خالد خليفة واللاذقية: رواية أخيرة ومدينة لا تنسى

خالد خليفة واللاذقية: رواية أخيرة ومدينة لا تنسى

في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية  هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل  الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة للروائي التونسي عماد علي قيدة الذي حضر الاحتفالية واستلم الجائزة عن روايته غير المنشورة (المنصرمون) كما حضر حفل التكريم عدد من مثقفي وفناني اللاذقية وسوريا كالشاعر منذر المصري والفنان فارس الحلو أصدقاء الكاتب الراحل بالإضافة لأصدقائه الآخرين وعدد من المهتمين بالثقافة والأدب في المدينة، وترأست لجنة تحكيم الجائزة هذا العام الروائية الفلسطينية ليانة بدر وبعضوية الأديبة السورية شهلا العجيلي والناقد المصري خيري دومة وقد اختار القائمون على الجائزة التي قدرها ألف دولار أمريكي-مدينة اللاذقية لاحتفاليتهم لأن الرواية الأخيرة للراحل خليفة (سمك ميت يتنفس قشور الليمون) تدور أحداثها في هذه المدينة التي أحبها كثيرا والتي لم يسعفه الوقت كي يراها منشورة وصدرت  بعد وفاته عن دار هاشيت /أنطوان (نوفل) في لبنان عام ٢٠٢٤  فقررت هذه المدينة رد الجميل له بإقامة احتفالية جائزته فيها بعد أن كرمها في روايته الأخيرة محتفيا بمجتمعها المتنوع وقد أشادت لجنة التحكيم ببناء الرواية التونسية الفائزة (المنصرمون) موضحة في بيانها أن الرواية: “تحاور تاريخ تونس السياسي تفصيليا عبر شخصيات واقعية وتخيلية، وتطرح أفكارا أساسية لما جرى في المجتمع التونسي منذ بداياته المبكرة وحتى الآن”، وأضافت اللجنة مسلطة الضوء على الأسلوب السردي: “تتمتع الرواية ببنية مركبة وتقنيات متداخلة، لكنها ورغم هذا التركيب وربما بسببه لا تخلو من تشويق حقيقي يدفع القارئ لمتابعة رحلة البطل عبر تداخلاتها الزمانية والمكانية، والشخوص الكثيرة التي عبرت حياته وحياة تونس”.

أما رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” فقد شرح  فيها خليفة مجتمع مدينة اللاذقية شديد التعقيد في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين حيث تتمحور قصتها حول عدد من الشخصيات التي عاشت فيها واندمجت في مجتمعها المتنوع طائفيا واجتماعيا حيث استلم دفة السرد فيها أربعة رواة تربطهم الصداقة  والحب والعمل المشترك فروت كل شخصية من هذه الشخصيات قصتها وعلاقتها مع باقي الشخصيات الأخرى التي تتقاطع مصائرها معهم فكانت رواية بوليفينية (نسبة إلى ميخائيل باخت) متعددة الأصوات   ضمن سرد متصاعد يتأرجح زمنيا بين ماضي الشخصيات وحاضرها وقسمت لأربع فصول كل فصل منها ترويه شخصية من هذه الشخصيات وهم على التوالي سام ومريانا وموسى ومنال وهناك شخصيات ثانوية أخرى  تربطهم فيهم الصداقة والعمل ضمن الفرقة الموسيقية التي شكلوها كأنس ومروة وروني ويارا بالإضافة لشخصيات من خارج الشلة  كميسون ولميس. 

صورة مصغرة عن مدينة كبيرة

يصور خالد خليفة في روايته هذه مجتمع اللاذقية من خلال عيون شلة الأصدقاء الأربعة التي تنتمي لطوائف وطبقات اجتماعية مختلفة فسام الذي يسرد الفصل الأول بصوته ينتمي إلى عائلة متنفذة من الطائفة العلوية فعمه لواء في مخابرات نظام الأسد يدعى فوزي أبو مضر يقوم باستغلال منصبه للثراء وفرض السطوة الاجتماعية وتساعده في تسيير أعماله القذرة هذه أخته أمل من خلال استغلال سلطته فتقوم بشراء الاجازات للمجندين في جيش النظام وتسهيل مقابلات الأهالي لأبنائهم المعتقلين لدى الفروع الأمنية مقابل مبالغ مالية كبيرة وسام نفسه منخرظ في هذا الفساد من خلال استغلال نفوذ عائلته فهو موظف حكومي يقبض راتبه دون أن يداوم في وظيفته بينما ابن عمته الأخرى غسان فهو على النقيض منه تماما لأنه معارض لهذا النظام الذي يمثله عمه ويتم اعتقاله لاحقا مايدعو أمه فاطمة للفخر بهذا الشيء. أما الشخصية الثانية في  الشلة فهي ماريانا الشابة المسيحية المتمردة والتي تروي الفصل الثاني من الرواية بصوتها هي إذ تجمعها علاقة حب بسام وتتباهى بأنه هو الذي فض بكارتها بينما الذي فعل ذلك هو محمود مدرس الرياضيات أخو موسى صديقهم عندما كانت طالبة في الثانوية لكن حبها لسام عازف الغيتار في الفرقة لايستمر بسبب دينه المختلف الذي يقف عائقا بينهما فتضطر للزواج بجورج الشاب البخيل الذي تسافر معه إلى أميركا لكن طيف سام لايفارقها “سأكون بينهم وهم يمارسون العلاقة الحميمة”. أما الشخصية المحورية الذي يروى الفصل الثالث بصوتها هو موسى الشاب الثري إبن العائلة الأرستقراطية الراقية المعروفة في المدينة الذي يحكي لنا كيف وقفت أمه شاهيناز وخالته جورجيت ذات يوم ضد قرار إزالة الكورنيش الغربي وتوسيع المرفأ حيث تم ردم البحر وشوهت أجمل منطقة في المدينة وواجهتها البحرية، وموسى  يحب منال التي تروي الفصل الرابع والأخير بصوتها وهي الشاعرة الرقيقة النقية التي تنحدر من عائلة حقيرة لاتشبهها بشيء فوالدها قواد يسهل زواج القاصرات بكبار السن من أجل المتعة، ولايتوانى عن تزويج إحدى بناته منهم بينما ابنته الكبيرة عاهرة وابنه منعم جلاد في أحد سجون النظام العسكرية يقوم بتعذيب المعتقلين حتى الموت حيث يروي لعروسه خضرة في إحدى المرات في حوار يدور بينهم كيف يعذبون المعتقلين عندهم حتى يموتون ويستمرون بتعذيبهم مرة ثانية وثالثة بعد موتهم. ويحكي لها كيف يبول أخوها غديرصديقه في الفرع  على جثث المعتقلين وهو منتشي “هذا مصير كل من يرفع رأسه في وجه الرئيس” فتجد منال في موسى مخلصا لها من هذا القاع الذي تعيش فيه: “أعتبر نفسي قد ولدت من جديد وأصبح لي أما جديدة”، فيتزوجان في النهاية. وهناك شخصيات أخرى في هذه الفرقة الموسيقية التي أقامت حفلا واحدا فقط عبر تاريخها داخل كنيسة فكان حفلها الأول والأخير في المدينة، ومن هذه الشخصيات أنس ومروة العاشقين لكن مروة ترفض الهرب معه إلى لبنان للزواج وتقرر معاقبة أهلها بعنوستها بينما هو يقضي وقته بتعاطي الحشيش وكتابة القصائد الموزونة ثم يتزوج من مها عنبري لكن زيجته تفشل لأن طيف مروى يتلبسه ويسيطر على علاقته بزوجته فصوتها لايفارقه: “النساء أصوات”، وينفصل عن مها  في النهاية وهناك روني ويارا العاشقين أيضا: “لم أستمتع بالمعاشرة مثلما استمعت معها فكل من عاشرتهم من قبل فقمات”، وهكذا تتفرق هذه الفرقة التي كانت تجتمع ذات يوم وتشرب الحشيش والخمر بالسر وتتخذ كل شخصية منها  طريقها في الحياة فهم السمك الميت الذي مازال يتنفس، وهم قشور الليمون: “قشور الليمون هي نحن حين نقاوم الاندثار”. 

هناك شخصيات أخرى في الرواية كشخصية ميسون التي تكره الرجال وتشتمهم بعد ترك حبيبها لها وزواجه من فتاة أخرى بعد علاقة حب دامت عشر سنوات. وهناك لميس المخبرة في جامعة تشرين، التي زرعها النظام عام ١٩٨٧ بين مجموعة من الطلاب اليساريين المعارضين للتجسس عليهم، وكتب التقارير بهم فتم القبض عليهم جميعا، ودخلت هي معهم إلى السجن للتمويه، وخرجت بعد عدة أيام، وكافأها النظام بجعلها مذيعة في التلفزيون الرسمي وأصبحت تقدم برنامجا فنيا.

 بالإضافة لشخصيات الرواية المتخيلة هناك شخصيات حقيقية ذكرت أسماؤها الحقيقية كشخصية المترجم أسامة منزلجي الذي توفي العام الماضي وذكرت ترجمته لرواية ( ربيع أسود) للكاتب الأميركي هنري ميلر والشاعر منذر مصري، الذي شجع منال على كتابة الشعر ومكتبته (فكر وفن) التي كانت ملتقى لمثقفي المدينة، والمفكر الياس مرقص الذي رحل عام ،١٩٩١ والذي كان يتحلق حوله رجال الفكر في اللاذقية. كما تم ذكر الموسيقى التي كانت رائجة في تلك الأيام كأغاني بوب مارلي وعازف الساكسفون الأميركي لويس آرمسترونغ فقدم خالد خليفة توثيقا لعقدين من تاريخ المدينة في روايته هذه من خلال شخصياته وحياتها فيها. ولم يفته ذكر حادثة توسيع المرفأ وتبليط البحر التي أحزنت أهالي المدينة في حينها وسببت ندبة في نفوسهم مازالت حتى الآن بسبب هذا الاعتداء على ذاكرتهم وأيامهم الجميلة في هذه الكورنيش البحري الذي تمت إزالته. 

الثورة قادمة لا محالة

قدم خالد خليفة في روايته هذه نموذجاً مصغراً عن سوريا اختزله في مدينة اللاذقية مفككاً مجتمهعا المتنوع، وعرّى فيها نظاما سياسياً ديكتاتورياً كان يسيطر على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في البلاد من خلال مخابراته ففخخ هذه المجتمعات وزرع الكراهية بين مكوناتها حتى وصلت للانفجار وثارت عليه في العام ٢٠١١ فكانت هذه الرواية هدية أخيرة من خالد خليفة لمدينة أحبها ولم يعش ليراها مطبوعة باستثناء صفحتين فارغتين تركهما وهما لقصيدة خاصة بمنال وعنوان لفيلم إيطالي على الأغلب هو (ميمي العامل المطعون بشرفه). ونوهت دار النشر أن الكاتب ترك هاتين الصفحتين فارغتين ولم يستطع إكمالهما لأن الموت باغته وتوفي بسكتة قلبية. 

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص الاتهام. محمد حبش الداعية الإسلامي السوري بطل القصة الجديدة.

في البداية لسنا في صدد الدفاع عن أحد، كما ونعرف تماماً أن أكثر ما يجعل الفضيحة مزلزلة تناقضها مع الصورة التي يصدرها الضحية عن نفسه، وسأعتمد هنا على تسمية الضحية تجاوزاً. 

كما ولابد من التنويه أن ما نناقشه هو فقط الفعل الجنسي أو الكلام الجنسي بين بالغين راشدين، والذي يسُرّب بقصد التشهير أو الابتزاز أو تحييد شخص ما عن الفضاء العام، عن طريق التقليل من قيمة رأيه، على اعتبار أن الفضيحة الجنسية سقطة أخلاقية، تجعل صاحبها بنظر الكثيرين فاقداً للشرعية.

يظهر محمد حبش في مكالمة فيديو، يتكلم فيها كلاماً حميمياً، وربما من الغريب هنا أن أصرّح أن أول شعور أحسست به عندما شاهدت الفيديو كان التعاطف مجرد التعاطف، ليس مع محمد حبش وحده وليس مع صفته أو مكانته أو موقعه أو مواقفه، لكنه التعاطف مع هشاشة أي إنسان في هذا الموقف وخاصة العربي، لأنه يحتاج أكثر بكثير من غيره أن يشرح نفسه لنفسه، قبل أن يشرحها إلى الآخرين. 

الجنس يكشف الهشاشة

لطالما اعتقدت أن الجنس دون غيره يكشف أكثر نقاط الإنسان هشاشة وأكثرها ضعفاً، فنحن نستطيع دائماً وفي كل وقت، أن نختار الطريقة اللائقة التي نريد أن نظهر بها، والتي نحب أن نتصرف بها. يمكننا دائماً وضع الحواجز، اختيار المسافات، وارتداء الأقنعة، كبت رغبتنا بالعنف، أو رغبتنا بالتعنيف، إخفاء شعورنا بالذنب، وأشياء كثيرة أخرى نقضي أعمارنا في سبيل إخفائها وليس فهمها والتصالح معها. 

يحدث الخرق في لحظاتنا الحميمة، يسقط الجدار الهش الذي بنيناه، وتتلاشى الطبقات، وتقريباً، لا يبقى من الكائن إلا ذلك الجزء المسكوت عنه، الجزء المحظور، وربما الجزء الأكثر صدقاً في بنيتنا النفسية، لذلك فما رأيناه في فيديو حبش وقبله فيديو الممثل أحمد رافع لم يكن مجرد لحظة جنسية عابرة، أو انكشاف أخلاقي، لكنه أشبه برؤية الإنسان عاريًا من كل ما يُجبر على ارتدائه، تعرية وجودية لكل طبقات الحماية الاجتماعية والمؤسساتية التي نتدرع بها، لنخفي عيوبنا وهشاشتنا.

وعندما يطال هذا الانكشاف المباشر رجل دين أو شخصية عامة، ينفجر الوضع بدرجة أكبر من التعقيد، لأنه يكشف عن الكثير من الصراعات الداخلية والخارجية بين الإنسان ونفسه ومحيطه، ويفتح الجرح النازف بين الإنسان وحقيقته، بين الهوية المتخفية خلف الرمز، والصورة اللامعة التي يصدرها لمحيطه. 

ولا يكتمل المشهد حتى يستغل هذا الانكشاف ويُستدرج نحو تصفية الحسابات السياسية، وهنا تجرد اللحظة من سياقها الإنساني، ويُنقل الصراع إلى مكان يرجح مباشرة كفة على كفة، بعيداً عن الصراع الفكري إلى حلبة الجسد والسرير والحياة الخاصة، حيث تتحول المحاكمة إلى الضمير الجمعي، فالعار في عمقه الثقافي لا يبنى على طبيعة الفعل المجرد وحده، بقدر ما يتغذى على نظرة الآخر وسلطته.

الجنس كأداة سلطة

من الصعب النظر إلى الفضائح الجنسية في مجتمعاتنا العربية، كفضيحة وانتهى الأمر، لأن الجنس هو الحالة التي تُقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والديني والأخلاقي داخل مجتمعاتنا وربما داخل مجتمعات أخرى أيضاً.

يُحمّل الجنس معنى يفوق الفعل الجنسي نفسه، لأن الجسد ليس جسداً وحسب، بل هو المختبر ونقطة التقاء سمعة المرأة مع شرف العائلة ورجولة الرجل والتزامه الديني والأخلاقي، وأن تطال الفضيحة شخصاً من الأساس يُعتبر ممثلاً لمجتمع الفضيلة، الذي يحبه الناس ويدّعون دائما الانتماء إليه، يعني أن الفضيحة طالت الجميع، والانكشاف لم يعد متعلقاً بالشخص نفسه بقدر ما صار مرتبطاً بالمنظومة ككل، المشكلة الأساسية تبدأ إذا من رمزية الجنس، فلو نظرنا إلى الجنس كحاجة بيولوجية فقط لكان الأمر أبسط.

لكن عندما ننظر إلى الجنس على أنه أداة قياس، فالحديث هنا يأخذ مستويين. المستوى الشخصي الذي يجعل الجنس مركزاً أساسياً لفهم تكوين الشخصية، لأن الجنس مصدر القلق الدائم والمحفز المستمر للصراع مع قائمة المحظورات والقواعد المفروضة من الدين والمجتمع، وهذا ما يخلق للجميع ما يخفونه، لأن الكبت لا يلغي الرغبة هو فقط يدفعها نحو الداخل، وهذا يصعب الوصول إلى نقطة تفاهم بين رغباتنا وما يفرض علينا وما نتربّى عليه، وخاصة في حال كنا ننتمي إلى مجتمعات محافظة.

قرأت تعليقات كثيرة وصفت حبش بالمنافق، وهذا عكس ما يراه عالم الاجتماع غوفمان الذي يفترض من الأساس أن الإنسان يؤدي دوراً، على الخشبة يتصرف بالطريقة التي ترضي الجمهور، وفي الكواليس يخلع الدور ويسترخي وقد يتناقض مع نفسه، فهذه المساحة هي حقه. لذلك أعتقد أن مناقشة أخلاقية ما نخفيه قبل مناقشة أخلاقية انتهاكه وتحويله إلى فضيحة، هي إشكالية أخلاقية بحد ذاتها.

يزداد حضور الجنس في الحياة الاجتماعية في المجتمعات المحافظة، وكلما ازداد هذا الحضور في الخفاء كلما ازداد رفضه في العلن، وهذا ما يقودنا إلى المستوى الثاني، حيث ننتقل من الاتهام إلى المحاكمة ومن صراع الإنسان مع نفسه إلى صراعه مع الآخرين، من أحب أن أسميهم أدوات السلطة. فمن قال من الأساس إن هذا سلوك طبيعي وهذا منحرف؟ من قال إنّ هذا مشروع وذاك محرم؟ هذا مقبول وذاك مرفوض؟ ببساطة السلطة أي سلطة هي التي قالت، لأنها لا ترى في الجنس أكثر من وسيلة إدارة، فهي التي تنتج المعارف عنه، وهي التي تحوله في نهاية المطاف إلى قضية يومية لا يمكن التخلي عنها، وهذا ما أشار له فوكو بحديثه عن السلطة والجسد، فالسلطة لا تفرض ولا تمنع، تحاول فقط جعل الجنس أو أي فعل مصدراً دائما للاستجواب، وهذا ما يجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه، حتى داخل سريره.

الهدف الجنسي غير المعلن

إذا ما فكرنا قليلاً لاكتشفنا أن أغلب التيارات الفكرية والسياسية والدينية تحمل في داخلها هدفاً جنسياً ما، فأي تصور للمجتمع يجب أن يتضمن بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر تطرقاً للجنس، ربما من خلال تصور للأسرة، للعلاقة بين الجنسين، للجسد، للملابس، لمفهوم الذكورة والأنوثة، لمعنى العفة والشرف. الجنس ببساطة أحد الميادين التي تكشف بها كل الأيديولوجيات تصورها للفرد وللسلطة وللمجتمع.

وربما لهذا السبب، تكون الفضائح الجنسية بالغة الأثر فهي تهدم مجموعة كاملة من التصورات عن الدين والشرف والأخلاق، لأن المجتمع من الأساس أعطى الجنس وظيفة الكشف عن الحقيقة الأخلاقية للإنسان وهذا ما يجعله بسبب أي فضيحة في مواجهة مباشرة وحادة مع نفسه، وليس فقط مع الشخص المدان. 

لماذا لا يستطيع السوري أن يحزن على موتاه جميعاً؟

لماذا لا يستطيع السوري أن يحزن على موتاه جميعاً؟

في سوريا، لا يموت الإنسان مرةً واحدة. يموت حين يُقتل، ثم يموت مرة ثانية حين يُختصر موته في رواية سياسية، ويموت ثالثة حينَ يصبح اسمه عبئاً على ذاكرة جماعة لا تريد أن تتذكره، ويموت أخيراً حين يطلب منكَ أحدهم أن تثبت أولاً إلى أيّ جهة كان ينتمي قبل أن يسمح لك بالحزن عليه. ربما لهذا يبدو السوري أحياناً، عاجزاً عن البكاء على موتاه جميعاً. ليس لأنّ السوري فقد قلبه، بل لأنّ الحرب علّمته أنّ الحزن نفسه يمكن أن يكون موقفاً سياسياً. ففي السنوات الماضية، لم يكن يكفي أن تقول : مات إنسان. كان عليك أن تضيف: من قتله؟ ولأيّ جهة ينتمي؟ وأين مات؟ وماذا كان يفعل قبل أن يموت؟ ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة: هل كان من “جماعتنا” ؟ وكأنّ الموت السوري يحتاج إلى جواز سفر طائفي كي يدخل إلى الذاكرة.

لهذا، يمكن للسوري أن يبكي على قتيل في مدينة بعيدة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الاعتراف بوجع قتيل آخر لأنّ صورته تزعج الرواية التي بنى حولها نجاته. يمكنهُ أن يطالب بالعدالة لضحايا نظام الأسد، ثم يصمت أمام ضحايا ارتكبتها قوى أخرى. ويمكن لآخر أن يفعل العكس تماماً: أن يتحدث عن مآسي جماعته، لكنه يمر على موت الآخرين كما لو أنهم تفصيل جانبي في قصة أكبر. هكذا تحولت سوريا إلى بلد لا يتنافس فيه الناس على من عاش المأساة فقط، بل على من يملك الحق في تسميتها مأساة. وهذا ربما أحدُ أكثر آثار الحرب قسوة. فالحرب لا تقتل الناس فقط. إنها تعيد ترتيب قيمة موتهم.

كان يمكن للسوري أن يعرف الموت بسهولة قبل أن يعرف السياسة. كان هناك بيت فقد ابنه. أم تنتظر. أب يحمل صورة. طفل لن يفهم لماذا لن يعود أبوه. امرأة تفتح هاتفها كل مساء على آخر رسالة واتساب من شخص لن يكتب بعدها شيئاً. هذه التفاصيل لا تحتاج إلى أيديولوجيا. فالموت في لحظته الأولى، لا يكون سنياً ولا علوياً ولا كردياً ولا مسيحياً. يكون جسداً غائباً، وكرسياً فارغاً، وثياباً لم تعد تُلبس. لكننا تعلمنا لاحقاً أنّ نضيف الهوية إلى الجثة. أن نسأل عن صاحبها قبل أن نسأل عن الجريمة. وهنا تكمن المأساة الأخلاقية الأكبر.لأنّ الاعتراف بأنّ الآخر ضحية لا يعني تبرئة الجهة التي ينتمي إليها. كما أن التعاطف مع إنسان من جماعة أخرى لا يعني أنك خنتَ موتاك. لكن السوري اليوم و بعد سنوات طويلة من العنف، أصبح يتعامل مع التعاطف كأنهُ تنازل. إذا حزنتَ على موتاهم، خفت أن يقال إنك نسيت موتانا. وإذا تذكرتَ موتانا، طالبك آخرون بأن تتذكر بأن لهم موتاهم أيضاً. لذا حتى الحزن أصبح ساحة حرب.

ربما لهذا السبب لا تزال بعض المآسي السورية تعيش في جزرٍ منفصلة. هناك من يحمل أسماء قتلاه كأنها وصية. وهناكَ من يرفض سماع أسماء قتلى آخرين لأنّ تلك الأسماء ارتبطت في ذاكرته بالخوف والسلطة والسلاح. وفي الساحل، مثلاً، لا يمكن أن تطلب من إنسان فقد قريباً في أحداث عنيفة أن ينسى خوفه لأنّ العدالة تحتاج إلى رواية وطنية جميلة. وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول خوف جماعة بأكملها إلى رخصة لمحو ضحايا الآخرين أو تبرير قتلهم. هذه هي المنطقة التي نخاف الاقتراب منها. نريد عدالة نظيفة، فيما تاريخنا متسخ بالدم. نريد سردية واحدة، فيما سوريا مليئة بسرديات متعارضة. نريد أن نقول إننا جميعاً ضحايا، لكننا لا نريد أن نسأل: هل كنا جميعاً ضحايا بالطريقة نفسها؟

لا… لم يكن السوريون متساوين أمام العنف، ولا أمام السلطة، ولا أمام السلاح، ولا أمام القدرة على النجاة. لكن الاعتراف بعدم تساوي التجارب لا يمنحنا حق تقسيم الضحايا إلى ضحايا يستحقون الحزن وضحايا يمكن تفسير موتهم. هناك فرق بين أن نفهم لماذا حدثت الجريمة، وبين أن نبحث عن سبب يجعلها أقل فظاعة.

ربما تحتاج سوريا اليوم إلى شيء أكثر صعوبة من المصالحة. تحتاج إلى القدرة على الحزن من دون أن نطلب الإذن من هويتنا. أن أستطيع أن أقول؛ هذا الإنسان مات، وكان موته ظلماً، حتى لو كان من الجماعة التي أخاف منها. أن أستطيع أن أقول: هذا الإنسان قتل أبي، ومع ذلك لا أريد أن يُقتل ابنه. أن أستطيع أن أحتفظ بغضبي من قاتل، من دون أن أورث هذا الغضب إلى كل من يشبهه.

هذه ليست رومانسية بل هذه بداية السياسة لأنّ الدولة التي تريد أن تبني نفسها على العدالة لا تستطيع أن تبدأ من سؤال: من هم موتانا؟ عليها أن تبدأ من سؤال أصعب: من هم موتانا جميعاً؟ ليس لكي نساوي بين الجرائم، ولا لكي نمحو مسؤولية أحد، ولا لكي نضع الجلاد والضحية في كفة واحدة، بل لكي نمنع الموت من أن يصبح ملكية حصرية لجماعة. قد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة. ليس كم تمثالاً أُزيل، ولا كم اسماً تغير، ولا كم خطاباً سياسياً تبدل. بل هل نستطيع للمرة الأولى منذ سنوات، أن نقف أمام قبر شخص لا يشبهنا ونقول ببساطة: كان يجب ألا يموت من دون “لكن”. من دون “إلا إذا”. من دون أن نسأل أولاً عن طائفته. لأن البلاد التي تحتاج إلى هوية كي تسمح لإنسان بأن يكون ضحية، لم تتعلم بعد معنى العدالة. وربما لهذا، قبل أن تتصالح سوريا مع ماضيها، عليها أن تتعلم شيئاً أبسط وأكثر قسوة: أن تحزن. أن تحزن على موتاها جميعاً، لا لأن موتهم متساوٍ، بل لأنّ حياة كل واحد منهم كانت تستحق أن تُعاش. وحين يصبح الحزن على الآخر ممكناً، ربما للمرة الأولى، سيصبح المستقبل ممكناً أيضاً.

الحركات الإحيائية في الحياة السورية

الحركات الإحيائية في الحياة السورية

تُعتبر المجتمعات المضطربة وذات التنوع الطائفي والإثني، التي لم تجد سبيلها إلى النمو والتطور الحقيقي بعد، ساحةً ومجالًا أكبر لنشوء الحركات الإحيائية ونشاطها.

يشمل نشاط هذه الحركات أغلب الفعاليات في هذه المجتمعات: الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية.

يعرّف الأنثروبولوجي الكندي «أنثوني والاس» حركات الإحياء في كتابه «حركات الإحياء»، الصادر في كندا عام 1956، بأنها: «جهود واعية ومنظمة ومبرمجة من قبل أفراد في مجتمع ما، لبناء ثقافة أكثر إرضاءً واكتفاءً، غالبًا ما تظهر عندما يتعرّض المجتمع لضغوط واضطرابات قاسية تفقده توازنه. تهدف هذه الحركات إلى مواجهة حالات التفكك أو الإحباط الحضاري عبر وصل الماضي بالحاضر وصياغة رؤية تجديدية للمستقبل».

قد نتفق مع هذا التعريف وقد نختلف، خاصة فيما يخص الجهود الواعية؛ والاختلاف هنا يتعلق بطبيعة الوعي ومؤداه. ولو أردنا تعريف هذه الحركات استنباطًا من تجربتها في المجتمعات العربية، يمكننا القول إنها حركات ذات نزوع ديني وثقافي واجتماعي وسياسي، تعمل بدينامية استحضار وتحيين فترة تاريخية أو حالة مضت، بمفاهيمها ومعطياتها السياسية والحضارية، كرد فعل على الواقع المتأزم والقصور الحضاري الذي تعانيه هذه المجتمعات.

وتنقسم إلى قسمين: حركات إحيائية ذات سمة علمانية، كالبعث والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركات دينية كالحركات الإسلامية.

تصاعد نشاط هذه الحركات في سورية مع اشتداد الأزمة السورية، علمًا أنها كانت موجودة في بعض الفعاليات، كالسياسة والدين، لكنها لم تقتصر مؤخرًا على ذلك، بل وصلت إلى مختلف الفعاليات السورية.

الحركات الإحيائية السورية

حزب البعث

المجال الأهم الذي برزت وسادت فيه الحركات الإحيائية هو السياسة، فالحياة السياسية السورية تقوم، في معظمها، على أحزاب ذات أيديولوجيا إحيائية.

نبدأ من حزب البعث، الذي اعتمد أيديولوجيا قومية عربية، ووضع لنفسه هدفًا وشعارًا هو إحياء الأمة العربية في دولة واحدة من المحيط إلى الخليج. وهذا واضح من شعاره الذي ظل السوريون يرددونه لأكثر من نصف قرن. وهو هدف يبدو أقرب إلى اليوتوبيا منه إلى الواقع، حيث يسعى البعث إلى إحياء ما لم يكن حيًا؛ فلم تكن هناك دولة عربية حقيقية بالحدود التي رسمها تاريخيًا، ولم تكن هناك قومية خالصة تقوم عليها هذه الدولة.

ورغم أن البعث كان ذا أيديولوجيا إحيائية واضحة، فإنها لم تكن إحيائية خالصة؛ فقد حاول، في نظريته وطروحاته، التوفيق بين نزوعه إلى استنهاض القومية وإحياء الدولة العربية وبين المعطيات العصرية، من خلال طرحه لمبدأ الاشتراكية، الممسوخ عن النظرية الماركسية، وتوجهاته الثقافية والاجتماعية التي كانت توصف بالتقدمية.

هكذا نجد أن البعث لم يكن ماضويًا إلا في استناده الأيديولوجي إلى الماضي لتحقيق هدف معاصر، هو الوحدة العربية، إن كان قد عمل على ذلك فعليًا، ولكن وفق رؤيته فقط. فالبعث لم يسعَ إلى التلاقي مع الأحزاب والتيارات التي تقاربه في الأهداف، كالتيارات الناصرية، بل سعى إلى احتوائها. وهذا ما جعله يفشل في تحقيق هدفه الأساسي، وما لحق به من شعاري الحرية والاشتراكية، إذ عمل، في الواقع، عكس ما يستلزمه تحقيقهما.

سعى البعث إلى تعميم ثقافة تناسب أهدافه، ضمن هامش مدروس ومحدد. وقد أتاح له وضعه كحزب سلطة وضع مناهج تتوافق مع توجهه السياسي والاجتماعي، وتوجيه الإصدارات الأدبية والإعلامية بما ينسجم مع هذه التوجهات. كذلك عمل على التأثير في البنية الاجتماعية وطبيعتها عن طريق المنظمات والنقابات التابعة له، وباعتماد رقابة لصيقة على كل نشاط اجتماعي وثقافي.

لم تشكّل إحيائية البعث، وفق ما طرحه نظريًا، عائقًا أمام النمو والتطور؛ وما أعاق ذلك هو تحوّله إلى حزب سلطة بلا مبادئ سوى الحفاظ على هذه السلطة، وما رافق ذلك من ممارسة فعلية وسعي حثيث لتحقيق هذا الهدف.

الحركات الإسلامية

تتجلى الإحيائية بشكل أوضح في الحركات الإسلامية. فقد قامت حركة الإخوان المسلمين على أيديولوجيا إسلامية خالصة تهدف إلى إعادة إحياء الدولة الإسلامية من الناحية السياسية، باعتماد نظام حكم يقوم على الخلافة والإمارة كما كانت هرمية السلطة في العهود الإسلامية، وإلى أسلمة مختلف مناحي الحياة، أي اعتماد الدين الإسلامي في فعاليات الحياة كافة. وعملت على تحقيق ذلك بمختلف السبل، بدءًا من النشاط الثقافي والاجتماعي والدعوي الديني، وصولًا إلى الراديكالية.

هذه الأيديولوجيا والأهداف الماضوية الخالصة أوقعت الحركة في مهب التناقض مع معطيات العصر، من الناحية السياسية والاقتصادية خاصة، والاجتماعية والثقافية بدرجة أخف، فقصرت عن وضع حلول واقعية تعالج بها مشكلات مجتمعاتها ومتطلباتها حال تسلّمها السلطة، وهو ما رأيناه في تونس ومصر.

في سورية الآن تحاول السلطة الإسلامية تجاوز مطبات وسلبيات تجربتي تونس ومصر من الناحية السياسية والاقتصادية، لكن النزوع الإحيائي واضح في المجالين الثقافي والاجتماعي، حيث نلمس سلفية ثقافية تقوم على إحياء الشعر التقليدي واعتباره الشعر الحقيقي دون سواه، وهو ما اتضح في مهرجان الشعر الذي أُقيم في دمشق مؤخرًا.

والإجراء الأهم من الناحية الثقافية هو العمل على إحياء أسماء رموز وأحداث تاريخية كان لها حضورها وأهميتها في التاريخ الإسلامي، من خلال تسمية معالم معاصرة بأسمائها واعتمادها في المناهج والكتب المدرسية، رغم أن هذه الشخصيات قد لا تكون لها صبغة وطنية أو قومية.

نلمس أيضًا نزوعًا إحيائيًا واضحًا في العلاقات الاجتماعية التي ارتكست إلى التراحمية بشكل كبير، وكذلك في رسم معالم الشخصية الوطنية من الناحيتين السياسية والدينية. والأهم هو معيار الانتماء، الذي صار يلعب دورًا أساسيًا في مدى قبول هذه الشخصية، وهو ما نسف المفهوم التقليدي للمواطنة.

يجب التنويه هنا، فيما يخص الوضع السوري، إلى أن السلطة الحالية في سورية لم تطرح مسألة إحياء الخلافة، بل أبقت النظام السياسي الجمهوري هو المعتمد، والهيكلية السياسية بمؤسساتها المعروفة: مجلس الشعب والحكومة… بغض النظر عن كيفية تشكيل هذه الهيكليات ومصداقيتها.

حافظت هذه السلطة على المؤسسات والإدارات والهيئات، مع إسناد إدارتها إلى كوادر إسلامية من التوجه نفسه، علمًا أن قسمًا من هذه المؤسسات والإدارات تم تخصيصه بشكل أو بآخر، فيما تم إيقاف قسم آخر عن العمل.

تواجه هذه الحركة صعوبات تتمثل في مناوئة داخلية من قبل فئات اجتماعية لمشروعها الإحيائي، ومناوئة خارجية تتمثل في وقوف دول عديدة في وجه مشروعها، إلى حد الوصول إلى العمل العسكري.

ولا بد لهذه الحركة، كي تبقى في السلطة، من أن تتخلى عن قسم من مشروعها الإحيائي، السياسي خاصة والاجتماعي، ويمكن أن تتجه إلى الإدارة بما يتوافق مع معطيات العصر، مع الحفاظ على لبوس إسلامي لا تتخلى عنه، وهو ما نجده في التجارب التركية والإيرانية والماليزية…

الحزب السوري القومي الاجتماعي

يُعد الحزب السوري القومي الاجتماعي من الحركات الإحيائية بنظريته التي تقوم على بعث الأمة السورية وإحيائها ضمن الجغرافيا المعروفة بالهلال الخصيب. وقد بيّن أنطون سعادة، مؤسس الحزب، ذلك بتلخيصه هدف الحزب بالتالي:

«بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه، وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالًا تامًا، وتثبيت سيادتها، وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، إلى جانب السعي لإنشاء جبهة عربية».

ويعتبر الحزب أن القضية السورية قضية قائمة بذاتها ومنفصلة عن أية قضية أخرى، كما يعتبر الشخصية السورية شخصية متمايزة بصفات خاصة.

يُحسب للحزب أنه كان الأنجح في تخطي العوائق الطائفية، فقد ضم أعضاءً من مختلف الطوائف بدافع القناعة السياسية، وهو ما تبيّن في إخلاص غالبية أعضاء هذا الحزب له، وفي نشاطهم وتآزرهم بغض النظر عن الطائفة.

واجه الحزب الكثير من حالات التهميش والإقصاء في سياق الصراع على السلطة، من قبل حزب البعث ومن التيارات السياسية الأخرى، ولم تتح له فرصة وضع سياسة تنفيذية لتحقيق أهدافه؛ كونه لم يستلم السلطة ولم يكن فاعلًا فيها يومًا، حتى لو كان مشاركًا فيها.

يؤخذ على نظرية الحزب وأهدافه أنها لا تطابق الواقع التاريخي؛ فسورية لم تكن موحدة سياسيًا يومًا وفق الحدود التي رسمها الحزب، وإن كانت تشكّل وحدة حضارية بموروثها الثقافي والاجتماعي المتقارب على صعيد جغرافيتها كلها، والمتطابق على صعيد بعض الأقاليم. والموروث هنا يشمل العادات والفنون ونمط الحياة بشكل عام.

يمكن اعتبار أهداف الحزب، وفق ما طرحه، ضربًا من اليوتوبيا السياسية صعبة التحقيق، وذلك إذا أخذنا بالاعتبار الظروف السياسية الحالية وتوسيعه حدود سورية، وفق نظريته، لتشمل قبرص وأجزاء من تركيا الحالية.

ما يميز نظرية الحزب السوري القومي الاجتماعي الإحيائية عن البعث والإسلاميين أنها تذهب تاريخيًا إلى ما قبل الإسلام. فالبعث لم يحدد تاريخًا معينًا كانت فيه دولته القومية العربية قائمة ليعود إليه، إلا أنه من الواضح أن خريطة هذه الدولة تعود إلى ما بعد الإسلام، وبداية العصر العباسي على وجه التقريب، بينما يعتمد الإسلاميون خريطة لدولتهم المبتغاة تشمل، في حدها الأقصى، ما وصل إليه المسلمون في فتوحاتهم.

هناك تيارات إحيائية أخرى لا تمتلك نظرية متماسكة تشكّل أساسًا لبرامجها، فهي تقوم على مجموعة أفكار فقط، تدور في العموم في سياق الحركات الثلاث الآنفة.

لم تكن الحركات الإحيائية بنّاءة في أدائها السياسي والاقتصادي كما يجب، كما أنها سعت إلى ليّ عنق الفعاليات الثقافية والاجتماعية بما يناسبها. والمفارقة أن مثلها الأعلى، الذي تسعى إلى إحيائه والثاوي في التاريخ، لم يشكّل دينامية حقيقية وفاعلة لأدائها.

سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

لا تبدو سوريا اليوم كبلدٍ يتجه نحو الاستقرار بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً لا تشبه البلدان المنهارة التي فقدت كلّ أشكال الحياة العامة. هي تقف في منطقة رمادية شديدة التعقيد، تتجاور فيها محاولات إعادة بناء الدولة مع تصاعد الشكوك حول قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية: إنتاج الشعور بالأمان.

خلال الأشهر الأخيرة، بدا وكأنّ السوريين يتابعون سلسلة لا تنتهي من الوقائع المتناثرة: حوادث أمنية، جرائم قتل وخطف، توترات محلية، حملات مقاطعة، سجالات طائفية، وخطابات متبادلة يغلب الخوف عليها أكثر مما يغلب النقاش. لكن قراءة هذه الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة قد تحجب عنا ظاهرة أعمق آخذة في التشكل داخل المجتمع السوري؛ ظاهرة لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض، بل بكيفية فهم الناس لما يحدث، وكيف يعيدون بناء علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

لقد اعتاد السوريون لعقود طويلة على شكلٍ محدد من الخوف. كان الخوف مركزياً، تصنعه الدولة وتديره وتحتكره. لم يكن المواطن مضطراً إلى تفسير مصادر التهديد بنفسه، لأنّ الدولة، بكل ما لها وما عليها، كانت تحتكر تعريف الخطر وتحديد مصادره ووسائل التعامل معه. أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً. فلم يعد الخوف مركزياً، إنما موزعاً على المجتمع نفسه. لم تعد هناك رواية واحدة للتهديد، إنما عشرات الروايات المتنافسة. ولم يعد السوريون يعيشون داخل خوف واحد، بل داخل مجموعة من المخاوف المتجاورة التي تنتجها الجماعات والأفراد ووسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أسرع بكثير مما تنتجه الوقائع نفسها. لهذا يمكن القول إنّ سوريا تدخل تدريجياً مرحلة جديدة يمكن تسميتها بخصخصة الخوف.

لا يعني ذلك أنّ الدولة اختفت أو أنّ المؤسسات لم تعد موجودة، بل يعني أنّ الخوف لم يعد ينتظر تفسيراً رسمياً كي يتشكل. بات كل فرد أو جماعة أو بيئة اجتماعية تنتج تفسيرها الخاص للمخاطر المحيطة بها، وتبني على أساسه مواقفها السياسية والاجتماعية. وهنا لا يصبح الخوف مجرد شعور عابر، إنما يتحول إلى إطار كامل لفهم الواقع.

من يحتكر الخوف إذاً؟

في العلوم السياسية، تحتكر الدولة الحديثة حق استخدام القوة، لكنها تحتكر أيضاً وظيفة أكثر أهمية: إنتاج الشعور العام بالأمان. حين يثق المواطن بأنّ القانون سيحميه، لا يعود مضطراً للبحث عن حماية بديلة. وحين يثق بأنّ العدالة ستأخذ مجراها، لا يشعر بالحاجة إلى الاحتماء بالطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الجماعة السياسية. لكن حين تتراجع هذه الثقة، يبدأ المجتمع بإنتاج منظوماته الأمنية الخاصة. وهنا لا يعود الخوف شعوراً فردياً، بل يتحول إلى هوية سياسية.

العلوي لا يخاف من حادثة محددة بقدر ما يخشى فكرة الانتقام الجماعي. والسني لا يخاف من شخص بعينه بقدر ما يخشى عودة أشكال جديدة من الاستبداد. والمسيحي يخشى التهميش وفقدان الحضور. والدرزي يخاف من فرض إرادات خارج بيئته المحلية. والكردي يخاف من الإقصاء السياسي أو الثقافي. وحتى المواطن الذي لا ينتمي إلى أيّ خطاب سياسي واضح بات يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الخصوم السياسيين.

هذه المخاوف ليست أوهاماً بالضرورة، كما أنها ليست حقائق مطلقة. لكنها أصبحت العدسة التي يقرأ السوريون من خلالها كلّ حدث يقع أمامهم. وهذا ما يجعل أيّ حادثة فردية قابلة للتحول إلى دليل على صحة الخوف المسبق. فالعقل الخائف لا يتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها إشارات تؤكد ما كان يعتقده أصلاً. وهنا تنتقل السياسة من إدارة الوقائع إلى إدارة المخاوف. والأخطر أنّ الخوف لم يعد مجرد شعور اجتماعي، بل أصبح مادة متداولة في المجال العام. على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض المنابر السياسية والإعلامية، نشأ ما يشبه “سوق المخاوف”. كل طرف يعرض بضاعته الخاصة من الهواجس والتهديدات، وكل حادثة جديدة تتحول إلى فرصة لإثبات أن الخطر الذي حذر منه كان حقيقياً. وبدلاً من أن تتنافس القوى المختلفة على إنتاج الثقة، بات كثير منها يتنافس على إدارة القلق وتوجيهه واستثماره.

حين تصبح المخاوف أقوى من الوقائع

هنا تبرز أهمية الفيلسوف كارل بوبر ومبدأ “القابلية للتكذيب”. كان بوبر يرى أنّ الفكرة الجيدة ليست تلك التي تستطيع تفسير كل شيء، بل تلك التي يمكن اختبارها وإثبات خطئها إذا تعارضت مع الواقع. أما الفكرة التي تفسر كل شيء فهي في الحقيقة لا تفسر شيئاً، لأنها تحوّل نفسها إلى عقيدة مغلقة لا تسمح بمراجعة ذاتها.

هذه الفكرة تبدو لي شديدة الصلة بما يجري في سوريا اليوم. فكثير من السوريين باتوا يمتلكون فرضيات جاهزة عن المستقبل وعن الآخرين وعن المجتمع نفسه. إذا وقعت جريمة، اعتبرها البعض دليلاً على انهيار الدولة. وإذا حدث توتر محلي، اعتبره آخرون دليلاً على اقتراب حرب أهلية. وإذا وقع اعتداء على فرد من جماعة معينة، تحول فوراً إلى إثبات لصحة مخاوف جماعته بأكملها. لكن السؤال الذي يغيب غالباً هو: ما الذي يمكن أن يدحض هذه الفرضيات؟ وما الحدث الذي قد يدفع أصحابها إلى إعادة النظر فيها؟

إذا كانت كل حادثة تؤكد القناعة المسبقة، وإذا كانت كل واقعة جديدة تُفسَّر ضمن الرواية نفسها، فإننا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام منظومة مغلقة من المخاوف. وعند هذه النقطة يصبح الخوف أشبه بعدسة معتمة. فهو لا يساعد على فهم الواقع، بل يعيد تشكيله وفقاً لما نخشاه. وتصبح الأخبار والأحداث والوقائع مجرد مواد خام تُستخدم لتغذية السردية القائمة مسبقاً. هنا تحديداً تكمن خطورة خصخصة الخوف، لأنها لا تجعل الناس خائفين فقط، بل تجعلهم أسرى تفسيرات لا تقبل المراجعة.

من الخوف إلى إعادة تشكيل المجتمع

التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة. ففي لبنان، لم يبدأ التفكك الحقيقي عندما اختلف اللبنانيون حول السياسة، بل عندما فقدت الدولة قدرتها على لعب دور المرجع الأمني المشترك. وعندما انتقلت الثقة من المؤسسات إلى الجماعات، تحوّلت المخاوف المتبادلة إلى حقائق سياسية قائمة بذاتها. لم يعد الناس يسألون ما إذا كان الخطر حقيقياً أم لا، بل أصبحوا يتصرفون انطلاقاً من افتراض أنه موجود سلفاً.

المشهد العراقي بعد عام 2003 سار في اتجاه مشابه. فالأزمة لم تكن في التنوع الاجتماعي أو المذهبي بحد ذاته، بل في اقتناع قطاعات واسعة من المجتمع بأنّ الجماعة باتت أكثر قدرة على توفير الحماية من الدولة نفسها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القناعة إلى واقع سياسي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع معاً.

التحول الأخطر لا يحدث عندما يزداد الخوف، بل عندما يصبح الخوف منظماً. عندما يبدأ الناس بتشكيل خياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساسه. وعندما تتحول الطائفة أو المنطقة أو الجماعة إلى بديل نفسي عن الدولة. من هذه الزاوية، لا تبدو القضية السورية اليوم أزمة تعايش بين المكونات بقدر ما تبدو أزمة ثقة في الجهة التي يفترض أن تدير هذا التعايش. فالخوف لا يملأ الفراغ وحده، بل يملأ الفراغ الذي تتركه الثقة حين تغادر.

الحلقة المغلقة للخوف

تكمن المفارقة في أنّ معظم السوريين، وعلى اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يعتقدون أنهم يتصرفون بدافع الحذر. وهذا أمر مفهوم في مجتمع خرج من حرب طويلة وموجعة. لكن المجتمعات لا تتشكل فقط بما يخشاه أفرادها، بل أيضاً بالطريقة التي يتصرفون بها نتيجة هذا الخوف. فالخوف من الآخر قد يدفع إلى الانكفاء عنه. والانكفاء يولد مزيداً من الجهل المتبادل. والجهل ينتج مخاوف جديدة. ثم تعود هذه المخاوف لتبرر مزيداً من الانكفاء والعزلة. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مغلقة يصبح فيها الخوف منتجاً للخوف، لا مجرد استجابة له.

في هذه الحالة لا يعود الخطر الحقيقي هو الحادثة نفسها، بل الأثر التراكمي الذي تتركه في الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تُبنى فقط عبر المؤسسات والقوانين، بل عبر الثقة اليومية التي تسمح للناس بالعيش معاً رغم اختلافاتهم. وحين تتآكل هذه الثقة، يبدأ الخوف بالعمل كقوة سياسية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل السلوك العام والعلاقات الاجتماعية وحتى التصورات المتعلقة بالمستقبل.

فما الذي يجب مراقبته؟

ربما يخطئ كثيرون عندما يراقبون عدد الحوادث الأمنية أو حجم السجالات على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن مؤشرات المستقبل. المؤشر الأهم ليس عدد الحوادث، بل الطريقة التي يفسرها الناس بها. هل ما زال السوري يرى نفسه مواطناً تعرّض لخطر عابر؟ أم بات يرى نفسه عضواً في جماعة مستهدفة على الدوام؟ هل ما زال يعتقد بأن الحل يجب أن يأتي من القانون؟ أم أصبح مقتنعاً بأنّ الحماية لا تأتي إلا من الجماعة؟ وهل ما زالت الدولة تُنظر إليها باعتبارها المرجع النهائي للحقوق والواجبات؟ أم أنها بدأت تفقد هذه المكانة لصالح شبكات الانتماء الأصغر؟

هنا تحديداً يتحدد اتجاه البلاد. ليس في عدد المنشورات الغاضبة، ولا في عدد البيانات السياسية، بل في الإجابة اليومية الصامتة التي يقدمها السوريون لهذه الأسئلة.

ونصل في الختام إلى أنّ المشكلة الكبرى في سوريا اليوم قد لا تكون حجم الخوف المنتشر بين الناس، بل الطريقة التي يُدار بها هذا الخوف ويُعاد إنتاجه. فالمجتمعات تستطيع العيش مع اختلافاتها، وتستطيع تجاوز جراحها، بل وحتى إعادة بناء نفسها بعد الحروب. لكن المهمة تصبح أكثر صعوبة عندما يتحول الخوف إلى مؤسسة غير معلنة، وعندما تصبح كل جماعة مسؤولة عن إنتاج روايتها الخاصة للتهديد، وحين تتراجع الثقة المشتركة لمصلحة مخاوف متجاورة لا يجمع بينها سوى القلق. حينها لا يعود السؤال: من يخاف ممن؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت كلّ جماعة سورية تمتلك اليوم خوفها الخاص، فمن يمتلك بعدُ القدرة على إنتاج الثقة المشتركة؟

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.

وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.

والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.

خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟

من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.

الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.

نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.

يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.

تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.

وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.

تقارير متناقضة عن الخطف

صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.

لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.

هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.

نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.

بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.