الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

يُقال إن رئيس اتحاد الكتّاب العرب الأسبق، الدكتور حسين جمعة، لم يكن يعترف بقصيدة النثر ولا يعدّها شعراً؛ فالشعر عنده كان ما نُظم على بحور الخليل فقط.

كان ذلك مجرد رأي، ورغم أنه كان يترأس مؤسسة ثقافية، فإنه لم يعمل على إقصاء من يكتبون قصيدة النثر، ولم يحارب هذا الجنس الأدبي الذي أثار نقاشات وتجاذبات كثيرة على مدى عقود.

ولم يكن هذا الرأي حكراً على الدكتور حسين جمعة، بل كان رأي كثيرين من أقطاب القصيدة التقليدية. وقد سبقه إليه الشاعر نديم محمد، الذي اتسم نتاجه بتجديد الصورة الشعرية. ورغم ذلك، عندما قرأ له الشاعر خير الله علي نصاً من قصيدة نثرية، قال: «هذا كلام أدبي جميل، لكن لا تقل لي إنه شعر».

القصيدة التقليدية والحديثة، سواء أكانت تفعيلة أم نثرية، والرواية والقصة، والفن التشكيلي والسينما، والدراما والمسرح، إضافة إلى الموروث المتراكم تاريخياً، كلها تشكّل مشتركاً ثقافياً إبداعياً لا ينتمي إلى فئة دون أخرى. لكن، في الفترة الأخيرة، ومع ما حدث في سورية، يبدو أن هذا المشترك أصابه الانقسام كما أصاب معظم فعاليات المجتمع السوري. ولم يقم هذا الانقسام على أساس نقدي أو إبداعي، بل على أسس أخرى.

اصطفاف ثقافي بمضمون سياسي

أوردنا ما سبق مثالاً على اختلاف الرأي في مسألة إبداعية نجم عنها نقاش وجدال امتدا لعقود، لكنهما لم يؤديا إلى اصطفاف كالذي نراه اليوم في الواقع السوري، والذي يبدو متماشياً مع الاصطفافات الأخرى.

يعكس الراهن الثقافي السوري الواقعين السياسي والاجتماعي، وهذا أمر معروف في هذا الشرق منذ زمن طويل، في ظل العلاقة المعروفة بين المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، والنشاط والفعاليات الثقافية من جهة أخرى.

كانت التغييرات التي اعترت هذا الواقع واضحة تماماً، سواء من حيث الفعاليات أو من خلال سمات الخطاب الثقافي المعتمد، الذي ينحو نحو الأصولية بما يوحي بأنه موازٍ للأصوليات الأخرى.

من المعتاد أن تعمد السلطة السياسية إلى فرض ثقافتها التي تؤسس لأيديولوجيتها وترفدها، وتصبح هذه الثقافة في علاقة تفاعلية مع مكونات السلطة. وهذا ما نراه بوضوح في سورية الآن، إذ يفرض ذلك على الثقافة المقابلة والمناقضة لها صبغة سياسية قد لا تكون تسعى إليها، ويضعها في موقع المعارضة ثقافياً وسياسياً.

ولا بد لهذا الاصطفاف من أن يفرض توتراً ثقافياً ذا أطياف سياسية واجتماعية، قد يصل إلى درجة رفض الآخر ثقافياً، والتقليل من شأن مبدعين معروفين، وإهمال المنجز الإبداعي على أساس التوافق أو عدمه، ووفق معايير تتجاوز الشللية المعروفة.

إقصاء إبداعي وثقافي

أسرّ لي مدير مركز ثقافي بأن هناك أسماء لمبدعين وكتّاب ممنوعين من اعتلاء منابر وزارة الثقافة بمختلف مؤسساتها. وأضاف أن هذا المنع قام على أساس علاقة مفترضة بالسلطة السابقة، تُفهم على أنها تأييد لها. كما أن هناك من لا يندرج ضمن هذا التصنيف، لكن ما يقدّمه من مادة ثقافية لا ينسجم مع توجهات وزارة الثقافة الجديدة.

ويؤكد ذلك غياب كثير من الأسماء التي كانت تساهم في الحراك الثقافي السوري، وبروز أسماء أخرى غير معروفة، وليس لديها منجز ثقافي معروف أو ذو قيمة قياساً بمن جرى تغييبهم. والسمة الغالبة على منجز هؤلاء هي التقليدية والالتزام بالكلاسيكية الشعرية بنمطها الأقرب إلى العصرين الأموي والعباسي، سواء من ناحية القاموس اللغوي أو المعالجة الشعرية لحالات سالفة تناولتها كثير من القصائد والنصوص.

ولا يقتصر ذلك على وزارة الثقافة، بل يتجاوزها إلى وزارة الإعلام ومؤسساتها، ولا سيما القنوات الإعلامية الوطنية، حيث يجري التركيز على أسماء معينة وجوانب إبداعية محددة، مع استثناءات قليلة. وينطبق الأمر أيضاً على قنوات أخرى مناصرة للسلطة، مثل تلفزيون سورية، الذي يبث برنامجاً عن الشعر يقتصر على الشعر الخليلي وعلى أسماء تنتمي إلى طيف واحد تقريباً.

في المقابل، هناك انكفاء طوعي لكثير من المبدعين والمثقفين الذين كانوا ينشطون في الفضاء الثقافي السوري، وابتعاد عن المشاركة والحضور في المؤسسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية. ونلمس ذلك في ابتعادهم عن نشاطات المراكز الثقافية واتحاد الكتّاب العرب بفروعه الموزعة في المحافظات والمناطق السورية، وكذلك في غيابهم عن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ولجوئهم إلى المقاهي الثقافية لإقامة نشاطاتهم، رغم ضيق هذه المقاهي وعدم ملاءمتها لمثل هذه الأنشطة من حيث المساحة والتصميم والطابع العام.

ولم يقتصر الإقصاء والانكفاء على النتاج الكتابي وحده، بل وصلا إلى فعاليات أخرى كالدراما. فقد عمدت نقابة الفنانين إلى إبعاد عدد من الفنانين الذين اتُّهموا بممالأة النظام السابق، بينما انكفأ فنانون آخرون واحتجبوا، وغادر بعضهم البلاد.

ثقافة واحدة أم ثقافات؟

يطرح السجال المحتدم على الساحة السورية حول شخصيات وأحداث تاريخية وقضايا ثقافية تساؤلاً مهماً: هل هناك ثقافة واحدة في سورية أم ثقافات متعددة؟

من الطبيعي أن يكون هناك تنوع ثقافي في بلد يقوم على التعدد الإثني، إذ يختلف الموروث الثقافي من فئة إلى أخرى. لكن يمكن لهذا التنوع أن يساهم ويتضافر ضمن نطاق ثقافة وطنية جامعة، وهو ما كنا نظن أنه موجود في سورية، إلى أن كشف الواقع السوري الجديد عن جدال حاد حول قضايا كنا نظن أن الاتفاق عليها والنظرة إليها قد أصبحا من المسلمات.

فقد أُعيد طرح قضايا مزمنة طُرحت منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، حين انطلقت «النهضة العربية»، التي يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، مثل قضية إسلامية الدولة أم قوميتها ووطنيتها. لكن الفارق أن هذه القضايا لم تُطرح على أساس فكري تحرري وفي سياق نقاش وطني، بل في إطار إقصائي تعصبي ومتشنج.

كذلك عاد السجال والجدال حول شخصيات تاريخية، مثل صلاح الدين الأيوبي، وحول أحداث ومناسبات مثل عيد الشهداء وحرب تشرين عام 1973.

وعلى صعيد آخر، هناك نزوع إلى طمس رموز ثقافية ووطنية، من خلال استبدال تسميات منشآت وشوارع وهيئات بتسميات جديدة مرتبطة بشخصيات دينية تاريخية. ومن ذلك استبدال اسم ساحة العباسيين باسم «ساحة الزبير بن العوام»، في سياق خطة تهدف إلى تسمية بعض الميادين بأسماء المبشرين بالجنة، أو بتواريخ مناسبات لها صلة بالسلطة الجديدة.

ومن الأمثلة أيضاً استبدال اسم شارع «عبد المنعم رياض» باسم «18 نيسان»، وتغيير اسم جامعة تشرين إلى جامعة اللاذقية، واسم حديقة «6 تشرين» إلى «حديقة المشروع». علماً أن التسميات المستبدلة تُعد جزءاً من المشترك الثقافي والوطني، ولا تخص فئة بعينها.

ولا بد من الإشارة إلى أن استبدال تسميات مثل «الباسل» و«البعث» و«8 آذار» و«17 نيسان» أمر محق وضروري، شريطة أن تكون التسميات الجديدة ذات طابع وطني عام.

وثمة إجراء آخر يتصل بالجانب الثقافي، وإن كانت أهدافه تتجاوز ذلك، يتمثل في التغيير الذي طرأ على المناهج الدراسية، من خلال حذف أحداث وشخصيات واعتماد أخرى بما يلائم التوجه السياسي الجديد، بصرف النظر عن الأهمية الوطنية والتاريخية للأحداث المحذوفة، وعن مصداقية الشخصيات المستبعدة.

وقد أثار ذلك استفزازاً ثقافياً واجتماعياً لدى من نشأوا على احترام هذه الشخصيات وتقديرها، وشكّلت لهم تلك الأحداث مصدر فخر وطني وشخصي بحكم الانتماء.

وكانت النتيجة نشوء تباينات عمودية في الحالة الثقافية السورية، بعدما كانت التباينات أفقية تعود إلى الاختلاف في الرأي، لا في الموروث والتوجه والهدف والرؤية.

إن تقويض المشترك الثقافي الوطني هو ما أدى إلى هذه الحالة، إضافة إلى تبني أصناف معينة من النتاج الثقافي، وتسفيه أصناف أخرى وإسقاط القيمة عنها، فضلاً عن طمس معالم، وتغييب شخصيات وقامات ثقافية، واستحضار أخرى على أسس مختلفة، إلى حد باتت معه الثقافة السورية تبدو كأنها ثقافات متعايشة تارة، ومتعارضة تارة أخرى، لا ثقافة واحدة.

الخارجية السورية في طرابلس الشام

الخارجية السورية في طرابلس الشام

في لحظةٍ وثّقت عجز الزعامات الطرابلسية عن إدارة واقع مدينتها وتمثيل وجعها، دخل موكب وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، أو (أبو عائشة) كما ناداه بعض الطرابلسيين، فبدا حضوره كضوءٍ كاشفٍ سلّط على تلك الزعامات ما حاولت طويلًا إخفاءه. وكانت زيارة الشيباني تحمل رمزيةً سياسيةً أكبر من منصبه: رمزًا لسقوط النظام السوري السابق، ولصعود سلطة جديدة، ولانتصارٍ شعر قسم من المدينة أنه يعنيه مباشرة، فاحتفوا به وحمّلوه مطالبهم: (أمانة ملف الشيخ الأسير). كانت العبارة إعلانًا صريحًا عن انهيار الثقة بالوسيط السياسي المحلي، وعن مدينةٍ بات أهلها يبحثون خارج حدود الدولة وخارج زعاماتهم التقليدية عمّن يحمل قضيتهم، أو يوهمهم بإمكان حملها.

قد يحمل الاحتفاء الطرابلسي بأسعد الشيباني السلطات السورية الجديدة إلى فخّ (عنجر طرابلسية). فعنجر كانت، في زمن الوصاية، صيغةً للحكم: مركزًا سوريًا موازيًا للدولة اللبنانية، يقصده أصحاب المطالب لأنهم يعرفون أن الطريق إلى الضابط السوري أقصر وأكثر فاعليةً من الطريق إلى النائب أو الوزير اللبناني. وبالتالي، قد لا تكون طرابلس عنجر جديدة في صورة مقرّ أمني أو غرفة ضباط، وقد لا تحتاج إلى دبابة أو جهاز مخابرات. يكفي أن يصبح المسؤول السوري مرجعًا لمطالب المدينة، وأن يشعر أهلها بأن الوصول إليه أجدى من الوصول إلى ممثليهم ودولتهم. عندها يتغيّر شكل النفوذ، لكن منطقه يبقى واحدًا: مرجعية سورية تتقدّم كلما تراجعت الدولة اللبنانية.

وهنا يكمن امتحان حكام سوريا الجدد. فالقطيعة مع نظام الأسد تكون أيضًا برفض وراثة موقعه بوصفه صاحب الكلمة داخل لبنان. وإذا كانت عنجر القديمة قد فُرضت بالقوة والخوف، فقد تولد عنجر الجديدة من الترحيب والحاجة والفراغ السياسي، فتنتقل كاريزما الشيباني من الإعجاب بالشخص إلى التعامل معه كمرجع قادر على التدخل والحل.

غير أن هذا الانتقال يتعارض مع منطق الدولة الحديثة كما صاغه عالم الاجتماع ماكس ويبر، والقائم على السلطة القانونية–العقلانية، حيث تُحلّ القضايا عبر مؤسسات محددة الصلاحيات، وقواعد عامة، وإجراءات لا تتبدل بتبدّل الأشخاص، لا عبر المكانة الشخصية أو العلاقة المباشرة مع صاحب النفوذ. فحين يُطلب من وزير سوري أن يتولى قضيةً لبنانيةً داخلية، تكون الكاريزما قد بدأت تتقدّم على المؤسسة، ويكون الشخص قد اكتسب وظيفةً لا يمنحه إياها منصبه الرسمي.

لكن الكاريزما، بحسب ويبر، لا تبقى استثنائيةً إلى الأبد؛ فهي إما أن تتلاشى، وإما أن تخضع لما يمكن تسميته “روتين الكاريزما”، أي تحويلها إلى قواعد ومؤسسات مستقرة. ومن هنا يبرز السؤال: هل ستعمل سوريا الجديدة على عقلنة الرأسمال الكاريزماتيكي الذي راكمه ممثلوها، وإخضاعه لمنطق الدولة والعلاقات الرسمية بين بلدين؟ أم ستعيد تشكيله بما ينسجم مع خلفيتها السياسية الجديدة، فتنتج نفوذًا أقل خشونةً من الوصاية القديمة، لكنه يقوم مجددًا على تجاوز المؤسسات اللبنانية؟

المشكلة، إذًا، ليست في كاريزما الشيباني السياسية، إنما في المجال الذي تُمارس فيه هذه الكاريزما. فإذا جرى احتواؤها داخل مؤسسات الدولة السورية واستخدامها لبناء شرعية قانونية داخلية، كانت جزءًا من انتقال سياسي نحو الدولة الحديثة. أما إذا امتدت إلى لبنان لتتحول إلى قناة لمعالجة قضاياه الداخلية، فإنها تكون قد خرجت من مسار العقلنة، ودخلت في إنتاج مرجعية موازية قد تمهّد لعنجر جديدة في لبنان.

وليس الشمال اللبناني غريبًا عن أن يتحوّل إلى ميدانٍ تُختبر فيه قدرة الدولة على إدارة أمنها من دون المرجعية السورية. فبعد نحو عامين على خروج الجيش السوري السابق من لبنان، اندلعت معركة نهر البارد عام 2007 بين الجيش اللبناني وتنظيم (فتح الإسلام)، الذي انشقّ عن (فتح الانتفاضة) الموالية لدمشق. يومها اتهمت حكومة فؤاد السنيورة الاستخبارات السورية بالوقوف خلف التنظيم، فيما نفت دمشق و(فتح الإسلام) ذلك.

لكن، بصرف النظر عن الجهة التي حرّكت الشرارة، مثّلت نهر البارد أول امتحان عسكري كبير للدولة اللبنانية بعد انسحاب الجيش السوري: هل يستطيع الجيش اللبناني حسم مواجهة بهذا الحجم من دون المظلة الأمنية السورية التي ادّعت دمشق طويلًا أن لبنان لا يستطيع الاستغناء عنها؟ وقد انتهت المعركة بعد أشهر بانتصار الجيش على (فتح الإسلام)، لكنها خلّفت المخيم مدمّرًا، وعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين مهجّرين.

من هنا، لا يبدو حمل ملف أحمد الأسير إلى الشيباني جزءاً منفصلاً عن تاريخ الشمال. فالمنطقة التي خاضت فيها الدولة اللبنانية امتحان استقلالها الأمني عن دمشق، تعود اليوم لتضع إحدى أكثر قضاياها القضائية والأمنية حساسيةً في يد مسؤول سوري. وإذا كانت معركة نهر البارد قد طرحت سؤالًا عن قدرة الجيش اللبناني على العمل من دون الجيش السوري، فإن ملف الأسير يطرح اليوم سؤالًا مشابهًا بصيغة سياسية: هل تستطيع الدولة اللبنانية معالجة أزماتها من دون أن تستدعي، طوعًا أو عجزًا، مرجعيةً سوريةً جديدة؟

وإذا اختارت دمشق أن ترعى اسم أحمد الأسير ضمن ملف (السجناء الإسلاميين)، فلن يُقرأ موقفها إلا بوصفه منحًا لغطاء سياسي لشخص ارتبط اسمه بالاعتداء على الجيش اللبناني في أحداث عبرا. فالأسير أُدين على خلفية مواجهة مسلحة قُتل فيها ثمانية عشر عسكريًا لبنانيًا وجُرح العشرات، وليس موقوفًا بسبب موقفه من نظام الأسد. ولذلك، فإن تبنّي قضيته من جانب سلطة سورية سيضع دمشق الجديدة في مواجهة مباشرة مع ذاكرة المؤسسة العسكرية اللبنانية وعائلات ضحاياها.

وثكنة محمد زغيب، بما شهدته عقب المعركة من عمليات توقيف وتحقيق واستجواب، خير شاهدٍ على أن ملف أحمد الأسير كان قضيةً أمنيةً ارتبطت بمواجهة مسلحة مع الجيش اللبناني، لا قضية رأي سياسي. لهذا، فإن رعاية دمشق لاسمه ستتجاوز التدخل في القضاء اللبناني إلى ما هو أكثر حساسية: الظهور بمظهر الراعي السياسي لمن حمل السلاح في وجه المؤسسة العسكرية التي يُفترض أن يشكّل احترامها أساس العلاقة بين الدولتين.

لا ينبغي لطرابلس أن تبقى بوابةً تعبر منها الأنظمة إلى لبنان كلما ضعفت الدولة أو اشتعلت الأزمات في سوريا. لقد دفعت المدينة ثمن هذه الوظيفة طويلًا، إذ كان كل توتر في سوريا يجد صداه في أحيائها، ويتحوّل جبل محسن وباب التبانة إلى خطّي تماس لحرب لم يصنعها أهلهما. فجبل محسن لم يكن خصمًا طبيعيًا لطرابلس، كما لم تكن التبانة خزانًا دائمًا للمقاتلين؛ بل جرى تحويل الحرمان المشترك إلى صراع بالوكالة، واستخدام الانقسام المذهبي لإبقاء المدينة مفتوحة أمام النفوذ الخارجي.

ولا يجوز أن تتحول طرابلس، كلما غضب أهلها أو شعروا بالتهميش، إلى مدينة يتم إرضاؤها بتسوية أمنية أو بإخراج اسم من السجن؛ مرةً باسم شادي المولوي، ومرةً باسم أحمد الأسير. فالمدينة تُنصف بإنماء متوازن، وعدالة واحدة، ودولة تستعيد ثقة أبنائها من دون أن تساوم على أمنها أو على دم جنودها.لذلك، على الدولة اللبنانية أن تمنع اليوم الحاجة إلى (عنجر طرابلسية). ويكون ذلك بفرض سلطتها القانونية على المنطقة، وبحسم الملفات القضائية داخل مؤسساتها، وبإنماء متوازن يوفّر لأهالي طرابلس وعكار والشمال فرصًا حقيقية، فلا يبقى الطريق إلى خربة الأكراد وشبكات تهريب البضائع عبر الحدود أقرب إلى الشاب من الطريق إلى وظيفة تحفظ كرامته.

فخربة الأكراد خير شاهدٍ على منطقة تركتها الدولة خارج اقتصادها الشرعي، ثم عادت لتتعامل معها بوصفها مشكلةً أمنية. فالسيادة تُحمى بجعل أهل المنطقة قادرين على الاستغناء عن اقتصاد التهريب، وعن الوسطاء والزعامات والمرجعيات الخارجية. أما إذا استمر الفراغ، فقد تبدأ العودة السورية اليوم بلائحة سجناء تُرفع إلى مسؤول سوري، وغدًا بلائحة وزراء يُطلب رضاه عنهم.

من ضيق العيش إلى مطلب العدالة: احتجاجات سوريا واختبار العقد الاجتماعي الجديد

من ضيق العيش إلى مطلب العدالة: احتجاجات سوريا واختبار العقد الاجتماعي الجديد

في القامشلي، لم تُثنِ الأزمة القلبية المفاجئة رجلاً عن معاودة الاحتجاج؛ فبعد ساعات من نقله إلى المستشفى إثر وعكة داهمته وهو يتحدث عن ضيق العيش، عاد في اليوم التالي ليتابع الوقفة من مقعد سيارته. يختصر هذا المشهد مزاجاً سورياً جديداً في عام 2026: شعبٌ أنهكه الفقر، ويرفض في الوقت نفسه أن يصمت. منذ مطلع العام، رصد صحافيون وباحثون نحو ثمانين وقفة احتجاجية خلال ثلاثة أشهر، بمعدل واحدة كل يوم تقريباً، امتدت من دمشق وحلب إلى دير الزور والرقة والحسكة والسويداء ودرعا. تعلّمت البلاد، بعد نصف قرن من الصمت المفروض، أن تنزل إلى الشارع من جديد.

هذا الغضب نهران يجريان معاً. الأول معيشيّ اقتصاديّ: رفعت الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع تعرفة الكهرباء بنحو 800 في المئة، وحدّدت سعر طنّ القمح عند نحو 330 دولاراً، بينما تجاوزت كلفة إنتاجه خمسمئة دولار، وقلّصت رغيف الخبز وزناً وعدداً. خرج المزارعون في الرقة ودير الزور تحت شعار “سنابل الكرامة”، وأضرب عمّال “زينوبيا” و”مدار” في ريف دمشق، فانتزعوا زيادات وتأميناً صحياً، واعتصم متقاعدو الجزيرة إلى أن أعلنوا “تجمّع المتقاعدين”. وطالبت ممرضات بمساواتهنّ بالأطباء في الأجر، واحتجّ مفصولون من القطاع العام على تسريح بلا معايير. يضاف إلى المعيشة نزاع الأرض: تظاهر متضررو المرسوم 66 في دمشق خوفاً من مشروع “ماروتا سيتي”، ورفض أهالي الرقة هدم منازل نحو ثلاثة آلاف عائلة بذريعة الإعمار، في مقابل مشاريع فاخرة كـ”يعفور 963” تبدأ أسعار شققها من ثلاثمئة ألف دولار. وهكذا تتحول إعادة الإعمار إلى استثمار للأثرياء، لا إلى حلّ لأزمة سكن الغالبية. ورافق ذلك تقشّف قاسٍ، إذ خفّض “برنامج الأغذية العالمي” مساعداته إلى النصف وأنهى دعم الخبز، فتعمّق انعدام الأمن الغذائي لدى الفئات الأشدّ هشاشة.

أما النهر الثاني فحقوقيّ. انطلق “اعتصام الكرامة” في دير الزور منتصف حزيران/يونيو، مطالباً بمحاسبة المتورطين في جرائم النظام المخلوع، ورافضاً “تعويم” رموزه العائدين بلا حساب عبر “تسويات” أثارت حفيظة الشارع. سرعان ما بلغ الحراك إدلب وحلب وتدمر، وانزلق في مواضع نحو العنف حين حاول محتجون مهاجمة أحياء ذات غالبية علوية، كالمزة 86، فتدخّل الأمن العام لتطويقها. وفي السويداء، تتكرر الوقفات للمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين والإفراج عن المعتقلين. وفي دمشق، فضّت قوى الأمن اعتصام “قانون وكرامة” الذي نادى بدولة القانون ومكافحة الفساد، لتتقاطع مطالب المعيشة والعدالة في ميدان واحد يتّسع من لقمة العيش إلى الحق والذاكرة.

ما الذي يغذّي هذين النهرين؟ في العمق، أزمة بنيوية. ترث البلاد دولة محطّمة، تُقدَّر كلفة إعمارها بمئتي مليار دولار ونيّف، ويعيش أكثر من ثمانين في المئة من سكانها تحت خط الفقر، ويعمل ثلاثة أرباعهم في اقتصاد غير رسمي بلا حماية. ومن هنا، يصطدم التحرير الاقتصادي، حين يجري من دون شبكة أمان للفئات الهشّة، بتطلعات شعب انتظر ثمرة سريعة لسقوط الأسد. تنضاف إلى ذلك عثرة العدالة الانتقالية: غياب مجلس منتخب أخّر إقرار قانون ناظم، وعجز مالي يكبح “جبر الضرر”، وأرشيف أمني هائل يحتاج إلى فرز، في حين يبلغ عدد المطلوبين نحو ستة عشر ألفاً، لم يُوقَف منهم سوى الثلث. ويزيد الطين بلّة مشهد حفلات التبرّع للإعمار التي تحوّلت إلى منصّات لأصحاب الملايين، فتزرع بذور رأسمالية محتكرة قبل أن تقوم للدولة قائمة. وليس مستغرباً أن يرى ثلثا السوريين، وفق استطلاعات محلية، أنّ جهود الحكومة الاقتصادية غير كافية. ولعلّ أخطر ما في هذه الموجة أنها بلا أيديولوجيا أو قيادة؛ إنها غضب موزّع أفقياً على قضايا متفرقة، وهو ما يجعل احتواءها أيسر واستئصالها أعسر في آن.

كيف تتصرف الحكومة؟ تتعامل مع الاحتجاج بقدر من التسامح، وتتراجع أحياناً عن قراراتها؛ إذ رفع المرسوم 120 سعر القمح قليلاً بعد الاعتصامات، وأبدى الأمن العام مهنية في حماية بعض الوقفات، وهو تحوّل نوعي قياساً بنصف قرن من القمع. غير أنّ هذا التسامح يظل هشّاً. فالقرارات الكبرى تُتّخذ من دون تشاور، وتفتقر الموازنة إلى الشفافية، ويمنح تعميم “ترخيص التظاهر” السلطة حقّ المنع، عوض الاكتفاء بالإخطار الذي كفله الإعلان الدستوري. حتى إنّ أدوات من زمن الأسد ما زالت تُستعمَل، كقانون الجرائم المعلوماتية الذي اعتُقل بموجبه الناشط حسّان عكّاد خمسة أيام لمطالبته بشفافية تبرعات الإعمار. وتحت ضغط الشارع وحده، بدأت في نيسان/أبريل محاكمات لرموز كعاطف نجيب ووسيم الأسد والمفتي السابق أحمد حسّون، فيما كشفت الداخلية عن نحو ستة آلاف موقوف؛ وهي خطوة تبقى دون سقف تطلعات ذوي الضحايا.

على صعيد آخر، يتحرك المجتمع المدني والمحلي على استحياء. عادت الإضرابات والتنظيم الذاتي بعد سنوات القهر، فانتخب عمّال “زينوبيا” لجنة إضراب تفاوض باسمهم، وأصدرت مجالس المصالحات ووجهاء إدلب بيانات ترفض عودة “الشبيحة” وتؤكد أنّ العدالة مكانها القضاء لا الشارع. على أنّ هذه الطاقة تصطدم بحدودها: احتجاجات محصورة جغرافياً، بلا تنسيق بين المحافظات، ومن دون أحزاب جماهيرية أو نقابات مستقلة تحوّل المطالب المتناثرة إلى برنامج إصلاح. ومن ثمّ يبقى الحراك أسير لحظته، عاجزاً عن التراكم. ويحتدم بين السوريين سؤال مشروع: هل الشارع أداة مناسبة للتعبير، أم آخر ما يملكه من أُقصي من دوائر القرار؟ يرى ناشطون وحقوقيون أنّ بقاء الحراك سلمياً ومطلبياً علامة نضج، شرط أن يلقى آذاناً صاغية تحوّله إلى فرصة لبناء الثقة، بدلاً من أن يصير تهديداً إضافياً لبلد أنهكته الحروب.

ما الحلول الممكنة؟ تبدأ من إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها تشاركاً لا احتكاراً. تقتضي المرحلة شفافية حقيقية في الموازنة، وتشاوراً مسبقاً قبل القرارات الاقتصادية الكبرى، وحماية واضحة للاحتجاج السلمي باعتباره قناة مشروعة لا تهديداً، وشبكة أمان اجتماعية ترافق أيّ رفع للأسعار، صوناً للإصلاح من أن يصير وقوداً لأزمة جديدة. وتحتاج العدالة الانتقالية إلى جدول زمني معلن، ومؤسسات مستقلة، وإشراك لذوي الضحايا، مع تمييز صارم بين المحاسبة الفردية القائمة على القانون والانتقام الجماعي الذي يصنع ضحايا جدداً؛ فشعار “نصر لا ثأر فيه” لا يستقيم من دون محاسبة فعلية. ولا يقلّ أهمية بناء أرشيف وطني يحفظ الأدلة والذاكرة، وإطلاق حرية التنظيم النقابي كي يدافع العاملون عن مصالحهم بأنفسهم. فإعادة بناء الاقتصاد، في خاتمة المطاف، لا تنفصل عن إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه.

وهنا يتّضح شكل سوريا المأمول: دولة قانون ومؤسسات، تشاركية لا إقصائية، توزّع ثمار الإعمار على عموم الناس لا على حفنة من رجال الأعمال الذين حوّلوا حفلات التبرّع إلى منصّات لنفوذهم. دولة تُنصف الضحية وتحمي المتّهم من العقاب الجماعي، وتصون حقّ الأقليات في العيش الآمن، مثلما تصون حقّ المظلوم في المحاسبة.

نعود إلى رجل القامشلي الذي احتجّ من مقعد سيارته. في إصراره درس ونذير: صار الشارع آخر القنوات المتاحة لشعب يشعر أنّه مستبعَد من دوائر القرار، والأخطر ليس انهياراً مدوّياً، إنما تآكل بطيء للثقة إذا ظلّت المطالب بلا آذان صاغية. أمام دمشق فرصة نادرة لتحويل هذا الغضب من تهديد إلى مدخل لبناء الثقة. فإمّا أن يُصغى إلى الوقفات اليوم، وإمّا أن تتحول، كما حذّرت أصوات سورية كثيرة، إلى انفجار يشبه انفجار عام 2011.

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

لا يمكن فهم واقع العلاقات السورية–اللبنانية، ولا ما راكمته من توتر وهيمنة وعداء متبادل، بالانطلاق من دخول قوات نظام الأسد إلى لبنان وحده. فهذا الدخول، على خطورته وما رتّبه من انتهاكات للسيادة اللبنانية، لم يكن بداية الإشكالية بقدر ما كان إحدى نتائجها الأكثر عنفًا. لذلك تعيدنا إشكالية هذا المقال إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه الدولتان، وإلى الكيفية المختلفة التي تكوّن بها كلٌّ من الكيان اللبناني والدولة السورية الحديثة تحت الحكم العثماني، ثم تحت الانتداب الفرنسي.

فقد تشكّل لبنان عند تقاطع بنية اجتماعية قائمة على توازنات طائفية دقيقة وانفتاح مبكر على الغرب، قبل أن يكرّس الانتداب الفرنسي دولة حديثة محكومة، إلى حد بعيد، بمنطق التمثيل الطائفي والارتباط السياسي والثقافي بأوروبا. أما سوريا، فتكوّنت ضمن مسار مختلف تمحور حول دولة مركزية بيروقراطية أخذت تحتكر المجال السياسي وتمتص المجتمع داخل مؤسساتها، ولا سيما بعد الاستقلال وصعود الأنظمة العسكرية، ثم نظام البعث. وقد أنتج هذا الاختلاف دولتين متجاورتين لا تفصل بينهما الجغرافيا بقدر ما تفصل بينهما رؤيتان للدولة والهوية والسيادة وموقع كل بلد داخل الإقليم.

غير أن انفتاح لبنان الثقافي والسياسي على الغرب لم يحل دون التدخل السوري؛ فتدويل الحرب الأهلية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية وفّرا لنظام الأسد غطاءً سياسيًا وشرعيةً ظرفيةً للدخول، قبل أن يتحول هذا التدخل إلى وصاية عسكرية وأمنية طويلة الأمد. فكان أولَ مسمارٍ أساسيٍّ في نعش مشروع بناء الدولة اللبنانية، إذ قوّض قدرتها على احتكار العنف المادي المشروع داخل إقليمها، بالمعنى الذي حدّده ماكس فيبر، كما نازعها احتكار إنتاج المعنى الرسمي والتصنيفات والتمثلات المشروعة للمجتمع والدولة، وفق المعنى الذي حدّده بيار بورديو. وبذلك أصبحت وظائف الدولة موزعة بين مؤسساتها وسلطة خارجية وشبكات سياسية وأمنية محلية مرتبطة بها.

وقد دخلت القوات السورية إلى لبنان بدايةً تحت عنوان وقف الحرب الأهلية، قبل أن يُضفى على وجودها غطاء عربي تحت مسمى “قوات الردع العربية”. غير أن وظيفة الردع تحولت تدريجيًا إلى أداة لإعادة تنظيم المجالين السياسي والأمني اللبنانيين بما يخدم مصالح النظام السوري. وبالمعنى الدقيق، أسست هذه القوات سلطةً ذات منطق كولونيالي؛ سلطة تجاوزت السيطرة على الأرض إلى التدخل في إنتاج القرار السياسي، وتشكيل الحكومات، وإدارة التوازنات الداخلية، وضبط المجال العام، وتحديد الحدود المقبولة للاعتراض.

ومن هنا، يمكن قراءة هذا التدخل بوصفه تعبيراً عن أربعة أبعاد مترابطة في البنية الكولونيالية: السلطة، والعنف والأمن، والاقتصاد، والمعرفة والوجود.

أولًا: كولونيالية السلطة

تمثّل البعد الأول في إخضاع القرار السياسي اللبناني لمركز سلطة خارجي. خلال مرحلة الوصاية السورية، أصبحت القرارات الأساسية المتعلقة بتشكيل الحكومات، وانتخاب رؤساء الجمهورية، وتوزيع المناصب، وإدارة التوازنات بين القوى السياسية، تمرّ بدرجات متفاوتة عبر دمشق وأجهزتها الأمنية. وبذلك أبقى نظام الأسد مؤسسات الدولة اللبنانية وهياكلها الدستورية، مع تفريغ جزء أساسي من استقلاليتها. وهذا النمط من السيطرة أكثر عمقًا من الاحتلال العسكري المباشر، لأنه يحوّل المؤسسات القائمة نفسها إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة.

كما أن جزءًا من النخب اللبنانية أدّى دور الوسيط المحلي الذي تحتاج إليه كل سلطة كولونيالية. فقد استفادت قوى سياسية وأمنية واقتصادية من علاقتها بالنظام السوري، واستخدمت نفوذه لتعزيز مواقعها الداخلية وإقصاء خصومها. لذلك كانت الوصاية منظومة مشتركة جمعت أجهزة النظام السوري بنخب وشبكات لبنانية ساهمت في تثبيت الهيمنة وإضفاء مظهر مؤسساتي عليها.

ثانيًا: كولونيالية العنف والأمن

تمثّل البعد الثاني في السيطرة على أدوات العنف والمراقبة والعقاب. فالدولة، وفق تصور ماكس فيبر، تقوم على احتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليمها. غير أن الوجود العسكري والأمني السوري نازع الدولة اللبنانية هذا الاحتكار، إذ أصبحت أجهزة خارجية تمتلك سلطة الاعتقال والاستجواب والملاحقة والتدخل في عمل الأجهزة المحلية.

وبالتالي، تحوّل الأمن، الذي هو في الأساس وظيفة سيادية، إلى وسيلة لضبط الحياة السياسية وإخضاع المعارضين ورسم الحدود المسموح بها للكلام والتنظيم والاحتجاج. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: دخلت القوات السورية باسم استعادة الأمن، لكنها ساهمت في منع الدولة اللبنانية من استعادة السيادة الكاملة على أمنها.

وقد تجسدت هذه الكولونيالية الأمنية أيضًا في حالات الاعتقال والإخفاء القسري ونقل بعض المعتقلين إلى سوريا، حيث أصبح الجسد اللبناني نفسه خاضعًا لسلطة تتجاوز حدود دولته. فالسيطرة لم تقتصر على الأرض والمؤسسات، بل امتدت إلى الأفراد وقدرتهم على الحركة والتعبير والاعتراض.

ثالثًا: الكولونيالية الاقتصادية

لا تستقر الهيمنة السياسية والأمنية من دون شبكة من المصالح والموارد الاقتصادية. لذلك تمثّل البعد الثالث في نشوء اقتصاد مرتبط بالوصاية، استفادت منه شبكات سياسية وأمنية وتجارية على جانبي الحدود. فقد أصبحت العلاقة بالنظام السوري وممثليه مصدرًا للحصول على الامتيازات والعقود والنفوذ والحماية، فيما ارتبط الوصول إلى بعض الموارد والفرص بالقرب من منظومة السلطة.

وبهذا المعنى، كان الاقتصاد أداةً لإنتاج الولاء؛ فالنخب التي استفادت ماديًا من استمرار الوصاية أصبحت أكثر استعدادًا للدفاع عنها أو لتقديمها باعتبارها ضرورة لحماية الاستقرار. وبذلك ساهم الاقتصاد في تثبيت النظام الكولونيالي وإعادة إنتاجه، لأنه جعل استمرار الهيمنة مصلحةً لفئات محلية لم تكن مستعدة للتخلي عن الامتيازات التي وفّرتها لها.

رابعًا: كولونيالية المعرفة والوجود

كان البعد الأكثر عمقًا هو السيطرة على اللغة التي تُفهم من خلالها العلاقة بين البلدين، إذ تندرج هذه السيطرة ضمن العنف الرمزي الذي يُمارَس عبر فرض المعاني والتسميات والتصورات. تكمن فاعلية العنف الرمزي، وفق بيار بورديو، في أنه يحجب علاقات القوة التي يقوم عليها، ويحوّلها إلى معانٍ تبدو بديهية أو مقبولة. فقد أحاط نظام الأسد وجوده في لبنان بخطاب “الأخوّة” و”وحدة المسار والمصير” و”الشعب الواحد في دولتين”. وقد حوّلت هذه العبارات علاقة غير متكافئة بين دولتين إلى علاقة تبدو طبيعية وتاريخية، يكون فيها النظام السوري بمنزلة “الأخ الأكبر” الذي يملك حق التدخل والتوجيه، بينما يظهر لبنان كدولة ناقصة السيادة وغير قادرة على إدارة شؤونها بمفردها.

وتتمثل كولونيالية المعرفة في قدرة القوة المهيمنة على فرض تسميتها للواقع. فالوجود العسكري أصبح “ردعًا”، والتدخل في القرار السياسي أصبح “تنسيقًا”، والوصاية أصبحت “علاقات مميزة”، وأمكن تصوير الاعتراض عليها بوصفه عداءً لسوريا أو خروجًا على العروبة.

أما كولونيالية الوجود، فتظهر في الطريقة التي أعادت بها هذه المرحلة تشكيل صورة اللبناني عن سوريا وصورة السوري عن لبنان. وقد ظهر أثر هذا الخلط بصورة أشد بعد عام 2005، ثم بعد لجوء أعداد كبيرة من السوريين إلى لبنان. فبدل أن تُحصر المسؤولية في النظام السوري والمتعاونين معه، أصبح العامل أو اللاجئ السوري يحمل رمزيًا مسؤولية مرحلة لم يكن هو صانعها، وقد يكون هو نفسه من ضحايا النظام. وهكذا استمر الأثر الكولونيالي بعد انسحاب القوات، ولكن في صورة عداء اجتماعي وتمييز جماعي يستهدف الطرف الأضعف.

غير أن سقوط النظام الذي أسّس لهذه البنية من الهيمنة في لبنان لا يعني بالضرورة سقوط ما أنتجه أو اجتثاث آثاره. فالأنظمة قد تنهار في مراكزها، بينما تستمر المؤسسات والعلاقات والتصورات التي صنعتها في العمل بعد زوالها. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع سقوط نظام الأسد بوصفه خاتمة تلقائية للكولونيالية التي كرّسها داخل المجال اللبناني؛ إذ لم ترافق هذا السقوط عدالة بنيوية تعيد تنظيم المؤسسات، وتكشف شبكات المسؤولية والمصلحة، وتفكك الثقافة الأمنية والسياسية التي تشكّلت خلال عقود الوصاية.

فلا تزال الدولة اللبنانية عاجزة عن استعادة احتكارها الكامل للعنف والقرار السياسي وإنتاج الرواية الوطنية المشتركة. كما أن السلطة القائمة، في بنيتها الراهنة، لا تبدو قادرة على جمع النسيج المجتمعي الذي شتّته الانقسام حول هوية لبنان وموقعه الإقليمي، ولا سيما بعد أن تحوّل “الاتجاه نحو الشرق” من خيار في السياسة الخارجية إلى محور انقسام داخلي أعاد تعريف الولاءات والخصومات وحدود الانتماء إلى الدولة. وبدلًا من أن تكون الدولة المساحة التي تنتظم داخلها التعددية اللبنانية، أصبحت هي نفسها موضوعًا للتنازع بين مشاريع إقليمية متعارضة.

وتزداد المفارقة وضوحًا عند مقارنة الوضع اللبناني بموقع السلطة الانتقالية الجديدة في سوريا. فعلى الرغم من هشاشتها الداخلية والإشكاليات المرتبطة ببنيتها وشرعيتها وقدرتها على إدارة التعدد السوري، حظيت هذه السلطة بدرجة من الانفتاح والقبول لدى قوى غربية رأت فيها شريكًا محتملًا في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. وقد بلغ هذا التصور حدّ اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تتولى سوريا التعامل مع حزب الله في لبنان. تكمن خطورة هذا الطرح في المنطق السياسي الذي يحمله. فهو يعيد إنتاج التصور نفسه الذي شرعن التدخل السوري سنة 1976: لبنان عاجز عن معالجة أزمته الداخلية، ولذلك يحتاج إلى قوة خارجية تعيد ضبط توازناته. ومرة أخرى، يُنظر إلى الدولة كساحة يمكن لقوة مجاورة أن تؤدي داخلها وظيفة أمنية بتفويض أو غطاء دولي.

وبذلك يصبح سقوط نظام الأسد لحظةً مزدوجة الدلالة: فهو أنهى مركز السلطة الذي قاد الوصاية التاريخية على لبنان، لكنه لم ينهِ الاستعداد الإقليمي والدولي لإعادة إنتاج الوظيفة السورية داخله. وقد يتغير اسم النظام وطبيعة السلطة في دمشق، من دون أن يتغير التصور الخارجي الذي يرى في سوريا أداةً لضبط لبنان كلما عجزت مؤسساته عن القيام بذلك.

تطرح مواقف السلطة السورية الجديدة مفارقةً تاريخية في مسار العلاقات السورية–اللبنانية. فقد رفضت دمشق المقترح الأميركي الذي دعاها إلى تولّي مواجهة حزب الله داخل لبنان، ونفت رغبتها في أداء أي دور عسكري أو أمني خارج حدودها، مؤكدةً أن مساهمتها الممكنة ينبغي أن تمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، من خلال دعم الحوار والاستقرار وتطوير القنوات السياسية والاقتصادية بين البلدين. ويعبّر هذا الموقف، من حيث المبدأ، عن محاولة للقطع مع الوظيفة التي أسسها نظام الأسد لسوريا في لبنان، بوصفها قوةً تتولى معالجة أزماته الداخلية بدلًا من مؤسساته الشرعية.

غير أن هذا الرفض يعيد إلى الأذهان فرصةً تاريخية أضاعها نظام الأسد قبيل خروجه من لبنان. فقد رفضت دمشق آنذاك برنامجًا للحل الوسط طرحه رفيق الحريري، وكان من شأنه أن يسمح لها بالاحتفاظ بنفوذ سياسي واقتصادي، وربما بحضور عسكري محدود في البقاع، في مقابل تحرير الحياة السياسية اللبنانية الداخلية من التدخلات الأمنية السورية. لكن إصرار النظام على الاحتفاظ بالوصاية كاملةً أدى، بعد اغتيال الحريري واتساع المعارضة الشعبية والدولية، إلى خروجه من لبنان تحت الضغط، ومن دون امتلاك فرصة جدية للتفاوض على شكل العلاقة في مرحلة ما بعد الوصاية.

وبهذا المعنى، قد يكون رفض دمشق التدخل ضد حزب الله اختبارًا لقدرة السلطة الجديدة على إعادة تعريف المصلحة السورية في لبنان. فمصلحة سوريا، وفق هذا التصور، تتحقق عبر وجود دولة لبنانية مستقرة تستطيع ضبط حدودها ومؤسساتها وإقامة علاقة متوازنة مع جارتها. غير أن نجاح هذا التحول يبقى مشروطًا بألّا يُستبدل النفوذ العسكري القديم بنفوذ غير رسمي يعيد إنتاج العلاقات نفسها بأدوات جديدة، بما قد يقود إلى كولونيالية معكوسة تمنح القوى التي سُحقت في عهد الأسد سلطةً تستخدمها لإقصاء من سبق أن سحقها، فتتبدل مواقع الفاعلين من دون أن يتغير منطق الهيمنة نفسه.

ومن هنا يمكن التساؤل: هل نكون اليوم أمام عودة متأخرة إلى جوهر ذلك الحل الذي رفضه الأسد، ولكن بصيغة مختلفة تتلاءم مع الواقع الجديد، فتقبل به الحكومة السورية الحالية مقابل الحصول على شرعية دولية أكثر رسوخًا واستدامة؟

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

في غرفةٍ تشحّ فيها الكهرباء ويغيب عنها الدواء، تروي هبة ناصر، البالغة من العمر سبعةً وعشرين عاماً، كيف تحوّل المشفى المتخصّص بعلاج السرطان في دمشق إلى ما يشبه المقبرة، على حدّ وصفها لبي بي سي عربي في مايو/أيار 2026. تكلّفها جرعات العلاج الكيميائي الشهرية نحو ستمئة دولار، أي ما يفوق دخلها ستّ مرّات، بعدما كانت تُصرف مجاناً قبل عامٍ ونيّف. وحكاية هبة، بما رافقها من حشراتٍ وقوارض وأسرّةٍ ملطّخة، ليست استثناءً عابراً؛ إنّها صورة مكثّفة لقطاعٍ يحاول النهوض من تحت ركام حربٍ طويلة.

لم يكن المشهد كذلك دائماً. فقد دخلت سوريا الحرب بلداً متوسّط الدخل بمؤشّراتٍ صحّية معقولة، قبل أن ينهار كلّ شيء؛ إذ تراجع متوسّط العمر المتوقّع من سبعين عاماً عام 2010 إلى خمسةٍ وخمسين عاماً عام 2015، وغادر البلاد أكثر من نصف أطبّائها الثلاثين ألفاً، وفقاً لمعهد بروكينغز. واليوم، تقدّر وزارة الصحّة أنّ نحو ثلاثين بالمئة من المستشفيات قد دُمّر، في بلدٍ لا يملك سوى خمسمئةٍ وستّة عشر مستشفى، منها مئةٌ وثمانية عشر مستشفى حكومياً فقط. وتكشف تقييمات البنية المتضرّرة لعام 2026 عمق الجرح؛ ففي حمص وحدها، تضرّر أكثر من نصف المستشفيات بين عطبٍ بليغٍ وتدميرٍ كامل. ويُضاف إلى ذلك حصيلة الألغام التي أزهقت سبعمئةٍ وخمساً وعشرين روحاً منذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتراجع التحصين ضدّ الحصبة من سبعةٍ وثمانين بالمئة إلى أربعةٍ وستّين بالمئة.

غير أنّ الجرح الأعمق ماليٌّ في جوهره. ففي بلدٍ يحتاج فيه نحو 12.8 مليون نسمة إلى رعايةٍ صحّية، لم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 سوى 3.7 بالمئة من أصل 3.19 مليار دولار مطلوبة، ولم يصل إلى شركاء القطاع الصحّي منها إلا ثمانية عشر مليون دولار. وفي حياة الناس، يشكّل العجز عن الدفع جداراً أول؛ إذ يضع مسح منظّمة ريتش في مايو/أيار 2026 الصحّة بين الحاجات الثلاث الأولى لدى نصف المجتمعات المشمولة، فيما تشكو ثمانٍ وسبعون بالمئة منها صعوبة الوصول إلى الخدمة، تتقدّمها كلفة العلاج الباهظة ثم غياب الدواء. ومن هنا تتّضح المفارقة القاسية: راتب الطبيب الحكومي بعد التعديل يدور حول ستّمئة دولارٍ شهرياً، وهو نفسه ثمن شهرٍ واحدٍ من علاج هبة.

في هذا المناخ، طفا نقاشٌ حسّاس حين تحدّث مسؤولون عن شراكةٍ مع القطاع الخاصّ في إدارة المستشفيات الحكوميّة، قبل أن يصدر نفيٌ رسميّ يؤكّد أنّ الصحّة ليست للبيع. والسؤال المطروح بقوّة هنا: كيف تُصان الصفة العامّة لنظامٍ نجا من الحرب، من دون أن يتحوّل المريض إلى مصدر دخل؟ تحذّر التجارب الدولية من خصخصةٍ ترفع الكلفة وتكرّس الفوارق الطبقيّة، في حين يبقى الإنفاق الحكومي محدوداً؛ إذ لم تخصّص موازنة عام 2024 للوزارة سوى ما يعادل مئةٍ وثلاثةٍ وستّين مليون دولار. أمّا وعد وزير الماليّة بمضاعفة الإنفاق على الصحّة والتعليم والرعاية ثلاث مرّات في عام 2026، فيبقى معلّقاً إلى أن تتأكّد أرقامه.

على أنّ الصورة لا تخلو من بصيص أمل. فعام 2025 كان أوّل عامٍ تستعيد فيه وزارة الصحّة قيادتها الكاملة للقطاع، بالتنسيق مع أكثر من مئة منظّمة عاملة، حتى قُدّمت نحو عشرين مليون استشارةٍ خارجيّة، ونحو عشرين مليون جرعة علاج. وأطلقت الوزارة الاستراتيجية الصحّية الوطنية للفترة 2026–2028، ودشّنت بوّابة الصحّة الرقميّة في خمسة مشافٍ، مع نيّة التوسّع، وعقدت ورشةً للمشاركة المجتمعيّة بالتعاون مع منظّمة الصحّة العالميّة والاتحاد الأوروبي. وفي موازاة ذلك، وقّعت مع بنك التنمية الألماني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مذكرةً لتأهيل خمسة مستشفيات وخمسةٍ وعشرين مركزاً صحّياً، يستفيد منها نحو 895 ألف مريض. كذلك، أُقرّت زيادةٌ بنسبة خمسين بالمئة على الأجور بموجب المرسوم 67، ورفعٌ إضافي موجّه للأطبّاء والممرّضين بموجب المرسوم 68. وتبرز الصناعة الدوائيّة المحليّة، التي يحميها قرار التسجيل والاستيراد رقم 4 لعام 2026، بوصفها ورقةً استراتيجيةً راهن عليها الوزير من جنيف حين تحدّث عن الانتقال من الطوارئ إلى التعافي المستدام.

ومن خلف هذه الخطوات، تتلمّس الحلول طريقها في خيطٍ واحد؛ فالمطلوب استبدال التمويل المتقطّع بشراكاتٍ مستدامة، وصون الطابع العامّ للنظام من خصخصةٍ تتسلّل عبر الأبواب الخلفيّة، وإتمام التحوّل الرقمي، وردم فجوة الكوادر عبر أجرٍ عادل، وتوزيعٍ متوازن بين المحافظات، وتدريب عشرة آلاف عاملٍ صحّي. ويظلّ الدواء المحلي وإتاحته في صلب هذه الأولويات، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسّسة عبر الوقاية والمشاركة المجتمعيّة.

تبقى المحصّلة معلّقةً على سؤالٍ أخلاقيّ قبل أن تكون إداريّة: هل يعود المشفى العامّ مكاناً للرعاية، أم يستقرّ متجراً تُقسَّم أرباحه؟ في غرفة هبة ناصر، حيث تُضيء الهواتف ما عجزت الكهرباء عن إنارته، يتّضح أنّ امتحان التعافي المستدام لا يُقاس بعدد المشافي المرمّمة وحدها، بل بأن يبقى الدواء حقاً لا امتيازاً، وأن يظلّ المستشفى رمزاً لتكافل المجتمع، لا مقبرةً للفقراء.

المصادر

بي بي سي عربي، شهادة هبة ناصر، مايو/أيار 2026.
خطة الاستجابة الإنسانية ونشرة القطاع الصحي، OCHA/WHO، مارس/آذار 2026.
مسح رصد الوضع الإنساني، منظّمة ريتش، مايو/أيار 2026.
بروكينغز، الحرب على النظام الصحي السوري.
وكالة سانا: بوابة الصحة الرقمية، ورشة المشاركة المجتمعية، وتصريحات وزير الصحة من جنيف.

الهوية التي تُفَصَّل لسوريا تفتح الطريق للمزيد من سفك الدماء

الهوية التي تُفَصَّل لسوريا تفتح الطريق للمزيد من سفك الدماء

تُبنى الأُمَمُ على أساسِ تعميقِ الهويّة، فتنفتحُ على الجذور، وتوسّعها وتشملُ كلَّ المكوّنات على جغرافيّتها، ومن ثمّ الاحتفاء بها. تضعُ الشعوبُ هويّتَها على صدرِها كوسامِ استحقاق؛ إنّها إرثُ الأجداد، والعتبةُ التي ستنطلقُ منها نحو المستقبل، لكن في المقابل، الهوية الحقيقيّةُ، ليست إرثًا مقدّسًا لا يمكن المساس به. فهي تعيدُ خلقَ نفسِها باستمرار على أساسِ الحوار. الحوارُ مع الماضي يهدفُ إلى الهدمِ كما إلى البناء: هدمِ الميّت والبناءِ على ما هو حيّ. كما أنّ هذا الحوار لا يمكن أن يتمّ بمعزلٍ عن الآخر؛ لا بدّ من الحوار، والانفتاح على هويّاتٍ مختلفةٍ، كي نفهمَ ونعيدَ خلقَ أنفسِنا.

أمّا تشويهُ هويّةِ شعبٍ ما، فقد يكون تمهيدًا لاستعمارِه، ثقافيًّا أوعسكريًّا. الاستعمارُ الثقافي قد يكون أشدّ خطرًا من الاستعمار القائم على الوجود العسكري، فلمَ على المستعِمرِ أن يرسلَ جيوشَهُ، طالما أنّهُ قادرٌ على خلقِ شعبٍ خاضعٍ باستخدامِ وسائلَ ناعمة؟ يتمّ هذا التشويه عن طريقِ تجريدِ الشعوبِ من جذورِها، فتفقدُ معنى الحاضر كما تفقدُ بوصلةَ المستقبل. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ يتمّ تجريدها من كرامتِها، وصولًا ربّما إلى تجويعِها، كي تتحوّل إلى قطعانٍ تائهةٍ تسهلُ قيادتُها إلى الحقدِ والحروب.

و إذا كان الفنّ أداةَ وعي، فهو بالتالي إحدى أدواتِ بناء وصناعة الهويّة. يحملُ الفنُّ الأصيل الماضي على ظهرِه، ويُبدعُ المستقبل. من خلالِه نستطيعُ أن نقرأَ ذاتَنا الممتدّةَ عبر الزمن، كما من خلالِه نوسّعُ الرؤيا كي نتحرّر. في الحقيقة، العلاقةُ بين هويّةِ شعبٍ ما وفنونِه هي علاقةٌ جدليّة؛ متى فقدها فقدَ ذاتَه.

 تفقدُ الشعوبُ ذاتَها عندما تتحجّرُ في الماضي، فتتحوّل فنونُها إلى تكرارٍ فاقدٍ للحيويّة، كما تفقدُ ذاتَها عندما تصبحُ تابعةً لغيرها، فتكفُّ فنونُها عن البحثِ، وتوليدِ، وتجديدِ الهويّة، لتُعيدَ إنتاجَ الآخر واستنساخَه. لستُ أبالغ إن قلتُ: إنّ إخصاءَ الشعوب يتطلّبُ إخصاءَ فنونِها، والعكسُ صحيح. هذا الإخصاءُ هو فعلٌ خارجي، كما هو فعلٌ داخلي؛ فقد يسيرُ شعبٌ إلى الجهلِ والتبعيّة بكاملِ إرادتِه، أو يُساقُ إلى هذا المستنقع عبر قوى خارجيّة.

يقدّم الطبيبُ الفرنسيّ وعالمُ الاجتماع والمتخصّصُ في الأنثروبولوجيا، غوستاف لوبون، مجموعةً من المؤلّفات، ربّما أهمّها “سيكولوجية الجماهير”. يسلّط لوبون الضوء على علم نفس الجماهير، هذا العلم الذي يُعتبَر سلاحًا ذا حدّين؛ فهو من ناحية قد يزيدُ مساحةَ الوعي لدى الفرد ويمنعُه من الانخراط في فوضى ولامعقوليّة الجماعة، ومن ناحيةٍ أخرى يُلهمُ الدكتاتوريّات والفاشيّات والمتحكّمينَ بالشعوب، إذ يقدّم لهم أساليبَ وألاعيبَ السيطرة على الجموع. ربّما وسائلُ التواصل الاجتماعي، وما وفّرته من منصّاتٍ تستطيعُ أن تصلَ إلى عقلِ المستخدم كلمةً وصوتًا وصورةً، هي الأداةُ الأشدّ تأثيرًا والأقدرُ على تسخير علم نفس الجماهير من أجل تَسييسِ وتَسييرِ الشعوب.

ألا يتّضحُ يومًا بعد يوم أنّ مفهوم العولمة يحمل بين طيّاتِه مشروعَ هيمنة؟ حيث تفقدُ السياساتُ المحليّة تأثيرَها وسلطتَها، مقابل السياسات العالميّة وما يطبخُه لنا “رعاةُ”، أو بالأحرى طغاةُ العالم. ربّما يقومُ مشروعُ الدولة على صناعة وبناء هويّةٍ وطنيّة، أمّا مشروع الهيمنة على العالم فيقتضي نزعَ مفهوم الهويّة من جذورِه، والقضاءَ على الفكر الوطني في سبيل فكرٍ عولمي، سيحوّل الجماهير إلى قطعانٍ مستهلِكةٍ، تائهةٍ، وحكّامُهم إلى مهرّجين.

يستخفّ لوبون بعقلِ الجماهير، وليس بقوّتِها؛ إذ يعتبرُها غوغائيّةً، ماضويّةً، غيرَ واقعيّة، تحرّكُها الغرائزُ البدائيّة. تثورُ وتغضبُ وتدمّر، لكنّها في النهاية تعودُ لتركنَ إلى الماضي. الجماهيرُ برأيه محافظةٌ، لا بل رجعيّة، على الرغمِ ممّا يبدو عليها من ثورة.

أمّا الفنونُ والآداب، وعلى اعتبارِها تنطلقُ من موهبةٍ وتجربةٍ ذاتيّةٍ جوهرُها الوعي، فقد تكون أدواتِ مقاومة، كما قد تكون بوصلةً توجّهُ الجماهيرَ الغاضبة، وتهذّبُها، وتحدُّ من غوغائيّتِها. نستطيعُ أن نقول: إنّ الفنَّ هو عدوُّ الطغاة والمستبدّين في العالم، أمّا الغوغاءُ فقد تكون أداتَهم. هل يجب بالتالي إخصاءُ الفنون والآداب كي تتحوّل إلى خادمٍ هي الأخرى؟ أعتقد أنّه مشروعٌ محلّيّ أخذه على عاتقه طغاةُ الداخل، كما أنّه مشروعٌ عالميّ، عولمي، يهدفُ إلى تحييدِ الفنون والآداب، على اعتبارها قد تكون بقعةَ ضوءٍ أو وعي، تشوّشُ على مشروع الهيمنة.

عندما نقول إخصاءَ الفنون والآداب، فهذا يعني تسطيحَها، وإفراغَها من الثيمةِ الأهمّ في الصيرورة الإبداعيّة، ألا وهي الثقافة التي تؤدّي إلى بناء الفكر الحرّ. لا بدّ للفنّان أو الكاتب أن يكون صاحبَ فكرٍ حرٍّ، كي تتحوّل موهبتُه إلى أداة وعي، وبالتالي تحرّر. أمّا إفراغُ الفن من الفكر، فسوف يؤدّي إلى تحوّل الفنانين إلى ببّغاوات يؤدّون الدور الذي يُطلب منهم، بعيدًا عن الصيرورة التي تؤدّي إلى بناءِ الهويّة. بحسبِ إدوارد سعيد، فإنّ المثقّف هو من يتمتّع بموهبةٍ خاصّة تمكّنه من حمل رسالةٍ ما، أو تمثيل وجهة نظرٍ ما، أو موقفٍ ما، أو فلسفةٍ ما، أو رأيٍ ما، وتجسيد ذلك والإفصاح عنه لمجتمعٍ ما.

فيما يخصّ بناء الهويّة السورية مثلاً، يتم منذُ السقوط تم تداول مصطلح “سوريا الجديدة”، كإشارة إلى مرحلةٍ من المفترض أن تكون أكثر عدالةً وحرّيّة لكلّ السوريين. المصطلح يحمل بين طيّاتِه مشروعَ بناء هويّة جديدة، تقوم على قطيعةٍ مع الماضي على اعتباره صنيعةَ النظام البائد. هناك تخبّطٌ واضح فيما يخصّ سؤال الهويّة السوريّة، وهو ما يُربك الواقع السوريّ اليوم ويقسّمه، كما أنّه يمهّد الأرضَ من أجل مزيدٍ من العنف والدم. ربما من حقّ وواجب الشعوب بعد الصراعات الطويلة، والحروب الأهليّة أن تعيد النظر في ذاتِها، وأن تعيد بناء هويّتِها، لكن في الحقيقة، مفهوم الهويّة يقوم على إعادة فهم التاريخ والانطلاق منه من أجل خلق حاضر جديد. ربّما الأفضل أن نقول “سوريا المُتجدّدة”، فعندما نتحدّث عن سوريا، إنّما نتحدّث عن حضارة ممتدّة لآلاف السنين، لا يمكن اختصارها بعائلة حكمت فترةً من الزمن، كما لا يمكن إلباسها هويّة مفصّلة على مقاس مصالح القوى المسيطرة على المشهد.

أمّا الثقافة التي من المُفترض أن تكون أداتَنا في هذه المرحلة الحَرِجة، ألم تدخل، ومنذ اندلاع الثورة، الصراعَ هي الأخرى؟  من خلالِ حملات التَخوينٍ وبالتالي الإقصاء، التي يقودُها غالبًا المثقّفون ضدّ بعضهم البعض، وتشعلُ نيرانَها الجماهيرُ الغاضبة، تقوم هذه الحملات تحت شعاراتٍ أخلاقيّة، لكنّها في العمق جزءٌ من الخراب المُمنهج الذي غزا البلاد؛ هنا يتمّ قتل الثقافة عن طريق تخوينِها، ومن ثمّ تسليمها إلى الغوغاء كي يقطّعونها إربًا إربا.