بين الجفاف والفيضان تتداعى البلاد

بين الجفاف والفيضان تتداعى البلاد

ثمة شيء مشترك بين الموت عطشاً والموت غرقاً بأن الضحية دائما هو الإنسان السوري البسيط الفقير والمهمش، فعلى مدى ثمان وثلاثين عاماً من الجفاف تناقص منسوب نهر الفرات إلى حد كبير مما أثر على المعدل العام للزراعات التي يعتمد عليها أغلب سكان دير الزور والرقة، حيث كانت نسبة المياه المتدفقة للأراضي السورية لا تتجاوز 200 متر مكعب رغم أن النسبة المتفق عليها مع الحكومة التركية تبلغ 500 متر مكعب وقبل إنشاء  سد الفرات وسد تشرين كانت الأضرار كثيرة ومتعددة نتيجة الفيضان الموسمي للنهر أهمها تدمير المحاصيل الزراعية الموسمية.

نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 على المشاركة العادلة والمعقولة (المادة 5): يحق لكل دولة من دول المجرى المائي الاستفادة من مياهه داخل إقليمها بطريقة منصفة وتراعي مصالح الدول الأخرى وكذلك الالتزام بعدم إلحاق الضرر (المادة 7): تُلزم الاتفاقية الدول باتخاذ كافة التدابير المناسبة لمنع التسبب في “ضرر ذي شأن” للدول الأخرى التي تتشارك معها نفس المجرى المائي والإخطار بالتدابير المزمعة كما تفرض الاتفاقية على الدول تبادل المعلومات وإخطار الدول الأخرى بأي مشاريع أو إجراءات قد يكون لها تأثير سلبي على المجرى المائي قبل تنفيذها، إما لجهة التعاون وتبادل البيانات (المادة 9): تلتزم الدول بتبادل البيانات والمعلومات بانتظام بشأن حالة المجرى المائي. الاتفاقية التي وافقت سورية عليها ورفضتها تركيا وتتابعت الاتفاقيات بعدها المجحفة بحق سوريا وخاصة اتفاقية أضنة عام 1998.

تتباين الأسباب والاتهامات المتبادلة المسببة للكارثة البيئية المتعلقة باندفاع مياه نهر الفرات واجتياحها لحياة وأرزاق الناس في الرقة ودير الزور بعد عقود من الجفاف استقر فيها الناس على سرير النهر وبنيت مطاعم واستراحات وزراعات عليه، ولسنين طوال بقيت تركيا تحتجز مياه النهر غير عابئة بانهيار القطاع الزراعي في البلد إلا أن موجة الأمطار الكثيفة في المواسم الماضية جعلت منسوب سدودها والمياه المحتجزة في أعلى طاقة لها مما أجبرها على الإفراج عن المياه باتجاه سورية التي أنهكتها حرب عطلت الحياة بأكملها، لذا كان من الطبيعي أن لا تكون مستعدة لهكذا إجراء. 

يقال إن تركيا أعلنت قبل أسبوع أنها ستفتح بوابات سد أتاتورك وأنها ستفتح المياه إلى مجرى النهر في سورية ولكن هل هذا كاف ؟؟

وإذا كان الأمر صحيحاً فالسؤال هنا لماذا لم تتخذ الإجراءات الكافية لمواجهة الكارثة؟! هل لضعف الإمكانية التقنية والعلمية للتصدي لمشكلة من هذا النوع أم نتيجة الإهمال والتراخي في حل المشكلات العاجلة؟ ولكن أضعف الإيمان إنذار السكان بالخطر المحدق قبل وقت مناسب.

في العودة إلى بدايات قيام السد على نهر الفرات الذي كان يفيض سنوياً ويؤدي إلى انجراف التربة الزراعية الخصبة وانقطاع طرق النقل والتجارة بين القرى بالإضافة لغرق القرى الطينية والمنازل التقليدية ونفوق أعداد كبيرة من المواشي وانتشار الأمراض والأوبئة المرتبطة بالمياه الراكدة.

ورغم اعتراض البعض على ما عرف بأراضي الغمر التي غطت أراضي الفلاحين لم يتم تعويضهم بما يعادلها فيما بعد إضافة إلى المناطق الأثرية الهامة التي غمرتها البحيرة والقرى الصغيرة التي غطتها المياه، وهنا إشكالية التساؤل الأخلاقي أيها الأهم ماضي البلاد والأسلوب العادل والتقليدي للزراعة أم مستقبلها ومستقبل الوطن، هذا إذا افترضنا النوايا الحسنة للتخطيط والبناء المستقبلي للاقتصاد الزراعي في البلد. 

وعليه تم إنشاء سد الفرات في سوريا خلال سبعينيات القرن العشرين وقد بلغت الطاقة التخزينية الكبيرة للبحيرة القائمة على السد 14 مليار متر مكعب، ساهمت بتنظيم تدفق مياه نهر الفرات ودعم مشاريع الري والزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية والحماية من الفيضانات الموسمية المدمرة. 

ولكن خلال العقود الأخيرة ونتيجة السياسات التركية وغياب شراكة حقيقية في إدارة نهر مشترك، انخفض المنسوب التخزيني للنهر مما أثر في إنتاج الطاقة الكهربائية بشكل كبير وخاصة نتيجة الخلل الذي أصاب السد نتيجة خروج أربع عنفات من أصل ثمانية عن الخدمة أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الرقة. واليوم يفيض النهر بشكل غير مسبوق ومفاجئ وللمرة الأولى تفتح أربع بوابات مفيض لم تفتح منذ أكثر من ثلاثين عاماً. 

ينبع نهر الفرات من تركيا على مساحة 1070 كيلومتراً ويمر بالأراضي السورية عبر أكثر من 600 كيلومتر وبعدها يدخل في الأراضي العراقية، مما منح تركيا إمكانية لتحكم قبضتها على المياه المنحدرة من أراضيها لبناء سدود ضخمة عليها وخاصة سد أتاتورك الذي قاربت طاقته التخزينية 48 مليار متر مكعب ويعتبر خامس سد على مستوى العالم وعليه تتحكم تركيا بكل قطرة مياه متجهة جنوباً.

بدأ العمل بسد الفرات عام 1968 ولكن بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 عمل على  أن تكنى البحيرة القائمة عليه باسمه، و نتيجة الجفاف الكبير الذي أصاب المنطقة خلال مدة طويلة  تسببت بانحسار المياه عن سرير السد تمدد السكان ببناء البيوت والمطاعم والمنتزهات ومنشآت في تلك المنطقة مما جعل فيضان النهر بهذه الطريقة كارثة بيئية من الطراز الأول، ولا يمكن تسميته فيضاناً بل اجتياح وتدفق غير مسبوق للمياه نتيجة سبب معروف، إذ قيل أن ارتفاع النهر الجديد قارب أكثر من مترين فوق معدله الطبيعي وتوقف عدد كبير من محطات المياه نتيجة وصول المياه إليها، بالإضافة لفقدان إمكانية التواصل والعبور والنجاة  نتيجة نسف الجسور المشادة نتيجة النزاعات السياسيةالماضية.

  عند العجز التقني والإداري عن مواجهة كارثة بحق البشر والبيئة ماذا نفعل ومالعمل وهل نبقى واقفين، طالب الكثيرون بطلب إعلان منطقة الفيضان بدير الزور والرقة منطقة منكوبة كي يتسنى للدول الصديقة مد العون لإنقاذ ما تبقى لأن الكارثة مستمرة وما من نفير عام لدرء المزيد من انعكاسات الكارثة. 

مشاريع كثيرة بعد سقوط النظام بإعادة بناء جسر دير الزور المعلق وخاصة بعد تبرعات كثيفة من رجال الأعمال ولكنها بقيت حبراً على ورق لم ينفذ منها شيء. المشكلة بعقل من لا يستطيع تحديد الأولويات المهمة بالنسبة لحياة الناس ومن لا يستطيع استقراء الآتي.

 أيام عيد والناس بحالة الفرح وأهلنا في الدير والرقة يشيعون أطفالهم الذين قضوا غرقاً مشهد أليم وموجع، ويحلو للبعض أن يتشفى من مصائب الغرق والفيضان وتتم الشماتة بمن لم يساندوا كوارث الآخرين ويعزوها لمواقف سياسية، لكنهم ينسون أنهم بذلك يزيدوا بتعميق جراحات البلد المثخنة، وأن الكارثة ستنعكس على الجميع، ولا حياة لبلد إلا بتضافر جهود جميع أبنائه وتجاوز الخلافات والعمل من أجل المصلحة العامة. 

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة والأكاديمية الأمريكية من أصول إيرانية ريبيكا شريعة طالقاني، وهي أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك، مقاربة جديدة في دراسة “أدب السجون السوري”، تستند إلى الكتابة الأكاديمية من خلال توظيف دراسات أدب السجون وحقوق الإنسان. ورغم هذه المقاربة، يظل الكتاب في متناول شريحة واسعة من جمهور القرّاء؛ إذ لا يهدف إلى تقديم سردية تاريخية عن السجون السورية، ولا إلى أرشفة مسار الحركات الحقوقية في البلاد، ولا إلى توثيق شامل للاعتقالات والتعذيب والانتهاكات. وإن كان يطلّ على جوانب من هذه السياقات أثناء القراءة، فإن الغاية الأساسية للعمل تتجلّى في تعريف القارئ بما اصطلح عليه “أدب السجون السوري”، ومضامينه المتعلقة بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، فضلاً عن تتبّع تطوّر أشكاله الإبداعية وتنوّع تعبيراته عبر الزمن.

تعقد طالقاني، في سياق دراستها، مقارنة بين أدب السجون في سورية وتجارب مشابهة في العالم، مثل تجربة المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، والروائي والناقد الحداثي السعودي عبد الرحمن منيف، كاشفة عن طابع خاص بالسجون السورية يتّسم بوحشية متفرّدة، تجعل من كل كلمة تُكتب من داخلها أو عنها عملاً بطولياً وأخلاقياً ومقاوماً.

وقد جاءت دراستها متجاوزة التوثيق إلى تحليل الأدب المُنتج داخل السجون أو حولها بوصفه ممارسة مقاومة، وأداة للنجاة الرمزية، وشكلاً من أشكال العدالة التأويلية.

صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء

صدر الكتاب العام المنصرم عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة، ضمن “سلسلة ترجمان”، ويقع في 312 صفحة، شاملاً تقديم المترجم، ومقدّمة، وخاتمة، ومراجع، وفهرساً عاماً، إضافة إلى قائمة رسوم وصور توضيحية.

يوضّح الناشر، في تعريفه بهذا الكتاب، أنه يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة العربية، لما ينطوي عليه من تداخل عميق بين الأدب وحقوق الإنسان، وبين التجربة الفردية والهمّ الجمعي؛ إذ لا يكتفي بمجرد توثيق معاناة المعتقلين السوريين، بل يسمو بهذه المعاناة إلى مقام الكتابة الأخلاقية والجمالية، ويمنحها بعداً إنسانياً عصياً على المحو، ونافذاً إلى الوجدان.

اختارت طالقاني، وهي تدرس أدب السجون السوري، النظر إليه بوصفه أحد العناصر الرئيسة في ثقافة المعارضين السياسيين السوريين، لا سيّما تلك التي أرسى دعائمها المعارضون العلمانيون اليساريون والمعارضون الإسلاميون منذ سبعينيات القرن العشرين، والتي شكّلت ركناً مهمّاً من أركان الثورة السورية التي انطلقت في منتصف آذار/ مارس 2011.

تقول طالقاني، في حوار معها عن اشتغالها على هذه الدراسة: “حاولت استخدام التعريف الممكن الأوسع والأكثر شمولية: أدب السجون هو أي نص تمّت كتابته عن، أو في، أو خلال تجربة الاعتقال، كما حاولت الإشارة إلى أن أي تعريف، بما في ذلك التعريف الأوسع الذي أستخدمه، هو إشكالي ويحتمل النقاش والجدل”. وتضيف: “ركّزت في بحثي الخاص بصورة رئيسية على أعمال كتبها المعتقلون عن الاعتقال، سواء أكانت أعمالاً روائية خيالية أو غير خيالية أو شعرية أو مسرحية”(1).

تمتدّ المرحلة الزمنية للأعمال التي تناولتها المؤلّفة من مرحلة توطيد حافظ الأسد نظامه الديكتاتوري، ثم توريثه لابنه بشار، وصولاً إلى الثورة السورية عام 2011، والحرب التي شنّتها قوات النظام البائد على الحاضنة الشعبية للثورة، والصراع المسلّح الذي أشعلته، وحتى عام 2020.

ومن الأعمال التي تناولتها في الكتاب رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، و**“من تدمر إلى هارفارد”** لبراء السراج، وغيرهما، باعتبارها نماذج حيّة من هذا الإبداع في وجه القمع. وتلفت إلى أنه حتى قبل عام 2011، كتب معتقلون أعمالاً كاملة، مثل عماد شيحة الذي ألّف ثلاث روايات خلال اعتقاله، وظلّ بعضها سرياً حتى وجد طريقه إلى النشر. وترى، في هذا السياق، أن الكتابة تتحوّل من مجرد توثيق فردي إلى دفاع عن الذاكرة، وإلى صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء، ويُصرّ على تثبيت معاني العدالة والكرامة.

إن الفكرة المركزية التي تنهض عليها هذه الدراسة هي الربط بين “أدب السجون” وخطاب حقوق الإنسان، بما يشمله من منظومات وقوانين ورموز.

وانطلاقاً من هذه الفكرة، ترى طالقاني أن نصوص هذا الأدب تقدّم مشاهد اعتراف سردية لا تُظهر فداحة المعاناة التي يكابدها المعتقلون فحسب، بل ترتبط، في الوقت نفسه، بخطاب حقوق الإنسان العالمي، بما يحوّل هذه النصوص إلى أدوات وعي سياسي وأخلاقي.

وانطلاقاً أيضاً من أن مؤلّفات أدب السجون في العالم العربي، وأكثر عموماً في الشرق الأوسط، قد تُنتج بالفعل سجلاً بديلاً عن السرد الرسمي للدولة، التي لا تأتي على ذكر انتهاكات حقوق الإنسان الموجودة فعلاً، فإن هذه المؤلّفات الأدبية تشكّل جزءاً من السجل التاريخي، إضافة إلى كونها أعمالاً إبداعية.

وجاء تناول المؤلّفة لمفهوم “بويطيقا الاعتراف” لتدرسه فنياً وأسلوبياً، وتربطه بمفهوم الاعتراف السياسي الذي يُعَدّ من الركائز الأساسية في خطاب حقوق الإنسان الحديث، خصوصاً في القرن العشرين.

ولا شك أن اعتماد طالقاني مصطلح “البويطيقا” في عنوان الكتاب لم يكن ترفاً لغوياً محضاً، بل هو استدعاء واعٍ لمفهوم نقدي ذي جذور فلسفية وجمالية عميقة؛ لأن الكتاب يعالج النصوص الأدبية ووثائق حقوق الإنسان بوصفها مادة فنية ومعرفية، ويستقصي الكيفية التي تُحدث بها هذه النصوص أثرها الجمالي والحقوقي في آن.

و“البويطيقا” كلمة يونانية ارتبطت باسم الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي عنون بها كتابه الشهير “فن الشعر”. وعُرفت بالفرنسية Poétiqueوبالإنكليزية Poetics، وكلتاهما متحدرة من الكلمة اللاتينية Poetica المشتقة من الكلمة الإغريقية Poietikos، لتحمل في هذه اللغات كلها معاني تتصل بصناعة الشعر ونظريته وفنونه.

وقد تنوّعت ترجمة كلمة “البويطيقا” وتجلياتها في ثقافتنا العربية، فوردت بصيغ شتى: نظرية الشعر، وفن الشعر، وصناعة الشعر، وقواعده، وصوغ اللغة الشعرية، والإنشائية، والبنية الشعرية، والشاعرية، والشعريات، وغير ذلك، ما يعكس ثراء هذا المصطلح وتشعّب دلالاته في الحقول الأدبية والنقدية.

دراسة “أدب السجون بوصفه نوعاً أدبياً

قسّمت المؤلّفة الكتاب إلى ستة فصول، مستعرضة من خلالها تطوّرات “أدب السجون السوري” في ضوء “التحوّل التجريبي” في الأدب العربي الحديث، ومبيّنة كيفية تجاوز هذا الأدب الوظيفة التوثيقية إلى فضاء أدبي وجداني يتفاعل مع الأسئلة الجمالية والوجودية الكبرى.

وتتناول، في الفصل الأول من الكتاب، مسألة تصنيف “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً قائماً بذاته، مشدّدة على أهمية النظر إليه من زاوية سياسية، على الرغم مما يحيط بهذا التصنيف من إشكالات نظرية. ثم تتوسّع بعد ذلك في عرض المناقشات الدائرة بين الكتّاب والباحثين حول اعتبار “أدب السجون” جنساً أو نوعاً أدبياً، مستعرضة المسارات المختلفة لنظرية النوع الأدبي في سياق دراستها. وعلى الرغم من إدراكها ما يكتنف هذا التصنيف من معضلات وحدود، فإنها ترى في استخدام مصطلح “أدب السجون” ضرورة سياسية لا غنى عنها.

انطلاقاً من هذا الفهم، يُدرَس “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً محدد المعالم، وقد طغى على مقاربته في النقد الأدبي العربي، غالباً، البعد التوثيقي والجنوح إلى النزعات التوفيقية التي تحاكي أحياناً أسلوب تقارير حقوق الإنسان، ما يحجب الأبعاد الجمالية والإنشائية الكامنة فيه. وتلفت إلى أن هذا الأدب لا يقتصر على الرواية والمذكرات، بل يمتد ليشمل أجناساً أدبية أخرى، كالقصة القصيرة والشعر والمسرح أيضاً، ما يجعل تعدّده الفني يُغني مضمونه، ويمنح قضاياه تراكماً تعبيرياً متجدداً.

وتفتتح طالقاني الفصل الثاني بقصة كتابة أطفال درعا على جدران مدرستهم عبارات مناهضة لنظام بشار الأسد في آذار/ مارس 2011، واعتقال أجهزة الأمن لهم وتعذيبهم وسجنهم، بوصفها لحظة انطلاق الثورة السورية، ومن ثم تحوّلها سريعاً إلى رمز لها، رابطة هذه القصة بموضوعات الاعتراف والضعف والتعاطف التي وجدتها في الأدب السوري عن السجون والاعتقال.

تقول عن هذا: “كتبتُ الفصل الأصلي كجزء من أطروحتي عن الضعف والاعتراف والتعاطف في القصص القصيرة للكاتب الراحل غسان جباعي والقاص إبراهيم صموئيل في 2008-2009، وذلك قبل اندلاع الثورة السورية في 2011”. وتضيف: “كان من الأشياء التي برزت في بعض القصص لكلا المؤلفين التركيز على تأثير الاعتقال في عائلات المعتقلين، بمن فيهم، وبشكل خاص، الأطفال. وردّ كذلك في قصصهما تركيز كبير على الكرامة الإنسانية، وغالباً على الإنسانية المتصدعة أو المختلة في مواجهة الوحشية اللاإنسانية أو المنحرفة”.

وتتابع قائلة: “أجد أن هذا التأكيد مهم ومؤثر. عندما عزمت على إعادة كتابة الفصل، كنت بالطبع قد قرأت وسمعت عن قصة الأطفال في درعا، لكن كانت أيضاً أزمة اللاجئين في أوجها، حيث تم نشر صورة الطفل الكردي آلان في جميع وسائل الإعلام الدولية. وفي الوقت نفسه أيضاً، كنت أقرأ عن حقوق الأطفال، وأفكر في أنهم الفئة الأكثر ضعفاً ضمن الكائنات البشرية. بالطبع، كل البشر ضعفاء، لكن هناك مستوى آخر من الضعف/الهشاشة vulnerability يتعلق بالأطفال، وهو مفهوم مختلف عن الضعف weakness في اللغة الإنكليزية. كنت أفكر وأقرأ عن مفهوم ومعضلة الاعتراف في كل من الأدب وحقوق الإنسان مدة طويلة. وهكذا، في الأساس، رأيت تأثير قصة أطفال درعا على أنها موازية لبعض أشكال الاعتراف في أدب السجون، وحاولت تضمين ذلك في الفصل. يبقى الاعتراف، بمستوياته المختلفة، أحد الجوانب الإشكالية لنظريات حقوق الإنسان، وفي الواقع، في النظام الدولي لقانون حقوق الإنسان، وهو أيضاً جزء متأصل في السرديات الأدبية. حاولت، خلال قراءتي للقصص القصيرة ونصوص أخرى، إظهار كيف تعلّمنا هذه الأعمال الأدبية عن معضلات الاعتراف، أو عدم الاعتراف، وكيف يرتبط الاعتراف بالضعف والعاطفة”(2).

ولتوضيح هذه المقاربة، استندت المؤلّفة إلى نظريات كل من الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر، والبريطاني بريان تورنر، وتيرانس كيف، مقدّمة من خلال ذلك مفهوم “بويطيقا الاعتراف” بوصفه تجلياً لفشل النظام الحقوقي التقليدي، ومحاولة لتشكيل وعي عاطفي جديد لدى القرّاء. وهي تفترض أن التحوّل السريع الذي جعل من قصص أطفال درعا رمزاً للانتفاضة السورية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوعات الاعتراف والهشاشة والتعاطف، وهي موضوعات تتجلّى بوضوح في القصص القصيرة لكتّاب مثل الكاتبة المغيّبة سميرة خليل وغسان جباعي، وكذلك في مسرحية الكاتب الراحل وديع اسمندر.

وانطلاقاً من دراسات الاعتراف في النظرية النقدية ونظرية حقوق الإنسان، بما في ذلك أعمال بتلر وتورنر وكيف، ترى المؤلّفة أن “بويطيقا الاعتراف” في “أدب السجون السوري” تستحضر أشكالاً بديلة من الهشاشة، قد تعكس خطاب حقوق الإنسان التقليدي أو تتجاوزه أحياناً لتقع خارجه، مشكّلة بذلك إمكانيات جديدة للكتابة ولإعادة تمثيل المعاناة.

أما معالجة تمثيلات التعذيب كما تتبدّى في الأدب وتقارير حقوق الإنسان، فكانت محور الفصل الثالث، وفيه أجرت طالقاني مقارنة دقيقة بين صوت الضحية المغيّب في التقارير الحقوقية، والذات المتكلمة والناطقة بوجعها في النصوص الأدبية، كما في كتابات الشاعر فرج بيرقدار والروائية حسيبة عبد الرحمن.

وانطلاقاً من المناقشة التي قدّمها الفصل الثاني حول مفهومي الهشاشة والاعتراف، تُتابع المؤلّفة في هذا الفصل تحليل تلك المفارقة، مقدّمة قراءة مقارنة لطريقة تصوير التعذيب في “أدب السجون السوري” وفي الخطاب الحقوقي التقليدي. وهي تُظهر، من خلال أعمال منها قصائد فرج بيرقدار وكتابات حسيبة عبد الرحمن ومصطفى خليفة ومالك داغستاني وسواهم، أن تجربة التعذيب تتجلّى في النصوص الأدبية بطرائق تتخطّى ما توفّره تقارير حقوق الإنسان، سواء من حيث العمق الإنساني أو الأثر السردي.

وتعتمد طالقاني في هذا الفصل على هذه الأعمال الأدبية لتبحث في إمكانيات تمثيل التعذيب بصورة تتسم بالحميمية السردية، وإعادة تأكيد مركزية صوت المعتقل بوصفه ذاتاً ناطقة، لا مجرد موضوع حقوقي أو رقم في وثيقة، بل بوصفه كياناً حياً يتحدث عن ألمه ويعيد بناء صورته من رماد القهر.

محو ذاكرة العنف.. من أشكال مقاومة المعتقلين

تتناول الباحثة الأمريكية، في الفصل الرابع من كتابها، تمثيل الزمان والمكان في “أدب السجون السوري” وتقارير حقوق الإنسان، مشيرة إلى كيفية معالجة هذا الموضوع في أعمال مثل مذكرات “خمس دقائق وحسب” للكاتبة هبة الدباغ، ورواية “من تدمر إلى هارفارد” للكاتبة براء السراج. وتنطلق من مناقشة قول المفكر والكاتب والمعتقل السابق ياسين الحاج صالح إن السجن “نمط من أنماط الحياة” لآلاف السوريين، لتحلّل كيفية تمثيل الزمان والمكان، مستندة إلى الدراسات الحديثة في جغرافيا السجون، مثل أعمال دومينيك مويران ومايكل فيلدر.

وتستعرض طالقاني، في هذا السياق، أعمالاً أدبية أخرى مثل مذكرات هبة الدباغ، ومجموعة فرج بيرقدار الشعرية “حمامة مطلقة الجناحين”، لتبيّن أن “أدب السجون السوري” يعيد إنتاج الجغرافيا العاطفية التي يعيشها المعتقلون من خلال تجاربهم الحقيقية.

وتخصّص المؤلّفة الفصل الخامس لسجن تدمر، لما يمثّله من موقع رمزي للقسوة، محلّلة اللجوء إلى السريالية في بعض الأعمال الأدبية، ولافتة إلى أن هذه السريالية هي شكل من أشكال المقاومة لمحاولة محو ذاكرة العنف التي تعرّض لها المعتقلون في هذا السجن. وترى أنه، من خلال أعمال مثل رواية “القوقعة”، فإن الكتابات عن سجن تدمر تنتج أشكالاً من المراقبة تكذّب الرواية الرسمية التي تنكر ارتكاب النظام لعقود طويلة انتهاكات لحقوق الإنسان. كما تفقد اللغة هنا قدرتها على التعبير عن التجربة القاسية، فيلجأ الكتّاب إلى النزعة السريالية لتمثيل أشكال القسوة والمعاناة الإنسانية في السجن.

في الفصل السادس والأخير، تناولت طالقاني الكتابات التي تمزج السرد الذاتي بالتخييل ما بعد الحداثي، والمتأثرة بالمنفى، ما يجعل أدب السجون امتداداً لكتابة المنفى والمقاومة المزدوجة، من خلال التحليل العلمي لمؤلّفات ما بعد الحداثة التي تبتعد عن تقنيات السرد التقليدية لكتّاب مثل باتريسيا واو ومارك كوري وآخرين. ويناقش الفصل انتشار الميول الذاتية والخيالية، حيث يعكس هذا التوجّه تساؤلاً نقدياً عن قدرة السرد على التعبير عن تجربة السجن بشفافية، على النقيض من تقارير حقوق الإنسان. وتبيّن المؤلّفة أن هذا النوع من السرد يرتبط بحالات النفي والإبعاد التي عاناها المعارضون السياسيون قبل ثورة الحرية والكرامة عام 2011 وبعدها. وهكذا، توضّح أن بعض مؤلّفات أدب السجون تتماهى مع الكتابة عن المنفى، معتبرة إياها جزءاً من تجربة المقاومة المزدوجة.

وتختم الباحثة الأمريكية دراستها بتأمّل دور الإنتاج البصري في توثيق الاعتقال والثورة، من خلال أعمال “أبو نضارة”(3)، وفيلم “سُلَيمى”(4)، وغير ذلك.

كما تناولت طالقاني بالدرس أعمال المخرج السينمائي محمد ملص، مثل “سلّم إلى دمشق” و**“باب المقام”**، التي تجسّد ثنائية الاعتقال والثورة، وتربط بين قمع الماضي وجراح الحاضر. وكذلك فيلم “المريض السوري”، الذي نتابع فيه قصة طبيب فقد مريضه المعتقل، ليُعتقل هو لاحقاً، وهو من إنتاج مجموعة “أبو نضارة”، وغيرها من الأعمال البصرية التي، بحسب طالقاني، تعيد التفكير في حقوق الإنسان بوصفه مفهوماً مرناً، وتقدّم السرد البصري وسيلة مقاومة تُكمل الأدب، وتمنح الصوت لأولئك الذين صودرت ذاكرتهم.

أخيراً، يمكننا القول إن هذا الكتاب يُعَدّ إسهاماً نقدياً بالغ الأهمية، يعيد الاعتبار لصوت المعتقلين السياسيين السوريين بوصفه ذاتاً كاتبة لا مجرد ضحية. وهو يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة السورية والعربية، لما يكشفه عن قدرة الكلمة والصورة على مواجهة الاستبداد، ويطرح أفقاً جديداً لتأمّل مفهومي العدالة والكرامة، مؤسساً لوعي أدبي لا يفصل بين الجمال والدلالة، ولا بين الفن والحقيقة.

يُشار إلى أن ريبيكا شريعة طالقاني أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك. وهي تركّز في دراساتها على المقاومة السياسية والإنتاج الثقافي في الشرق الأوسط، وتنشر مقالاتها ومراجعاتها وترجماتها في مجلات أكاديمية مهمة، منها: “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط”، و**“مجلة الأدب العربي”، و“مجلة كلمات بلا حدود”**. وتشارك طالقاني حالياً في تحرير “مجلة الأدب المقارن والثقافة” CLC Web، وقد حرّرت مع أليكسا فيرات كتاباً بعنوان “أجيال المعارضة: المثقفون والإنتاج الثقافي والدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، الصادر عام 2020.

هوامش:

  1. حوار مع الباحثة الأمريكية ريبيكا شريعة طالقاني، أجرته الزهراء سهيل الطشم، مجلة “رواق ميسلون”، العدد 87، تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.
  2. المصدر السابق.
  3. تأسست مجموعة “أبو نضارة” قبيل الثورة السورية، وقدّمت نفسها من خلال ما سمّته “سينما الطوارئ”، وسعت إلى اختراق ضجيج الإعلام بألسنة الضحايا الحقيقيين.
  4. “سُلَيمى” فيلم من الرسوم المتحركة، أُطلق رسمياً في 29/5/2015، ويشكّل الجزء الثاني من ثلاثية الصوت التي تعمل عليها حركة “استيقظت”، وهي حركة نسائية سورية تعرّف نفسها بأنها “تحكي قصصاً حقيقية، من وجهة نظر نساء في المجتمع السوري”.
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا عن مخالفتها للإعلان الدستوري، الصادر عقب سقوط الأسد، والذي نصت  المادة الثانية عشرة منه على أن الدولة “تحمي حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتكفل حقوق المواطنين والحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية”.

علو سقف الخطاب الديني  

في الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، ظهرت بعض مظاهر ما يسمى بـ”الدعوات الدينية” في عددٍ من الأماكن العامة في سوريا، وقد اتخذت طرقاً وأشكالاً مختلفة، من بينها: توزيع ملصقاتٍ تدعو النساء والرجال لارتداء اللباس المُحتشم، وظهور بعض المنقبات في الشوارع لينصحن النساء بضرورة ارتداء الباس الشرعي، وانتشار مجموعاتٍ دعوية، عبر سياراتٍ، مُجهَّزة بمكبرات الصوت، تجوب شوارع دمشق، بما فيها الأحياء المسيحية، لتبثَّ خطباَ ودعوات، تدعو الناس إلى اعتناق الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وقد أثارت “السيارات الدعوية“، التي كانت تنظر إلى الناس وكأنهم كُفَّار بحاجة إلى الهداية، جدلًا واستنكاراً واسعاً بين مختلف الطوائف في دمشق، خاصة عندما قام بعض سكان منطقة الدويلعة باعتراض إحدى السيارات، التي وقفت أمام كنيسة مار إلياس، وطردها من المنطقة، ما أدى إلى حدوث حالة من التوتر والغضب الشعبي. 

ورغم إقرار الحكومة بأن تلك “الدعوات” هي تصرّفات فردية، لا تتبع لأي تنظيم واضحٍ أو جهة رسمية، إلإ أنها لم تُبادر لمنعها ومحاسبة القائمين عليها، على الرغم من تكرارها، كما أنها لم تصدر أي بيانٍ رسمي يوضِّح موقفها صراحة من انتشار مثل هذه الأنشطة الدعوية، التي رآها البعض محاولة لفرض نهجٍ ديني وإيديولوجي في مرحلة مفصلية وحسّاسة من تاريخ البلاد. 

 وخلال شهر رمضان لهذا العام، ظهرت الكثير من حالات الاعتراض على “الإفطار العلني”، وذهبت بعض الآراء إلى تحريمه وتجريمه، بحجة مخالفته لـ”الآداب العامة”، في بلدٍ يمتاز بالتنوع الديني والثقافي. ففي ريف دمشق، أصدرت بلدية التل قرارًا ، لاقى جدلاً واسعاً، يقضي بفصل جميع عمال فرن حرنة الآلي، بتهمة “الإجهار بالإفطار”، متذرعةً بأن القرار جاء بعد ورود شكاوى من بعض أهالي المنطقة بحق العمال، الذين تعمدوا التدخين وشرب القهوة أمام المواطنين، في منافذ بيع الخبز خلال أوقات الصيام. 

وفي مدينة حمص، انتشر مقطع فيديو لصانع محتوى، يتنقل بين بعض مقاهي شارع العشاق، وهو يقوم بتصوير عددٍ من الأشخاص المُفطرين، ويُظهرهم وكأنهم مخالفون للقانون وينبغي مساءلتهم وفضحهم على الملأ، معترضاً على من أعطاهم الحق في الإفطار والجهر به، وعلى من سمح للمقهى بالعمل خلال وقت الصيام. وقد رأى كثيرون أن هذا السلوك، الذي أثار غضباً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، هو انتهاك صارخ للحريات الشخصية، وتعدي على خصوصية الجالسين في المقهى، ويتجاوز مسألة الاعتراض الشخصي إلى التشهير والتحريض. فيما رأى آخرون أنه مؤشّرٌ مخيفٌ على ولادة مناخٍ اجتماعي وثقافي غريب عن طبيعة المجتمع السوري، قد يأخذ البلاد نحو مزيدٍ من الانغلاق والتضييق على الحياة المدنية، ويفتح أسئلة كثيرة تتعلق بمدى حدود التدخل في حياة الآخرين ومن يمتلك حق محاسبتهم.  

تقييد بيع المشروبات الكحولية 

 أصدرت محافظة دمشق  منتصف آذار الماضي، قراراً يمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي في مدينة دمشق، ويَحصُر بيعها ضمن المحلات المرخَّصة، في ثلاث مناطق تقطنها غالبية مسيحية: باب توما، القصاع وباب شرقي. كما اشترط القرار أن تبعد تلك المحلات مسافة 75 متراً عن الجوامع والكنائس والمدارس والمقابر، ومسافة 20 متراً عن مراكز الشرطة والدوائر الحكومية. وقد بررت المحافظة سبب القرار بأنه جاء تلبية لشكاوى المجتمع المحلي، وأنه يهدف إلى “الحد من الظواهر المخلّة بالآداب العامة”.

القرار الذي أثار مزيداً من المخاوف المُتعلّقة بالمساس بالحريات الشخصية، قوبل بموجةٍ من الاستهجان والسخط والانتقادات اللاذعة، من قبل شريحة واسعة من السوريين، بما فيهم وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، التي احتجت على القرار من خلال منشور عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، جاء فيه: “المسيحيون في سوريا هم سكانها الأصليون، ومناطقنا ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك. لم نكن يوماً سكارى ولكننا سكارى في محبة سوريا والانتماء إليها”.  

وعقب القرار تجمّع مئات السوريين، من مختلف المكونات، في اعتصام صامت، في باب توما، رفعوا فيه لافتات ترفض القرار، الذي اعتبروه اعتداءً على الحريات العامة والشخصية، ويسعى لتكريس الطائفية وتفريق الشعب بدلاً من جمعه، كونه “يُكفِّر” مناطق محددة ويسيء لتاريخها وثقافتها، ويعمل على تغيير هوية المدينة، التي لطالما كانت تمتاز بالتنوع الاجتماعي والثقافي، وتستوعب جميع الناس على اختلاف ثقافاتهم.

وما أثار مخاوف بعض السوريين، أكثر من القرار ذاته، هو خروج مجموعة مظاهرات في عدد من المحافظات، رداً على اعتصام باب توما، واستجابة لحملة “حظر أم الخبائث”، التي أطلقها مجموعة من الناشطين دعماً لقرار منع الكحول،  وقد نادت المظاهراتبمجموعة شعارت يغلب عليها الطابع الديني، ومن بينها: “ما بدنا سكرجية”، “حرية إسلامية”، “الشعب يريد إلغاء الخمور”، ” فَليعد للدين مجده ولتُرق منا الدماء” و”الشعب يريد تحكيم شرع الله”.   

 منع المكياج في اللاذقية

تحت ذريعة “تنظيم المظهر الوظيفي” و”الحفاظ على صورة المؤسسة وتعزيز المهنية والانضباط”، أصدر محافظ اللاذقية، في شهر كانون الثاني من هذا العام، قراراً رسمياً يقضي بمنع جميع الموظفات والعاملات من وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي، في جميع مؤسسات ودوائر الدولة وهيئاتها وما يتبع لها من مديريات وشركات، مؤكداً على ضرورة التقيّد والإلتزام بالقرار “تحت طائلة المساءلة القانونية”.   

وقد أثار ذلك القرار، الغريب والمفاجئ، جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، رافقته موجة واسعة من الانتقادات والرفض والسخرية، إذ اعتبره البعض تقييداً لحرية النساء بحجة الأخلاق، ووصايةً ذكورية على أجسادهن، وفرضاً لنهج إيديولوجي متطرف، كما أعرب آخرون عن مخاوفهم من فرض مزيدٍ من القيود على الحريات الشخصية، مع تسلّم مسؤولين، من خلفيات دينية، الكثير من المناصب في البلاد، فيما رأى جزء كبير من المعترضين على القرار، أن وضع المكياج  لا يؤثّر على النزاهة أو الكفاءة المهنية والالتزام الوظيفي، وأن القرار، الذي لا يدخل ضمن صلاحيات المحافظ، قد تجاوز الدور التنظيمي للمؤسسات وتدخل في  خيارات شخصية لا تمسّ طبيعة وجوهر العمل. وقد تساءل البعض: وفق أي مادة قانونية ستحاسب الموظفة التي تضع المكياج، في ظل غياب أي نص قانوني ينصُّ صراحة على منعه؟   

ضوابط ومعايير لارتداء ملابس السباحة

في خطوة غريبة عن المجتمع السوري، أصدرت وزارة السياحة في شهر حزيران من العام الماضي، قراراً يفرض ضوابط صارمة على قواعد اللباس في الشواطئ والمسابح العامة، التي لطالما كانت مُختلطة ومتنوعة وتستقبل جميع الناس على اختلاف ثقافتهم وسلوكهم الاجتماعي. وقد أكد القرار على “الالتزام بارتداء ملابس سباحة مناسبة تراعي الذوق العام ومشاعر مختلف فئات المجتمع”، مع التشديد على “احترام التنوع الثقافي والديني في الجمهورية العربية السورية”. وبموجب القرار، الذي رآه كثيرون تقييداً للحريات ومحاولة لفرض وجهة نظرٍ واحدة: تُلزم النساء بارتداء “البوركيني” أو ملابس سباحة “مُحتشمة”، تغطي الجسم، مع ضرورة ارتداء لباس فضفاض عند التنقل خارج أماكن السباحة، فيما يُلزم الرجال بارتداء قمصان عند الخروج من الماء، ويُمنعون من الظهور مكشوفي الصدر في الأماكن العامة والمطاعم التابعة للمنشآت السياحية. كما أكدت الوزارة، من خلال القرار، على تجنب ارتداء الملابس الشفافة أو الضيقة في الأماكن العامة، خارج الشواطئ والمسابح، والالتزام بملابس واسعة تغطي الكتفين والركبتين.

ونتيجة القرار، الذي لاقى موجة استهجان وانتقادات كبيرة، حُرم كثير من الناس من زيارة الشواطئ التي اعتادوا زيارتها خلال الصيف، بعد أن شعروا أنها أصبحت غريبة عنهم، وأنهم سيكونون مسلوبي الحرية ومقيدي الحركة فيها، كما أضرَّ القرار بكثير من أصحاب الشاليهات ومستثمري الشواطئ، بعد تراجع حجم الإقبال عليها.    

قرارات غريبة عن المجتمع السوري

في شهر شباط الماضي، أصدرت بلدية وادي بردى قراراً، يمنع المطاعم والمنتزهات من استقبال المجموعات السياحية المختلطة، أو التي تقيم حفلات رقص أو أنشطة اندماج بين الجنسين، دون وجود “رادع أخلاقي”، تحت طائلة إغلاق المنشأة وختمها بالشمع الأحمر في حال المخالفة.

وقد تساءل كثيرون عن مدى صلاحية البلدية في اتخاذ قرار كهذا، يُسيء لصورة المجتمع الذي اعتاد أن يتقبل الجميع، ويضرُّ بأصحاب المطاعم والمنتزهات ويحدُّ من الحركة السياحية في المنطقة، التي اعتادت استقبال الغروبات السياحية والرحلات المختلطة والنزهات العائلية، التي كانت تحظى بكثير من الترحاب والاحترام وكرم الضيافة من قبل سكان المنطقة، فيما رأى آخرون أن هذا القرار سيشكل مخاوفاً لدى الناس ويجعلهم يفكرون في كل رحلة أو نزهة مختلطة يقومون بها، إذ يمكن أن يُنظر إليها على أنها مخلّة بالآداب العامة، خاصة أن بلدية وادي بردى قد بررت القرار، بأنه جاء “استناداً إلى أخلاق ديننا الحنيف” وإلى “قواعد الآداب العامة، والحرص على العادات والتقاليد المجتمعية واحترامها”. 

وفي مدينة التل، وتحت ذريعة “صون الخصوصية العامة واحترام العادات والتقاليد المجتمعية”، أصدر مجلس المدينة، في شهر كانون الثاني لهذا العام، قراراً يحظر تواجد أي بائع “ذكر” داخل محلات بيع الألبسة النسائية، ويُلزم أصحاب المحلات بتعيين بائعة للعمل، مؤكداً على أن المحل الذي سيخالف التعليمات سيتم إغلاقه وختمه بالشمع الأحمر.  

وقد اعتبر كثير من المتابعين أن القرار  يعد مخالفاً للقوانين ويتدخّل بالملكية الخاصة لأصحاب المحلات ويضع قيوداً على إدارتهم لأعمالهم، رغم أن وجود الرجال في محلات بيع الألبسة النسائية هو عادة مألوفة في سوريا ولم تشكّل يوماً أية مشكلة أخلاقية تسيء للمجتمع. وقد تساءل بعض الساخرين من القرار إن كان سيسمح لأصحاب المحلات بزيارة محلاتهم، وإن كان سيطال أصحاب محلات المكياج والأحذية النسائية؟

ما ذكر أعلاه، يضعنا أمام سيناريوهات مستقبلية متعددة، تتعلَّق بشكل الحياة المدنية والاجتماعية والثقافية ضمن المجتمع السوري، ويطرح سؤالاً بدأ يتردد في الأحاديث اليومية لكثير من الناس: هل سيتغير الوجه المدني لسوريا مستقبلاً؟

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.

وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.

والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.

خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟

من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.

الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.

نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.

يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.

تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.

وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.

تقارير متناقضة عن الخطف

صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.

لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.

هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.

نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.

بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم “نزوح”، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز الفيلم جائزة الجمهور Armani Beauty Audience Award ضمن قسم “أوريزونتي إكسترا” (Orizzonti Extra)في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2022، كما نال جائزة تلفزيون ARTE في مهرجان كان السينمائي، وحصل السيناريو على جائزة باومي من برلين، وجائزة سورفوند ضمن ورشة سينيفونداسيون.

يوحي عنوان الفيلم بمضمونه، إذ يضيء على واقع مشحون تعيشه أسرة محاصرة في أحد أحياء مدينة دمشق، لم يبق في المكان سواها مع عدد قليل من الجيران الذين يتهيؤون للهروب من المنطقة وسط أصوات الهاون والمتفجرات.

يصرّ ربّ الأسرة على البقاء في البيت، رغم القذائف التي أصابت البناء وأحدثت فيه فجوات متعددة تتسرّب منها الرياح ومياه الأمطار. وهو يتوجّس من فكرة أن يصبح لاجئاً أو نازحاً يستجدي المكان واللقمة عند الآخرين، وهو الذي يرى نفسه ابن عزّ ومجد، ويشعر، كرجل، أنه يمتلك القوة والقدرة على إعادة بناء منزله وترميمه من جديد وحماية أسرته. ومن هنا يأتي إصراره على الثبات وعدم الرحيل.

وسط أصوات القذائف وانهيارات الأبنية، تظهر من خلال فجوات البناء قصة حب شفيفة ورقيقة بين الابنة زينة، التي جسّدتها هالة الزين، وابن الجيران عامر، الذي أدّى دوره نزار العاني، في استعراض رومانسي لمهارات التصوير. تتخيّل زينة نفسها وسط النجوم، متأرجحة بين مجموعات الدب الأكبر والدب الأصغر والثريا، حين تسقط من الفوهة التي فتحتها القذائف إلى سرير نومها، في إشارة إلى أن الحياة لا تزال تتّسع لقصة حب فطرية مهما عظمت الخطوب وتوالت الأقدار الظالمة.

يحاكي المشهد الأساسي في الفيلم ما عاشه السوريون جميعاً خلال أربعة عشر عاماً، سواء في النزوح الداخلي أو الخارجي، وما يعنيه ذلك من إحساس عميق بالمهانة نتيجة الحاجة إلى غرباء يساعدونهم على تدبّر أمورهم الحياتية. وهنا تأتي صرخة سامر المصري في دور الأب: “نازح أنا؟ يقولوا عني نازح؟”، في استهجان صريح لما يعنيه البعد عن المكان والبيت، ذلك الذي يصفه غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”بأنه كينونة الإنسان الأولى، وركنه في العالم، ومركزه الروحي للألفة والحماية.

لكن مع فقدان الحاجات الأساسية من ماء وكهرباء ومؤونة، والحصول عليها بشق الأنفس، ينشأ صراع حول البقاء في المكان والاستمرار في العيش بهذه الطريقة. ويتفجّر هذا الصراع بين الأب والأم حين يبدأ الأب بالتفكير في تزويج طفلته من أحد المقاتلين، بعد أن جاءه سمسار الحي ليقنعه بأن هذا هو الحل الأمثل بحجة تأمين حمايتها قبل اقتحام الجيش للمكان. وهنا يغدو الحوار بين الزوجين نافذة على الذاكرة، تستدعي الواقع الاجتماعي والبيئة التي تعيش فيها الأسرة، وتاريخها في تزويج البنات وإرسالهن إلى المجهول، مروراً بزواج الأم نفسها في سن مبكرة، من دون أن يُتاح لها التفكير في قرارها أو مستقبلها. هذا التراكم من المشكلات الاجتماعية يدفع الأم إلى اتخاذ قرار الهروب والتمرّد على سلطة الأب، ومغادرة المكان مع بقية المغادرين.

تغادر الأم وابنتها عبر حطام المدينة التي تشظّت معالمها، في صورة تعكس الضريبة الباهظة من الشقاء التي تقع على النساء والأطفال في الحروب والصراعات بالدرجة الأولى. ويكتسب المحتوى البصري للمكان، بما فيه من منازل مهدّمة وشوارع فقدت تضاريسها واتجاهاتها، صفة وثائقية وعفوية، تجسّد الخلفية الصامتة للمعاناة والألم في رحلة ضياع بين الأنقاض. ثم تلتقيان بالعشرات من الأهالي الراغبين في الخروج والهروب من الأماكن المتفجرة، وسط حوار يتضمّن انتقاداً ضمنياً لمن يحملون السلاح، بوصفهم يريدون السكان دروعاً بشرية يحتمون بها.

أما الزوج، الذي تُرك وحيداً، فيصاب بهستيريا وصراع داخلي عنيف. فهو يريد البقاء في بيته، وألا تتعرض عائلته لذلّ النزوح، وأن يكون الحامي لأسرته، لكن سخرية الأقدار تجعله يفقد أسرته ويغدو وحيداً. ونراه يطارد آثارهم من مكان إلى آخر، إلى أن يصل إليهم وهم يستقلّون إحدى السيارات الموعودين فيها بالأمان، وبالوصول إلى البحر، بما يحمله من رمزية الاتساع والعمق بوصفه حلاً مأمولاً، رغم آلاف الضحايا الذين ابتلعتهم الأمواج في موجات الهروب المتتالية من جحيم الواقع. وتأخذ مطاردته للسيارة طابعاً درامياً مشوّقاً يحبس الأنفاس، إلى أن تحسم الفتاة الأمر بصراخها كي تتوقف الحافلة، وتهرع راكضة إلى أبيها في لقطة بالغة الحميمية، وسط تعنّت الأم وإصرارها على موقفها، إلى أن يعلن الأب استسلامه، وأنه سينزح معهم ويرافقهم، وأن مصيره سيبقى مرتبطاً بهم دائماً.

ومن مفارقات القدر أن يصل الإنسان السوري إلى قناعة بأن النزوح عن بيته وحارته هو الحلّ المرحّب به، بل الحلّ الذي يحفظ له حياته وكيانه، رغم أن الجميع، في الداخل والخارج، حكومةً ومعارضةً، يرفعون شعارات حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم وسلامتهم. لكن المدنيين، في نهاية المطاف، هم الشريحة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والصدام والاقتتال.

تهدي المخرجة سؤدد كنعان الفيلم إلى جميع السوريين، من بقي منهم ومن هاجر، إذ إن الجميع تحت نير المعاناة، والجميع دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وقد رأت أن إبقاء النهاية مفتوحة يعكس أن الوضع ما زال قائماً، وأن الحرب لم تنتهِ، وأن واقع اللجوء ما يزال مستمراً. كما أن النهاية المفتوحة، بشكل عام، تجعل المتلقي شريكاً في تخيّل ما ستؤول إليه الأحداث، وفق أفكاره وتصوراته، بما يضيف غنى وثراء إلى العمل.

طبعاً، فكرة الفيلم نبيلة ووجدانية، بوصفه شاهداً على زمن نتمنى ألا يعود. ولعل الواقع كان أكثر وحشية وألماً مما رأيناه، إذ عبّر الفيلم، بطريقة بسيطة وعادية، عن واقع معروف ومعاش، لكنه يبقى صوتاً في وجه استباحة الإنسان المهدور والمكشوف للحرب والتهجير والدمار.

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم “اكتظاظاً” بالأحزاب والسياسيين والزعماء و”القادة الملهمين”، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين العرب: “أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ويعتقد 50 في المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد 10 في المائة على الأقل أنهم آلهة”. (1)

لمحات من تاريخ العمل الحزبي في سوريا
شهدت سوريا ولادة إرهاصات لأشكال من الأحزاب السياسية “جمعيات” مع أفول حقبة الاحتلال العثماني للشرق، وكانت استجابة لطموح الشعوب المحكومة بالاحتلال إلى الاستقلال وبناء دولها القومية، بالتزامن مع نشوب الحرب العالمية الأولى، وشهوة الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب للاستيلاء على تركة “الرجل المريض”.

وفي زمن الانتداب الفرنسي (1920 ـ 1946)، تأسست أحزاب وحركات عديدة، ربما كان أولها الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان الذي تأسس عام 1924، ثم تأسست الكتلة الوطنية عام 1928 من ائتلاف مجموعة من رجال السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة السوريين الذين جمعهم الإيمان بوحدة سوريا واستقلالها.

وانشق عن الكتلة الوطنية لاحقاً تشكيل سُمّي “حزب الشعب”، ليحتكر الحزبان، إلى حد كبير، الحياة السياسية والبرلمانية في سوريا آنذاك، رغم وجود نشاط واضح للشيوعيين والقوميين السوريين، “تأسس الحزب القومي السوري عام 1932″، إضافة إلى حزب البعث الذي تأسس غداة الاستقلال عام 1946.

الربيع الحزبي القصير
استمرت الحالة الحزبية في سوريا بهذا الشكل، إلى حد كبير، حتى أثناء فترة الانقلابات خلال الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ونشطت أكثر فأكثر خلال الفترة اليتيمة التي شهدت حياة برلمانية حقيقية مستقرة بين عامي (1954 ـ 1958)، حتى جاءت الوحدة السورية المصرية التي قضت على الحياة السياسية في سوريا.

امتد شلل الحياة السياسية، رغم الفشل الذريع لتجربة الوحدة القسرية في أيلول من عام 1961، وقيام حكومة أعادت تفعيل الحياة السياسية، لكن سرعان ما انقض البعثيون على السلطة في انقلاب 8 آذار 1963، وأعادوا تأسيس النظام الأمني الشمولي. ورغم تعدد الحركات والانقلابات، إلا أن الإطار العام بقي تفرداً للبعث بالسلطة، ثم تفرد فرد وعائلة بالسلطة منذ عام 1970، حين تمكن حافظ الأسد من الانقلاب على خصومه، رفاق الأمس، وتأسيس نظام أمني صارم ومغلق ودموي أبقاه على رأس السلطة مع عائلته وحاشية ضيقة من المنتفعين من الفساد الذي رافق الاستبداد، كما هي العادة، حتى موته عام 2000.

وكان حافظ الأسد قد هيأ استلام السلطة لابنه بشار الأسد، الذي حكم بالعنجهية ذاتها، مع تميزه عن أبيه بقلة الخبرة وضعف الشخصية وأمراض مزمنة أخرى، حتى سقوط نظامه في 8 كانون الأول عام 2024.

زمن الهيئة
سقوط نظام بشار، والقدوم السريع لقوات هيئة تحرير الشام من إدلب إلى دمشق خلال 11 يوماً، وإعلانها أبا محمد الجولاني (الرئيس الحالي أحمد الشرع) رئيساً للفترة الانتقالية التي حُددت بخمس سنوات، ومن خلال الملامح الأولى لـ”الحوار الوطني” و”الإعلان الدستوري” و”مجلس الشعب”، بدا للمراقبين أن هناك توجهاً نحو التفرد في إقرار مستقبل البلاد، بتغييب أي دور للأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية التي كانت في صفوف المعارضة لنظام الأسدين.

إضافة إلى تعيين قيادات النقابات والاتحادات المهنية وتحويلها، بالتالي، إلى أجهزة تنفيذية تابعة للسلطة. وكذلك مجلس الشعب، الذي لم يكتمل بعد بانتظار تعيين الثلث الخاص بالرئيس الانتقالي، بعد انتخاب الثلثين الآخرين من لجان شكَّلتها السلطة الانتقالية.

إضافة إلى التسامح مع لغة تحريضية ضد الأقليات، وتنفيذ مجازر مروعة في الساحل السوري في آذار 2025، وفي السويداء بتموز من العام ذاته.

الآن تبدو الصورة البانورامية للحالة الحزبية والنشاط الحزبي والسياسي قاتمة في سوريا بسبب عدم صدور قانون أحزاب جديد أولاً، علماً أن آخر قانون أحزاب أصدره بشار الأسد، في تلبية شكلية لمطالب الثورة السورية، لم يشرع سوى لأحزاب صغيرة مسيطر عليها أمنياً، وتكاد تكون وهمية، إضافة، طبعاً، إلى أحزاب ما سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، وهو تحالف أنشأه حافظ الأسد عام 1972 من الأحزاب الرئيسية المعروفة في البلد، عدا الإخوان المسلمين والحزب القومي السوري، وهي: “الحزب الشيوعي السوري، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الاشتراكيين العرب، حزب الوحدويين الاشتراكيين، وحزب البعث كقائد للدولة والمجتمع والجبهة أيضاً”. ولاحقاً حدثت انقسامات عدة في أحزاب الجبهة، وتم ضم الأحزاب الجديدة المنقسمة عن أحزاب الجبهة إليها، إضافة إلى الحزب القومي السوري، ليصبح عدد الأحزاب تسعة أحزاب.

ويبدو من نهج السلطة الانتقالية، في الجانب السياسي والإداري، اعتمادها كلياً على كوادر هيئة تحرير الشام العاملين في صفوف هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، وهو ما يُعرف في سوريا بمشايخ الهيئة، حيث يدير معظم الوزارات والمؤسسات شيخ أعلى من الوزير أو المدير العام.

ومعلوم أن تأسيس جبهة النصرة كان بعيد اندلاع الثورة السورية، كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، نهاية عام 2012، إذ قام أبو بكر البغدادي، أمير التنظيم في العراق، بإرسال أبي محمد الجولاني مع بضعة قياديين سوريين وأجانب إلى سوريا لإقامة فرع لتنظيم القاعدة فيها تحت اسم “جبهة نصرة أهل الشام” عام 2012.

في تموز عام 2016، تم تغيير اسم تنظيم جبهة النصرة إلى “فتح الشام”، في محاولة للالتفاف على العقوبات الدولية وعلى تصنيف جبهة النصرة كـ”تنظيم إرهابي”. وكان ذلك التغيير تمهيداً للانفصال عن تنظيم القاعدة أيضاً، ولم يدم الاسم طويلاً، إذ سرعان ما أُعلن تأسيس هيئة تحرير الشام بعد دمج فصائل إسلامية عدة مع التنظيم عام 2017.

هذه نبذة موجزة عن الحزب الحاكم فعلياً في سوريا الآن، رغم الإعلان عن حل الهيئة بعد وصول قواتها إلى دمشق، لكن تشكيل ما يسمى بالإدارة السياسية، وهي الحاكم الفعلي لسوريا، يذكرنا إلى حد بعيد بالقيادة القطرية لحزب البعث، في ظل وجود عضو من هذه الإدارة في كل محافظة وفي الوزارات الهامة لتسيير الأمور.

الآن، ما هي الحالة الحزبية في سوريا في ظل عدم وجود قانون أحزاب، ولا قانون إعلام، ولا صحافة حرة بمعنى الكلمة؟

أحزاب تعمل بحذر وتنتظر قانوناً
قمنا بلقاء قياديين في حزبين موجودين على الساحة لسبر رؤيتهما حول الحالة الحزبية في سوريا الجديدة.

عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد تحدث لنا عن الوضع الحالي للحزب قائلاً: “هناك حالة انتظار بالنسبة لنا كنشاط سياسي، ونحاول متابعة حد أدنى من النشاط السياسي والإعلامي، مع حرصنا على عدم استفزاز السلطة.

لقد رفض الحزب الشيوعي السوري الموحد قرار حل الأحزاب، وتابع نشاطه السياسي بأشكال أقل علنية، ويساهم اليوم مع غيره من الأحزاب وهيئات المجتمع المدني في تجمعات سياسية واجتماعية ترفع شعارات وطنية، كاستعادة السيادة السورية، ووحدة الأرض والشعب، ورفض التقسيم، والنضال لاستعادة كل شبر من الأرض السورية التي يحتلها الكيان الصهيوني، ومن أجل الديمقراطية عبر دستور ديمقراطي يعترف بحقوق المواطنة والحقوق السياسية لجميع السوريين بغض النظر عن الجنس والدين والمعتقد والإثنية.”

وحول تعامل السلطة مع الحزب حتى الآن قال: “لم نشهد تصعيداً ضد الحزب حتى اليوم.”

وفي مقال له منشور في صحيفة خليجية زودنا به، يبين القيادي الشيوعي ذاته موقف حزبه، الذي كان عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية في عهد النظام السابق، نقتطف منه: “المنتصرون في سِفر الثورات العالمية على مدى التاريخ، اكتشفوا في أحيان كثيرة أنهم كانوا أضاحي، والمنهزمون خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك بعد أن بدّلوا زيّهم، وتبددت الأحلام الوردية كسحابة صيف، أما شعارات الحرية والعدل والمساواة، فاختنقت في الحناجر، وتحولت إلى “بوسْتَرات” ملوّنة تزين جدران مخافر الشرطة وغرف الاعتقال والتعذيب.”

ويضيف: “ورغم الغموض الذي اتسمت به الصفقات الإقليمية والدولية التي أطاحت بنظام “الأسد” وأدّت إلى سيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في سورية، فقد تساوى التفاؤل والخوف والقلق في صبغ ردود أفعال المواطنين السوريين تجاه التغيير الحاصل في البلاد، فقد تفاءل الكثيرون بسبب انهيار سلطة الحزب الواحد الذي هيمن على سورية منذ نحو ستّة عقود، وكان كثيرون يعتقدون أن ذلك أمرٌ مستحيل، بسبب القبضة العسكرية والأمنية للنظام المنهار، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد تخوف الكثيرون أيضاً من الآتي الجديد بسبب خلفيته الجهادية ذات اللون الواحد، وانتابهم القلق حول مستقبل بلادهم بعد أن عانوا طويلاً من التفرد.”

وحول رأي حزبه بالإجراءات والخطوات التي اتخذتها السلطة الجديدة، أضاف القيادي الشيوعي في مقاله:
“لقد أظهرت مؤشرات عدة خلال فترة قصيرة، بعد أن عُيّن السيد “الشرع” رئيساً للبلاد، بموجب قرار الإدارة العسكرية “لهيئة تحرير الشام”، ومن خلال أول الاستحقاقات، وهو مؤتمر الحوار الوطني، أن اللون الواحد سيطغى على جميع الاستحقاقات اللاحقة، وأن شعار “من يحرّر يقرّر” الذي رفعه بعض قيادات “الهيئة” تحوّل إلى سلوك عملي، رغم تناقضه مع طموحات السوريين إلى سورية الجديدة الموحدة، فكان حواراً مع الذات لا مع الآخر المتنوّع والمختلف، وخرج بتوصيات مسبقة الصنع بصيغ عامة لا تضمن توحيد الأطياف السورية، ولا تضع الإطار الديمقراطي التعددي الذي يمنع إعادة إنتاج التفرّد والاستئثار والاستبداد.

أما المؤشر الثاني، فكانت أحداث الساحل السوري، التي تحولت إلى “مقتلة” أعادت إلى الأذهان التحريض والتجييش الديني والطائفي، واستخدام المراكز الدينية ومشاعر المتدينين لاضطهاد الطائفة العلوية، بزعم أنها حاضنة رموز النظام المنهار. هذه “المقتلة” التي أدّت إلى استشهاد آلاف المدنيين الأبرياء من جهة، والتخوف من استمرارها في مناطق أخرى، وبأشكال أخرى من جهة ثانية، علماً أن هذه الطائفة كانت، خلال عقود تسلط النظام المنهار، من أكثر الأطياف تضرراً، باستثناء قلّة منها استغلت نفوذها لتلبية مصالحها الضيقة المعادية لمصالح الوطن والشعب.

ثم جاء المؤشر الثالث، وهو إصدار الإعلان الدستوري الذي صاغته لجنة اللون الواحد، والذي لم ينص صراحة على تبنّي الديمقراطية التي ناضل السوريون من أجلها، والذي افتقد إلى الضمانات الواضحة لبناء سورية الجديدة الديمقراطية.. المدنية.. التشاركية، ليكتمل المشهد المتسم باللون الواحد، الذي سيراه السوريون في الأيام القادمة.”

السيد عمر المختار ونوس، القيادي في الحزب الدستوري السوري “حدس”، تحدث عن تجربة الحزب مع السلطة الجديدة قائلاً: “نحن في الحزب الدستوري السوري نرى أن المشهد الحزبي بعد سقوط نظام الأسد يعيش حالة فراغ قانوني وسياسي خطير. فحلّ الأحزاب بقرار فوقي، من دون أن يُستكمل ذلك بإطار قانوني بديل ينظّم العمل الحزبي، أوجد واقعاً ضبابياً يقيّد التعددية ويعيد إنتاج منطق السلطة المؤقتة غير الخاضعة للمساءلة.

غياب قانون أحزاب واضح، يستند إلى معايير دستورية ديمقراطية، يعني عملياً تعطيل أحد أهم مقومات الحياة السياسية السليمة، ويجعل النشاط الحزبي عرضة للاجتهاد الأمني أو الإداري، بدل أن يكون حقاً سياسياً مكفولاً.

من وجهة نظرنا، لا يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي أو عن بناء دولة قانون، في ظل غياب تشريع يضمن حرية التنظيم السياسي والتنافس السلمي على أساس البرامج لا الولاءات.”

وجواباً على سؤالنا حول تعامل السلطة الجديدة مع نشاط الحزب وفعالياته، قال: “الحزب الدستوري السوري لم يكن يوماً حزباً مرخّصاً في ظل نظام الأسد، لأنه لم يعترف بشرعية ذلك النظام، ولا بشرعية قوانينه القمعية. وبالتالي فإن موقفنا من السلطة الجديدة ينطلق من المبدأ ذاته: نحن لا نطلب اعترافاً من سلطة أمر واقع، بل نطالب بحقوق دستورية وسياسية وطنية ومواطنية، كان يمكن لمؤتمر حوار وطني حقيقي أن يفضي إلى تثبيتها في عقد اجتماعي، لتصبح هي ذاتها مضمون الوثيقة الدستورية، وقد رأينا كيف أدى تجاوز هذا الحوار إلى تعقيد المشهد الوطني.

السلطة المؤقتة/ الانتقالية/ الأمر الواقع تريد إبقاء الحياة السياسية في منطقة رمادية، لتستكمل تمكين نفسها في الحكم، وهناك الكثير من المقدمات الواضحة بالنسبة لنا في منهج السلطة الحالية، التي تجعلنا على يقين تام بأنها لا تريد نظام حكم يقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية.”

وحول تعامل السلطة مع بعض الفعاليات التي يقيمها الحزب في الداخل السوري، وفيما إذا كان الحزب يطلب موافقة من السلطة على تلك الفعاليات، قال السيد ونوس: “ليس هناك أي حوار بيننا وبين السلطة، ولا نقدم أي طلبات للموافقة على أنشطتنا، ونرفض من حيث المبدأ منطق “الاستئذان السياسي” الذي كان سائداً في عهد النظام السابق. وفي الوقت ذاته، نؤكد أن الحل لا يكون بالفوضى، بل بإصدار قانون أحزاب عصري، واضح، وشفاف، يحدّد الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية.

باختصار، مشكلتنا ليست تقنية مع جهة بعينها، بل سياسية مع غياب الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظّم الحياة العامة، ويمنع تحوّل أي سلطة مؤقتة إلى بديل استبدادي جديد.”

المستقبل واحتمالاته
من خلال تجارب ممارسة السياسة في ظل النظام السابق والنظام الحالي، يمكن القول إنه في العهود البعثية تم إلغاء الحياة السياسية و”تعقيمها” لتصبح على مقاس النظام ورؤاه السياسية والفكرية، وقد أسس حافظ الأسد لنمط خاص في الممارسة السياسية بأن جرّ الأحزاب الرئيسية اليسارية والقومية في البلد إلى تحالف غير متكافئ سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، جعله يتحكم تماماً بهذه الأحزاب كحزب قائد أولاً، وعبر إعطاء بعض الامتيازات لقياداتها ثانياً، لتتحول إلى جزء من النظام السياسي وتتماهى مع البعث حتى تصل إلى التطابق بالنسبة لغالبية الأحزاب.

أما الأحزاب التي بقيت خارج هذه الجبهة، فكان حافظ الأسد، بحنكته السياسية، يمسك بخيوط الممارسة السياسية، فيقوم، متى ما أراد، بقمع أي حزب أو حركة بحجة عدم شرعيته، وقد ضعفت هذه الأحزاب مع الزمن بعد حملات الاعتقال بحق قياداتها وأعضائها ومناصريها، وأهمها الإخوان المسلمون، والحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، وحزب العمل الشيوعي، والأحزاب الكردية التي اتبعت السلطة تجاهها سياسة غض النظر مع عدم الاعتراف بها والضغط الأمني المستمر عليها.

وقد كانت أحزاب الجبهة هي الوحيدة المعترف بوجودها شرعياً، ويُترك لها الهامش الذي يحدده هو وأجهزته الأمنية بسياسة غض النظر دون الاعتراف بها، أو السماح لها بالعمل علناً. بل إن جريدة الحزب الشيوعي مثلاً لم تكن تباع في الأكشاك رغم مطالبات الحزب المتكررة بذلك حتى مجيء بشار الأسد وسماحه بذلك، رغم أنها في الواقع بالكاد تميزها عن صحف السلطة وملحقاتها الأمنية.

بل إن أملاك هذه الأحزاب وأبنيتها وسياراتها لم تكن توضع باسم الحزب، بل باسم قياداتها “الأمين العام غالباً”، بسبب عدم وجود قانون للأحزاب حتى قيام الثورة السورية عام 2011، حيث أصدر بشار الأسد قانوناً للأحزاب، ورُخِّصت بموجبه أحزاب عدة، معظمها، إن لم نقل كلها، خرجت من داخل فروع المخابرات ومضبوطة حركتها تماماً، ولذلك بقيت مهمشة ومجهولة من الشارع ودخلت طي النسيان بعد سقوط النظام، إلا القليل منها.

بعد صدور قانون للأحزاب عام 2012، صار بإمكان الأحزاب المعترف بها بموجب هذا القانون تملّك مقراتها وأملاكها باسم الحزب، والمفارقة هنا أن كثيراً من أحزاب الجبهة أبقت عليها باسم الأمين العام الذي يختصر الحزب في شخصه، كما هي الحال عند الحليف الكبير.

الآن، تقف الأحزاب القديمة، أو من بقي منها على قيد الحياة، في موقف انتظار الآتي، حيث لا قانون للأحزاب ينظم عملها ويقونن وجودها، مع صدور قرار عن “مؤتمر النصر” بحل أحزاب الجبهة ومصادرة ممتلكاتها.

بالتالي، يسود الخوف والحذر من اعتماد المزاج الشخصي أو العقائدي في التعامل معها، إذ تستطيع السلطة التصرف كما تشاء حيالها، فنلاحظ أن ممارسة السياسة خافتة وفي حدودها الدنيا. وهناك أحزاب وحركات، خصوصاً الأحزاب التي كانت معارضة لنظام الأسد وساهمت بقسطها في الثورة السورية، في طورها السلمي على الأقل، وخسرت قيادات وكوادر لها في المعتقلات، تقوم بفعاليات واجتماعات “غير مرخصة طبعاً”، لكن لا تعترض السلطة عليها حتى الآن، على الأقل.

وقد شهدت مقاهي دمشق “الروضة والكمال خصوصاً” أكثر من اجتماع موسع لأحزاب وحركات “حزب العمل الشيوعي، تحالف تماسك لأحزاب وحركات يسارية، حزب الإرادة الشعبية بقيادة د. قدري جميل… إلخ”، وندوات فكرية لشخصيات فكرية وسياسية معارضة.

ويقرأ كثير من المتابعين هذا الأمر على أنه يعود لسببين أساسيين: الأول، عدم تشكيلها أي خطر على السلطة بسبب ضعف الأحزاب الموروث من الحقبة السابقة وسنوات الدكتاتورية الطويلة، والثاني، أن السلطة في مرحلة التمكين، ويمكن أن تغض النظر عن هذه النشاطات مؤقتاً حتى تتمكن وتبدأ بضبط الحراك السياسي وتطويعه تماماً.

ويبدو التفاؤل ضعيفاً بصدور قانون أحزاب عصري ومتوازن، بالقياس مع طريقة تعاطي السلطة الجديدة مع بقية الاستحقاقات الديمقراطية التي ذكرناها، وخصوصاً مجلس الشعب.

هوامش
1- مقال “بصراحة” للأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة “الأهرام”، 27 أكتوبر 1961.