by سالي علي | Oct 18, 2026 | Cost of War - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
في صباح أكتوبر مددت يدي نحو سترتي المعلّقة خلف الباب، وأدخلت رأسي في قبّتها الطويلة قبل أن أخرج. فعلت ذلك بلا تفكير، كما أفعل كل يوم ثم توقفت لحظة وأنا أشعر بالقماش يحيط برقبتي. كانت دافئة، وهذا كل ما أريده؛ لكنها كانت تضغط قليلاً أيضاً، بالقدر الذي يجعلني أشعر بوجودها طوال الوقت. فكرت أنني أرتدي شيئاً يشبهنا نحن!! لا أقصد السوريين الذين يخافون من البرد، بل أولئك الذين عاشوا زمناً طويلاً وهم يخلطون بين الأمان والنجاة،وبين الصمت والهدوء، وبين انتهاء الخطر وانتهاء الخوف. أحياناً ينتهي الشيء الذي كنا نخاف منه، لكنّ الجسد لا يعرف ذلك فوراً. يبقى مستنفراً، يصغي إلى صوت الباب، يراقبُ الشارع من طرف العين، ويحتفظ دائماً بمسافة صغيرة بينه وبين الطمأنينة، كأنّ عليه أن يكون مستعداً للهرب حتى في اليوم الذي لم يعد فيه أحد يطارده. ربما لهذا لم أعرف، بعد كل ما تغيّر في سوريا كيف أفرح بطريقة كاملة.
لم تكن المشكلة في الفرح نفسه فقد كان موجوداً، واضحاً، جارياً في الشوارع والبيوت والوجوه التي شعرت للمرة الأولى بأنّ شيئاً ثقيلاً أزيحَ عن صدورها. لكن الفرح، حين يأتي بعد خوف طويل، لا يدخل إلى الإنسان من الباب نفسه الذي يدخل منه في الحياة العادية. بل يدخل مترددا يرفع رأسه قبل أن يخطو، ينظر حوله ثم يجلس قريباً من الباب. كأننا لا نعرف بعد إن كانَ مسموحاً لنا أن نفرح.
أحياناً أخرج من البيت فأجد وجوهاً أكثرُ خفة مما اعتدته في السنوات الماضية. الناس يتحدثون بصوتٍ أعلى، يضحكون في الطريق، يناقشون ما كان من المستحيل مناقشته، ويتصرفون كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح أوسع. لكن شيئاً ما يبقى في الوجه، شيء لا تستطيع الكاميرا التقاطه بسهولة؛ التفاتة سريعة، صمتٌ مفاجئ، ذلك الجزء من الإنسان الذي يواصل العمل حتى بعد أن تنتهي مهمته. فالخوف لا يعيش في الأخبار وحدها بل يعيش في العضلات. في الطريقة التي نمسك بها الهاتف، في الأبواب التي نغلقها مرتين. في السؤال الذي لا نطرحه. في الجملة التي نعيد صياغتها قبل أن نقولها. في عين تراقب الطريق قبل أن تعبره، وفي أمّ لا تستطيع أن تتوقف عن الاتصال بابنها، حتى بعدما يصبح الاتصال عادياً ولا يحمل سبباً واضحاً؛لهذا لا يكفي أن نقول للإنسان إنّ زمن الخوف انتهى فهو يحتاج إلى أن يصدّق ذلك بجسده أيضاً.
ربما كانت هذه هي أصعب مراحل ما بعد الخوف؛ أن تكتشف بأن الخلاص من مصدر الرعب لا يعني الخلاص من الرعب نفسه. السلطة تستطيع أن تسقط، والصور أن تنزل عن الجدران، والخطابات أن تتغير، لكنّ السنوات التي أمضيناها ونحنُ نتعلم كيف نحمي أنفسنا لا تختفي بالسرعة نفسها. الخوف الذي كان يأتي من الخارج يجد له بعد فترة غرفة صغيرة في الداخل، ويقرر البقاء فيها حتى بعد أن يغادر أصحاب البيت. وهنا يصبح السؤال أقل تعلقاً بالسياسة وأكثرُ قرباً من الإنسان: ماذا يفعل شخص نجا، لكنهُ لم يتعلم بعد كيف يعيش بوصفه ناجياً؟
أفكر في ذلك أحياناً، فلا يحدث شيء استثنائي، لا أخبار عاجلة، ولا أصوات في الخارج، ولا سبب واضح للقلق. ومع ذلك أشعر بأنني في حاجة إلى شيء يحميني من شيء لا أستطيع تسميته. ربما لهذا أعود إلى الله في بعض الأيام بطريقة تشبه عودة الطفل إلى يد أمه، ثم أبتعد في أيام أخرى، لا لأنني فقدت إيماني بل لأنّ الحياة حين تهدأ تجعلني أنسى حاجتي إلى من أطلب منه الطمأنينة.. نحن نتذكر الله جيداً حين تضيق المساحة حولنا، ثم ننسى أن نبحث عن علاقة به حينَ تتسع. كأننا نستخدم الإيمان أحياناً كما نستخدم بطانية في ليلة شديدة البرودة: نبحث عنها حين نرتجف ثم نرميها جانباً حين نشعر بالدفء.لكنني لا أريد هذا النوع من العلاقة.أريد إيماناً لا يحتاج إلى كارثة كي يظهر، ولا إلى خوف كي يصبح ضرورياً. أريد أن يكون الله موجوداً في الأيام التي لا يحدث فيها شيء، في صباح عادي، وفي فنجان قهوة، وفي طريق العمل، وفي تلك اللحظة التي أرتدي فيها سترتي قبل الخروج من البيت. ربما لأنني تعبت من الأشياء التي لا تظهر إلاّ عندما يصبح كل شيء على وشكِ الانهيار.
لقد عشنا زمناً طويلاً ونحنُ ننتظر حدثاً كبيراً كي تتغير حياتنا. ثم جاء التغيير واكتشفنا أن الحياة لا تعرف كيف تبدأ من جديد بمجرد أن ينتهي القديم.النجاة نفسها تحتاج إلى تعلّم. نحتاج أن نتعلم كيف نثق من دون سذاجة، وكيف نختلف من دون أن نرى في الاختلاف تهديداً، وكيف ننام من دون أن نضع أذننا على باب الغد، وكيف نسمح لأطفالنا أن يخططوا للمستقبل من دون أن نضيف في نهاية كل خطة جملة صغيرة عن احتمال أن يتغير كل شيء. وربما لا توجد صورة أكثرُ قسوة لهذه المرحلة من طالب سوري يريد أن يذهب إلى امتحانه، لكنهُ لا يستطيع. في السويداء مثلاً؛ لم يكن الخوف مجرد شعور عابر في الأيام الأخيرة، بل صار قادراً على تعطيل مستقبل كامل؛ آلافُ الطلاب ما زالوا عالقين بين دمشق والمحافظة، وبين سلطة تريد استعادة حضور مؤسساتها وقوى محلية تخشى عودة ذلك الحضور، حتى إن رويترز تحدثت في مطلع أكتوبر عن إكمال 150 طالباً فقط من أصل نحو 13,700 طالب امتحاناتهم في 2026. هنا لا يعود السؤال عن الخوف بوصفهِ أثراً نفسياً للحرب فقط، بل عن دولة لم تتمكن بعد من جعل مواطنين يعيشون تحتَ سلطتها يثقون بأنّ عبورهم إلى مدينة أخرى لن يعيد إليهم ما حاولوا الهرب منه.
المشكلة أنّ الدولة لا تستطيع أن تطلب من الخائف أن يثق بها بمرسوم. فالثقة لا تُعلن بل تُختبر في الطريق إلى الجامعة، وفي مركز الشرطة، وعلى حاجز التفتيش، وفي المحكمة، وفي القدرة على العودة إلى البيت من دون أن يحتاج المرء إلى أن يشرح لنفسه لماذا كان خائفاً طوال الطريق وربما نحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن نعيد تعريفَ الأمان؛ فهو ليس أن تختفي الأصوات التي كانت تخيفنا فقط. ولا أن يصبح الشارع هادئاً في ليلة واحدة؛ هو أن يعرف الإنسان أنّ حياته لن تنقلب عليه فجأة، وأن القانون لن يصبح خصمه، وأنّ البيت الذي يعود إليه سيظل بيته، وأن اسمه لن يتحول في لحظة إلى تهمة، وأن اختلافه لن يجعله أقل استحقاقاً للحياة من غيره. الأمان هو أن يتوقف الإنسان عن الاستعداد الدائم للأسوأ.
حين أفكر في سوريا من هذه الزاوية، يبدو لي أن أصعب ما ينتظرها ليس فقط بناء مؤسسات جديدة أو إعادة ترتيب الاقتصاد والسياسة، بل بناء شيء أكثر خفاءً: ثقة الناس بأن الغد يمكن أن يكون عادياً. قد يبدو هذا مطلباً صغيراً أمام كل ما تحتاجه البلاد، لكنهُ ربما ليس كذلك. فالدول لا تُبنى فقط بالدساتير والوزارات والطرقات، بل أيضاً بالقدرة على جعل مواطنيها يذهبون إلى النوم من دون أن يتركوا نصف وعيهم مستيقظاً للحراسة.
ثم أعود إلى سترتي. في نهاية اليوم أخلعها وأعلّقها خلف الباب. أحياناً أفكر في القبّة الطويلة التي تحيط بالرقبة: هي موجودة لتحميني من البرد، لكنها تلامس جلدي طوال الوقت، وتذكّرني بوجودها. الدفء فيها حقيقي، والضيق حقيقي أيضاً. وربما هذه هي حالنا الآن: نريد الأمان، لكننا لا نعرف بعد كيف نعيش داخله من دون أن نفتش عن الخطر. قد يكون علينا أن نمنح أنفسنا وقتاً؟؟ ليس وقتاً كي ننتظر سوريا أخرى، بل وقتاً كي نصبح نحنُ أيضاً آخرين قليلاً. أن نترك أجسادنا تتعلم أنّ الباب يمكن أن يُغلق لأنه ليل، لا لأننا نخشى أحداً. أن نتعلم أن الصمت يمكن أن يكون راحة لا تهديداً، وأن الضحكة العالية ليست دعوة للعقاب، وأنّ المستقبل ليس بالضرورة اسماً آخر للمفاجأة السيئة. ربما لن أعرف متى ينتهي الخوف تماماً. وربما لن ينتهي. بعض الأشياء لا تغادرنا، وإنما تتغير علاقتنا بها. لكنني أعرف أنني في صباح أكتوبر القادم بسوريا سأمد يدي إلى سترتي، سأرتديها لأنها دافئة، و سأخرج من البيت من دون أن أطلب منها أن تحميني من العالم كله. أريد فقط أن تكون قبّتها حول رقبتي، لا حول روحي.
by عماد الدين موسى | Oct 13, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
ينتمي لقمان ديركي إلى جيلٍ سوريّ تشكّلت ملامحه الإبداعية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث برز كصوت شِعري ذي نبرة خاصة تمزج بين الحميمي واليومي، وبين التأمل الحادّ والالتقاط السريع للمفارقات. وُلد في مدينة الدرباسية شمال شرقي سوريا عام 1966، وحمل منذ بداياته حساسية شِعرية تنحاز إلى الإنسان العادي، وإلى تفاصيل العيش الصغيرة، والتوتر الخفي بين الفرد ومحيطه.
كتب الشِعر والمقالة، وشارك في الحراك الثقافي السوري والعربي، مستفيداً من خبرته الصحفية ومن حضوره في المنابر الأدبية. ومع تحولات العقد الأخير، انتقل إلى أوروبا، حيث واصل الكتابة من موقع جديد أتاح له مسافة تأملية أعمق، فصار نصّه أكثر انفتاحاً على أسئلة الهوية والاقتلاع والتحوّل.
في كتابه الجديد “مذكرات سائح بالصرماية”، الصادر عن منشورات المتوسط في ميلانو (2026)، يقدّم لقمان ديركي نصاً يراوغ التصنيف، ويتخفّف من أثقال الأنواع الأدبية، ليكتب سيرة جيلٍ كامل عبر مفردة شعبية يومية “الصرماية”.
يشتغل العنوان وحده كمفتاح تأويلي كثيف؛ فالسائح في المتخيّل العام يحمل خرائط ويدوّن انطباعات عابرة، غير أن سائح ديركي يحمل ذاكرة ثقيلة، ويتنقّل بين الحارات والسجون والمدارس والحدود، ويجرّ وراءه طبقات من الخيبة والتهكّم والنجاة المؤجّلة. أما “الصرماية”، فهي انحياز إلى اللغة الحيّة التي تمشي في الشارع، وتحتكّ بالتراب، وتعرف وجع الطريق.
بهذا يتحوّل العنوان إلى بيان جمالي وأخلاقي في آن؛ فالنص يكتب من الأسفل/ القاع، من يوميات البشر الذين عركتهم السلطة والعائلة والمنفى. يُعاد هنا ترتيب العلاقة بين العالي والواطئ، بين الفصيح والمحكي، بين البطولة والنجاة الصغيرة.
يقع الكتاب في نحو مئتي صفحة من القطع الوسط، موزّعة على فصول مستقلة في عناوينها، متكاملة في مضامينها، بحيث يمكن قراءة كل فصل كحكاية قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه كجزء من سيرة ممتدّة تتقاطع فيها الطفولة والمراهقة والشباب، البيت والحارة، المدرسة والسجن، الملعب والميناء.
تعني “الصرماية”، في لهجات الشام، الحذاء؛ غير أن ديركي يمنحها كثافة رمزية تتجاوز معناها المعجمي؛ فهي علامة على اليومي، وعلى الجسد الذي يسير في طرقات المدينة، وعلى اللغة التي ترفض التهذيب القسري. “الصرماية” تمشي، تُركل، تُستهلك، تتسخ، وتبقى شاهدة على المسافة التي قطعها صاحبها.
يقدّم الكاتب لوحات سردية متتابعة، كل لوحة تلتقط لحظة أو مشهداً أو حادثة، وتترك للقارئ مهمة ربط الخيوط. تتجاور الحكايات العائلية مع الوقائع السياسية، وتتداخل النوادر الطفولية مع مشاهد القمع، في فسيفساء مدينة تتشكّل عبر التفاصيل الصغيرة. هكذا تتحوّل “الصرماية” إلى عدسة ترى من الأسفل، وتعيد كتابة السيرة من الهامش.
حكايات البيت الأولى
تبدو الفصول في “مذكرات سائح بالصرماية” مستقلة في عناوينها، غير أن روحاً واحدة تسري بينها؛ كل فصل يحمل عنواناً دالاً يعكس مزاجه وموضوعه، من حكايات البيت الأولى إلى تجارب الاعتقال والتهريب والرحيل. ما يمنح الكتاب إيقاعاً متقطّعاً يشبه الذاكرة نفسها؛ فالذاكرة تميل إلى القفز بين الأزمنة، وتستدعي ما يلمع فجأة. تغدو الطفولة هنا مختبراً مبكّراً لتعلّم الخوف والسخرية، بعيداً عن صورتها المثالية. فيما تظهر المدرسة بوصفها فضاءً لتلقين الشعارات، والحارة مساحة للتواطؤ واللعب وتبادل النكات. كما تحضر العائلة بثقلها الرمزي، حيث تتقاطع السلطة الأبوية مع السلطة السياسية في شبكة من الأوامر الصغرى التي تمهّد لأوامر كبرى. يمرّ السجن كظلّ ثقيل، ويأتي الملعب كفسحة مؤقتة للفرح، وتغدو الحدود جداراً يفرض على الجسد أن يتحوّل إلى رقم.
يمنح هذا البناء القائم على اللوحات، الكتاب طابعاً سينمائياً؛ فالمشاهد قصيرة ومكثّفة، تعتمد على لقطة محدّدة وحركة سريعة وخاطفة، ثم تنسحب لتفسح المجال للّقطة التالية. وتعمل السخرية كخيط جامع بين هذه اللوحات، فتمنحها وحدة نبرية وتخفّف من وطأة الوقائع القاسية.
سخرية سوداء
يُعرف لقمان ديركي بمزجه السخرية السوداء بالمرارة السياسية والوجد الشخصي؛ في هذا الكتاب، تتكثّف هذه النبرة لتصبح استراتيجية وجودية، فالضحك هنا وسيلة لمقاومة القمع والخذلان، ودرع هشّ في وجه عالم يضغط على أفراده من كل الجهات.
تعمل السخرية في “مذكرات سائح بالصرماية” على تفكيك الخطاب الرسمي؛ فعندما تُروى الحكاية بلغة الشارع تسقط عنها هالة القداسة. وعندما يُعاد توصيف الحدث الجلل عبر استعارة يومية ينكشف تناقضه. هكذا تصبح “الصرماية” أداة نقد، تمشي فوق الشعارات وتترك عليها آثار الغبار.
من البيت إلى المنفى
تبدأ حكايات الكتاب من بيت دمشقي أو حارة حلبية لتنتهي عند أرصفة مطارات ومعابر حدودية. الهجرة هنا امتداد لمسار طويل بدأ داخل البيت والمدرسة والشارع. القمع الصغير في العائلة يوازيه قمع أكبر في الدولة، والخيبة الأولى تمهّد لخيبات لاحقة، حتى يجد الفرد نفسه مضطراً إلى التحوّل من مواطن إلى عابر سبيل.
يتقاطع النص مع سرديّة أوسع عن الانتقال القسري والاقتلاع وإعادة تعريف الذات في فضاء غريب. جيل كامل وجد نفسه موزّعاً في المنافي، يبحث عن ظلّ مدينته في مدن بعيدة. يكتب المؤلف هذه التجربة من الداخل، من موقع من عاشها وعاين تحوّلاتها. بعد عام 2011، ومع تصاعد الأحداث في سوريا، تبنّى مواقف معارضة للنظام، وغادر البلاد عام 2012 ليستقر في ألمانيا. يتسرّب هذا المسار الشخصي إلى النص من دون أن يتحوّل إلى خطاب مباشر، فيمنح الحكايات صدقاً إضافياً.
من أكثر المقاطع كثافة في الكتاب ذلك الذي يروي لحظة الصعود إلى اللنش في رحلة الهجرة البحرية. يُروى المشهد بنبرة تجمع بين التهكّم والذعر. يُنقل القادمون إلى الزورق كما تُنقل البطيخات من الأرض إلى الشاحنة؛ كل شخص، أو “نفر”، يمسك به حارسان ويرميانه إلى الداخل، حيث يتلقّفه آخرون.
تكثّف هذه الاستعارة تجربة التشييء التي يتعرّض لها الجسد في اقتصاد التهريب، إذ يتحوّل الإنسان إلى حمولة أو سلعة تُنقل وفق آلية محسوبة. “يُقسّم الدفع إلى نصفين؛ جزء عند الصعود، وجزء مودع لدى مكتب وسيط يُسلّم عند الدخول إلى المياه الإقليمية الإيطالية”. حتى البحر يخضع لشروط الدفع المسبق.
عندما تحوم دوريات خفر السواحل، تتكشّف شبكة من الاتصالات والتعليمات عبر هواتف الثريا. يُحرَّك زورق فارغ باتجاه الدورية لصرف الانتباه، ويقف قبطانه قربها ثم يرمي نفسه في البحر ويعود سباحة، بينما ينطلق الزورق المحمّل بالبشر مسرعاً بعيداً عن المراقبة. يحمل المشهد طابعاً عبثياً وسينمائياً في آن، حيث تتجاور الحيلة والمخاطرة، والذكاء الفطري مع استهتار القدر. يقول: “فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، دوريات خفر السواحل تحوم في المكان، لكن اتّصالاً من أبو صطيف جاء للحُرَّاس، وبدأت تليفونات الثُّريَّا بالظهور، كانت الأوامر أن يحرّكوا لنشاً خالياً باتِّجاه خفر السواحل، وبالفعل انطلق أحدهم بزورق فارغ باتِّجاه الدورية، وتوقَّف بالقرب منها، رمى قبطان الزورق الخالي بنفسه إلى البحر، وعاد سباحة إلى البرِّ، بينما انطلق قبطاننا مشفِّطاً بزورقنا، فتخَرْيَطنا أيَّما خَرْيَطة، يا أبو شريك، وهو يمضي بنا مسرعاً بعيداً عن دورية خفر السواحل التي كانت منشغلة بالزورق الخالي”.
يختزل المقطع السابق فلسفة الكتاب؛ فالإنسان يُعامل كشيء، غير أنه يحتفظ بقدرته على السرد والضحك، ما يخفّف من وطأة الرعب، ويحوّل المأساة إلى صورة قابلة للتداول، مع احتفاظها بقسوتها.
فسيفساء دمشق
تتوزّع دمشق في المنافي وتتحوّل إلى ذاكرة محمولة؛ فكل حكاية عن حارة أو مدرسة أو سجن تفتح نافذة على مدينة عبرت حدودها الجغرافية. هي جرح متنقّل، يرافق أصحابه حيثما ذهبوا. ما يمنح النص بعداً تأملياً. تُستعاد المدينة عبر اللغة والنكات وعبر تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة. ينسج المؤلف صوراً متفرّقة تترك للقارئ مهمة جمعها. في كل فصل، تلمع قطعة من الفسيفساء لتشكّل في النهاية صورة مركّبة لمدينة وسيرة جيل.
يمزج المؤلف بين الفصحى والمحكي، ويمنح المفردات الشعبية مكانة مركزية؛ فيما تأتي الجملة قصيرة في كثير من الأحيان، تعتمد على الإيقاع السريع والمفارقة. ويأتي الحوار عفوياً ومشبعاً بروح النكتة، مع احتفاظه بعمقه. حتى في المقاطع الأكثر قسوة يحافظ النص على خفّة محسوبة، كأن الكاتب يمشي على حبل مشدود بين الضحك والبكاء.
يروي “مذكرات سائح بالصرماية” سيرة فرد، ويقترح في الوقت نفسه سيرة جيلٍ عاش بين السلطة والعائلة والمنفى، عبر بنية فسيفسائية ولغة تمزج الفصيح بالمحكي وسخرية تتحوّل إلى استراتيجية نجاة، حيثُ يقدّم المؤلف نصاً يضع “الحذاء” في مركز الحكاية، ويجعل من المشي فعلاً تأويلياً.
by الياس حموي | Oct 3, 2026 | Culture - EN, News - EN, Reports - EN, Reviews - EN, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة للروائي التونسي عماد علي قيدة الذي حضر الاحتفالية واستلم الجائزة عن روايته غير المنشورة (المنصرمون) كما حضر حفل التكريم عدد من مثقفي وفناني اللاذقية وسوريا كالشاعر منذر المصري والفنان فارس الحلو أصدقاء الكاتب الراحل بالإضافة لأصدقائه الآخرين وعدد من المهتمين بالثقافة والأدب في المدينة، وترأست لجنة تحكيم الجائزة هذا العام الروائية الفلسطينية ليانة بدر وبعضوية الأديبة السورية شهلا العجيلي والناقد المصري خيري دومة وقد اختار القائمون على الجائزة التي قدرها ألف دولار أمريكي-مدينة اللاذقية لاحتفاليتهم لأن الرواية الأخيرة للراحل خليفة (سمك ميت يتنفس قشور الليمون) تدور أحداثها في هذه المدينة التي أحبها كثيرا والتي لم يسعفه الوقت كي يراها منشورة وصدرت بعد وفاته عن دار هاشيت /أنطوان (نوفل) في لبنان عام ٢٠٢٤ فقررت هذه المدينة رد الجميل له بإقامة احتفالية جائزته فيها بعد أن كرمها في روايته الأخيرة محتفيا بمجتمعها المتنوع وقد أشادت لجنة التحكيم ببناء الرواية التونسية الفائزة (المنصرمون) موضحة في بيانها أن الرواية: “تحاور تاريخ تونس السياسي تفصيليا عبر شخصيات واقعية وتخيلية، وتطرح أفكارا أساسية لما جرى في المجتمع التونسي منذ بداياته المبكرة وحتى الآن”، وأضافت اللجنة مسلطة الضوء على الأسلوب السردي: “تتمتع الرواية ببنية مركبة وتقنيات متداخلة، لكنها ورغم هذا التركيب وربما بسببه لا تخلو من تشويق حقيقي يدفع القارئ لمتابعة رحلة البطل عبر تداخلاتها الزمانية والمكانية، والشخوص الكثيرة التي عبرت حياته وحياة تونس”.
أما رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” فقد شرح فيها خليفة مجتمع مدينة اللاذقية شديد التعقيد في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين حيث تتمحور قصتها حول عدد من الشخصيات التي عاشت فيها واندمجت في مجتمعها المتنوع طائفيا واجتماعيا حيث استلم دفة السرد فيها أربعة رواة تربطهم الصداقة والحب والعمل المشترك فروت كل شخصية من هذه الشخصيات قصتها وعلاقتها مع باقي الشخصيات الأخرى التي تتقاطع مصائرها معهم فكانت رواية بوليفينية (نسبة إلى ميخائيل باخت) متعددة الأصوات ضمن سرد متصاعد يتأرجح زمنيا بين ماضي الشخصيات وحاضرها وقسمت لأربع فصول كل فصل منها ترويه شخصية من هذه الشخصيات وهم على التوالي سام ومريانا وموسى ومنال وهناك شخصيات ثانوية أخرى تربطهم فيهم الصداقة والعمل ضمن الفرقة الموسيقية التي شكلوها كأنس ومروة وروني ويارا بالإضافة لشخصيات من خارج الشلة كميسون ولميس.
صورة مصغرة عن مدينة كبيرة
يصور خالد خليفة في روايته هذه مجتمع اللاذقية من خلال عيون شلة الأصدقاء الأربعة التي تنتمي لطوائف وطبقات اجتماعية مختلفة فسام الذي يسرد الفصل الأول بصوته ينتمي إلى عائلة متنفذة من الطائفة العلوية فعمه لواء في مخابرات نظام الأسد يدعى فوزي أبو مضر يقوم باستغلال منصبه للثراء وفرض السطوة الاجتماعية وتساعده في تسيير أعماله القذرة هذه أخته أمل من خلال استغلال سلطته فتقوم بشراء الاجازات للمجندين في جيش النظام وتسهيل مقابلات الأهالي لأبنائهم المعتقلين لدى الفروع الأمنية مقابل مبالغ مالية كبيرة وسام نفسه منخرظ في هذا الفساد من خلال استغلال نفوذ عائلته فهو موظف حكومي يقبض راتبه دون أن يداوم في وظيفته بينما ابن عمته الأخرى غسان فهو على النقيض منه تماما لأنه معارض لهذا النظام الذي يمثله عمه ويتم اعتقاله لاحقا مايدعو أمه فاطمة للفخر بهذا الشيء. أما الشخصية الثانية في الشلة فهي ماريانا الشابة المسيحية المتمردة والتي تروي الفصل الثاني من الرواية بصوتها هي إذ تجمعها علاقة حب بسام وتتباهى بأنه هو الذي فض بكارتها بينما الذي فعل ذلك هو محمود مدرس الرياضيات أخو موسى صديقهم عندما كانت طالبة في الثانوية لكن حبها لسام عازف الغيتار في الفرقة لايستمر بسبب دينه المختلف الذي يقف عائقا بينهما فتضطر للزواج بجورج الشاب البخيل الذي تسافر معه إلى أميركا لكن طيف سام لايفارقها “سأكون بينهم وهم يمارسون العلاقة الحميمة”. أما الشخصية المحورية الذي يروى الفصل الثالث بصوتها هو موسى الشاب الثري إبن العائلة الأرستقراطية الراقية المعروفة في المدينة الذي يحكي لنا كيف وقفت أمه شاهيناز وخالته جورجيت ذات يوم ضد قرار إزالة الكورنيش الغربي وتوسيع المرفأ حيث تم ردم البحر وشوهت أجمل منطقة في المدينة وواجهتها البحرية، وموسى يحب منال التي تروي الفصل الرابع والأخير بصوتها وهي الشاعرة الرقيقة النقية التي تنحدر من عائلة حقيرة لاتشبهها بشيء فوالدها قواد يسهل زواج القاصرات بكبار السن من أجل المتعة، ولايتوانى عن تزويج إحدى بناته منهم بينما ابنته الكبيرة عاهرة وابنه منعم جلاد في أحد سجون النظام العسكرية يقوم بتعذيب المعتقلين حتى الموت حيث يروي لعروسه خضرة في إحدى المرات في حوار يدور بينهم كيف يعذبون المعتقلين عندهم حتى يموتون ويستمرون بتعذيبهم مرة ثانية وثالثة بعد موتهم. ويحكي لها كيف يبول أخوها غديرصديقه في الفرع على جثث المعتقلين وهو منتشي “هذا مصير كل من يرفع رأسه في وجه الرئيس” فتجد منال في موسى مخلصا لها من هذا القاع الذي تعيش فيه: “أعتبر نفسي قد ولدت من جديد وأصبح لي أما جديدة”، فيتزوجان في النهاية. وهناك شخصيات أخرى في هذه الفرقة الموسيقية التي أقامت حفلا واحدا فقط عبر تاريخها داخل كنيسة فكان حفلها الأول والأخير في المدينة، ومن هذه الشخصيات أنس ومروة العاشقين لكن مروة ترفض الهرب معه إلى لبنان للزواج وتقرر معاقبة أهلها بعنوستها بينما هو يقضي وقته بتعاطي الحشيش وكتابة القصائد الموزونة ثم يتزوج من مها عنبري لكن زيجته تفشل لأن طيف مروى يتلبسه ويسيطر على علاقته بزوجته فصوتها لايفارقه: “النساء أصوات”، وينفصل عن مها في النهاية وهناك روني ويارا العاشقين أيضا: “لم أستمتع بالمعاشرة مثلما استمعت معها فكل من عاشرتهم من قبل فقمات”، وهكذا تتفرق هذه الفرقة التي كانت تجتمع ذات يوم وتشرب الحشيش والخمر بالسر وتتخذ كل شخصية منها طريقها في الحياة فهم السمك الميت الذي مازال يتنفس، وهم قشور الليمون: “قشور الليمون هي نحن حين نقاوم الاندثار”.
هناك شخصيات أخرى في الرواية كشخصية ميسون التي تكره الرجال وتشتمهم بعد ترك حبيبها لها وزواجه من فتاة أخرى بعد علاقة حب دامت عشر سنوات. وهناك لميس المخبرة في جامعة تشرين، التي زرعها النظام عام ١٩٨٧ بين مجموعة من الطلاب اليساريين المعارضين للتجسس عليهم، وكتب التقارير بهم فتم القبض عليهم جميعا، ودخلت هي معهم إلى السجن للتمويه، وخرجت بعد عدة أيام، وكافأها النظام بجعلها مذيعة في التلفزيون الرسمي وأصبحت تقدم برنامجا فنيا.
بالإضافة لشخصيات الرواية المتخيلة هناك شخصيات حقيقية ذكرت أسماؤها الحقيقية كشخصية المترجم أسامة منزلجي الذي توفي العام الماضي وذكرت ترجمته لرواية ( ربيع أسود) للكاتب الأميركي هنري ميلر والشاعر منذر مصري، الذي شجع منال على كتابة الشعر ومكتبته (فكر وفن) التي كانت ملتقى لمثقفي المدينة، والمفكر الياس مرقص الذي رحل عام ،١٩٩١ والذي كان يتحلق حوله رجال الفكر في اللاذقية. كما تم ذكر الموسيقى التي كانت رائجة في تلك الأيام كأغاني بوب مارلي وعازف الساكسفون الأميركي لويس آرمسترونغ فقدم خالد خليفة توثيقا لعقدين من تاريخ المدينة في روايته هذه من خلال شخصياته وحياتها فيها. ولم يفته ذكر حادثة توسيع المرفأ وتبليط البحر التي أحزنت أهالي المدينة في حينها وسببت ندبة في نفوسهم مازالت حتى الآن بسبب هذا الاعتداء على ذاكرتهم وأيامهم الجميلة في هذه الكورنيش البحري الذي تمت إزالته.
الثورة قادمة لا محالة
قدم خالد خليفة في روايته هذه نموذجاً مصغراً عن سوريا اختزله في مدينة اللاذقية مفككاً مجتمهعا المتنوع، وعرّى فيها نظاما سياسياً ديكتاتورياً كان يسيطر على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في البلاد من خلال مخابراته ففخخ هذه المجتمعات وزرع الكراهية بين مكوناتها حتى وصلت للانفجار وثارت عليه في العام ٢٠١١ فكانت هذه الرواية هدية أخيرة من خالد خليفة لمدينة أحبها ولم يعش ليراها مطبوعة باستثناء صفحتين فارغتين تركهما وهما لقصيدة خاصة بمنال وعنوان لفيلم إيطالي على الأغلب هو (ميمي العامل المطعون بشرفه). ونوهت دار النشر أن الكاتب ترك هاتين الصفحتين فارغتين ولم يستطع إكمالهما لأن الموت باغته وتوفي بسكتة قلبية.
by رهام عيسى | Sep 30, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص الاتهام. محمد حبش الداعية الإسلامي السوري بطل القصة الجديدة.
في البداية لسنا في صدد الدفاع عن أحد، كما ونعرف تماماً أن أكثر ما يجعل الفضيحة مزلزلة تناقضها مع الصورة التي يصدرها الضحية عن نفسه، وسأعتمد هنا على تسمية الضحية تجاوزاً.
كما ولابد من التنويه أن ما نناقشه هو فقط الفعل الجنسي أو الكلام الجنسي بين بالغين راشدين، والذي يسُرّب بقصد التشهير أو الابتزاز أو تحييد شخص ما عن الفضاء العام، عن طريق التقليل من قيمة رأيه، على اعتبار أن الفضيحة الجنسية سقطة أخلاقية، تجعل صاحبها بنظر الكثيرين فاقداً للشرعية.
يظهر محمد حبش في مكالمة فيديو، يتكلم فيها كلاماً حميمياً، وربما من الغريب هنا أن أصرّح أن أول شعور أحسست به عندما شاهدت الفيديو كان التعاطف مجرد التعاطف، ليس مع محمد حبش وحده وليس مع صفته أو مكانته أو موقعه أو مواقفه، لكنه التعاطف مع هشاشة أي إنسان في هذا الموقف وخاصة العربي، لأنه يحتاج أكثر بكثير من غيره أن يشرح نفسه لنفسه، قبل أن يشرحها إلى الآخرين.
الجنس يكشف الهشاشة
لطالما اعتقدت أن الجنس دون غيره يكشف أكثر نقاط الإنسان هشاشة وأكثرها ضعفاً، فنحن نستطيع دائماً وفي كل وقت، أن نختار الطريقة اللائقة التي نريد أن نظهر بها، والتي نحب أن نتصرف بها. يمكننا دائماً وضع الحواجز، اختيار المسافات، وارتداء الأقنعة، كبت رغبتنا بالعنف، أو رغبتنا بالتعنيف، إخفاء شعورنا بالذنب، وأشياء كثيرة أخرى نقضي أعمارنا في سبيل إخفائها وليس فهمها والتصالح معها.
يحدث الخرق في لحظاتنا الحميمة، يسقط الجدار الهش الذي بنيناه، وتتلاشى الطبقات، وتقريباً، لا يبقى من الكائن إلا ذلك الجزء المسكوت عنه، الجزء المحظور، وربما الجزء الأكثر صدقاً في بنيتنا النفسية، لذلك فما رأيناه في فيديو حبش وقبله فيديو الممثل أحمد رافع لم يكن مجرد لحظة جنسية عابرة، أو انكشاف أخلاقي، لكنه أشبه برؤية الإنسان عاريًا من كل ما يُجبر على ارتدائه، تعرية وجودية لكل طبقات الحماية الاجتماعية والمؤسساتية التي نتدرع بها، لنخفي عيوبنا وهشاشتنا.
وعندما يطال هذا الانكشاف المباشر رجل دين أو شخصية عامة، ينفجر الوضع بدرجة أكبر من التعقيد، لأنه يكشف عن الكثير من الصراعات الداخلية والخارجية بين الإنسان ونفسه ومحيطه، ويفتح الجرح النازف بين الإنسان وحقيقته، بين الهوية المتخفية خلف الرمز، والصورة اللامعة التي يصدرها لمحيطه.
ولا يكتمل المشهد حتى يستغل هذا الانكشاف ويُستدرج نحو تصفية الحسابات السياسية، وهنا تجرد اللحظة من سياقها الإنساني، ويُنقل الصراع إلى مكان يرجح مباشرة كفة على كفة، بعيداً عن الصراع الفكري إلى حلبة الجسد والسرير والحياة الخاصة، حيث تتحول المحاكمة إلى الضمير الجمعي، فالعار في عمقه الثقافي لا يبنى على طبيعة الفعل المجرد وحده، بقدر ما يتغذى على نظرة الآخر وسلطته.
الجنس كأداة سلطة
من الصعب النظر إلى الفضائح الجنسية في مجتمعاتنا العربية، كفضيحة وانتهى الأمر، لأن الجنس هو الحالة التي تُقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والديني والأخلاقي داخل مجتمعاتنا وربما داخل مجتمعات أخرى أيضاً.
يُحمّل الجنس معنى يفوق الفعل الجنسي نفسه، لأن الجسد ليس جسداً وحسب، بل هو المختبر ونقطة التقاء سمعة المرأة مع شرف العائلة ورجولة الرجل والتزامه الديني والأخلاقي، وأن تطال الفضيحة شخصاً من الأساس يُعتبر ممثلاً لمجتمع الفضيلة، الذي يحبه الناس ويدّعون دائما الانتماء إليه، يعني أن الفضيحة طالت الجميع، والانكشاف لم يعد متعلقاً بالشخص نفسه بقدر ما صار مرتبطاً بالمنظومة ككل، المشكلة الأساسية تبدأ إذا من رمزية الجنس، فلو نظرنا إلى الجنس كحاجة بيولوجية فقط لكان الأمر أبسط.
لكن عندما ننظر إلى الجنس على أنه أداة قياس، فالحديث هنا يأخذ مستويين. المستوى الشخصي الذي يجعل الجنس مركزاً أساسياً لفهم تكوين الشخصية، لأن الجنس مصدر القلق الدائم والمحفز المستمر للصراع مع قائمة المحظورات والقواعد المفروضة من الدين والمجتمع، وهذا ما يخلق للجميع ما يخفونه، لأن الكبت لا يلغي الرغبة هو فقط يدفعها نحو الداخل، وهذا يصعب الوصول إلى نقطة تفاهم بين رغباتنا وما يفرض علينا وما نتربّى عليه، وخاصة في حال كنا ننتمي إلى مجتمعات محافظة.
قرأت تعليقات كثيرة وصفت حبش بالمنافق، وهذا عكس ما يراه عالم الاجتماع غوفمان الذي يفترض من الأساس أن الإنسان يؤدي دوراً، على الخشبة يتصرف بالطريقة التي ترضي الجمهور، وفي الكواليس يخلع الدور ويسترخي وقد يتناقض مع نفسه، فهذه المساحة هي حقه. لذلك أعتقد أن مناقشة أخلاقية ما نخفيه قبل مناقشة أخلاقية انتهاكه وتحويله إلى فضيحة، هي إشكالية أخلاقية بحد ذاتها.
يزداد حضور الجنس في الحياة الاجتماعية في المجتمعات المحافظة، وكلما ازداد هذا الحضور في الخفاء كلما ازداد رفضه في العلن، وهذا ما يقودنا إلى المستوى الثاني، حيث ننتقل من الاتهام إلى المحاكمة ومن صراع الإنسان مع نفسه إلى صراعه مع الآخرين، من أحب أن أسميهم أدوات السلطة. فمن قال من الأساس إن هذا سلوك طبيعي وهذا منحرف؟ من قال إنّ هذا مشروع وذاك محرم؟ هذا مقبول وذاك مرفوض؟ ببساطة السلطة أي سلطة هي التي قالت، لأنها لا ترى في الجنس أكثر من وسيلة إدارة، فهي التي تنتج المعارف عنه، وهي التي تحوله في نهاية المطاف إلى قضية يومية لا يمكن التخلي عنها، وهذا ما أشار له فوكو بحديثه عن السلطة والجسد، فالسلطة لا تفرض ولا تمنع، تحاول فقط جعل الجنس أو أي فعل مصدراً دائما للاستجواب، وهذا ما يجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه، حتى داخل سريره.
الهدف الجنسي غير المعلن
إذا ما فكرنا قليلاً لاكتشفنا أن أغلب التيارات الفكرية والسياسية والدينية تحمل في داخلها هدفاً جنسياً ما، فأي تصور للمجتمع يجب أن يتضمن بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر تطرقاً للجنس، ربما من خلال تصور للأسرة، للعلاقة بين الجنسين، للجسد، للملابس، لمفهوم الذكورة والأنوثة، لمعنى العفة والشرف. الجنس ببساطة أحد الميادين التي تكشف بها كل الأيديولوجيات تصورها للفرد وللسلطة وللمجتمع.
وربما لهذا السبب، تكون الفضائح الجنسية بالغة الأثر فهي تهدم مجموعة كاملة من التصورات عن الدين والشرف والأخلاق، لأن المجتمع من الأساس أعطى الجنس وظيفة الكشف عن الحقيقة الأخلاقية للإنسان وهذا ما يجعله بسبب أي فضيحة في مواجهة مباشرة وحادة مع نفسه، وليس فقط مع الشخص المدان.
by وداد سلوم | Sep 26, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, Articles - EN
ترصد رواية الدوار الجنوبي للكاتب السوري مفيد عيسى أحمد الصادرة عن محترف أوكسجين للنشر 2025 فترة زمنية مهمة من تاريخ البلاد، تم طمس وتغييب أحداث على أعلى المستويات جرت خلالها، وتلخص الصراع داخل السلطة، الذي انتهى بطريقة غامضة وفق مساومات غير معلنة، تمخضت عن رحيل المعلم وتفكيك فرقته العسكرية بشكل نهائي.
يجري ذلك في خلفية الرواية فالكاتب لا يخوض في تفاصيله لكنه يضع القارئ في المناخ العام لتلك الفترة حيث نرى قوة المعلم العسكرية ونفوذه ونمو صلاته الواسعة وصولاً إلى حدث مبهم انتهى برحيله، يعكس ذلك طبيعة النظام الشمولي القائم وطريقته في الادارة السياسية للبلاد التي رآها كمزرعة، وأدوات السيطرة التي استخدمها للتلاعب بالمكونات الاجتماعية سواء بالشراكة الاقتصادية أو بالقوة العسكرية أو باستثماره للذاكرة الجمعية والبنية النفسية لفئات محددة.
ينطلق مفيد عيسى أحمد من قصر المعلم ويوميات العاملين فيه ليسلط الضوء على طبيعة المجتمع السوري في تلك الفترة والواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، بدءاً من هجرة الريف إلى المدينة والتي كان جوهرها الحاجة الاقتصادية، التي دفعت بالكثيرين للانتساب إلى قوات المعلم سعياً للحصول على الراتب والحماية أمام الإحساس بالغربة واللا انتماء في المدينة الكبيرة، أو للعمل في التهريب وغيرها من أعمال عشوائية على هامش الاقتصاد والمدنية.
وينتقل إلى قلب المدينة وعالمها الاجتماعي والاقتصادي، لنرى كيف نمت العلاقة بين تجارها والسلطة وتزاوج رأس المال مع متنفذي النظام، ولعل هذا ما أطال عمر النظام ومنحه قوة التلاعب بهندسة بنية المجتمع السوري وفق مصالحه واحتفاظه بسدة الحكم.
تأخذ الرواية عنوانها ( الدوّار الجنوبي) من خط سير حافلة عامة تعبر دمشق بمسار حيوي دائري، يطلق الكاتب عليها اسم (حافلة سورية)، وتصبح حركتها مجازاً لحركة المجتمع وحياة المدينة، من القاع الذي نشأ على أطراف العاصمة خليطاً من الفقر والتهريب والعنف الكامن أو المرئي ممثلاً برجال التهريب ورجال المعلم وسلاحهم، متابعاً التحولات السريعة للمجتمع السوري التي رافقها توافد أبناء الريف للدراسة والعمل سواء من الساحل أو أكراد الشمال والجزيرة، ونشوء المناطق المستحدثة دون تخطيط على أطراف العاصمة لاستيعاب النمو السكاني الحاصل كالمزة 86 وغيرها.
تصبح دمشق ليس فقط التاريخ والأحياء القديمة والعراقة، بل وأحياء مستحدثة تتمدد أفقياً بشكل عشوائي وتضخ الكثافة السكانية، بما تحمله من عبء حاجات خدمية متزايدة على المدينة.
في ظل تنامي قوة العسكر وسلطته المطلقة، كان المعلم نموذجاً للرجل الذي لا يرد له أمر إلا بالموت، ينقل لنا الكاتب ما يدور خلف الأسوار فيخبرنا عن قصر المعلم والحفلات الصاخبة التي تقام فيه، راسماً صورة المعلم وحركاته وانفعالاته وشخصيته متعددة المواهب فهو شاعر وكاتب أغاني، يعمل في قصره كثيرون للسهر على راحته وعلى استمرار كل ما يريد وفق ما يريد دون أي خطأ، فحين تتعطل المولدة يجب إصلاحها قبل أن يشعر المعلم وعائلته بالانقطاع وإلا فثمن غضبه كبير.
يقدم الكاتب شخصياته بلسان الراوي العليم، وإذ يخبرنا عن حياتها وعلاقتها مع المحيط ومنبتها ومسيرتها، يقوم بالتسلل إلى عمق بنيتها السيكولوجية وأزماتها النفسية، ورصد انفعالاتها وطريقة تعبيرها وتأثرها بالمناخ العام، فمع ظهور شخصيات متنفذة (المعلم) تحلق حولها أتباع استفادوا من سلطتها المطلقة والحظوة التي منحها لهم مجرد الانتماء لرجال المعلم، لفرض سطوتهم على العامة وانتهوا بانتهائها.
دخل رجال المعلم إلى سوق التهريب وتكسبوا فارضين وجودهم لكنهم حافظوا على العلاقة الجيدة مع رجال السوق لحاجتهم لهم. انسجموا مع طبيعة القوة والعنف ولم تنج من تسلطهم حتى مؤسسات الدولة، إذ صار العنف لغة لفرض الوجود، وحل كل الأمور بالقوة، فهي وسيلة لا تحتاج بذل أي جهد، مثل عساف الذي كان يطلق النار على أي شيء، فبدل إطفاء اللمبة كان يطلق عليها رصاصة!
يعيد الكاتب العنف والعنجهية والسطوة التي يتصرفون بها إلى تناقضهم النفسي وتمزقهم بين طبيعة حياتهم البسيطة ومنبتهم الريفي الذي أورثهم الشعور بالدونية وبين واقع القوة والسلطة العنيف والتي صاروا يعيشون في ظلها كأتباع لا صوت لهم.
لكن هناك من كانوا بعد انتهاء دوامهم يعودون لطبيعتهم خجولين وطيبين وقد خرجوا من دائرة السطوة وثقلها.
يتابع الكاتب رصد القاع ، حيث إلى جانب سوق التهريب، بيت الدعارة ومديرته الجوجانية التي سخرت جسدها لإغواء الفحل وهو رجل من رجال المعلم المقربين وانتهى بتلميح لمشاركته بعملية اغتيال كبرى كان المعلم قد رتبها وانتهت بالفشل فكانت نهاية الفحل وأسطورة المعلم معاً.
يفكك مفيد عيسى أحمد العلاقات الاجتماعية، التي تركها نظام العسكر في شكل بدائي قائم على أساس المجتمع التراحمي، ولم ترتق إلى علاقات المواطنة سواء في علاقتها مع الدولة أو على مستوى الفرد ضمن المكونات الاجتماعية ومع بعضها، ولهذا لم تندثر تلك الصور النمطية لكل منها عند الآخر، بل دفع النظام لبقائها في توزيع على مستوى البلاد ضمن حُسن العلاقة (العسكر لكم والاقتصاد لنا)، وإلى هذا يعود رفض تجار المدينة علناً لوجود أبناء الساحل وعملهم في السوق أو تملكهم ولو بسطة وهو الإرث الذي حمله الطرفان من أيام السلطة العثمانية إذ بقي العلويون محط سخرية أبناء المدن طوال قرون، و بقي النظر إليهم كروافض وزنادقة، بينما بقي تاريخ الرفض حاضراً في ذاكرة العلويين يستحضره كبار السن بذاكرة مشبعة بالخوف وحكايات الاضطهاد وألمهم الخاص، فيسمون المختلف عنهم غريباً، لكن الجيل الشاب كان أقدر على النسيان، وحاول البحث عن روابط جديدة ومكان يضع قدمه فيه في هذا العالم المزدحم والمتحرك، متكئاً على أفكار تتماشى معه حول حقيقة النسبية في المجتمع فليس من طائفة جيدة كلها بالمطلق ولا من أخرى سيئة بالمطلق، والفقراء من كل الطوائف لهم آلام واحدة.
اصطدم الشاب رامي الطالب الجامعي حين عمل عند تاجر دمشقي للحصول على مورد مادي يساعده على إكمال دراسته في العاصمة، برفض تجار السوق دخوله لمجتمعهم رغم أنه أثبت إخلاصه لعمله وحسن أخلاقه، إلى أن فرض وجوده التاجر الأكبر شأناً في السوق. كان رامي واعياً التقط كل ملاحظة وحاول إتقان عمله فنجح وحاول الانخراط بالمجتمع الجديد بتوطيد العلاقات ودفع التهم المسبقة والصورة النمطية عن بيئته دون أن يفقد خصوصيته.
ينتقل رامي يومياً بين الجامعة والحميدية إلى سكنه في حي شعبي، بين حاضرة المدينة وقاعها ليصور الكاتب ذلك التناقض بين عالمين في مدينة واحدة. وحيث يبدأ الريفي القادم إلى المدينة بمحاولة الانخراط في المجتمع الجديد بتغيير مظهره ولباسه ثم رؤيته للحياة، كاشفاً البون الشاسع بين الواقع الذي يعرفه جيداً لبيئته وبين الصورة التي صُدرت عنها للآخر.
في الرواية نميز بين نوعين من الدعارة: السرية والمعلنة، فنرى الفتاة الضحية التي تعيش في دار المعلم، نموذجاً للسرية منها، كانت المسكينة، تنتظر أن يتزوجها بعد أن قضى الليلة الأولى معها، لكنه تركها للإهمال، مما سبب لها دماراً نفسياً وانحطاطاً ذاتياً في محاولة إنكار والقفز عن الواقع، فلم تستوعب أنها باتت شيئاً انتهت صلاحيته بالنسبة للمعلم وللمجتمع.
أما الجوجانية التي كانت تدير دار الدعارة فهي امرأة خرجت عن الظلم وامتلكت زمام قرارها، وحين التقت الفحل أحد رجال المعلم أحبته وأوقفت جسدها عليه، لكن هذه العلاقة في النهاية، ورغم كل قوتها كانت الفأس الذي حفر قبرها.
في الطريق بين قصر المعلم وخط الدوار الجنوبي بستان لعجوزين فلسطينيين، لم يعودا قادرين على استثماره، لشح المياه والعزم، إذ أكل الزمن من جسديهما ما أكل، كما أكل الأمل بالعودة إلى البلاد، أو لقاء الأولاد.
صار العجوزان رمزاً لقضية غائبة حاضرة، لا يملكان قوة الفعل فيها، ولا شيء إلا الانتظار. هدم العجوز جدار بستانه ليمر من خلاله العابرون حاملين الحياة لحياتهما البسيطة والراكدة، وكأنه يريد الاستعانة بهؤلاء للعودة إلى الحياة، لكن عجزه عن الحديث بسبب عطب حنجرته منعه من التواصل مع المحيط وشرح أفكاره، في إشارة للعجز الذاتي وإهمال المحيط الذي حاول الاستعانة به وانتظر منه المساندة والمشاركة، ولو بالجلوس على كأس شاي، يموت العجوز مقهوراً دون تحقيق أي من أحلامه حتى في رؤية أولاده. تعكس قصة العجوزين، حقيقة التعامل مع القضية وتهميشها بينما كانت ترفع شعارات القومية والوطنية والدفاع عن القضية المركزية فلسطين.
كانت علاقة الزوجين العجوزين نموذجاً واقعياً وإنسانياً بسيطاً، فالزوجة متفهمة ورغم أنها استنكرت سلوك زوجها أحياناً، لكنها تفهمته ووجدت له مبررات دائما حتى في التخلي عن حدود بستانه ووقفت إلى جانبه حتى النهاية.
رواية الدوار الجنوبي مليئة بالمشاهد والأفكار المدروسة سياسياً ونفسياً واجتماعياً بعمق وإحساس رائع، حمله سرد مشوق حاول الإحاطة الكاملة بالأحداث، ليقدم صورة عن البلاد في فترة زاخرة سياسياً، و نجح بشد القارئ مضيفا على كل ما كتب عن تلك الفترة الشيء الكثير.
by سالي علي | Sep 23, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
في سوريا، لا يموت الإنسان مرةً واحدة. يموت حين يُقتل، ثم يموت مرة ثانية حين يُختصر موته في رواية سياسية، ويموت ثالثة حينَ يصبح اسمه عبئاً على ذاكرة جماعة لا تريد أن تتذكره، ويموت أخيراً حين يطلب منكَ أحدهم أن تثبت أولاً إلى أيّ جهة كان ينتمي قبل أن يسمح لك بالحزن عليه. ربما لهذا يبدو السوري أحياناً، عاجزاً عن البكاء على موتاه جميعاً. ليس لأنّ السوري فقد قلبه، بل لأنّ الحرب علّمته أنّ الحزن نفسه يمكن أن يكون موقفاً سياسياً. ففي السنوات الماضية، لم يكن يكفي أن تقول : مات إنسان. كان عليك أن تضيف: من قتله؟ ولأيّ جهة ينتمي؟ وأين مات؟ وماذا كان يفعل قبل أن يموت؟ ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة: هل كان من “جماعتنا” ؟ وكأنّ الموت السوري يحتاج إلى جواز سفر طائفي كي يدخل إلى الذاكرة.
لهذا، يمكن للسوري أن يبكي على قتيل في مدينة بعيدة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الاعتراف بوجع قتيل آخر لأنّ صورته تزعج الرواية التي بنى حولها نجاته. يمكنهُ أن يطالب بالعدالة لضحايا نظام الأسد، ثم يصمت أمام ضحايا ارتكبتها قوى أخرى. ويمكن لآخر أن يفعل العكس تماماً: أن يتحدث عن مآسي جماعته، لكنه يمر على موت الآخرين كما لو أنهم تفصيل جانبي في قصة أكبر. هكذا تحولت سوريا إلى بلد لا يتنافس فيه الناس على من عاش المأساة فقط، بل على من يملك الحق في تسميتها مأساة. وهذا ربما أحدُ أكثر آثار الحرب قسوة. فالحرب لا تقتل الناس فقط. إنها تعيد ترتيب قيمة موتهم.
كان يمكن للسوري أن يعرف الموت بسهولة قبل أن يعرف السياسة. كان هناك بيت فقد ابنه. أم تنتظر. أب يحمل صورة. طفل لن يفهم لماذا لن يعود أبوه. امرأة تفتح هاتفها كل مساء على آخر رسالة واتساب من شخص لن يكتب بعدها شيئاً. هذه التفاصيل لا تحتاج إلى أيديولوجيا. فالموت في لحظته الأولى، لا يكون سنياً ولا علوياً ولا كردياً ولا مسيحياً. يكون جسداً غائباً، وكرسياً فارغاً، وثياباً لم تعد تُلبس. لكننا تعلمنا لاحقاً أنّ نضيف الهوية إلى الجثة. أن نسأل عن صاحبها قبل أن نسأل عن الجريمة. وهنا تكمن المأساة الأخلاقية الأكبر.لأنّ الاعتراف بأنّ الآخر ضحية لا يعني تبرئة الجهة التي ينتمي إليها. كما أن التعاطف مع إنسان من جماعة أخرى لا يعني أنك خنتَ موتاك. لكن السوري اليوم و بعد سنوات طويلة من العنف، أصبح يتعامل مع التعاطف كأنهُ تنازل. إذا حزنتَ على موتاهم، خفت أن يقال إنك نسيت موتانا. وإذا تذكرتَ موتانا، طالبك آخرون بأن تتذكر بأن لهم موتاهم أيضاً. لذا حتى الحزن أصبح ساحة حرب.
ربما لهذا السبب لا تزال بعض المآسي السورية تعيش في جزرٍ منفصلة. هناك من يحمل أسماء قتلاه كأنها وصية. وهناكَ من يرفض سماع أسماء قتلى آخرين لأنّ تلك الأسماء ارتبطت في ذاكرته بالخوف والسلطة والسلاح. وفي الساحل، مثلاً، لا يمكن أن تطلب من إنسان فقد قريباً في أحداث عنيفة أن ينسى خوفه لأنّ العدالة تحتاج إلى رواية وطنية جميلة. وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول خوف جماعة بأكملها إلى رخصة لمحو ضحايا الآخرين أو تبرير قتلهم. هذه هي المنطقة التي نخاف الاقتراب منها. نريد عدالة نظيفة، فيما تاريخنا متسخ بالدم. نريد سردية واحدة، فيما سوريا مليئة بسرديات متعارضة. نريد أن نقول إننا جميعاً ضحايا، لكننا لا نريد أن نسأل: هل كنا جميعاً ضحايا بالطريقة نفسها؟
لا… لم يكن السوريون متساوين أمام العنف، ولا أمام السلطة، ولا أمام السلاح، ولا أمام القدرة على النجاة. لكن الاعتراف بعدم تساوي التجارب لا يمنحنا حق تقسيم الضحايا إلى ضحايا يستحقون الحزن وضحايا يمكن تفسير موتهم. هناك فرق بين أن نفهم لماذا حدثت الجريمة، وبين أن نبحث عن سبب يجعلها أقل فظاعة.
ربما تحتاج سوريا اليوم إلى شيء أكثر صعوبة من المصالحة. تحتاج إلى القدرة على الحزن من دون أن نطلب الإذن من هويتنا. أن أستطيع أن أقول؛ هذا الإنسان مات، وكان موته ظلماً، حتى لو كان من الجماعة التي أخاف منها. أن أستطيع أن أقول: هذا الإنسان قتل أبي، ومع ذلك لا أريد أن يُقتل ابنه. أن أستطيع أن أحتفظ بغضبي من قاتل، من دون أن أورث هذا الغضب إلى كل من يشبهه.
هذه ليست رومانسية بل هذه بداية السياسة لأنّ الدولة التي تريد أن تبني نفسها على العدالة لا تستطيع أن تبدأ من سؤال: من هم موتانا؟ عليها أن تبدأ من سؤال أصعب: من هم موتانا جميعاً؟ ليس لكي نساوي بين الجرائم، ولا لكي نمحو مسؤولية أحد، ولا لكي نضع الجلاد والضحية في كفة واحدة، بل لكي نمنع الموت من أن يصبح ملكية حصرية لجماعة. قد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة. ليس كم تمثالاً أُزيل، ولا كم اسماً تغير، ولا كم خطاباً سياسياً تبدل. بل هل نستطيع للمرة الأولى منذ سنوات، أن نقف أمام قبر شخص لا يشبهنا ونقول ببساطة: كان يجب ألا يموت من دون “لكن”. من دون “إلا إذا”. من دون أن نسأل أولاً عن طائفته. لأن البلاد التي تحتاج إلى هوية كي تسمح لإنسان بأن يكون ضحية، لم تتعلم بعد معنى العدالة. وربما لهذا، قبل أن تتصالح سوريا مع ماضيها، عليها أن تتعلم شيئاً أبسط وأكثر قسوة: أن تحزن. أن تحزن على موتاها جميعاً، لا لأن موتهم متساوٍ، بل لأنّ حياة كل واحد منهم كانت تستحق أن تُعاش. وحين يصبح الحزن على الآخر ممكناً، ربما للمرة الأولى، سيصبح المستقبل ممكناً أيضاً.