by وداد سلوم | Sep 4, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
من الأصوات الإبداعية السورية الشابة التي ظهرت في الحقبة الأخيرة وتميزت وسط فوضى الإنتاج الأدبي، الكاتبة ليلى الهاشمي من مدينة حمص، والتي نهلت من عمق الجرح السوري. نالت مجموعتها القصصية «محاولات إصلاح العالم» منحة بيت التلمساني، بالتعاون مع دار صفصافة وبدعم من صندوق آفاق. استطاعت فيها أن تكسب تعاطف القارئ ومشاعره، وأن توصل رسالتها عن معاناة الإنسان السوري عبر حرب طويلة كان لمدينتها النصيب الأكبر منها.
فعبر عشر قصص هي قوام المجموعة، تقدم صورة عن حياة الناس، ملتصقة بهموم المهمشين الذين يتلقون صدمات العالم في كل الأزمات؛ ممن فقدوا بيوتهم جراء القصف، وتعثرت حياتهم جراء الفساد ورجاله الذين يتاجرون بقضايا البشر ولقمة عيشهم في السلم والحرب، وما آلت إليه حياة السوريين في رحلتهم إلى اللجوء والمنافي، ومعاناة أولئك الذين علقوا في المكان، متغلغلة إلى العمق النفسي للإنسان الذي نجا من الموت لكنه لم ينجُ من الحياة، حيث تضيق الأزمة الاقتصادية الخناق على الناس، وتزيد آلام الفقد بالفقر وفقدان المأوى… وصولاً إلى تلك الكآبة الساكنة في وجوه العالقين تحت سقف الوطن، وقد انهار على أحلامهم وامتص حياتهم بلقمة العيش، حتى صار الناس، كما تقول في إحدى القصص، يتحركون ببطء وبأقدام ثقيلة، كأن الحياة تحولت إلى أوزان مربوطة بأجسادهم.
تقدم الهاشمي صوراً متنوعة ومتعددة من واقع المعاناة السورية، يمتزج فيها الواقع بالخيال بأسلوب تهكمي ساخر يمنح المجموعة مسحة من الكوميديا السوداء، وكأن الكاتبة، إذ تتكئ على السخرية، تستعير أسلوب مدينتها حمص، المعروفة بالنكتة الحاضرة دوماً. والسخرية هنا محاولة لاستيعاب الواقع المجنون الذي ألقى بكل ما هو إنساني خلفه. فكما يقول فولتير: «السخرية هي سلاح الأعزل المغلوب على أمره».
وبين الواقع المؤلم والخيال الخصب، وفي حبكة بسيطة تمزجها بالتهكم والسخرية، تقدم المفارقات الكاشفة عن قسوة الواقع وشدة الألم، بأسلوب رشيق وسرد شيق وماهر يمسك بعواطف القارئ ويهزها في الأعماق.
وإذ تصف الخراب المادي في المدينة والدمار، تتلمس الخراب النفسي والعاطفي لأولئك الذين يسكنونها، وما تخفيه الوجوه والابتسامات والملامح الجامدة.
تأخذ المجموعة عنوانها من قصة «محاولات إصلاح العالم»، في مقاربة لفكرة روبن هود. فالبطلة تحاول إصلاح الأمور في محيطها بحسب رؤيتها وفهمها لمنظومة الفساد والظلم القائمة، بعد أن خسرت والدها الذي اعتُقل بسبب تشابه الأسماء ولم يعد أبداً، وخسرت فرصة التعلم بسبب النزوح من جهة إلى أخرى هرباً من القذائف التي تمطر المدينة، كما خسرت الرجال الذين أحبتهم لأنها تعمل عاملة تنظيف. الأمر الذي سمح لها بأن تكون العنصر الخفي الذي يرى ولا يُرى، مما يتيح لها التصرف دون أن يشك بها أحد، خاصة في مكانين: الأول في مبنى إذاعة خاصة يديرها أحد رجال الطغمة المالية المتكسبة من تجارة المخدرات، والثاني في مشفى عام.
تفضح الكاتبة بنية المجتمع الفاسد الذي يتاجر فيه أصحاب النفوذ بكل شيء، من المخدرات والرقيق الأبيض إلى الأطفال. وبلغة رشيقة وسرد ممتع، تحمل القارئ عبر مفاجآت لا يتوقعها إلى تلك العوالم المظلمة حيث يكون الموت نعمة، وحيث تنقذ تلك الفتاة البسيطة كل ما تستطيع. لكن، في الحقيقة، لا يمكن للبطولة الفردية أن تكون حلاً، وقد لا تنجح دوماً، فبينها وبين الجريمة خيط رقيق قد يتحول فيه البطل إلى مجرم.
في قصتها الأولى «حياة مستعملة»، تنطلق من حكاية بسيطة مؤثرة لتقول لنا إنه في بلاد تنتهك حياة الفرد وخصوصيته، لا حياة حقيقية نختارها، بل إن أبسط الحقوق يتم اغتيالها، وتتحول الحياة إلى زمن علينا عبوره ولو بأسماء غيرنا. فهي ترث اسم أختها الميتة، وميلادها، وألعاب أخواتها. حتى إن لحظات الانفعال العاطفي والتعاطف صارت باهتة وفاقدة للشغف، أما القلوب فباتت باردة، بل كالمطاط الذي صار صلباً من دون ليونته التي أخذ منها اسمه، لكثرة الضغوط التي تطبق عليه. وترى أن كل عمليات التجميل لن تستطيع إخفاء الوجوه الميتة من الداخل.
الباب الثامن للمدينة
وفي قصة «تتسرب من سقف المدينة»، تصف الحي المدمر بفعل القصف، والأبنية التي سُرقت منها حتى قضبان الحديد، بينما تسكن البطلة وسط هذا الدمار. تخبرنا كيف تنشر ليلاً المشاعر المكبوتة مع الغسيل على السطح، وكأنها جنية طيبة آتية من الحكايات، إلى أن تقودها الصدفة إلى إنقاذ كاتب شاب من محاولة الانتحار، فتعده بنقل قصص الناس إليه ليكتبها؛ أولئك الذين تراهم في عملها البسيط في تغليف السكاكر، بعد أن فشلت في إيجاد عمل لها كمرشدة سياحية.
وتتحول معه إلى مرشدة سياحية تقوده إلى التعرف إلى المدينة وناسها. فكما تقول: للمدينة سبعة أبواب، والثامن هو الأهم، ألا وهو باب حكايات الناس.
تشبه السماء بسقف رُتقت ثقوبه بالنجوم اللامعة، بينما يرتق الناس ثقوب سقف حياتهم بالذكريات، ولهذا، حين تجف، تنزّ آلاماً جديدة.
الكوميديا السوداء والخيال الغرائبي
تتناول الهاشمي تلك الجوانب المسكوت عنها في خضم الأحداث، وهي ما تمارسه منظمات يُفترض أن تكون اليد التي تقدم المساعدة للناس، لكنها للأسف لا تتخلى عنهم فقط بعد مدة الاستعراض، بل تستغل قصصهم أيضاً.
ففي قصة «المسابقة العالمية» تعرّج على الإذلال اليومي الذي يتعرض له الضحايا في أماكن النزاعات على أيدي المؤسسات والمنظمات الإنسانية العالمية، التي تقوم بتقليص المساعدات شيئاً فشيئاً بسبب الرصيد المحدود، بينما تتكاثر بؤر النزاع والحروب في العالم. وفي مفارقة مدهشة، تقدم حلاً ساخراً، وهو إجراء مسابقة عالمية بين نماذج من المعاناة في العالم لتحديد الأحقية في نيل المساعدات، ثم تحويل ذلك إلى مهرجان وتظاهرة عالميين يتبارى فيهما الضحايا بإبراز قصصهم وشدة معاناتهم لنيل المعونات.
وهذا كله سيكلف أموالاً باهظة كان من الأجدر صرفها على غذاء هؤلاء المحتاجين إلى لقمة العيش، في إشارة ساخرة إلى فساد هذه المنظمات ومتاجرتها بآلام الناس تحت الشعارات الطنانة. فكرة جريئة تقدمها في قالب من الكوميديا السوداء، وبتفاصيل مدهشة مدروسة بعناية.
يتخذ الفقد في قصص ليلى ألواناً عديدة مستوحاة من الواقع؛ فهو فرار من التجنيد تارة، أو موت بطلقة طائشة، أو فرار إلى حي آخر، أو مدينة أخرى، أو بلاد بعيدة. وكثيراً ما بقي في البيوت كبار السن يسلّون وحدتهم بتربية قطة، على سبيل المثال. وفي قصتها «ألف باء مياو» نرى كيف أجلست المعلمة قطها لتعلمه بدلاً من تلاميذها.
أما في قصة «جرعة كيف»، فتمزج الغرائبية والخيال بالواقع، حيث توزع الحكومة على المواطنين مكملات غذائية كالخبز، في إشارة إلى كيفية حقن الأدمغة بالأفكار التي تخدمها والسيطرة عليهم من خلالها، عقلياً وجسدياً، إذ تحولهم إلى أجساد منومة تدب على الأرض وتطلب المزيد من تلك المكملات وكأنها تدمنها.
حتى إنها تشير إلى فكرتها التي تؤمن بها، وهي قول كونديرا عن عدم أخذ العالم على محمل الجد لأننا فاقدو القدرة على تغييره. ففي قصة «حلوى السخرية» تتحدث عن فساد التعليم الذي حرمها من الدراسات العليا، ودفعتها حاجتها إلى الشوكولا لمقاومة خيبتها إلى فكرة صناعة الحلويات، محولة كتبها ودفاترها إلى وقود لفرن بدائي، تخبز عليه حلويات تسميها باسم الكاتب أو المبدع الذي أحرقت كتبه؛ فمثلاً «حلوى وليم» لأنها أحرقت مسرحيات شكسبير تحتها، أو حلويات شو، أو كيكة تشارلي، وهكذا.
وتستخدم مهارتها الأدبية لتضيف لكل خلطة طعماً مميزاً، وكأنها تعطي رأيها بالكاتب، مشيرة إلى تلك الذائقة التي تمنحها القدرة على ربط كل نوع أدبي بطعم ونكهة خاصين، في مهارة لافتة في انتقاء الفكرة، لن تجيدها إلا امرأة تتذوق الأدب بكل حواسها. وتطعم تلك المهارة بمكرها الخاص حين تجمع اسمها إلى كلمة تتأرجح بين اسم الكيك واسم السخرية بالإنكليزية: «ساركازيم»، ليصبح اسم معملها البدائي الصغير.
تمرر ليلى في سردها إشارات إلى حساسية أنثوية متدفقة تضاف إلى تلك المهارات، فتقول مثلاً: «هل يجب أن نحرق كل ما نحب كي ننضج؟».
في النهاية، اكتفت بأنها قد خدشت وجه القوانين في مدينة ذهب نصفها إلى الدمار، واستمرت.
أنسنة الحيوان والأشياء
حاولت الهاشمي أنسنة الأشياء، كما أنسنت القط الذي تعلم على يد المعلمة التي ربته، وكذلك في قصة «الصدأ»، حين تتحدث بصوت اللغم الذي نُسي في أحد الأبنية المدمرة وصار يتشهى الانفجار ولو بواسطة زلزال.
وفي قصة «حقيبة خفيفة» نرى قدرة الإنسان على التكيف مع الواقع. فأهل المدينة، حمص، احتفظوا دوماً بحقيبة خفيفة تحمل المستندات والحاجيات الضرورية في كل هروب، ومع تكرار ذلك ملّوا، وحين جاء الزلزال لم يهتموا، إذ تساوت الأشياء في قيمتها وضرورتها، ولم يعد لديهم ما ينقذونه سوى أنفسهم.
لا تعرف المرأة الوحيدة في القصة ما ستأخذه في الحقيبة، بينما يأتيها المخاض أثناء الزلزال، وترى أن أغلى ما لديها هو الجنين. تصور الهاشمي بطلتها تجلس في الحقيبة مع طفلها الذي أتى وسط السائل الأمنيوسي، وتطفو كروح غادرت مع سكان المدينة الذين يسبحون فوق بخار كأنه السائل الذي يحفظهم، في مجاز لحلم الولادة المنتظرة التي ستنقذهم.
قصص ليلى الهاشمي ممتعة؛ تحول الواقع السوداوي إلى مزحة، وتشد عواطف القارئ ومشاعره من أذنها في تشويق مستمر وسرد جميل ومؤثر، تحلق فيه من دون ترهل أو استفاضة، مطعمة سردها بلغة أدبية مميزة من دون أن يكون ذلك على حساب الفكرة أو الصياغة.
مجموعة تستحق الاهتمام والقراءة. ويُذكر أن للكاتبة روايتين قصيرتين: الأولى بعنوان «أربع تذاكر للهروب»، والثانية بعنوان «حمم باردة».
by مفيد عيسى أحمد | Aug 28, 2026 | العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
تُعتبر المجتمعات المضطربة وذات التنوع الطائفي والإثني، التي لم تجد سبيلها إلى النمو والتطور الحقيقي بعد، ساحةً ومجالًا أكبر لنشوء الحركات الإحيائية ونشاطها.
يشمل نشاط هذه الحركات أغلب الفعاليات في هذه المجتمعات: الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية.
يعرّف الأنثروبولوجي الكندي «أنثوني والاس» حركات الإحياء في كتابه «حركات الإحياء»، الصادر في كندا عام 1956، بأنها: «جهود واعية ومنظمة ومبرمجة من قبل أفراد في مجتمع ما، لبناء ثقافة أكثر إرضاءً واكتفاءً، غالبًا ما تظهر عندما يتعرّض المجتمع لضغوط واضطرابات قاسية تفقده توازنه. تهدف هذه الحركات إلى مواجهة حالات التفكك أو الإحباط الحضاري عبر وصل الماضي بالحاضر وصياغة رؤية تجديدية للمستقبل».
قد نتفق مع هذا التعريف وقد نختلف، خاصة فيما يخص الجهود الواعية؛ والاختلاف هنا يتعلق بطبيعة الوعي ومؤداه. ولو أردنا تعريف هذه الحركات استنباطًا من تجربتها في المجتمعات العربية، يمكننا القول إنها حركات ذات نزوع ديني وثقافي واجتماعي وسياسي، تعمل بدينامية استحضار وتحيين فترة تاريخية أو حالة مضت، بمفاهيمها ومعطياتها السياسية والحضارية، كرد فعل على الواقع المتأزم والقصور الحضاري الذي تعانيه هذه المجتمعات.
وتنقسم إلى قسمين: حركات إحيائية ذات سمة علمانية، كالبعث والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركات دينية كالحركات الإسلامية.
تصاعد نشاط هذه الحركات في سورية مع اشتداد الأزمة السورية، علمًا أنها كانت موجودة في بعض الفعاليات، كالسياسة والدين، لكنها لم تقتصر مؤخرًا على ذلك، بل وصلت إلى مختلف الفعاليات السورية.
الحركات الإحيائية السورية
حزب البعث
المجال الأهم الذي برزت وسادت فيه الحركات الإحيائية هو السياسة، فالحياة السياسية السورية تقوم، في معظمها، على أحزاب ذات أيديولوجيا إحيائية.
نبدأ من حزب البعث، الذي اعتمد أيديولوجيا قومية عربية، ووضع لنفسه هدفًا وشعارًا هو إحياء الأمة العربية في دولة واحدة من المحيط إلى الخليج. وهذا واضح من شعاره الذي ظل السوريون يرددونه لأكثر من نصف قرن. وهو هدف يبدو أقرب إلى اليوتوبيا منه إلى الواقع، حيث يسعى البعث إلى إحياء ما لم يكن حيًا؛ فلم تكن هناك دولة عربية حقيقية بالحدود التي رسمها تاريخيًا، ولم تكن هناك قومية خالصة تقوم عليها هذه الدولة.
ورغم أن البعث كان ذا أيديولوجيا إحيائية واضحة، فإنها لم تكن إحيائية خالصة؛ فقد حاول، في نظريته وطروحاته، التوفيق بين نزوعه إلى استنهاض القومية وإحياء الدولة العربية وبين المعطيات العصرية، من خلال طرحه لمبدأ الاشتراكية، الممسوخ عن النظرية الماركسية، وتوجهاته الثقافية والاجتماعية التي كانت توصف بالتقدمية.
هكذا نجد أن البعث لم يكن ماضويًا إلا في استناده الأيديولوجي إلى الماضي لتحقيق هدف معاصر، هو الوحدة العربية، إن كان قد عمل على ذلك فعليًا، ولكن وفق رؤيته فقط. فالبعث لم يسعَ إلى التلاقي مع الأحزاب والتيارات التي تقاربه في الأهداف، كالتيارات الناصرية، بل سعى إلى احتوائها. وهذا ما جعله يفشل في تحقيق هدفه الأساسي، وما لحق به من شعاري الحرية والاشتراكية، إذ عمل، في الواقع، عكس ما يستلزمه تحقيقهما.
سعى البعث إلى تعميم ثقافة تناسب أهدافه، ضمن هامش مدروس ومحدد. وقد أتاح له وضعه كحزب سلطة وضع مناهج تتوافق مع توجهه السياسي والاجتماعي، وتوجيه الإصدارات الأدبية والإعلامية بما ينسجم مع هذه التوجهات. كذلك عمل على التأثير في البنية الاجتماعية وطبيعتها عن طريق المنظمات والنقابات التابعة له، وباعتماد رقابة لصيقة على كل نشاط اجتماعي وثقافي.
لم تشكّل إحيائية البعث، وفق ما طرحه نظريًا، عائقًا أمام النمو والتطور؛ وما أعاق ذلك هو تحوّله إلى حزب سلطة بلا مبادئ سوى الحفاظ على هذه السلطة، وما رافق ذلك من ممارسة فعلية وسعي حثيث لتحقيق هذا الهدف.
الحركات الإسلامية
تتجلى الإحيائية بشكل أوضح في الحركات الإسلامية. فقد قامت حركة الإخوان المسلمين على أيديولوجيا إسلامية خالصة تهدف إلى إعادة إحياء الدولة الإسلامية من الناحية السياسية، باعتماد نظام حكم يقوم على الخلافة والإمارة كما كانت هرمية السلطة في العهود الإسلامية، وإلى أسلمة مختلف مناحي الحياة، أي اعتماد الدين الإسلامي في فعاليات الحياة كافة. وعملت على تحقيق ذلك بمختلف السبل، بدءًا من النشاط الثقافي والاجتماعي والدعوي الديني، وصولًا إلى الراديكالية.
هذه الأيديولوجيا والأهداف الماضوية الخالصة أوقعت الحركة في مهب التناقض مع معطيات العصر، من الناحية السياسية والاقتصادية خاصة، والاجتماعية والثقافية بدرجة أخف، فقصرت عن وضع حلول واقعية تعالج بها مشكلات مجتمعاتها ومتطلباتها حال تسلّمها السلطة، وهو ما رأيناه في تونس ومصر.
في سورية الآن تحاول السلطة الإسلامية تجاوز مطبات وسلبيات تجربتي تونس ومصر من الناحية السياسية والاقتصادية، لكن النزوع الإحيائي واضح في المجالين الثقافي والاجتماعي، حيث نلمس سلفية ثقافية تقوم على إحياء الشعر التقليدي واعتباره الشعر الحقيقي دون سواه، وهو ما اتضح في مهرجان الشعر الذي أُقيم في دمشق مؤخرًا.
والإجراء الأهم من الناحية الثقافية هو العمل على إحياء أسماء رموز وأحداث تاريخية كان لها حضورها وأهميتها في التاريخ الإسلامي، من خلال تسمية معالم معاصرة بأسمائها واعتمادها في المناهج والكتب المدرسية، رغم أن هذه الشخصيات قد لا تكون لها صبغة وطنية أو قومية.
نلمس أيضًا نزوعًا إحيائيًا واضحًا في العلاقات الاجتماعية التي ارتكست إلى التراحمية بشكل كبير، وكذلك في رسم معالم الشخصية الوطنية من الناحيتين السياسية والدينية. والأهم هو معيار الانتماء، الذي صار يلعب دورًا أساسيًا في مدى قبول هذه الشخصية، وهو ما نسف المفهوم التقليدي للمواطنة.
يجب التنويه هنا، فيما يخص الوضع السوري، إلى أن السلطة الحالية في سورية لم تطرح مسألة إحياء الخلافة، بل أبقت النظام السياسي الجمهوري هو المعتمد، والهيكلية السياسية بمؤسساتها المعروفة: مجلس الشعب والحكومة… بغض النظر عن كيفية تشكيل هذه الهيكليات ومصداقيتها.
حافظت هذه السلطة على المؤسسات والإدارات والهيئات، مع إسناد إدارتها إلى كوادر إسلامية من التوجه نفسه، علمًا أن قسمًا من هذه المؤسسات والإدارات تم تخصيصه بشكل أو بآخر، فيما تم إيقاف قسم آخر عن العمل.
تواجه هذه الحركة صعوبات تتمثل في مناوئة داخلية من قبل فئات اجتماعية لمشروعها الإحيائي، ومناوئة خارجية تتمثل في وقوف دول عديدة في وجه مشروعها، إلى حد الوصول إلى العمل العسكري.
ولا بد لهذه الحركة، كي تبقى في السلطة، من أن تتخلى عن قسم من مشروعها الإحيائي، السياسي خاصة والاجتماعي، ويمكن أن تتجه إلى الإدارة بما يتوافق مع معطيات العصر، مع الحفاظ على لبوس إسلامي لا تتخلى عنه، وهو ما نجده في التجارب التركية والإيرانية والماليزية…
الحزب السوري القومي الاجتماعي
يُعد الحزب السوري القومي الاجتماعي من الحركات الإحيائية بنظريته التي تقوم على بعث الأمة السورية وإحيائها ضمن الجغرافيا المعروفة بالهلال الخصيب. وقد بيّن أنطون سعادة، مؤسس الحزب، ذلك بتلخيصه هدف الحزب بالتالي:
«بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه، وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالًا تامًا، وتثبيت سيادتها، وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، إلى جانب السعي لإنشاء جبهة عربية».
ويعتبر الحزب أن القضية السورية قضية قائمة بذاتها ومنفصلة عن أية قضية أخرى، كما يعتبر الشخصية السورية شخصية متمايزة بصفات خاصة.
يُحسب للحزب أنه كان الأنجح في تخطي العوائق الطائفية، فقد ضم أعضاءً من مختلف الطوائف بدافع القناعة السياسية، وهو ما تبيّن في إخلاص غالبية أعضاء هذا الحزب له، وفي نشاطهم وتآزرهم بغض النظر عن الطائفة.
واجه الحزب الكثير من حالات التهميش والإقصاء في سياق الصراع على السلطة، من قبل حزب البعث ومن التيارات السياسية الأخرى، ولم تتح له فرصة وضع سياسة تنفيذية لتحقيق أهدافه؛ كونه لم يستلم السلطة ولم يكن فاعلًا فيها يومًا، حتى لو كان مشاركًا فيها.
يؤخذ على نظرية الحزب وأهدافه أنها لا تطابق الواقع التاريخي؛ فسورية لم تكن موحدة سياسيًا يومًا وفق الحدود التي رسمها الحزب، وإن كانت تشكّل وحدة حضارية بموروثها الثقافي والاجتماعي المتقارب على صعيد جغرافيتها كلها، والمتطابق على صعيد بعض الأقاليم. والموروث هنا يشمل العادات والفنون ونمط الحياة بشكل عام.
يمكن اعتبار أهداف الحزب، وفق ما طرحه، ضربًا من اليوتوبيا السياسية صعبة التحقيق، وذلك إذا أخذنا بالاعتبار الظروف السياسية الحالية وتوسيعه حدود سورية، وفق نظريته، لتشمل قبرص وأجزاء من تركيا الحالية.
ما يميز نظرية الحزب السوري القومي الاجتماعي الإحيائية عن البعث والإسلاميين أنها تذهب تاريخيًا إلى ما قبل الإسلام. فالبعث لم يحدد تاريخًا معينًا كانت فيه دولته القومية العربية قائمة ليعود إليه، إلا أنه من الواضح أن خريطة هذه الدولة تعود إلى ما بعد الإسلام، وبداية العصر العباسي على وجه التقريب، بينما يعتمد الإسلاميون خريطة لدولتهم المبتغاة تشمل، في حدها الأقصى، ما وصل إليه المسلمون في فتوحاتهم.
هناك تيارات إحيائية أخرى لا تمتلك نظرية متماسكة تشكّل أساسًا لبرامجها، فهي تقوم على مجموعة أفكار فقط، تدور في العموم في سياق الحركات الثلاث الآنفة.
لم تكن الحركات الإحيائية بنّاءة في أدائها السياسي والاقتصادي كما يجب، كما أنها سعت إلى ليّ عنق الفعاليات الثقافية والاجتماعية بما يناسبها. والمفارقة أن مثلها الأعلى، الذي تسعى إلى إحيائه والثاوي في التاريخ، لم يشكّل دينامية حقيقية وفاعلة لأدائها.
by عايدة جاويش | Aug 25, 2026 | Culture - EN, Poetry - EN, Reviews - EN, بالعربية, Articles - EN
الجسد لغة للوجود
قليلات هنّ الشاعرات اللواتي استطعن أن يحوّلن الجسد من موضوع للكتابة إلى وسيلة للتفكير في الإنسان. في شعر سنية صالح لا يظهر الجسد الأنثوي بوصفه رمزًا للجمال أو موضوعًا للرغبة، بل بوصفه ذاكرة تحمل آثار التهميش، والحب، والأمومة، والمرض، والموت. ومن خلاله امتزجت سيرتها بالقصيدة، وتحوّل ألمها الشخصي إلى سؤال يتجاوز حدود التجربة الفردية.
لم تكتب سنية صالح عن المرأة من موقع الدفاع عنها، بل كتبت من داخل تجربتها؛ من المكان الذي يتقاطع فيه ضعف الجسد مع الرغبة في الحرية، والخسارة مع الرغبة في الاستمرار. لذلك لم يبقَ الجسد في شعرها مجرد موضوع، بل أصبح العين التي ترى بها العالم، والجلد الذي تلمس به الأشياء.
من الجسد بدأت قصيدتها، لا لتروي سيرته، بل لتتلمس فيه معنى الوجود؛ في ألمه، ورغبته، وهشاشته، وفي ما يتركه الزمن عليه من آثار.
الجسد الذي وُلد في الهامش
لم يبدأ إحساس سنية صالح بالتهميش مع الكتابة أو المرض، بل ارتبط بلحظة ميلادها نفسها. ففي إحدى شهاداتها تقول إنها جاءت إلى العالم بعد وفاة شقيقها الذكر الوحيد: «وُلدتُ لأبوين عائدين من دفن ابنهما الذكر الوحيد، وكأنني جئت لأسدَّ فراغًا لا يُسدّ».
تكشف هذه العبارة عن بداية مبكرة في تشكّل وعي سنية بأنوثتها؛ فقد جاء حضورها إلى العالم في لحظة كان فيها غياب الابن الذكر هو الحدث الأثقل، وكأن وجودها ارتبط منذ البداية بفراغ لم يكن بإمكانها أن تملأه.
ومن هنا لم يكن التهميش عند سنية موقفًا اجتماعيًا طرأ عليها لاحقًا، بل خبرة مبكرة ارتبطت بموقعها كأنثى داخل الأسرة. غير أنها لم تحوّل هذه الخبرة إلى خطاب للدفاع عن نفسها، بل إلى سؤال أعمق عن ذاتها وحقها في أن تعرّف نفسها بنفسها.
أعباء الجسد
عاشت سنية صالح سنوات طويلة وهي تواجه أعباء الأسرة والمرض ومتطلبات الحياة، في الوقت الذي كان فيه الشاعر محمد الماغوط يرسّخ مكانته في المشهد الأدبي العربي. وهنا لا تعود المسألة مجرد علاقة زوجية، بل تصبح سؤالًا عن العمل الذي تقوم به المرأة خلف حياة المبدع، والذي لا يدخل عادةً في حساب الإنجاز الأدبي.
لم يكن الماغوط غافلًا عن دور زوجته، بل اعترف به بعد رحيلها في واحدة من أكثر كلماته إيلامًا، حين كتب:
«منذ ثلاثين سنة وأنتِ تحملينني على
ظهرك كالجندي الجريح، وأنا لم أستطع أن أحملكِ بضع خطوات إلى قبرك».
هذه العبارة ليست اعتذارًا شخصيًا فحسب، بل اعترافًا متأخرًا بحجم الجهد الخفي الذي بذلته سنية؛ ذلك الجهد الذي لم يظهر في السيرة الأدبية ولم تسجله كتب النقد، رغم أنه، في تقديري، كان أحد العوامل الأهم في استمرار محمد الماغوط وإتاحة المساحة التي واصل فيها إبداعه.
غير أن أهمية تجربة سنية صالح لا تكمن في أنها ضحّت من أجل شاعر كبير، بل في أنها لم تسمح لهذه التضحية بأن تلغي صوتها. فقد ظل شعرها محتفظًا باستقلاله ورؤيته الخاصة، ولم يتحول إلى صدى لتجربة الماغوط أو امتداد لها. كانت تكتب من جرحها الشخصي ومن أسئلتها الوجودية، لا لتثبت حضورها في ظل شاعر آخر، بل لتبني حضورًا يخصها؛ حضورًا لا يحتاج إلى أحد كي يبرره.
صوت الجسد
إذا كشفت سيرة سنية صالح عن أشكال التهميش التي يمكن أن تحاصر المرأة، فإن شعرها كشف الكيفية التي أعادت بها تحويل تلك التجربة إلى رؤية شعرية. فما عاشته لم يبقَ مجرد سيرة شخصية، بل أصبح مادة للقصيدة، ومن خلال شعرها بدأ الجسد يستعيد صوته بعد أن ظل طويلًا موضوعًا تُسقط عليه نظرات الآخرين وأحكامهم.
لا يظهر الجسد في شعر سنية صالح بوصفه مساحة للجمال أو الإغواء، كما درجت عليه صور كثيرة في التراث الشعري العربي، وإنما بوصفه موضعًا تتقاطع فيه الذاكرة والألم والحرية. حين قالت: «جسد النساء مظلم وحزين… فليكن الليل آخر المطاف».
إنها لا تصف حالة نفسية عابرة، ولا ترسم صورة تشاؤمية للمرأة، بل تمنح الجسد وظيفة رمزية جديدة. فالظلمة هنا ليست ظلمة الجسد، وإنما ظلمة التجارب التي تراكمت فوقه، والحزن ليس صفة بيولوجية، بل أثرُ تاريخٍ طويل من الصمت والإقصاء. لا تقف سنية صالح عند حدود تشخيص الألم، بل جعلت امتلاك الصوت بدايةً للتحرر منه. ففي ديوان «ذكر الورد» كتبت:
«حاذري أن تنسي أنك ذاهبة
لتصرخي وترفضي
لا لتنحني».
لا يبدو الصراخ هنا فعلًا احتجاجيًا عابرًا، وإنما إعلانًا عن استعادة الذات. فالصوت، في عالم سنية صالح، ليس وسيلة للتعبير فحسب، بل شرطًا من شروط الوجود؛ لأن الإنسان الذي يُحرم من الكلام يُحرم، في الوقت نفسه، من حقه في تعريف نفسه.
الجسد العابر إلى المستقبل
تصالحت سنية صالح مع جسدها عبر القصيدة، فأخرجته من حدود التجربة الفردية إلى معنى إنساني أوسع. لم يعد الجسد مجرد موضع للألم أو وسيلة للاحتجاج، بل أصبح وسيطًا تنتقل عبره خبرة النساء من جيل إلى آخر. ومن هنا تكتسب الأمومة في شعرها معناها الأعمق؛ فهي لا تنظر إليها بوصفها وظيفة بيولوجية أو دورًا اجتماعيًا يكتمل به تعريف المرأة، بل بوصفها علاقة إنسانية تحمل ذاكرة طويلة من الألم والصمود، وتنتقل من الأم إلى الابنة، لا لتثقلها بما مضى، بل لتمنحها معرفة تساعدها على العبور. في قصيدتها «مليون امرأة هي أمك» تخاطب سنية ابنتها قائلة:
«شدّي جذعك إلى جذعي
أدخلي عظامك في نفق عظامي
ثم اسحبي
ما تبقى من جسدك واعبري».
تبدو الصورة قاسية للوهلة الأولى، لكنها ليست احتفاءً بالألم، بل بالقدرة على تجاوزه. فجسد المرأة لا يورّث الجراح، بل يورّث القدرة على احتمالها وتجاوزها. والعظام هنا ليست علامة على الضعف، بل دليل على قوة تشكّلت في مواجهة الألم.
موت الجسد
في سنواتها الأخيرة، دخل الجسد في شعر سنية صالح مرحلة جديدة. فبعد أن حمل ذاكرة التهميش، وأعباء الحياة، وخبرة الأمومة، وجد نفسه في مواجهة المرض. غير أن هذه المواجهة لم تدفعها إلى كتابة مراثي الذات، بل جعلتها أكثر اقترابًا من هشاشة الجسد وحدوده، ومن السؤال عما يبقى للإنسان حين يواجه احتمال الفناء.
عندما أُصيبت بالسرطان، لم تتعامل مع المرض بوصفه هزيمة شخصية، ولم تجعل القصيدة سجلًا للألم الجسدي وحده، بل حوّلته إلى تجربة تتقاطع فيها هشاشة الإنسان مع قدرته على الحلم.
من غرفتها في المستشفى بفرنسا، كتبت قصيدتها «اللؤلؤة»:
«أيتها اللؤلؤة،
نمتِ في جوفي عصورًا
استمعتِ إلى ضجيج الأحشاء
وهدير الدماء
ريثما يُنهي التاريخ حزنه».
هنا لا يظهر المرض بوصفه حدثًا طبيًا فحسب، بل يتحول إلى رحلة داخل أعماق الذات. فاللؤلؤة التي تكوّنت في الجسد ونمت في جوفه تصبح صورةً للقصيدة نفسها؛ شيءٌ يتكوّن في الداخل، وسط الألم، ثم يخرج منه إلى اللغة. ومن هذه النقطة يصبح الموت جزءًا من التجربة الشعرية، لا خاتمةً لها.
لم يكن الموت، في عالم سنية صالح الشعري، نقيضًا للحياة بقدر ما كان امتدادًا للأسئلة التي شغلتها منذ بداياتها. فقد ظل الإنسان، في نظرها، قادرًا على الاحتفاظ بحريته الداخلية حتى في اللحظات التي يعجز فيها عن تغيير واقعه. ولهذا كتبت عبارتها المعروفة:
«أعجز عن تغيير العالم
لكني أحتفظ بحرية الحلم».
وهكذا ظل الجسد، في تجربة سنية صالح، حاضرًا في محطات التهميش والحب والأمومة والمرض؛ لكنه لم يبقَ مجرد جسد يتلقى ما يحدث له. بل حوّلته الشاعرة، في كل مرة، إلى مادة للمعرفة والكتابة، وإلى مساحة تختبر فيها حدود الإنسان وقدرته على تحويل الهشاشة إلى قوة شعرية.
by عامر فياض | Aug 19, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, All Reports, Articles - EN
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار والتضحيات الكبيرة التي قدّمنها خلال الثورة والحرب، ورغم أهمية وضرورة حضورهن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، التي تحتاج لإعادة إصلاح وترميم المنظومة الإجتماعية والمدنية التي تأثَّرت بظروف الحرب ومظاهر العسكرة وانتشار السلاح، يتم إقصاؤهن، بشكلٍ يكاد يكون مُمنهجاً، عن مراكز صنع القرار، والمناصب الوطنية القيادية الفاعلة، وعن أي شراكةٍ حقيقية في مواقع التأثير، كما يتم تَهميشهنَّ سياسياً وإجتماعياً، بشكلٍ يَغَفل حجم عطائهن ومدى تأثيرهن الكبير في بناء المجتمع، في مشهدٍ بات يراه كثيرون أنه يُرسّخ ثقافة السلطة الذكورية، ويُثير الكثير من القلق والمخاوف حول واقع النساء في سوريا مستقبلاً.
غياب عن المناصب القيادية ومراكز صنع القرار
بحسب مؤشر تمثيل النساء السوريات، خلال الرُبع الأول من العام الحالي، والذي يعتمد على القرارات والمراسيم الرسمية والتعيينات الإدارية المركزية والمحلية، يبدو واضحاً حجم الغياب الكبير للنساء عن المناصب العُليا في مؤسسة الرئاسة والوزارات السيادية ومراكز صنع القرار، فمن أصل 437 موقع مسؤولية، يوجد فقط 28 امرأة مُقابل 409 رجل، فيما لم تَشغل النساء سوى أربعة مناصب (وزيرة وثلاث معاونات وزراء) من أصل 87 منصباً في الحكومة، أي ما نسبته 4،60 %، ولم يتجاوز حضورهن في المؤسسات والمديريات والهيئات المركزية نسبة 2،94% ، وغالباً ما ينحصر حضورهن في مواقع تتعلق بشؤون التعليم والأسرة والمجتمع، ويرتبط بالأدوار الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي تحاول إبعادها عن مواقع النفوذ والتأثير.
ويتركز حضور النساء غالباً في مؤسسات ومديريات ذات طابع خدمي واجتماعي، مثل التربية والشؤون الاجتماعية والعمل، فيما يغيب حضورهن بشكلٍ تام عن رئاسة الهيئات الوطنية الجديدة، ومنصب المُحافظ، ورئاسة مجالس المدن، ورئاسة النقابات المركزية، وحتى رئاسة الجامعات الحكومية، وتنحصر مناصبهنَّ في مجالاتٍ محددة، مثل: عضوات مكاتب تنفيذية، ومديرات في بعض القطاعات الاجتماعية وبعض المجالس والنقابات الفرعية. وقد بلغت نسبة تمثيل النساء في الإدارة المحلية والمديريات الرئيسية 5،23 % فقط، وهي نسبة تعكس محدودية مشاركتهن في مواقع صنع القرارات المحلية، حيث ينحصر حضورهن ضمن المكاتب التنفيذية لأربع محافظاتٍ فقط، فيما يغيب عن معظم المديريات المرتبطة بالقطاعات الأمنية والاقتصادية والسيادية الأكثر تأثيراً على مستوى الإدارة المحلية، وكل ما يتعلق برسم السياسات العامة للدولة.
وبحسب المؤشر، بلغت نسبة تمثيل النساء في النقابات 9،2 %، وهي تُشكِّل أعلى تمثيلٍ نسائي، ورغم ذلك بَقيت المواقع القيادية حكراً على الرجال، إذ لم تصل النساء إلى أي مناصب عُليا، ولم يترأسن أي نقابةٍ حتى ولو كانت فرعية، ليقتصر حضورهن على عضوية المكاتب التنفيذية والمجالس النقابية، وذلك على الرغم من التوازن العددي بين الجنسين داخل أغلب النقابات، كما أن تمثيلهن المحدود في النقابات لم يأتِ نتيجة عملياتٍ انتخابية ضمن إطار القوانين النقابية، وإنما جاء ضمن التعيينات التي أقرتها الحكومة، وهو ما رآه البعض تهميشاً ممنهجاً من قِبلها بحق النساء.
وبالنظر إلى تلك الأرقام يبدو واضحاً حجم تدني نسبة تمثيل النساء مقابل الرجال في سوريا، وهي نسبة تبتعد كثيراً عن معدل الكتلة الحرجة التي تتبناها الأمم المتحدة، والتي أقرَّت بأن نسبة تمثيل النساء يجب أن تصل، في الحد الأدنى، إلى 30 %، وصولاً للمساواة الكاملة مستقبلاً.
النساء والتمثيل البرلماني
مع إعادة تشكيل وهيكلة مجلس الشعب، في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لم تُشكّل نسبة تمثيل النساء في المجلس سوى 10.63% فمن أصل 210 عضواً، هناك 22 امرأة فقط، وذلك على الرغم من أن النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب قد حدّد نسبة لا تقل عن 20% لتمثيل المرأة في الهيئات الانتخابية. وبما أن آلية انتقاء الأعضاء لم تكن عبر صناديق الانتخابات، فبالتالي لم يكن هناك حالة تنافسية بين المُرشحين تُعبِّر بشكلٍ حقيقي عن صوت وتطلعات الشعب، إذ تم اختيار ثلثي الأعضاء (140 عضواَ) عبر الهيئات الناخبة المُعيَّنة من قبل الرئيس أحمد الشرع، والتي اختارت سبع نساء فقط، فيما اختير الثلث الباقي (70 عضواً) من قبل الرئيس بشكلٍ مباشر، ومن بينهم 15 امرأة. وقد بدا واضحاً أن معظم النساء المُعينات في المجلس، إما مقرباتٍ من السلطة، أو يحملن توجُّهاً سياسياً وفكرياً مُتقارباً، يتقاطع بشكلٍ أو بآخر مع نهجها وسياستها، وهو ما جعل التمثيل النسائي البرلماني، القليل أصلاً، لا يُحاكي تنوع المجتمع السوري، ولا يُمثِّل مختلف شرائحه ومكوناته، على اختلاف توجهاتها الفكرية والثقافية والسياسية.
ومع تراجع نسبة المشاركة البرلمانية للنساء، احتلت سوريا المرتبة 162 عالمياً، لتصبح ضمن قائمة آخر عشر دول في العالم تُسجّل أدنى نسبة تمثيل للمرأة في البرلمان، وهي نسبة لم تصل حتى إلى النسبة (20%) التي اقترحها النظام الانتخابي لمجلس الشعب.
الخطاب الإقصائي في الإعلام والمشهد العام
من خلال متابعة وسائل الإعلام الرسمية سيُلاحظ تغّييب النساء بشكلٍ واضح عن المشهد الإعلامي، فعلى سبيل المثال، خلال إطلاق الحملة الترويجية لقناة “الإخبارية السورية”، ورغم وجود إعلامياتٍ ومُذيعات ضمن فريق القناة، التي يُفترض أنها تُمثِّل صوت جميع السوريات والسوريين، كان واضحاً حجم تهميشهن وعدم إظهارهن في المراكز والمواقع الأساسية للقناة، مُقابل التركيز الكبير على الإعلاميين الذكور وإبرازهم بأبهى صورهم وحضورهم الإعلامي، سواء في الفيديوهات المُصورة من داخل الاستديوهات أو التي صَوَّرت زيارة وفدٍ من الناشطين والإعلاميين للإطلاع على مُجريات العمل قبل إطلاق القناة. وخلال لقاء للرئيس الشرع مع عدد من الإعلاميين والناشطين وما يُسمى بـ”المؤثرين” و”صُناع المحتوى” كان واضحاً من الصورة التي التُقِطت خلال اللقاء، حجم الغياب الكبير للنساء، إذ لم يظهر فيها سوى امرأة واحدة مقابل عشرات الرجال.
وفي مثالٍ آخر، وخلال نشر البوستر الإعلاني لمؤتمر تطوير طب حديثي الولادة، الذي نظمته نقابة أطباء سوريا/ فرع حماة، وبينما وُضعت الصور الشخصية للأطباء الرجال على البوستر، ظهرت صور الطبيبات المشاركات في المؤتمر بطريقةٍ كرتونية بدلاً من وضع صورهن الشخصية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثيرون أن ذلك السلوك يُمثل انتقاصاً من قيمة الطبيبات.
ومن الأمثلة الأخرى التي تُكرّس ثقافة الخطاب الإقصائي، صدور عددٍ من القرارات التمييزية الغريبة التي تتناقض مع أبسط قواعد العدالة والمساواة بين الجنسين في الأماكن العامة وبيئات العمل، كقرار فصل النساء عن الرجال في ساحة الجامع الأموي، وقرار مدير مستشفى المواساة، الذي يقضي بجلوس الطبيبات وجميع العاملات في المستشفى في القسم الخلفي للباصات المُخصصة لنقل الموظفين، فيما يجلس الأطباء والموظفين الذكور في الجزء الأمامي.
ويرى كثيرون من مُتابعي الإعلام الرسمي أنه يحاول إبراز الرجال وحدهم في صدارة المشهد، ويُرسِّخهم في مواقع السلطة والمبادرة، مقابل دفع النساء إلى الهامش، حتى ولو كنّ حاضرات بالفعل في كثيرٍ من المجالات. كما أن ارتفاع سقف الخطاب السياسي، الذي يتبنى مبادئ “الشرعية الثورية” وشعار “من يُحرّر يقرر”، بات يُكرِّس، عن قصدٍ أو دون قصد، تهميش النساء وإقصاءهن عن الفضاء العام، ويجعل أدوارهنّ محدودةً، وفي أحسن الأحوال يُمكن الاستعانة بحضورهن فقط عند الحاجة إلى تلميع صورة النظام الحالي أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.
وتحاول اليوم بعض الخطابات الشعبوية الإقصائية المواربة، التي انتشرت في كثيرٍ من المجتمعات السورية، إعادة تعريف دور النساء، بما ينسجم مع إيديولوجياتها الدينية والسلطوية، عَبر نشر أفكارٍ تتعلق بتبعية المرأة للرجل، وتكريس صور النساء فقط في الأدوار الرعائية، وإظهارهن كأمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ للرجال، وإظهار كثير من الأدوار النسائية على أنها مُخلّة بالآداب العامة وتُشكِّل خطراً على المرأة، وهو ما نشر حالة من الخوف بين النساء الراغبات بالمشاركة في الشأن العام، وخاصة في بعض الأرياف والمجتمعات المُحافظة.
اللجوء إلى مواقع التواصل الإجتماعي
في ظل ما تتعرض له النساء من إقصاء عن مواقع التأثير والفضاء العام، ومن تضييقٍ على المشاركة في الحياة السياسية، لجأت الكثيرات منهن إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، لعلهن يجدن فيها مساحة للتعبير عن آرائهن وللدفاع عن مواقفهن وإثبات وجودهنّ في الميدان السياسي والفضاء العام بأي طريقة، لكنّ تلك المساحة ضاقت بوجه الكثيرات منهن أيضاً، بعد أن تحول النقد والتعبير عن الرأي إلى فعلٍ محفوف بالمخاطر، حيث تعرض عدد من الناشطات والصحافيات لحملات مُنظمة من التشهير والتحريض، بهدف إخراس أصواتهنّ وإبعادهن عن الميدان السياسي بأي ثمن، وهو ما أجبر بعضهن، خاصة بعد تعرضهن إلى تهديدات وشتائم ذات طابع جنسي، على حذف منشوراتهن التي تنتقد الحكومة وتتحدث عن السياسة وتهميش النساء، وذلك في ظل غياب أية مؤسساتٍ قانونية يمكنهن اللجوء إليها، وغياب الأحزاب السياسية الذي يُبقي تأثيرهن وفعاليتهن السياسية محدودة ومُشتتة.
تحتاج البلاد اليوم، وبصورة مستعجلة، إلى إعادة الاعتبار للمرأة، بوصفها شريكة فاعلة ومؤثِّرة في بناء سوريا الجديدة، ويُشكِّل تمثيلها وحضورها الفاعل جوهر عملية التحول الديمقراطي المنشود، وهو ما يحتاج إلى إعادة هيكلة لجميع المنظومات السياسية والثقافية والقانونية بطريقةٍ ناجعة تضمن مشاركة متكافئة لكلا الجنسين، وتمنح المرأة تمثيلاً حقيقياً ومُستداماً في المجتمع، وجميع المؤسسات والمجالس ومواقع القرار، كما ينبغي أن تكون تلك المشاركة ليست مُجرد استجابة للضغوط الدولية أو محاولة لإظهار خطابٍ مُعاصر يُلمّع صورة السلطة، وإنما استجابة طبيعية للدور التاريخي للمرأة، وطنياً وإجتماعياً وإنسانياً، وإيماناً راسخاً بأن إعادة بناء البلاد تتطلب طاقات وعقول جميع أبنائها، من كلا الجنسين.
by عمر الشيخ | Aug 16, 2026 | العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
بينما كانت معظم مناطق محافظة السويداء السورية تستذكر ضحايا الانتهاكات والمجازر التي مضى عليها عام، جرّاء المعارك بين القوات الحكومية الجديدة وفصائل معارضة لها، تتذكّر مناطق سورية أخرى، في المقابل، أن أعلاماً إسرائيلية رُفعت فوق الجراح السورية هناك، وأن مبنى وزارة الدفاع وسط دمشق، الذي تعدّه إسرائيل رمزاً مهمّاً للدولة السورية، قد قُصف بطيرانها بذريعة اقتحام الجيش السوري الجديد عدداً من قرى السويداء ذات الأغلبية الدرزية. وتتذكّر أيضاً أن قوات عسكرية هناك، كان معظمها يدين بالولاء المطلق لنظام الأسد ومخابراته، أصبح اسمها اليوم “الحرس الوطني”، وأنها تسيطر على القرارين السياسي والاجتماعي هناك، في حين ترفض شريحة واسعة من الأهالي، تحت نير الانقسامات، إسرائيل والحرس الوطني، وترفض الحكومة الانتقالية في دمشق أيضاً!
بهذه الخلاصة المعقّدة والقاسية، يمكننا تلخيص صورة مهشّمة للهوية السورية، كان يُفترض بأصحابها أن يبحثوا عن عمق انتمائهم الثقافي والفكري ضمن إطار وطني، بعد سقوط أحد أعتى الأنظمة المجرمة في تاريخ المنطقة؛ نظام عائلة الأسد. وبدلاً من أن تلتفت بعض المناطق، التي تحكم أغلبَها انتماءاتٌ دينية ملوّثة بالمصالح السياسية، إلى ما زرعته حوكمة النظام السابق من هيمنة وإضعاف إداري، اتخذت تلك المناطق، وبسبب سلوكيات سلطوية ربما أُعيد تدويرها، موقفاً متباعداً من السلطة التي تمسك زمام الحكم اليوم في دمشق. وكان ذلك فاتحةً لأسئلة الهويات المناطقية، والثقة بالسلطة والثورة، ولتوارد الخواطر والأفكار والمشاهد عن خطف اللحظة التاريخية بغرض التفرّد وفرض الوقائع الجديدة، ولو بالدم من جهة، أو بالاستعانة بالعدو من جهة ثانية.
لم تدخل الحوكمة المؤسسية بعدُ في رهان الخصوصية والتغيير الثوري؛ فقد تراجعت بوضوح أمام ترهّل المؤسسات التي لا تزال تعمل، حتى اللحظة، بقوانين نظام الأسد ومراسيمه. وحلّت منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية مكانها إلى حدٍّ كبير، وهي تُعدّ، في أساسها، أدوات نفوذ ناعم توظّفها السفارات والجهات غير الحكومية للعب دور في تهيئة الظروف لإعادة الثقة بالمجتمع المدني، بعيداً عن الدولة وما تعانيه من صراعات وولاءات. ولمراقب المشهد المحلي في سورية، تبدو منظمات المجتمع المدني أكثر ديناميكية وحيوية وإنتاجية من المؤسسات الرسمية؛ في الإعلام والأبحاث، وفي الاقتصاد والاستشارات، وفي العقارات والتعليم، وحتى في التفكير السياسي. نحن لا نقلّل من شأن سقوط النظام، كما قال لكاتب هذه السطور أحد القرّاء، وإنما نحاول أن نحدّد موضع الخلل الجوهري في تعطّل التنمية الإدارية، بعيداً عن حسابات السلطة ومسطرة الثورة. هل تبحثون عن الكفاءات؟ إذن، ضعوا لنا، بمنتهى الشفافية، ما سوف تجود به شراكات الحوكمة من تغيير في المؤسسات ووزارات الدولة، بعيداً عن سلطة “الشيخ” في الطابق العلوي، والخطاب الإعلامي الذي يُظهر وزراءً وهم يوبّخون موظفيهم بسبب التقصير.
إن مظاهرات جرمانا الأخيرة، التي خرجت مع حلول ذكرى “تموز الأسود”، بحسب ما يصفه البعض، ودلّت على صراع داخلي، لم ترفع علم الدولة السورية الجديد، بل رفعت علماً طائفياً، كما في السويداء، ولم يكن ينقصها سوى أن ترفع أعلام العدو أيضاً! وهذا إنما يعكس مدى عمق الشقاق بين الحكومة والمناطق ذات الامتداد الطائفي. ويروي أحد الشبان الذين صوّروا المظاهرات، في مقابلة خاصة أجريتها معه، قائلاً: “هناك خصومة عنيفة بين الشباب في جرمانا والقيادة الروحية الدرزية”. وبسبب ذلك، يعتقد أن ما حدث جاء متزامناً مع ذكرى أحداث السويداء المؤسفة، وكان تتويجاً لهذا التوتر.
ولكن الأمر يبدو، من ناحية أخرى، مختلفاً تماماً؛ ففي جرمانا نماذج عديدة للحوكمة الإدارية من خلال منظمات دولية مدعومة من الخارج، كما هي الحال مع منظمة ألمانية لديها مشروع هناك اسمه “سورية الصغرى”، تتوسّع من خلاله أنشطتها الاجتماعية والفكرية والتنموية. وهي تعلن بوضوح، عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن المناقصات والتعيين والتعاقد، وتقدّم الحلول المتعلقة بالبنى التحتية، وكذلك توظّف الكفاءات. التمويل واضح، وكذلك التوجّه، وهذا ما لا يعدّه البعض إضعافاً للحكومة، التي قد تنشغل بعض مؤسساتها بتقييد الحريات العامة، في الوقت الذي تنشط فيه مؤسسات أخرى في ملاحقة المشكلات وتوثيقها في الإعلام. وذلك حسن جداً، ولكنه يحتاج إلى عدوى حقيقية تصيب العمل السياسي. ومن هنا، يمكننا التوقف قليلاً عند مؤسسة مجلس الشعب، الذي عيّن الرئيس السوري نصف أعضائه. ولكن المشكلة الأكبر تكمن في أن يبرّر هذا المجلس، في موضع ما، سلوكيات الحكومة، في حين أن من أبرز مهامه مراقبة أداء السلطة التنفيذية، من الرئيس إلى أصغر موظف في خدمة هذا الشعب، الذي ذاق ما ذاقه من مرارات التغييب والتجهيل بحقّه في أن يعيش بكرامة وحرية، من دون منّة من حكومة، أو ثورة، أو سلطة، أو زعامة. فكيف إذا راح أحد أعضاء هذا المجلس يبرّر تجميد النشاط الحزبي والسياسي في البلاد؟ إذا لم تسهم الأحزاب، خلال المرحلة الانتقالية، في تشكيل بنية الدولة، فإن دورها الكركوزي سيكون جاهزاً بعد تثبيت الحكم والسلطات الثلاث، “التشريعية، التنفيذية، القضائية”، التي يسيطر الرئيس على معظمها، وفقاً للإعلان الدستوري الذي أعلنه حكام سورية الجدد.
من خلال مراقبة الأحداث اليومية، وكذلك بالرجوع إلى أكثر من عام ونصف على سقوط النظام في سورية، وبكشف النمط السلطوي الذي تمضي عليه الحكومة ومؤسساتها، إلى جانب العمل الموازي الذي تؤديه منظمات داعمة على الأرض، نستطيع أن نشير إلى أن عرقلة النمو والتغيير تتقدّم على حساب الانفتاح الدولي، الذي قد تتأخر انعكاساته على المجتمع السوري من حيث الخدمات، والتسهيلات، والرفاه، والأثر. فالمعلّقون على التجربة يعانون من مشكلة عميقة في تقييم المشهد؛ مشكلة ذروتها في عدم الوصول بعد إلى مستوى النظرة الوطنية نحو سورية الجديدة. وأعتقد، بحسب اطلاعي المستمر على المناخ السياسي رقمياً، أن الواقع الميداني على الأرض قد يختلف كلياً عمّا تنقله الشاشات والحسابات المؤيدة للحكومة، التي لم يكن معظمها يوماً مع الثورة تماماً، والحسابات المعارضة لأدائها، التي ينتمي أغلب أصحابها إلى عمق الحاضنة الاجتماعية التي جعلت نظام الأسد يستمر سنوات طويلة.
وتظهر جلياً صورة الرغبة العامة في ضرورة نجاح التجربة، لكن الجميعَ تعيق تقدّمَهم، على نحو ما، الهوياتُ المناطقية أو الدينية، وتعيق فهمَهم منهجيةُ السؤال المتوازن، والاعتيادُ المسبق على إجابات عامة وجاهزة، وكذلك التنمّرُ السياسي واحتقارُ الخصوم من أبناء البلد بصورة عنيفة. فكل طرف يراقب التجربة من داخل مخاوفه الخاصة، ويقرأها استناداً إلى خساراته السابقة أو تطلعاته المؤجلة، ثم يعيد تقديم موقفه على أنه التعبير الأكثر اكتمالاً عن المصلحة الوطنية. وبهذا، يتحول الخلاف السياسي إلى امتحان للهوية والانتماء، ويصبح النقد اتهاماً، والدفاع عن السلطة ولاءً، والاعتراض عليها خيانةً أو حنيناً إلى الماضي، فتضيق المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها السوريون على أسئلة الدولة، والعدالة، والحقوق، والتشاركية.
وأغلبهم، من دون هوادة، يمرّغون الخطاب في انتماءاتهم الضيقة، وفي الرأي الذاتي، واللغة الحالمة الرومانسية في موضع ما، والرأي الذي يعيش صراعات المقارنة بين الماضي والحاضر، وبين الداخل والخارج، والرأي الذي نادراً ما يفهم طبيعة المجتمع وتأخّر التغيير لأسباب نمطية تسيطر على خيال الشعب وحريته. وفي ظل هذا المناخ، يصبح الوصول إلى رؤية وطنية مشتركة أكثر صعوبة، لأن كل جماعة تريد من الدولة الجديدة أن تشبه مخاوفها أو طموحاتها، وأن تعترف بخصوصيتها قبل أن تعترف بغيرها، فيما تبقى فكرة المشاركة العامة مهددة بالتراجع أمام رغبة كل طرف في حماية موقعه أو فرض روايته. وهنا يظهر الإنذار الحقيقي؛ أن تستمر الهويات في التفاقم، وأن تتحول المرحلة الانتقالية إلى ساحة لتثبيت الانقسامات القديمة بأسماء جديدة، بدلاً من أن تكون فرصةً لبناء عقد وطني يعيد للسوريين ثقتهم بالدولة وببعضهم بعضاً.
by نور قهوه جي | Aug 10, 2026 | العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
جلست في مقرّ شبكة (مدنيّة- MADANIY) في بيت فارحي، الكائن في حي الأمين الدمشقي، أتأمل الشعار اللفظي (السلوجان) الذي تبنته: «مدنيّة في سوريا… نستعيد بلدنا، فضاءاتنا، وأحقيتنا السّياسية»، وعلى الفور رحت أفكر، بعد أن أصبح الكلام ممكناً: من يصل صوته إلى المجال العام؟ ومن يمتلك القدرة على تمثيل المجتمع ورواية قصته؟ وهل استعدنا فضاءاتنا كلّها حقاً؟ وهل يواجه السوريون اليوم تحدي حماية «فضاءاتهم المُستعادة»؟
عادةً، يُنظر إلى استعادة حرية التعبير في الفضاء العام بوصفها الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية… في المجتمعات التي تخرج من حقبة طويلة من الاستبداد، كما هو الحال في سوريا. وينطلق مفهوم الفضاء العام عند يورغن هابرماس (1929- 2026) من كونه فضاءً يسمح للمواطنين بتداول الأفكار بحرية بعيداً عن هيمنة السلطة، إلا أن هذا التصور يواجه اليوم تحدياً جديداً؛ إذ تتزامن مرحلة إعادة بناء المجال العام مع ثورة رقمية أعادت تشكيل طرائق إنتاج المعرفة وتداولها. فلم تعد الثقافة تُصنع داخل المؤسسات التقليدية وحدها، ولم تعد الدولة الفاعل الأكثر قدرة على ضبط المجال العام، حيث برزت المنصات الرقمية بوصفها فضاءات جديدة لإنتاج الخطاب الثقافي، وأخذت الخوارزميات تؤدي دوراً خفياً كشريك في تشكيل هذا الخطاب، وإعادة ترتيب أولوياته، وتحديد مساحة انتشاره، ومنح بعض الأصوات حضوراً أوسع من غيرها.
وتكمن المفارقة الأبرز في أن الخوارزمية لا تكتب قصيدة، ولا تنجز دراسة فكرية، لكنها تشارك، بطريقة غير مباشرة، في تحديد ما يقرأه الناس، وما يناقشونه، وما يترسخ في ذاكرتهم بوصفه صورةً عن المجتمع وثقافته.
وبهذا يتغيّر حضور السلطة الثقافية من الرقابة والمنع كما في السابق، لتمارس جزءاً من تأثيرها عبر الانتقاء، وإدارة الانتباه، وإعادة توزيع فرص الظهور، وهو ما أشار إليه ميشيل فوكو (1926- 1984) عندما وصف السلطة بأنها شبكة تنتج المعرفة وتحدد شروط ظهورها أكثر من كونها جهازاً للقمع المباشر. وإن كانت مرحلة إعادة بناء المجال العام في سوريا تقتضي إعادة النظر في المؤسسات والقوانين وأشكال المشاركة، فإنها تستوجب أيضاً إعادة التفكير في الجهة التي تمتلك القدرة على تعريف الثقافة السورية، وتمثيلها، ونشرها، وتقديمها إلى السوريين وإلى العالم.
إعادة بناء المجال العام… وإعادة توزيع السلطة الثقافية
تشكّل الواقع الثقافي طويلاً في سوريا، في عهد الاستبداد، داخل فضاءات تضبطها الدولة ومؤسساتها، سواء عبر التعليم أم الإعلام أم من خلال الإشراف المباشر على المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية، وعبر الحدود التي كانت ترسمها الرقابة لما يمكن قوله أو نشره أو حتى تداوله. وعلى الرغم من أن هذه البنية لم تنجح يوماً في احتكار الثقافة بالكامل، فإنها أسهمت في رسم ملامح المجال العام، وحددت، إلى حد بعيد، من يتحدث باسم الثقافة، ومن يمتلك شرعية تمثيل الشأن الثقافي السوري.
أما اليوم فيبدو الحال مختلفاً؛ إذ لا يوجد احتكار لجهة واحدة، لكننا أمام تقاسم لسلطة التمثيل بين الدولة والمنصات والخوارزميات والمؤثرين والمانحين والجمهور نفسه. وهنا يتجلى أمران يستحقان المناقشة: الأول يتعلق بإعادة بناء المجال العام الذي لم تعد السلطة متمركزة فيه في مؤسسة واحدة، ولم تعد المعركة تدور فيه حول حق الكلام فقط؛ إذ أتاحت البيئة الرقمية مجالاً غير مألوف سابقاً لتعدد الأصوات، وأصبح كل فرد قادراً على أن يكتب ويحلل، وينتج المعرفة، ويشارك في تشكيل الصورة التي يقدّمها المجتمع عن نفسه. وهذا التحول لا يعني اختفاء السلطة، بل يعني انتقالها إلى نمط أكثر تعقيداً يتعلق بحق الوصول، والتمثيل، وحق تشكيل الصورة التي ستبقى عالقة في الذاكرة الجمعية.
والثاني هو ظهور منظومة رقمية أخذت تحدد أي الأصوات أصبح أكثر تأثيراً، وأيها سيبقى مهمشاً. وهذه النقلة الرقمية ليست نقلة تقنية فقط بقدر ما هي ثقافية؛ تمس جوهر العلاقة بين المعرفة والمجتمع، وبين المنتج الثقافي وجمهوره، وتنقل شرعية الحضور الثقافي من المؤسسات الثقافية إلى المنصات الرقمية، بحيث يصبح الوصول إلى الجمهور خاضعاً، لا للمعايير الثقافية بقدر ما يخضع لمنطق التفاعل واقتصاد الانتباه.
وقد تنبهت السلطة الجديدة، التي تولت دفة الحكم بعد سقوط النظام، إلى هذا التحول مبكراً؛ فسارعت، منذ عامها الأول، إلى محاكاة آليات السيطرة الحديثة عبر استقطاب المؤثرين وصنّاع المحتوى (البلوغرز). ولم يقف الأمر عند كسب الولاء الافتراضي؛ إذ أتبعت ذلك بسلسلة من إجراءات المأسسة، فشرّعت مدونة سلوك تضبط العمل الصحفي والإعلامي، وفعّلت أنظمة مكافحة الجريمة الإلكترونية لترسيم حدود الفضاء الرقمي الجديد.
وبذلك، لم يعد رأس المال الثقافي وحده كافياً لاكتساب الشرعية في سوريا اليوم، بل بات رأس المال الرقمي، وأعداد المتابعين، ومعدلات التفاعل عناصر حاسمة تدخل في صياغة المكانة الثقافية للأفكار والأفراد على حد سواء، وبالتالي للدولة، وهو ما يتوافق مع أطروحة بيير بورديو (1930- 2002) حول أشكال رأس المال المتشابكة.
الخوارزمية وسلطة تمثيل المشهد الثقافي
يصف مانويل كاستليس (1942) المجتمع الرقمي بأنه مجتمع شبكات تنتقل فيه السلطة عبر تدفقات المعلومات أكثر مما تنتقل عبر المؤسسات، وهو ما يبدو جلياً في الحالة السورية اليوم؛ فلا تشارك الخوارزمية في تشكيل المشهد الثقافي في المجال الرقمي فحسب، بل تحدد أيضاً أي الموضوعات ستبقى في واجهة النقاش العام، مما يفرض إعادة التفكير في مفهوم التأثير الثقافي. فالمقال الرصين، أو الدراسة الأكاديمية، أو العمل الأدبي أو الفني لم يعد ينافس أعمالاً من النوع ذاته فقط، بل أصبح ينافس أيضاً سيلاً متواصلاً من الصور والمقاطع القصيرة (الريلز) والمحتوى السريع الذي صُمم ليحظى بأكبر قدر من التفاعل في أقل وقت ممكن. وبهذا غدا إنتاج المعرفة مرتبطاً ببيئة لا تكافئ دائماً العمق أو القيمة بقدر ما تكافئ ما يجذب الانتباه.
وهنا نحن في مواجهة سلطة غير مرئية تمنح، وبصورة غير مباشرة، شرعية التمثيل؛ فكلما تكرر ظهور خطاب معين، أو صورة بعينها، أو سردية محددة، ازدادت قابليتها لأن تُستقبل بوصفها التعبير الأكثر حضوراً عن المجتمع، وإن كانت لا تمثل حقيقة واقعه. ولعلّ مظاهر الأسلمة التي تُصدّر اليوم بوصفها صورةً لمجتمع سوري من لون واحد، «أكثرية» تتماهى فيها المكونات الأخرى وتضمحل بوصفها «أقلية»، واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك.
من يمثّل الثقافة السورية في الفضاء الرقمي؟
إن كانت الثقافة هي الطريقة التي يروي بها المجتمع ذاته، فالسؤال المهم الذي يفرض نفسه في الحالة السورية هو: من يمثّل هذه الثقافة في الفضاء الرقمي؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية مضاعفة نابعة من واقع مجتمع يسعى إلى إعادة بناء فضائه العام، ويحتاج إلى فسحة تتجاور فيها السرديات المختلفة، وتتعايش فيها التجارب المتنوعة، لا إلى فضاء يعيد اختزال هذا التنوع في روايات أكثر قابلية للانتشار، أو مقاطع (ريلز) ساخرة من مشاهد قتل، أو مؤثرين أصبحوا مراجع في النقاش السياسي، أو سيل من التفاعلات بـ«أضحكني» تجاه قضايا كبرى بهدف تسخيفها أو تهميشها.
إن التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم هو بناء بيئة رقمية تضمن عدالة الظهور وعدالة التمثيل، لا استعادة حرية التعبير فقط. فالديمقراطية الثقافية لا تتحقق بمجرد تعدد الأصوات، وإنما عندما تمتلك هذه الأصوات فرصاً متكافئة للوصول إلى المجال العام والتأثير فيه. وفي هذا السياق يبرز السؤال الحقيقي: من يقرر أي ثقافة يراها السوريون أولاً؟ وما الدور المأمول اليوم من مؤسسات الدولة الجديدة في تفعيل دورها الثقافي والوطني في مواجهة هيمنة الخوارزميات؟ وكيف يمكن لهذه المؤسسات الناشئة أن تستعيد دورها حاضناً للمشهد الثقافي السوري بتعدديته وزخمه، بدلاً من الانزلاق نحو أدوات الرقابة والضبط الرقمي الناعم؟