تدريباتنا

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

by | Sep 30, 2026

مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص الاتهام. محمد حبش الداعية الإسلامي السوري بطل القصة الجديدة.

في البداية لسنا في صدد الدفاع عن أحد، كما ونعرف تماماً أن أكثر ما يجعل الفضيحة مزلزلة تناقضها مع الصورة التي يصدرها الضحية عن نفسه، وسأعتمد هنا على تسمية الضحية تجاوزاً. 

كما ولابد من التنويه أن ما نناقشه هو فقط الفعل الجنسي أو الكلام الجنسي بين بالغين راشدين، والذي يسُرّب بقصد التشهير أو الابتزاز أو تحييد شخص ما عن الفضاء العام، عن طريق التقليل من قيمة رأيه، على اعتبار أن الفضيحة الجنسية سقطة أخلاقية، تجعل صاحبها بنظر الكثيرين فاقداً للشرعية.

يظهر محمد حبش في مكالمة فيديو، يتكلم فيها كلاماً حميمياً، وربما من الغريب هنا أن أصرّح أن أول شعور أحسست به عندما شاهدت الفيديو كان التعاطف مجرد التعاطف، ليس مع محمد حبش وحده وليس مع صفته أو مكانته أو موقعه أو مواقفه، لكنه التعاطف مع هشاشة أي إنسان في هذا الموقف وخاصة العربي، لأنه يحتاج أكثر بكثير من غيره أن يشرح نفسه لنفسه، قبل أن يشرحها إلى الآخرين. 

الجنس يكشف الهشاشة

لطالما اعتقدت أن الجنس دون غيره يكشف أكثر نقاط الإنسان هشاشة وأكثرها ضعفاً، فنحن نستطيع دائماً وفي كل وقت، أن نختار الطريقة اللائقة التي نريد أن نظهر بها، والتي نحب أن نتصرف بها. يمكننا دائماً وضع الحواجز، اختيار المسافات، وارتداء الأقنعة، كبت رغبتنا بالعنف، أو رغبتنا بالتعنيف، إخفاء شعورنا بالذنب، وأشياء كثيرة أخرى نقضي أعمارنا في سبيل إخفائها وليس فهمها والتصالح معها. 

يحدث الخرق في لحظاتنا الحميمة، يسقط الجدار الهش الذي بنيناه، وتتلاشى الطبقات، وتقريباً، لا يبقى من الكائن إلا ذلك الجزء المسكوت عنه، الجزء المحظور، وربما الجزء الأكثر صدقاً في بنيتنا النفسية، لذلك فما رأيناه في فيديو حبش وقبله فيديو الممثل أحمد رافع لم يكن مجرد لحظة جنسية عابرة، أو انكشاف أخلاقي، لكنه أشبه برؤية الإنسان عاريًا من كل ما يُجبر على ارتدائه، تعرية وجودية لكل طبقات الحماية الاجتماعية والمؤسساتية التي نتدرع بها، لنخفي عيوبنا وهشاشتنا.

وعندما يطال هذا الانكشاف المباشر رجل دين أو شخصية عامة، ينفجر الوضع بدرجة أكبر من التعقيد، لأنه يكشف عن الكثير من الصراعات الداخلية والخارجية بين الإنسان ونفسه ومحيطه، ويفتح الجرح النازف بين الإنسان وحقيقته، بين الهوية المتخفية خلف الرمز، والصورة اللامعة التي يصدرها لمحيطه. 

ولا يكتمل المشهد حتى يستغل هذا الانكشاف ويُستدرج نحو تصفية الحسابات السياسية، وهنا تجرد اللحظة من سياقها الإنساني، ويُنقل الصراع إلى مكان يرجح مباشرة كفة على كفة، بعيداً عن الصراع الفكري إلى حلبة الجسد والسرير والحياة الخاصة، حيث تتحول المحاكمة إلى الضمير الجمعي، فالعار في عمقه الثقافي لا يبنى على طبيعة الفعل المجرد وحده، بقدر ما يتغذى على نظرة الآخر وسلطته.

الجنس كأداة سلطة

من الصعب النظر إلى الفضائح الجنسية في مجتمعاتنا العربية، كفضيحة وانتهى الأمر، لأن الجنس هو الحالة التي تُقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والديني والأخلاقي داخل مجتمعاتنا وربما داخل مجتمعات أخرى أيضاً.

يُحمّل الجنس معنى يفوق الفعل الجنسي نفسه، لأن الجسد ليس جسداً وحسب، بل هو المختبر ونقطة التقاء سمعة المرأة مع شرف العائلة ورجولة الرجل والتزامه الديني والأخلاقي، وأن تطال الفضيحة شخصاً من الأساس يُعتبر ممثلاً لمجتمع الفضيلة، الذي يحبه الناس ويدّعون دائما الانتماء إليه، يعني أن الفضيحة طالت الجميع، والانكشاف لم يعد متعلقاً بالشخص نفسه بقدر ما صار مرتبطاً بالمنظومة ككل، المشكلة الأساسية تبدأ إذا من رمزية الجنس، فلو نظرنا إلى الجنس كحاجة بيولوجية فقط لكان الأمر أبسط.

لكن عندما ننظر إلى الجنس على أنه أداة قياس، فالحديث هنا يأخذ مستويين. المستوى الشخصي الذي يجعل الجنس مركزاً أساسياً لفهم تكوين الشخصية، لأن الجنس مصدر القلق الدائم والمحفز المستمر للصراع مع قائمة المحظورات والقواعد المفروضة من الدين والمجتمع، وهذا ما يخلق للجميع ما يخفونه، لأن الكبت لا يلغي الرغبة هو فقط يدفعها نحو الداخل، وهذا يصعب الوصول إلى نقطة تفاهم بين رغباتنا وما يفرض علينا وما نتربّى عليه، وخاصة في حال كنا ننتمي إلى مجتمعات محافظة.

قرأت تعليقات كثيرة وصفت حبش بالمنافق، وهذا عكس ما يراه عالم الاجتماع غوفمان الذي يفترض من الأساس أن الإنسان يؤدي دوراً، على الخشبة يتصرف بالطريقة التي ترضي الجمهور، وفي الكواليس يخلع الدور ويسترخي وقد يتناقض مع نفسه، فهذه المساحة هي حقه. لذلك أعتقد أن مناقشة أخلاقية ما نخفيه قبل مناقشة أخلاقية انتهاكه وتحويله إلى فضيحة، هي إشكالية أخلاقية بحد ذاتها.

يزداد حضور الجنس في الحياة الاجتماعية في المجتمعات المحافظة، وكلما ازداد هذا الحضور في الخفاء كلما ازداد رفضه في العلن، وهذا ما يقودنا إلى المستوى الثاني، حيث ننتقل من الاتهام إلى المحاكمة ومن صراع الإنسان مع نفسه إلى صراعه مع الآخرين، من أحب أن أسميهم أدوات السلطة. فمن قال من الأساس إن هذا سلوك طبيعي وهذا منحرف؟ من قال إنّ هذا مشروع وذاك محرم؟ هذا مقبول وذاك مرفوض؟ ببساطة السلطة أي سلطة هي التي قالت، لأنها لا ترى في الجنس أكثر من وسيلة إدارة، فهي التي تنتج المعارف عنه، وهي التي تحوله في نهاية المطاف إلى قضية يومية لا يمكن التخلي عنها، وهذا ما أشار له فوكو بحديثه عن السلطة والجسد، فالسلطة لا تفرض ولا تمنع، تحاول فقط جعل الجنس أو أي فعل مصدراً دائما للاستجواب، وهذا ما يجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه، حتى داخل سريره.

الهدف الجنسي غير المعلن

إذا ما فكرنا قليلاً لاكتشفنا أن أغلب التيارات الفكرية والسياسية والدينية تحمل في داخلها هدفاً جنسياً ما، فأي تصور للمجتمع يجب أن يتضمن بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر تطرقاً للجنس، ربما من خلال تصور للأسرة، للعلاقة بين الجنسين، للجسد، للملابس، لمفهوم الذكورة والأنوثة، لمعنى العفة والشرف. الجنس ببساطة أحد الميادين التي تكشف بها كل الأيديولوجيات تصورها للفرد وللسلطة وللمجتمع.

وربما لهذا السبب، تكون الفضائح الجنسية بالغة الأثر فهي تهدم مجموعة كاملة من التصورات عن الدين والشرف والأخلاق، لأن المجتمع من الأساس أعطى الجنس وظيفة الكشف عن الحقيقة الأخلاقية للإنسان وهذا ما يجعله بسبب أي فضيحة في مواجهة مباشرة وحادة مع نفسه، وليس فقط مع الشخص المدان. 

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

لماذا لا يستطيع السوري أن يحزن على موتاه جميعاً؟

لماذا لا يستطيع السوري أن يحزن على موتاه جميعاً؟

في سوريا، لا يموت الإنسان مرةً واحدة. يموت حين يُقتل، ثم يموت مرة ثانية حين يُختصر موته في رواية سياسية، ويموت ثالثة حينَ يصبح اسمه عبئاً على ذاكرة جماعة لا تريد أن تتذكره، ويموت أخيراً حين يطلب منكَ أحدهم أن تثبت أولاً إلى أيّ جهة كان ينتمي قبل أن يسمح لك بالحزن...

تاريخ من الدم والخوف في رواية “خيانات لم يرتكبها أحد” لمحمد ديبو 

تاريخ من الدم والخوف في رواية “خيانات لم يرتكبها أحد” لمحمد ديبو 

من نافذة الحدس والتوجس والماورائيات يلج محمد ديبو في روايته" خيانات لم يرتكبها أحد" الصادرة عن دار رياض الريس للطباعة والنشر في بيروت عام 2025 إلى أعماق الشخصية المحورية "مريم" التي تتنبأ بالألم  كسيخ محمى ينفذ لأعماقها، هذا التنبؤ بالألم يحيل إلى الخلفية...

إنقاذ العالم في حقيبة: ليلى الهاشمي وكتابة الخراب السوري

إنقاذ العالم في حقيبة: ليلى الهاشمي وكتابة الخراب السوري

من الأصوات الإبداعية السورية الشابة التي ظهرت في الحقبة الأخيرة وتميزت وسط فوضى الإنتاج الأدبي، الكاتبة ليلى الهاشمي من مدينة حمص، والتي نهلت من عمق الجرح السوري. نالت مجموعتها القصصية «محاولات إصلاح العالم» منحة بيت التلمساني، بالتعاون مع دار صفصافة وبدعم من صندوق...

تدريباتنا