by مفيد عيسى أحمد | Aug 28, 2026 | العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
تُعتبر المجتمعات المضطربة وذات التنوع الطائفي والإثني، التي لم تجد سبيلها إلى النمو والتطور الحقيقي بعد، ساحةً ومجالًا أكبر لنشوء الحركات الإحيائية ونشاطها.
يشمل نشاط هذه الحركات أغلب الفعاليات في هذه المجتمعات: الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية.
يعرّف الأنثروبولوجي الكندي «أنثوني والاس» حركات الإحياء في كتابه «حركات الإحياء»، الصادر في كندا عام 1956، بأنها: «جهود واعية ومنظمة ومبرمجة من قبل أفراد في مجتمع ما، لبناء ثقافة أكثر إرضاءً واكتفاءً، غالبًا ما تظهر عندما يتعرّض المجتمع لضغوط واضطرابات قاسية تفقده توازنه. تهدف هذه الحركات إلى مواجهة حالات التفكك أو الإحباط الحضاري عبر وصل الماضي بالحاضر وصياغة رؤية تجديدية للمستقبل».
قد نتفق مع هذا التعريف وقد نختلف، خاصة فيما يخص الجهود الواعية؛ والاختلاف هنا يتعلق بطبيعة الوعي ومؤداه. ولو أردنا تعريف هذه الحركات استنباطًا من تجربتها في المجتمعات العربية، يمكننا القول إنها حركات ذات نزوع ديني وثقافي واجتماعي وسياسي، تعمل بدينامية استحضار وتحيين فترة تاريخية أو حالة مضت، بمفاهيمها ومعطياتها السياسية والحضارية، كرد فعل على الواقع المتأزم والقصور الحضاري الذي تعانيه هذه المجتمعات.
وتنقسم إلى قسمين: حركات إحيائية ذات سمة علمانية، كالبعث والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركات دينية كالحركات الإسلامية.
تصاعد نشاط هذه الحركات في سورية مع اشتداد الأزمة السورية، علمًا أنها كانت موجودة في بعض الفعاليات، كالسياسة والدين، لكنها لم تقتصر مؤخرًا على ذلك، بل وصلت إلى مختلف الفعاليات السورية.
الحركات الإحيائية السورية
حزب البعث
المجال الأهم الذي برزت وسادت فيه الحركات الإحيائية هو السياسة، فالحياة السياسية السورية تقوم، في معظمها، على أحزاب ذات أيديولوجيا إحيائية.
نبدأ من حزب البعث، الذي اعتمد أيديولوجيا قومية عربية، ووضع لنفسه هدفًا وشعارًا هو إحياء الأمة العربية في دولة واحدة من المحيط إلى الخليج. وهذا واضح من شعاره الذي ظل السوريون يرددونه لأكثر من نصف قرن. وهو هدف يبدو أقرب إلى اليوتوبيا منه إلى الواقع، حيث يسعى البعث إلى إحياء ما لم يكن حيًا؛ فلم تكن هناك دولة عربية حقيقية بالحدود التي رسمها تاريخيًا، ولم تكن هناك قومية خالصة تقوم عليها هذه الدولة.
ورغم أن البعث كان ذا أيديولوجيا إحيائية واضحة، فإنها لم تكن إحيائية خالصة؛ فقد حاول، في نظريته وطروحاته، التوفيق بين نزوعه إلى استنهاض القومية وإحياء الدولة العربية وبين المعطيات العصرية، من خلال طرحه لمبدأ الاشتراكية، الممسوخ عن النظرية الماركسية، وتوجهاته الثقافية والاجتماعية التي كانت توصف بالتقدمية.
هكذا نجد أن البعث لم يكن ماضويًا إلا في استناده الأيديولوجي إلى الماضي لتحقيق هدف معاصر، هو الوحدة العربية، إن كان قد عمل على ذلك فعليًا، ولكن وفق رؤيته فقط. فالبعث لم يسعَ إلى التلاقي مع الأحزاب والتيارات التي تقاربه في الأهداف، كالتيارات الناصرية، بل سعى إلى احتوائها. وهذا ما جعله يفشل في تحقيق هدفه الأساسي، وما لحق به من شعاري الحرية والاشتراكية، إذ عمل، في الواقع، عكس ما يستلزمه تحقيقهما.
سعى البعث إلى تعميم ثقافة تناسب أهدافه، ضمن هامش مدروس ومحدد. وقد أتاح له وضعه كحزب سلطة وضع مناهج تتوافق مع توجهه السياسي والاجتماعي، وتوجيه الإصدارات الأدبية والإعلامية بما ينسجم مع هذه التوجهات. كذلك عمل على التأثير في البنية الاجتماعية وطبيعتها عن طريق المنظمات والنقابات التابعة له، وباعتماد رقابة لصيقة على كل نشاط اجتماعي وثقافي.
لم تشكّل إحيائية البعث، وفق ما طرحه نظريًا، عائقًا أمام النمو والتطور؛ وما أعاق ذلك هو تحوّله إلى حزب سلطة بلا مبادئ سوى الحفاظ على هذه السلطة، وما رافق ذلك من ممارسة فعلية وسعي حثيث لتحقيق هذا الهدف.
الحركات الإسلامية
تتجلى الإحيائية بشكل أوضح في الحركات الإسلامية. فقد قامت حركة الإخوان المسلمين على أيديولوجيا إسلامية خالصة تهدف إلى إعادة إحياء الدولة الإسلامية من الناحية السياسية، باعتماد نظام حكم يقوم على الخلافة والإمارة كما كانت هرمية السلطة في العهود الإسلامية، وإلى أسلمة مختلف مناحي الحياة، أي اعتماد الدين الإسلامي في فعاليات الحياة كافة. وعملت على تحقيق ذلك بمختلف السبل، بدءًا من النشاط الثقافي والاجتماعي والدعوي الديني، وصولًا إلى الراديكالية.
هذه الأيديولوجيا والأهداف الماضوية الخالصة أوقعت الحركة في مهب التناقض مع معطيات العصر، من الناحية السياسية والاقتصادية خاصة، والاجتماعية والثقافية بدرجة أخف، فقصرت عن وضع حلول واقعية تعالج بها مشكلات مجتمعاتها ومتطلباتها حال تسلّمها السلطة، وهو ما رأيناه في تونس ومصر.
في سورية الآن تحاول السلطة الإسلامية تجاوز مطبات وسلبيات تجربتي تونس ومصر من الناحية السياسية والاقتصادية، لكن النزوع الإحيائي واضح في المجالين الثقافي والاجتماعي، حيث نلمس سلفية ثقافية تقوم على إحياء الشعر التقليدي واعتباره الشعر الحقيقي دون سواه، وهو ما اتضح في مهرجان الشعر الذي أُقيم في دمشق مؤخرًا.
والإجراء الأهم من الناحية الثقافية هو العمل على إحياء أسماء رموز وأحداث تاريخية كان لها حضورها وأهميتها في التاريخ الإسلامي، من خلال تسمية معالم معاصرة بأسمائها واعتمادها في المناهج والكتب المدرسية، رغم أن هذه الشخصيات قد لا تكون لها صبغة وطنية أو قومية.
نلمس أيضًا نزوعًا إحيائيًا واضحًا في العلاقات الاجتماعية التي ارتكست إلى التراحمية بشكل كبير، وكذلك في رسم معالم الشخصية الوطنية من الناحيتين السياسية والدينية. والأهم هو معيار الانتماء، الذي صار يلعب دورًا أساسيًا في مدى قبول هذه الشخصية، وهو ما نسف المفهوم التقليدي للمواطنة.
يجب التنويه هنا، فيما يخص الوضع السوري، إلى أن السلطة الحالية في سورية لم تطرح مسألة إحياء الخلافة، بل أبقت النظام السياسي الجمهوري هو المعتمد، والهيكلية السياسية بمؤسساتها المعروفة: مجلس الشعب والحكومة… بغض النظر عن كيفية تشكيل هذه الهيكليات ومصداقيتها.
حافظت هذه السلطة على المؤسسات والإدارات والهيئات، مع إسناد إدارتها إلى كوادر إسلامية من التوجه نفسه، علمًا أن قسمًا من هذه المؤسسات والإدارات تم تخصيصه بشكل أو بآخر، فيما تم إيقاف قسم آخر عن العمل.
تواجه هذه الحركة صعوبات تتمثل في مناوئة داخلية من قبل فئات اجتماعية لمشروعها الإحيائي، ومناوئة خارجية تتمثل في وقوف دول عديدة في وجه مشروعها، إلى حد الوصول إلى العمل العسكري.
ولا بد لهذه الحركة، كي تبقى في السلطة، من أن تتخلى عن قسم من مشروعها الإحيائي، السياسي خاصة والاجتماعي، ويمكن أن تتجه إلى الإدارة بما يتوافق مع معطيات العصر، مع الحفاظ على لبوس إسلامي لا تتخلى عنه، وهو ما نجده في التجارب التركية والإيرانية والماليزية…
الحزب السوري القومي الاجتماعي
يُعد الحزب السوري القومي الاجتماعي من الحركات الإحيائية بنظريته التي تقوم على بعث الأمة السورية وإحيائها ضمن الجغرافيا المعروفة بالهلال الخصيب. وقد بيّن أنطون سعادة، مؤسس الحزب، ذلك بتلخيصه هدف الحزب بالتالي:
«بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه، وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالًا تامًا، وتثبيت سيادتها، وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، إلى جانب السعي لإنشاء جبهة عربية».
ويعتبر الحزب أن القضية السورية قضية قائمة بذاتها ومنفصلة عن أية قضية أخرى، كما يعتبر الشخصية السورية شخصية متمايزة بصفات خاصة.
يُحسب للحزب أنه كان الأنجح في تخطي العوائق الطائفية، فقد ضم أعضاءً من مختلف الطوائف بدافع القناعة السياسية، وهو ما تبيّن في إخلاص غالبية أعضاء هذا الحزب له، وفي نشاطهم وتآزرهم بغض النظر عن الطائفة.
واجه الحزب الكثير من حالات التهميش والإقصاء في سياق الصراع على السلطة، من قبل حزب البعث ومن التيارات السياسية الأخرى، ولم تتح له فرصة وضع سياسة تنفيذية لتحقيق أهدافه؛ كونه لم يستلم السلطة ولم يكن فاعلًا فيها يومًا، حتى لو كان مشاركًا فيها.
يؤخذ على نظرية الحزب وأهدافه أنها لا تطابق الواقع التاريخي؛ فسورية لم تكن موحدة سياسيًا يومًا وفق الحدود التي رسمها الحزب، وإن كانت تشكّل وحدة حضارية بموروثها الثقافي والاجتماعي المتقارب على صعيد جغرافيتها كلها، والمتطابق على صعيد بعض الأقاليم. والموروث هنا يشمل العادات والفنون ونمط الحياة بشكل عام.
يمكن اعتبار أهداف الحزب، وفق ما طرحه، ضربًا من اليوتوبيا السياسية صعبة التحقيق، وذلك إذا أخذنا بالاعتبار الظروف السياسية الحالية وتوسيعه حدود سورية، وفق نظريته، لتشمل قبرص وأجزاء من تركيا الحالية.
ما يميز نظرية الحزب السوري القومي الاجتماعي الإحيائية عن البعث والإسلاميين أنها تذهب تاريخيًا إلى ما قبل الإسلام. فالبعث لم يحدد تاريخًا معينًا كانت فيه دولته القومية العربية قائمة ليعود إليه، إلا أنه من الواضح أن خريطة هذه الدولة تعود إلى ما بعد الإسلام، وبداية العصر العباسي على وجه التقريب، بينما يعتمد الإسلاميون خريطة لدولتهم المبتغاة تشمل، في حدها الأقصى، ما وصل إليه المسلمون في فتوحاتهم.
هناك تيارات إحيائية أخرى لا تمتلك نظرية متماسكة تشكّل أساسًا لبرامجها، فهي تقوم على مجموعة أفكار فقط، تدور في العموم في سياق الحركات الثلاث الآنفة.
لم تكن الحركات الإحيائية بنّاءة في أدائها السياسي والاقتصادي كما يجب، كما أنها سعت إلى ليّ عنق الفعاليات الثقافية والاجتماعية بما يناسبها. والمفارقة أن مثلها الأعلى، الذي تسعى إلى إحيائه والثاوي في التاريخ، لم يشكّل دينامية حقيقية وفاعلة لأدائها.
by عامر فياض | Aug 19, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, All Reports, Articles - EN
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار والتضحيات الكبيرة التي قدّمنها خلال الثورة والحرب، ورغم أهمية وضرورة حضورهن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، التي تحتاج لإعادة إصلاح وترميم المنظومة الإجتماعية والمدنية التي تأثَّرت بظروف الحرب ومظاهر العسكرة وانتشار السلاح، يتم إقصاؤهن، بشكلٍ يكاد يكون مُمنهجاً، عن مراكز صنع القرار، والمناصب الوطنية القيادية الفاعلة، وعن أي شراكةٍ حقيقية في مواقع التأثير، كما يتم تَهميشهنَّ سياسياً وإجتماعياً، بشكلٍ يَغَفل حجم عطائهن ومدى تأثيرهن الكبير في بناء المجتمع، في مشهدٍ بات يراه كثيرون أنه يُرسّخ ثقافة السلطة الذكورية، ويُثير الكثير من القلق والمخاوف حول واقع النساء في سوريا مستقبلاً.
غياب عن المناصب القيادية ومراكز صنع القرار
بحسب مؤشر تمثيل النساء السوريات، خلال الرُبع الأول من العام الحالي، والذي يعتمد على القرارات والمراسيم الرسمية والتعيينات الإدارية المركزية والمحلية، يبدو واضحاً حجم الغياب الكبير للنساء عن المناصب العُليا في مؤسسة الرئاسة والوزارات السيادية ومراكز صنع القرار، فمن أصل 437 موقع مسؤولية، يوجد فقط 28 امرأة مُقابل 409 رجل، فيما لم تَشغل النساء سوى أربعة مناصب (وزيرة وثلاث معاونات وزراء) من أصل 87 منصباً في الحكومة، أي ما نسبته 4،60 %، ولم يتجاوز حضورهن في المؤسسات والمديريات والهيئات المركزية نسبة 2،94% ، وغالباً ما ينحصر حضورهن في مواقع تتعلق بشؤون التعليم والأسرة والمجتمع، ويرتبط بالأدوار الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي تحاول إبعادها عن مواقع النفوذ والتأثير.
ويتركز حضور النساء غالباً في مؤسسات ومديريات ذات طابع خدمي واجتماعي، مثل التربية والشؤون الاجتماعية والعمل، فيما يغيب حضورهن بشكلٍ تام عن رئاسة الهيئات الوطنية الجديدة، ومنصب المُحافظ، ورئاسة مجالس المدن، ورئاسة النقابات المركزية، وحتى رئاسة الجامعات الحكومية، وتنحصر مناصبهنَّ في مجالاتٍ محددة، مثل: عضوات مكاتب تنفيذية، ومديرات في بعض القطاعات الاجتماعية وبعض المجالس والنقابات الفرعية. وقد بلغت نسبة تمثيل النساء في الإدارة المحلية والمديريات الرئيسية 5،23 % فقط، وهي نسبة تعكس محدودية مشاركتهن في مواقع صنع القرارات المحلية، حيث ينحصر حضورهن ضمن المكاتب التنفيذية لأربع محافظاتٍ فقط، فيما يغيب عن معظم المديريات المرتبطة بالقطاعات الأمنية والاقتصادية والسيادية الأكثر تأثيراً على مستوى الإدارة المحلية، وكل ما يتعلق برسم السياسات العامة للدولة.
وبحسب المؤشر، بلغت نسبة تمثيل النساء في النقابات 9،2 %، وهي تُشكِّل أعلى تمثيلٍ نسائي، ورغم ذلك بَقيت المواقع القيادية حكراً على الرجال، إذ لم تصل النساء إلى أي مناصب عُليا، ولم يترأسن أي نقابةٍ حتى ولو كانت فرعية، ليقتصر حضورهن على عضوية المكاتب التنفيذية والمجالس النقابية، وذلك على الرغم من التوازن العددي بين الجنسين داخل أغلب النقابات، كما أن تمثيلهن المحدود في النقابات لم يأتِ نتيجة عملياتٍ انتخابية ضمن إطار القوانين النقابية، وإنما جاء ضمن التعيينات التي أقرتها الحكومة، وهو ما رآه البعض تهميشاً ممنهجاً من قِبلها بحق النساء.
وبالنظر إلى تلك الأرقام يبدو واضحاً حجم تدني نسبة تمثيل النساء مقابل الرجال في سوريا، وهي نسبة تبتعد كثيراً عن معدل الكتلة الحرجة التي تتبناها الأمم المتحدة، والتي أقرَّت بأن نسبة تمثيل النساء يجب أن تصل، في الحد الأدنى، إلى 30 %، وصولاً للمساواة الكاملة مستقبلاً.
النساء والتمثيل البرلماني
مع إعادة تشكيل وهيكلة مجلس الشعب، في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لم تُشكّل نسبة تمثيل النساء في المجلس سوى 10.63% فمن أصل 210 عضواً، هناك 22 امرأة فقط، وذلك على الرغم من أن النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب قد حدّد نسبة لا تقل عن 20% لتمثيل المرأة في الهيئات الانتخابية. وبما أن آلية انتقاء الأعضاء لم تكن عبر صناديق الانتخابات، فبالتالي لم يكن هناك حالة تنافسية بين المُرشحين تُعبِّر بشكلٍ حقيقي عن صوت وتطلعات الشعب، إذ تم اختيار ثلثي الأعضاء (140 عضواَ) عبر الهيئات الناخبة المُعيَّنة من قبل الرئيس أحمد الشرع، والتي اختارت سبع نساء فقط، فيما اختير الثلث الباقي (70 عضواً) من قبل الرئيس بشكلٍ مباشر، ومن بينهم 15 امرأة. وقد بدا واضحاً أن معظم النساء المُعينات في المجلس، إما مقرباتٍ من السلطة، أو يحملن توجُّهاً سياسياً وفكرياً مُتقارباً، يتقاطع بشكلٍ أو بآخر مع نهجها وسياستها، وهو ما جعل التمثيل النسائي البرلماني، القليل أصلاً، لا يُحاكي تنوع المجتمع السوري، ولا يُمثِّل مختلف شرائحه ومكوناته، على اختلاف توجهاتها الفكرية والثقافية والسياسية.
ومع تراجع نسبة المشاركة البرلمانية للنساء، احتلت سوريا المرتبة 162 عالمياً، لتصبح ضمن قائمة آخر عشر دول في العالم تُسجّل أدنى نسبة تمثيل للمرأة في البرلمان، وهي نسبة لم تصل حتى إلى النسبة (20%) التي اقترحها النظام الانتخابي لمجلس الشعب.
الخطاب الإقصائي في الإعلام والمشهد العام
من خلال متابعة وسائل الإعلام الرسمية سيُلاحظ تغّييب النساء بشكلٍ واضح عن المشهد الإعلامي، فعلى سبيل المثال، خلال إطلاق الحملة الترويجية لقناة “الإخبارية السورية”، ورغم وجود إعلامياتٍ ومُذيعات ضمن فريق القناة، التي يُفترض أنها تُمثِّل صوت جميع السوريات والسوريين، كان واضحاً حجم تهميشهن وعدم إظهارهن في المراكز والمواقع الأساسية للقناة، مُقابل التركيز الكبير على الإعلاميين الذكور وإبرازهم بأبهى صورهم وحضورهم الإعلامي، سواء في الفيديوهات المُصورة من داخل الاستديوهات أو التي صَوَّرت زيارة وفدٍ من الناشطين والإعلاميين للإطلاع على مُجريات العمل قبل إطلاق القناة. وخلال لقاء للرئيس الشرع مع عدد من الإعلاميين والناشطين وما يُسمى بـ”المؤثرين” و”صُناع المحتوى” كان واضحاً من الصورة التي التُقِطت خلال اللقاء، حجم الغياب الكبير للنساء، إذ لم يظهر فيها سوى امرأة واحدة مقابل عشرات الرجال.
وفي مثالٍ آخر، وخلال نشر البوستر الإعلاني لمؤتمر تطوير طب حديثي الولادة، الذي نظمته نقابة أطباء سوريا/ فرع حماة، وبينما وُضعت الصور الشخصية للأطباء الرجال على البوستر، ظهرت صور الطبيبات المشاركات في المؤتمر بطريقةٍ كرتونية بدلاً من وضع صورهن الشخصية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثيرون أن ذلك السلوك يُمثل انتقاصاً من قيمة الطبيبات.
ومن الأمثلة الأخرى التي تُكرّس ثقافة الخطاب الإقصائي، صدور عددٍ من القرارات التمييزية الغريبة التي تتناقض مع أبسط قواعد العدالة والمساواة بين الجنسين في الأماكن العامة وبيئات العمل، كقرار فصل النساء عن الرجال في ساحة الجامع الأموي، وقرار مدير مستشفى المواساة، الذي يقضي بجلوس الطبيبات وجميع العاملات في المستشفى في القسم الخلفي للباصات المُخصصة لنقل الموظفين، فيما يجلس الأطباء والموظفين الذكور في الجزء الأمامي.
ويرى كثيرون من مُتابعي الإعلام الرسمي أنه يحاول إبراز الرجال وحدهم في صدارة المشهد، ويُرسِّخهم في مواقع السلطة والمبادرة، مقابل دفع النساء إلى الهامش، حتى ولو كنّ حاضرات بالفعل في كثيرٍ من المجالات. كما أن ارتفاع سقف الخطاب السياسي، الذي يتبنى مبادئ “الشرعية الثورية” وشعار “من يُحرّر يقرر”، بات يُكرِّس، عن قصدٍ أو دون قصد، تهميش النساء وإقصاءهن عن الفضاء العام، ويجعل أدوارهنّ محدودةً، وفي أحسن الأحوال يُمكن الاستعانة بحضورهن فقط عند الحاجة إلى تلميع صورة النظام الحالي أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.
وتحاول اليوم بعض الخطابات الشعبوية الإقصائية المواربة، التي انتشرت في كثيرٍ من المجتمعات السورية، إعادة تعريف دور النساء، بما ينسجم مع إيديولوجياتها الدينية والسلطوية، عَبر نشر أفكارٍ تتعلق بتبعية المرأة للرجل، وتكريس صور النساء فقط في الأدوار الرعائية، وإظهارهن كأمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ للرجال، وإظهار كثير من الأدوار النسائية على أنها مُخلّة بالآداب العامة وتُشكِّل خطراً على المرأة، وهو ما نشر حالة من الخوف بين النساء الراغبات بالمشاركة في الشأن العام، وخاصة في بعض الأرياف والمجتمعات المُحافظة.
اللجوء إلى مواقع التواصل الإجتماعي
في ظل ما تتعرض له النساء من إقصاء عن مواقع التأثير والفضاء العام، ومن تضييقٍ على المشاركة في الحياة السياسية، لجأت الكثيرات منهن إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، لعلهن يجدن فيها مساحة للتعبير عن آرائهن وللدفاع عن مواقفهن وإثبات وجودهنّ في الميدان السياسي والفضاء العام بأي طريقة، لكنّ تلك المساحة ضاقت بوجه الكثيرات منهن أيضاً، بعد أن تحول النقد والتعبير عن الرأي إلى فعلٍ محفوف بالمخاطر، حيث تعرض عدد من الناشطات والصحافيات لحملات مُنظمة من التشهير والتحريض، بهدف إخراس أصواتهنّ وإبعادهن عن الميدان السياسي بأي ثمن، وهو ما أجبر بعضهن، خاصة بعد تعرضهن إلى تهديدات وشتائم ذات طابع جنسي، على حذف منشوراتهن التي تنتقد الحكومة وتتحدث عن السياسة وتهميش النساء، وذلك في ظل غياب أية مؤسساتٍ قانونية يمكنهن اللجوء إليها، وغياب الأحزاب السياسية الذي يُبقي تأثيرهن وفعاليتهن السياسية محدودة ومُشتتة.
تحتاج البلاد اليوم، وبصورة مستعجلة، إلى إعادة الاعتبار للمرأة، بوصفها شريكة فاعلة ومؤثِّرة في بناء سوريا الجديدة، ويُشكِّل تمثيلها وحضورها الفاعل جوهر عملية التحول الديمقراطي المنشود، وهو ما يحتاج إلى إعادة هيكلة لجميع المنظومات السياسية والثقافية والقانونية بطريقةٍ ناجعة تضمن مشاركة متكافئة لكلا الجنسين، وتمنح المرأة تمثيلاً حقيقياً ومُستداماً في المجتمع، وجميع المؤسسات والمجالس ومواقع القرار، كما ينبغي أن تكون تلك المشاركة ليست مُجرد استجابة للضغوط الدولية أو محاولة لإظهار خطابٍ مُعاصر يُلمّع صورة السلطة، وإنما استجابة طبيعية للدور التاريخي للمرأة، وطنياً وإجتماعياً وإنسانياً، وإيماناً راسخاً بأن إعادة بناء البلاد تتطلب طاقات وعقول جميع أبنائها، من كلا الجنسين.
by عمر الشيخ | Aug 16, 2026 | العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
بينما كانت معظم مناطق محافظة السويداء السورية تستذكر ضحايا الانتهاكات والمجازر التي مضى عليها عام، جرّاء المعارك بين القوات الحكومية الجديدة وفصائل معارضة لها، تتذكّر مناطق سورية أخرى، في المقابل، أن أعلاماً إسرائيلية رُفعت فوق الجراح السورية هناك، وأن مبنى وزارة الدفاع وسط دمشق، الذي تعدّه إسرائيل رمزاً مهمّاً للدولة السورية، قد قُصف بطيرانها بذريعة اقتحام الجيش السوري الجديد عدداً من قرى السويداء ذات الأغلبية الدرزية. وتتذكّر أيضاً أن قوات عسكرية هناك، كان معظمها يدين بالولاء المطلق لنظام الأسد ومخابراته، أصبح اسمها اليوم “الحرس الوطني”، وأنها تسيطر على القرارين السياسي والاجتماعي هناك، في حين ترفض شريحة واسعة من الأهالي، تحت نير الانقسامات، إسرائيل والحرس الوطني، وترفض الحكومة الانتقالية في دمشق أيضاً!
بهذه الخلاصة المعقّدة والقاسية، يمكننا تلخيص صورة مهشّمة للهوية السورية، كان يُفترض بأصحابها أن يبحثوا عن عمق انتمائهم الثقافي والفكري ضمن إطار وطني، بعد سقوط أحد أعتى الأنظمة المجرمة في تاريخ المنطقة؛ نظام عائلة الأسد. وبدلاً من أن تلتفت بعض المناطق، التي تحكم أغلبَها انتماءاتٌ دينية ملوّثة بالمصالح السياسية، إلى ما زرعته حوكمة النظام السابق من هيمنة وإضعاف إداري، اتخذت تلك المناطق، وبسبب سلوكيات سلطوية ربما أُعيد تدويرها، موقفاً متباعداً من السلطة التي تمسك زمام الحكم اليوم في دمشق. وكان ذلك فاتحةً لأسئلة الهويات المناطقية، والثقة بالسلطة والثورة، ولتوارد الخواطر والأفكار والمشاهد عن خطف اللحظة التاريخية بغرض التفرّد وفرض الوقائع الجديدة، ولو بالدم من جهة، أو بالاستعانة بالعدو من جهة ثانية.
لم تدخل الحوكمة المؤسسية بعدُ في رهان الخصوصية والتغيير الثوري؛ فقد تراجعت بوضوح أمام ترهّل المؤسسات التي لا تزال تعمل، حتى اللحظة، بقوانين نظام الأسد ومراسيمه. وحلّت منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية مكانها إلى حدٍّ كبير، وهي تُعدّ، في أساسها، أدوات نفوذ ناعم توظّفها السفارات والجهات غير الحكومية للعب دور في تهيئة الظروف لإعادة الثقة بالمجتمع المدني، بعيداً عن الدولة وما تعانيه من صراعات وولاءات. ولمراقب المشهد المحلي في سورية، تبدو منظمات المجتمع المدني أكثر ديناميكية وحيوية وإنتاجية من المؤسسات الرسمية؛ في الإعلام والأبحاث، وفي الاقتصاد والاستشارات، وفي العقارات والتعليم، وحتى في التفكير السياسي. نحن لا نقلّل من شأن سقوط النظام، كما قال لكاتب هذه السطور أحد القرّاء، وإنما نحاول أن نحدّد موضع الخلل الجوهري في تعطّل التنمية الإدارية، بعيداً عن حسابات السلطة ومسطرة الثورة. هل تبحثون عن الكفاءات؟ إذن، ضعوا لنا، بمنتهى الشفافية، ما سوف تجود به شراكات الحوكمة من تغيير في المؤسسات ووزارات الدولة، بعيداً عن سلطة “الشيخ” في الطابق العلوي، والخطاب الإعلامي الذي يُظهر وزراءً وهم يوبّخون موظفيهم بسبب التقصير.
إن مظاهرات جرمانا الأخيرة، التي خرجت مع حلول ذكرى “تموز الأسود”، بحسب ما يصفه البعض، ودلّت على صراع داخلي، لم ترفع علم الدولة السورية الجديد، بل رفعت علماً طائفياً، كما في السويداء، ولم يكن ينقصها سوى أن ترفع أعلام العدو أيضاً! وهذا إنما يعكس مدى عمق الشقاق بين الحكومة والمناطق ذات الامتداد الطائفي. ويروي أحد الشبان الذين صوّروا المظاهرات، في مقابلة خاصة أجريتها معه، قائلاً: “هناك خصومة عنيفة بين الشباب في جرمانا والقيادة الروحية الدرزية”. وبسبب ذلك، يعتقد أن ما حدث جاء متزامناً مع ذكرى أحداث السويداء المؤسفة، وكان تتويجاً لهذا التوتر.
ولكن الأمر يبدو، من ناحية أخرى، مختلفاً تماماً؛ ففي جرمانا نماذج عديدة للحوكمة الإدارية من خلال منظمات دولية مدعومة من الخارج، كما هي الحال مع منظمة ألمانية لديها مشروع هناك اسمه “سورية الصغرى”، تتوسّع من خلاله أنشطتها الاجتماعية والفكرية والتنموية. وهي تعلن بوضوح، عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن المناقصات والتعيين والتعاقد، وتقدّم الحلول المتعلقة بالبنى التحتية، وكذلك توظّف الكفاءات. التمويل واضح، وكذلك التوجّه، وهذا ما لا يعدّه البعض إضعافاً للحكومة، التي قد تنشغل بعض مؤسساتها بتقييد الحريات العامة، في الوقت الذي تنشط فيه مؤسسات أخرى في ملاحقة المشكلات وتوثيقها في الإعلام. وذلك حسن جداً، ولكنه يحتاج إلى عدوى حقيقية تصيب العمل السياسي. ومن هنا، يمكننا التوقف قليلاً عند مؤسسة مجلس الشعب، الذي عيّن الرئيس السوري نصف أعضائه. ولكن المشكلة الأكبر تكمن في أن يبرّر هذا المجلس، في موضع ما، سلوكيات الحكومة، في حين أن من أبرز مهامه مراقبة أداء السلطة التنفيذية، من الرئيس إلى أصغر موظف في خدمة هذا الشعب، الذي ذاق ما ذاقه من مرارات التغييب والتجهيل بحقّه في أن يعيش بكرامة وحرية، من دون منّة من حكومة، أو ثورة، أو سلطة، أو زعامة. فكيف إذا راح أحد أعضاء هذا المجلس يبرّر تجميد النشاط الحزبي والسياسي في البلاد؟ إذا لم تسهم الأحزاب، خلال المرحلة الانتقالية، في تشكيل بنية الدولة، فإن دورها الكركوزي سيكون جاهزاً بعد تثبيت الحكم والسلطات الثلاث، “التشريعية، التنفيذية، القضائية”، التي يسيطر الرئيس على معظمها، وفقاً للإعلان الدستوري الذي أعلنه حكام سورية الجدد.
من خلال مراقبة الأحداث اليومية، وكذلك بالرجوع إلى أكثر من عام ونصف على سقوط النظام في سورية، وبكشف النمط السلطوي الذي تمضي عليه الحكومة ومؤسساتها، إلى جانب العمل الموازي الذي تؤديه منظمات داعمة على الأرض، نستطيع أن نشير إلى أن عرقلة النمو والتغيير تتقدّم على حساب الانفتاح الدولي، الذي قد تتأخر انعكاساته على المجتمع السوري من حيث الخدمات، والتسهيلات، والرفاه، والأثر. فالمعلّقون على التجربة يعانون من مشكلة عميقة في تقييم المشهد؛ مشكلة ذروتها في عدم الوصول بعد إلى مستوى النظرة الوطنية نحو سورية الجديدة. وأعتقد، بحسب اطلاعي المستمر على المناخ السياسي رقمياً، أن الواقع الميداني على الأرض قد يختلف كلياً عمّا تنقله الشاشات والحسابات المؤيدة للحكومة، التي لم يكن معظمها يوماً مع الثورة تماماً، والحسابات المعارضة لأدائها، التي ينتمي أغلب أصحابها إلى عمق الحاضنة الاجتماعية التي جعلت نظام الأسد يستمر سنوات طويلة.
وتظهر جلياً صورة الرغبة العامة في ضرورة نجاح التجربة، لكن الجميعَ تعيق تقدّمَهم، على نحو ما، الهوياتُ المناطقية أو الدينية، وتعيق فهمَهم منهجيةُ السؤال المتوازن، والاعتيادُ المسبق على إجابات عامة وجاهزة، وكذلك التنمّرُ السياسي واحتقارُ الخصوم من أبناء البلد بصورة عنيفة. فكل طرف يراقب التجربة من داخل مخاوفه الخاصة، ويقرأها استناداً إلى خساراته السابقة أو تطلعاته المؤجلة، ثم يعيد تقديم موقفه على أنه التعبير الأكثر اكتمالاً عن المصلحة الوطنية. وبهذا، يتحول الخلاف السياسي إلى امتحان للهوية والانتماء، ويصبح النقد اتهاماً، والدفاع عن السلطة ولاءً، والاعتراض عليها خيانةً أو حنيناً إلى الماضي، فتضيق المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها السوريون على أسئلة الدولة، والعدالة، والحقوق، والتشاركية.
وأغلبهم، من دون هوادة، يمرّغون الخطاب في انتماءاتهم الضيقة، وفي الرأي الذاتي، واللغة الحالمة الرومانسية في موضع ما، والرأي الذي يعيش صراعات المقارنة بين الماضي والحاضر، وبين الداخل والخارج، والرأي الذي نادراً ما يفهم طبيعة المجتمع وتأخّر التغيير لأسباب نمطية تسيطر على خيال الشعب وحريته. وفي ظل هذا المناخ، يصبح الوصول إلى رؤية وطنية مشتركة أكثر صعوبة، لأن كل جماعة تريد من الدولة الجديدة أن تشبه مخاوفها أو طموحاتها، وأن تعترف بخصوصيتها قبل أن تعترف بغيرها، فيما تبقى فكرة المشاركة العامة مهددة بالتراجع أمام رغبة كل طرف في حماية موقعه أو فرض روايته. وهنا يظهر الإنذار الحقيقي؛ أن تستمر الهويات في التفاقم، وأن تتحول المرحلة الانتقالية إلى ساحة لتثبيت الانقسامات القديمة بأسماء جديدة، بدلاً من أن تكون فرصةً لبناء عقد وطني يعيد للسوريين ثقتهم بالدولة وببعضهم بعضاً.
by نور قهوه جي | Aug 10, 2026 | العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
جلست في مقرّ شبكة (مدنيّة- MADANIY) في بيت فارحي، الكائن في حي الأمين الدمشقي، أتأمل الشعار اللفظي (السلوجان) الذي تبنته: «مدنيّة في سوريا… نستعيد بلدنا، فضاءاتنا، وأحقيتنا السّياسية»، وعلى الفور رحت أفكر، بعد أن أصبح الكلام ممكناً: من يصل صوته إلى المجال العام؟ ومن يمتلك القدرة على تمثيل المجتمع ورواية قصته؟ وهل استعدنا فضاءاتنا كلّها حقاً؟ وهل يواجه السوريون اليوم تحدي حماية «فضاءاتهم المُستعادة»؟
عادةً، يُنظر إلى استعادة حرية التعبير في الفضاء العام بوصفها الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية… في المجتمعات التي تخرج من حقبة طويلة من الاستبداد، كما هو الحال في سوريا. وينطلق مفهوم الفضاء العام عند يورغن هابرماس (1929- 2026) من كونه فضاءً يسمح للمواطنين بتداول الأفكار بحرية بعيداً عن هيمنة السلطة، إلا أن هذا التصور يواجه اليوم تحدياً جديداً؛ إذ تتزامن مرحلة إعادة بناء المجال العام مع ثورة رقمية أعادت تشكيل طرائق إنتاج المعرفة وتداولها. فلم تعد الثقافة تُصنع داخل المؤسسات التقليدية وحدها، ولم تعد الدولة الفاعل الأكثر قدرة على ضبط المجال العام، حيث برزت المنصات الرقمية بوصفها فضاءات جديدة لإنتاج الخطاب الثقافي، وأخذت الخوارزميات تؤدي دوراً خفياً كشريك في تشكيل هذا الخطاب، وإعادة ترتيب أولوياته، وتحديد مساحة انتشاره، ومنح بعض الأصوات حضوراً أوسع من غيرها.
وتكمن المفارقة الأبرز في أن الخوارزمية لا تكتب قصيدة، ولا تنجز دراسة فكرية، لكنها تشارك، بطريقة غير مباشرة، في تحديد ما يقرأه الناس، وما يناقشونه، وما يترسخ في ذاكرتهم بوصفه صورةً عن المجتمع وثقافته.
وبهذا يتغيّر حضور السلطة الثقافية من الرقابة والمنع كما في السابق، لتمارس جزءاً من تأثيرها عبر الانتقاء، وإدارة الانتباه، وإعادة توزيع فرص الظهور، وهو ما أشار إليه ميشيل فوكو (1926- 1984) عندما وصف السلطة بأنها شبكة تنتج المعرفة وتحدد شروط ظهورها أكثر من كونها جهازاً للقمع المباشر. وإن كانت مرحلة إعادة بناء المجال العام في سوريا تقتضي إعادة النظر في المؤسسات والقوانين وأشكال المشاركة، فإنها تستوجب أيضاً إعادة التفكير في الجهة التي تمتلك القدرة على تعريف الثقافة السورية، وتمثيلها، ونشرها، وتقديمها إلى السوريين وإلى العالم.
إعادة بناء المجال العام… وإعادة توزيع السلطة الثقافية
تشكّل الواقع الثقافي طويلاً في سوريا، في عهد الاستبداد، داخل فضاءات تضبطها الدولة ومؤسساتها، سواء عبر التعليم أم الإعلام أم من خلال الإشراف المباشر على المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية، وعبر الحدود التي كانت ترسمها الرقابة لما يمكن قوله أو نشره أو حتى تداوله. وعلى الرغم من أن هذه البنية لم تنجح يوماً في احتكار الثقافة بالكامل، فإنها أسهمت في رسم ملامح المجال العام، وحددت، إلى حد بعيد، من يتحدث باسم الثقافة، ومن يمتلك شرعية تمثيل الشأن الثقافي السوري.
أما اليوم فيبدو الحال مختلفاً؛ إذ لا يوجد احتكار لجهة واحدة، لكننا أمام تقاسم لسلطة التمثيل بين الدولة والمنصات والخوارزميات والمؤثرين والمانحين والجمهور نفسه. وهنا يتجلى أمران يستحقان المناقشة: الأول يتعلق بإعادة بناء المجال العام الذي لم تعد السلطة متمركزة فيه في مؤسسة واحدة، ولم تعد المعركة تدور فيه حول حق الكلام فقط؛ إذ أتاحت البيئة الرقمية مجالاً غير مألوف سابقاً لتعدد الأصوات، وأصبح كل فرد قادراً على أن يكتب ويحلل، وينتج المعرفة، ويشارك في تشكيل الصورة التي يقدّمها المجتمع عن نفسه. وهذا التحول لا يعني اختفاء السلطة، بل يعني انتقالها إلى نمط أكثر تعقيداً يتعلق بحق الوصول، والتمثيل، وحق تشكيل الصورة التي ستبقى عالقة في الذاكرة الجمعية.
والثاني هو ظهور منظومة رقمية أخذت تحدد أي الأصوات أصبح أكثر تأثيراً، وأيها سيبقى مهمشاً. وهذه النقلة الرقمية ليست نقلة تقنية فقط بقدر ما هي ثقافية؛ تمس جوهر العلاقة بين المعرفة والمجتمع، وبين المنتج الثقافي وجمهوره، وتنقل شرعية الحضور الثقافي من المؤسسات الثقافية إلى المنصات الرقمية، بحيث يصبح الوصول إلى الجمهور خاضعاً، لا للمعايير الثقافية بقدر ما يخضع لمنطق التفاعل واقتصاد الانتباه.
وقد تنبهت السلطة الجديدة، التي تولت دفة الحكم بعد سقوط النظام، إلى هذا التحول مبكراً؛ فسارعت، منذ عامها الأول، إلى محاكاة آليات السيطرة الحديثة عبر استقطاب المؤثرين وصنّاع المحتوى (البلوغرز). ولم يقف الأمر عند كسب الولاء الافتراضي؛ إذ أتبعت ذلك بسلسلة من إجراءات المأسسة، فشرّعت مدونة سلوك تضبط العمل الصحفي والإعلامي، وفعّلت أنظمة مكافحة الجريمة الإلكترونية لترسيم حدود الفضاء الرقمي الجديد.
وبذلك، لم يعد رأس المال الثقافي وحده كافياً لاكتساب الشرعية في سوريا اليوم، بل بات رأس المال الرقمي، وأعداد المتابعين، ومعدلات التفاعل عناصر حاسمة تدخل في صياغة المكانة الثقافية للأفكار والأفراد على حد سواء، وبالتالي للدولة، وهو ما يتوافق مع أطروحة بيير بورديو (1930- 2002) حول أشكال رأس المال المتشابكة.
الخوارزمية وسلطة تمثيل المشهد الثقافي
يصف مانويل كاستليس (1942) المجتمع الرقمي بأنه مجتمع شبكات تنتقل فيه السلطة عبر تدفقات المعلومات أكثر مما تنتقل عبر المؤسسات، وهو ما يبدو جلياً في الحالة السورية اليوم؛ فلا تشارك الخوارزمية في تشكيل المشهد الثقافي في المجال الرقمي فحسب، بل تحدد أيضاً أي الموضوعات ستبقى في واجهة النقاش العام، مما يفرض إعادة التفكير في مفهوم التأثير الثقافي. فالمقال الرصين، أو الدراسة الأكاديمية، أو العمل الأدبي أو الفني لم يعد ينافس أعمالاً من النوع ذاته فقط، بل أصبح ينافس أيضاً سيلاً متواصلاً من الصور والمقاطع القصيرة (الريلز) والمحتوى السريع الذي صُمم ليحظى بأكبر قدر من التفاعل في أقل وقت ممكن. وبهذا غدا إنتاج المعرفة مرتبطاً ببيئة لا تكافئ دائماً العمق أو القيمة بقدر ما تكافئ ما يجذب الانتباه.
وهنا نحن في مواجهة سلطة غير مرئية تمنح، وبصورة غير مباشرة، شرعية التمثيل؛ فكلما تكرر ظهور خطاب معين، أو صورة بعينها، أو سردية محددة، ازدادت قابليتها لأن تُستقبل بوصفها التعبير الأكثر حضوراً عن المجتمع، وإن كانت لا تمثل حقيقة واقعه. ولعلّ مظاهر الأسلمة التي تُصدّر اليوم بوصفها صورةً لمجتمع سوري من لون واحد، «أكثرية» تتماهى فيها المكونات الأخرى وتضمحل بوصفها «أقلية»، واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك.
من يمثّل الثقافة السورية في الفضاء الرقمي؟
إن كانت الثقافة هي الطريقة التي يروي بها المجتمع ذاته، فالسؤال المهم الذي يفرض نفسه في الحالة السورية هو: من يمثّل هذه الثقافة في الفضاء الرقمي؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية مضاعفة نابعة من واقع مجتمع يسعى إلى إعادة بناء فضائه العام، ويحتاج إلى فسحة تتجاور فيها السرديات المختلفة، وتتعايش فيها التجارب المتنوعة، لا إلى فضاء يعيد اختزال هذا التنوع في روايات أكثر قابلية للانتشار، أو مقاطع (ريلز) ساخرة من مشاهد قتل، أو مؤثرين أصبحوا مراجع في النقاش السياسي، أو سيل من التفاعلات بـ«أضحكني» تجاه قضايا كبرى بهدف تسخيفها أو تهميشها.
إن التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم هو بناء بيئة رقمية تضمن عدالة الظهور وعدالة التمثيل، لا استعادة حرية التعبير فقط. فالديمقراطية الثقافية لا تتحقق بمجرد تعدد الأصوات، وإنما عندما تمتلك هذه الأصوات فرصاً متكافئة للوصول إلى المجال العام والتأثير فيه. وفي هذا السياق يبرز السؤال الحقيقي: من يقرر أي ثقافة يراها السوريون أولاً؟ وما الدور المأمول اليوم من مؤسسات الدولة الجديدة في تفعيل دورها الثقافي والوطني في مواجهة هيمنة الخوارزميات؟ وكيف يمكن لهذه المؤسسات الناشئة أن تستعيد دورها حاضناً للمشهد الثقافي السوري بتعدديته وزخمه، بدلاً من الانزلاق نحو أدوات الرقابة والضبط الرقمي الناعم؟
by عمر الشيخ | Aug 1, 2026 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
تواجه قبرص تحديات خطيرة في المرحلة الأخيرة من مسار انضمامها المحتمل إلى منطقة شنغن؛ أبرزها الأمن القومي، والطاقة، والهجرة، والصراع المفتوح في الشرق الأوسط”. بهذه الكلمات يختصر دبلوماسي رفيع المشهد الذي تتحرك فيه الدولة القبرصية، وهي تراقب، من موقعها في أقصى شرق الاتحاد الأوروبي، تحولات إقليمية لم تعد تتيح لها الفصل بين الهجرة والأمن والسياسة الخارجية.
قطعت قبرص شوطاً متقدماً في استكمال المتطلبات التقنية اللازمة للانضمام إلى منطقة شنغن، من دون أن يعني ذلك أن عضويتها حُسمت. وكانت المفوضية الأوروبية تستعد، في حزيران/يونيو 2026، لتقديم تقريرها بشأن جاهزية الجزيرة، فيما بقي القرار السياسي النهائي من اختصاص مجلس الاتحاد الأوروبي.
ترى نيقوسيا أن الانضمام سيعزز أمنها ويثبت حضورها داخل البنية الأوروبية، لكن وضع الجزيرة المقسمة، ووجود خط لوقف إطلاق النار لا تسيطر الحكومة على حدوده الشمالية، يجعلان المسألة أبعد من استكمال إجراءات تقنية. فالأمن، في التصور الذي قدمته الرئاسة القبرصية للاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من عام 2026 بات يشمل إضافة إلى الدفاع وحماية الحدود؛ الطاقة والبنى التحتية، والتهديدات الهجينة، والهجرة، والاستعداد للأزمات المحتملة في الجوار الشرق أوسطي. ولهذا وضعت قبرص تطبيق الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، وتشديد آليات العودة، والتعاون مع دول المنشأ والعبور، بين أولوياتها الأوروبية.
أوروبا تعيد ترتيب أولوياتها
المراقب للوضع الداخلي في قبرص، سوف يتلمس كيف تتحرك السياسة القبرصية في لحظة أوروبية تغير فيها ترتيب الأولويات. فالحرب الروسية على أوكرانيا أصبحت اختباراً لقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها، ولمستقبل اعتمادها على المظلة العسكرية والأمنية الأميركية.
وزادت عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية من حالة عدم اليقين. فالضغوط الموجهة إلى الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي، واستخدام الرسوم الجمركية في الخلافات السياسية والتجارية، والشكوك المتعلقة بمستقبل العلاقات عبر الأطلسي، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تقديم الدفاع والأمن الاقتصادي وحماية الحدود. ولم تختفِ المساعدات الإنسانية من الموازنات الأوروبية، لكن البيئة السياسية أصبحت أكثر تقبلاً لتمويل الحماية والردع وبرامج العودة، وأقل استعداداً للتعامل مع الهجرة من بوابة الاستقبال وحدها.
في شرق المتوسط تبدو الصورة أكثر تشابكاً. فقد أبقت الحرب الإسرائيلية على جبهات متعددة، وعدم الاستقرار في لبنان، والتحولات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، قبرص أمام احتمال انتقال سريع لتداعيات الأزمات عبر البحر. فالجزيرة قريبة من الساحلين السوري واللبناني، وتؤدي في الوقت نفسه دور منصة أوروبية للإجلاء والإغاثة والتعاون الأمني. وكل تصعيد في جوارها يحمل احتمال انطلاق قوارب جديدة، إلى جانب أخطار قد تطول منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والبنية العسكرية.
وسط هذه التحولات، أعاد سقوط نظام الأسد فتح السؤال المتعلق بمستقبل السوريين في أوروبا: هل ما زالت الحماية التي مُنحت لهم بسبب الحرب والنظام السابق ضرورية بالدرجة ذاتها، أم بات ممكناً نقل أعداد متزايدة منهم من نظام اللجوء إلى برامج العودة؟
جزيرة صغيرة وذاكرة انقسام
يحضر العامل الديموغرافي بقوة في النقاش القبرصي. فمنذ سنوات، يقول مسؤولون إن الجزيرة استقبلت، قياساً إلى عدد سكانها، أعداداً من طالبي اللجوء تفوق قدرة مؤسساتها وخدماتها. غير أن الرقم المتداول، ومفاده أن طالبي اللجوء تجاوزوا أربعة في المئة من السكان، لا يتعلق بالسوريين وحدهم، ولا يمثل نسبة اللاجئين المعترف بهم. وقد استُخدم في تصريحات رسمية منذ عام 2019 للإشارة إلى مجموع طالبي اللجوء مقارنة بسكان المناطق الواقعة تحت سيطرة جمهورية قبرص.
اكتسب هذا الرقم، مع مرور الوقت، معنى يتجاوز الضغط على الخدمات. فقبرص دولة صغيرة تعيش انقساماً مستمراً منذ الغزو التركي عام 1974، ولا تسيطر حكومتها المعترف بها دولياً على شمال الجزيرة. ولهذا تظهر الهجرة القادمة عبر المناطق الشمالية أو السواحل القريبة، في الخطاب الأمني المحافظ، عاملاً قد يؤثر في التوازن السكاني والاجتماعي، وليس عبئاً إضافياً على مراكز الاستقبال فحسب.
ويقدم مسؤول أمني رفيع، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، قراءة أكثر حدة. فهو يرى أن تركيا تستخدم الهجرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وسيلة ضغط على أوروبا وجمهورية قبرص، وأن ارتفاع أعداد القادمين من مجتمعات مسلمة يثير حساسية إضافية في جزيرة ذات غالبية يونانية أرثوذكسية وتاريخ طويل من الصراع مع أنقرة.
يعكس هذا التقدير طريقة تفكير حاضرة في خلفية بعض القرارات الأمنية، حيث تُقرأ الهجرة في ضوء تاريخ الجزيرة وانقسامها، إلى جانب القوانين والاتفاقيات المنظمة للجوء. وسبق للسلطات القبرصية أن تحدثت عن استخدام الهجرة أداةً للضغط عند وصفها انتقال أشخاص من تركيا إلى الشطر الشمالي، ثم عبورهم المنطقة العازلة نحو الأراضي الخاضعة لسيطرة الجمهورية. وتزداد حساسية المسألة مع تقدم مسار الانضمام إلى شنغن، إذ ستصبح حماية الحدود القبرصية، وفق التصور الأوروبي، جزءاً من حماية المجال المشترك.
عندما جُمّدت الطلبات السورية
بدأ التحول المباشر في سياسة قبرص تجاه السوريين في نيسان/أبريل 2024، عقب وصول أعداد كبيرة من القوارب القادمة من لبنان. فمنذ مطلع ذلك العام وحتى الرابع من نيسان/أبريل، وصل إلى قبرص 2,140 شخصاً، مقابل 78 شخصاً خلال الفترة ذاتها من العام السابق. وفي أسبوع واحد، وصلت قوارب تقل مئات الأشخاص، كان معظمهم من السوريين.
في الثالث عشر من نيسان/أبريل، أعلن الرئيس نيكوس خريستودوليديس تعليق دراسة طلبات اللجوء الجديدة المقدمة من السوريين. لم يكن القرار رفضاً جماعياً، لكنه أبقى أصحاب الطلبات في انتظار غير محدد، وحمل رسالة ردع إلى الراغبين في الانطلاق من السواحل اللبنانية.
وفي الوقت نفسه، تحركت نيقوسيا لدفع الاتحاد الأوروبي إلى مساعدة لبنان على ضبط سواحله ومنع انطلاق القوارب. كما طالبت بإعادة تقييم الأوضاع داخل سوريا، ودراسة إمكان اعتبار بعض مناطقها آمنة. كانت الحكومة القبرصية تسعى إلى مواجهة حركة الهجرة قبل وصولها إلى الجزيرة، وإلى بناء أساس قانوني يسمح بعودة من وصلوا إليها في مراحل سابقة.
أدى تجميد دراسة الملفات إلى تراكم أكثر من أربعة عشر ألف طلب سوري بحلول منتصف عام 2024. وكشف تقرير صادر عن مفوضة الإدارة وحماية حقوق الإنسان في قبرص أن بعض السوريين انتظروا مدة وصلت إلى خمس سنوات قبل البت في طلباتهم. ودعت المفوضة دائرة اللجوء إلى تحسين تواصلها مع المتقدمين، والالتزام بالمهل والإجراءات القانونية.
وضعت سنوات الانتظار طالب اللجوء في مساحة قانونية غامضة؛ يعمل ضمن قطاعات محددة، من دون أن يعرف إن كان سيتمكن من الاستقرار، أو جمع شمل أسرته، أو الانتقال إلى دولة أخرى، أو العودة إلى سوريا من دون خسارة ما استطاع بناءه خلال إقامته.
سقوط الأسد وفتح باب المراجعة
عندما سقط نظام الأسد في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2024، خرج سوريون في قبرص للاحتفال، كما حدث في بلدان أخرى تضم جاليات سورية. وشاهد المجتمع القبرصي احتفالاتهم، لكن الفرح بسقوط النظام لم يؤدِ إلى موقف سوري موحد من العودة.
رأى بعض السوريين أن السبب الأساسي الذي دفعهم إلى مغادرة بلادهم قد انتهى، بينما آثر آخرون انتظار اتضاح طبيعة السلطة الجديدة، ومستوى الأمن في مناطقهم، وإمكان الحصول على السكن والعمل والتعليم. في المقابل، بدأت سياسات الهجرة القبرصية تجاه السوريين تزداد تشدداً.
خلال الأيام الأولى، سحب نحو 110 سوريين طلباتهم أو تنازلوا عن الحماية الفرعية، ثم أخذ العدد بالارتفاع. وبحلول نهاية عام 2025، قالت الحكومة إن 4,081 سورياً عادوا إلى بلادهم. وفي تموز/يوليو 2026، أعلن نائب وزير الهجرة نيكولاس يوانيديس أن أكثر من 5,200 سوري سحبوا طلبات لجوئهم أو تنازلوا عن وضع الحماية منذ سقوط النظام.
يعكس الرقم سرعة التحول، إذ خرج آلاف السوريين من نظام اللجوء القبرصي خلال أقل من عامين، بالتزامن مع بدء رفض عدد من الطلبات التي بقيت معلقة. وفي حزيران/يونيو 2026، أعلنت الحكومة رفض أكثر من 1,500 طلب سوري، وقالت إن نحو عشرين ألف سوري ما زالوا في قبرص ضمن أوضاع قانونية تشمل طلب اللجوء والحماية الفرعية. وترى السلطات أن تبدل السلطة في دمشق وتغير الظروف العامة أتاحا إعادة تقييم الحاجة إلى الحماية.
حين دخل العنف في النقاش العام
لم يكن سقوط النظام السوري العامل الوحيد الذي دفع السياسة القبرصية نحو الأمن والإبعاد. فقد ساهمت حوادث جنائية تورط فيها سوريون في تغيير نبرة النقاش العام.
شهدت ليماسول في كانون الثاني/يناير 2026 شجاراً جماعياً شارك فيه عدد من السوريين. أوقفت الشرطة اثني عشر شخصاً، ثم أعلنت، في شباط/فبراير، ترحيل عشرة منهم إلى سوريا. ولم تبقَ القضية بذلك محصورة في الإجراءات الجنائية، بل دخل الإبعاد ضمن التدابير الإدارية التي أعقبت الواقعة.
وفي الثامن من تموز/يوليو 2026، وقع اشتباك أكثر عنفاً في خيسوفاغو، شارك فيه، بحسب الشرطة ووسائل الإعلام المحلية، ما بين خمسة عشر وعشرين سورياً. استُخدمت خلاله قضبان ومطارق وأدوات أخرى. وأفادت التحقيقات الأولية بأن مركبة حاولت صدم أفراد من المجموعة المقابلة، قبل أن ترتطم بجزء من أحد المنازل. أُصيب عدد من الأشخاص، وأُلقي القبض على مشتبه بهم، وانتقلت الحادثة سريعاً من نطاق التحقيق الجنائي إلى السجال السياسي.
وبعد أيام، نقلت الصحافة القبرصية أن دائرة اللجوء سحبت، أو شرعت في سحب، الحماية من 95 أجنبياً على خلفية أنشطة جنائية، بينهم ثمانون سورياً. وأظهر الإعلان اتجاهاً أكثر وضوحاً في التعامل مع الجرائم التي يرتكبها مستفيدون من الحماية، إذ قد يعاد فتح الملف القانوني للشخص وصولاً إلى محاولة إبعاده.
تركت هذه الوقائع أثراً سلبياً لدى شريحة من المجتمع القبرصي. وأظهر استطلاع نُشر في شباط/فبراير 2026 أن 86 في المئة من المشاركين يشعرون بالقلق حيال الهجرة التي وصفها الاستطلاع بأنها غير خاضعة للسيطرة. ويوضح الرقم طبيعة البيئة التي تعمل ضمنها الحكومة، مع تزايد المطالبة بخفض أعداد الوافدين، وتسريع دراسة الملفات، ومغادرة من لا يملك أساساً قانونياً للإقامة.
داخل البرلمان، ربطت قوى من اليمين الهجرة بالجريمة والسلامة العامة، فيما تبنى حزب “إيلام” اليميني خطاباً أكثر تشدداً، وقدم الهجرة باعتبارها خطراً وجودياً. وفي المقابل، حذرت قوى سياسية وحقوقية من تعميم مسؤولية الجرائم الفردية على جماعات بأكملها، وذكّرت بحاجة الاقتصاد القبرصي إلى آلاف العمال الأجانب، وبينهم سوريون يعملون في قطاعات البناء والمطاعم والخدمات.
العودة الطوعية بين الأسرة والعمل
في صيف عام 2025، أطلقت الحكومة القبرصية أول برنامج مخصص لمساعدة الأسر السورية على العودة. وسمح البرنامج لأحد الوالدين بالبقاء في قبرص والعمل بصورة قانونية، في حين يعود الزوج الآخر والأطفال إلى سوريا، مع حصولهم على دعم مالي وتذاكر سفر.
وقالت الحكومة إن فكرة البرنامج استندت إلى محادثات مع سوريين أبدوا رغبتهم في العودة، لكنهم كانوا يخشون خسارة الدخل الذي تعتمد عليه أسرهم. وشارك نحو تسعمئة شخص في النسخة الأولى من الخطة، فيما أعلنت السلطات أنها لم تسجل عودة أي منهم إلى قبرص بعد سفره.
وفي التاسع من حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة الهجرة نسخة موسعة من البرنامج. يحصل الزوج أو الزوجة العائد إلى سوريا على ألفي يورو، ويخصص مبلغ قدره ألف وخمسمئة يورو لكل طفل عائد، إضافة إلى ألف يورو للأسرة التي كانت تتمتع بالحماية الدولية. ويُسمح لشخص بالغ واحد من أفراد الأسرة بالبقاء في قبرص، بموجب تصريح خاص يتيح له العمل حتى 31 آب/أغسطس 2028.
وتتطلب المشاركة في البرنامج سحب طلب اللجوء أو التنازل عن الحماية. وبذلك يرتبط الدعم المالي بانتقال قانوني كامل؛ إذ تتخلى الأسرة عن وضعها السابق، فيما ينتقل الشخص الذي يبقى إلى وضع العامل الأجنبي المؤقت.
وشارك ممثلون عن أصحاب العمل وقطاع البناء في المؤتمر الذي أُعلن خلاله البرنامج. وتعكس مشاركتهم رغبة قبرص في تقليص عدد المستفيدين من الحماية، مع الاحتفاظ بجزء من العمال السوريين الذين تحتاج إليهم السوق. وفي معظم الحالات، تعود الزوجة والأطفال، بينما يبقى الزوج للعمل وتحويل المال إلى أسرته. وهكذا يجمع البرنامج بين العودة المنظمة والهجرة القانونية ومتطلبات الاقتصاد القبرصي.
سنوات الانتظار الثقيلة
يفكر بعض السوريين في العودة من دون أن يعتقدوا أن سوريا أصبحت مستقرة بصورة كاملة، لكنهم يرون أن سنوات الانتظار في قبرص لم تفتح أمامهم طريقاً واضحاً للمستقبل.
وكانت مجموعة تحمل اسم “سوريون في قبرص” قد قالت، في رسالة نشرتها الصحافة مطلع عام 2025، إن سوريين قدموا طلباتهم منذ عام 2019 وظلوا ينتظرون قرارات بشأنها، في وقت كانت فيه طلبات جنسيات أخرى تُدرس خلال أشهر. ويتقاطع ذلك مع تقرير مفوضة الإدارة الذي وثق حالات استمر انتظارها خمس سنوات.
بالنسبة إلى هؤلاء، قد تتيح العودة الخروج من حالة الإقامة المعلقة، والعمل المحدود، والعجز عن التخطيط لجمع الأسرة أو تعليم الأطفال أو الانتقال إلى وضع قانوني أكثر استقراراً.
“مضت أربع سنوات وأنا أنتظر ورقة تقول لي إن كنت سأبقى أو سأغادر. عملت طوال هذه الفترة، لكنني لم أستطع بناء حياة حقيقية أو إحضار أسرتي. بعد سقوط النظام، صرت أفكر أن العودة، على صعوبتها، قد تكون أفضل من انتظار لا أعرف متى ينتهي”، يقول سوري مقيم في قبرص لمعد التقرير.
تضع هذه الشهادة معنى الطوعية في سياقه العملي. فالقرار يُتخذ بإرادة صاحبه ومن دون ترحيل قسري، لكنه يتأثر أحياناً بسنوات من القلق وغياب اليقين. وعندما تتاح مساعدة مالية لشخص انتظر أربعة أو خمسة أعوام، بالتزامن مع استئناف دراسة الطلبات وصدور قرارات بالرفض والعودة، تلتقي الرغبة في الرجوع مع الحاجة إلى إنهاء انتظار طال أكثر مما كان متوقعاً.
ويظل نجاح العودة مرتبطاً بوعي صاحب القرار بظروفها، وبقدرة الأسرة على الاستفادة من البرنامج في استعادة قدر من الاستقرار داخل بلدها.
مستقبل أكثر وضوحاً
لا تتضمن الوثائق القبرصية قراراً بإعادة جميع السوريين، ولا تسمح القوانين الأوروبية باتخاذ قرار جماعي من هذا النوع. غير أن الاتجاه السياسي أصبح أكثر وضوحاً، مع اقتراب مرحلة التعامل مع السوريين باعتبارهم جماعة تستحق الحماية الفرعية استناداً إلى الوضع العام في بلدهم من نهايتها.
وسيتعين على السوري، بصورة متزايدة، إثبات وجود خطر شخصي يبرر استمرار حمايته. أما من لا يستطيع إثبات ذلك، فستضيق أمامه الخيارات لتشمل العودة بمساعدة مالية، أو الحصول على تصريح عمل مستقل عندما تكون هناك حاجة اقتصادية إليه، أو مواجهة قرار بالمغادرة بعد استنفاد طرق الطعن المتاحة.
أتاح سقوط النظام للحكومة القبرصية ظرفاً سياسياً وقانونياً لتنظيم عودة السوريين الذين لم تعد أسباب الحماية قائمة في حالاتهم. ومع تقدم الجزيرة في مسار الانضمام إلى شنغن، بات خفض أعداد الوافدين وتسريع العودة جزءاً من الأدلة التي تقدمها نيقوسيا إلى شركائها الأوروبيين لإظهار قدرتها على حماية الحدود الخارجية للاتحاد.
أصبح مستقبل الوجود السوري في قبرص أكثر تحديداً مما كان عليه قبل عامين، وإن لم يُحسم بالطريقة ذاتها للجميع. وما تراجع فعلياً هو الاعتقاد بأن مرور الوقت وحده سيحول اللجوء المؤقت إلى إقامة مستقرة. ففي قبرص اليوم، يحتاج البقاء إلى أساس قانوني يتجدد، ويرتبط العمل بتصريح تمنحه الدولة وفق حاجتها، بينما صارت العودة خياراً حاضراً في السياسة التي يعاد من خلالها ترتيب أوضاع آلاف السوريين.
وبالنسبة إلى من انتهت الأسباب التي حالت دون رجوعهم، أو وجدوا في البرنامج فرصة للعودة مع الحفاظ على مصدر دخل لأسرهم، قد تمثل العودة الطوعية بداية عملية لاستعادة حياتهم داخل سوريا، بعيداً عن انتظار مفتوح لم يعد يقدم لهم إجابات واضحة.
by سالي علي | Jul 26, 2026 | Cost of War - EN, Culture - EN, News - EN, Reports - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
في مسرحية “في انتظار غودو“، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب “صمويل بيكيت” مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة. وحين يطول الانتظار، لا يعود الإنسان يسأل متى سيتغير الواقع، بل يتكيف مع فكرة أنّ المستقبل قد لا يصل أبداً كما تخيله. وربما لهذا تبدو سوريا اليوم أمام تحدٍ يتجاوز انتهاء المعارك. فمع انحسار المواجهات العسكرية، والحديث المتزايد عن رفع العقوبات، وعودة الشركات، وخطط إعادة الإعمار، ما يزال كثير من السوريين ينظرون إلى الغد بحذر. ليست المشكلة أنهم لا يرون مؤشرات التحسن، بل أنهم لم يعودوا يثقون بسهولة بأنّ الزمن سيواصل السير في الاتجاه نفسه. فالحرب لا تترك وراءها مدناً مهدمة فقط، بل تترك علاقة مضطربة مع المستقبل، يصبح معها الاستقرار احتمالاً أكثر منه يقيناً.
تشيرُ تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ الاقتصاد السوري انكمش إلى أقل من نصفِ حجمه مقارنة بما قبل عام 2011، ومع ذلك فإنّ الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تفسر وحدها المزاج العام. فالاقتصاد يمكن أن يبدأ بالتعافي بمجرد عودة النشاط والإنتاج، أما الإنسان فلا يتعافى بالسرعة نفسها، لأنّ ما تضرر خلال سنوات الحرب لم يكن الدخل وحده، بل الإحساس بأنّ الغد يمكن التخطيط له. كما تؤكد دراسات المجتمعات الخارجة من النزاعات أن آثار الحرب تستمرُ طويلًا بعد توقف القتال. فوقف إطلاق النار لا يعيد تلقائياً أنماط الحياة السابقة، ولا يعيد الثقة بالمؤسسات أو القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وتشير تقديرات البنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة إلى أنّ التعافي الاقتصادي كثيرًا ما يسبق التعافي الاجتماعي، لأنّ الأسواق تستطيع استئناف نشاطها بدافع الحاجة، بينما يحتاج الشعور بالأمان إلى تجارب متكررة تثبت أنّ الاستقرار أصبح قاعدة لا استثناء.
لعلّ أشد ما تفعله الحرب قسوة أنها تغيّر علاقة الإنسان بالزمن. ففي الظروف الطبيعية، يبني الناس حياتهم على افتراض بسيط: أنّ الغد سيكون امتداداً لليوم. أما في سنوات النزاع فيصبح هذا الافتراض نفسه محل شك. يتراجع التفكير البعيد، وتغدو الأولوية للنجاة من الأسبوع المقبل، أو حتى من اليوم التالي. ومع مرور الوقت لا يبقى هذا السلوك مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى عادة ذهنية تستمر حتى بعد زوالِ أسبابها.
في أحد مقاهي دمشق، كان الحديث يدور حول مشروعٍ صغير يخطط أحد الأصدقاء لإطلاقه. استمع الجميع باهتمام، ثم قال أحدهم بعد لحظة صمت: “استنى شوي، خلي الأمور تثبت”. لم يناقش جدوى المشروع ولا مصادر تمويله، بل علّق القرار كله على الزمن. وكأنّ المشكلة لم تعد في الفكرة، بل في السؤال الأعمق: هل يمكن الوثوق بأنّ الغد لن ينقلب فجأة على اليوم؟ لهذا في الأحاديث اليومية تتكرر عبارات مثل: “لسه بكير” و”خلينا ننتظر”، و”ما حدا بيعرف شو بصير”. قد تبدو كلمات عابرة، لكنها تعكس طريقة كاملة في قراءة الواقع. فالحرب علمت الناس أنّ الخطط قد تنهار بين ليلة وضحاها، وأنّ النجاح الحقيقي كان في القدرة على تعديل المسار بسرعة، لا في الالتزام بخطة طويلة. وما كان يوماً استجابة عقلانية لسنوات الفوضى قد يتحول اليوم إلى عائق أمام أيّ بداية جديدة.
الأمر هنا لا يتعلق بالتشاؤم بقدر ما يتعلق بالذاكرة. فالذاكرة لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تحفظ أيضاً الإيقاع الذي عاشت عليه. سنوات الانقطاع المتكرر، في العمل والدخل والخدمات وحتى في المكان، تجعل الحذر يبدو أكثر حكمة من التفاؤل، لأنّ التجربة علمت أصحابها أنّ الاستقرار قد يكون مؤقتاً. وهكذا يصبح الزمن نفسه موضع اختبار دائم، ويغدو الانتظار خياراً يبدو أكثر أماناً من المبادرة. وهذه ليست خصوصية سورية. ففي البوسنة والهرسك، بدأت الأسواق وإعادة الإعمار تستعيدُ نشاطها بعد اتفاق دايتون بوتيرة أسرع من استعادة العلاقات الاجتماعية عافيتها، إذ احتاجت المجتمعات المحلية سنوات حتى تتجاوز آثار الانقسام. وفي رواندا، لم يكن النمو الاقتصادي بعد عام 1994 كافي لطي صفحة الإبادة الجماعية، بل رافقته جهود طويلة للمصالحة والعدالة المجتمعية، لأنّ إعادة بناء الإنسان استغرقت زمناً أطول من إعادة بناء الاقتصاد. وحتى في لبنان، ظل منطق الحذر حاضراً في السياسة والاقتصاد بعد انتهاء الحرب الأهلية وكأنّ الماضي بقي يقيس احتمالات المستقبل.
ومن هنا يمكن لنا فهم مفارقة الاستثمار. فكثيراً ما يُنظر إليه باعتباره أموالاً تبحث عن فرص، لكنهُ رهان على الزمن في جوهره . المستثمر لا يشتري الحاضر، بل يشتري ما يتوقع أن يكون عليه الغد. ولهذا لا تكفي الحوافز أو التصريحات لجذب رؤوس الأموال، إذا بقيت القواعد متقلبة، أو ظل المستقبل غامضاً. فكلما انخفضت القدرة على التنبؤ، ارتفعت كلفة القرار حتى لو بدت الفرص الاقتصادية واعدة. والأمر نفسه ينطبق على الناس. شراء منزل، أو افتتاح مشروع، أو العودة من اللجوء، أو حتى اتخاذ قرار بالزواج والإنجاب، ليست قرارات اقتصادية فحسب، بل رهانات على أنّ المستقبل سيكون أكثر استقراراً من الحاضر. ولذلك فإنّ إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء الإحساس بأنّ الزمن عاد يسير بصورة طبيعية.
الحرب، إذاً؛ قد تنتهي بوصفها حدثاً عسكرياً وسياسياً لكنها لن تنتهي في وجدان الناس بالسرعة نفسها. واستعادة الحياة لا تتحقق بمجرد توقف القتال، إنما حين يصبح الأمن اليومي واقعاً وتستقر المؤسسات على قواعد واضحة، وتستعيد الخدمات والاقتصاد قدرتها على منح الناس ما هو أثمن من الدخل؛ القدرة على التخطيط.
في نهاية “في انتظار غودو“؛ يقرر الرجلان أن يغادرا، لكنهما لا يتحركان. ليست المشكلة أنهما لا يعرفان الطريق، بل أنّ الانتظار أصبح عالمهما الوحيد. وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب؛ أن لا يتحول الحذر الذي كان ضرورة للبقاء، إلى أسلوبٍ دائم في الحياة. سوريا الجديدة لن تُقاس بعدد الأبنية التي ستُشيَّد، ولا بحجم الاستثمارات التي ستدخلها، بل باليوم الذي يتوقف فيه السوري عن انتظارِ استقرار الغد، لأنهُ أصبح يعيش استقرار اليوم. عندها فقط يمكن القول إنّ الحرب انتهت حقاً، ليس في الخرائط العسكرية وحدها بل في الزمن الذي يحمله الناس داخلهم.