by سالي علي | Oct 18, 2026 | Cost of War - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
في صباح أكتوبر مددت يدي نحو سترتي المعلّقة خلف الباب، وأدخلت رأسي في قبّتها الطويلة قبل أن أخرج. فعلت ذلك بلا تفكير، كما أفعل كل يوم ثم توقفت لحظة وأنا أشعر بالقماش يحيط برقبتي. كانت دافئة، وهذا كل ما أريده؛ لكنها كانت تضغط قليلاً أيضاً، بالقدر الذي يجعلني أشعر بوجودها طوال الوقت. فكرت أنني أرتدي شيئاً يشبهنا نحن!! لا أقصد السوريين الذين يخافون من البرد، بل أولئك الذين عاشوا زمناً طويلاً وهم يخلطون بين الأمان والنجاة،وبين الصمت والهدوء، وبين انتهاء الخطر وانتهاء الخوف. أحياناً ينتهي الشيء الذي كنا نخاف منه، لكنّ الجسد لا يعرف ذلك فوراً. يبقى مستنفراً، يصغي إلى صوت الباب، يراقبُ الشارع من طرف العين، ويحتفظ دائماً بمسافة صغيرة بينه وبين الطمأنينة، كأنّ عليه أن يكون مستعداً للهرب حتى في اليوم الذي لم يعد فيه أحد يطارده. ربما لهذا لم أعرف، بعد كل ما تغيّر في سوريا كيف أفرح بطريقة كاملة.
لم تكن المشكلة في الفرح نفسه فقد كان موجوداً، واضحاً، جارياً في الشوارع والبيوت والوجوه التي شعرت للمرة الأولى بأنّ شيئاً ثقيلاً أزيحَ عن صدورها. لكن الفرح، حين يأتي بعد خوف طويل، لا يدخل إلى الإنسان من الباب نفسه الذي يدخل منه في الحياة العادية. بل يدخل مترددا يرفع رأسه قبل أن يخطو، ينظر حوله ثم يجلس قريباً من الباب. كأننا لا نعرف بعد إن كانَ مسموحاً لنا أن نفرح.
أحياناً أخرج من البيت فأجد وجوهاً أكثرُ خفة مما اعتدته في السنوات الماضية. الناس يتحدثون بصوتٍ أعلى، يضحكون في الطريق، يناقشون ما كان من المستحيل مناقشته، ويتصرفون كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح أوسع. لكن شيئاً ما يبقى في الوجه، شيء لا تستطيع الكاميرا التقاطه بسهولة؛ التفاتة سريعة، صمتٌ مفاجئ، ذلك الجزء من الإنسان الذي يواصل العمل حتى بعد أن تنتهي مهمته. فالخوف لا يعيش في الأخبار وحدها بل يعيش في العضلات. في الطريقة التي نمسك بها الهاتف، في الأبواب التي نغلقها مرتين. في السؤال الذي لا نطرحه. في الجملة التي نعيد صياغتها قبل أن نقولها. في عين تراقب الطريق قبل أن تعبره، وفي أمّ لا تستطيع أن تتوقف عن الاتصال بابنها، حتى بعدما يصبح الاتصال عادياً ولا يحمل سبباً واضحاً؛لهذا لا يكفي أن نقول للإنسان إنّ زمن الخوف انتهى فهو يحتاج إلى أن يصدّق ذلك بجسده أيضاً.
ربما كانت هذه هي أصعب مراحل ما بعد الخوف؛ أن تكتشف بأن الخلاص من مصدر الرعب لا يعني الخلاص من الرعب نفسه. السلطة تستطيع أن تسقط، والصور أن تنزل عن الجدران، والخطابات أن تتغير، لكنّ السنوات التي أمضيناها ونحنُ نتعلم كيف نحمي أنفسنا لا تختفي بالسرعة نفسها. الخوف الذي كان يأتي من الخارج يجد له بعد فترة غرفة صغيرة في الداخل، ويقرر البقاء فيها حتى بعد أن يغادر أصحاب البيت. وهنا يصبح السؤال أقل تعلقاً بالسياسة وأكثرُ قرباً من الإنسان: ماذا يفعل شخص نجا، لكنهُ لم يتعلم بعد كيف يعيش بوصفه ناجياً؟
أفكر في ذلك أحياناً، فلا يحدث شيء استثنائي، لا أخبار عاجلة، ولا أصوات في الخارج، ولا سبب واضح للقلق. ومع ذلك أشعر بأنني في حاجة إلى شيء يحميني من شيء لا أستطيع تسميته. ربما لهذا أعود إلى الله في بعض الأيام بطريقة تشبه عودة الطفل إلى يد أمه، ثم أبتعد في أيام أخرى، لا لأنني فقدت إيماني بل لأنّ الحياة حين تهدأ تجعلني أنسى حاجتي إلى من أطلب منه الطمأنينة.. نحن نتذكر الله جيداً حين تضيق المساحة حولنا، ثم ننسى أن نبحث عن علاقة به حينَ تتسع. كأننا نستخدم الإيمان أحياناً كما نستخدم بطانية في ليلة شديدة البرودة: نبحث عنها حين نرتجف ثم نرميها جانباً حين نشعر بالدفء.لكنني لا أريد هذا النوع من العلاقة.أريد إيماناً لا يحتاج إلى كارثة كي يظهر، ولا إلى خوف كي يصبح ضرورياً. أريد أن يكون الله موجوداً في الأيام التي لا يحدث فيها شيء، في صباح عادي، وفي فنجان قهوة، وفي طريق العمل، وفي تلك اللحظة التي أرتدي فيها سترتي قبل الخروج من البيت. ربما لأنني تعبت من الأشياء التي لا تظهر إلاّ عندما يصبح كل شيء على وشكِ الانهيار.
لقد عشنا زمناً طويلاً ونحنُ ننتظر حدثاً كبيراً كي تتغير حياتنا. ثم جاء التغيير واكتشفنا أن الحياة لا تعرف كيف تبدأ من جديد بمجرد أن ينتهي القديم.النجاة نفسها تحتاج إلى تعلّم. نحتاج أن نتعلم كيف نثق من دون سذاجة، وكيف نختلف من دون أن نرى في الاختلاف تهديداً، وكيف ننام من دون أن نضع أذننا على باب الغد، وكيف نسمح لأطفالنا أن يخططوا للمستقبل من دون أن نضيف في نهاية كل خطة جملة صغيرة عن احتمال أن يتغير كل شيء. وربما لا توجد صورة أكثرُ قسوة لهذه المرحلة من طالب سوري يريد أن يذهب إلى امتحانه، لكنهُ لا يستطيع. في السويداء مثلاً؛ لم يكن الخوف مجرد شعور عابر في الأيام الأخيرة، بل صار قادراً على تعطيل مستقبل كامل؛ آلافُ الطلاب ما زالوا عالقين بين دمشق والمحافظة، وبين سلطة تريد استعادة حضور مؤسساتها وقوى محلية تخشى عودة ذلك الحضور، حتى إن رويترز تحدثت في مطلع أكتوبر عن إكمال 150 طالباً فقط من أصل نحو 13,700 طالب امتحاناتهم في 2026. هنا لا يعود السؤال عن الخوف بوصفهِ أثراً نفسياً للحرب فقط، بل عن دولة لم تتمكن بعد من جعل مواطنين يعيشون تحتَ سلطتها يثقون بأنّ عبورهم إلى مدينة أخرى لن يعيد إليهم ما حاولوا الهرب منه.
المشكلة أنّ الدولة لا تستطيع أن تطلب من الخائف أن يثق بها بمرسوم. فالثقة لا تُعلن بل تُختبر في الطريق إلى الجامعة، وفي مركز الشرطة، وعلى حاجز التفتيش، وفي المحكمة، وفي القدرة على العودة إلى البيت من دون أن يحتاج المرء إلى أن يشرح لنفسه لماذا كان خائفاً طوال الطريق وربما نحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن نعيد تعريفَ الأمان؛ فهو ليس أن تختفي الأصوات التي كانت تخيفنا فقط. ولا أن يصبح الشارع هادئاً في ليلة واحدة؛ هو أن يعرف الإنسان أنّ حياته لن تنقلب عليه فجأة، وأن القانون لن يصبح خصمه، وأنّ البيت الذي يعود إليه سيظل بيته، وأن اسمه لن يتحول في لحظة إلى تهمة، وأن اختلافه لن يجعله أقل استحقاقاً للحياة من غيره. الأمان هو أن يتوقف الإنسان عن الاستعداد الدائم للأسوأ.
حين أفكر في سوريا من هذه الزاوية، يبدو لي أن أصعب ما ينتظرها ليس فقط بناء مؤسسات جديدة أو إعادة ترتيب الاقتصاد والسياسة، بل بناء شيء أكثر خفاءً: ثقة الناس بأن الغد يمكن أن يكون عادياً. قد يبدو هذا مطلباً صغيراً أمام كل ما تحتاجه البلاد، لكنهُ ربما ليس كذلك. فالدول لا تُبنى فقط بالدساتير والوزارات والطرقات، بل أيضاً بالقدرة على جعل مواطنيها يذهبون إلى النوم من دون أن يتركوا نصف وعيهم مستيقظاً للحراسة.
ثم أعود إلى سترتي. في نهاية اليوم أخلعها وأعلّقها خلف الباب. أحياناً أفكر في القبّة الطويلة التي تحيط بالرقبة: هي موجودة لتحميني من البرد، لكنها تلامس جلدي طوال الوقت، وتذكّرني بوجودها. الدفء فيها حقيقي، والضيق حقيقي أيضاً. وربما هذه هي حالنا الآن: نريد الأمان، لكننا لا نعرف بعد كيف نعيش داخله من دون أن نفتش عن الخطر. قد يكون علينا أن نمنح أنفسنا وقتاً؟؟ ليس وقتاً كي ننتظر سوريا أخرى، بل وقتاً كي نصبح نحنُ أيضاً آخرين قليلاً. أن نترك أجسادنا تتعلم أنّ الباب يمكن أن يُغلق لأنه ليل، لا لأننا نخشى أحداً. أن نتعلم أن الصمت يمكن أن يكون راحة لا تهديداً، وأن الضحكة العالية ليست دعوة للعقاب، وأنّ المستقبل ليس بالضرورة اسماً آخر للمفاجأة السيئة. ربما لن أعرف متى ينتهي الخوف تماماً. وربما لن ينتهي. بعض الأشياء لا تغادرنا، وإنما تتغير علاقتنا بها. لكنني أعرف أنني في صباح أكتوبر القادم بسوريا سأمد يدي إلى سترتي، سأرتديها لأنها دافئة، و سأخرج من البيت من دون أن أطلب منها أن تحميني من العالم كله. أريد فقط أن تكون قبّتها حول رقبتي، لا حول روحي.
by عماد الدين موسى | Oct 13, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
ينتمي لقمان ديركي إلى جيلٍ سوريّ تشكّلت ملامحه الإبداعية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث برز كصوت شِعري ذي نبرة خاصة تمزج بين الحميمي واليومي، وبين التأمل الحادّ والالتقاط السريع للمفارقات. وُلد في مدينة الدرباسية شمال شرقي سوريا عام 1966، وحمل منذ بداياته حساسية شِعرية تنحاز إلى الإنسان العادي، وإلى تفاصيل العيش الصغيرة، والتوتر الخفي بين الفرد ومحيطه.
كتب الشِعر والمقالة، وشارك في الحراك الثقافي السوري والعربي، مستفيداً من خبرته الصحفية ومن حضوره في المنابر الأدبية. ومع تحولات العقد الأخير، انتقل إلى أوروبا، حيث واصل الكتابة من موقع جديد أتاح له مسافة تأملية أعمق، فصار نصّه أكثر انفتاحاً على أسئلة الهوية والاقتلاع والتحوّل.
في كتابه الجديد “مذكرات سائح بالصرماية”، الصادر عن منشورات المتوسط في ميلانو (2026)، يقدّم لقمان ديركي نصاً يراوغ التصنيف، ويتخفّف من أثقال الأنواع الأدبية، ليكتب سيرة جيلٍ كامل عبر مفردة شعبية يومية “الصرماية”.
يشتغل العنوان وحده كمفتاح تأويلي كثيف؛ فالسائح في المتخيّل العام يحمل خرائط ويدوّن انطباعات عابرة، غير أن سائح ديركي يحمل ذاكرة ثقيلة، ويتنقّل بين الحارات والسجون والمدارس والحدود، ويجرّ وراءه طبقات من الخيبة والتهكّم والنجاة المؤجّلة. أما “الصرماية”، فهي انحياز إلى اللغة الحيّة التي تمشي في الشارع، وتحتكّ بالتراب، وتعرف وجع الطريق.
بهذا يتحوّل العنوان إلى بيان جمالي وأخلاقي في آن؛ فالنص يكتب من الأسفل/ القاع، من يوميات البشر الذين عركتهم السلطة والعائلة والمنفى. يُعاد هنا ترتيب العلاقة بين العالي والواطئ، بين الفصيح والمحكي، بين البطولة والنجاة الصغيرة.
يقع الكتاب في نحو مئتي صفحة من القطع الوسط، موزّعة على فصول مستقلة في عناوينها، متكاملة في مضامينها، بحيث يمكن قراءة كل فصل كحكاية قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه كجزء من سيرة ممتدّة تتقاطع فيها الطفولة والمراهقة والشباب، البيت والحارة، المدرسة والسجن، الملعب والميناء.
تعني “الصرماية”، في لهجات الشام، الحذاء؛ غير أن ديركي يمنحها كثافة رمزية تتجاوز معناها المعجمي؛ فهي علامة على اليومي، وعلى الجسد الذي يسير في طرقات المدينة، وعلى اللغة التي ترفض التهذيب القسري. “الصرماية” تمشي، تُركل، تُستهلك، تتسخ، وتبقى شاهدة على المسافة التي قطعها صاحبها.
يقدّم الكاتب لوحات سردية متتابعة، كل لوحة تلتقط لحظة أو مشهداً أو حادثة، وتترك للقارئ مهمة ربط الخيوط. تتجاور الحكايات العائلية مع الوقائع السياسية، وتتداخل النوادر الطفولية مع مشاهد القمع، في فسيفساء مدينة تتشكّل عبر التفاصيل الصغيرة. هكذا تتحوّل “الصرماية” إلى عدسة ترى من الأسفل، وتعيد كتابة السيرة من الهامش.
حكايات البيت الأولى
تبدو الفصول في “مذكرات سائح بالصرماية” مستقلة في عناوينها، غير أن روحاً واحدة تسري بينها؛ كل فصل يحمل عنواناً دالاً يعكس مزاجه وموضوعه، من حكايات البيت الأولى إلى تجارب الاعتقال والتهريب والرحيل. ما يمنح الكتاب إيقاعاً متقطّعاً يشبه الذاكرة نفسها؛ فالذاكرة تميل إلى القفز بين الأزمنة، وتستدعي ما يلمع فجأة. تغدو الطفولة هنا مختبراً مبكّراً لتعلّم الخوف والسخرية، بعيداً عن صورتها المثالية. فيما تظهر المدرسة بوصفها فضاءً لتلقين الشعارات، والحارة مساحة للتواطؤ واللعب وتبادل النكات. كما تحضر العائلة بثقلها الرمزي، حيث تتقاطع السلطة الأبوية مع السلطة السياسية في شبكة من الأوامر الصغرى التي تمهّد لأوامر كبرى. يمرّ السجن كظلّ ثقيل، ويأتي الملعب كفسحة مؤقتة للفرح، وتغدو الحدود جداراً يفرض على الجسد أن يتحوّل إلى رقم.
يمنح هذا البناء القائم على اللوحات، الكتاب طابعاً سينمائياً؛ فالمشاهد قصيرة ومكثّفة، تعتمد على لقطة محدّدة وحركة سريعة وخاطفة، ثم تنسحب لتفسح المجال للّقطة التالية. وتعمل السخرية كخيط جامع بين هذه اللوحات، فتمنحها وحدة نبرية وتخفّف من وطأة الوقائع القاسية.
سخرية سوداء
يُعرف لقمان ديركي بمزجه السخرية السوداء بالمرارة السياسية والوجد الشخصي؛ في هذا الكتاب، تتكثّف هذه النبرة لتصبح استراتيجية وجودية، فالضحك هنا وسيلة لمقاومة القمع والخذلان، ودرع هشّ في وجه عالم يضغط على أفراده من كل الجهات.
تعمل السخرية في “مذكرات سائح بالصرماية” على تفكيك الخطاب الرسمي؛ فعندما تُروى الحكاية بلغة الشارع تسقط عنها هالة القداسة. وعندما يُعاد توصيف الحدث الجلل عبر استعارة يومية ينكشف تناقضه. هكذا تصبح “الصرماية” أداة نقد، تمشي فوق الشعارات وتترك عليها آثار الغبار.
من البيت إلى المنفى
تبدأ حكايات الكتاب من بيت دمشقي أو حارة حلبية لتنتهي عند أرصفة مطارات ومعابر حدودية. الهجرة هنا امتداد لمسار طويل بدأ داخل البيت والمدرسة والشارع. القمع الصغير في العائلة يوازيه قمع أكبر في الدولة، والخيبة الأولى تمهّد لخيبات لاحقة، حتى يجد الفرد نفسه مضطراً إلى التحوّل من مواطن إلى عابر سبيل.
يتقاطع النص مع سرديّة أوسع عن الانتقال القسري والاقتلاع وإعادة تعريف الذات في فضاء غريب. جيل كامل وجد نفسه موزّعاً في المنافي، يبحث عن ظلّ مدينته في مدن بعيدة. يكتب المؤلف هذه التجربة من الداخل، من موقع من عاشها وعاين تحوّلاتها. بعد عام 2011، ومع تصاعد الأحداث في سوريا، تبنّى مواقف معارضة للنظام، وغادر البلاد عام 2012 ليستقر في ألمانيا. يتسرّب هذا المسار الشخصي إلى النص من دون أن يتحوّل إلى خطاب مباشر، فيمنح الحكايات صدقاً إضافياً.
من أكثر المقاطع كثافة في الكتاب ذلك الذي يروي لحظة الصعود إلى اللنش في رحلة الهجرة البحرية. يُروى المشهد بنبرة تجمع بين التهكّم والذعر. يُنقل القادمون إلى الزورق كما تُنقل البطيخات من الأرض إلى الشاحنة؛ كل شخص، أو “نفر”، يمسك به حارسان ويرميانه إلى الداخل، حيث يتلقّفه آخرون.
تكثّف هذه الاستعارة تجربة التشييء التي يتعرّض لها الجسد في اقتصاد التهريب، إذ يتحوّل الإنسان إلى حمولة أو سلعة تُنقل وفق آلية محسوبة. “يُقسّم الدفع إلى نصفين؛ جزء عند الصعود، وجزء مودع لدى مكتب وسيط يُسلّم عند الدخول إلى المياه الإقليمية الإيطالية”. حتى البحر يخضع لشروط الدفع المسبق.
عندما تحوم دوريات خفر السواحل، تتكشّف شبكة من الاتصالات والتعليمات عبر هواتف الثريا. يُحرَّك زورق فارغ باتجاه الدورية لصرف الانتباه، ويقف قبطانه قربها ثم يرمي نفسه في البحر ويعود سباحة، بينما ينطلق الزورق المحمّل بالبشر مسرعاً بعيداً عن المراقبة. يحمل المشهد طابعاً عبثياً وسينمائياً في آن، حيث تتجاور الحيلة والمخاطرة، والذكاء الفطري مع استهتار القدر. يقول: “فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، دوريات خفر السواحل تحوم في المكان، لكن اتّصالاً من أبو صطيف جاء للحُرَّاس، وبدأت تليفونات الثُّريَّا بالظهور، كانت الأوامر أن يحرّكوا لنشاً خالياً باتِّجاه خفر السواحل، وبالفعل انطلق أحدهم بزورق فارغ باتِّجاه الدورية، وتوقَّف بالقرب منها، رمى قبطان الزورق الخالي بنفسه إلى البحر، وعاد سباحة إلى البرِّ، بينما انطلق قبطاننا مشفِّطاً بزورقنا، فتخَرْيَطنا أيَّما خَرْيَطة، يا أبو شريك، وهو يمضي بنا مسرعاً بعيداً عن دورية خفر السواحل التي كانت منشغلة بالزورق الخالي”.
يختزل المقطع السابق فلسفة الكتاب؛ فالإنسان يُعامل كشيء، غير أنه يحتفظ بقدرته على السرد والضحك، ما يخفّف من وطأة الرعب، ويحوّل المأساة إلى صورة قابلة للتداول، مع احتفاظها بقسوتها.
فسيفساء دمشق
تتوزّع دمشق في المنافي وتتحوّل إلى ذاكرة محمولة؛ فكل حكاية عن حارة أو مدرسة أو سجن تفتح نافذة على مدينة عبرت حدودها الجغرافية. هي جرح متنقّل، يرافق أصحابه حيثما ذهبوا. ما يمنح النص بعداً تأملياً. تُستعاد المدينة عبر اللغة والنكات وعبر تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة. ينسج المؤلف صوراً متفرّقة تترك للقارئ مهمة جمعها. في كل فصل، تلمع قطعة من الفسيفساء لتشكّل في النهاية صورة مركّبة لمدينة وسيرة جيل.
يمزج المؤلف بين الفصحى والمحكي، ويمنح المفردات الشعبية مكانة مركزية؛ فيما تأتي الجملة قصيرة في كثير من الأحيان، تعتمد على الإيقاع السريع والمفارقة. ويأتي الحوار عفوياً ومشبعاً بروح النكتة، مع احتفاظه بعمقه. حتى في المقاطع الأكثر قسوة يحافظ النص على خفّة محسوبة، كأن الكاتب يمشي على حبل مشدود بين الضحك والبكاء.
يروي “مذكرات سائح بالصرماية” سيرة فرد، ويقترح في الوقت نفسه سيرة جيلٍ عاش بين السلطة والعائلة والمنفى، عبر بنية فسيفسائية ولغة تمزج الفصيح بالمحكي وسخرية تتحوّل إلى استراتيجية نجاة، حيثُ يقدّم المؤلف نصاً يضع “الحذاء” في مركز الحكاية، ويجعل من المشي فعلاً تأويلياً.
by رهام عيسى | Sep 30, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص الاتهام. محمد حبش الداعية الإسلامي السوري بطل القصة الجديدة.
في البداية لسنا في صدد الدفاع عن أحد، كما ونعرف تماماً أن أكثر ما يجعل الفضيحة مزلزلة تناقضها مع الصورة التي يصدرها الضحية عن نفسه، وسأعتمد هنا على تسمية الضحية تجاوزاً.
كما ولابد من التنويه أن ما نناقشه هو فقط الفعل الجنسي أو الكلام الجنسي بين بالغين راشدين، والذي يسُرّب بقصد التشهير أو الابتزاز أو تحييد شخص ما عن الفضاء العام، عن طريق التقليل من قيمة رأيه، على اعتبار أن الفضيحة الجنسية سقطة أخلاقية، تجعل صاحبها بنظر الكثيرين فاقداً للشرعية.
يظهر محمد حبش في مكالمة فيديو، يتكلم فيها كلاماً حميمياً، وربما من الغريب هنا أن أصرّح أن أول شعور أحسست به عندما شاهدت الفيديو كان التعاطف مجرد التعاطف، ليس مع محمد حبش وحده وليس مع صفته أو مكانته أو موقعه أو مواقفه، لكنه التعاطف مع هشاشة أي إنسان في هذا الموقف وخاصة العربي، لأنه يحتاج أكثر بكثير من غيره أن يشرح نفسه لنفسه، قبل أن يشرحها إلى الآخرين.
الجنس يكشف الهشاشة
لطالما اعتقدت أن الجنس دون غيره يكشف أكثر نقاط الإنسان هشاشة وأكثرها ضعفاً، فنحن نستطيع دائماً وفي كل وقت، أن نختار الطريقة اللائقة التي نريد أن نظهر بها، والتي نحب أن نتصرف بها. يمكننا دائماً وضع الحواجز، اختيار المسافات، وارتداء الأقنعة، كبت رغبتنا بالعنف، أو رغبتنا بالتعنيف، إخفاء شعورنا بالذنب، وأشياء كثيرة أخرى نقضي أعمارنا في سبيل إخفائها وليس فهمها والتصالح معها.
يحدث الخرق في لحظاتنا الحميمة، يسقط الجدار الهش الذي بنيناه، وتتلاشى الطبقات، وتقريباً، لا يبقى من الكائن إلا ذلك الجزء المسكوت عنه، الجزء المحظور، وربما الجزء الأكثر صدقاً في بنيتنا النفسية، لذلك فما رأيناه في فيديو حبش وقبله فيديو الممثل أحمد رافع لم يكن مجرد لحظة جنسية عابرة، أو انكشاف أخلاقي، لكنه أشبه برؤية الإنسان عاريًا من كل ما يُجبر على ارتدائه، تعرية وجودية لكل طبقات الحماية الاجتماعية والمؤسساتية التي نتدرع بها، لنخفي عيوبنا وهشاشتنا.
وعندما يطال هذا الانكشاف المباشر رجل دين أو شخصية عامة، ينفجر الوضع بدرجة أكبر من التعقيد، لأنه يكشف عن الكثير من الصراعات الداخلية والخارجية بين الإنسان ونفسه ومحيطه، ويفتح الجرح النازف بين الإنسان وحقيقته، بين الهوية المتخفية خلف الرمز، والصورة اللامعة التي يصدرها لمحيطه.
ولا يكتمل المشهد حتى يستغل هذا الانكشاف ويُستدرج نحو تصفية الحسابات السياسية، وهنا تجرد اللحظة من سياقها الإنساني، ويُنقل الصراع إلى مكان يرجح مباشرة كفة على كفة، بعيداً عن الصراع الفكري إلى حلبة الجسد والسرير والحياة الخاصة، حيث تتحول المحاكمة إلى الضمير الجمعي، فالعار في عمقه الثقافي لا يبنى على طبيعة الفعل المجرد وحده، بقدر ما يتغذى على نظرة الآخر وسلطته.
الجنس كأداة سلطة
من الصعب النظر إلى الفضائح الجنسية في مجتمعاتنا العربية، كفضيحة وانتهى الأمر، لأن الجنس هو الحالة التي تُقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والديني والأخلاقي داخل مجتمعاتنا وربما داخل مجتمعات أخرى أيضاً.
يُحمّل الجنس معنى يفوق الفعل الجنسي نفسه، لأن الجسد ليس جسداً وحسب، بل هو المختبر ونقطة التقاء سمعة المرأة مع شرف العائلة ورجولة الرجل والتزامه الديني والأخلاقي، وأن تطال الفضيحة شخصاً من الأساس يُعتبر ممثلاً لمجتمع الفضيلة، الذي يحبه الناس ويدّعون دائما الانتماء إليه، يعني أن الفضيحة طالت الجميع، والانكشاف لم يعد متعلقاً بالشخص نفسه بقدر ما صار مرتبطاً بالمنظومة ككل، المشكلة الأساسية تبدأ إذا من رمزية الجنس، فلو نظرنا إلى الجنس كحاجة بيولوجية فقط لكان الأمر أبسط.
لكن عندما ننظر إلى الجنس على أنه أداة قياس، فالحديث هنا يأخذ مستويين. المستوى الشخصي الذي يجعل الجنس مركزاً أساسياً لفهم تكوين الشخصية، لأن الجنس مصدر القلق الدائم والمحفز المستمر للصراع مع قائمة المحظورات والقواعد المفروضة من الدين والمجتمع، وهذا ما يخلق للجميع ما يخفونه، لأن الكبت لا يلغي الرغبة هو فقط يدفعها نحو الداخل، وهذا يصعب الوصول إلى نقطة تفاهم بين رغباتنا وما يفرض علينا وما نتربّى عليه، وخاصة في حال كنا ننتمي إلى مجتمعات محافظة.
قرأت تعليقات كثيرة وصفت حبش بالمنافق، وهذا عكس ما يراه عالم الاجتماع غوفمان الذي يفترض من الأساس أن الإنسان يؤدي دوراً، على الخشبة يتصرف بالطريقة التي ترضي الجمهور، وفي الكواليس يخلع الدور ويسترخي وقد يتناقض مع نفسه، فهذه المساحة هي حقه. لذلك أعتقد أن مناقشة أخلاقية ما نخفيه قبل مناقشة أخلاقية انتهاكه وتحويله إلى فضيحة، هي إشكالية أخلاقية بحد ذاتها.
يزداد حضور الجنس في الحياة الاجتماعية في المجتمعات المحافظة، وكلما ازداد هذا الحضور في الخفاء كلما ازداد رفضه في العلن، وهذا ما يقودنا إلى المستوى الثاني، حيث ننتقل من الاتهام إلى المحاكمة ومن صراع الإنسان مع نفسه إلى صراعه مع الآخرين، من أحب أن أسميهم أدوات السلطة. فمن قال من الأساس إن هذا سلوك طبيعي وهذا منحرف؟ من قال إنّ هذا مشروع وذاك محرم؟ هذا مقبول وذاك مرفوض؟ ببساطة السلطة أي سلطة هي التي قالت، لأنها لا ترى في الجنس أكثر من وسيلة إدارة، فهي التي تنتج المعارف عنه، وهي التي تحوله في نهاية المطاف إلى قضية يومية لا يمكن التخلي عنها، وهذا ما أشار له فوكو بحديثه عن السلطة والجسد، فالسلطة لا تفرض ولا تمنع، تحاول فقط جعل الجنس أو أي فعل مصدراً دائما للاستجواب، وهذا ما يجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه، حتى داخل سريره.
الهدف الجنسي غير المعلن
إذا ما فكرنا قليلاً لاكتشفنا أن أغلب التيارات الفكرية والسياسية والدينية تحمل في داخلها هدفاً جنسياً ما، فأي تصور للمجتمع يجب أن يتضمن بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر تطرقاً للجنس، ربما من خلال تصور للأسرة، للعلاقة بين الجنسين، للجسد، للملابس، لمفهوم الذكورة والأنوثة، لمعنى العفة والشرف. الجنس ببساطة أحد الميادين التي تكشف بها كل الأيديولوجيات تصورها للفرد وللسلطة وللمجتمع.
وربما لهذا السبب، تكون الفضائح الجنسية بالغة الأثر فهي تهدم مجموعة كاملة من التصورات عن الدين والشرف والأخلاق، لأن المجتمع من الأساس أعطى الجنس وظيفة الكشف عن الحقيقة الأخلاقية للإنسان وهذا ما يجعله بسبب أي فضيحة في مواجهة مباشرة وحادة مع نفسه، وليس فقط مع الشخص المدان.
by وداد سلوم | Sep 26, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, Articles - EN
ترصد رواية الدوار الجنوبي للكاتب السوري مفيد عيسى أحمد الصادرة عن محترف أوكسجين للنشر 2025 فترة زمنية مهمة من تاريخ البلاد، تم طمس وتغييب أحداث على أعلى المستويات جرت خلالها، وتلخص الصراع داخل السلطة، الذي انتهى بطريقة غامضة وفق مساومات غير معلنة، تمخضت عن رحيل المعلم وتفكيك فرقته العسكرية بشكل نهائي.
يجري ذلك في خلفية الرواية فالكاتب لا يخوض في تفاصيله لكنه يضع القارئ في المناخ العام لتلك الفترة حيث نرى قوة المعلم العسكرية ونفوذه ونمو صلاته الواسعة وصولاً إلى حدث مبهم انتهى برحيله، يعكس ذلك طبيعة النظام الشمولي القائم وطريقته في الادارة السياسية للبلاد التي رآها كمزرعة، وأدوات السيطرة التي استخدمها للتلاعب بالمكونات الاجتماعية سواء بالشراكة الاقتصادية أو بالقوة العسكرية أو باستثماره للذاكرة الجمعية والبنية النفسية لفئات محددة.
ينطلق مفيد عيسى أحمد من قصر المعلم ويوميات العاملين فيه ليسلط الضوء على طبيعة المجتمع السوري في تلك الفترة والواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، بدءاً من هجرة الريف إلى المدينة والتي كان جوهرها الحاجة الاقتصادية، التي دفعت بالكثيرين للانتساب إلى قوات المعلم سعياً للحصول على الراتب والحماية أمام الإحساس بالغربة واللا انتماء في المدينة الكبيرة، أو للعمل في التهريب وغيرها من أعمال عشوائية على هامش الاقتصاد والمدنية.
وينتقل إلى قلب المدينة وعالمها الاجتماعي والاقتصادي، لنرى كيف نمت العلاقة بين تجارها والسلطة وتزاوج رأس المال مع متنفذي النظام، ولعل هذا ما أطال عمر النظام ومنحه قوة التلاعب بهندسة بنية المجتمع السوري وفق مصالحه واحتفاظه بسدة الحكم.
تأخذ الرواية عنوانها ( الدوّار الجنوبي) من خط سير حافلة عامة تعبر دمشق بمسار حيوي دائري، يطلق الكاتب عليها اسم (حافلة سورية)، وتصبح حركتها مجازاً لحركة المجتمع وحياة المدينة، من القاع الذي نشأ على أطراف العاصمة خليطاً من الفقر والتهريب والعنف الكامن أو المرئي ممثلاً برجال التهريب ورجال المعلم وسلاحهم، متابعاً التحولات السريعة للمجتمع السوري التي رافقها توافد أبناء الريف للدراسة والعمل سواء من الساحل أو أكراد الشمال والجزيرة، ونشوء المناطق المستحدثة دون تخطيط على أطراف العاصمة لاستيعاب النمو السكاني الحاصل كالمزة 86 وغيرها.
تصبح دمشق ليس فقط التاريخ والأحياء القديمة والعراقة، بل وأحياء مستحدثة تتمدد أفقياً بشكل عشوائي وتضخ الكثافة السكانية، بما تحمله من عبء حاجات خدمية متزايدة على المدينة.
في ظل تنامي قوة العسكر وسلطته المطلقة، كان المعلم نموذجاً للرجل الذي لا يرد له أمر إلا بالموت، ينقل لنا الكاتب ما يدور خلف الأسوار فيخبرنا عن قصر المعلم والحفلات الصاخبة التي تقام فيه، راسماً صورة المعلم وحركاته وانفعالاته وشخصيته متعددة المواهب فهو شاعر وكاتب أغاني، يعمل في قصره كثيرون للسهر على راحته وعلى استمرار كل ما يريد وفق ما يريد دون أي خطأ، فحين تتعطل المولدة يجب إصلاحها قبل أن يشعر المعلم وعائلته بالانقطاع وإلا فثمن غضبه كبير.
يقدم الكاتب شخصياته بلسان الراوي العليم، وإذ يخبرنا عن حياتها وعلاقتها مع المحيط ومنبتها ومسيرتها، يقوم بالتسلل إلى عمق بنيتها السيكولوجية وأزماتها النفسية، ورصد انفعالاتها وطريقة تعبيرها وتأثرها بالمناخ العام، فمع ظهور شخصيات متنفذة (المعلم) تحلق حولها أتباع استفادوا من سلطتها المطلقة والحظوة التي منحها لهم مجرد الانتماء لرجال المعلم، لفرض سطوتهم على العامة وانتهوا بانتهائها.
دخل رجال المعلم إلى سوق التهريب وتكسبوا فارضين وجودهم لكنهم حافظوا على العلاقة الجيدة مع رجال السوق لحاجتهم لهم. انسجموا مع طبيعة القوة والعنف ولم تنج من تسلطهم حتى مؤسسات الدولة، إذ صار العنف لغة لفرض الوجود، وحل كل الأمور بالقوة، فهي وسيلة لا تحتاج بذل أي جهد، مثل عساف الذي كان يطلق النار على أي شيء، فبدل إطفاء اللمبة كان يطلق عليها رصاصة!
يعيد الكاتب العنف والعنجهية والسطوة التي يتصرفون بها إلى تناقضهم النفسي وتمزقهم بين طبيعة حياتهم البسيطة ومنبتهم الريفي الذي أورثهم الشعور بالدونية وبين واقع القوة والسلطة العنيف والتي صاروا يعيشون في ظلها كأتباع لا صوت لهم.
لكن هناك من كانوا بعد انتهاء دوامهم يعودون لطبيعتهم خجولين وطيبين وقد خرجوا من دائرة السطوة وثقلها.
يتابع الكاتب رصد القاع ، حيث إلى جانب سوق التهريب، بيت الدعارة ومديرته الجوجانية التي سخرت جسدها لإغواء الفحل وهو رجل من رجال المعلم المقربين وانتهى بتلميح لمشاركته بعملية اغتيال كبرى كان المعلم قد رتبها وانتهت بالفشل فكانت نهاية الفحل وأسطورة المعلم معاً.
يفكك مفيد عيسى أحمد العلاقات الاجتماعية، التي تركها نظام العسكر في شكل بدائي قائم على أساس المجتمع التراحمي، ولم ترتق إلى علاقات المواطنة سواء في علاقتها مع الدولة أو على مستوى الفرد ضمن المكونات الاجتماعية ومع بعضها، ولهذا لم تندثر تلك الصور النمطية لكل منها عند الآخر، بل دفع النظام لبقائها في توزيع على مستوى البلاد ضمن حُسن العلاقة (العسكر لكم والاقتصاد لنا)، وإلى هذا يعود رفض تجار المدينة علناً لوجود أبناء الساحل وعملهم في السوق أو تملكهم ولو بسطة وهو الإرث الذي حمله الطرفان من أيام السلطة العثمانية إذ بقي العلويون محط سخرية أبناء المدن طوال قرون، و بقي النظر إليهم كروافض وزنادقة، بينما بقي تاريخ الرفض حاضراً في ذاكرة العلويين يستحضره كبار السن بذاكرة مشبعة بالخوف وحكايات الاضطهاد وألمهم الخاص، فيسمون المختلف عنهم غريباً، لكن الجيل الشاب كان أقدر على النسيان، وحاول البحث عن روابط جديدة ومكان يضع قدمه فيه في هذا العالم المزدحم والمتحرك، متكئاً على أفكار تتماشى معه حول حقيقة النسبية في المجتمع فليس من طائفة جيدة كلها بالمطلق ولا من أخرى سيئة بالمطلق، والفقراء من كل الطوائف لهم آلام واحدة.
اصطدم الشاب رامي الطالب الجامعي حين عمل عند تاجر دمشقي للحصول على مورد مادي يساعده على إكمال دراسته في العاصمة، برفض تجار السوق دخوله لمجتمعهم رغم أنه أثبت إخلاصه لعمله وحسن أخلاقه، إلى أن فرض وجوده التاجر الأكبر شأناً في السوق. كان رامي واعياً التقط كل ملاحظة وحاول إتقان عمله فنجح وحاول الانخراط بالمجتمع الجديد بتوطيد العلاقات ودفع التهم المسبقة والصورة النمطية عن بيئته دون أن يفقد خصوصيته.
ينتقل رامي يومياً بين الجامعة والحميدية إلى سكنه في حي شعبي، بين حاضرة المدينة وقاعها ليصور الكاتب ذلك التناقض بين عالمين في مدينة واحدة. وحيث يبدأ الريفي القادم إلى المدينة بمحاولة الانخراط في المجتمع الجديد بتغيير مظهره ولباسه ثم رؤيته للحياة، كاشفاً البون الشاسع بين الواقع الذي يعرفه جيداً لبيئته وبين الصورة التي صُدرت عنها للآخر.
في الرواية نميز بين نوعين من الدعارة: السرية والمعلنة، فنرى الفتاة الضحية التي تعيش في دار المعلم، نموذجاً للسرية منها، كانت المسكينة، تنتظر أن يتزوجها بعد أن قضى الليلة الأولى معها، لكنه تركها للإهمال، مما سبب لها دماراً نفسياً وانحطاطاً ذاتياً في محاولة إنكار والقفز عن الواقع، فلم تستوعب أنها باتت شيئاً انتهت صلاحيته بالنسبة للمعلم وللمجتمع.
أما الجوجانية التي كانت تدير دار الدعارة فهي امرأة خرجت عن الظلم وامتلكت زمام قرارها، وحين التقت الفحل أحد رجال المعلم أحبته وأوقفت جسدها عليه، لكن هذه العلاقة في النهاية، ورغم كل قوتها كانت الفأس الذي حفر قبرها.
في الطريق بين قصر المعلم وخط الدوار الجنوبي بستان لعجوزين فلسطينيين، لم يعودا قادرين على استثماره، لشح المياه والعزم، إذ أكل الزمن من جسديهما ما أكل، كما أكل الأمل بالعودة إلى البلاد، أو لقاء الأولاد.
صار العجوزان رمزاً لقضية غائبة حاضرة، لا يملكان قوة الفعل فيها، ولا شيء إلا الانتظار. هدم العجوز جدار بستانه ليمر من خلاله العابرون حاملين الحياة لحياتهما البسيطة والراكدة، وكأنه يريد الاستعانة بهؤلاء للعودة إلى الحياة، لكن عجزه عن الحديث بسبب عطب حنجرته منعه من التواصل مع المحيط وشرح أفكاره، في إشارة للعجز الذاتي وإهمال المحيط الذي حاول الاستعانة به وانتظر منه المساندة والمشاركة، ولو بالجلوس على كأس شاي، يموت العجوز مقهوراً دون تحقيق أي من أحلامه حتى في رؤية أولاده. تعكس قصة العجوزين، حقيقة التعامل مع القضية وتهميشها بينما كانت ترفع شعارات القومية والوطنية والدفاع عن القضية المركزية فلسطين.
كانت علاقة الزوجين العجوزين نموذجاً واقعياً وإنسانياً بسيطاً، فالزوجة متفهمة ورغم أنها استنكرت سلوك زوجها أحياناً، لكنها تفهمته ووجدت له مبررات دائما حتى في التخلي عن حدود بستانه ووقفت إلى جانبه حتى النهاية.
رواية الدوار الجنوبي مليئة بالمشاهد والأفكار المدروسة سياسياً ونفسياً واجتماعياً بعمق وإحساس رائع، حمله سرد مشوق حاول الإحاطة الكاملة بالأحداث، ليقدم صورة عن البلاد في فترة زاخرة سياسياً، و نجح بشد القارئ مضيفا على كل ما كتب عن تلك الفترة الشيء الكثير.
by دعد ديب | Sep 15, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
من نافذة الحدس والتوجس والماورائيات يلج محمد ديبو في روايته” خيانات لم يرتكبها أحد” الصادرة عن دار رياض الريس للطباعة والنشر في بيروت عام 2025 إلى أعماق الشخصية المحورية “مريم” التي تتنبأ بالألم كسيخ محمى ينفذ لأعماقها، هذا التنبؤ بالألم يحيل إلى الخلفية المثيولوجية للجماعة التي تنتمي إليها بإشارة إلى فكرة من يتذكر بشكل ضبابي أحداثاً جرت في حياة أخرى أو تهويمات لما تشعر وتحس به من خوف من جحيم الرسخ والنسخ والفسخ والمسخ وما تتوهم به، لينفذ من خلال الغوص في شخصيتها وتدرج وعيها ومداركها إلى تاريخ سورية والسلطة والمعارضة في اشتباك الأحداث والظروف والطوائف في سؤال للوعي الجمعي عمن يملك الحقيقة ومن يدعي تمثيلها، بدأها منذ العتبة النصية المراوغة في العنوان “خيانات لم يرتكبها أحد ” بين الإدانة والتبرئة في التباس مفهومي الخائن والبريء عبر اختزال لفظي لتحولات شخوصه المركبة التي أنتجتها ظروفها بماهي عليه، إذ ينطلق فيها من بؤرة الحدث بجنازة “حمزة” الأخ الأصغر لمريم المجند في جيش النظام والعائد من ساحات الصدام ولكن موسوم بالخيانة ويتم دفنه بسرعة وبلا طقوس ومن هذا المشهد تناسلت منه بقية أحداث العمل.
ومن هذا المشهد تتقدم مركبة السرد عبر تقنيتي الاستباق والاسترجاع مستفيداً منها في تبئير عبوره إلى وعي شخوصه وتتبع آلية تفكيرهم بلغة فيها بساطة وعمق محاولًا بذلك كسر خطية الزمن الطبيعي وتوظيفها في تقصي بواطن الشخصيات وفهم دوافع سلوكها ومواقفها عبر استدعاء زمن سابق أو استشراف مراحل زمنية آتية.
وعبر ماراتون الموت لبلد ينزف أبناءه يعمل ديبو على تأريخ للحياة السياسية والاجتماعية خلال ثلاثة أجيال لأسرة محاولًا فيها أن يغطي المرحلة الزمنية التي مرت على سورية من خمسينات القرن الماضي بدأت من مؤسسها “الشيخ جبل” الهارب بسلالته من مذابح العثمانيين واستقراره بقرية جبل الزيتون وسط الجبال القاسية حيث يتبين أنه شارك في معركة استقلال سورية مع قوات الشيخ صالح العلي موضحاً ظروف الطائفة التي كانت حاضنة للنظام السوري البائد فيما بعد من خلال الجيل الثاني ممثلاً بأولادها “محمود وحسن وفواز”.
شخصيات لكل منها انتماء مختلف فحسن والد مريم وحمزة الذي تربى في أجواء القومية العربية ما دفعه للانخراط بحزب البعث في بداياته حيث كان الحماس في أوجه لقضايا الأمة؛ ومحمود المعارض الشيوعي لنظام الحكم البعثي ولنظام حافظ الأسد؛ أما فواز المشحون بضغينة حقد للإهانة التي لحقت به من أحد الإقطاعيين لتجرؤه بطلب يد إحدى بناته فقد كان الانتقام هاجسه الأساسي في ردود الأفعال الثأرية لديه أدى لالتحاقه بقوات رفعت الأسد في سرايا الدفاع سيئة الصيت مع الوعد بالغنى والثراء المؤكد وتدرجه فيما بعد في مراتب السلطة الحاكمة.
ليكون الجيل الثالث مريم وحمزة وأبناء عمومتها وأصدقائهم وزملاء لهم عاصروا زمن الثورة السورية عام 2011 وما بعدها، في تبيان تناقضات واقع الطائفة الأكثر فقرًا كيف استمات أفرادها بالدفاع عن نظام مشهود له بشراسته وجبروته ضد معارضيه أياً كان حيث يعود إلى تفكيك جذور الخوف التاريخي المستحكم في نفوسهم والمجازر التي تعرض لها العلويون ما جعلهم لقمة سائغة لسلطة ركبت على خوفهم واستثمرته وأوحت لهم بأنها المنقذة لتاريخهم والظلم الذي لحق بهم بالإضافة إلى ما ترسخ في وعيهم الجمعي من الفتاوي التي كفرتهم ووضعتهم في مواجهة مع الفكر الجهادي ليبرزوا كحاضنة خلفية للسلطة، استفاد النظام منها وطوع موروثها التاريخي من الخوف لتجنيدهم في ركاب مشروعه المدمر.
بالإضافة إلى اشتغال الأجهزة الأمنية على مشايخهم بالترهيب والترغيب للعمل على إضفاء هالة قدسية على الزعيم وربطه بأوليائهم الصالحين وأن خلاصهم مرتبط بخلاص الوطن والقائد، وأنهم مهددون دائماً بآخر يكرههم ويكره دينهم ومن يخالفه يتهم بالخيانة دوماً، مما خلق أرضية مهيئة لتلقي كم هائل من الإشاعات التي أثثت لستارة الكراهية وتبنيها عن الآخر شريك الوطن، وذلك الوهم الذي طوقهم بفكرة أنه الحامي الذي صعد على موتهم وفقرهم وحشدهم في معركته ضد مناوئيه، إذ تتكرر على ألسنتهم ” عبارة هل ننتظر أن يأتوا ويقتلوننا في بيوتنا ” في إحالة للفترة التي طالت اغتيالات الإخوان المسلمين الطائفية عددا كبيراً منهم والتي وسعت الشرخ الاجتماعي وفاقمت الاصطفافات الطائفية، مما ساهم مستقبلًا بشحن النفوس بالكراهية والاحتقان المذهبي ضد الحراك الناشئ وخاصة عندما ترددت الشعارات المدمرة “المسيحيين ع بيروت والعلويين ع التابوت” وحجم الإشاعات التي استثمرت السلطة فيها وأدارتها لمصلحتها وكيف تحول الزعران والبلطجية إلى شبيحة تزاود على الناس بالوطنية والدفاع عن السلطة باستفادة مما يعنيه البقاء ضمن الجماعة ما يمنح الفرد من إحساس بالأمان قد يكون زائفاً في أغلب الأحيان.
بالمقابل يضيء على تاريخ الآخر بالاعتقال والتعذيب مشيرًا لمجزرة تدمر التي قام بها النظام كرد على مجزرة المدفعية التي طالت طلاب كلية المدفعية الحربية بحلب عام 1979
وفي مدينة حماة يعرج على واقع المدينة السياسي والاجتماعي التي كان من الطبيعي أن تتجاور أسرتان مختلفتا المذهب حيث كان المد السياسي والقومي ووجود الأحزاب أكثر انتشاراً وفاعلية، فمن الطبيعي أن يذكر اسم أكرم الحوراني من المؤسسين للحزب القومي كصورة عن الوضع العام، متجسدة في أسرة خالد طيفور الذي تشارك مع حسن الانتماء للأحزاب القومية وأهدافها قبل أن تهيمن على مدينة حماة ذاكرة ثقيلة من الموت والمجازر ارتكبتها السلطة إبان صراعها الدموي مع الإخوان المسلمين مستذكرًا أحداثاً تاريخية مثل حكم الإعدام على الشيخ مروان حديد المسؤول عن الطليعة المقاتلة ما أعطى النص بعداً توثيقياً وتاريخياً.
نعود إلى الخط التشويقي في نص صاحب “خطأ انتخابي” وهو تقصي مريم عن حقيقة موت وخيانة شقيقها، إذ نتعرف على المهمة الشائكة لجندي يرى نفسه يؤدي واجبًا حزبيًا وطنيًا ليكون الفساد الأخلاقي والمالي بوصلته لتعرية السلطة وأذنابها، إذ تتبين حقيقة موته عبر صدام مع رئيسه في إحدى المداهمات لمنعه من إتمام حالة اغتصاب ليلقى مصرعه على أثرها وليوصم بالخيانة ونكران البيئة الموالية واحتقارهم له دون أن يعرفوا حقيقة الأمر، ليأتي تعاون الناشطين بالحراك من أصدقاء ابن العم مكسيم لكشف الحقيقة ولتأتي شهادات مثل شخصية حسين المجند الذي سيق إلى حرب لا يريدها وكان أول الضحايا ليكون شاهداً على ما حصل، ومن خلال ذلك ومن خلال علاقتها مع الشباب الثائرين يطرأ التحول الكبير على وعيها حبت تقترب وتتعرف على الآخر شريك الوطن ولتصبح مطلوبة لأجهزة الأمن مثل الآخرين.
الأمر الذي كشف عن جهل السوريين لبعضهم البعض، إن لم نقل جهلهم لأنفسهم أولاً مما قاد إلى اتساع الشرخ الاجتماعي ضمن فئات المجتمع السوري وكل يرى نفسه على حق، غير واعين لليد العليا التي تحرك المشهد بعيداً عن التسطيح الأحادي لفكرة الخير والشر المطلق، فلكل منهم ذاكرة مدماة تشير إلى التمزق الذي حول المجتمع السوري إلى أشلاء لا نعلم متى تلتئم.
التساؤل أين كنا ولماذا لم نعرف مجتمعاتنا جيدًا، وهنا لا يكتفي ديبو بتقصي التاريخ الاجتماعي وانقساماته الإثنية بل يعرج على تاريخ التنظيمات المعارضة من قبل الحراك الثوري الذي انطلق في 2011، من حزب العمل الشيوعي وانشقاقات الحزب الشيوعي التقليدي والمنظمة الثورية وانقسامات الأحزاب الدينية والتهمة الدائمة للشيوعيين بأنهم يحللون الجنس مع أخواتهم وأمهاتهم بمعنى أنهم ساقطون أخلاقياً في مجتمع محافظ وما يترتب على ذلك من تقويض الحاضنة الاجتماعية ويجعل الباب مفتوحاً للتيارات الدينية التي استفادت من النزوع الفطري التقليدي لدى الناس.
عندما قتل حمزة اكُتشف أنه قضى بثلاث طلقات رغم أن شهادة الوفاة بينت أنه مات بسكتة قلبية مما كشف الغطاء عن حلقات الفساد المتغلغلة في أجهزة النظام، فمن لا يقتل يُقتل أو يُعاقب، وخاصة من يرفض إطلاق النار على المتظاهرين، أو من يرفض أن يقوم زملاؤه بتعفيش بيوت الناس وسرقتها، أو من يقوم بفضح مسؤولين يتقاضون أموالاً من أهالي المعتقلين بوعود خلبية بأن يساعدوا بإخراجهم من السجون.
يصرح ديبو بأن ما يقلقه هو التعامل مع الطائفة ككتلة صماء منسجمة ومتوحدة تشكلت منذ الأزل وحبست فيها وبقيت إلى الأبد وهذا يخالف الحقيقة، يؤكده العدد الكبير من أبناء الطائفة الـذين زج بهم في سجون النظام ومعضلة السياسيين العلويين “نحن أبطال في السجون وفي الخارج مشكوك بولائنا” موضحاً آلية عمل السلطة باستخدام فقراء يقاتلون فقراء، وكيف تخيف مؤيديها بالإشاعات التي تطلقها واتهامات الخيانة محاولة العمل على تفكيك الوعي وإثارة الرعب لدى الناس الذي يشلهم خوف من السلطة وخوف من الآخر ما يشير إلى هول ما يفعله الخوف بالبشر.
المشهد الأخير بين بكر ومريم واللذين ربطهما في الماضي عشق طفولي بريء في النهاية لم يكن فيه شفاء أو خلاص لأحد. كل منهما يظن أن الآخر هو الخائن ولم ندرك هل وصلا إلى بر الأمان أم أعادا الصراع إلى بداياته، فلكل منهما ثأره وخيبته وفهمه المغيب عن الآخر شريكه في الوطن بعد أن كانا مشروع عشق وغرام، ولا يذكر لنا الكاتب ما إذا توصلا إلى تبيان الحقيقة أم لا إمعاناً منه في إبقاء المشكلة قائمة، بقيت نهايتهما غير معروفة وأقرب إلى الضياع في مشهدية مازالت تمنع الجرح السوري من الالتئام في واقع ليله طويل وأسود.
by وداد سلوم | Sep 4, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
من الأصوات الإبداعية السورية الشابة التي ظهرت في الحقبة الأخيرة وتميزت وسط فوضى الإنتاج الأدبي، الكاتبة ليلى الهاشمي من مدينة حمص، والتي نهلت من عمق الجرح السوري. نالت مجموعتها القصصية «محاولات إصلاح العالم» منحة بيت التلمساني، بالتعاون مع دار صفصافة وبدعم من صندوق آفاق. استطاعت فيها أن تكسب تعاطف القارئ ومشاعره، وأن توصل رسالتها عن معاناة الإنسان السوري عبر حرب طويلة كان لمدينتها النصيب الأكبر منها.
فعبر عشر قصص هي قوام المجموعة، تقدم صورة عن حياة الناس، ملتصقة بهموم المهمشين الذين يتلقون صدمات العالم في كل الأزمات؛ ممن فقدوا بيوتهم جراء القصف، وتعثرت حياتهم جراء الفساد ورجاله الذين يتاجرون بقضايا البشر ولقمة عيشهم في السلم والحرب، وما آلت إليه حياة السوريين في رحلتهم إلى اللجوء والمنافي، ومعاناة أولئك الذين علقوا في المكان، متغلغلة إلى العمق النفسي للإنسان الذي نجا من الموت لكنه لم ينجُ من الحياة، حيث تضيق الأزمة الاقتصادية الخناق على الناس، وتزيد آلام الفقد بالفقر وفقدان المأوى… وصولاً إلى تلك الكآبة الساكنة في وجوه العالقين تحت سقف الوطن، وقد انهار على أحلامهم وامتص حياتهم بلقمة العيش، حتى صار الناس، كما تقول في إحدى القصص، يتحركون ببطء وبأقدام ثقيلة، كأن الحياة تحولت إلى أوزان مربوطة بأجسادهم.
تقدم الهاشمي صوراً متنوعة ومتعددة من واقع المعاناة السورية، يمتزج فيها الواقع بالخيال بأسلوب تهكمي ساخر يمنح المجموعة مسحة من الكوميديا السوداء، وكأن الكاتبة، إذ تتكئ على السخرية، تستعير أسلوب مدينتها حمص، المعروفة بالنكتة الحاضرة دوماً. والسخرية هنا محاولة لاستيعاب الواقع المجنون الذي ألقى بكل ما هو إنساني خلفه. فكما يقول فولتير: «السخرية هي سلاح الأعزل المغلوب على أمره».
وبين الواقع المؤلم والخيال الخصب، وفي حبكة بسيطة تمزجها بالتهكم والسخرية، تقدم المفارقات الكاشفة عن قسوة الواقع وشدة الألم، بأسلوب رشيق وسرد شيق وماهر يمسك بعواطف القارئ ويهزها في الأعماق.
وإذ تصف الخراب المادي في المدينة والدمار، تتلمس الخراب النفسي والعاطفي لأولئك الذين يسكنونها، وما تخفيه الوجوه والابتسامات والملامح الجامدة.
تأخذ المجموعة عنوانها من قصة «محاولات إصلاح العالم»، في مقاربة لفكرة روبن هود. فالبطلة تحاول إصلاح الأمور في محيطها بحسب رؤيتها وفهمها لمنظومة الفساد والظلم القائمة، بعد أن خسرت والدها الذي اعتُقل بسبب تشابه الأسماء ولم يعد أبداً، وخسرت فرصة التعلم بسبب النزوح من جهة إلى أخرى هرباً من القذائف التي تمطر المدينة، كما خسرت الرجال الذين أحبتهم لأنها تعمل عاملة تنظيف. الأمر الذي سمح لها بأن تكون العنصر الخفي الذي يرى ولا يُرى، مما يتيح لها التصرف دون أن يشك بها أحد، خاصة في مكانين: الأول في مبنى إذاعة خاصة يديرها أحد رجال الطغمة المالية المتكسبة من تجارة المخدرات، والثاني في مشفى عام.
تفضح الكاتبة بنية المجتمع الفاسد الذي يتاجر فيه أصحاب النفوذ بكل شيء، من المخدرات والرقيق الأبيض إلى الأطفال. وبلغة رشيقة وسرد ممتع، تحمل القارئ عبر مفاجآت لا يتوقعها إلى تلك العوالم المظلمة حيث يكون الموت نعمة، وحيث تنقذ تلك الفتاة البسيطة كل ما تستطيع. لكن، في الحقيقة، لا يمكن للبطولة الفردية أن تكون حلاً، وقد لا تنجح دوماً، فبينها وبين الجريمة خيط رقيق قد يتحول فيه البطل إلى مجرم.
في قصتها الأولى «حياة مستعملة»، تنطلق من حكاية بسيطة مؤثرة لتقول لنا إنه في بلاد تنتهك حياة الفرد وخصوصيته، لا حياة حقيقية نختارها، بل إن أبسط الحقوق يتم اغتيالها، وتتحول الحياة إلى زمن علينا عبوره ولو بأسماء غيرنا. فهي ترث اسم أختها الميتة، وميلادها، وألعاب أخواتها. حتى إن لحظات الانفعال العاطفي والتعاطف صارت باهتة وفاقدة للشغف، أما القلوب فباتت باردة، بل كالمطاط الذي صار صلباً من دون ليونته التي أخذ منها اسمه، لكثرة الضغوط التي تطبق عليه. وترى أن كل عمليات التجميل لن تستطيع إخفاء الوجوه الميتة من الداخل.
الباب الثامن للمدينة
وفي قصة «تتسرب من سقف المدينة»، تصف الحي المدمر بفعل القصف، والأبنية التي سُرقت منها حتى قضبان الحديد، بينما تسكن البطلة وسط هذا الدمار. تخبرنا كيف تنشر ليلاً المشاعر المكبوتة مع الغسيل على السطح، وكأنها جنية طيبة آتية من الحكايات، إلى أن تقودها الصدفة إلى إنقاذ كاتب شاب من محاولة الانتحار، فتعده بنقل قصص الناس إليه ليكتبها؛ أولئك الذين تراهم في عملها البسيط في تغليف السكاكر، بعد أن فشلت في إيجاد عمل لها كمرشدة سياحية.
وتتحول معه إلى مرشدة سياحية تقوده إلى التعرف إلى المدينة وناسها. فكما تقول: للمدينة سبعة أبواب، والثامن هو الأهم، ألا وهو باب حكايات الناس.
تشبه السماء بسقف رُتقت ثقوبه بالنجوم اللامعة، بينما يرتق الناس ثقوب سقف حياتهم بالذكريات، ولهذا، حين تجف، تنزّ آلاماً جديدة.
الكوميديا السوداء والخيال الغرائبي
تتناول الهاشمي تلك الجوانب المسكوت عنها في خضم الأحداث، وهي ما تمارسه منظمات يُفترض أن تكون اليد التي تقدم المساعدة للناس، لكنها للأسف لا تتخلى عنهم فقط بعد مدة الاستعراض، بل تستغل قصصهم أيضاً.
ففي قصة «المسابقة العالمية» تعرّج على الإذلال اليومي الذي يتعرض له الضحايا في أماكن النزاعات على أيدي المؤسسات والمنظمات الإنسانية العالمية، التي تقوم بتقليص المساعدات شيئاً فشيئاً بسبب الرصيد المحدود، بينما تتكاثر بؤر النزاع والحروب في العالم. وفي مفارقة مدهشة، تقدم حلاً ساخراً، وهو إجراء مسابقة عالمية بين نماذج من المعاناة في العالم لتحديد الأحقية في نيل المساعدات، ثم تحويل ذلك إلى مهرجان وتظاهرة عالميين يتبارى فيهما الضحايا بإبراز قصصهم وشدة معاناتهم لنيل المعونات.
وهذا كله سيكلف أموالاً باهظة كان من الأجدر صرفها على غذاء هؤلاء المحتاجين إلى لقمة العيش، في إشارة ساخرة إلى فساد هذه المنظمات ومتاجرتها بآلام الناس تحت الشعارات الطنانة. فكرة جريئة تقدمها في قالب من الكوميديا السوداء، وبتفاصيل مدهشة مدروسة بعناية.
يتخذ الفقد في قصص ليلى ألواناً عديدة مستوحاة من الواقع؛ فهو فرار من التجنيد تارة، أو موت بطلقة طائشة، أو فرار إلى حي آخر، أو مدينة أخرى، أو بلاد بعيدة. وكثيراً ما بقي في البيوت كبار السن يسلّون وحدتهم بتربية قطة، على سبيل المثال. وفي قصتها «ألف باء مياو» نرى كيف أجلست المعلمة قطها لتعلمه بدلاً من تلاميذها.
أما في قصة «جرعة كيف»، فتمزج الغرائبية والخيال بالواقع، حيث توزع الحكومة على المواطنين مكملات غذائية كالخبز، في إشارة إلى كيفية حقن الأدمغة بالأفكار التي تخدمها والسيطرة عليهم من خلالها، عقلياً وجسدياً، إذ تحولهم إلى أجساد منومة تدب على الأرض وتطلب المزيد من تلك المكملات وكأنها تدمنها.
حتى إنها تشير إلى فكرتها التي تؤمن بها، وهي قول كونديرا عن عدم أخذ العالم على محمل الجد لأننا فاقدو القدرة على تغييره. ففي قصة «حلوى السخرية» تتحدث عن فساد التعليم الذي حرمها من الدراسات العليا، ودفعتها حاجتها إلى الشوكولا لمقاومة خيبتها إلى فكرة صناعة الحلويات، محولة كتبها ودفاترها إلى وقود لفرن بدائي، تخبز عليه حلويات تسميها باسم الكاتب أو المبدع الذي أحرقت كتبه؛ فمثلاً «حلوى وليم» لأنها أحرقت مسرحيات شكسبير تحتها، أو حلويات شو، أو كيكة تشارلي، وهكذا.
وتستخدم مهارتها الأدبية لتضيف لكل خلطة طعماً مميزاً، وكأنها تعطي رأيها بالكاتب، مشيرة إلى تلك الذائقة التي تمنحها القدرة على ربط كل نوع أدبي بطعم ونكهة خاصين، في مهارة لافتة في انتقاء الفكرة، لن تجيدها إلا امرأة تتذوق الأدب بكل حواسها. وتطعم تلك المهارة بمكرها الخاص حين تجمع اسمها إلى كلمة تتأرجح بين اسم الكيك واسم السخرية بالإنكليزية: «ساركازيم»، ليصبح اسم معملها البدائي الصغير.
تمرر ليلى في سردها إشارات إلى حساسية أنثوية متدفقة تضاف إلى تلك المهارات، فتقول مثلاً: «هل يجب أن نحرق كل ما نحب كي ننضج؟».
في النهاية، اكتفت بأنها قد خدشت وجه القوانين في مدينة ذهب نصفها إلى الدمار، واستمرت.
أنسنة الحيوان والأشياء
حاولت الهاشمي أنسنة الأشياء، كما أنسنت القط الذي تعلم على يد المعلمة التي ربته، وكذلك في قصة «الصدأ»، حين تتحدث بصوت اللغم الذي نُسي في أحد الأبنية المدمرة وصار يتشهى الانفجار ولو بواسطة زلزال.
وفي قصة «حقيبة خفيفة» نرى قدرة الإنسان على التكيف مع الواقع. فأهل المدينة، حمص، احتفظوا دوماً بحقيبة خفيفة تحمل المستندات والحاجيات الضرورية في كل هروب، ومع تكرار ذلك ملّوا، وحين جاء الزلزال لم يهتموا، إذ تساوت الأشياء في قيمتها وضرورتها، ولم يعد لديهم ما ينقذونه سوى أنفسهم.
لا تعرف المرأة الوحيدة في القصة ما ستأخذه في الحقيبة، بينما يأتيها المخاض أثناء الزلزال، وترى أن أغلى ما لديها هو الجنين. تصور الهاشمي بطلتها تجلس في الحقيبة مع طفلها الذي أتى وسط السائل الأمنيوسي، وتطفو كروح غادرت مع سكان المدينة الذين يسبحون فوق بخار كأنه السائل الذي يحفظهم، في مجاز لحلم الولادة المنتظرة التي ستنقذهم.
قصص ليلى الهاشمي ممتعة؛ تحول الواقع السوداوي إلى مزحة، وتشد عواطف القارئ ومشاعره من أذنها في تشويق مستمر وسرد جميل ومؤثر، تحلق فيه من دون ترهل أو استفاضة، مطعمة سردها بلغة أدبية مميزة من دون أن يكون ذلك على حساب الفكرة أو الصياغة.
مجموعة تستحق الاهتمام والقراءة. ويُذكر أن للكاتبة روايتين قصيرتين: الأولى بعنوان «أربع تذاكر للهروب»، والثانية بعنوان «حمم باردة».