تدريباتنا

قبرص تعيد ترتيب الوجود السوري: حماية أقل وعودة أكثر

by | Aug 1, 2026

تواجه قبرص تحديات خطيرة في المرحلة الأخيرة من مسار انضمامها المحتمل إلى منطقة شنغن؛ أبرزها الأمن القومي، والطاقة، والهجرة، والصراع المفتوح في الشرق الأوسط”. بهذه الكلمات يختصر دبلوماسي رفيع المشهد الذي تتحرك فيه الدولة القبرصية، وهي تراقب، من موقعها في أقصى شرق الاتحاد الأوروبي، تحولات إقليمية لم تعد تتيح لها الفصل بين الهجرة والأمن والسياسة الخارجية.

قطعت قبرص شوطاً متقدماً في استكمال المتطلبات التقنية اللازمة للانضمام إلى منطقة شنغن، من دون أن يعني ذلك أن عضويتها حُسمت. وكانت المفوضية الأوروبية تستعد، في حزيران/يونيو 2026، لتقديم تقريرها بشأن جاهزية الجزيرة، فيما بقي القرار السياسي النهائي من اختصاص مجلس الاتحاد الأوروبي.

ترى نيقوسيا أن الانضمام سيعزز أمنها ويثبت حضورها داخل البنية الأوروبية، لكن وضع الجزيرة المقسمة، ووجود خط لوقف إطلاق النار لا تسيطر الحكومة على حدوده الشمالية، يجعلان المسألة أبعد من استكمال إجراءات تقنية. فالأمن، في التصور الذي قدمته الرئاسة القبرصية للاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من عام 2026 بات يشمل إضافة إلى الدفاع وحماية الحدود؛ الطاقة والبنى التحتية، والتهديدات الهجينة، والهجرة، والاستعداد للأزمات المحتملة في الجوار الشرق أوسطي. ولهذا وضعت قبرص تطبيق الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، وتشديد آليات العودة، والتعاون مع دول المنشأ والعبور، بين أولوياتها الأوروبية.

أوروبا تعيد ترتيب أولوياتها

المراقب للوضع الداخلي في قبرص، سوف يتلمس كيف تتحرك السياسة القبرصية في لحظة أوروبية تغير فيها ترتيب الأولويات. فالحرب الروسية على أوكرانيا أصبحت اختباراً لقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها، ولمستقبل اعتمادها على المظلة العسكرية والأمنية الأميركية.

وزادت عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية من حالة عدم اليقين. فالضغوط الموجهة إلى الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي، واستخدام الرسوم الجمركية في الخلافات السياسية والتجارية، والشكوك المتعلقة بمستقبل العلاقات عبر الأطلسي، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تقديم الدفاع والأمن الاقتصادي وحماية الحدود. ولم تختفِ المساعدات الإنسانية من الموازنات الأوروبية، لكن البيئة السياسية أصبحت أكثر تقبلاً لتمويل الحماية والردع وبرامج العودة، وأقل استعداداً للتعامل مع الهجرة من بوابة الاستقبال وحدها.

في شرق المتوسط تبدو الصورة أكثر تشابكاً. فقد أبقت الحرب الإسرائيلية على جبهات متعددة، وعدم الاستقرار في لبنان، والتحولات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، قبرص أمام احتمال انتقال سريع لتداعيات الأزمات عبر البحر. فالجزيرة قريبة من الساحلين السوري واللبناني، وتؤدي في الوقت نفسه دور منصة أوروبية للإجلاء والإغاثة والتعاون الأمني. وكل تصعيد في جوارها يحمل احتمال انطلاق قوارب جديدة، إلى جانب أخطار قد تطول منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والبنية العسكرية.

وسط هذه التحولات، أعاد سقوط نظام الأسد فتح السؤال المتعلق بمستقبل السوريين في أوروبا: هل ما زالت الحماية التي مُنحت لهم بسبب الحرب والنظام السابق ضرورية بالدرجة ذاتها، أم بات ممكناً نقل أعداد متزايدة منهم من نظام اللجوء إلى برامج العودة؟

جزيرة صغيرة وذاكرة انقسام

يحضر العامل الديموغرافي بقوة في النقاش القبرصي. فمنذ سنوات، يقول مسؤولون إن الجزيرة استقبلت، قياساً إلى عدد سكانها، أعداداً من طالبي اللجوء تفوق قدرة مؤسساتها وخدماتها. غير أن الرقم المتداول، ومفاده أن طالبي اللجوء تجاوزوا أربعة في المئة من السكان، لا يتعلق بالسوريين وحدهم، ولا يمثل نسبة اللاجئين المعترف بهم. وقد استُخدم في تصريحات رسمية منذ عام 2019 للإشارة إلى مجموع طالبي اللجوء مقارنة بسكان المناطق الواقعة تحت سيطرة جمهورية قبرص.

اكتسب هذا الرقم، مع مرور الوقت، معنى يتجاوز الضغط على الخدمات. فقبرص دولة صغيرة تعيش انقساماً مستمراً منذ الغزو التركي عام 1974، ولا تسيطر حكومتها المعترف بها دولياً على شمال الجزيرة. ولهذا تظهر الهجرة القادمة عبر المناطق الشمالية أو السواحل القريبة، في الخطاب الأمني المحافظ، عاملاً قد يؤثر في التوازن السكاني والاجتماعي، وليس عبئاً إضافياً على مراكز الاستقبال فحسب.

ويقدم مسؤول أمني رفيع، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، قراءة أكثر حدة. فهو يرى أن تركيا تستخدم الهجرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وسيلة ضغط على أوروبا وجمهورية قبرص، وأن ارتفاع أعداد القادمين من مجتمعات مسلمة يثير حساسية إضافية في جزيرة ذات غالبية يونانية أرثوذكسية وتاريخ طويل من الصراع مع أنقرة.

يعكس هذا التقدير طريقة تفكير حاضرة في خلفية بعض القرارات الأمنية، حيث تُقرأ الهجرة في ضوء تاريخ الجزيرة وانقسامها، إلى جانب القوانين والاتفاقيات المنظمة للجوء. وسبق للسلطات القبرصية أن تحدثت عن استخدام الهجرة أداةً للضغط عند وصفها انتقال أشخاص من تركيا إلى الشطر الشمالي، ثم عبورهم المنطقة العازلة نحو الأراضي الخاضعة لسيطرة الجمهورية. وتزداد حساسية المسألة مع تقدم مسار الانضمام إلى شنغن، إذ ستصبح حماية الحدود القبرصية، وفق التصور الأوروبي، جزءاً من حماية المجال المشترك.

عندما جُمّدت الطلبات السورية

بدأ التحول المباشر في سياسة قبرص تجاه السوريين في نيسان/أبريل 2024، عقب وصول أعداد كبيرة من القوارب القادمة من لبنان. فمنذ مطلع ذلك العام وحتى الرابع من نيسان/أبريل، وصل إلى قبرص 2,140 شخصاً، مقابل 78 شخصاً خلال الفترة ذاتها من العام السابق. وفي أسبوع واحد، وصلت قوارب تقل مئات الأشخاص، كان معظمهم من السوريين.

في الثالث عشر من نيسان/أبريل، أعلن الرئيس نيكوس خريستودوليديس تعليق دراسة طلبات اللجوء الجديدة المقدمة من السوريين. لم يكن القرار رفضاً جماعياً، لكنه أبقى أصحاب الطلبات في انتظار غير محدد، وحمل رسالة ردع إلى الراغبين في الانطلاق من السواحل اللبنانية.

وفي الوقت نفسه، تحركت نيقوسيا لدفع الاتحاد الأوروبي إلى مساعدة لبنان على ضبط سواحله ومنع انطلاق القوارب. كما طالبت بإعادة تقييم الأوضاع داخل سوريا، ودراسة إمكان اعتبار بعض مناطقها آمنة. كانت الحكومة القبرصية تسعى إلى مواجهة حركة الهجرة قبل وصولها إلى الجزيرة، وإلى بناء أساس قانوني يسمح بعودة من وصلوا إليها في مراحل سابقة.

أدى تجميد دراسة الملفات إلى تراكم أكثر من أربعة عشر ألف طلب سوري بحلول منتصف عام 2024. وكشف تقرير صادر عن مفوضة الإدارة وحماية حقوق الإنسان في قبرص أن بعض السوريين انتظروا مدة وصلت إلى خمس سنوات قبل البت في طلباتهم. ودعت المفوضة دائرة اللجوء إلى تحسين تواصلها مع المتقدمين، والالتزام بالمهل والإجراءات القانونية.

وضعت سنوات الانتظار طالب اللجوء في مساحة قانونية غامضة؛ يعمل ضمن قطاعات محددة، من دون أن يعرف إن كان سيتمكن من الاستقرار، أو جمع شمل أسرته، أو الانتقال إلى دولة أخرى، أو العودة إلى سوريا من دون خسارة ما استطاع بناءه خلال إقامته.

سقوط الأسد وفتح باب المراجعة

عندما سقط نظام الأسد في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2024، خرج سوريون في قبرص للاحتفال، كما حدث في بلدان أخرى تضم جاليات سورية. وشاهد المجتمع القبرصي احتفالاتهم، لكن الفرح بسقوط النظام لم يؤدِ إلى موقف سوري موحد من العودة.

رأى بعض السوريين أن السبب الأساسي الذي دفعهم إلى مغادرة بلادهم قد انتهى، بينما آثر آخرون انتظار اتضاح طبيعة السلطة الجديدة، ومستوى الأمن في مناطقهم، وإمكان الحصول على السكن والعمل والتعليم. في المقابل، بدأت سياسات الهجرة القبرصية تجاه السوريين تزداد تشدداً.

خلال الأيام الأولى، سحب نحو 110 سوريين طلباتهم أو تنازلوا عن الحماية الفرعية، ثم أخذ العدد بالارتفاع. وبحلول نهاية عام 2025، قالت الحكومة إن 4,081 سورياً عادوا إلى بلادهم. وفي تموز/يوليو 2026، أعلن نائب وزير الهجرة نيكولاس يوانيديس أن أكثر من 5,200 سوري سحبوا طلبات لجوئهم أو تنازلوا عن وضع الحماية منذ سقوط النظام.

يعكس الرقم سرعة التحول، إذ خرج آلاف السوريين من نظام اللجوء القبرصي خلال أقل من عامين، بالتزامن مع بدء رفض عدد من الطلبات التي بقيت معلقة. وفي حزيران/يونيو 2026، أعلنت الحكومة رفض أكثر من 1,500 طلب سوري، وقالت إن نحو عشرين ألف سوري ما زالوا في قبرص ضمن أوضاع قانونية تشمل طلب اللجوء والحماية الفرعية. وترى السلطات أن تبدل السلطة في دمشق وتغير الظروف العامة أتاحا إعادة تقييم الحاجة إلى الحماية.

حين دخل العنف في النقاش العام

لم يكن سقوط النظام السوري العامل الوحيد الذي دفع السياسة القبرصية نحو الأمن والإبعاد. فقد ساهمت حوادث جنائية تورط فيها سوريون في تغيير نبرة النقاش العام.

شهدت ليماسول في كانون الثاني/يناير 2026 شجاراً جماعياً شارك فيه عدد من السوريين. أوقفت الشرطة اثني عشر شخصاً، ثم أعلنت، في شباط/فبراير، ترحيل عشرة منهم إلى سوريا. ولم تبقَ القضية بذلك محصورة في الإجراءات الجنائية، بل دخل الإبعاد ضمن التدابير الإدارية التي أعقبت الواقعة.

وفي الثامن من تموز/يوليو 2026، وقع اشتباك أكثر عنفاً في خيسوفاغو، شارك فيه، بحسب الشرطة ووسائل الإعلام المحلية، ما بين خمسة عشر وعشرين سورياً. استُخدمت خلاله قضبان ومطارق وأدوات أخرى. وأفادت التحقيقات الأولية بأن مركبة حاولت صدم أفراد من المجموعة المقابلة، قبل أن ترتطم بجزء من أحد المنازل. أُصيب عدد من الأشخاص، وأُلقي القبض على مشتبه بهم، وانتقلت الحادثة سريعاً من نطاق التحقيق الجنائي إلى السجال السياسي.

وبعد أيام، نقلت الصحافة القبرصية أن دائرة اللجوء سحبت، أو شرعت في سحب، الحماية من 95 أجنبياً على خلفية أنشطة جنائية، بينهم ثمانون سورياً. وأظهر الإعلان اتجاهاً أكثر وضوحاً في التعامل مع الجرائم التي يرتكبها مستفيدون من الحماية، إذ قد يعاد فتح الملف القانوني للشخص وصولاً إلى محاولة إبعاده.

تركت هذه الوقائع أثراً سلبياً لدى شريحة من المجتمع القبرصي. وأظهر استطلاع نُشر في شباط/فبراير 2026 أن 86 في المئة من المشاركين يشعرون بالقلق حيال الهجرة التي وصفها الاستطلاع بأنها غير خاضعة للسيطرة. ويوضح الرقم طبيعة البيئة التي تعمل ضمنها الحكومة، مع تزايد المطالبة بخفض أعداد الوافدين، وتسريع دراسة الملفات، ومغادرة من لا يملك أساساً قانونياً للإقامة.

داخل البرلمان، ربطت قوى من اليمين الهجرة بالجريمة والسلامة العامة، فيما تبنى حزب “إيلام” اليميني خطاباً أكثر تشدداً، وقدم الهجرة باعتبارها خطراً وجودياً. وفي المقابل، حذرت قوى سياسية وحقوقية من تعميم مسؤولية الجرائم الفردية على جماعات بأكملها، وذكّرت بحاجة الاقتصاد القبرصي إلى آلاف العمال الأجانب، وبينهم سوريون يعملون في قطاعات البناء والمطاعم والخدمات.

العودة الطوعية بين الأسرة والعمل

في صيف عام 2025، أطلقت الحكومة القبرصية أول برنامج مخصص لمساعدة الأسر السورية على العودة. وسمح البرنامج لأحد الوالدين بالبقاء في قبرص والعمل بصورة قانونية، في حين يعود الزوج الآخر والأطفال إلى سوريا، مع حصولهم على دعم مالي وتذاكر سفر.

وقالت الحكومة إن فكرة البرنامج استندت إلى محادثات مع سوريين أبدوا رغبتهم في العودة، لكنهم كانوا يخشون خسارة الدخل الذي تعتمد عليه أسرهم. وشارك نحو تسعمئة شخص في النسخة الأولى من الخطة، فيما أعلنت السلطات أنها لم تسجل عودة أي منهم إلى قبرص بعد سفره.

وفي التاسع من حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة الهجرة نسخة موسعة من البرنامج. يحصل الزوج أو الزوجة العائد إلى سوريا على ألفي يورو، ويخصص مبلغ قدره ألف وخمسمئة يورو لكل طفل عائد، إضافة إلى ألف يورو للأسرة التي كانت تتمتع بالحماية الدولية. ويُسمح لشخص بالغ واحد من أفراد الأسرة بالبقاء في قبرص، بموجب تصريح خاص يتيح له العمل حتى 31 آب/أغسطس 2028.

وتتطلب المشاركة في البرنامج سحب طلب اللجوء أو التنازل عن الحماية. وبذلك يرتبط الدعم المالي بانتقال قانوني كامل؛ إذ تتخلى الأسرة عن وضعها السابق، فيما ينتقل الشخص الذي يبقى إلى وضع العامل الأجنبي المؤقت.

وشارك ممثلون عن أصحاب العمل وقطاع البناء في المؤتمر الذي أُعلن خلاله البرنامج. وتعكس مشاركتهم رغبة قبرص في تقليص عدد المستفيدين من الحماية، مع الاحتفاظ بجزء من العمال السوريين الذين تحتاج إليهم السوق. وفي معظم الحالات، تعود الزوجة والأطفال، بينما يبقى الزوج للعمل وتحويل المال إلى أسرته. وهكذا يجمع البرنامج بين العودة المنظمة والهجرة القانونية ومتطلبات الاقتصاد القبرصي.

سنوات الانتظار الثقيلة

يفكر بعض السوريين في العودة من دون أن يعتقدوا أن سوريا أصبحت مستقرة بصورة كاملة، لكنهم يرون أن سنوات الانتظار في قبرص لم تفتح أمامهم طريقاً واضحاً للمستقبل.

وكانت مجموعة تحمل اسم “سوريون في قبرص” قد قالت، في رسالة نشرتها الصحافة مطلع عام 2025، إن سوريين قدموا طلباتهم منذ عام 2019 وظلوا ينتظرون قرارات بشأنها، في وقت كانت فيه طلبات جنسيات أخرى تُدرس خلال أشهر. ويتقاطع ذلك مع تقرير مفوضة الإدارة الذي وثق حالات استمر انتظارها خمس سنوات.

بالنسبة إلى هؤلاء، قد تتيح العودة الخروج من حالة الإقامة المعلقة، والعمل المحدود، والعجز عن التخطيط لجمع الأسرة أو تعليم الأطفال أو الانتقال إلى وضع قانوني أكثر استقراراً.

“مضت أربع سنوات وأنا أنتظر ورقة تقول لي إن كنت سأبقى أو سأغادر. عملت طوال هذه الفترة، لكنني لم أستطع بناء حياة حقيقية أو إحضار أسرتي. بعد سقوط النظام، صرت أفكر أن العودة، على صعوبتها، قد تكون أفضل من انتظار لا أعرف متى ينتهي”، يقول سوري مقيم في قبرص لمعد التقرير.

تضع هذه الشهادة معنى الطوعية في سياقه العملي. فالقرار يُتخذ بإرادة صاحبه ومن دون ترحيل قسري، لكنه يتأثر أحياناً بسنوات من القلق وغياب اليقين. وعندما تتاح مساعدة مالية لشخص انتظر أربعة أو خمسة أعوام، بالتزامن مع استئناف دراسة الطلبات وصدور قرارات بالرفض والعودة، تلتقي الرغبة في الرجوع مع الحاجة إلى إنهاء انتظار طال أكثر مما كان متوقعاً.

ويظل نجاح العودة مرتبطاً بوعي صاحب القرار بظروفها، وبقدرة الأسرة على الاستفادة من البرنامج في استعادة قدر من الاستقرار داخل بلدها.

مستقبل أكثر وضوحاً

لا تتضمن الوثائق القبرصية قراراً بإعادة جميع السوريين، ولا تسمح القوانين الأوروبية باتخاذ قرار جماعي من هذا النوع. غير أن الاتجاه السياسي أصبح أكثر وضوحاً، مع اقتراب مرحلة التعامل مع السوريين باعتبارهم جماعة تستحق الحماية الفرعية استناداً إلى الوضع العام في بلدهم من نهايتها.

وسيتعين على السوري، بصورة متزايدة، إثبات وجود خطر شخصي يبرر استمرار حمايته. أما من لا يستطيع إثبات ذلك، فستضيق أمامه الخيارات لتشمل العودة بمساعدة مالية، أو الحصول على تصريح عمل مستقل عندما تكون هناك حاجة اقتصادية إليه، أو مواجهة قرار بالمغادرة بعد استنفاد طرق الطعن المتاحة.

أتاح سقوط النظام للحكومة القبرصية ظرفاً سياسياً وقانونياً لتنظيم عودة السوريين الذين لم تعد أسباب الحماية قائمة في حالاتهم. ومع تقدم الجزيرة في مسار الانضمام إلى شنغن، بات خفض أعداد الوافدين وتسريع العودة جزءاً من الأدلة التي تقدمها نيقوسيا إلى شركائها الأوروبيين لإظهار قدرتها على حماية الحدود الخارجية للاتحاد.

أصبح مستقبل الوجود السوري في قبرص أكثر تحديداً مما كان عليه قبل عامين، وإن لم يُحسم بالطريقة ذاتها للجميع. وما تراجع فعلياً هو الاعتقاد بأن مرور الوقت وحده سيحول اللجوء المؤقت إلى إقامة مستقرة. ففي قبرص اليوم، يحتاج البقاء إلى أساس قانوني يتجدد، ويرتبط العمل بتصريح تمنحه الدولة وفق حاجتها، بينما صارت العودة خياراً حاضراً في السياسة التي يعاد من خلالها ترتيب أوضاع آلاف السوريين.

وبالنسبة إلى من انتهت الأسباب التي حالت دون رجوعهم، أو وجدوا في البرنامج فرصة للعودة مع الحفاظ على مصدر دخل لأسرهم، قد تمثل العودة الطوعية بداية عملية لاستعادة حياتهم داخل سوريا، بعيداً عن انتظار مفتوح لم يعد يقدم لهم إجابات واضحة.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

يُقال إن رئيس اتحاد الكتّاب العرب الأسبق، الدكتور حسين جمعة، لم يكن يعترف بقصيدة النثر ولا يعدّها شعراً؛ فالشعر عنده كان ما نُظم على بحور الخليل فقط. كان ذلك مجرد رأي، ورغم أنه كان يترأس مؤسسة ثقافية، فإنه لم يعمل على إقصاء من يكتبون قصيدة النثر، ولم يحارب هذا الجنس...

الخارجية السورية في طرابلس الشام

الخارجية السورية في طرابلس الشام

في لحظةٍ وثّقت عجز الزعامات الطرابلسية عن إدارة واقع مدينتها وتمثيل وجعها، دخل موكب وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، أو (أبو عائشة) كما ناداه بعض الطرابلسيين، فبدا حضوره كضوءٍ كاشفٍ سلّط على تلك الزعامات ما حاولت طويلًا إخفاءه. وكانت زيارة...

من ضيق العيش إلى مطلب العدالة: احتجاجات سوريا واختبار العقد الاجتماعي الجديد

من ضيق العيش إلى مطلب العدالة: احتجاجات سوريا واختبار العقد الاجتماعي الجديد

في القامشلي، لم تُثنِ الأزمة القلبية المفاجئة رجلاً عن معاودة الاحتجاج؛ فبعد ساعات من نقله إلى المستشفى إثر وعكة داهمته وهو يتحدث عن ضيق العيش، عاد في اليوم التالي ليتابع الوقفة من مقعد سيارته. يختصر هذا المشهد مزاجاً سورياً جديداً في عام 2026: شعبٌ أنهكه الفقر، ويرفض...

تدريباتنا