بواسطة سالي علي | أكتوبر 18, 2026 | Cost of War, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
في صباح أكتوبر مددت يدي نحو سترتي المعلّقة خلف الباب، وأدخلت رأسي في قبّتها الطويلة قبل أن أخرج. فعلت ذلك بلا تفكير، كما أفعل كل يوم ثم توقفت لحظة وأنا أشعر بالقماش يحيط برقبتي. كانت دافئة، وهذا كل ما أريده؛ لكنها كانت تضغط قليلاً أيضاً، بالقدر الذي يجعلني أشعر بوجودها طوال الوقت. فكرت أنني أرتدي شيئاً يشبهنا نحن!! لا أقصد السوريين الذين يخافون من البرد، بل أولئك الذين عاشوا زمناً طويلاً وهم يخلطون بين الأمان والنجاة،وبين الصمت والهدوء، وبين انتهاء الخطر وانتهاء الخوف. أحياناً ينتهي الشيء الذي كنا نخاف منه، لكنّ الجسد لا يعرف ذلك فوراً. يبقى مستنفراً، يصغي إلى صوت الباب، يراقبُ الشارع من طرف العين، ويحتفظ دائماً بمسافة صغيرة بينه وبين الطمأنينة، كأنّ عليه أن يكون مستعداً للهرب حتى في اليوم الذي لم يعد فيه أحد يطارده. ربما لهذا لم أعرف، بعد كل ما تغيّر في سوريا كيف أفرح بطريقة كاملة.
لم تكن المشكلة في الفرح نفسه فقد كان موجوداً، واضحاً، جارياً في الشوارع والبيوت والوجوه التي شعرت للمرة الأولى بأنّ شيئاً ثقيلاً أزيحَ عن صدورها. لكن الفرح، حين يأتي بعد خوف طويل، لا يدخل إلى الإنسان من الباب نفسه الذي يدخل منه في الحياة العادية. بل يدخل مترددا يرفع رأسه قبل أن يخطو، ينظر حوله ثم يجلس قريباً من الباب. كأننا لا نعرف بعد إن كانَ مسموحاً لنا أن نفرح.
أحياناً أخرج من البيت فأجد وجوهاً أكثرُ خفة مما اعتدته في السنوات الماضية. الناس يتحدثون بصوتٍ أعلى، يضحكون في الطريق، يناقشون ما كان من المستحيل مناقشته، ويتصرفون كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح أوسع. لكن شيئاً ما يبقى في الوجه، شيء لا تستطيع الكاميرا التقاطه بسهولة؛ التفاتة سريعة، صمتٌ مفاجئ، ذلك الجزء من الإنسان الذي يواصل العمل حتى بعد أن تنتهي مهمته. فالخوف لا يعيش في الأخبار وحدها بل يعيش في العضلات. في الطريقة التي نمسك بها الهاتف، في الأبواب التي نغلقها مرتين. في السؤال الذي لا نطرحه. في الجملة التي نعيد صياغتها قبل أن نقولها. في عين تراقب الطريق قبل أن تعبره، وفي أمّ لا تستطيع أن تتوقف عن الاتصال بابنها، حتى بعدما يصبح الاتصال عادياً ولا يحمل سبباً واضحاً؛لهذا لا يكفي أن نقول للإنسان إنّ زمن الخوف انتهى فهو يحتاج إلى أن يصدّق ذلك بجسده أيضاً.
ربما كانت هذه هي أصعب مراحل ما بعد الخوف؛ أن تكتشف بأن الخلاص من مصدر الرعب لا يعني الخلاص من الرعب نفسه. السلطة تستطيع أن تسقط، والصور أن تنزل عن الجدران، والخطابات أن تتغير، لكنّ السنوات التي أمضيناها ونحنُ نتعلم كيف نحمي أنفسنا لا تختفي بالسرعة نفسها. الخوف الذي كان يأتي من الخارج يجد له بعد فترة غرفة صغيرة في الداخل، ويقرر البقاء فيها حتى بعد أن يغادر أصحاب البيت. وهنا يصبح السؤال أقل تعلقاً بالسياسة وأكثرُ قرباً من الإنسان: ماذا يفعل شخص نجا، لكنهُ لم يتعلم بعد كيف يعيش بوصفه ناجياً؟
أفكر في ذلك أحياناً، فلا يحدث شيء استثنائي، لا أخبار عاجلة، ولا أصوات في الخارج، ولا سبب واضح للقلق. ومع ذلك أشعر بأنني في حاجة إلى شيء يحميني من شيء لا أستطيع تسميته. ربما لهذا أعود إلى الله في بعض الأيام بطريقة تشبه عودة الطفل إلى يد أمه، ثم أبتعد في أيام أخرى، لا لأنني فقدت إيماني بل لأنّ الحياة حين تهدأ تجعلني أنسى حاجتي إلى من أطلب منه الطمأنينة.. نحن نتذكر الله جيداً حين تضيق المساحة حولنا، ثم ننسى أن نبحث عن علاقة به حينَ تتسع. كأننا نستخدم الإيمان أحياناً كما نستخدم بطانية في ليلة شديدة البرودة: نبحث عنها حين نرتجف ثم نرميها جانباً حين نشعر بالدفء.لكنني لا أريد هذا النوع من العلاقة.أريد إيماناً لا يحتاج إلى كارثة كي يظهر، ولا إلى خوف كي يصبح ضرورياً. أريد أن يكون الله موجوداً في الأيام التي لا يحدث فيها شيء، في صباح عادي، وفي فنجان قهوة، وفي طريق العمل، وفي تلك اللحظة التي أرتدي فيها سترتي قبل الخروج من البيت. ربما لأنني تعبت من الأشياء التي لا تظهر إلاّ عندما يصبح كل شيء على وشكِ الانهيار.
لقد عشنا زمناً طويلاً ونحنُ ننتظر حدثاً كبيراً كي تتغير حياتنا. ثم جاء التغيير واكتشفنا أن الحياة لا تعرف كيف تبدأ من جديد بمجرد أن ينتهي القديم.النجاة نفسها تحتاج إلى تعلّم. نحتاج أن نتعلم كيف نثق من دون سذاجة، وكيف نختلف من دون أن نرى في الاختلاف تهديداً، وكيف ننام من دون أن نضع أذننا على باب الغد، وكيف نسمح لأطفالنا أن يخططوا للمستقبل من دون أن نضيف في نهاية كل خطة جملة صغيرة عن احتمال أن يتغير كل شيء. وربما لا توجد صورة أكثرُ قسوة لهذه المرحلة من طالب سوري يريد أن يذهب إلى امتحانه، لكنهُ لا يستطيع. في السويداء مثلاً؛ لم يكن الخوف مجرد شعور عابر في الأيام الأخيرة، بل صار قادراً على تعطيل مستقبل كامل؛ آلافُ الطلاب ما زالوا عالقين بين دمشق والمحافظة، وبين سلطة تريد استعادة حضور مؤسساتها وقوى محلية تخشى عودة ذلك الحضور، حتى إن رويترز تحدثت في مطلع أكتوبر عن إكمال 150 طالباً فقط من أصل نحو 13,700 طالب امتحاناتهم في 2026. هنا لا يعود السؤال عن الخوف بوصفهِ أثراً نفسياً للحرب فقط، بل عن دولة لم تتمكن بعد من جعل مواطنين يعيشون تحتَ سلطتها يثقون بأنّ عبورهم إلى مدينة أخرى لن يعيد إليهم ما حاولوا الهرب منه.
المشكلة أنّ الدولة لا تستطيع أن تطلب من الخائف أن يثق بها بمرسوم. فالثقة لا تُعلن بل تُختبر في الطريق إلى الجامعة، وفي مركز الشرطة، وعلى حاجز التفتيش، وفي المحكمة، وفي القدرة على العودة إلى البيت من دون أن يحتاج المرء إلى أن يشرح لنفسه لماذا كان خائفاً طوال الطريق وربما نحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن نعيد تعريفَ الأمان؛ فهو ليس أن تختفي الأصوات التي كانت تخيفنا فقط. ولا أن يصبح الشارع هادئاً في ليلة واحدة؛ هو أن يعرف الإنسان أنّ حياته لن تنقلب عليه فجأة، وأن القانون لن يصبح خصمه، وأنّ البيت الذي يعود إليه سيظل بيته، وأن اسمه لن يتحول في لحظة إلى تهمة، وأن اختلافه لن يجعله أقل استحقاقاً للحياة من غيره. الأمان هو أن يتوقف الإنسان عن الاستعداد الدائم للأسوأ.
حين أفكر في سوريا من هذه الزاوية، يبدو لي أن أصعب ما ينتظرها ليس فقط بناء مؤسسات جديدة أو إعادة ترتيب الاقتصاد والسياسة، بل بناء شيء أكثر خفاءً: ثقة الناس بأن الغد يمكن أن يكون عادياً. قد يبدو هذا مطلباً صغيراً أمام كل ما تحتاجه البلاد، لكنهُ ربما ليس كذلك. فالدول لا تُبنى فقط بالدساتير والوزارات والطرقات، بل أيضاً بالقدرة على جعل مواطنيها يذهبون إلى النوم من دون أن يتركوا نصف وعيهم مستيقظاً للحراسة.
ثم أعود إلى سترتي. في نهاية اليوم أخلعها وأعلّقها خلف الباب. أحياناً أفكر في القبّة الطويلة التي تحيط بالرقبة: هي موجودة لتحميني من البرد، لكنها تلامس جلدي طوال الوقت، وتذكّرني بوجودها. الدفء فيها حقيقي، والضيق حقيقي أيضاً. وربما هذه هي حالنا الآن: نريد الأمان، لكننا لا نعرف بعد كيف نعيش داخله من دون أن نفتش عن الخطر. قد يكون علينا أن نمنح أنفسنا وقتاً؟؟ ليس وقتاً كي ننتظر سوريا أخرى، بل وقتاً كي نصبح نحنُ أيضاً آخرين قليلاً. أن نترك أجسادنا تتعلم أنّ الباب يمكن أن يُغلق لأنه ليل، لا لأننا نخشى أحداً. أن نتعلم أن الصمت يمكن أن يكون راحة لا تهديداً، وأن الضحكة العالية ليست دعوة للعقاب، وأنّ المستقبل ليس بالضرورة اسماً آخر للمفاجأة السيئة. ربما لن أعرف متى ينتهي الخوف تماماً. وربما لن ينتهي. بعض الأشياء لا تغادرنا، وإنما تتغير علاقتنا بها. لكنني أعرف أنني في صباح أكتوبر القادم بسوريا سأمد يدي إلى سترتي، سأرتديها لأنها دافئة، و سأخرج من البيت من دون أن أطلب منها أن تحميني من العالم كله. أريد فقط أن تكون قبّتها حول رقبتي، لا حول روحي.
بواسطة الياس حموي | أكتوبر 3, 2026 | Culture, News, Reports, Reviews, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة للروائي التونسي عماد علي قيدة الذي حضر الاحتفالية واستلم الجائزة عن روايته غير المنشورة (المنصرمون) كما حضر حفل التكريم عدد من مثقفي وفناني اللاذقية وسوريا كالشاعر منذر المصري والفنان فارس الحلو أصدقاء الكاتب الراحل بالإضافة لأصدقائه الآخرين وعدد من المهتمين بالثقافة والأدب في المدينة، وترأست لجنة تحكيم الجائزة هذا العام الروائية الفلسطينية ليانة بدر وبعضوية الأديبة السورية شهلا العجيلي والناقد المصري خيري دومة وقد اختار القائمون على الجائزة التي قدرها ألف دولار أمريكي-مدينة اللاذقية لاحتفاليتهم لأن الرواية الأخيرة للراحل خليفة (سمك ميت يتنفس قشور الليمون) تدور أحداثها في هذه المدينة التي أحبها كثيرا والتي لم يسعفه الوقت كي يراها منشورة وصدرت بعد وفاته عن دار هاشيت /أنطوان (نوفل) في لبنان عام ٢٠٢٤ فقررت هذه المدينة رد الجميل له بإقامة احتفالية جائزته فيها بعد أن كرمها في روايته الأخيرة محتفيا بمجتمعها المتنوع وقد أشادت لجنة التحكيم ببناء الرواية التونسية الفائزة (المنصرمون) موضحة في بيانها أن الرواية: “تحاور تاريخ تونس السياسي تفصيليا عبر شخصيات واقعية وتخيلية، وتطرح أفكارا أساسية لما جرى في المجتمع التونسي منذ بداياته المبكرة وحتى الآن”، وأضافت اللجنة مسلطة الضوء على الأسلوب السردي: “تتمتع الرواية ببنية مركبة وتقنيات متداخلة، لكنها ورغم هذا التركيب وربما بسببه لا تخلو من تشويق حقيقي يدفع القارئ لمتابعة رحلة البطل عبر تداخلاتها الزمانية والمكانية، والشخوص الكثيرة التي عبرت حياته وحياة تونس”.
أما رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” فقد شرح فيها خليفة مجتمع مدينة اللاذقية شديد التعقيد في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين حيث تتمحور قصتها حول عدد من الشخصيات التي عاشت فيها واندمجت في مجتمعها المتنوع طائفيا واجتماعيا حيث استلم دفة السرد فيها أربعة رواة تربطهم الصداقة والحب والعمل المشترك فروت كل شخصية من هذه الشخصيات قصتها وعلاقتها مع باقي الشخصيات الأخرى التي تتقاطع مصائرها معهم فكانت رواية بوليفينية (نسبة إلى ميخائيل باخت) متعددة الأصوات ضمن سرد متصاعد يتأرجح زمنيا بين ماضي الشخصيات وحاضرها وقسمت لأربع فصول كل فصل منها ترويه شخصية من هذه الشخصيات وهم على التوالي سام ومريانا وموسى ومنال وهناك شخصيات ثانوية أخرى تربطهم فيهم الصداقة والعمل ضمن الفرقة الموسيقية التي شكلوها كأنس ومروة وروني ويارا بالإضافة لشخصيات من خارج الشلة كميسون ولميس.
صورة مصغرة عن مدينة كبيرة
يصور خالد خليفة في روايته هذه مجتمع اللاذقية من خلال عيون شلة الأصدقاء الأربعة التي تنتمي لطوائف وطبقات اجتماعية مختلفة فسام الذي يسرد الفصل الأول بصوته ينتمي إلى عائلة متنفذة من الطائفة العلوية فعمه لواء في مخابرات نظام الأسد يدعى فوزي أبو مضر يقوم باستغلال منصبه للثراء وفرض السطوة الاجتماعية وتساعده في تسيير أعماله القذرة هذه أخته أمل من خلال استغلال سلطته فتقوم بشراء الاجازات للمجندين في جيش النظام وتسهيل مقابلات الأهالي لأبنائهم المعتقلين لدى الفروع الأمنية مقابل مبالغ مالية كبيرة وسام نفسه منخرظ في هذا الفساد من خلال استغلال نفوذ عائلته فهو موظف حكومي يقبض راتبه دون أن يداوم في وظيفته بينما ابن عمته الأخرى غسان فهو على النقيض منه تماما لأنه معارض لهذا النظام الذي يمثله عمه ويتم اعتقاله لاحقا مايدعو أمه فاطمة للفخر بهذا الشيء. أما الشخصية الثانية في الشلة فهي ماريانا الشابة المسيحية المتمردة والتي تروي الفصل الثاني من الرواية بصوتها هي إذ تجمعها علاقة حب بسام وتتباهى بأنه هو الذي فض بكارتها بينما الذي فعل ذلك هو محمود مدرس الرياضيات أخو موسى صديقهم عندما كانت طالبة في الثانوية لكن حبها لسام عازف الغيتار في الفرقة لايستمر بسبب دينه المختلف الذي يقف عائقا بينهما فتضطر للزواج بجورج الشاب البخيل الذي تسافر معه إلى أميركا لكن طيف سام لايفارقها “سأكون بينهم وهم يمارسون العلاقة الحميمة”. أما الشخصية المحورية الذي يروى الفصل الثالث بصوتها هو موسى الشاب الثري إبن العائلة الأرستقراطية الراقية المعروفة في المدينة الذي يحكي لنا كيف وقفت أمه شاهيناز وخالته جورجيت ذات يوم ضد قرار إزالة الكورنيش الغربي وتوسيع المرفأ حيث تم ردم البحر وشوهت أجمل منطقة في المدينة وواجهتها البحرية، وموسى يحب منال التي تروي الفصل الرابع والأخير بصوتها وهي الشاعرة الرقيقة النقية التي تنحدر من عائلة حقيرة لاتشبهها بشيء فوالدها قواد يسهل زواج القاصرات بكبار السن من أجل المتعة، ولايتوانى عن تزويج إحدى بناته منهم بينما ابنته الكبيرة عاهرة وابنه منعم جلاد في أحد سجون النظام العسكرية يقوم بتعذيب المعتقلين حتى الموت حيث يروي لعروسه خضرة في إحدى المرات في حوار يدور بينهم كيف يعذبون المعتقلين عندهم حتى يموتون ويستمرون بتعذيبهم مرة ثانية وثالثة بعد موتهم. ويحكي لها كيف يبول أخوها غديرصديقه في الفرع على جثث المعتقلين وهو منتشي “هذا مصير كل من يرفع رأسه في وجه الرئيس” فتجد منال في موسى مخلصا لها من هذا القاع الذي تعيش فيه: “أعتبر نفسي قد ولدت من جديد وأصبح لي أما جديدة”، فيتزوجان في النهاية. وهناك شخصيات أخرى في هذه الفرقة الموسيقية التي أقامت حفلا واحدا فقط عبر تاريخها داخل كنيسة فكان حفلها الأول والأخير في المدينة، ومن هذه الشخصيات أنس ومروة العاشقين لكن مروة ترفض الهرب معه إلى لبنان للزواج وتقرر معاقبة أهلها بعنوستها بينما هو يقضي وقته بتعاطي الحشيش وكتابة القصائد الموزونة ثم يتزوج من مها عنبري لكن زيجته تفشل لأن طيف مروى يتلبسه ويسيطر على علاقته بزوجته فصوتها لايفارقه: “النساء أصوات”، وينفصل عن مها في النهاية وهناك روني ويارا العاشقين أيضا: “لم أستمتع بالمعاشرة مثلما استمعت معها فكل من عاشرتهم من قبل فقمات”، وهكذا تتفرق هذه الفرقة التي كانت تجتمع ذات يوم وتشرب الحشيش والخمر بالسر وتتخذ كل شخصية منها طريقها في الحياة فهم السمك الميت الذي مازال يتنفس، وهم قشور الليمون: “قشور الليمون هي نحن حين نقاوم الاندثار”.
هناك شخصيات أخرى في الرواية كشخصية ميسون التي تكره الرجال وتشتمهم بعد ترك حبيبها لها وزواجه من فتاة أخرى بعد علاقة حب دامت عشر سنوات. وهناك لميس المخبرة في جامعة تشرين، التي زرعها النظام عام ١٩٨٧ بين مجموعة من الطلاب اليساريين المعارضين للتجسس عليهم، وكتب التقارير بهم فتم القبض عليهم جميعا، ودخلت هي معهم إلى السجن للتمويه، وخرجت بعد عدة أيام، وكافأها النظام بجعلها مذيعة في التلفزيون الرسمي وأصبحت تقدم برنامجا فنيا.
بالإضافة لشخصيات الرواية المتخيلة هناك شخصيات حقيقية ذكرت أسماؤها الحقيقية كشخصية المترجم أسامة منزلجي الذي توفي العام الماضي وذكرت ترجمته لرواية ( ربيع أسود) للكاتب الأميركي هنري ميلر والشاعر منذر مصري، الذي شجع منال على كتابة الشعر ومكتبته (فكر وفن) التي كانت ملتقى لمثقفي المدينة، والمفكر الياس مرقص الذي رحل عام ،١٩٩١ والذي كان يتحلق حوله رجال الفكر في اللاذقية. كما تم ذكر الموسيقى التي كانت رائجة في تلك الأيام كأغاني بوب مارلي وعازف الساكسفون الأميركي لويس آرمسترونغ فقدم خالد خليفة توثيقا لعقدين من تاريخ المدينة في روايته هذه من خلال شخصياته وحياتها فيها. ولم يفته ذكر حادثة توسيع المرفأ وتبليط البحر التي أحزنت أهالي المدينة في حينها وسببت ندبة في نفوسهم مازالت حتى الآن بسبب هذا الاعتداء على ذاكرتهم وأيامهم الجميلة في هذه الكورنيش البحري الذي تمت إزالته.
الثورة قادمة لا محالة
قدم خالد خليفة في روايته هذه نموذجاً مصغراً عن سوريا اختزله في مدينة اللاذقية مفككاً مجتمهعا المتنوع، وعرّى فيها نظاما سياسياً ديكتاتورياً كان يسيطر على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في البلاد من خلال مخابراته ففخخ هذه المجتمعات وزرع الكراهية بين مكوناتها حتى وصلت للانفجار وثارت عليه في العام ٢٠١١ فكانت هذه الرواية هدية أخيرة من خالد خليفة لمدينة أحبها ولم يعش ليراها مطبوعة باستثناء صفحتين فارغتين تركهما وهما لقصيدة خاصة بمنال وعنوان لفيلم إيطالي على الأغلب هو (ميمي العامل المطعون بشرفه). ونوهت دار النشر أن الكاتب ترك هاتين الصفحتين فارغتين ولم يستطع إكمالهما لأن الموت باغته وتوفي بسكتة قلبية.
بواسطة رهام عيسى | سبتمبر 30, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص الاتهام. محمد حبش الداعية الإسلامي السوري بطل القصة الجديدة.
في البداية لسنا في صدد الدفاع عن أحد، كما ونعرف تماماً أن أكثر ما يجعل الفضيحة مزلزلة تناقضها مع الصورة التي يصدرها الضحية عن نفسه، وسأعتمد هنا على تسمية الضحية تجاوزاً.
كما ولابد من التنويه أن ما نناقشه هو فقط الفعل الجنسي أو الكلام الجنسي بين بالغين راشدين، والذي يسُرّب بقصد التشهير أو الابتزاز أو تحييد شخص ما عن الفضاء العام، عن طريق التقليل من قيمة رأيه، على اعتبار أن الفضيحة الجنسية سقطة أخلاقية، تجعل صاحبها بنظر الكثيرين فاقداً للشرعية.
يظهر محمد حبش في مكالمة فيديو، يتكلم فيها كلاماً حميمياً، وربما من الغريب هنا أن أصرّح أن أول شعور أحسست به عندما شاهدت الفيديو كان التعاطف مجرد التعاطف، ليس مع محمد حبش وحده وليس مع صفته أو مكانته أو موقعه أو مواقفه، لكنه التعاطف مع هشاشة أي إنسان في هذا الموقف وخاصة العربي، لأنه يحتاج أكثر بكثير من غيره أن يشرح نفسه لنفسه، قبل أن يشرحها إلى الآخرين.
الجنس يكشف الهشاشة
لطالما اعتقدت أن الجنس دون غيره يكشف أكثر نقاط الإنسان هشاشة وأكثرها ضعفاً، فنحن نستطيع دائماً وفي كل وقت، أن نختار الطريقة اللائقة التي نريد أن نظهر بها، والتي نحب أن نتصرف بها. يمكننا دائماً وضع الحواجز، اختيار المسافات، وارتداء الأقنعة، كبت رغبتنا بالعنف، أو رغبتنا بالتعنيف، إخفاء شعورنا بالذنب، وأشياء كثيرة أخرى نقضي أعمارنا في سبيل إخفائها وليس فهمها والتصالح معها.
يحدث الخرق في لحظاتنا الحميمة، يسقط الجدار الهش الذي بنيناه، وتتلاشى الطبقات، وتقريباً، لا يبقى من الكائن إلا ذلك الجزء المسكوت عنه، الجزء المحظور، وربما الجزء الأكثر صدقاً في بنيتنا النفسية، لذلك فما رأيناه في فيديو حبش وقبله فيديو الممثل أحمد رافع لم يكن مجرد لحظة جنسية عابرة، أو انكشاف أخلاقي، لكنه أشبه برؤية الإنسان عاريًا من كل ما يُجبر على ارتدائه، تعرية وجودية لكل طبقات الحماية الاجتماعية والمؤسساتية التي نتدرع بها، لنخفي عيوبنا وهشاشتنا.
وعندما يطال هذا الانكشاف المباشر رجل دين أو شخصية عامة، ينفجر الوضع بدرجة أكبر من التعقيد، لأنه يكشف عن الكثير من الصراعات الداخلية والخارجية بين الإنسان ونفسه ومحيطه، ويفتح الجرح النازف بين الإنسان وحقيقته، بين الهوية المتخفية خلف الرمز، والصورة اللامعة التي يصدرها لمحيطه.
ولا يكتمل المشهد حتى يستغل هذا الانكشاف ويُستدرج نحو تصفية الحسابات السياسية، وهنا تجرد اللحظة من سياقها الإنساني، ويُنقل الصراع إلى مكان يرجح مباشرة كفة على كفة، بعيداً عن الصراع الفكري إلى حلبة الجسد والسرير والحياة الخاصة، حيث تتحول المحاكمة إلى الضمير الجمعي، فالعار في عمقه الثقافي لا يبنى على طبيعة الفعل المجرد وحده، بقدر ما يتغذى على نظرة الآخر وسلطته.
الجنس كأداة سلطة
من الصعب النظر إلى الفضائح الجنسية في مجتمعاتنا العربية، كفضيحة وانتهى الأمر، لأن الجنس هو الحالة التي تُقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والديني والأخلاقي داخل مجتمعاتنا وربما داخل مجتمعات أخرى أيضاً.
يُحمّل الجنس معنى يفوق الفعل الجنسي نفسه، لأن الجسد ليس جسداً وحسب، بل هو المختبر ونقطة التقاء سمعة المرأة مع شرف العائلة ورجولة الرجل والتزامه الديني والأخلاقي، وأن تطال الفضيحة شخصاً من الأساس يُعتبر ممثلاً لمجتمع الفضيلة، الذي يحبه الناس ويدّعون دائما الانتماء إليه، يعني أن الفضيحة طالت الجميع، والانكشاف لم يعد متعلقاً بالشخص نفسه بقدر ما صار مرتبطاً بالمنظومة ككل، المشكلة الأساسية تبدأ إذا من رمزية الجنس، فلو نظرنا إلى الجنس كحاجة بيولوجية فقط لكان الأمر أبسط.
لكن عندما ننظر إلى الجنس على أنه أداة قياس، فالحديث هنا يأخذ مستويين. المستوى الشخصي الذي يجعل الجنس مركزاً أساسياً لفهم تكوين الشخصية، لأن الجنس مصدر القلق الدائم والمحفز المستمر للصراع مع قائمة المحظورات والقواعد المفروضة من الدين والمجتمع، وهذا ما يخلق للجميع ما يخفونه، لأن الكبت لا يلغي الرغبة هو فقط يدفعها نحو الداخل، وهذا يصعب الوصول إلى نقطة تفاهم بين رغباتنا وما يفرض علينا وما نتربّى عليه، وخاصة في حال كنا ننتمي إلى مجتمعات محافظة.
قرأت تعليقات كثيرة وصفت حبش بالمنافق، وهذا عكس ما يراه عالم الاجتماع غوفمان الذي يفترض من الأساس أن الإنسان يؤدي دوراً، على الخشبة يتصرف بالطريقة التي ترضي الجمهور، وفي الكواليس يخلع الدور ويسترخي وقد يتناقض مع نفسه، فهذه المساحة هي حقه. لذلك أعتقد أن مناقشة أخلاقية ما نخفيه قبل مناقشة أخلاقية انتهاكه وتحويله إلى فضيحة، هي إشكالية أخلاقية بحد ذاتها.
يزداد حضور الجنس في الحياة الاجتماعية في المجتمعات المحافظة، وكلما ازداد هذا الحضور في الخفاء كلما ازداد رفضه في العلن، وهذا ما يقودنا إلى المستوى الثاني، حيث ننتقل من الاتهام إلى المحاكمة ومن صراع الإنسان مع نفسه إلى صراعه مع الآخرين، من أحب أن أسميهم أدوات السلطة. فمن قال من الأساس إن هذا سلوك طبيعي وهذا منحرف؟ من قال إنّ هذا مشروع وذاك محرم؟ هذا مقبول وذاك مرفوض؟ ببساطة السلطة أي سلطة هي التي قالت، لأنها لا ترى في الجنس أكثر من وسيلة إدارة، فهي التي تنتج المعارف عنه، وهي التي تحوله في نهاية المطاف إلى قضية يومية لا يمكن التخلي عنها، وهذا ما أشار له فوكو بحديثه عن السلطة والجسد، فالسلطة لا تفرض ولا تمنع، تحاول فقط جعل الجنس أو أي فعل مصدراً دائما للاستجواب، وهذا ما يجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه، حتى داخل سريره.
الهدف الجنسي غير المعلن
إذا ما فكرنا قليلاً لاكتشفنا أن أغلب التيارات الفكرية والسياسية والدينية تحمل في داخلها هدفاً جنسياً ما، فأي تصور للمجتمع يجب أن يتضمن بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر تطرقاً للجنس، ربما من خلال تصور للأسرة، للعلاقة بين الجنسين، للجسد، للملابس، لمفهوم الذكورة والأنوثة، لمعنى العفة والشرف. الجنس ببساطة أحد الميادين التي تكشف بها كل الأيديولوجيات تصورها للفرد وللسلطة وللمجتمع.
وربما لهذا السبب، تكون الفضائح الجنسية بالغة الأثر فهي تهدم مجموعة كاملة من التصورات عن الدين والشرف والأخلاق، لأن المجتمع من الأساس أعطى الجنس وظيفة الكشف عن الحقيقة الأخلاقية للإنسان وهذا ما يجعله بسبب أي فضيحة في مواجهة مباشرة وحادة مع نفسه، وليس فقط مع الشخص المدان.
بواسطة سالي علي | سبتمبر 23, 2026 | Cost of War, News, Reports, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
في سوريا، لا يموت الإنسان مرةً واحدة. يموت حين يُقتل، ثم يموت مرة ثانية حين يُختصر موته في رواية سياسية، ويموت ثالثة حينَ يصبح اسمه عبئاً على ذاكرة جماعة لا تريد أن تتذكره، ويموت أخيراً حين يطلب منكَ أحدهم أن تثبت أولاً إلى أيّ جهة كان ينتمي قبل أن يسمح لك بالحزن عليه. ربما لهذا يبدو السوري أحياناً، عاجزاً عن البكاء على موتاه جميعاً. ليس لأنّ السوري فقد قلبه، بل لأنّ الحرب علّمته أنّ الحزن نفسه يمكن أن يكون موقفاً سياسياً. ففي السنوات الماضية، لم يكن يكفي أن تقول : مات إنسان. كان عليك أن تضيف: من قتله؟ ولأيّ جهة ينتمي؟ وأين مات؟ وماذا كان يفعل قبل أن يموت؟ ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة: هل كان من “جماعتنا” ؟ وكأنّ الموت السوري يحتاج إلى جواز سفر طائفي كي يدخل إلى الذاكرة.
لهذا، يمكن للسوري أن يبكي على قتيل في مدينة بعيدة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الاعتراف بوجع قتيل آخر لأنّ صورته تزعج الرواية التي بنى حولها نجاته. يمكنهُ أن يطالب بالعدالة لضحايا نظام الأسد، ثم يصمت أمام ضحايا ارتكبتها قوى أخرى. ويمكن لآخر أن يفعل العكس تماماً: أن يتحدث عن مآسي جماعته، لكنه يمر على موت الآخرين كما لو أنهم تفصيل جانبي في قصة أكبر. هكذا تحولت سوريا إلى بلد لا يتنافس فيه الناس على من عاش المأساة فقط، بل على من يملك الحق في تسميتها مأساة. وهذا ربما أحدُ أكثر آثار الحرب قسوة. فالحرب لا تقتل الناس فقط. إنها تعيد ترتيب قيمة موتهم.
كان يمكن للسوري أن يعرف الموت بسهولة قبل أن يعرف السياسة. كان هناك بيت فقد ابنه. أم تنتظر. أب يحمل صورة. طفل لن يفهم لماذا لن يعود أبوه. امرأة تفتح هاتفها كل مساء على آخر رسالة واتساب من شخص لن يكتب بعدها شيئاً. هذه التفاصيل لا تحتاج إلى أيديولوجيا. فالموت في لحظته الأولى، لا يكون سنياً ولا علوياً ولا كردياً ولا مسيحياً. يكون جسداً غائباً، وكرسياً فارغاً، وثياباً لم تعد تُلبس. لكننا تعلمنا لاحقاً أنّ نضيف الهوية إلى الجثة. أن نسأل عن صاحبها قبل أن نسأل عن الجريمة. وهنا تكمن المأساة الأخلاقية الأكبر.لأنّ الاعتراف بأنّ الآخر ضحية لا يعني تبرئة الجهة التي ينتمي إليها. كما أن التعاطف مع إنسان من جماعة أخرى لا يعني أنك خنتَ موتاك. لكن السوري اليوم و بعد سنوات طويلة من العنف، أصبح يتعامل مع التعاطف كأنهُ تنازل. إذا حزنتَ على موتاهم، خفت أن يقال إنك نسيت موتانا. وإذا تذكرتَ موتانا، طالبك آخرون بأن تتذكر بأن لهم موتاهم أيضاً. لذا حتى الحزن أصبح ساحة حرب.
ربما لهذا السبب لا تزال بعض المآسي السورية تعيش في جزرٍ منفصلة. هناك من يحمل أسماء قتلاه كأنها وصية. وهناكَ من يرفض سماع أسماء قتلى آخرين لأنّ تلك الأسماء ارتبطت في ذاكرته بالخوف والسلطة والسلاح. وفي الساحل، مثلاً، لا يمكن أن تطلب من إنسان فقد قريباً في أحداث عنيفة أن ينسى خوفه لأنّ العدالة تحتاج إلى رواية وطنية جميلة. وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول خوف جماعة بأكملها إلى رخصة لمحو ضحايا الآخرين أو تبرير قتلهم. هذه هي المنطقة التي نخاف الاقتراب منها. نريد عدالة نظيفة، فيما تاريخنا متسخ بالدم. نريد سردية واحدة، فيما سوريا مليئة بسرديات متعارضة. نريد أن نقول إننا جميعاً ضحايا، لكننا لا نريد أن نسأل: هل كنا جميعاً ضحايا بالطريقة نفسها؟
لا… لم يكن السوريون متساوين أمام العنف، ولا أمام السلطة، ولا أمام السلاح، ولا أمام القدرة على النجاة. لكن الاعتراف بعدم تساوي التجارب لا يمنحنا حق تقسيم الضحايا إلى ضحايا يستحقون الحزن وضحايا يمكن تفسير موتهم. هناك فرق بين أن نفهم لماذا حدثت الجريمة، وبين أن نبحث عن سبب يجعلها أقل فظاعة.
ربما تحتاج سوريا اليوم إلى شيء أكثر صعوبة من المصالحة. تحتاج إلى القدرة على الحزن من دون أن نطلب الإذن من هويتنا. أن أستطيع أن أقول؛ هذا الإنسان مات، وكان موته ظلماً، حتى لو كان من الجماعة التي أخاف منها. أن أستطيع أن أقول: هذا الإنسان قتل أبي، ومع ذلك لا أريد أن يُقتل ابنه. أن أستطيع أن أحتفظ بغضبي من قاتل، من دون أن أورث هذا الغضب إلى كل من يشبهه.
هذه ليست رومانسية بل هذه بداية السياسة لأنّ الدولة التي تريد أن تبني نفسها على العدالة لا تستطيع أن تبدأ من سؤال: من هم موتانا؟ عليها أن تبدأ من سؤال أصعب: من هم موتانا جميعاً؟ ليس لكي نساوي بين الجرائم، ولا لكي نمحو مسؤولية أحد، ولا لكي نضع الجلاد والضحية في كفة واحدة، بل لكي نمنع الموت من أن يصبح ملكية حصرية لجماعة. قد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة. ليس كم تمثالاً أُزيل، ولا كم اسماً تغير، ولا كم خطاباً سياسياً تبدل. بل هل نستطيع للمرة الأولى منذ سنوات، أن نقف أمام قبر شخص لا يشبهنا ونقول ببساطة: كان يجب ألا يموت من دون “لكن”. من دون “إلا إذا”. من دون أن نسأل أولاً عن طائفته. لأن البلاد التي تحتاج إلى هوية كي تسمح لإنسان بأن يكون ضحية، لم تتعلم بعد معنى العدالة. وربما لهذا، قبل أن تتصالح سوريا مع ماضيها، عليها أن تتعلم شيئاً أبسط وأكثر قسوة: أن تحزن. أن تحزن على موتاها جميعاً، لا لأن موتهم متساوٍ، بل لأنّ حياة كل واحد منهم كانت تستحق أن تُعاش. وحين يصبح الحزن على الآخر ممكناً، ربما للمرة الأولى، سيصبح المستقبل ممكناً أيضاً.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | أغسطس 28, 2026 | العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
تُعتبر المجتمعات المضطربة وذات التنوع الطائفي والإثني، التي لم تجد سبيلها إلى النمو والتطور الحقيقي بعد، ساحةً ومجالًا أكبر لنشوء الحركات الإحيائية ونشاطها.
يشمل نشاط هذه الحركات أغلب الفعاليات في هذه المجتمعات: الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية.
يعرّف الأنثروبولوجي الكندي «أنثوني والاس» حركات الإحياء في كتابه «حركات الإحياء»، الصادر في كندا عام 1956، بأنها: «جهود واعية ومنظمة ومبرمجة من قبل أفراد في مجتمع ما، لبناء ثقافة أكثر إرضاءً واكتفاءً، غالبًا ما تظهر عندما يتعرّض المجتمع لضغوط واضطرابات قاسية تفقده توازنه. تهدف هذه الحركات إلى مواجهة حالات التفكك أو الإحباط الحضاري عبر وصل الماضي بالحاضر وصياغة رؤية تجديدية للمستقبل».
قد نتفق مع هذا التعريف وقد نختلف، خاصة فيما يخص الجهود الواعية؛ والاختلاف هنا يتعلق بطبيعة الوعي ومؤداه. ولو أردنا تعريف هذه الحركات استنباطًا من تجربتها في المجتمعات العربية، يمكننا القول إنها حركات ذات نزوع ديني وثقافي واجتماعي وسياسي، تعمل بدينامية استحضار وتحيين فترة تاريخية أو حالة مضت، بمفاهيمها ومعطياتها السياسية والحضارية، كرد فعل على الواقع المتأزم والقصور الحضاري الذي تعانيه هذه المجتمعات.
وتنقسم إلى قسمين: حركات إحيائية ذات سمة علمانية، كالبعث والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركات دينية كالحركات الإسلامية.
تصاعد نشاط هذه الحركات في سورية مع اشتداد الأزمة السورية، علمًا أنها كانت موجودة في بعض الفعاليات، كالسياسة والدين، لكنها لم تقتصر مؤخرًا على ذلك، بل وصلت إلى مختلف الفعاليات السورية.
الحركات الإحيائية السورية
حزب البعث
المجال الأهم الذي برزت وسادت فيه الحركات الإحيائية هو السياسة، فالحياة السياسية السورية تقوم، في معظمها، على أحزاب ذات أيديولوجيا إحيائية.
نبدأ من حزب البعث، الذي اعتمد أيديولوجيا قومية عربية، ووضع لنفسه هدفًا وشعارًا هو إحياء الأمة العربية في دولة واحدة من المحيط إلى الخليج. وهذا واضح من شعاره الذي ظل السوريون يرددونه لأكثر من نصف قرن. وهو هدف يبدو أقرب إلى اليوتوبيا منه إلى الواقع، حيث يسعى البعث إلى إحياء ما لم يكن حيًا؛ فلم تكن هناك دولة عربية حقيقية بالحدود التي رسمها تاريخيًا، ولم تكن هناك قومية خالصة تقوم عليها هذه الدولة.
ورغم أن البعث كان ذا أيديولوجيا إحيائية واضحة، فإنها لم تكن إحيائية خالصة؛ فقد حاول، في نظريته وطروحاته، التوفيق بين نزوعه إلى استنهاض القومية وإحياء الدولة العربية وبين المعطيات العصرية، من خلال طرحه لمبدأ الاشتراكية، الممسوخ عن النظرية الماركسية، وتوجهاته الثقافية والاجتماعية التي كانت توصف بالتقدمية.
هكذا نجد أن البعث لم يكن ماضويًا إلا في استناده الأيديولوجي إلى الماضي لتحقيق هدف معاصر، هو الوحدة العربية، إن كان قد عمل على ذلك فعليًا، ولكن وفق رؤيته فقط. فالبعث لم يسعَ إلى التلاقي مع الأحزاب والتيارات التي تقاربه في الأهداف، كالتيارات الناصرية، بل سعى إلى احتوائها. وهذا ما جعله يفشل في تحقيق هدفه الأساسي، وما لحق به من شعاري الحرية والاشتراكية، إذ عمل، في الواقع، عكس ما يستلزمه تحقيقهما.
سعى البعث إلى تعميم ثقافة تناسب أهدافه، ضمن هامش مدروس ومحدد. وقد أتاح له وضعه كحزب سلطة وضع مناهج تتوافق مع توجهه السياسي والاجتماعي، وتوجيه الإصدارات الأدبية والإعلامية بما ينسجم مع هذه التوجهات. كذلك عمل على التأثير في البنية الاجتماعية وطبيعتها عن طريق المنظمات والنقابات التابعة له، وباعتماد رقابة لصيقة على كل نشاط اجتماعي وثقافي.
لم تشكّل إحيائية البعث، وفق ما طرحه نظريًا، عائقًا أمام النمو والتطور؛ وما أعاق ذلك هو تحوّله إلى حزب سلطة بلا مبادئ سوى الحفاظ على هذه السلطة، وما رافق ذلك من ممارسة فعلية وسعي حثيث لتحقيق هذا الهدف.
الحركات الإسلامية
تتجلى الإحيائية بشكل أوضح في الحركات الإسلامية. فقد قامت حركة الإخوان المسلمين على أيديولوجيا إسلامية خالصة تهدف إلى إعادة إحياء الدولة الإسلامية من الناحية السياسية، باعتماد نظام حكم يقوم على الخلافة والإمارة كما كانت هرمية السلطة في العهود الإسلامية، وإلى أسلمة مختلف مناحي الحياة، أي اعتماد الدين الإسلامي في فعاليات الحياة كافة. وعملت على تحقيق ذلك بمختلف السبل، بدءًا من النشاط الثقافي والاجتماعي والدعوي الديني، وصولًا إلى الراديكالية.
هذه الأيديولوجيا والأهداف الماضوية الخالصة أوقعت الحركة في مهب التناقض مع معطيات العصر، من الناحية السياسية والاقتصادية خاصة، والاجتماعية والثقافية بدرجة أخف، فقصرت عن وضع حلول واقعية تعالج بها مشكلات مجتمعاتها ومتطلباتها حال تسلّمها السلطة، وهو ما رأيناه في تونس ومصر.
في سورية الآن تحاول السلطة الإسلامية تجاوز مطبات وسلبيات تجربتي تونس ومصر من الناحية السياسية والاقتصادية، لكن النزوع الإحيائي واضح في المجالين الثقافي والاجتماعي، حيث نلمس سلفية ثقافية تقوم على إحياء الشعر التقليدي واعتباره الشعر الحقيقي دون سواه، وهو ما اتضح في مهرجان الشعر الذي أُقيم في دمشق مؤخرًا.
والإجراء الأهم من الناحية الثقافية هو العمل على إحياء أسماء رموز وأحداث تاريخية كان لها حضورها وأهميتها في التاريخ الإسلامي، من خلال تسمية معالم معاصرة بأسمائها واعتمادها في المناهج والكتب المدرسية، رغم أن هذه الشخصيات قد لا تكون لها صبغة وطنية أو قومية.
نلمس أيضًا نزوعًا إحيائيًا واضحًا في العلاقات الاجتماعية التي ارتكست إلى التراحمية بشكل كبير، وكذلك في رسم معالم الشخصية الوطنية من الناحيتين السياسية والدينية. والأهم هو معيار الانتماء، الذي صار يلعب دورًا أساسيًا في مدى قبول هذه الشخصية، وهو ما نسف المفهوم التقليدي للمواطنة.
يجب التنويه هنا، فيما يخص الوضع السوري، إلى أن السلطة الحالية في سورية لم تطرح مسألة إحياء الخلافة، بل أبقت النظام السياسي الجمهوري هو المعتمد، والهيكلية السياسية بمؤسساتها المعروفة: مجلس الشعب والحكومة… بغض النظر عن كيفية تشكيل هذه الهيكليات ومصداقيتها.
حافظت هذه السلطة على المؤسسات والإدارات والهيئات، مع إسناد إدارتها إلى كوادر إسلامية من التوجه نفسه، علمًا أن قسمًا من هذه المؤسسات والإدارات تم تخصيصه بشكل أو بآخر، فيما تم إيقاف قسم آخر عن العمل.
تواجه هذه الحركة صعوبات تتمثل في مناوئة داخلية من قبل فئات اجتماعية لمشروعها الإحيائي، ومناوئة خارجية تتمثل في وقوف دول عديدة في وجه مشروعها، إلى حد الوصول إلى العمل العسكري.
ولا بد لهذه الحركة، كي تبقى في السلطة، من أن تتخلى عن قسم من مشروعها الإحيائي، السياسي خاصة والاجتماعي، ويمكن أن تتجه إلى الإدارة بما يتوافق مع معطيات العصر، مع الحفاظ على لبوس إسلامي لا تتخلى عنه، وهو ما نجده في التجارب التركية والإيرانية والماليزية…
الحزب السوري القومي الاجتماعي
يُعد الحزب السوري القومي الاجتماعي من الحركات الإحيائية بنظريته التي تقوم على بعث الأمة السورية وإحيائها ضمن الجغرافيا المعروفة بالهلال الخصيب. وقد بيّن أنطون سعادة، مؤسس الحزب، ذلك بتلخيصه هدف الحزب بالتالي:
«بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه، وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالًا تامًا، وتثبيت سيادتها، وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، إلى جانب السعي لإنشاء جبهة عربية».
ويعتبر الحزب أن القضية السورية قضية قائمة بذاتها ومنفصلة عن أية قضية أخرى، كما يعتبر الشخصية السورية شخصية متمايزة بصفات خاصة.
يُحسب للحزب أنه كان الأنجح في تخطي العوائق الطائفية، فقد ضم أعضاءً من مختلف الطوائف بدافع القناعة السياسية، وهو ما تبيّن في إخلاص غالبية أعضاء هذا الحزب له، وفي نشاطهم وتآزرهم بغض النظر عن الطائفة.
واجه الحزب الكثير من حالات التهميش والإقصاء في سياق الصراع على السلطة، من قبل حزب البعث ومن التيارات السياسية الأخرى، ولم تتح له فرصة وضع سياسة تنفيذية لتحقيق أهدافه؛ كونه لم يستلم السلطة ولم يكن فاعلًا فيها يومًا، حتى لو كان مشاركًا فيها.
يؤخذ على نظرية الحزب وأهدافه أنها لا تطابق الواقع التاريخي؛ فسورية لم تكن موحدة سياسيًا يومًا وفق الحدود التي رسمها الحزب، وإن كانت تشكّل وحدة حضارية بموروثها الثقافي والاجتماعي المتقارب على صعيد جغرافيتها كلها، والمتطابق على صعيد بعض الأقاليم. والموروث هنا يشمل العادات والفنون ونمط الحياة بشكل عام.
يمكن اعتبار أهداف الحزب، وفق ما طرحه، ضربًا من اليوتوبيا السياسية صعبة التحقيق، وذلك إذا أخذنا بالاعتبار الظروف السياسية الحالية وتوسيعه حدود سورية، وفق نظريته، لتشمل قبرص وأجزاء من تركيا الحالية.
ما يميز نظرية الحزب السوري القومي الاجتماعي الإحيائية عن البعث والإسلاميين أنها تذهب تاريخيًا إلى ما قبل الإسلام. فالبعث لم يحدد تاريخًا معينًا كانت فيه دولته القومية العربية قائمة ليعود إليه، إلا أنه من الواضح أن خريطة هذه الدولة تعود إلى ما بعد الإسلام، وبداية العصر العباسي على وجه التقريب، بينما يعتمد الإسلاميون خريطة لدولتهم المبتغاة تشمل، في حدها الأقصى، ما وصل إليه المسلمون في فتوحاتهم.
هناك تيارات إحيائية أخرى لا تمتلك نظرية متماسكة تشكّل أساسًا لبرامجها، فهي تقوم على مجموعة أفكار فقط، تدور في العموم في سياق الحركات الثلاث الآنفة.
لم تكن الحركات الإحيائية بنّاءة في أدائها السياسي والاقتصادي كما يجب، كما أنها سعت إلى ليّ عنق الفعاليات الثقافية والاجتماعية بما يناسبها. والمفارقة أن مثلها الأعلى، الذي تسعى إلى إحيائه والثاوي في التاريخ، لم يشكّل دينامية حقيقية وفاعلة لأدائها.
بواسطة عامر فياض | أغسطس 19, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, تقارير, مقالات
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار والتضحيات الكبيرة التي قدّمنها خلال الثورة والحرب، ورغم أهمية وضرورة حضورهن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، التي تحتاج لإعادة إصلاح وترميم المنظومة الإجتماعية والمدنية التي تأثَّرت بظروف الحرب ومظاهر العسكرة وانتشار السلاح، يتم إقصاؤهن، بشكلٍ يكاد يكون مُمنهجاً، عن مراكز صنع القرار، والمناصب الوطنية القيادية الفاعلة، وعن أي شراكةٍ حقيقية في مواقع التأثير، كما يتم تَهميشهنَّ سياسياً وإجتماعياً، بشكلٍ يَغَفل حجم عطائهن ومدى تأثيرهن الكبير في بناء المجتمع، في مشهدٍ بات يراه كثيرون أنه يُرسّخ ثقافة السلطة الذكورية، ويُثير الكثير من القلق والمخاوف حول واقع النساء في سوريا مستقبلاً.
غياب عن المناصب القيادية ومراكز صنع القرار
بحسب مؤشر تمثيل النساء السوريات، خلال الرُبع الأول من العام الحالي، والذي يعتمد على القرارات والمراسيم الرسمية والتعيينات الإدارية المركزية والمحلية، يبدو واضحاً حجم الغياب الكبير للنساء عن المناصب العُليا في مؤسسة الرئاسة والوزارات السيادية ومراكز صنع القرار، فمن أصل 437 موقع مسؤولية، يوجد فقط 28 امرأة مُقابل 409 رجل، فيما لم تَشغل النساء سوى أربعة مناصب (وزيرة وثلاث معاونات وزراء) من أصل 87 منصباً في الحكومة، أي ما نسبته 4،60 %، ولم يتجاوز حضورهن في المؤسسات والمديريات والهيئات المركزية نسبة 2،94% ، وغالباً ما ينحصر حضورهن في مواقع تتعلق بشؤون التعليم والأسرة والمجتمع، ويرتبط بالأدوار الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي تحاول إبعادها عن مواقع النفوذ والتأثير.
ويتركز حضور النساء غالباً في مؤسسات ومديريات ذات طابع خدمي واجتماعي، مثل التربية والشؤون الاجتماعية والعمل، فيما يغيب حضورهن بشكلٍ تام عن رئاسة الهيئات الوطنية الجديدة، ومنصب المُحافظ، ورئاسة مجالس المدن، ورئاسة النقابات المركزية، وحتى رئاسة الجامعات الحكومية، وتنحصر مناصبهنَّ في مجالاتٍ محددة، مثل: عضوات مكاتب تنفيذية، ومديرات في بعض القطاعات الاجتماعية وبعض المجالس والنقابات الفرعية. وقد بلغت نسبة تمثيل النساء في الإدارة المحلية والمديريات الرئيسية 5،23 % فقط، وهي نسبة تعكس محدودية مشاركتهن في مواقع صنع القرارات المحلية، حيث ينحصر حضورهن ضمن المكاتب التنفيذية لأربع محافظاتٍ فقط، فيما يغيب عن معظم المديريات المرتبطة بالقطاعات الأمنية والاقتصادية والسيادية الأكثر تأثيراً على مستوى الإدارة المحلية، وكل ما يتعلق برسم السياسات العامة للدولة.
وبحسب المؤشر، بلغت نسبة تمثيل النساء في النقابات 9،2 %، وهي تُشكِّل أعلى تمثيلٍ نسائي، ورغم ذلك بَقيت المواقع القيادية حكراً على الرجال، إذ لم تصل النساء إلى أي مناصب عُليا، ولم يترأسن أي نقابةٍ حتى ولو كانت فرعية، ليقتصر حضورهن على عضوية المكاتب التنفيذية والمجالس النقابية، وذلك على الرغم من التوازن العددي بين الجنسين داخل أغلب النقابات، كما أن تمثيلهن المحدود في النقابات لم يأتِ نتيجة عملياتٍ انتخابية ضمن إطار القوانين النقابية، وإنما جاء ضمن التعيينات التي أقرتها الحكومة، وهو ما رآه البعض تهميشاً ممنهجاً من قِبلها بحق النساء.
وبالنظر إلى تلك الأرقام يبدو واضحاً حجم تدني نسبة تمثيل النساء مقابل الرجال في سوريا، وهي نسبة تبتعد كثيراً عن معدل الكتلة الحرجة التي تتبناها الأمم المتحدة، والتي أقرَّت بأن نسبة تمثيل النساء يجب أن تصل، في الحد الأدنى، إلى 30 %، وصولاً للمساواة الكاملة مستقبلاً.
النساء والتمثيل البرلماني
مع إعادة تشكيل وهيكلة مجلس الشعب، في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لم تُشكّل نسبة تمثيل النساء في المجلس سوى 10.63% فمن أصل 210 عضواً، هناك 22 امرأة فقط، وذلك على الرغم من أن النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب قد حدّد نسبة لا تقل عن 20% لتمثيل المرأة في الهيئات الانتخابية. وبما أن آلية انتقاء الأعضاء لم تكن عبر صناديق الانتخابات، فبالتالي لم يكن هناك حالة تنافسية بين المُرشحين تُعبِّر بشكلٍ حقيقي عن صوت وتطلعات الشعب، إذ تم اختيار ثلثي الأعضاء (140 عضواَ) عبر الهيئات الناخبة المُعيَّنة من قبل الرئيس أحمد الشرع، والتي اختارت سبع نساء فقط، فيما اختير الثلث الباقي (70 عضواً) من قبل الرئيس بشكلٍ مباشر، ومن بينهم 15 امرأة. وقد بدا واضحاً أن معظم النساء المُعينات في المجلس، إما مقرباتٍ من السلطة، أو يحملن توجُّهاً سياسياً وفكرياً مُتقارباً، يتقاطع بشكلٍ أو بآخر مع نهجها وسياستها، وهو ما جعل التمثيل النسائي البرلماني، القليل أصلاً، لا يُحاكي تنوع المجتمع السوري، ولا يُمثِّل مختلف شرائحه ومكوناته، على اختلاف توجهاتها الفكرية والثقافية والسياسية.
ومع تراجع نسبة المشاركة البرلمانية للنساء، احتلت سوريا المرتبة 162 عالمياً، لتصبح ضمن قائمة آخر عشر دول في العالم تُسجّل أدنى نسبة تمثيل للمرأة في البرلمان، وهي نسبة لم تصل حتى إلى النسبة (20%) التي اقترحها النظام الانتخابي لمجلس الشعب.
الخطاب الإقصائي في الإعلام والمشهد العام
من خلال متابعة وسائل الإعلام الرسمية سيُلاحظ تغّييب النساء بشكلٍ واضح عن المشهد الإعلامي، فعلى سبيل المثال، خلال إطلاق الحملة الترويجية لقناة “الإخبارية السورية”، ورغم وجود إعلامياتٍ ومُذيعات ضمن فريق القناة، التي يُفترض أنها تُمثِّل صوت جميع السوريات والسوريين، كان واضحاً حجم تهميشهن وعدم إظهارهن في المراكز والمواقع الأساسية للقناة، مُقابل التركيز الكبير على الإعلاميين الذكور وإبرازهم بأبهى صورهم وحضورهم الإعلامي، سواء في الفيديوهات المُصورة من داخل الاستديوهات أو التي صَوَّرت زيارة وفدٍ من الناشطين والإعلاميين للإطلاع على مُجريات العمل قبل إطلاق القناة. وخلال لقاء للرئيس الشرع مع عدد من الإعلاميين والناشطين وما يُسمى بـ”المؤثرين” و”صُناع المحتوى” كان واضحاً من الصورة التي التُقِطت خلال اللقاء، حجم الغياب الكبير للنساء، إذ لم يظهر فيها سوى امرأة واحدة مقابل عشرات الرجال.
وفي مثالٍ آخر، وخلال نشر البوستر الإعلاني لمؤتمر تطوير طب حديثي الولادة، الذي نظمته نقابة أطباء سوريا/ فرع حماة، وبينما وُضعت الصور الشخصية للأطباء الرجال على البوستر، ظهرت صور الطبيبات المشاركات في المؤتمر بطريقةٍ كرتونية بدلاً من وضع صورهن الشخصية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثيرون أن ذلك السلوك يُمثل انتقاصاً من قيمة الطبيبات.
ومن الأمثلة الأخرى التي تُكرّس ثقافة الخطاب الإقصائي، صدور عددٍ من القرارات التمييزية الغريبة التي تتناقض مع أبسط قواعد العدالة والمساواة بين الجنسين في الأماكن العامة وبيئات العمل، كقرار فصل النساء عن الرجال في ساحة الجامع الأموي، وقرار مدير مستشفى المواساة، الذي يقضي بجلوس الطبيبات وجميع العاملات في المستشفى في القسم الخلفي للباصات المُخصصة لنقل الموظفين، فيما يجلس الأطباء والموظفين الذكور في الجزء الأمامي.
ويرى كثيرون من مُتابعي الإعلام الرسمي أنه يحاول إبراز الرجال وحدهم في صدارة المشهد، ويُرسِّخهم في مواقع السلطة والمبادرة، مقابل دفع النساء إلى الهامش، حتى ولو كنّ حاضرات بالفعل في كثيرٍ من المجالات. كما أن ارتفاع سقف الخطاب السياسي، الذي يتبنى مبادئ “الشرعية الثورية” وشعار “من يُحرّر يقرر”، بات يُكرِّس، عن قصدٍ أو دون قصد، تهميش النساء وإقصاءهن عن الفضاء العام، ويجعل أدوارهنّ محدودةً، وفي أحسن الأحوال يُمكن الاستعانة بحضورهن فقط عند الحاجة إلى تلميع صورة النظام الحالي أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.
وتحاول اليوم بعض الخطابات الشعبوية الإقصائية المواربة، التي انتشرت في كثيرٍ من المجتمعات السورية، إعادة تعريف دور النساء، بما ينسجم مع إيديولوجياتها الدينية والسلطوية، عَبر نشر أفكارٍ تتعلق بتبعية المرأة للرجل، وتكريس صور النساء فقط في الأدوار الرعائية، وإظهارهن كأمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ للرجال، وإظهار كثير من الأدوار النسائية على أنها مُخلّة بالآداب العامة وتُشكِّل خطراً على المرأة، وهو ما نشر حالة من الخوف بين النساء الراغبات بالمشاركة في الشأن العام، وخاصة في بعض الأرياف والمجتمعات المُحافظة.
اللجوء إلى مواقع التواصل الإجتماعي
في ظل ما تتعرض له النساء من إقصاء عن مواقع التأثير والفضاء العام، ومن تضييقٍ على المشاركة في الحياة السياسية، لجأت الكثيرات منهن إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، لعلهن يجدن فيها مساحة للتعبير عن آرائهن وللدفاع عن مواقفهن وإثبات وجودهنّ في الميدان السياسي والفضاء العام بأي طريقة، لكنّ تلك المساحة ضاقت بوجه الكثيرات منهن أيضاً، بعد أن تحول النقد والتعبير عن الرأي إلى فعلٍ محفوف بالمخاطر، حيث تعرض عدد من الناشطات والصحافيات لحملات مُنظمة من التشهير والتحريض، بهدف إخراس أصواتهنّ وإبعادهن عن الميدان السياسي بأي ثمن، وهو ما أجبر بعضهن، خاصة بعد تعرضهن إلى تهديدات وشتائم ذات طابع جنسي، على حذف منشوراتهن التي تنتقد الحكومة وتتحدث عن السياسة وتهميش النساء، وذلك في ظل غياب أية مؤسساتٍ قانونية يمكنهن اللجوء إليها، وغياب الأحزاب السياسية الذي يُبقي تأثيرهن وفعاليتهن السياسية محدودة ومُشتتة.
تحتاج البلاد اليوم، وبصورة مستعجلة، إلى إعادة الاعتبار للمرأة، بوصفها شريكة فاعلة ومؤثِّرة في بناء سوريا الجديدة، ويُشكِّل تمثيلها وحضورها الفاعل جوهر عملية التحول الديمقراطي المنشود، وهو ما يحتاج إلى إعادة هيكلة لجميع المنظومات السياسية والثقافية والقانونية بطريقةٍ ناجعة تضمن مشاركة متكافئة لكلا الجنسين، وتمنح المرأة تمثيلاً حقيقياً ومُستداماً في المجتمع، وجميع المؤسسات والمجالس ومواقع القرار، كما ينبغي أن تكون تلك المشاركة ليست مُجرد استجابة للضغوط الدولية أو محاولة لإظهار خطابٍ مُعاصر يُلمّع صورة السلطة، وإنما استجابة طبيعية للدور التاريخي للمرأة، وطنياً وإجتماعياً وإنسانياً، وإيماناً راسخاً بأن إعادة بناء البلاد تتطلب طاقات وعقول جميع أبنائها، من كلا الجنسين.