الخارجية السورية في طرابلس الشام

الخارجية السورية في طرابلس الشام

في لحظةٍ وثّقت عجز الزعامات الطرابلسية عن إدارة واقع مدينتها وتمثيل وجعها، دخل موكب وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، أو (أبو عائشة) كما ناداه بعض الطرابلسيين، فبدا حضوره كضوءٍ كاشفٍ سلّط على تلك الزعامات ما حاولت طويلًا إخفاءه. وكانت زيارة الشيباني تحمل رمزيةً سياسيةً أكبر من منصبه: رمزًا لسقوط النظام السوري السابق، ولصعود سلطة جديدة، ولانتصارٍ شعر قسم من المدينة أنه يعنيه مباشرة، فاحتفوا به وحمّلوه مطالبهم: (أمانة ملف الشيخ الأسير). كانت العبارة إعلانًا صريحًا عن انهيار الثقة بالوسيط السياسي المحلي، وعن مدينةٍ بات أهلها يبحثون خارج حدود الدولة وخارج زعاماتهم التقليدية عمّن يحمل قضيتهم، أو يوهمهم بإمكان حملها.

قد يحمل الاحتفاء الطرابلسي بأسعد الشيباني السلطات السورية الجديدة إلى فخّ (عنجر طرابلسية). فعنجر كانت، في زمن الوصاية، صيغةً للحكم: مركزًا سوريًا موازيًا للدولة اللبنانية، يقصده أصحاب المطالب لأنهم يعرفون أن الطريق إلى الضابط السوري أقصر وأكثر فاعليةً من الطريق إلى النائب أو الوزير اللبناني. وبالتالي، قد لا تكون طرابلس عنجر جديدة في صورة مقرّ أمني أو غرفة ضباط، وقد لا تحتاج إلى دبابة أو جهاز مخابرات. يكفي أن يصبح المسؤول السوري مرجعًا لمطالب المدينة، وأن يشعر أهلها بأن الوصول إليه أجدى من الوصول إلى ممثليهم ودولتهم. عندها يتغيّر شكل النفوذ، لكن منطقه يبقى واحدًا: مرجعية سورية تتقدّم كلما تراجعت الدولة اللبنانية.

وهنا يكمن امتحان حكام سوريا الجدد. فالقطيعة مع نظام الأسد تكون أيضًا برفض وراثة موقعه بوصفه صاحب الكلمة داخل لبنان. وإذا كانت عنجر القديمة قد فُرضت بالقوة والخوف، فقد تولد عنجر الجديدة من الترحيب والحاجة والفراغ السياسي، فتنتقل كاريزما الشيباني من الإعجاب بالشخص إلى التعامل معه كمرجع قادر على التدخل والحل.

غير أن هذا الانتقال يتعارض مع منطق الدولة الحديثة كما صاغه عالم الاجتماع ماكس ويبر، والقائم على السلطة القانونية–العقلانية، حيث تُحلّ القضايا عبر مؤسسات محددة الصلاحيات، وقواعد عامة، وإجراءات لا تتبدل بتبدّل الأشخاص، لا عبر المكانة الشخصية أو العلاقة المباشرة مع صاحب النفوذ. فحين يُطلب من وزير سوري أن يتولى قضيةً لبنانيةً داخلية، تكون الكاريزما قد بدأت تتقدّم على المؤسسة، ويكون الشخص قد اكتسب وظيفةً لا يمنحه إياها منصبه الرسمي.

لكن الكاريزما، بحسب ويبر، لا تبقى استثنائيةً إلى الأبد؛ فهي إما أن تتلاشى، وإما أن تخضع لما يمكن تسميته “روتين الكاريزما”، أي تحويلها إلى قواعد ومؤسسات مستقرة. ومن هنا يبرز السؤال: هل ستعمل سوريا الجديدة على عقلنة الرأسمال الكاريزماتيكي الذي راكمه ممثلوها، وإخضاعه لمنطق الدولة والعلاقات الرسمية بين بلدين؟ أم ستعيد تشكيله بما ينسجم مع خلفيتها السياسية الجديدة، فتنتج نفوذًا أقل خشونةً من الوصاية القديمة، لكنه يقوم مجددًا على تجاوز المؤسسات اللبنانية؟

المشكلة، إذًا، ليست في كاريزما الشيباني السياسية، إنما في المجال الذي تُمارس فيه هذه الكاريزما. فإذا جرى احتواؤها داخل مؤسسات الدولة السورية واستخدامها لبناء شرعية قانونية داخلية، كانت جزءًا من انتقال سياسي نحو الدولة الحديثة. أما إذا امتدت إلى لبنان لتتحول إلى قناة لمعالجة قضاياه الداخلية، فإنها تكون قد خرجت من مسار العقلنة، ودخلت في إنتاج مرجعية موازية قد تمهّد لعنجر جديدة في لبنان.

وليس الشمال اللبناني غريبًا عن أن يتحوّل إلى ميدانٍ تُختبر فيه قدرة الدولة على إدارة أمنها من دون المرجعية السورية. فبعد نحو عامين على خروج الجيش السوري السابق من لبنان، اندلعت معركة نهر البارد عام 2007 بين الجيش اللبناني وتنظيم (فتح الإسلام)، الذي انشقّ عن (فتح الانتفاضة) الموالية لدمشق. يومها اتهمت حكومة فؤاد السنيورة الاستخبارات السورية بالوقوف خلف التنظيم، فيما نفت دمشق و(فتح الإسلام) ذلك.

لكن، بصرف النظر عن الجهة التي حرّكت الشرارة، مثّلت نهر البارد أول امتحان عسكري كبير للدولة اللبنانية بعد انسحاب الجيش السوري: هل يستطيع الجيش اللبناني حسم مواجهة بهذا الحجم من دون المظلة الأمنية السورية التي ادّعت دمشق طويلًا أن لبنان لا يستطيع الاستغناء عنها؟ وقد انتهت المعركة بعد أشهر بانتصار الجيش على (فتح الإسلام)، لكنها خلّفت المخيم مدمّرًا، وعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين مهجّرين.

من هنا، لا يبدو حمل ملف أحمد الأسير إلى الشيباني جزءاً منفصلاً عن تاريخ الشمال. فالمنطقة التي خاضت فيها الدولة اللبنانية امتحان استقلالها الأمني عن دمشق، تعود اليوم لتضع إحدى أكثر قضاياها القضائية والأمنية حساسيةً في يد مسؤول سوري. وإذا كانت معركة نهر البارد قد طرحت سؤالًا عن قدرة الجيش اللبناني على العمل من دون الجيش السوري، فإن ملف الأسير يطرح اليوم سؤالًا مشابهًا بصيغة سياسية: هل تستطيع الدولة اللبنانية معالجة أزماتها من دون أن تستدعي، طوعًا أو عجزًا، مرجعيةً سوريةً جديدة؟

وإذا اختارت دمشق أن ترعى اسم أحمد الأسير ضمن ملف (السجناء الإسلاميين)، فلن يُقرأ موقفها إلا بوصفه منحًا لغطاء سياسي لشخص ارتبط اسمه بالاعتداء على الجيش اللبناني في أحداث عبرا. فالأسير أُدين على خلفية مواجهة مسلحة قُتل فيها ثمانية عشر عسكريًا لبنانيًا وجُرح العشرات، وليس موقوفًا بسبب موقفه من نظام الأسد. ولذلك، فإن تبنّي قضيته من جانب سلطة سورية سيضع دمشق الجديدة في مواجهة مباشرة مع ذاكرة المؤسسة العسكرية اللبنانية وعائلات ضحاياها.

وثكنة محمد زغيب، بما شهدته عقب المعركة من عمليات توقيف وتحقيق واستجواب، خير شاهدٍ على أن ملف أحمد الأسير كان قضيةً أمنيةً ارتبطت بمواجهة مسلحة مع الجيش اللبناني، لا قضية رأي سياسي. لهذا، فإن رعاية دمشق لاسمه ستتجاوز التدخل في القضاء اللبناني إلى ما هو أكثر حساسية: الظهور بمظهر الراعي السياسي لمن حمل السلاح في وجه المؤسسة العسكرية التي يُفترض أن يشكّل احترامها أساس العلاقة بين الدولتين.

لا ينبغي لطرابلس أن تبقى بوابةً تعبر منها الأنظمة إلى لبنان كلما ضعفت الدولة أو اشتعلت الأزمات في سوريا. لقد دفعت المدينة ثمن هذه الوظيفة طويلًا، إذ كان كل توتر في سوريا يجد صداه في أحيائها، ويتحوّل جبل محسن وباب التبانة إلى خطّي تماس لحرب لم يصنعها أهلهما. فجبل محسن لم يكن خصمًا طبيعيًا لطرابلس، كما لم تكن التبانة خزانًا دائمًا للمقاتلين؛ بل جرى تحويل الحرمان المشترك إلى صراع بالوكالة، واستخدام الانقسام المذهبي لإبقاء المدينة مفتوحة أمام النفوذ الخارجي.

ولا يجوز أن تتحول طرابلس، كلما غضب أهلها أو شعروا بالتهميش، إلى مدينة يتم إرضاؤها بتسوية أمنية أو بإخراج اسم من السجن؛ مرةً باسم شادي المولوي، ومرةً باسم أحمد الأسير. فالمدينة تُنصف بإنماء متوازن، وعدالة واحدة، ودولة تستعيد ثقة أبنائها من دون أن تساوم على أمنها أو على دم جنودها.لذلك، على الدولة اللبنانية أن تمنع اليوم الحاجة إلى (عنجر طرابلسية). ويكون ذلك بفرض سلطتها القانونية على المنطقة، وبحسم الملفات القضائية داخل مؤسساتها، وبإنماء متوازن يوفّر لأهالي طرابلس وعكار والشمال فرصًا حقيقية، فلا يبقى الطريق إلى خربة الأكراد وشبكات تهريب البضائع عبر الحدود أقرب إلى الشاب من الطريق إلى وظيفة تحفظ كرامته.

فخربة الأكراد خير شاهدٍ على منطقة تركتها الدولة خارج اقتصادها الشرعي، ثم عادت لتتعامل معها بوصفها مشكلةً أمنية. فالسيادة تُحمى بجعل أهل المنطقة قادرين على الاستغناء عن اقتصاد التهريب، وعن الوسطاء والزعامات والمرجعيات الخارجية. أما إذا استمر الفراغ، فقد تبدأ العودة السورية اليوم بلائحة سجناء تُرفع إلى مسؤول سوري، وغدًا بلائحة وزراء يُطلب رضاه عنهم.

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

في غرفةٍ تشحّ فيها الكهرباء ويغيب عنها الدواء، تروي هبة ناصر، البالغة من العمر سبعةً وعشرين عاماً، كيف تحوّل المشفى المتخصّص بعلاج السرطان في دمشق إلى ما يشبه المقبرة، على حدّ وصفها لبي بي سي عربي في مايو/أيار 2026. تكلّفها جرعات العلاج الكيميائي الشهرية نحو ستمئة دولار، أي ما يفوق دخلها ستّ مرّات، بعدما كانت تُصرف مجاناً قبل عامٍ ونيّف. وحكاية هبة، بما رافقها من حشراتٍ وقوارض وأسرّةٍ ملطّخة، ليست استثناءً عابراً؛ إنّها صورة مكثّفة لقطاعٍ يحاول النهوض من تحت ركام حربٍ طويلة.

لم يكن المشهد كذلك دائماً. فقد دخلت سوريا الحرب بلداً متوسّط الدخل بمؤشّراتٍ صحّية معقولة، قبل أن ينهار كلّ شيء؛ إذ تراجع متوسّط العمر المتوقّع من سبعين عاماً عام 2010 إلى خمسةٍ وخمسين عاماً عام 2015، وغادر البلاد أكثر من نصف أطبّائها الثلاثين ألفاً، وفقاً لمعهد بروكينغز. واليوم، تقدّر وزارة الصحّة أنّ نحو ثلاثين بالمئة من المستشفيات قد دُمّر، في بلدٍ لا يملك سوى خمسمئةٍ وستّة عشر مستشفى، منها مئةٌ وثمانية عشر مستشفى حكومياً فقط. وتكشف تقييمات البنية المتضرّرة لعام 2026 عمق الجرح؛ ففي حمص وحدها، تضرّر أكثر من نصف المستشفيات بين عطبٍ بليغٍ وتدميرٍ كامل. ويُضاف إلى ذلك حصيلة الألغام التي أزهقت سبعمئةٍ وخمساً وعشرين روحاً منذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتراجع التحصين ضدّ الحصبة من سبعةٍ وثمانين بالمئة إلى أربعةٍ وستّين بالمئة.

غير أنّ الجرح الأعمق ماليٌّ في جوهره. ففي بلدٍ يحتاج فيه نحو 12.8 مليون نسمة إلى رعايةٍ صحّية، لم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 سوى 3.7 بالمئة من أصل 3.19 مليار دولار مطلوبة، ولم يصل إلى شركاء القطاع الصحّي منها إلا ثمانية عشر مليون دولار. وفي حياة الناس، يشكّل العجز عن الدفع جداراً أول؛ إذ يضع مسح منظّمة ريتش في مايو/أيار 2026 الصحّة بين الحاجات الثلاث الأولى لدى نصف المجتمعات المشمولة، فيما تشكو ثمانٍ وسبعون بالمئة منها صعوبة الوصول إلى الخدمة، تتقدّمها كلفة العلاج الباهظة ثم غياب الدواء. ومن هنا تتّضح المفارقة القاسية: راتب الطبيب الحكومي بعد التعديل يدور حول ستّمئة دولارٍ شهرياً، وهو نفسه ثمن شهرٍ واحدٍ من علاج هبة.

في هذا المناخ، طفا نقاشٌ حسّاس حين تحدّث مسؤولون عن شراكةٍ مع القطاع الخاصّ في إدارة المستشفيات الحكوميّة، قبل أن يصدر نفيٌ رسميّ يؤكّد أنّ الصحّة ليست للبيع. والسؤال المطروح بقوّة هنا: كيف تُصان الصفة العامّة لنظامٍ نجا من الحرب، من دون أن يتحوّل المريض إلى مصدر دخل؟ تحذّر التجارب الدولية من خصخصةٍ ترفع الكلفة وتكرّس الفوارق الطبقيّة، في حين يبقى الإنفاق الحكومي محدوداً؛ إذ لم تخصّص موازنة عام 2024 للوزارة سوى ما يعادل مئةٍ وثلاثةٍ وستّين مليون دولار. أمّا وعد وزير الماليّة بمضاعفة الإنفاق على الصحّة والتعليم والرعاية ثلاث مرّات في عام 2026، فيبقى معلّقاً إلى أن تتأكّد أرقامه.

على أنّ الصورة لا تخلو من بصيص أمل. فعام 2025 كان أوّل عامٍ تستعيد فيه وزارة الصحّة قيادتها الكاملة للقطاع، بالتنسيق مع أكثر من مئة منظّمة عاملة، حتى قُدّمت نحو عشرين مليون استشارةٍ خارجيّة، ونحو عشرين مليون جرعة علاج. وأطلقت الوزارة الاستراتيجية الصحّية الوطنية للفترة 2026–2028، ودشّنت بوّابة الصحّة الرقميّة في خمسة مشافٍ، مع نيّة التوسّع، وعقدت ورشةً للمشاركة المجتمعيّة بالتعاون مع منظّمة الصحّة العالميّة والاتحاد الأوروبي. وفي موازاة ذلك، وقّعت مع بنك التنمية الألماني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مذكرةً لتأهيل خمسة مستشفيات وخمسةٍ وعشرين مركزاً صحّياً، يستفيد منها نحو 895 ألف مريض. كذلك، أُقرّت زيادةٌ بنسبة خمسين بالمئة على الأجور بموجب المرسوم 67، ورفعٌ إضافي موجّه للأطبّاء والممرّضين بموجب المرسوم 68. وتبرز الصناعة الدوائيّة المحليّة، التي يحميها قرار التسجيل والاستيراد رقم 4 لعام 2026، بوصفها ورقةً استراتيجيةً راهن عليها الوزير من جنيف حين تحدّث عن الانتقال من الطوارئ إلى التعافي المستدام.

ومن خلف هذه الخطوات، تتلمّس الحلول طريقها في خيطٍ واحد؛ فالمطلوب استبدال التمويل المتقطّع بشراكاتٍ مستدامة، وصون الطابع العامّ للنظام من خصخصةٍ تتسلّل عبر الأبواب الخلفيّة، وإتمام التحوّل الرقمي، وردم فجوة الكوادر عبر أجرٍ عادل، وتوزيعٍ متوازن بين المحافظات، وتدريب عشرة آلاف عاملٍ صحّي. ويظلّ الدواء المحلي وإتاحته في صلب هذه الأولويات، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسّسة عبر الوقاية والمشاركة المجتمعيّة.

تبقى المحصّلة معلّقةً على سؤالٍ أخلاقيّ قبل أن تكون إداريّة: هل يعود المشفى العامّ مكاناً للرعاية، أم يستقرّ متجراً تُقسَّم أرباحه؟ في غرفة هبة ناصر، حيث تُضيء الهواتف ما عجزت الكهرباء عن إنارته، يتّضح أنّ امتحان التعافي المستدام لا يُقاس بعدد المشافي المرمّمة وحدها، بل بأن يبقى الدواء حقاً لا امتيازاً، وأن يظلّ المستشفى رمزاً لتكافل المجتمع، لا مقبرةً للفقراء.

المصادر

بي بي سي عربي، شهادة هبة ناصر، مايو/أيار 2026.
خطة الاستجابة الإنسانية ونشرة القطاع الصحي، OCHA/WHO، مارس/آذار 2026.
مسح رصد الوضع الإنساني، منظّمة ريتش، مايو/أيار 2026.
بروكينغز، الحرب على النظام الصحي السوري.
وكالة سانا: بوابة الصحة الرقمية، ورشة المشاركة المجتمعية، وتصريحات وزير الصحة من جنيف.

الهوية التي تُفَصَّل لسوريا تفتح الطريق للمزيد من سفك الدماء

الهوية التي تُفَصَّل لسوريا تفتح الطريق للمزيد من سفك الدماء

تُبنى الأُمَمُ على أساسِ تعميقِ الهويّة، فتنفتحُ على الجذور، وتوسّعها وتشملُ كلَّ المكوّنات على جغرافيّتها، ومن ثمّ الاحتفاء بها. تضعُ الشعوبُ هويّتَها على صدرِها كوسامِ استحقاق؛ إنّها إرثُ الأجداد، والعتبةُ التي ستنطلقُ منها نحو المستقبل، لكن في المقابل، الهوية الحقيقيّةُ، ليست إرثًا مقدّسًا لا يمكن المساس به. فهي تعيدُ خلقَ نفسِها باستمرار على أساسِ الحوار. الحوارُ مع الماضي يهدفُ إلى الهدمِ كما إلى البناء: هدمِ الميّت والبناءِ على ما هو حيّ. كما أنّ هذا الحوار لا يمكن أن يتمّ بمعزلٍ عن الآخر؛ لا بدّ من الحوار، والانفتاح على هويّاتٍ مختلفةٍ، كي نفهمَ ونعيدَ خلقَ أنفسِنا.

أمّا تشويهُ هويّةِ شعبٍ ما، فقد يكون تمهيدًا لاستعمارِه، ثقافيًّا أوعسكريًّا. الاستعمارُ الثقافي قد يكون أشدّ خطرًا من الاستعمار القائم على الوجود العسكري، فلمَ على المستعِمرِ أن يرسلَ جيوشَهُ، طالما أنّهُ قادرٌ على خلقِ شعبٍ خاضعٍ باستخدامِ وسائلَ ناعمة؟ يتمّ هذا التشويه عن طريقِ تجريدِ الشعوبِ من جذورِها، فتفقدُ معنى الحاضر كما تفقدُ بوصلةَ المستقبل. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ يتمّ تجريدها من كرامتِها، وصولًا ربّما إلى تجويعِها، كي تتحوّل إلى قطعانٍ تائهةٍ تسهلُ قيادتُها إلى الحقدِ والحروب.

و إذا كان الفنّ أداةَ وعي، فهو بالتالي إحدى أدواتِ بناء وصناعة الهويّة. يحملُ الفنُّ الأصيل الماضي على ظهرِه، ويُبدعُ المستقبل. من خلالِه نستطيعُ أن نقرأَ ذاتَنا الممتدّةَ عبر الزمن، كما من خلالِه نوسّعُ الرؤيا كي نتحرّر. في الحقيقة، العلاقةُ بين هويّةِ شعبٍ ما وفنونِه هي علاقةٌ جدليّة؛ متى فقدها فقدَ ذاتَه.

 تفقدُ الشعوبُ ذاتَها عندما تتحجّرُ في الماضي، فتتحوّل فنونُها إلى تكرارٍ فاقدٍ للحيويّة، كما تفقدُ ذاتَها عندما تصبحُ تابعةً لغيرها، فتكفُّ فنونُها عن البحثِ، وتوليدِ، وتجديدِ الهويّة، لتُعيدَ إنتاجَ الآخر واستنساخَه. لستُ أبالغ إن قلتُ: إنّ إخصاءَ الشعوب يتطلّبُ إخصاءَ فنونِها، والعكسُ صحيح. هذا الإخصاءُ هو فعلٌ خارجي، كما هو فعلٌ داخلي؛ فقد يسيرُ شعبٌ إلى الجهلِ والتبعيّة بكاملِ إرادتِه، أو يُساقُ إلى هذا المستنقع عبر قوى خارجيّة.

يقدّم الطبيبُ الفرنسيّ وعالمُ الاجتماع والمتخصّصُ في الأنثروبولوجيا، غوستاف لوبون، مجموعةً من المؤلّفات، ربّما أهمّها “سيكولوجية الجماهير”. يسلّط لوبون الضوء على علم نفس الجماهير، هذا العلم الذي يُعتبَر سلاحًا ذا حدّين؛ فهو من ناحية قد يزيدُ مساحةَ الوعي لدى الفرد ويمنعُه من الانخراط في فوضى ولامعقوليّة الجماعة، ومن ناحيةٍ أخرى يُلهمُ الدكتاتوريّات والفاشيّات والمتحكّمينَ بالشعوب، إذ يقدّم لهم أساليبَ وألاعيبَ السيطرة على الجموع. ربّما وسائلُ التواصل الاجتماعي، وما وفّرته من منصّاتٍ تستطيعُ أن تصلَ إلى عقلِ المستخدم كلمةً وصوتًا وصورةً، هي الأداةُ الأشدّ تأثيرًا والأقدرُ على تسخير علم نفس الجماهير من أجل تَسييسِ وتَسييرِ الشعوب.

ألا يتّضحُ يومًا بعد يوم أنّ مفهوم العولمة يحمل بين طيّاتِه مشروعَ هيمنة؟ حيث تفقدُ السياساتُ المحليّة تأثيرَها وسلطتَها، مقابل السياسات العالميّة وما يطبخُه لنا “رعاةُ”، أو بالأحرى طغاةُ العالم. ربّما يقومُ مشروعُ الدولة على صناعة وبناء هويّةٍ وطنيّة، أمّا مشروع الهيمنة على العالم فيقتضي نزعَ مفهوم الهويّة من جذورِه، والقضاءَ على الفكر الوطني في سبيل فكرٍ عولمي، سيحوّل الجماهير إلى قطعانٍ مستهلِكةٍ، تائهةٍ، وحكّامُهم إلى مهرّجين.

يستخفّ لوبون بعقلِ الجماهير، وليس بقوّتِها؛ إذ يعتبرُها غوغائيّةً، ماضويّةً، غيرَ واقعيّة، تحرّكُها الغرائزُ البدائيّة. تثورُ وتغضبُ وتدمّر، لكنّها في النهاية تعودُ لتركنَ إلى الماضي. الجماهيرُ برأيه محافظةٌ، لا بل رجعيّة، على الرغمِ ممّا يبدو عليها من ثورة.

أمّا الفنونُ والآداب، وعلى اعتبارِها تنطلقُ من موهبةٍ وتجربةٍ ذاتيّةٍ جوهرُها الوعي، فقد تكون أدواتِ مقاومة، كما قد تكون بوصلةً توجّهُ الجماهيرَ الغاضبة، وتهذّبُها، وتحدُّ من غوغائيّتِها. نستطيعُ أن نقول: إنّ الفنَّ هو عدوُّ الطغاة والمستبدّين في العالم، أمّا الغوغاءُ فقد تكون أداتَهم. هل يجب بالتالي إخصاءُ الفنون والآداب كي تتحوّل إلى خادمٍ هي الأخرى؟ أعتقد أنّه مشروعٌ محلّيّ أخذه على عاتقه طغاةُ الداخل، كما أنّه مشروعٌ عالميّ، عولمي، يهدفُ إلى تحييدِ الفنون والآداب، على اعتبارها قد تكون بقعةَ ضوءٍ أو وعي، تشوّشُ على مشروع الهيمنة.

عندما نقول إخصاءَ الفنون والآداب، فهذا يعني تسطيحَها، وإفراغَها من الثيمةِ الأهمّ في الصيرورة الإبداعيّة، ألا وهي الثقافة التي تؤدّي إلى بناء الفكر الحرّ. لا بدّ للفنّان أو الكاتب أن يكون صاحبَ فكرٍ حرٍّ، كي تتحوّل موهبتُه إلى أداة وعي، وبالتالي تحرّر. أمّا إفراغُ الفن من الفكر، فسوف يؤدّي إلى تحوّل الفنانين إلى ببّغاوات يؤدّون الدور الذي يُطلب منهم، بعيدًا عن الصيرورة التي تؤدّي إلى بناءِ الهويّة. بحسبِ إدوارد سعيد، فإنّ المثقّف هو من يتمتّع بموهبةٍ خاصّة تمكّنه من حمل رسالةٍ ما، أو تمثيل وجهة نظرٍ ما، أو موقفٍ ما، أو فلسفةٍ ما، أو رأيٍ ما، وتجسيد ذلك والإفصاح عنه لمجتمعٍ ما.

فيما يخصّ بناء الهويّة السورية مثلاً، يتم منذُ السقوط تم تداول مصطلح “سوريا الجديدة”، كإشارة إلى مرحلةٍ من المفترض أن تكون أكثر عدالةً وحرّيّة لكلّ السوريين. المصطلح يحمل بين طيّاتِه مشروعَ بناء هويّة جديدة، تقوم على قطيعةٍ مع الماضي على اعتباره صنيعةَ النظام البائد. هناك تخبّطٌ واضح فيما يخصّ سؤال الهويّة السوريّة، وهو ما يُربك الواقع السوريّ اليوم ويقسّمه، كما أنّه يمهّد الأرضَ من أجل مزيدٍ من العنف والدم. ربما من حقّ وواجب الشعوب بعد الصراعات الطويلة، والحروب الأهليّة أن تعيد النظر في ذاتِها، وأن تعيد بناء هويّتِها، لكن في الحقيقة، مفهوم الهويّة يقوم على إعادة فهم التاريخ والانطلاق منه من أجل خلق حاضر جديد. ربّما الأفضل أن نقول “سوريا المُتجدّدة”، فعندما نتحدّث عن سوريا، إنّما نتحدّث عن حضارة ممتدّة لآلاف السنين، لا يمكن اختصارها بعائلة حكمت فترةً من الزمن، كما لا يمكن إلباسها هويّة مفصّلة على مقاس مصالح القوى المسيطرة على المشهد.

أمّا الثقافة التي من المُفترض أن تكون أداتَنا في هذه المرحلة الحَرِجة، ألم تدخل، ومنذ اندلاع الثورة، الصراعَ هي الأخرى؟  من خلالِ حملات التَخوينٍ وبالتالي الإقصاء، التي يقودُها غالبًا المثقّفون ضدّ بعضهم البعض، وتشعلُ نيرانَها الجماهيرُ الغاضبة، تقوم هذه الحملات تحت شعاراتٍ أخلاقيّة، لكنّها في العمق جزءٌ من الخراب المُمنهج الذي غزا البلاد؛ هنا يتمّ قتل الثقافة عن طريق تخوينِها، ومن ثمّ تسليمها إلى الغوغاء كي يقطّعونها إربًا إربا.

سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

لا تبدو سوريا اليوم كبلدٍ يتجه نحو الاستقرار بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً لا تشبه البلدان المنهارة التي فقدت كلّ أشكال الحياة العامة. هي تقف في منطقة رمادية شديدة التعقيد، تتجاور فيها محاولات إعادة بناء الدولة مع تصاعد الشكوك حول قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية: إنتاج الشعور بالأمان.

خلال الأشهر الأخيرة، بدا وكأنّ السوريين يتابعون سلسلة لا تنتهي من الوقائع المتناثرة: حوادث أمنية، جرائم قتل وخطف، توترات محلية، حملات مقاطعة، سجالات طائفية، وخطابات متبادلة يغلب الخوف عليها أكثر مما يغلب النقاش. لكن قراءة هذه الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة قد تحجب عنا ظاهرة أعمق آخذة في التشكل داخل المجتمع السوري؛ ظاهرة لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض، بل بكيفية فهم الناس لما يحدث، وكيف يعيدون بناء علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

لقد اعتاد السوريون لعقود طويلة على شكلٍ محدد من الخوف. كان الخوف مركزياً، تصنعه الدولة وتديره وتحتكره. لم يكن المواطن مضطراً إلى تفسير مصادر التهديد بنفسه، لأنّ الدولة، بكل ما لها وما عليها، كانت تحتكر تعريف الخطر وتحديد مصادره ووسائل التعامل معه. أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً. فلم يعد الخوف مركزياً، إنما موزعاً على المجتمع نفسه. لم تعد هناك رواية واحدة للتهديد، إنما عشرات الروايات المتنافسة. ولم يعد السوريون يعيشون داخل خوف واحد، بل داخل مجموعة من المخاوف المتجاورة التي تنتجها الجماعات والأفراد ووسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أسرع بكثير مما تنتجه الوقائع نفسها. لهذا يمكن القول إنّ سوريا تدخل تدريجياً مرحلة جديدة يمكن تسميتها بخصخصة الخوف.

لا يعني ذلك أنّ الدولة اختفت أو أنّ المؤسسات لم تعد موجودة، بل يعني أنّ الخوف لم يعد ينتظر تفسيراً رسمياً كي يتشكل. بات كل فرد أو جماعة أو بيئة اجتماعية تنتج تفسيرها الخاص للمخاطر المحيطة بها، وتبني على أساسه مواقفها السياسية والاجتماعية. وهنا لا يصبح الخوف مجرد شعور عابر، إنما يتحول إلى إطار كامل لفهم الواقع.

من يحتكر الخوف إذاً؟

في العلوم السياسية، تحتكر الدولة الحديثة حق استخدام القوة، لكنها تحتكر أيضاً وظيفة أكثر أهمية: إنتاج الشعور العام بالأمان. حين يثق المواطن بأنّ القانون سيحميه، لا يعود مضطراً للبحث عن حماية بديلة. وحين يثق بأنّ العدالة ستأخذ مجراها، لا يشعر بالحاجة إلى الاحتماء بالطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الجماعة السياسية. لكن حين تتراجع هذه الثقة، يبدأ المجتمع بإنتاج منظوماته الأمنية الخاصة. وهنا لا يعود الخوف شعوراً فردياً، بل يتحول إلى هوية سياسية.

العلوي لا يخاف من حادثة محددة بقدر ما يخشى فكرة الانتقام الجماعي. والسني لا يخاف من شخص بعينه بقدر ما يخشى عودة أشكال جديدة من الاستبداد. والمسيحي يخشى التهميش وفقدان الحضور. والدرزي يخاف من فرض إرادات خارج بيئته المحلية. والكردي يخاف من الإقصاء السياسي أو الثقافي. وحتى المواطن الذي لا ينتمي إلى أيّ خطاب سياسي واضح بات يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الخصوم السياسيين.

هذه المخاوف ليست أوهاماً بالضرورة، كما أنها ليست حقائق مطلقة. لكنها أصبحت العدسة التي يقرأ السوريون من خلالها كلّ حدث يقع أمامهم. وهذا ما يجعل أيّ حادثة فردية قابلة للتحول إلى دليل على صحة الخوف المسبق. فالعقل الخائف لا يتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها إشارات تؤكد ما كان يعتقده أصلاً. وهنا تنتقل السياسة من إدارة الوقائع إلى إدارة المخاوف. والأخطر أنّ الخوف لم يعد مجرد شعور اجتماعي، بل أصبح مادة متداولة في المجال العام. على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض المنابر السياسية والإعلامية، نشأ ما يشبه “سوق المخاوف”. كل طرف يعرض بضاعته الخاصة من الهواجس والتهديدات، وكل حادثة جديدة تتحول إلى فرصة لإثبات أن الخطر الذي حذر منه كان حقيقياً. وبدلاً من أن تتنافس القوى المختلفة على إنتاج الثقة، بات كثير منها يتنافس على إدارة القلق وتوجيهه واستثماره.

حين تصبح المخاوف أقوى من الوقائع

هنا تبرز أهمية الفيلسوف كارل بوبر ومبدأ “القابلية للتكذيب”. كان بوبر يرى أنّ الفكرة الجيدة ليست تلك التي تستطيع تفسير كل شيء، بل تلك التي يمكن اختبارها وإثبات خطئها إذا تعارضت مع الواقع. أما الفكرة التي تفسر كل شيء فهي في الحقيقة لا تفسر شيئاً، لأنها تحوّل نفسها إلى عقيدة مغلقة لا تسمح بمراجعة ذاتها.

هذه الفكرة تبدو لي شديدة الصلة بما يجري في سوريا اليوم. فكثير من السوريين باتوا يمتلكون فرضيات جاهزة عن المستقبل وعن الآخرين وعن المجتمع نفسه. إذا وقعت جريمة، اعتبرها البعض دليلاً على انهيار الدولة. وإذا حدث توتر محلي، اعتبره آخرون دليلاً على اقتراب حرب أهلية. وإذا وقع اعتداء على فرد من جماعة معينة، تحول فوراً إلى إثبات لصحة مخاوف جماعته بأكملها. لكن السؤال الذي يغيب غالباً هو: ما الذي يمكن أن يدحض هذه الفرضيات؟ وما الحدث الذي قد يدفع أصحابها إلى إعادة النظر فيها؟

إذا كانت كل حادثة تؤكد القناعة المسبقة، وإذا كانت كل واقعة جديدة تُفسَّر ضمن الرواية نفسها، فإننا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام منظومة مغلقة من المخاوف. وعند هذه النقطة يصبح الخوف أشبه بعدسة معتمة. فهو لا يساعد على فهم الواقع، بل يعيد تشكيله وفقاً لما نخشاه. وتصبح الأخبار والأحداث والوقائع مجرد مواد خام تُستخدم لتغذية السردية القائمة مسبقاً. هنا تحديداً تكمن خطورة خصخصة الخوف، لأنها لا تجعل الناس خائفين فقط، بل تجعلهم أسرى تفسيرات لا تقبل المراجعة.

من الخوف إلى إعادة تشكيل المجتمع

التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة. ففي لبنان، لم يبدأ التفكك الحقيقي عندما اختلف اللبنانيون حول السياسة، بل عندما فقدت الدولة قدرتها على لعب دور المرجع الأمني المشترك. وعندما انتقلت الثقة من المؤسسات إلى الجماعات، تحوّلت المخاوف المتبادلة إلى حقائق سياسية قائمة بذاتها. لم يعد الناس يسألون ما إذا كان الخطر حقيقياً أم لا، بل أصبحوا يتصرفون انطلاقاً من افتراض أنه موجود سلفاً.

المشهد العراقي بعد عام 2003 سار في اتجاه مشابه. فالأزمة لم تكن في التنوع الاجتماعي أو المذهبي بحد ذاته، بل في اقتناع قطاعات واسعة من المجتمع بأنّ الجماعة باتت أكثر قدرة على توفير الحماية من الدولة نفسها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القناعة إلى واقع سياسي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع معاً.

التحول الأخطر لا يحدث عندما يزداد الخوف، بل عندما يصبح الخوف منظماً. عندما يبدأ الناس بتشكيل خياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساسه. وعندما تتحول الطائفة أو المنطقة أو الجماعة إلى بديل نفسي عن الدولة. من هذه الزاوية، لا تبدو القضية السورية اليوم أزمة تعايش بين المكونات بقدر ما تبدو أزمة ثقة في الجهة التي يفترض أن تدير هذا التعايش. فالخوف لا يملأ الفراغ وحده، بل يملأ الفراغ الذي تتركه الثقة حين تغادر.

الحلقة المغلقة للخوف

تكمن المفارقة في أنّ معظم السوريين، وعلى اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يعتقدون أنهم يتصرفون بدافع الحذر. وهذا أمر مفهوم في مجتمع خرج من حرب طويلة وموجعة. لكن المجتمعات لا تتشكل فقط بما يخشاه أفرادها، بل أيضاً بالطريقة التي يتصرفون بها نتيجة هذا الخوف. فالخوف من الآخر قد يدفع إلى الانكفاء عنه. والانكفاء يولد مزيداً من الجهل المتبادل. والجهل ينتج مخاوف جديدة. ثم تعود هذه المخاوف لتبرر مزيداً من الانكفاء والعزلة. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مغلقة يصبح فيها الخوف منتجاً للخوف، لا مجرد استجابة له.

في هذه الحالة لا يعود الخطر الحقيقي هو الحادثة نفسها، بل الأثر التراكمي الذي تتركه في الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تُبنى فقط عبر المؤسسات والقوانين، بل عبر الثقة اليومية التي تسمح للناس بالعيش معاً رغم اختلافاتهم. وحين تتآكل هذه الثقة، يبدأ الخوف بالعمل كقوة سياسية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل السلوك العام والعلاقات الاجتماعية وحتى التصورات المتعلقة بالمستقبل.

فما الذي يجب مراقبته؟

ربما يخطئ كثيرون عندما يراقبون عدد الحوادث الأمنية أو حجم السجالات على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن مؤشرات المستقبل. المؤشر الأهم ليس عدد الحوادث، بل الطريقة التي يفسرها الناس بها. هل ما زال السوري يرى نفسه مواطناً تعرّض لخطر عابر؟ أم بات يرى نفسه عضواً في جماعة مستهدفة على الدوام؟ هل ما زال يعتقد بأن الحل يجب أن يأتي من القانون؟ أم أصبح مقتنعاً بأنّ الحماية لا تأتي إلا من الجماعة؟ وهل ما زالت الدولة تُنظر إليها باعتبارها المرجع النهائي للحقوق والواجبات؟ أم أنها بدأت تفقد هذه المكانة لصالح شبكات الانتماء الأصغر؟

هنا تحديداً يتحدد اتجاه البلاد. ليس في عدد المنشورات الغاضبة، ولا في عدد البيانات السياسية، بل في الإجابة اليومية الصامتة التي يقدمها السوريون لهذه الأسئلة.

ونصل في الختام إلى أنّ المشكلة الكبرى في سوريا اليوم قد لا تكون حجم الخوف المنتشر بين الناس، بل الطريقة التي يُدار بها هذا الخوف ويُعاد إنتاجه. فالمجتمعات تستطيع العيش مع اختلافاتها، وتستطيع تجاوز جراحها، بل وحتى إعادة بناء نفسها بعد الحروب. لكن المهمة تصبح أكثر صعوبة عندما يتحول الخوف إلى مؤسسة غير معلنة، وعندما تصبح كل جماعة مسؤولة عن إنتاج روايتها الخاصة للتهديد، وحين تتراجع الثقة المشتركة لمصلحة مخاوف متجاورة لا يجمع بينها سوى القلق. حينها لا يعود السؤال: من يخاف ممن؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت كلّ جماعة سورية تمتلك اليوم خوفها الخاص، فمن يمتلك بعدُ القدرة على إنتاج الثقة المشتركة؟

بين الجفاف والفيضان تتداعى البلاد

بين الجفاف والفيضان تتداعى البلاد

ثمة شيء مشترك بين الموت عطشاً والموت غرقاً بأن الضحية دائما هو الإنسان السوري البسيط الفقير والمهمش، فعلى مدى ثمان وثلاثين عاماً من الجفاف تناقص منسوب نهر الفرات إلى حد كبير مما أثر على المعدل العام للزراعات التي يعتمد عليها أغلب سكان دير الزور والرقة، حيث كانت نسبة المياه المتدفقة للأراضي السورية لا تتجاوز 200 متر مكعب رغم أن النسبة المتفق عليها مع الحكومة التركية تبلغ 500 متر مكعب وقبل إنشاء  سد الفرات وسد تشرين كانت الأضرار كثيرة ومتعددة نتيجة الفيضان الموسمي للنهر أهمها تدمير المحاصيل الزراعية الموسمية.

نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 على المشاركة العادلة والمعقولة (المادة 5): يحق لكل دولة من دول المجرى المائي الاستفادة من مياهه داخل إقليمها بطريقة منصفة وتراعي مصالح الدول الأخرى وكذلك الالتزام بعدم إلحاق الضرر (المادة 7): تُلزم الاتفاقية الدول باتخاذ كافة التدابير المناسبة لمنع التسبب في “ضرر ذي شأن” للدول الأخرى التي تتشارك معها نفس المجرى المائي والإخطار بالتدابير المزمعة كما تفرض الاتفاقية على الدول تبادل المعلومات وإخطار الدول الأخرى بأي مشاريع أو إجراءات قد يكون لها تأثير سلبي على المجرى المائي قبل تنفيذها، إما لجهة التعاون وتبادل البيانات (المادة 9): تلتزم الدول بتبادل البيانات والمعلومات بانتظام بشأن حالة المجرى المائي. الاتفاقية التي وافقت سورية عليها ورفضتها تركيا وتتابعت الاتفاقيات بعدها المجحفة بحق سوريا وخاصة اتفاقية أضنة عام 1998.

تتباين الأسباب والاتهامات المتبادلة المسببة للكارثة البيئية المتعلقة باندفاع مياه نهر الفرات واجتياحها لحياة وأرزاق الناس في الرقة ودير الزور بعد عقود من الجفاف استقر فيها الناس على سرير النهر وبنيت مطاعم واستراحات وزراعات عليه، ولسنين طوال بقيت تركيا تحتجز مياه النهر غير عابئة بانهيار القطاع الزراعي في البلد إلا أن موجة الأمطار الكثيفة في المواسم الماضية جعلت منسوب سدودها والمياه المحتجزة في أعلى طاقة لها مما أجبرها على الإفراج عن المياه باتجاه سورية التي أنهكتها حرب عطلت الحياة بأكملها، لذا كان من الطبيعي أن لا تكون مستعدة لهكذا إجراء. 

يقال إن تركيا أعلنت قبل أسبوع أنها ستفتح بوابات سد أتاتورك وأنها ستفتح المياه إلى مجرى النهر في سورية ولكن هل هذا كاف ؟؟

وإذا كان الأمر صحيحاً فالسؤال هنا لماذا لم تتخذ الإجراءات الكافية لمواجهة الكارثة؟! هل لضعف الإمكانية التقنية والعلمية للتصدي لمشكلة من هذا النوع أم نتيجة الإهمال والتراخي في حل المشكلات العاجلة؟ ولكن أضعف الإيمان إنذار السكان بالخطر المحدق قبل وقت مناسب.

في العودة إلى بدايات قيام السد على نهر الفرات الذي كان يفيض سنوياً ويؤدي إلى انجراف التربة الزراعية الخصبة وانقطاع طرق النقل والتجارة بين القرى بالإضافة لغرق القرى الطينية والمنازل التقليدية ونفوق أعداد كبيرة من المواشي وانتشار الأمراض والأوبئة المرتبطة بالمياه الراكدة.

ورغم اعتراض البعض على ما عرف بأراضي الغمر التي غطت أراضي الفلاحين لم يتم تعويضهم بما يعادلها فيما بعد إضافة إلى المناطق الأثرية الهامة التي غمرتها البحيرة والقرى الصغيرة التي غطتها المياه، وهنا إشكالية التساؤل الأخلاقي أيها الأهم ماضي البلاد والأسلوب العادل والتقليدي للزراعة أم مستقبلها ومستقبل الوطن، هذا إذا افترضنا النوايا الحسنة للتخطيط والبناء المستقبلي للاقتصاد الزراعي في البلد. 

وعليه تم إنشاء سد الفرات في سوريا خلال سبعينيات القرن العشرين وقد بلغت الطاقة التخزينية الكبيرة للبحيرة القائمة على السد 14 مليار متر مكعب، ساهمت بتنظيم تدفق مياه نهر الفرات ودعم مشاريع الري والزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية والحماية من الفيضانات الموسمية المدمرة. 

ولكن خلال العقود الأخيرة ونتيجة السياسات التركية وغياب شراكة حقيقية في إدارة نهر مشترك، انخفض المنسوب التخزيني للنهر مما أثر في إنتاج الطاقة الكهربائية بشكل كبير وخاصة نتيجة الخلل الذي أصاب السد نتيجة خروج أربع عنفات من أصل ثمانية عن الخدمة أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الرقة. واليوم يفيض النهر بشكل غير مسبوق ومفاجئ وللمرة الأولى تفتح أربع بوابات مفيض لم تفتح منذ أكثر من ثلاثين عاماً. 

ينبع نهر الفرات من تركيا على مساحة 1070 كيلومتراً ويمر بالأراضي السورية عبر أكثر من 600 كيلومتر وبعدها يدخل في الأراضي العراقية، مما منح تركيا إمكانية لتحكم قبضتها على المياه المنحدرة من أراضيها لبناء سدود ضخمة عليها وخاصة سد أتاتورك الذي قاربت طاقته التخزينية 48 مليار متر مكعب ويعتبر خامس سد على مستوى العالم وعليه تتحكم تركيا بكل قطرة مياه متجهة جنوباً.

بدأ العمل بسد الفرات عام 1968 ولكن بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 عمل على  أن تكنى البحيرة القائمة عليه باسمه، و نتيجة الجفاف الكبير الذي أصاب المنطقة خلال مدة طويلة  تسببت بانحسار المياه عن سرير السد تمدد السكان ببناء البيوت والمطاعم والمنتزهات ومنشآت في تلك المنطقة مما جعل فيضان النهر بهذه الطريقة كارثة بيئية من الطراز الأول، ولا يمكن تسميته فيضاناً بل اجتياح وتدفق غير مسبوق للمياه نتيجة سبب معروف، إذ قيل أن ارتفاع النهر الجديد قارب أكثر من مترين فوق معدله الطبيعي وتوقف عدد كبير من محطات المياه نتيجة وصول المياه إليها، بالإضافة لفقدان إمكانية التواصل والعبور والنجاة  نتيجة نسف الجسور المشادة نتيجة النزاعات السياسيةالماضية.

  عند العجز التقني والإداري عن مواجهة كارثة بحق البشر والبيئة ماذا نفعل ومالعمل وهل نبقى واقفين، طالب الكثيرون بطلب إعلان منطقة الفيضان بدير الزور والرقة منطقة منكوبة كي يتسنى للدول الصديقة مد العون لإنقاذ ما تبقى لأن الكارثة مستمرة وما من نفير عام لدرء المزيد من انعكاسات الكارثة. 

مشاريع كثيرة بعد سقوط النظام بإعادة بناء جسر دير الزور المعلق وخاصة بعد تبرعات كثيفة من رجال الأعمال ولكنها بقيت حبراً على ورق لم ينفذ منها شيء. المشكلة بعقل من لا يستطيع تحديد الأولويات المهمة بالنسبة لحياة الناس ومن لا يستطيع استقراء الآتي.

 أيام عيد والناس بحالة الفرح وأهلنا في الدير والرقة يشيعون أطفالهم الذين قضوا غرقاً مشهد أليم وموجع، ويحلو للبعض أن يتشفى من مصائب الغرق والفيضان وتتم الشماتة بمن لم يساندوا كوارث الآخرين ويعزوها لمواقف سياسية، لكنهم ينسون أنهم بذلك يزيدوا بتعميق جراحات البلد المثخنة، وأن الكارثة ستنعكس على الجميع، ولا حياة لبلد إلا بتضافر جهود جميع أبنائه وتجاوز الخلافات والعمل من أجل المصلحة العامة. 

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.

وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.

والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.

خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟

من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.

الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.

نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.

يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.

تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.

وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.

تقارير متناقضة عن الخطف

صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.

لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.

هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.

نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.

بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.