تدريباتنا

الحركات الإحيائية في الحياة السورية

by | Aug 27, 2026

تُعتبر المجتمعات المضطربة وذات التنوع الطائفي والإثني، التي لم تجد سبيلها إلى النمو والتطور الحقيقي بعد، ساحةً ومجالًا أكبر لنشوء الحركات الإحيائية ونشاطها.

يشمل نشاط هذه الحركات أغلب الفعاليات في هذه المجتمعات: الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية.

يعرّف الأنثروبولوجي الكندي «أنثوني والاس» حركات الإحياء في كتابه «حركات الإحياء»، الصادر في كندا عام 1956، بأنها: «جهود واعية ومنظمة ومبرمجة من قبل أفراد في مجتمع ما، لبناء ثقافة أكثر إرضاءً واكتفاءً، غالبًا ما تظهر عندما يتعرّض المجتمع لضغوط واضطرابات قاسية تفقده توازنه. تهدف هذه الحركات إلى مواجهة حالات التفكك أو الإحباط الحضاري عبر وصل الماضي بالحاضر وصياغة رؤية تجديدية للمستقبل».

قد نتفق مع هذا التعريف وقد نختلف، خاصة فيما يخص الجهود الواعية؛ والاختلاف هنا يتعلق بطبيعة الوعي ومؤداه. ولو أردنا تعريف هذه الحركات استنباطًا من تجربتها في المجتمعات العربية، يمكننا القول إنها حركات ذات نزوع ديني وثقافي واجتماعي وسياسي، تعمل بدينامية استحضار وتحيين فترة تاريخية أو حالة مضت، بمفاهيمها ومعطياتها السياسية والحضارية، كرد فعل على الواقع المتأزم والقصور الحضاري الذي تعانيه هذه المجتمعات.

وتنقسم إلى قسمين: حركات إحيائية ذات سمة علمانية، كالبعث والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركات دينية كالحركات الإسلامية.

تصاعد نشاط هذه الحركات في سورية مع اشتداد الأزمة السورية، علمًا أنها كانت موجودة في بعض الفعاليات، كالسياسة والدين، لكنها لم تقتصر مؤخرًا على ذلك، بل وصلت إلى مختلف الفعاليات السورية.

الحركات الإحيائية السورية

حزب البعث

المجال الأهم الذي برزت وسادت فيه الحركات الإحيائية هو السياسة، فالحياة السياسية السورية تقوم، في معظمها، على أحزاب ذات أيديولوجيا إحيائية.

نبدأ من حزب البعث، الذي اعتمد أيديولوجيا قومية عربية، ووضع لنفسه هدفًا وشعارًا هو إحياء الأمة العربية في دولة واحدة من المحيط إلى الخليج. وهذا واضح من شعاره الذي ظل السوريون يرددونه لأكثر من نصف قرن. وهو هدف يبدو أقرب إلى اليوتوبيا منه إلى الواقع، حيث يسعى البعث إلى إحياء ما لم يكن حيًا؛ فلم تكن هناك دولة عربية حقيقية بالحدود التي رسمها تاريخيًا، ولم تكن هناك قومية خالصة تقوم عليها هذه الدولة.

ورغم أن البعث كان ذا أيديولوجيا إحيائية واضحة، فإنها لم تكن إحيائية خالصة؛ فقد حاول، في نظريته وطروحاته، التوفيق بين نزوعه إلى استنهاض القومية وإحياء الدولة العربية وبين المعطيات العصرية، من خلال طرحه لمبدأ الاشتراكية، الممسوخ عن النظرية الماركسية، وتوجهاته الثقافية والاجتماعية التي كانت توصف بالتقدمية.

هكذا نجد أن البعث لم يكن ماضويًا إلا في استناده الأيديولوجي إلى الماضي لتحقيق هدف معاصر، هو الوحدة العربية، إن كان قد عمل على ذلك فعليًا، ولكن وفق رؤيته فقط. فالبعث لم يسعَ إلى التلاقي مع الأحزاب والتيارات التي تقاربه في الأهداف، كالتيارات الناصرية، بل سعى إلى احتوائها. وهذا ما جعله يفشل في تحقيق هدفه الأساسي، وما لحق به من شعاري الحرية والاشتراكية، إذ عمل، في الواقع، عكس ما يستلزمه تحقيقهما.

سعى البعث إلى تعميم ثقافة تناسب أهدافه، ضمن هامش مدروس ومحدد. وقد أتاح له وضعه كحزب سلطة وضع مناهج تتوافق مع توجهه السياسي والاجتماعي، وتوجيه الإصدارات الأدبية والإعلامية بما ينسجم مع هذه التوجهات. كذلك عمل على التأثير في البنية الاجتماعية وطبيعتها عن طريق المنظمات والنقابات التابعة له، وباعتماد رقابة لصيقة على كل نشاط اجتماعي وثقافي.

لم تشكّل إحيائية البعث، وفق ما طرحه نظريًا، عائقًا أمام النمو والتطور؛ وما أعاق ذلك هو تحوّله إلى حزب سلطة بلا مبادئ سوى الحفاظ على هذه السلطة، وما رافق ذلك من ممارسة فعلية وسعي حثيث لتحقيق هذا الهدف.

الحركات الإسلامية

تتجلى الإحيائية بشكل أوضح في الحركات الإسلامية. فقد قامت حركة الإخوان المسلمين على أيديولوجيا إسلامية خالصة تهدف إلى إعادة إحياء الدولة الإسلامية من الناحية السياسية، باعتماد نظام حكم يقوم على الخلافة والإمارة كما كانت هرمية السلطة في العهود الإسلامية، وإلى أسلمة مختلف مناحي الحياة، أي اعتماد الدين الإسلامي في فعاليات الحياة كافة. وعملت على تحقيق ذلك بمختلف السبل، بدءًا من النشاط الثقافي والاجتماعي والدعوي الديني، وصولًا إلى الراديكالية.

هذه الأيديولوجيا والأهداف الماضوية الخالصة أوقعت الحركة في مهب التناقض مع معطيات العصر، من الناحية السياسية والاقتصادية خاصة، والاجتماعية والثقافية بدرجة أخف، فقصرت عن وضع حلول واقعية تعالج بها مشكلات مجتمعاتها ومتطلباتها حال تسلّمها السلطة، وهو ما رأيناه في تونس ومصر.

في سورية الآن تحاول السلطة الإسلامية تجاوز مطبات وسلبيات تجربتي تونس ومصر من الناحية السياسية والاقتصادية، لكن النزوع الإحيائي واضح في المجالين الثقافي والاجتماعي، حيث نلمس سلفية ثقافية تقوم على إحياء الشعر التقليدي واعتباره الشعر الحقيقي دون سواه، وهو ما اتضح في مهرجان الشعر الذي أُقيم في دمشق مؤخرًا.

والإجراء الأهم من الناحية الثقافية هو العمل على إحياء أسماء رموز وأحداث تاريخية كان لها حضورها وأهميتها في التاريخ الإسلامي، من خلال تسمية معالم معاصرة بأسمائها واعتمادها في المناهج والكتب المدرسية، رغم أن هذه الشخصيات قد لا تكون لها صبغة وطنية أو قومية.

نلمس أيضًا نزوعًا إحيائيًا واضحًا في العلاقات الاجتماعية التي ارتكست إلى التراحمية بشكل كبير، وكذلك في رسم معالم الشخصية الوطنية من الناحيتين السياسية والدينية. والأهم هو معيار الانتماء، الذي صار يلعب دورًا أساسيًا في مدى قبول هذه الشخصية، وهو ما نسف المفهوم التقليدي للمواطنة.

يجب التنويه هنا، فيما يخص الوضع السوري، إلى أن السلطة الحالية في سورية لم تطرح مسألة إحياء الخلافة، بل أبقت النظام السياسي الجمهوري هو المعتمد، والهيكلية السياسية بمؤسساتها المعروفة: مجلس الشعب والحكومة… بغض النظر عن كيفية تشكيل هذه الهيكليات ومصداقيتها.

حافظت هذه السلطة على المؤسسات والإدارات والهيئات، مع إسناد إدارتها إلى كوادر إسلامية من التوجه نفسه، علمًا أن قسمًا من هذه المؤسسات والإدارات تم تخصيصه بشكل أو بآخر، فيما تم إيقاف قسم آخر عن العمل.

تواجه هذه الحركة صعوبات تتمثل في مناوئة داخلية من قبل فئات اجتماعية لمشروعها الإحيائي، ومناوئة خارجية تتمثل في وقوف دول عديدة في وجه مشروعها، إلى حد الوصول إلى العمل العسكري.

ولا بد لهذه الحركة، كي تبقى في السلطة، من أن تتخلى عن قسم من مشروعها الإحيائي، السياسي خاصة والاجتماعي، ويمكن أن تتجه إلى الإدارة بما يتوافق مع معطيات العصر، مع الحفاظ على لبوس إسلامي لا تتخلى عنه، وهو ما نجده في التجارب التركية والإيرانية والماليزية…

الحزب السوري القومي الاجتماعي

يُعد الحزب السوري القومي الاجتماعي من الحركات الإحيائية بنظريته التي تقوم على بعث الأمة السورية وإحيائها ضمن الجغرافيا المعروفة بالهلال الخصيب. وقد بيّن أنطون سعادة، مؤسس الحزب، ذلك بتلخيصه هدف الحزب بالتالي:

«بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه، وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالًا تامًا، وتثبيت سيادتها، وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، إلى جانب السعي لإنشاء جبهة عربية».

ويعتبر الحزب أن القضية السورية قضية قائمة بذاتها ومنفصلة عن أية قضية أخرى، كما يعتبر الشخصية السورية شخصية متمايزة بصفات خاصة.

يُحسب للحزب أنه كان الأنجح في تخطي العوائق الطائفية، فقد ضم أعضاءً من مختلف الطوائف بدافع القناعة السياسية، وهو ما تبيّن في إخلاص غالبية أعضاء هذا الحزب له، وفي نشاطهم وتآزرهم بغض النظر عن الطائفة.

واجه الحزب الكثير من حالات التهميش والإقصاء في سياق الصراع على السلطة، من قبل حزب البعث ومن التيارات السياسية الأخرى، ولم تتح له فرصة وضع سياسة تنفيذية لتحقيق أهدافه؛ كونه لم يستلم السلطة ولم يكن فاعلًا فيها يومًا، حتى لو كان مشاركًا فيها.

يؤخذ على نظرية الحزب وأهدافه أنها لا تطابق الواقع التاريخي؛ فسورية لم تكن موحدة سياسيًا يومًا وفق الحدود التي رسمها الحزب، وإن كانت تشكّل وحدة حضارية بموروثها الثقافي والاجتماعي المتقارب على صعيد جغرافيتها كلها، والمتطابق على صعيد بعض الأقاليم. والموروث هنا يشمل العادات والفنون ونمط الحياة بشكل عام.

يمكن اعتبار أهداف الحزب، وفق ما طرحه، ضربًا من اليوتوبيا السياسية صعبة التحقيق، وذلك إذا أخذنا بالاعتبار الظروف السياسية الحالية وتوسيعه حدود سورية، وفق نظريته، لتشمل قبرص وأجزاء من تركيا الحالية.

ما يميز نظرية الحزب السوري القومي الاجتماعي الإحيائية عن البعث والإسلاميين أنها تذهب تاريخيًا إلى ما قبل الإسلام. فالبعث لم يحدد تاريخًا معينًا كانت فيه دولته القومية العربية قائمة ليعود إليه، إلا أنه من الواضح أن خريطة هذه الدولة تعود إلى ما بعد الإسلام، وبداية العصر العباسي على وجه التقريب، بينما يعتمد الإسلاميون خريطة لدولتهم المبتغاة تشمل، في حدها الأقصى، ما وصل إليه المسلمون في فتوحاتهم.

هناك تيارات إحيائية أخرى لا تمتلك نظرية متماسكة تشكّل أساسًا لبرامجها، فهي تقوم على مجموعة أفكار فقط، تدور في العموم في سياق الحركات الثلاث الآنفة.

لم تكن الحركات الإحيائية بنّاءة في أدائها السياسي والاقتصادي كما يجب، كما أنها سعت إلى ليّ عنق الفعاليات الثقافية والاجتماعية بما يناسبها. والمفارقة أن مثلها الأعلى، الذي تسعى إلى إحيائه والثاوي في التاريخ، لم يشكّل دينامية حقيقية وفاعلة لأدائها.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

سوريا الجديدة والحضور النسائي في المشهد الوطني والسياسي العام 

سوريا الجديدة والحضور النسائي في المشهد الوطني والسياسي العام 

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار...

حول تفاقم الهويات وترهل التشاركية في سورية

حول تفاقم الهويات وترهل التشاركية في سورية

بينما كانت معظم مناطق محافظة السويداء السورية تستذكر ضحايا الانتهاكات والمجازر التي مضى عليها عام، جرّاء المعارك بين القوات الحكومية الجديدة وفصائل معارضة لها، تتذكّر مناطق سورية أخرى، في المقابل، أن أعلاماً إسرائيلية رُفعت فوق الجراح السورية هناك، وأن مبنى وزارة...

من يملك الفضاء العام؟ الثقافة السورية في زمن الخوارزميات

من يملك الفضاء العام؟ الثقافة السورية في زمن الخوارزميات

جلست في مقرّ شبكة (مدنيّة- MADANIY) في بيت فارحي، الكائن في حي الأمين الدمشقي، أتأمل الشعار اللفظي (السلوجان) الذي تبنته: «مدنيّة في سوريا... نستعيد بلدنا، فضاءاتنا، وأحقيتنا السّياسية»، وعلى الفور رحت أفكر، بعد أن أصبح الكلام ممكناً: من يصل صوته إلى المجال العام؟ ومن...

تدريباتنا