الاجازات للمجندين في جيش النظام وتسهيل مقابلات الأهالي لأبنائهم المعتقلين لدى الفروع الأمنية مقابل مبالغ مالية كبيرة وسام نفسه منخرظ في هذا الفساد من خلال استغلال نفوذ عائلته فهو موظف حكومي يقبض راتبه دون أن يداوم في وظيفته بينما ابن عمته الأخرى غسان فهو على النقيض منه تماما لأنه معارض لهذا النظام الذي يمثله عمه ويتم اعتقاله لاحقا مايدعو أمه فاطمة للفخر بهذا الشيء. أما الشخصية الثانية في الشلة فهي ماريانا الشابة المسيحية المتمردة والتي تروي الفصل الثاني من الرواية بصوتها هي إذ تجمعها علاقة حب بسام وتتباهى بأنه هو الذي فض بكارتها بينما الذي فعل ذلك هو محمود مدرس الرياضيات أخو موسى صديقهم عندما كانت طالبة في الثانوية لكن حبها لسام عازف الغيتار في الفرقة لايستمر بسبب دينه المختلف الذي يقف عائقا بينهما فتضطر للزواج بجورج الشاب البخيل الذي تسافر معه إلى أميركا لكن طيف سام لايفارقها “سأكون بينهم وهم يمارسون العلاقة الحميمة”. أما الشخصية المحورية الذي يروى الفصل الثالث بصوتها هو موسى الشاب الثري إبن العائلة الأرستقراطية الراقية المعروفة في المدينة الذي يحكي لنا كيف وقفت أمه شاهيناز وخالته جورجيت ذات يوم ضد قرار إزالة الكورنيش الغربي وتوسيع المرفأ حيث تم ردم البحر وشوهت أجمل منطقة في المدينة وواجهتها البحرية، وموسى يحب منال التي تروي الفصل الرابع والأخير بصوتها وهي الشاعرة الرقيقة النقية التي تنحدر من عائلة حقيرة لاتشبهها بشيء فوالدها قواد يسهل زواج القاصرات بكبار السن من أجل المتعة، ولايتوانى عن تزويج إحدى بناته منهم بينما ابنته الكبيرة عاهرة وابنه منعم جلاد في أحد سجون النظام العسكرية يقوم بتعذيب المعتقلين حتى الموت حيث يروي لعروسه خضرة في إحدى المرات في حوار يدور بينهم كيف يعذبون المعتقلين عندهم حتى يموتون ويستمرون بتعذيبهم مرة ثانية وثالثة بعد موتهم. ويحكي لها كيف يبول أخوها غديرصديقه في الفرع على جثث المعتقلين وهو منتشي “هذا مصير كل من يرفع رأسه في وجه الرئيس” فتجد منال في موسى مخلصا لها من هذا القاع الذي تعيش فيه: “أعتبر نفسي قد ولدت من جديد وأصبح لي أما جديدة”، فيتزوجان في النهاية. وهناك شخصيات أخرى في هذه الفرقة الموسيقية التي أقامت حفلا واحدا فقط عبر تاريخها داخل كنيسة فكان حفلها الأول والأخير في المدينة، ومن هذه الشخصيات أنس ومروة العاشقين لكن مروة ترفض الهرب معه إلى لبنان للزواج وتقرر معاقبة أهلها بعنوستها بينما هو يقضي وقته بتعاطي الحشيش وكتابة القصائد الموزونة ثم يتزوج من مها عنبري لكن زيجته تفشل لأن طيف مروى يتلبسه ويسيطر على علاقته بزوجته فصوتها لايفارقه: “النساء أصوات”، وينفصل عن مها في النهاية وهناك روني ويارا العاشقين أيضا: “لم أستمتع بالمعاشرة مثلما استمعت معها فكل من عاشرتهم من قبل فقمات”، وهكذا تتفرق هذه الفرقة التي كانت تجتمع ذات يوم وتشرب الحشيش والخمر بالسر وتتخذ كل شخصية منها طريقها في الحياة فهم السمك الميت الذي مازال يتنفس، وهم قشور الليمون: “قشور الليمون هي نحن حين نقاوم الاندثار”.
هناك شخصيات أخرى في الرواية كشخصية ميسون التي تكره الرجال وتشتمهم بعد ترك حبيبها لها وزواجه من فتاة أخرى بعد علاقة حب دامت عشر سنوات. وهناك لميس المخبرة في جامعة تشرين، التي زرعها النظام عام ١٩٨٧ بين مجموعة من الطلاب اليساريين المعارضين للتجسس عليهم، وكتب التقارير بهم فتم القبض عليهم جميعا، ودخلت هي معهم إلى السجن للتمويه، وخرجت بعد عدة أيام، وكافأها النظام بجعلها مذيعة في التلفزيون الرسمي وأصبحت تقدم برنامجا فنيا.
بالإضافة لشخصيات الرواية المتخيلة هناك شخصيات حقيقية ذكرت أسماؤها الحقيقية كشخصية المترجم أسامة منزلجي الذي توفي العام الماضي وذكرت ترجمته لرواية ( ربيع أسود) للكاتب الأميركي هنري ميلر والشاعر منذر مصري، الذي شجع منال على كتابة الشعر ومكتبته (فكر وفن) التي كانت ملتقى لمثقفي المدينة، والمفكر الياس مرقص الذي رحل عام ،١٩٩١ والذي كان يتحلق حوله رجال الفكر في اللاذقية. كما تم ذكر الموسيقى التي كانت رائجة في تلك الأيام كأغاني بوب مارلي وعازف الساكسفون الأميركي لويس آرمسترونغ فقدم خالد خليفة توثيقا لعقدين من تاريخ المدينة في روايته هذه من خلال شخصياته وحياتها فيها. ولم يفته ذكر حادثة توسيع المرفأ وتبليط البحر التي أحزنت أهالي المدينة في حينها وسببت ندبة في نفوسهم مازالت حتى الآن بسبب هذا الاعتداء على ذاكرتهم وأيامهم الجميلة في هذه الكورنيش البحري الذي تمت إزالته.
الثورة قادمة لا محالة
قدم خالد خليفة في روايته هذه نموذجاً مصغراً عن سوريا اختزله في مدينة اللاذقية مفككاً مجتمهعا المتنوع، وعرّى فيها نظاما سياسياً ديكتاتورياً كان يسيطر على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في البلاد من خلال مخابراته ففخخ هذه المجتمعات وزرع الكراهية بين مكوناتها حتى وصلت للانفجار وثارت عليه في العام ٢٠١١ فكانت هذه الرواية هدية أخيرة من خالد خليفة لمدينة أحبها ولم يعش ليراها مطبوعة باستثناء صفحتين فارغتين تركهما وهما لقصيدة خاصة بمنال وعنوان لفيلم إيطالي على الأغلب هو (ميمي العامل المطعون بشرفه). ونوهت دار النشر أن الكاتب ترك هاتين الصفحتين فارغتين ولم يستطع إكمالهما لأن الموت باغته وتوفي بسكتة قلبية.
by رهام عيسى | Sep 30, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص الاتهام. محمد حبش الداعية الإسلامي السوري بطل القصة الجديدة.
في البداية لسنا في صدد الدفاع عن أحد، كما ونعرف تماماً أن أكثر ما يجعل الفضيحة مزلزلة تناقضها مع الصورة التي يصدرها الضحية عن نفسه، وسأعتمد هنا على تسمية الضحية تجاوزاً.
كما ولابد من التنويه أن ما نناقشه هو فقط الفعل الجنسي أو الكلام الجنسي بين بالغين راشدين، والذي يسُرّب بقصد التشهير أو الابتزاز أو تحييد شخص ما عن الفضاء العام، عن طريق التقليل من قيمة رأيه، على اعتبار أن الفضيحة الجنسية سقطة أخلاقية، تجعل صاحبها بنظر الكثيرين فاقداً للشرعية.
يظهر محمد حبش في مكالمة فيديو، يتكلم فيها كلاماً حميمياً، وربما من الغريب هنا أن أصرّح أن أول شعور أحسست به عندما شاهدت الفيديو كان التعاطف مجرد التعاطف، ليس مع محمد حبش وحده وليس مع صفته أو مكانته أو موقعه أو مواقفه، لكنه التعاطف مع هشاشة أي إنسان في هذا الموقف وخاصة العربي، لأنه يحتاج أكثر بكثير من غيره أن يشرح نفسه لنفسه، قبل أن يشرحها إلى الآخرين.
الجنس يكشف الهشاشة
لطالما اعتقدت أن الجنس دون غيره يكشف أكثر نقاط الإنسان هشاشة وأكثرها ضعفاً، فنحن نستطيع دائماً وفي كل وقت، أن نختار الطريقة اللائقة التي نريد أن نظهر بها، والتي نحب أن نتصرف بها. يمكننا دائماً وضع الحواجز، اختيار المسافات، وارتداء الأقنعة، كبت رغبتنا بالعنف، أو رغبتنا بالتعنيف، إخفاء شعورنا بالذنب، وأشياء كثيرة أخرى نقضي أعمارنا في سبيل إخفائها وليس فهمها والتصالح معها.
يحدث الخرق في لحظاتنا الحميمة، يسقط الجدار الهش الذي بنيناه، وتتلاشى الطبقات، وتقريباً، لا يبقى من الكائن إلا ذلك الجزء المسكوت عنه، الجزء المحظور، وربما الجزء الأكثر صدقاً في بنيتنا النفسية، لذلك فما رأيناه في فيديو حبش وقبله فيديو الممثل أحمد رافع لم يكن مجرد لحظة جنسية عابرة، أو انكشاف أخلاقي، لكنه أشبه برؤية الإنسان عاريًا من كل ما يُجبر على ارتدائه، تعرية وجودية لكل طبقات الحماية الاجتماعية والمؤسساتية التي نتدرع بها، لنخفي عيوبنا وهشاشتنا.
وعندما يطال هذا الانكشاف المباشر رجل دين أو شخصية عامة، ينفجر الوضع بدرجة أكبر من التعقيد، لأنه يكشف عن الكثير من الصراعات الداخلية والخارجية بين الإنسان ونفسه ومحيطه، ويفتح الجرح النازف بين الإنسان وحقيقته، بين الهوية المتخفية خلف الرمز، والصورة اللامعة التي يصدرها لمحيطه.
ولا يكتمل المشهد حتى يستغل هذا الانكشاف ويُستدرج نحو تصفية الحسابات السياسية، وهنا تجرد اللحظة من سياقها الإنساني، ويُنقل الصراع إلى مكان يرجح مباشرة كفة على كفة، بعيداً عن الصراع الفكري إلى حلبة الجسد والسرير والحياة الخاصة، حيث تتحول المحاكمة إلى الضمير الجمعي، فالعار في عمقه الثقافي لا يبنى على طبيعة الفعل المجرد وحده، بقدر ما يتغذى على نظرة الآخر وسلطته.
الجنس كأداة سلطة
من الصعب النظر إلى الفضائح الجنسية في مجتمعاتنا العربية، كفضيحة وانتهى الأمر، لأن الجنس هو الحالة التي تُقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والديني والأخلاقي داخل مجتمعاتنا وربما داخل مجتمعات أخرى أيضاً.
يُحمّل الجنس معنى يفوق الفعل الجنسي نفسه، لأن الجسد ليس جسداً وحسب، بل هو المختبر ونقطة التقاء سمعة المرأة مع شرف العائلة ورجولة الرجل والتزامه الديني والأخلاقي، وأن تطال الفضيحة شخصاً من الأساس يُعتبر ممثلاً لمجتمع الفضيلة، الذي يحبه الناس ويدّعون دائما الانتماء إليه، يعني أن الفضيحة طالت الجميع، والانكشاف لم يعد متعلقاً بالشخص نفسه بقدر ما صار مرتبطاً بالمنظومة ككل، المشكلة الأساسية تبدأ إذا من رمزية الجنس، فلو نظرنا إلى الجنس كحاجة بيولوجية فقط لكان الأمر أبسط.
لكن عندما ننظر إلى الجنس على أنه أداة قياس، فالحديث هنا يأخذ مستويين. المستوى الشخصي الذي يجعل الجنس مركزاً أساسياً لفهم تكوين الشخصية، لأن الجنس مصدر القلق الدائم والمحفز المستمر للصراع مع قائمة المحظورات والقواعد المفروضة من الدين والمجتمع، وهذا ما يخلق للجميع ما يخفونه، لأن الكبت لا يلغي الرغبة هو فقط يدفعها نحو الداخل، وهذا يصعب الوصول إلى نقطة تفاهم بين رغباتنا وما يفرض علينا وما نتربّى عليه، وخاصة في حال كنا ننتمي إلى مجتمعات محافظة.
قرأت تعليقات كثيرة وصفت حبش بالمنافق، وهذا عكس ما يراه عالم الاجتماع غوفمان الذي يفترض من الأساس أن الإنسان يؤدي دوراً، على الخشبة يتصرف بالطريقة التي ترضي الجمهور، وفي الكواليس يخلع الدور ويسترخي وقد يتناقض مع نفسه، فهذه المساحة هي حقه. لذلك أعتقد أن مناقشة أخلاقية ما نخفيه قبل مناقشة أخلاقية انتهاكه وتحويله إلى فضيحة، هي إشكالية أخلاقية بحد ذاتها.
يزداد حضور الجنس في الحياة الاجتماعية في المجتمعات المحافظة، وكلما ازداد هذا الحضور في الخفاء كلما ازداد رفضه في العلن، وهذا ما يقودنا إلى المستوى الثاني، حيث ننتقل من الاتهام إلى المحاكمة ومن صراع الإنسان مع نفسه إلى صراعه مع الآخرين، من أحب أن أسميهم أدوات السلطة. فمن قال من الأساس إن هذا سلوك طبيعي وهذا منحرف؟ من قال إنّ هذا مشروع وذاك محرم؟ هذا مقبول وذاك مرفوض؟ ببساطة السلطة أي سلطة هي التي قالت، لأنها لا ترى في الجنس أكثر من وسيلة إدارة، فهي التي تنتج المعارف عنه، وهي التي تحوله في نهاية المطاف إلى قضية يومية لا يمكن التخلي عنها، وهذا ما أشار له فوكو بحديثه عن السلطة والجسد، فالسلطة لا تفرض ولا تمنع، تحاول فقط جعل الجنس أو أي فعل مصدراً دائما للاستجواب، وهذا ما يجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه، حتى داخل سريره.
الهدف الجنسي غير المعلن
إذا ما فكرنا قليلاً لاكتشفنا أن أغلب التيارات الفكرية والسياسية والدينية تحمل في داخلها هدفاً جنسياً ما، فأي تصور للمجتمع يجب أن يتضمن بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر تطرقاً للجنس، ربما من خلال تصور للأسرة، للعلاقة بين الجنسين، للجسد، للملابس، لمفهوم الذكورة والأنوثة، لمعنى العفة والشرف. الجنس ببساطة أحد الميادين التي تكشف بها كل الأيديولوجيات تصورها للفرد وللسلطة وللمجتمع.
وربما لهذا السبب، تكون الفضائح الجنسية بالغة الأثر فهي تهدم مجموعة كاملة من التصورات عن الدين والشرف والأخلاق، لأن المجتمع من الأساس أعطى الجنس وظيفة الكشف عن الحقيقة الأخلاقية للإنسان وهذا ما يجعله بسبب أي فضيحة في مواجهة مباشرة وحادة مع نفسه، وليس فقط مع الشخص المدان.
by سالي علي | Sep 23, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
في سوريا، لا يموت الإنسان مرةً واحدة. يموت حين يُقتل، ثم يموت مرة ثانية حين يُختصر موته في رواية سياسية، ويموت ثالثة حينَ يصبح اسمه عبئاً على ذاكرة جماعة لا تريد أن تتذكره، ويموت أخيراً حين يطلب منكَ أحدهم أن تثبت أولاً إلى أيّ جهة كان ينتمي قبل أن يسمح لك بالحزن عليه. ربما لهذا يبدو السوري أحياناً، عاجزاً عن البكاء على موتاه جميعاً. ليس لأنّ السوري فقد قلبه، بل لأنّ الحرب علّمته أنّ الحزن نفسه يمكن أن يكون موقفاً سياسياً. ففي السنوات الماضية، لم يكن يكفي أن تقول : مات إنسان. كان عليك أن تضيف: من قتله؟ ولأيّ جهة ينتمي؟ وأين مات؟ وماذا كان يفعل قبل أن يموت؟ ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة: هل كان من “جماعتنا” ؟ وكأنّ الموت السوري يحتاج إلى جواز سفر طائفي كي يدخل إلى الذاكرة.
لهذا، يمكن للسوري أن يبكي على قتيل في مدينة بعيدة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الاعتراف بوجع قتيل آخر لأنّ صورته تزعج الرواية التي بنى حولها نجاته. يمكنهُ أن يطالب بالعدالة لضحايا نظام الأسد، ثم يصمت أمام ضحايا ارتكبتها قوى أخرى. ويمكن لآخر أن يفعل العكس تماماً: أن يتحدث عن مآسي جماعته، لكنه يمر على موت الآخرين كما لو أنهم تفصيل جانبي في قصة أكبر. هكذا تحولت سوريا إلى بلد لا يتنافس فيه الناس على من عاش المأساة فقط، بل على من يملك الحق في تسميتها مأساة. وهذا ربما أحدُ أكثر آثار الحرب قسوة. فالحرب لا تقتل الناس فقط. إنها تعيد ترتيب قيمة موتهم.
كان يمكن للسوري أن يعرف الموت بسهولة قبل أن يعرف السياسة. كان هناك بيت فقد ابنه. أم تنتظر. أب يحمل صورة. طفل لن يفهم لماذا لن يعود أبوه. امرأة تفتح هاتفها كل مساء على آخر رسالة واتساب من شخص لن يكتب بعدها شيئاً. هذه التفاصيل لا تحتاج إلى أيديولوجيا. فالموت في لحظته الأولى، لا يكون سنياً ولا علوياً ولا كردياً ولا مسيحياً. يكون جسداً غائباً، وكرسياً فارغاً، وثياباً لم تعد تُلبس. لكننا تعلمنا لاحقاً أنّ نضيف الهوية إلى الجثة. أن نسأل عن صاحبها قبل أن نسأل عن الجريمة. وهنا تكمن المأساة الأخلاقية الأكبر.لأنّ الاعتراف بأنّ الآخر ضحية لا يعني تبرئة الجهة التي ينتمي إليها. كما أن التعاطف مع إنسان من جماعة أخرى لا يعني أنك خنتَ موتاك. لكن السوري اليوم و بعد سنوات طويلة من العنف، أصبح يتعامل مع التعاطف كأنهُ تنازل. إذا حزنتَ على موتاهم، خفت أن يقال إنك نسيت موتانا. وإذا تذكرتَ موتانا، طالبك آخرون بأن تتذكر بأن لهم موتاهم أيضاً. لذا حتى الحزن أصبح ساحة حرب.
ربما لهذا السبب لا تزال بعض المآسي السورية تعيش في جزرٍ منفصلة. هناك من يحمل أسماء قتلاه كأنها وصية. وهناكَ من يرفض سماع أسماء قتلى آخرين لأنّ تلك الأسماء ارتبطت في ذاكرته بالخوف والسلطة والسلاح. وفي الساحل، مثلاً، لا يمكن أن تطلب من إنسان فقد قريباً في أحداث عنيفة أن ينسى خوفه لأنّ العدالة تحتاج إلى رواية وطنية جميلة. وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول خوف جماعة بأكملها إلى رخصة لمحو ضحايا الآخرين أو تبرير قتلهم. هذه هي المنطقة التي نخاف الاقتراب منها. نريد عدالة نظيفة، فيما تاريخنا متسخ بالدم. نريد سردية واحدة، فيما سوريا مليئة بسرديات متعارضة. نريد أن نقول إننا جميعاً ضحايا، لكننا لا نريد أن نسأل: هل كنا جميعاً ضحايا بالطريقة نفسها؟
لا… لم يكن السوريون متساوين أمام العنف، ولا أمام السلطة، ولا أمام السلاح، ولا أمام القدرة على النجاة. لكن الاعتراف بعدم تساوي التجارب لا يمنحنا حق تقسيم الضحايا إلى ضحايا يستحقون الحزن وضحايا يمكن تفسير موتهم. هناك فرق بين أن نفهم لماذا حدثت الجريمة، وبين أن نبحث عن سبب يجعلها أقل فظاعة.
ربما تحتاج سوريا اليوم إلى شيء أكثر صعوبة من المصالحة. تحتاج إلى القدرة على الحزن من دون أن نطلب الإذن من هويتنا. أن أستطيع أن أقول؛ هذا الإنسان مات، وكان موته ظلماً، حتى لو كان من الجماعة التي أخاف منها. أن أستطيع أن أقول: هذا الإنسان قتل أبي، ومع ذلك لا أريد أن يُقتل ابنه. أن أستطيع أن أحتفظ بغضبي من قاتل، من دون أن أورث هذا الغضب إلى كل من يشبهه.
هذه ليست رومانسية بل هذه بداية السياسة لأنّ الدولة التي تريد أن تبني نفسها على العدالة لا تستطيع أن تبدأ من سؤال: من هم موتانا؟ عليها أن تبدأ من سؤال أصعب: من هم موتانا جميعاً؟ ليس لكي نساوي بين الجرائم، ولا لكي نمحو مسؤولية أحد، ولا لكي نضع الجلاد والضحية في كفة واحدة، بل لكي نمنع الموت من أن يصبح ملكية حصرية لجماعة. قد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة. ليس كم تمثالاً أُزيل، ولا كم اسماً تغير، ولا كم خطاباً سياسياً تبدل. بل هل نستطيع للمرة الأولى منذ سنوات، أن نقف أمام قبر شخص لا يشبهنا ونقول ببساطة: كان يجب ألا يموت من دون “لكن”. من دون “إلا إذا”. من دون أن نسأل أولاً عن طائفته. لأن البلاد التي تحتاج إلى هوية كي تسمح لإنسان بأن يكون ضحية، لم تتعلم بعد معنى العدالة. وربما لهذا، قبل أن تتصالح سوريا مع ماضيها، عليها أن تتعلم شيئاً أبسط وأكثر قسوة: أن تحزن. أن تحزن على موتاها جميعاً، لا لأن موتهم متساوٍ، بل لأنّ حياة كل واحد منهم كانت تستحق أن تُعاش. وحين يصبح الحزن على الآخر ممكناً، ربما للمرة الأولى، سيصبح المستقبل ممكناً أيضاً.
by عامر فياض | Aug 19, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, All Reports, Articles - EN
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار والتضحيات الكبيرة التي قدّمنها خلال الثورة والحرب، ورغم أهمية وضرورة حضورهن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، التي تحتاج لإعادة إصلاح وترميم المنظومة الإجتماعية والمدنية التي تأثَّرت بظروف الحرب ومظاهر العسكرة وانتشار السلاح، يتم إقصاؤهن، بشكلٍ يكاد يكون مُمنهجاً، عن مراكز صنع القرار، والمناصب الوطنية القيادية الفاعلة، وعن أي شراكةٍ حقيقية في مواقع التأثير، كما يتم تَهميشهنَّ سياسياً وإجتماعياً، بشكلٍ يَغَفل حجم عطائهن ومدى تأثيرهن الكبير في بناء المجتمع، في مشهدٍ بات يراه كثيرون أنه يُرسّخ ثقافة السلطة الذكورية، ويُثير الكثير من القلق والمخاوف حول واقع النساء في سوريا مستقبلاً.
غياب عن المناصب القيادية ومراكز صنع القرار
بحسب مؤشر تمثيل النساء السوريات، خلال الرُبع الأول من العام الحالي، والذي يعتمد على القرارات والمراسيم الرسمية والتعيينات الإدارية المركزية والمحلية، يبدو واضحاً حجم الغياب الكبير للنساء عن المناصب العُليا في مؤسسة الرئاسة والوزارات السيادية ومراكز صنع القرار، فمن أصل 437 موقع مسؤولية، يوجد فقط 28 امرأة مُقابل 409 رجل، فيما لم تَشغل النساء سوى أربعة مناصب (وزيرة وثلاث معاونات وزراء) من أصل 87 منصباً في الحكومة، أي ما نسبته 4،60 %، ولم يتجاوز حضورهن في المؤسسات والمديريات والهيئات المركزية نسبة 2،94% ، وغالباً ما ينحصر حضورهن في مواقع تتعلق بشؤون التعليم والأسرة والمجتمع، ويرتبط بالأدوار الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي تحاول إبعادها عن مواقع النفوذ والتأثير.
ويتركز حضور النساء غالباً في مؤسسات ومديريات ذات طابع خدمي واجتماعي، مثل التربية والشؤون الاجتماعية والعمل، فيما يغيب حضورهن بشكلٍ تام عن رئاسة الهيئات الوطنية الجديدة، ومنصب المُحافظ، ورئاسة مجالس المدن، ورئاسة النقابات المركزية، وحتى رئاسة الجامعات الحكومية، وتنحصر مناصبهنَّ في مجالاتٍ محددة، مثل: عضوات مكاتب تنفيذية، ومديرات في بعض القطاعات الاجتماعية وبعض المجالس والنقابات الفرعية. وقد بلغت نسبة تمثيل النساء في الإدارة المحلية والمديريات الرئيسية 5،23 % فقط، وهي نسبة تعكس محدودية مشاركتهن في مواقع صنع القرارات المحلية، حيث ينحصر حضورهن ضمن المكاتب التنفيذية لأربع محافظاتٍ فقط، فيما يغيب عن معظم المديريات المرتبطة بالقطاعات الأمنية والاقتصادية والسيادية الأكثر تأثيراً على مستوى الإدارة المحلية، وكل ما يتعلق برسم السياسات العامة للدولة.
وبحسب المؤشر، بلغت نسبة تمثيل النساء في النقابات 9،2 %، وهي تُشكِّل أعلى تمثيلٍ نسائي، ورغم ذلك بَقيت المواقع القيادية حكراً على الرجال، إذ لم تصل النساء إلى أي مناصب عُليا، ولم يترأسن أي نقابةٍ حتى ولو كانت فرعية، ليقتصر حضورهن على عضوية المكاتب التنفيذية والمجالس النقابية، وذلك على الرغم من التوازن العددي بين الجنسين داخل أغلب النقابات، كما أن تمثيلهن المحدود في النقابات لم يأتِ نتيجة عملياتٍ انتخابية ضمن إطار القوانين النقابية، وإنما جاء ضمن التعيينات التي أقرتها الحكومة، وهو ما رآه البعض تهميشاً ممنهجاً من قِبلها بحق النساء.
وبالنظر إلى تلك الأرقام يبدو واضحاً حجم تدني نسبة تمثيل النساء مقابل الرجال في سوريا، وهي نسبة تبتعد كثيراً عن معدل الكتلة الحرجة التي تتبناها الأمم المتحدة، والتي أقرَّت بأن نسبة تمثيل النساء يجب أن تصل، في الحد الأدنى، إلى 30 %، وصولاً للمساواة الكاملة مستقبلاً.
النساء والتمثيل البرلماني
مع إعادة تشكيل وهيكلة مجلس الشعب، في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لم تُشكّل نسبة تمثيل النساء في المجلس سوى 10.63% فمن أصل 210 عضواً، هناك 22 امرأة فقط، وذلك على الرغم من أن النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب قد حدّد نسبة لا تقل عن 20% لتمثيل المرأة في الهيئات الانتخابية. وبما أن آلية انتقاء الأعضاء لم تكن عبر صناديق الانتخابات، فبالتالي لم يكن هناك حالة تنافسية بين المُرشحين تُعبِّر بشكلٍ حقيقي عن صوت وتطلعات الشعب، إذ تم اختيار ثلثي الأعضاء (140 عضواَ) عبر الهيئات الناخبة المُعيَّنة من قبل الرئيس أحمد الشرع، والتي اختارت سبع نساء فقط، فيما اختير الثلث الباقي (70 عضواً) من قبل الرئيس بشكلٍ مباشر، ومن بينهم 15 امرأة. وقد بدا واضحاً أن معظم النساء المُعينات في المجلس، إما مقرباتٍ من السلطة، أو يحملن توجُّهاً سياسياً وفكرياً مُتقارباً، يتقاطع بشكلٍ أو بآخر مع نهجها وسياستها، وهو ما جعل التمثيل النسائي البرلماني، القليل أصلاً، لا يُحاكي تنوع المجتمع السوري، ولا يُمثِّل مختلف شرائحه ومكوناته، على اختلاف توجهاتها الفكرية والثقافية والسياسية.
ومع تراجع نسبة المشاركة البرلمانية للنساء، احتلت سوريا المرتبة 162 عالمياً، لتصبح ضمن قائمة آخر عشر دول في العالم تُسجّل أدنى نسبة تمثيل للمرأة في البرلمان، وهي نسبة لم تصل حتى إلى النسبة (20%) التي اقترحها النظام الانتخابي لمجلس الشعب.
الخطاب الإقصائي في الإعلام والمشهد العام
من خلال متابعة وسائل الإعلام الرسمية سيُلاحظ تغّييب النساء بشكلٍ واضح عن المشهد الإعلامي، فعلى سبيل المثال، خلال إطلاق الحملة الترويجية لقناة “الإخبارية السورية”، ورغم وجود إعلامياتٍ ومُذيعات ضمن فريق القناة، التي يُفترض أنها تُمثِّل صوت جميع السوريات والسوريين، كان واضحاً حجم تهميشهن وعدم إظهارهن في المراكز والمواقع الأساسية للقناة، مُقابل التركيز الكبير على الإعلاميين الذكور وإبرازهم بأبهى صورهم وحضورهم الإعلامي، سواء في الفيديوهات المُصورة من داخل الاستديوهات أو التي صَوَّرت زيارة وفدٍ من الناشطين والإعلاميين للإطلاع على مُجريات العمل قبل إطلاق القناة. وخلال لقاء للرئيس الشرع مع عدد من الإعلاميين والناشطين وما يُسمى بـ”المؤثرين” و”صُناع المحتوى” كان واضحاً من الصورة التي التُقِطت خلال اللقاء، حجم الغياب الكبير للنساء، إذ لم يظهر فيها سوى امرأة واحدة مقابل عشرات الرجال.
وفي مثالٍ آخر، وخلال نشر البوستر الإعلاني لمؤتمر تطوير طب حديثي الولادة، الذي نظمته نقابة أطباء سوريا/ فرع حماة، وبينما وُضعت الصور الشخصية للأطباء الرجال على البوستر، ظهرت صور الطبيبات المشاركات في المؤتمر بطريقةٍ كرتونية بدلاً من وضع صورهن الشخصية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثيرون أن ذلك السلوك يُمثل انتقاصاً من قيمة الطبيبات.
ومن الأمثلة الأخرى التي تُكرّس ثقافة الخطاب الإقصائي، صدور عددٍ من القرارات التمييزية الغريبة التي تتناقض مع أبسط قواعد العدالة والمساواة بين الجنسين في الأماكن العامة وبيئات العمل، كقرار فصل النساء عن الرجال في ساحة الجامع الأموي، وقرار مدير مستشفى المواساة، الذي يقضي بجلوس الطبيبات وجميع العاملات في المستشفى في القسم الخلفي للباصات المُخصصة لنقل الموظفين، فيما يجلس الأطباء والموظفين الذكور في الجزء الأمامي.
ويرى كثيرون من مُتابعي الإعلام الرسمي أنه يحاول إبراز الرجال وحدهم في صدارة المشهد، ويُرسِّخهم في مواقع السلطة والمبادرة، مقابل دفع النساء إلى الهامش، حتى ولو كنّ حاضرات بالفعل في كثيرٍ من المجالات. كما أن ارتفاع سقف الخطاب السياسي، الذي يتبنى مبادئ “الشرعية الثورية” وشعار “من يُحرّر يقرر”، بات يُكرِّس، عن قصدٍ أو دون قصد، تهميش النساء وإقصاءهن عن الفضاء العام، ويجعل أدوارهنّ محدودةً، وفي أحسن الأحوال يُمكن الاستعانة بحضورهن فقط عند الحاجة إلى تلميع صورة النظام الحالي أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.
وتحاول اليوم بعض الخطابات الشعبوية الإقصائية المواربة، التي انتشرت في كثيرٍ من المجتمعات السورية، إعادة تعريف دور النساء، بما ينسجم مع إيديولوجياتها الدينية والسلطوية، عَبر نشر أفكارٍ تتعلق بتبعية المرأة للرجل، وتكريس صور النساء فقط في الأدوار الرعائية، وإظهارهن كأمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ للرجال، وإظهار كثير من الأدوار النسائية على أنها مُخلّة بالآداب العامة وتُشكِّل خطراً على المرأة، وهو ما نشر حالة من الخوف بين النساء الراغبات بالمشاركة في الشأن العام، وخاصة في بعض الأرياف والمجتمعات المُحافظة.
اللجوء إلى مواقع التواصل الإجتماعي
في ظل ما تتعرض له النساء من إقصاء عن مواقع التأثير والفضاء العام، ومن تضييقٍ على المشاركة في الحياة السياسية، لجأت الكثيرات منهن إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، لعلهن يجدن فيها مساحة للتعبير عن آرائهن وللدفاع عن مواقفهن وإثبات وجودهنّ في الميدان السياسي والفضاء العام بأي طريقة، لكنّ تلك المساحة ضاقت بوجه الكثيرات منهن أيضاً، بعد أن تحول النقد والتعبير عن الرأي إلى فعلٍ محفوف بالمخاطر، حيث تعرض عدد من الناشطات والصحافيات لحملات مُنظمة من التشهير والتحريض، بهدف إخراس أصواتهنّ وإبعادهن عن الميدان السياسي بأي ثمن، وهو ما أجبر بعضهن، خاصة بعد تعرضهن إلى تهديدات وشتائم ذات طابع جنسي، على حذف منشوراتهن التي تنتقد الحكومة وتتحدث عن السياسة وتهميش النساء، وذلك في ظل غياب أية مؤسساتٍ قانونية يمكنهن اللجوء إليها، وغياب الأحزاب السياسية الذي يُبقي تأثيرهن وفعاليتهن السياسية محدودة ومُشتتة.
تحتاج البلاد اليوم، وبصورة مستعجلة، إلى إعادة الاعتبار للمرأة، بوصفها شريكة فاعلة ومؤثِّرة في بناء سوريا الجديدة، ويُشكِّل تمثيلها وحضورها الفاعل جوهر عملية التحول الديمقراطي المنشود، وهو ما يحتاج إلى إعادة هيكلة لجميع المنظومات السياسية والثقافية والقانونية بطريقةٍ ناجعة تضمن مشاركة متكافئة لكلا الجنسين، وتمنح المرأة تمثيلاً حقيقياً ومُستداماً في المجتمع، وجميع المؤسسات والمجالس ومواقع القرار، كما ينبغي أن تكون تلك المشاركة ليست مُجرد استجابة للضغوط الدولية أو محاولة لإظهار خطابٍ مُعاصر يُلمّع صورة السلطة، وإنما استجابة طبيعية للدور التاريخي للمرأة، وطنياً وإجتماعياً وإنسانياً، وإيماناً راسخاً بأن إعادة بناء البلاد تتطلب طاقات وعقول جميع أبنائها، من كلا الجنسين.
by عمر الشيخ | Aug 1, 2026 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
تواجه قبرص تحديات خطيرة في المرحلة الأخيرة من مسار انضمامها المحتمل إلى منطقة شنغن؛ أبرزها الأمن القومي، والطاقة، والهجرة، والصراع المفتوح في الشرق الأوسط”. بهذه الكلمات يختصر دبلوماسي رفيع المشهد الذي تتحرك فيه الدولة القبرصية، وهي تراقب، من موقعها في أقصى شرق الاتحاد الأوروبي، تحولات إقليمية لم تعد تتيح لها الفصل بين الهجرة والأمن والسياسة الخارجية.
قطعت قبرص شوطاً متقدماً في استكمال المتطلبات التقنية اللازمة للانضمام إلى منطقة شنغن، من دون أن يعني ذلك أن عضويتها حُسمت. وكانت المفوضية الأوروبية تستعد، في حزيران/يونيو 2026، لتقديم تقريرها بشأن جاهزية الجزيرة، فيما بقي القرار السياسي النهائي من اختصاص مجلس الاتحاد الأوروبي.
ترى نيقوسيا أن الانضمام سيعزز أمنها ويثبت حضورها داخل البنية الأوروبية، لكن وضع الجزيرة المقسمة، ووجود خط لوقف إطلاق النار لا تسيطر الحكومة على حدوده الشمالية، يجعلان المسألة أبعد من استكمال إجراءات تقنية. فالأمن، في التصور الذي قدمته الرئاسة القبرصية للاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من عام 2026 بات يشمل إضافة إلى الدفاع وحماية الحدود؛ الطاقة والبنى التحتية، والتهديدات الهجينة، والهجرة، والاستعداد للأزمات المحتملة في الجوار الشرق أوسطي. ولهذا وضعت قبرص تطبيق الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، وتشديد آليات العودة، والتعاون مع دول المنشأ والعبور، بين أولوياتها الأوروبية.
أوروبا تعيد ترتيب أولوياتها
المراقب للوضع الداخلي في قبرص، سوف يتلمس كيف تتحرك السياسة القبرصية في لحظة أوروبية تغير فيها ترتيب الأولويات. فالحرب الروسية على أوكرانيا أصبحت اختباراً لقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها، ولمستقبل اعتمادها على المظلة العسكرية والأمنية الأميركية.
وزادت عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية من حالة عدم اليقين. فالضغوط الموجهة إلى الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي، واستخدام الرسوم الجمركية في الخلافات السياسية والتجارية، والشكوك المتعلقة بمستقبل العلاقات عبر الأطلسي، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تقديم الدفاع والأمن الاقتصادي وحماية الحدود. ولم تختفِ المساعدات الإنسانية من الموازنات الأوروبية، لكن البيئة السياسية أصبحت أكثر تقبلاً لتمويل الحماية والردع وبرامج العودة، وأقل استعداداً للتعامل مع الهجرة من بوابة الاستقبال وحدها.
في شرق المتوسط تبدو الصورة أكثر تشابكاً. فقد أبقت الحرب الإسرائيلية على جبهات متعددة، وعدم الاستقرار في لبنان، والتحولات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، قبرص أمام احتمال انتقال سريع لتداعيات الأزمات عبر البحر. فالجزيرة قريبة من الساحلين السوري واللبناني، وتؤدي في الوقت نفسه دور منصة أوروبية للإجلاء والإغاثة والتعاون الأمني. وكل تصعيد في جوارها يحمل احتمال انطلاق قوارب جديدة، إلى جانب أخطار قد تطول منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والبنية العسكرية.
وسط هذه التحولات، أعاد سقوط نظام الأسد فتح السؤال المتعلق بمستقبل السوريين في أوروبا: هل ما زالت الحماية التي مُنحت لهم بسبب الحرب والنظام السابق ضرورية بالدرجة ذاتها، أم بات ممكناً نقل أعداد متزايدة منهم من نظام اللجوء إلى برامج العودة؟
جزيرة صغيرة وذاكرة انقسام
يحضر العامل الديموغرافي بقوة في النقاش القبرصي. فمنذ سنوات، يقول مسؤولون إن الجزيرة استقبلت، قياساً إلى عدد سكانها، أعداداً من طالبي اللجوء تفوق قدرة مؤسساتها وخدماتها. غير أن الرقم المتداول، ومفاده أن طالبي اللجوء تجاوزوا أربعة في المئة من السكان، لا يتعلق بالسوريين وحدهم، ولا يمثل نسبة اللاجئين المعترف بهم. وقد استُخدم في تصريحات رسمية منذ عام 2019 للإشارة إلى مجموع طالبي اللجوء مقارنة بسكان المناطق الواقعة تحت سيطرة جمهورية قبرص.
اكتسب هذا الرقم، مع مرور الوقت، معنى يتجاوز الضغط على الخدمات. فقبرص دولة صغيرة تعيش انقساماً مستمراً منذ الغزو التركي عام 1974، ولا تسيطر حكومتها المعترف بها دولياً على شمال الجزيرة. ولهذا تظهر الهجرة القادمة عبر المناطق الشمالية أو السواحل القريبة، في الخطاب الأمني المحافظ، عاملاً قد يؤثر في التوازن السكاني والاجتماعي، وليس عبئاً إضافياً على مراكز الاستقبال فحسب.
ويقدم مسؤول أمني رفيع، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، قراءة أكثر حدة. فهو يرى أن تركيا تستخدم الهجرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وسيلة ضغط على أوروبا وجمهورية قبرص، وأن ارتفاع أعداد القادمين من مجتمعات مسلمة يثير حساسية إضافية في جزيرة ذات غالبية يونانية أرثوذكسية وتاريخ طويل من الصراع مع أنقرة.
يعكس هذا التقدير طريقة تفكير حاضرة في خلفية بعض القرارات الأمنية، حيث تُقرأ الهجرة في ضوء تاريخ الجزيرة وانقسامها، إلى جانب القوانين والاتفاقيات المنظمة للجوء. وسبق للسلطات القبرصية أن تحدثت عن استخدام الهجرة أداةً للضغط عند وصفها انتقال أشخاص من تركيا إلى الشطر الشمالي، ثم عبورهم المنطقة العازلة نحو الأراضي الخاضعة لسيطرة الجمهورية. وتزداد حساسية المسألة مع تقدم مسار الانضمام إلى شنغن، إذ ستصبح حماية الحدود القبرصية، وفق التصور الأوروبي، جزءاً من حماية المجال المشترك.
عندما جُمّدت الطلبات السورية
بدأ التحول المباشر في سياسة قبرص تجاه السوريين في نيسان/أبريل 2024، عقب وصول أعداد كبيرة من القوارب القادمة من لبنان. فمنذ مطلع ذلك العام وحتى الرابع من نيسان/أبريل، وصل إلى قبرص 2,140 شخصاً، مقابل 78 شخصاً خلال الفترة ذاتها من العام السابق. وفي أسبوع واحد، وصلت قوارب تقل مئات الأشخاص، كان معظمهم من السوريين.
في الثالث عشر من نيسان/أبريل، أعلن الرئيس نيكوس خريستودوليديس تعليق دراسة طلبات اللجوء الجديدة المقدمة من السوريين. لم يكن القرار رفضاً جماعياً، لكنه أبقى أصحاب الطلبات في انتظار غير محدد، وحمل رسالة ردع إلى الراغبين في الانطلاق من السواحل اللبنانية.
وفي الوقت نفسه، تحركت نيقوسيا لدفع الاتحاد الأوروبي إلى مساعدة لبنان على ضبط سواحله ومنع انطلاق القوارب. كما طالبت بإعادة تقييم الأوضاع داخل سوريا، ودراسة إمكان اعتبار بعض مناطقها آمنة. كانت الحكومة القبرصية تسعى إلى مواجهة حركة الهجرة قبل وصولها إلى الجزيرة، وإلى بناء أساس قانوني يسمح بعودة من وصلوا إليها في مراحل سابقة.
أدى تجميد دراسة الملفات إلى تراكم أكثر من أربعة عشر ألف طلب سوري بحلول منتصف عام 2024. وكشف تقرير صادر عن مفوضة الإدارة وحماية حقوق الإنسان في قبرص أن بعض السوريين انتظروا مدة وصلت إلى خمس سنوات قبل البت في طلباتهم. ودعت المفوضة دائرة اللجوء إلى تحسين تواصلها مع المتقدمين، والالتزام بالمهل والإجراءات القانونية.
وضعت سنوات الانتظار طالب اللجوء في مساحة قانونية غامضة؛ يعمل ضمن قطاعات محددة، من دون أن يعرف إن كان سيتمكن من الاستقرار، أو جمع شمل أسرته، أو الانتقال إلى دولة أخرى، أو العودة إلى سوريا من دون خسارة ما استطاع بناءه خلال إقامته.
سقوط الأسد وفتح باب المراجعة
عندما سقط نظام الأسد في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2024، خرج سوريون في قبرص للاحتفال، كما حدث في بلدان أخرى تضم جاليات سورية. وشاهد المجتمع القبرصي احتفالاتهم، لكن الفرح بسقوط النظام لم يؤدِ إلى موقف سوري موحد من العودة.
رأى بعض السوريين أن السبب الأساسي الذي دفعهم إلى مغادرة بلادهم قد انتهى، بينما آثر آخرون انتظار اتضاح طبيعة السلطة الجديدة، ومستوى الأمن في مناطقهم، وإمكان الحصول على السكن والعمل والتعليم. في المقابل، بدأت سياسات الهجرة القبرصية تجاه السوريين تزداد تشدداً.
خلال الأيام الأولى، سحب نحو 110 سوريين طلباتهم أو تنازلوا عن الحماية الفرعية، ثم أخذ العدد بالارتفاع. وبحلول نهاية عام 2025، قالت الحكومة إن 4,081 سورياً عادوا إلى بلادهم. وفي تموز/يوليو 2026، أعلن نائب وزير الهجرة نيكولاس يوانيديس أن أكثر من 5,200 سوري سحبوا طلبات لجوئهم أو تنازلوا عن وضع الحماية منذ سقوط النظام.
يعكس الرقم سرعة التحول، إذ خرج آلاف السوريين من نظام اللجوء القبرصي خلال أقل من عامين، بالتزامن مع بدء رفض عدد من الطلبات التي بقيت معلقة. وفي حزيران/يونيو 2026، أعلنت الحكومة رفض أكثر من 1,500 طلب سوري، وقالت إن نحو عشرين ألف سوري ما زالوا في قبرص ضمن أوضاع قانونية تشمل طلب اللجوء والحماية الفرعية. وترى السلطات أن تبدل السلطة في دمشق وتغير الظروف العامة أتاحا إعادة تقييم الحاجة إلى الحماية.
حين دخل العنف في النقاش العام
لم يكن سقوط النظام السوري العامل الوحيد الذي دفع السياسة القبرصية نحو الأمن والإبعاد. فقد ساهمت حوادث جنائية تورط فيها سوريون في تغيير نبرة النقاش العام.
شهدت ليماسول في كانون الثاني/يناير 2026 شجاراً جماعياً شارك فيه عدد من السوريين. أوقفت الشرطة اثني عشر شخصاً، ثم أعلنت، في شباط/فبراير، ترحيل عشرة منهم إلى سوريا. ولم تبقَ القضية بذلك محصورة في الإجراءات الجنائية، بل دخل الإبعاد ضمن التدابير الإدارية التي أعقبت الواقعة.
وفي الثامن من تموز/يوليو 2026، وقع اشتباك أكثر عنفاً في خيسوفاغو، شارك فيه، بحسب الشرطة ووسائل الإعلام المحلية، ما بين خمسة عشر وعشرين سورياً. استُخدمت خلاله قضبان ومطارق وأدوات أخرى. وأفادت التحقيقات الأولية بأن مركبة حاولت صدم أفراد من المجموعة المقابلة، قبل أن ترتطم بجزء من أحد المنازل. أُصيب عدد من الأشخاص، وأُلقي القبض على مشتبه بهم، وانتقلت الحادثة سريعاً من نطاق التحقيق الجنائي إلى السجال السياسي.
وبعد أيام، نقلت الصحافة القبرصية أن دائرة اللجوء سحبت، أو شرعت في سحب، الحماية من 95 أجنبياً على خلفية أنشطة جنائية، بينهم ثمانون سورياً. وأظهر الإعلان اتجاهاً أكثر وضوحاً في التعامل مع الجرائم التي يرتكبها مستفيدون من الحماية، إذ قد يعاد فتح الملف القانوني للشخص وصولاً إلى محاولة إبعاده.
تركت هذه الوقائع أثراً سلبياً لدى شريحة من المجتمع القبرصي. وأظهر استطلاع نُشر في شباط/فبراير 2026 أن 86 في المئة من المشاركين يشعرون بالقلق حيال الهجرة التي وصفها الاستطلاع بأنها غير خاضعة للسيطرة. ويوضح الرقم طبيعة البيئة التي تعمل ضمنها الحكومة، مع تزايد المطالبة بخفض أعداد الوافدين، وتسريع دراسة الملفات، ومغادرة من لا يملك أساساً قانونياً للإقامة.
داخل البرلمان، ربطت قوى من اليمين الهجرة بالجريمة والسلامة العامة، فيما تبنى حزب “إيلام” اليميني خطاباً أكثر تشدداً، وقدم الهجرة باعتبارها خطراً وجودياً. وفي المقابل، حذرت قوى سياسية وحقوقية من تعميم مسؤولية الجرائم الفردية على جماعات بأكملها، وذكّرت بحاجة الاقتصاد القبرصي إلى آلاف العمال الأجانب، وبينهم سوريون يعملون في قطاعات البناء والمطاعم والخدمات.
العودة الطوعية بين الأسرة والعمل
في صيف عام 2025، أطلقت الحكومة القبرصية أول برنامج مخصص لمساعدة الأسر السورية على العودة. وسمح البرنامج لأحد الوالدين بالبقاء في قبرص والعمل بصورة قانونية، في حين يعود الزوج الآخر والأطفال إلى سوريا، مع حصولهم على دعم مالي وتذاكر سفر.
وقالت الحكومة إن فكرة البرنامج استندت إلى محادثات مع سوريين أبدوا رغبتهم في العودة، لكنهم كانوا يخشون خسارة الدخل الذي تعتمد عليه أسرهم. وشارك نحو تسعمئة شخص في النسخة الأولى من الخطة، فيما أعلنت السلطات أنها لم تسجل عودة أي منهم إلى قبرص بعد سفره.
وفي التاسع من حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة الهجرة نسخة موسعة من البرنامج. يحصل الزوج أو الزوجة العائد إلى سوريا على ألفي يورو، ويخصص مبلغ قدره ألف وخمسمئة يورو لكل طفل عائد، إضافة إلى ألف يورو للأسرة التي كانت تتمتع بالحماية الدولية. ويُسمح لشخص بالغ واحد من أفراد الأسرة بالبقاء في قبرص، بموجب تصريح خاص يتيح له العمل حتى 31 آب/أغسطس 2028.
وتتطلب المشاركة في البرنامج سحب طلب اللجوء أو التنازل عن الحماية. وبذلك يرتبط الدعم المالي بانتقال قانوني كامل؛ إذ تتخلى الأسرة عن وضعها السابق، فيما ينتقل الشخص الذي يبقى إلى وضع العامل الأجنبي المؤقت.
وشارك ممثلون عن أصحاب العمل وقطاع البناء في المؤتمر الذي أُعلن خلاله البرنامج. وتعكس مشاركتهم رغبة قبرص في تقليص عدد المستفيدين من الحماية، مع الاحتفاظ بجزء من العمال السوريين الذين تحتاج إليهم السوق. وفي معظم الحالات، تعود الزوجة والأطفال، بينما يبقى الزوج للعمل وتحويل المال إلى أسرته. وهكذا يجمع البرنامج بين العودة المنظمة والهجرة القانونية ومتطلبات الاقتصاد القبرصي.
سنوات الانتظار الثقيلة
يفكر بعض السوريين في العودة من دون أن يعتقدوا أن سوريا أصبحت مستقرة بصورة كاملة، لكنهم يرون أن سنوات الانتظار في قبرص لم تفتح أمامهم طريقاً واضحاً للمستقبل.
وكانت مجموعة تحمل اسم “سوريون في قبرص” قد قالت، في رسالة نشرتها الصحافة مطلع عام 2025، إن سوريين قدموا طلباتهم منذ عام 2019 وظلوا ينتظرون قرارات بشأنها، في وقت كانت فيه طلبات جنسيات أخرى تُدرس خلال أشهر. ويتقاطع ذلك مع تقرير مفوضة الإدارة الذي وثق حالات استمر انتظارها خمس سنوات.
بالنسبة إلى هؤلاء، قد تتيح العودة الخروج من حالة الإقامة المعلقة، والعمل المحدود، والعجز عن التخطيط لجمع الأسرة أو تعليم الأطفال أو الانتقال إلى وضع قانوني أكثر استقراراً.
“مضت أربع سنوات وأنا أنتظر ورقة تقول لي إن كنت سأبقى أو سأغادر. عملت طوال هذه الفترة، لكنني لم أستطع بناء حياة حقيقية أو إحضار أسرتي. بعد سقوط النظام، صرت أفكر أن العودة، على صعوبتها، قد تكون أفضل من انتظار لا أعرف متى ينتهي”، يقول سوري مقيم في قبرص لمعد التقرير.
تضع هذه الشهادة معنى الطوعية في سياقه العملي. فالقرار يُتخذ بإرادة صاحبه ومن دون ترحيل قسري، لكنه يتأثر أحياناً بسنوات من القلق وغياب اليقين. وعندما تتاح مساعدة مالية لشخص انتظر أربعة أو خمسة أعوام، بالتزامن مع استئناف دراسة الطلبات وصدور قرارات بالرفض والعودة، تلتقي الرغبة في الرجوع مع الحاجة إلى إنهاء انتظار طال أكثر مما كان متوقعاً.
ويظل نجاح العودة مرتبطاً بوعي صاحب القرار بظروفها، وبقدرة الأسرة على الاستفادة من البرنامج في استعادة قدر من الاستقرار داخل بلدها.
مستقبل أكثر وضوحاً
لا تتضمن الوثائق القبرصية قراراً بإعادة جميع السوريين، ولا تسمح القوانين الأوروبية باتخاذ قرار جماعي من هذا النوع. غير أن الاتجاه السياسي أصبح أكثر وضوحاً، مع اقتراب مرحلة التعامل مع السوريين باعتبارهم جماعة تستحق الحماية الفرعية استناداً إلى الوضع العام في بلدهم من نهايتها.
وسيتعين على السوري، بصورة متزايدة، إثبات وجود خطر شخصي يبرر استمرار حمايته. أما من لا يستطيع إثبات ذلك، فستضيق أمامه الخيارات لتشمل العودة بمساعدة مالية، أو الحصول على تصريح عمل مستقل عندما تكون هناك حاجة اقتصادية إليه، أو مواجهة قرار بالمغادرة بعد استنفاد طرق الطعن المتاحة.
أتاح سقوط النظام للحكومة القبرصية ظرفاً سياسياً وقانونياً لتنظيم عودة السوريين الذين لم تعد أسباب الحماية قائمة في حالاتهم. ومع تقدم الجزيرة في مسار الانضمام إلى شنغن، بات خفض أعداد الوافدين وتسريع العودة جزءاً من الأدلة التي تقدمها نيقوسيا إلى شركائها الأوروبيين لإظهار قدرتها على حماية الحدود الخارجية للاتحاد.
أصبح مستقبل الوجود السوري في قبرص أكثر تحديداً مما كان عليه قبل عامين، وإن لم يُحسم بالطريقة ذاتها للجميع. وما تراجع فعلياً هو الاعتقاد بأن مرور الوقت وحده سيحول اللجوء المؤقت إلى إقامة مستقرة. ففي قبرص اليوم، يحتاج البقاء إلى أساس قانوني يتجدد، ويرتبط العمل بتصريح تمنحه الدولة وفق حاجتها، بينما صارت العودة خياراً حاضراً في السياسة التي يعاد من خلالها ترتيب أوضاع آلاف السوريين.
وبالنسبة إلى من انتهت الأسباب التي حالت دون رجوعهم، أو وجدوا في البرنامج فرصة للعودة مع الحفاظ على مصدر دخل لأسرهم، قد تمثل العودة الطوعية بداية عملية لاستعادة حياتهم داخل سوريا، بعيداً عن انتظار مفتوح لم يعد يقدم لهم إجابات واضحة.
by سالي علي | Jul 26, 2026 | Cost of War - EN, Culture - EN, News - EN, Reports - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
في مسرحية “في انتظار غودو“، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب “صمويل بيكيت” مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة. وحين يطول الانتظار، لا يعود الإنسان يسأل متى سيتغير الواقع، بل يتكيف مع فكرة أنّ المستقبل قد لا يصل أبداً كما تخيله. وربما لهذا تبدو سوريا اليوم أمام تحدٍ يتجاوز انتهاء المعارك. فمع انحسار المواجهات العسكرية، والحديث المتزايد عن رفع العقوبات، وعودة الشركات، وخطط إعادة الإعمار، ما يزال كثير من السوريين ينظرون إلى الغد بحذر. ليست المشكلة أنهم لا يرون مؤشرات التحسن، بل أنهم لم يعودوا يثقون بسهولة بأنّ الزمن سيواصل السير في الاتجاه نفسه. فالحرب لا تترك وراءها مدناً مهدمة فقط، بل تترك علاقة مضطربة مع المستقبل، يصبح معها الاستقرار احتمالاً أكثر منه يقيناً.
تشيرُ تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ الاقتصاد السوري انكمش إلى أقل من نصفِ حجمه مقارنة بما قبل عام 2011، ومع ذلك فإنّ الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تفسر وحدها المزاج العام. فالاقتصاد يمكن أن يبدأ بالتعافي بمجرد عودة النشاط والإنتاج، أما الإنسان فلا يتعافى بالسرعة نفسها، لأنّ ما تضرر خلال سنوات الحرب لم يكن الدخل وحده، بل الإحساس بأنّ الغد يمكن التخطيط له. كما تؤكد دراسات المجتمعات الخارجة من النزاعات أن آثار الحرب تستمرُ طويلًا بعد توقف القتال. فوقف إطلاق النار لا يعيد تلقائياً أنماط الحياة السابقة، ولا يعيد الثقة بالمؤسسات أو القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وتشير تقديرات البنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة إلى أنّ التعافي الاقتصادي كثيرًا ما يسبق التعافي الاجتماعي، لأنّ الأسواق تستطيع استئناف نشاطها بدافع الحاجة، بينما يحتاج الشعور بالأمان إلى تجارب متكررة تثبت أنّ الاستقرار أصبح قاعدة لا استثناء.
لعلّ أشد ما تفعله الحرب قسوة أنها تغيّر علاقة الإنسان بالزمن. ففي الظروف الطبيعية، يبني الناس حياتهم على افتراض بسيط: أنّ الغد سيكون امتداداً لليوم. أما في سنوات النزاع فيصبح هذا الافتراض نفسه محل شك. يتراجع التفكير البعيد، وتغدو الأولوية للنجاة من الأسبوع المقبل، أو حتى من اليوم التالي. ومع مرور الوقت لا يبقى هذا السلوك مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى عادة ذهنية تستمر حتى بعد زوالِ أسبابها.
في أحد مقاهي دمشق، كان الحديث يدور حول مشروعٍ صغير يخطط أحد الأصدقاء لإطلاقه. استمع الجميع باهتمام، ثم قال أحدهم بعد لحظة صمت: “استنى شوي، خلي الأمور تثبت”. لم يناقش جدوى المشروع ولا مصادر تمويله، بل علّق القرار كله على الزمن. وكأنّ المشكلة لم تعد في الفكرة، بل في السؤال الأعمق: هل يمكن الوثوق بأنّ الغد لن ينقلب فجأة على اليوم؟ لهذا في الأحاديث اليومية تتكرر عبارات مثل: “لسه بكير” و”خلينا ننتظر”، و”ما حدا بيعرف شو بصير”. قد تبدو كلمات عابرة، لكنها تعكس طريقة كاملة في قراءة الواقع. فالحرب علمت الناس أنّ الخطط قد تنهار بين ليلة وضحاها، وأنّ النجاح الحقيقي كان في القدرة على تعديل المسار بسرعة، لا في الالتزام بخطة طويلة. وما كان يوماً استجابة عقلانية لسنوات الفوضى قد يتحول اليوم إلى عائق أمام أيّ بداية جديدة.
الأمر هنا لا يتعلق بالتشاؤم بقدر ما يتعلق بالذاكرة. فالذاكرة لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تحفظ أيضاً الإيقاع الذي عاشت عليه. سنوات الانقطاع المتكرر، في العمل والدخل والخدمات وحتى في المكان، تجعل الحذر يبدو أكثر حكمة من التفاؤل، لأنّ التجربة علمت أصحابها أنّ الاستقرار قد يكون مؤقتاً. وهكذا يصبح الزمن نفسه موضع اختبار دائم، ويغدو الانتظار خياراً يبدو أكثر أماناً من المبادرة. وهذه ليست خصوصية سورية. ففي البوسنة والهرسك، بدأت الأسواق وإعادة الإعمار تستعيدُ نشاطها بعد اتفاق دايتون بوتيرة أسرع من استعادة العلاقات الاجتماعية عافيتها، إذ احتاجت المجتمعات المحلية سنوات حتى تتجاوز آثار الانقسام. وفي رواندا، لم يكن النمو الاقتصادي بعد عام 1994 كافي لطي صفحة الإبادة الجماعية، بل رافقته جهود طويلة للمصالحة والعدالة المجتمعية، لأنّ إعادة بناء الإنسان استغرقت زمناً أطول من إعادة بناء الاقتصاد. وحتى في لبنان، ظل منطق الحذر حاضراً في السياسة والاقتصاد بعد انتهاء الحرب الأهلية وكأنّ الماضي بقي يقيس احتمالات المستقبل.
ومن هنا يمكن لنا فهم مفارقة الاستثمار. فكثيراً ما يُنظر إليه باعتباره أموالاً تبحث عن فرص، لكنهُ رهان على الزمن في جوهره . المستثمر لا يشتري الحاضر، بل يشتري ما يتوقع أن يكون عليه الغد. ولهذا لا تكفي الحوافز أو التصريحات لجذب رؤوس الأموال، إذا بقيت القواعد متقلبة، أو ظل المستقبل غامضاً. فكلما انخفضت القدرة على التنبؤ، ارتفعت كلفة القرار حتى لو بدت الفرص الاقتصادية واعدة. والأمر نفسه ينطبق على الناس. شراء منزل، أو افتتاح مشروع، أو العودة من اللجوء، أو حتى اتخاذ قرار بالزواج والإنجاب، ليست قرارات اقتصادية فحسب، بل رهانات على أنّ المستقبل سيكون أكثر استقراراً من الحاضر. ولذلك فإنّ إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء الإحساس بأنّ الزمن عاد يسير بصورة طبيعية.
الحرب، إذاً؛ قد تنتهي بوصفها حدثاً عسكرياً وسياسياً لكنها لن تنتهي في وجدان الناس بالسرعة نفسها. واستعادة الحياة لا تتحقق بمجرد توقف القتال، إنما حين يصبح الأمن اليومي واقعاً وتستقر المؤسسات على قواعد واضحة، وتستعيد الخدمات والاقتصاد قدرتها على منح الناس ما هو أثمن من الدخل؛ القدرة على التخطيط.
في نهاية “في انتظار غودو“؛ يقرر الرجلان أن يغادرا، لكنهما لا يتحركان. ليست المشكلة أنهما لا يعرفان الطريق، بل أنّ الانتظار أصبح عالمهما الوحيد. وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب؛ أن لا يتحول الحذر الذي كان ضرورة للبقاء، إلى أسلوبٍ دائم في الحياة. سوريا الجديدة لن تُقاس بعدد الأبنية التي ستُشيَّد، ولا بحجم الاستثمارات التي ستدخلها، بل باليوم الذي يتوقف فيه السوري عن انتظارِ استقرار الغد، لأنهُ أصبح يعيش استقرار اليوم. عندها فقط يمكن القول إنّ الحرب انتهت حقاً، ليس في الخرائط العسكرية وحدها بل في الزمن الذي يحمله الناس داخلهم.