مهن سوريّة تُبعث من رمادها

مهن سوريّة تُبعث من رمادها

للعمل الحرفي في سوريا – سيما العاصمة دمشق – مكانة خاصة وتاريخ قديم يذهب بنا عميقاً في ردهات الزمن، حِرف أصبحت مع الوقت وجهاً من وجوهِ دمشق، وسوراً من أسوارها، وعطراً لاذعاً تفوحُ مقتنياته من زوايا بيوتها الدافئة كما تفوح روائحُ التوابل من أسواق ساروجة ومدحت باشا، شأن هذه المهن اليدوية الحميمة، شأن الهوية والانتماء.

وأبعد من ذلك تكنّت أنسابُ أصحاب هذه المهن بأنسابها، فلاصقت أسماءهم وأسماءَ أحفادهم من بعدهم، فعُرفوا بها كما عرفت بهم، كالنجار، والعطّار، والصوّاف، والخيّاط.

لكنّ حرفاً أخرى سوريّة انتشرت على نطاقٍ واسعٍ سيما في الخمسينات من القرن العشرين؛ لتلبية متطلباتِ ذلك العصرومتطلبات مجايليه كصناعة القناديل الصغيرة والتي عُرفت حتى يومنا هذا باسم “قناديل الكاز”، إضافةً لمهنِ تلميعِ النحاس والمقتنيات المعدنية بعد أن ينالها الصدأ وحِرف أخرى كثيرة كاشتغالِ السلال والصدور القش المعدة للطعام.

كل ذلكَ كانَ آنفًا كما أسلفنا، ملبياً في عصرٍ ما، متطلبات جيلٍ بأكمله. لكن، من كان يظن أن تُبعثْ هذه الحِرف من موتها إلى حياتنا الصاخبة اليوم. نحن الذين نعيش في القرن الواحد والعشرين.. قرن التكنولوجيا الرقمية، الإنترنت والذكاء الاصطناعي وتقنيات الهولوغرام!

هذا السؤال المؤلم والملح في آن، وضعنا أمام احتمالاته الكثيرة، في بلد أطفأت فيه الحرب كل مقدراته وحرمت شعبها أقل مقومات الحياة، أبسطها الكهرباء والماء. وكأن السوريين اليوم خارج تصنيف الكوكب وحضارته الضوئية! وكأن السوريين – عن غير قصدٍ – يعودونَ إلى الخلف كي يلبوا أقل احتياجاتهم بأرخص التكاليف لتصبح المقتنيات -التي كنا نزين بها مكتباتنا وبيوتنا ونفخر بها كتراثٍ يشير إلى سوريتنا – أدوات لا غنى عنها نستخدمها – تماماً – كما استخدمها أجدادنا منذ زمنٍ ظنناهُ لن يعود.

إثرَ زيارتي الأخيرة لسوق المناخلية في دمشق القديمة، تفاجأت بكثرة الورش التي تعمل في هذه المهن التراثية في ظل ضائقة اقتصادية ومعيشية يرزح تحتها السوريون بكافة مكوناتهم منذ أكثر من عقد من الزمن.

ورشٌ عدة تقوم بترميم عظام حرفٍ قد طواها الموتُ والنسيان، كالاشتغال بصناعة قناديل الكاز – آنفة الذكر – كبديل للكهرباء و”ببور الكاز كبديل للغاز؛ وجميع السوريين يعرفون جيدًا كيف كانت جداتهم تستخدم ببور الكاز هذا من أجل إشعال نارٍ خفيفة لغسيل الملابس الصغيرة أو طهي وجبة متواضعة في أيامٍ قد خلت.

ومن المهن التي بعثت بعد موتها أيضًا، تلميع الصحون والطناجر والأباريق وأدوات المطبخ، وكل ما لا يخطر في بال مواطن يعيش في هذا الكوكب وفي هذا الكون!

كان جواب – صاحب ورشة صناعة بوابير الكاز “أبو لمى” ثابتًا وصريحًا عندما سألته عن أسباب عودة هذه المهن إلى حياتنا السورية؟: “عم نلبي حاجات الناس”، وكان يقصد حاجتها للغاز الطبيعي الذي أصبح توفره في البيوت من النادر حدوثه.

وأضاف أبو لمى: منذ أربع سنوات عدت للعمل في هذه الورشة التي ورثتها عن أبي وجدي.. بعد ما يشبه بالمطالبة الشعبية لإيجاد بديل عن الغاز، فعدنا بهم مئة عام إلى الوراء “بين ما الله يفرجها” قال ذلك ساخرًا وهو يعلم تمامًا أنه ليس هو من عاد بالسوريين مئة عام إلى الوراء!!

بينما حدثني أبو عمر “المبيّض” والذي يعيد للأباريق والطناجر والأدوات المعدنية شيئًا من فاعليتها بعد تلميعها: “لم يعد بمقدور المواطن السوري شراء الجديد من هذه الأشياء.. فلجأ إلى إعادة ترميم القديم منها لستر ماء وجهه” مشيراً إلى الحبل الذي علق عليه الدلاء والأباريق: “إن ثمن قطعة واحدة جديدة مما ترى سيكلف الموظف السوري نصف راتبه”.

أما عن الرجل السبعيني الملقب “بأبي ياسين” وعمله في بيع قناديل الكاز فضحك من سؤالي عن السبب وأجاب كسابقيْه ساخراً “ليش عندكن عم تجي الكهربا” وبعد أخذٍ ورد أوصلني إلى نتيجةٍ مفادها: حتى بطاريات الشحن الخاصة “بالليدات” أصبح سعرها يفوق خيال ذوي الدخل المحدود.. فإن حالفهم الحظ وحصلوا عليها سيعاندهم الحظ ذاته لأن دقائق الكهرباء التي تمن علينا الحكومة بها، لن تكفي لشحن تلك البطاريات.

ثم اكتفى بالقول: “نحن نكتفي بهامش ربح بسيط.. ونقوم بتيسير أمور الناس .. وهنا تكمن المصلحة المشتركة بيننا وبين الزبون.. لقد اكتفينا بهامش الربح كما جعلونا نكتفي بأن نكون على هامش الحياة”. وعندما سألته عن العبوات الزرقاء المنضدة على الطاولة، أجاب: “هذا كحول يضعه الزبون في القنديل عوضاً عن الكاز.. فالكاز أيضاً مفقود فاستعضنا عنه بكحول رخيص غير مخصص للاستخدامات الشخصية”.

هكذا عادت المهن “الشعبية” إلى التكاثر بعد أن وجد السوري نفسه هو الوحيد الذي يقل مُغيّباً مرةً ومفقوداً أو مشرداً لا مكان يؤويه بعد أن نالت الحرب حتى الأمتار الأخيرة التي كان يجب أن يدفن بها.

أجل هو الأمر كما قال أبو ياسين، مصلحة متبادلة بين الصانع والزبون، إلا أنها – وعلى خلاف كل المصالح – مصلحة حميمة ونبيلة كتلك التي تنشأ بين الجار وجاره والأخ وأخيه إذا ما تمادت الأيام في الخذلان، كي يدرؤوا ما يمكن من مشاهد العوز التي تملأ الأحياء والأرصفة والبيوت، العوز الذي لن تبذل أي جهد لتلمسه بعينيك في كل وجهٍ من أجسادنا المستباحة.

لكن الخطير في الأمر أنه حتى هذه البدائل ثمة من لا تسمح له الظروف المعيشية بشرائها، والأخطر من ذلك كله أن نعتاد تلك البدائل.. عوضاً عن المطالبة بأبسط حقوقنا بعيشٍ كريم.. في بلد لو قُدرَ لثرواته أن توزع بشكلٍ عادل.. لما بقي فقيرٌ على الأرض السورية.

أما الآن فأتابع رحلتي (إلى الوراء) الوراء الذي أرادوه لنا عندما خرجنا مطالبين بحقوقنا السياسية والاجتماعية فجاء الرد بأن صرنا نطالب بحقنا في الحياة.

بيع الأمل: السحر والشعوذة تجارة رابحة

بيع الأمل: السحر والشعوذة تجارة رابحة

 في ظل الظروف الصعبة والمتدهورة، يلجأ الكثير من الناس في سوريا إلى السحر لحل مشكلاتهم الشخصية المأزومة. تغّص دكاكين الشعوذة بالمريدين على نحو يفوق الوصف، تبيع الوهم لناس يركضون وراء بصيص صغير من الأمل ويدفعون الملايين لشراء ما يعتقدون أنه حلول.

أنفقت سمر (37عاماً) عشرات الملايين ثمناً لهوسها المجنون بزيارة رجال السحر والتبصير وجميع أعمال التنجيم دون أي شعور بالذنب في حالة تصل إلى درجة الإدمان، تقول: “منذ قرابة عشر سنوات وأنا مهووسة بقراءة الفنجان والطالع والكف والحسابات الرقمية. بدأ الأمر كتسلية ثم سرعان ما تحول إلى هوس مرضي، عندما أسمع عن أحد ما ماهر في هذه الأمور أقصده حتى لو كان في مكان بعيد جدا”.

 لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل بلغت درجة الهوس بالشابة التي تعمل صيدلانية لأن تتواصل مع دجال في المغرب كانت قد سمعت عن مهارته في ربط الزوج عن كل النساء باستثنائها، وتتابع حديثها: “لدي مخاوف من أن يهجرني زوجي، أو يتزوج بأخرى، يخفي عني دوماً تفاصيل عمله ولا يسمح لي بإمساك هاتفه. لدي شكوكي حول خيانته، لذلك ألجأ إلى أهل التنجيم لمعرفة أخباره وعما إذا يوجد امرأة غيري في حياته، في إحدى المرات دلوني على منجم  معروف في المغرب، وتواصلت معه عبر الواتساب، طلبت منه حجاب لربط زوجي عن النساء وعدم زيارة أهله”.

 بالرغم من أن أحد الأسباب التي تدفع لأعمال السحر هو الثراء، غير أنها تبذر مالاً كثيراً لقاء هذه الرغبة، ما يجعل المعادلة غير منطقية، تقول: “لا أستطيع ذكر الرقم على وجه الدقة، لكنه يتجاوز 100 مليون على مدار السنوات، كنت وما زالت أقصد أي أحد أسمع بوجوده سواء في دمشق أو في أي محافظة سورية”.

“معملك عمل” بهذه الكلمات تلقت الشابة سارة تعليقات لا متناهية على منشورها في إحدى مجموعات “الفيسبوك” حول شعورها المتواصل بالتعب والإرهاق والبكاء الهستيري والهلوسات وعدم القدرة على النوم ليلاً. بعد أن أجرت تحاليل طبية اتضحت أنها سليمة، تقول: “جافاني النوم منذ شهرين، تجتاحني نوبات هلع وبكاء هستيري غير مبرر، كما كنت أرى ملامح أشخاص غير واضحة، سمعت كثيراً عن أعمال السحر لكن لم يخطر ببالي أن الأمر سيحدث معي بالفعل”.

 امتثلت الشابة لنصائح الفتيات واحتمالية إصابتها بالسحر وأن عليها البحث جيداً في منزلها عن قطعة مشبوهة مرمية في زاوية ما، وبالفعل عثرت الفتاة على  قطعة قماش مهترئة أسفل عامود سريرها بعد أن قلبت بيتها رأساً على عقب بالبحث، وتضيف: “بحثت والدتي وأختي في كل شبر بالمنزل وفي جميع الأماكن غير المتوقعة، وبعد التنقيب الدقيق لمدة ست ساعات وجدنا خرقة قماش ممزقة ملتفة على بعضها بعضاً بإحكام، قمنا بفكها بصعوبة لنجد ورقة صغيرة مكتوب عليه طلاسم غير مفهومة. تكمل الشابة حديثها: “اتصلت أمي على الفور بجدتي لترشدها ما العمل، فنصحتها بإحراقها على الفور ورش ملح مقروء عليه آيات قرآنية في أرجاء المنزل، وبالفعل تحسنت بعد ذلك بكثير وعدت إلى حالتي الطبيعية”.

صور عارية بحجة فك السحر

يستغل المنجمون حوائج الناس وتعلقهم بقشة الأمل للخلاص من مشاكلهم ووضع حد نهائي لمعاناتهم، فيمتثل الكثيرون والكثيرات لرغبات المنجمين وطلباتهم الغريبة دون وعي. وفي الوقت نفسه، هناك بعض الناس ممن لا يذعن لها، كحال فادية الذي دفعها تدهور حالتها الصحية بسبب عمل مكتوب لها من قبل طليقها أن تلجأ إلى أحد الدجالين للخلاص، إلى جانب العراقيل التي تواجهها طوال عامين، تقول لنا عن تجربتها: “عشت جحيماً لا يطاق مع زوجي السابق، لجأت إلى أحد المنجمين الذي بدأ يطلب مني صوراً عارية للقسم الأيسر من جسمي بحجة تطهيري من السحر الذي يتسبب لي بكل هذا الألم، وأنه سيستدعي الجن لخدمته في طرد العمل ورده إلى صاحبه.” تُضيف قائلة: “يتذاكى البعض ولا يطلب صورة لكامل الجسد، بل جزءاً منه للتمويه كي يبرهن أن قصده شريف ولمتطلبات العلاج، باعتبار أن الشخص الذي قد يبيت نوايا سيئة سيطلب حتما صورة طولية لأغراض جنسية بحتة، لكني لم أصدقه وقطعت التواصل معه”.

لم تكن أناهيد بمنأى عن الطلبات الغريبة لمزاج رجال التنجيم تحت مسمى الاتصال بالجن السابع ونيل مبتغاها، تقول السيدة: “لم أنجب لزوجي طفلاً ذكراً ويهددني منذ سنوات بالزواج من امرأة أخرى كي تنجب له ذكراً يحمل اسمه، ذهبت إلى أحد الشيوخ لصنع عمل له كي يمنع ذلك.” تتابع حديثها: “ينجح الأمر لكن يكلفني مبالغ كبيرة مع صور لأجزاء من جسدي، أحياناً يطلب صورا لقدمي أو أصابع يدي وهي مطلية باللون الأسود، أو ارتداء ملابس داخلية باللون الأحمر، لا أمانع في الأمر طالما أن زوجي لن يكون مع امرأة غيري”.

ضغوط الحياة تدفع الأشخاص للالتحاق بقوى غيبية لتحقيق أهدافهم

تؤكد أريج الرز المتخصصة في علم الاجتماع أن “السحر أمر متداول منذ القدم، وتشتهر فيه المجتمعات الشرقية على مر التاريخ، ما يفسر لجوء العديد من الأفراد إليه وممارسته على نحو مستمر، فهو أمر شائع وأصيل ضمن هذه المجتمعات نتيجة القصص المروية عن النتائج المحققة والتي قد تكون محض خرافات وليست حقيقية.” وتضيف أن إيمان البعض بأنها قصص حقيقية عزز لديهم الرغبة باللجوء إلى هذه الأعمال لتحقيق رغبات معينة لديهم يعجزون عن تحقيقها.

اللجوء إلى أعمال التنجيم لا يقتصر فقط على الشريحة البسيطة غير المتعلمة، بل يطال أيضاً فئة المثقفين، والسبب كما توضحه الأستاذة أريج المتخصصة في علم الاجتماع هو: “بعض المثقفين ونتيجة حالة العجز التي قد يمرون فيها لتحقيق أهدافهم، وكثرة القصص المحكية عن أعمال السحر ونتائجه أثيرت لديهم الرغبة في التجربة وتحقيق ما عجزوا عنه..” وتتابع حديثها: “لكن إغفال العقل واللحاق بهذه الأفعال بصورة مطلقة يعتبر أمراً منافياً للعلم، ما يجعل لحاق المثقفين بالسحر أمراً مستغرباً، لكن في ظل الضغوطات التي يعاني منها معظم السوريين\ات ستظهر ميول للالتحاق بقوى غيبية لتحقيق الأهداف المأمولة”.

لا تنكر الرز أن عوامل التربية والعادات الشعبية التي تعمل على ترسيخ مفهوم قوى السحر بتحقيق المستحيل تعمل على تعزيز هذا المفهوم لدى الفرد وتجعله إحدى الطرق التي قد يسلكها عند الحاجة، لا سيما أننا في مجتمعات مارست و تناقلت وترسخت لديها هذه الأعمال على مدار السنين.

صناعة الآلات الموسيقية التقليدية تواجه ما فرضته الحرب وتبعاتها   

صناعة الآلات الموسيقية التقليدية تواجه ما فرضته الحرب وتبعاتها   

لطالما شكَّلت صناعة الآلات الموسيقية التقليدية جزءاً حميمياً ومميزاً من التراث الشعبي، المحفور في وجدان السوريين وذاكرتهم الجمعية، ومعلماً هاماً من المعالم الثقافية والفنية في سوريا، التي تزدان أسواقها الشعبية القديمة، وخاصة في دمشق وحلب، بالعديد من محلات بيع الآلات الموسيقية، وعلى رأسها آلة العود التي أدرجت منظمة اليونسكو صناعتها على قائمة التراث اللامادي، كونها صناعة عريقة وأصيلة، تعود بدايتها لنهايات القرن التاسع عشر، وتُعد من أبرز الهويات الثقافية السورية. ولكن، وبعد ما فرضته سنوات الحرب الطويلة وتبعاتها، باتت صناعة الآلات الموسيقية التقليدية تواجه الكثير من الصعوبات والتحديات التي أثَّرت بشكلٍ كبير على تاريخها العريق، وعلى كميات إنتاجها وجودة صناعتها، وحجم انتشارها عربياً وعالمياً.   

خلال سنوات الحرب  تعرض الكثير من ورش صناعة الآلات الموسيقية لأضرار بالغة أوقفتها عن العمل، وخاصة في مدينة حلب، ومناطق جوبر وزملكا وداريا في ريف دمشق، التي كانت تضم عشرات الورش، فيما خسرت تلك الصناعة عدداً كبيراً من أمهر الصناع والأيدي العاملة الخبيرة، الذين غادروا البلاد لينقلوا خبراتهم إلى الخارج وليفتتح بعضهم ورشاً بديلة في أماكن إقامتهم الجديدة، في بعض البلدان العربية وتركيا وكندا وبعض بلدان أوروبا وغيرها.

وتعاني معظم الورش التي تمارس عملها اليوم من صعوبات عديدة، قد تُجبر بعضها على التوقف عن العمل، ومن أبرزها صعوبة توفير الأخشاب، حيث أدت العمليات العسكرية، التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب، لاقتطاع وإحراق الكثير من الأشجار والبساتين والمساحات الخضراء، بالإضافة لإحراق وتدمير عددٍ من مستودعات الأخشاب، وخاصة في منطقة غوطة دمشق التي كانت تَمدُّ الصُناع بأجود أنواع الأخشاب،  فيما تعرض جزء كبير من أشجار البلاد، خلال السنوات الماضية، لعمليات القطع الجائر، سواء من قبل الباحثين عن حطبٍ للتدفئة، في ظل أزمة الوقود المستمرة منذ سنوات، أو من قبل تجار الحطب الذين انتشرت أسواقهم في عموم البلاد، هذا عدا عن الحرائق الطبيعية التي التهمت مساحات واسعة من الأحراش والغابات السورية. كل ذلك أدى إلى فقدان معظم أنواع الأخشاب التي  تحتاجها صناعة الآلات الموسيقية، والتي تؤثر في نوعية صوت الآلة وجودتها ومتانتها، وخاصة أخشاب الجوز والزان والمشمش، التي ارتفعت أسعارها اليوم، في ظل ندرة توفرها، إلى أرقام خيالية قد يعجز بعض الصناع عن توفيرها، إذ وصل سعر المتر المكعب من خشب الجوز إلى 25 مليون ليرة، وتجاوز سعر المتر المكعب من خشب المشمش والزان حاجز الـ 15 مليون ليرة.   

وبالإضافة لصعوبة توفير الأخشاب، تُشكل صعوبة استيرادها من الخارج تحدياً إضافياً لصُناع الآلات الموسيقية وللمهنة بشكلٍ عام، وذلك نتيجة ارتفاع أسعارها بشكلٍ كبير في دول المنشأ، مُقارنة بقيمة الليرة السورية، هذا إلى جانب ارتفاع تكاليف شحنها، في حال أمكن ذلك، وصعوبة إيصالها إلى سوريا  التي تشهد ركوداً في حركة الإستيراد والتصدير، في ظل الواقع السياسي الذي تعيشه والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.  

صعوبات ومعاناة أخرى

إلى جانب معاناتهم في توفير الأخشاب، يواجه صُناع الآلات الموسيقية معاناة كبيرة مع الانقطاع الطويل للكهرباء، التي قد لا تأتي سوى أربع ساعاتٍ في اليوم، والتي أدت إلى شلل حركة العمل في ورشاتهم لتصبح شبه عاطلة عن الإنتاج. وبما أن تلك الورش تحتاج لتشغيل المنشار الكهربائي وأدوات القص والجلخ وغيرها من المعدات الثقيلة، فإنها ستحتاج للاستعانة بمولدات الكهرباء ذات الاستطاعة العالية، والتي ارتفعت أسعارها لأرقام كبيرة جداً. وفي حال توفرت المولدة فسيكلف تشغيلها مبالغ مالية كبيرة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود الذي سيتم شراءه من السوق السوداء. ومن أراد اللجوء لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، التي انتشرت في سوريا مؤخراً، فسيحتاج إلى ملايين الليرات، لشراء ألواح الطاقة والبطاريات اللازمة لتشغيل معدات وآلات الورشة. كل ذلك، وإلى جانب ارتفاع إيجار الأماكن التي تصلح لتكون ورشاً للعمل، أدى لارتفاع حجم تكاليف الصناعة، التي أصبحت عائداتها المادية غير مُجدية بالنسبة لكثيرٍ من الصُناع، خاصة في ظل تراجع حجم الإقبال على شراء الآلات الموسيقية، بعد تردي الواقع المعيشي في عموم البلاد.    

وبالإضافة لما ذكر، يعاني معظم الصُناع من صعوبة توفير  الكثير من المواد الأولية ذات الجودة المطلوبة، كبعض أنواع الغراء الأحمر، المصنّع من مواد عضوية، ومفاتيح آلتي العود والبزق ذات النوعية الجيدة، بعد تراجع كميات إنتاجها مع توقف كثير من ورش الخراطة عن العمل. هذا إلى جانب صعوبة توفير ما يلزم من جلود بعض الحيوانات كالأغنام والماعز، والتي تستخدم في صناعة الآلات الإيقاعية كالدفوف والطبول، وذلك نتيجة تراجع حجم الكميات التي كان الصناع يحصلون عليها من المسالخ، بعد ارتفاع أسعار المواشي، وتراجع حجم الإقبال على شراء اللحوم التي ارتفعت أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة.  

إلى جانب ذلك، أوجد الواقع الذي تعيشه سوريا صعوبة كبيرة في استيراد كثير من المواد والإكسسوارت التي تدخل في صناعة الآلات الموسيقية، وخاصة أوتار العود والبزق وجلود الآلات الإيقاعية ذات الماركات العالمية المعروفة. وفي حال تمكن المُصنع من استيرادها فسيحتاج لتكاليف مالية كبيرة، يُضاف إليها تكاليف الرسوم الجمركية، لذا أصبحت كثير من تلك المواد تدخل إلى سوريا عن طريق التهريب أو من خلال بعض الأشخاص المسافرين، ولكن ضمن كميات محدودة جداً، بالكاد تلبي حاجة عددٍ محدود من الآلات.

 ورغم عراقة مهنة تصنيع الآلات الموسيقية وأهميتها الثقافية، وبحسب ما أكده الصُناع الذين التقيناهم، لا يتوفر حتى اليوم  أي دعم حكومي من شأنه أن ينهض بواقع الصناعة، ولا يقام لها أي معرض ثقافي لتقديم منتجاتها، أسوة ببعض الدول، وهو ما يُشكل ظلماً لتاريخها وعراقَتها ويُجحف بحقوق الصُناع المعنوية والمادية، وخاصة صُناع آلة العود التي تُشكل إحدى الهويات الثقافية السورية، إذ لا يوجد حتى اليوم أي جمعية خاصة بهم، وإنما يتبع بعضهم، في أحسن الأحوال، للجمعيات الحرفية، وتُصنف مهنتنم  كمهنة صناعية، ضمن ورشات نجارة الخشب، وليس كمهنة ثقافية وفنية، فيما تخضع ورشاتهم، من حيث حجم الضرائب وتسعيرة فواتير الكهرباء والماء،  لقوانين الورش الصناعية والتجارية.

تراجع جودة الصناعة

لطالما كانت سوريا من أهم الدول  العربية في صناعة الآلات الموسيقية، التي تتميز بأنها الأجود والأطول عمراً، بل تُعد من أهم دول العالم في صناعة آلة العود وخاصة العود الدمشقي. لكن تلك الصناعة، وفي ظل العوامل التي ذكرناها، أصبحت مهددة بتراجع جودتها يوماً بعد يوم. ففي ظل صعوبة توفير الأخشاب ذات النوعية الجيدة، يلجأ بعض صناع  آلتي العود والبزق لاستخدام ما توفر من أخشاب قد تكون مصبوغة ومتشققة وغير معالجة، أو معدة لتباع كحطب، وبالتالي لا تُقدم الجودة المطلوبة، فيما يلجأ بعضهم الآخر، في كثير من الأحيان،  لاستخدام أخشاب أشجارٍ مقطوعة حديثاً، لا تصلح للصناعة، كونها تحتاج إلى عملية تجفيف ومعالجة قد تستغرق عدة سنوات.

وفي ظل ارتفاع أسعار أوتار العود المستوردة وصعوبة استيرادها، بات معظم صناع الآلة يستخدمون الأوتار الصينية أو المصنعة محلياً، والتي لا تقدم الجودة المطلوبة وتؤثر على جمالية ودفء وعذوبة صوت الآلة، فيما أصبح استخدام الأوتار الجيدة محصوراً بطلبات بعض العازفين، إذ وصل سعر الأوتار من ماركة “بيراميد لوت”، المصنعة في ألمانيا، إلى نحو 800 ألف ليرة،  وسعر أوتار “الكورشنر”  و “الأورورا” ، المصنعة في تركيا، إلى أكثر من 300 ألف ليرة.

وبعد أن كانت معظم الآلات الإيقاعية تُصنع من أجود أخشاب الجوز والزان، بات بعضها يُصنع من بعض أنواع الأخشاب التجارية كخشب الحور والزنزلخت والكزبرينة وأحياناً الخشب المضغوط، وهو ما يؤثر على جودة الآلة وطبيعة صوتها ومتانتها، إذ يمكن لإطارها أن يتشقق وينحني ويفقد شكله الدائري بعد فترة قصيرة من تصنيعه. فيما استعاض بعض صناع آلة الرق عن استخدام الخشب، بصناعة إطار الآلة من مواد بلاستيكية تُصبُّ في قوالب خاصة بعد معالجتها. ورغم متانة الإطار، نسبياً، إلا أنه يُفقد الآلة طبيعة صوتها الدافئ ورونقه. وإلى جانب ذلك، يضطر بعض الصناع ، نتيجة صعوبة استيراد جلود الآلات الإيقاعية ذات الماركات العالمية، لاستخدام الجلود المصنعة محلياً، والتي  تتأثر بعوامل الطقس بشكلٍ كبير، ولا تُقدم الصوت المثالي للآلة.

نتيجة للظروف السابقة تراجعت كميات الآلات المُصنعة، في مختلف أنواع الورش الموسيقية، إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، فمعظم من التقيناهم من صُناع الآلات الإيقاعية في منطقة باب الجابية، وصُناع آلتي العود والبزق في منطقة دويلعة وجرمانا، أكدوا أن حجم إنتاجهم قد تراجع بنسبة 60% مقارنة بالسابق، وهو ما أدى لإيجاد نقصٍ في كميات الآلات المعروضة للبيع في معظم محلات الموسيقا. وقد تأثرت كميات إنتاج الآلات الموسيقية أيضاً بتراجع حجم صادرتها إلى الخارج، في ظل ارتفاع تكاليف الشحن وإيقاف معظم مكاتب الشحن الخارجي عملها في سوريا. كما تأثرت بتراجع حجم الإقبال على شرائها، بعد أن ارتفعت أسعارها بشكل كبير،  نتيجة ارتفاع تكاليف صناعتها ونقلها، فعلى سبيل المثال، بلغ سعر العود التدريبي نحو مليون ليرة، ووصل  سعر بعض أنواع العود الاحترافي  لأكثر من  سبعة ملايين ليرة، ليصبح شراء الآلات الموسيقية بالنسبة لكثير من الناس نوع من الترف والكماليات.  

سوريا: كسوة العيد للأطفال محكومة بالأزمة الاقتصادية الحادة

سوريا: كسوة العيد للأطفال محكومة بالأزمة الاقتصادية الحادة

حرصت عائلات سورية -في أعوام خلت- على شراء الملابس الجديدة قبيل عيد الفطر، وبخاصة للأطفال كي يشعروا بالبهجة والسرور، غير أن التضخم وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب تدني دخل الأسرة بفعل الأزمة الاقتصادية الحادة أثر بشكل سلبي على هذه العادة.

في جولة لنا على عدد من المحلات والمولات المتخصصة ببيع الألبسة في أسواق دمشق مثل شارع الحمراء ومنطقة الصالحية والحميدية، لاحظنا ارتفاع الأسعار عموماً بالنظر إلى موسم العام الماضي، وبالطبع فإن الأسعار تختلف حسب عدة معايير، منها: الجودة والتصميم وسنة الإنتاج.

تضخم جامح!

في أحد مولات شارع الحمراء، وصل ثمن بنطال (جينز) لطفل بعمر ست سنوات إلى ما بين 440 و465 ألف ليرة سورية؛ بينما انخفض سعر بعض البنطلونات المخزنة من العام الماضي إلى 200 ألف ليرة سورية، أما البلوزة الربيعية فبلغ سعرها 75 ألف ليرة سورية، وثمن بنطال (كتان) 95 ألف ليرة سورية في حين بلغ ثمن قميص صيفي لطفلة بعمر 12 سنة في أحد محلات الصالحية 100 ألف ليرة سورية، وسعر بنطال (جينز) 325 ألف ليرة سورية. وبلغ سعر طقم لطفل (12 سنة) مؤلف من بنطال وقميص (كتان) وكنزة قطنية 550 ألف ليرة سورية، كذلك اقترب ثمن بدلة (توينز) من حدود 350 ألف ليرة سورية.

وفي محل آخر في منطقة الصالحية أيضاً، تفاوت ثمن الفساتين (قماش مارشميلو) بين 225 و275 ألف ليرة سورية، وقارب سعر طقم (جينز) مكون من بنطال مع سترة وبلوزة 450 ألف ليرة سورية، وكان سعر البلوزة الربيعية لوحدها 90 ألف ليرة سورية.

وتبدي إحدى عاملات بيع الملابس-في حديث معنا استغرابها من أسعار ألبسة الأطفال التي وصلت إلى حدود مرتفعة بالمقارنة مع سلم الرواتب والأجور في القطاعين الخاص والعام إجمالاً.

ويقول أحد الباعة في منطقة الصالحية: “إن حركة الأسواق متوسطة، لكن عمليات الشراء الفعلية ضعيفة نسبياً، بينما ارتفعت الأسعار أكثر من 100% بالمقارنة مع الموسم الفائت، وهي بالتأكيد لا تنسجم مع دخول المواطنين/المواطنات”.

وتختلف أسعار أحذية الأطفال ما بين محل وآخر وبحسب جودتها وموقع المحل والسوق، حيث بلغ سعر أحدها 200 ألف ليرة سورية.

الأسواق الشعبية!

قصدت سامية (أم لطفلين وموظفة في قطاع الصحة الحكومي) محلات سوق الحميدية بقصد شراء كسوة العيد لطفلتها (5 سنوات)، وعادة ما تكون الأسعار هنا منخفضة قليلاً، ويمتاز سوق الحميدية بحركة نشطة؛ بيد أن الأمر قد لا يرتبط بحركة ما قبل عيد الفطر فقط، حيث يشهد هذا الوسط التجاري ازدحاماً متكرراً؛ إذ يعد مقصداً لتلبية حاجات الأسرة المتنوعة.

ورصدت سامية سعر حذاء بين 150 و80 ألف ليرة سورية، وهي أحذية من تصفيات السنة الماضية، وأقل ثمناً من أحذية العام الحالي، وتكمن المشكلة في أن القطع معدودة وبمقاسات محددة، ولذلك يتوجب عليها التفتيش بين عدة محلات قبل أن تجد طلبها.

وسامت سامية في السوق أيضاً فستاناً بسعر ما بين 350 و400 ألف ليرة سورية. ويختلف السعر تبعاً لجودة القماش والتصميم، حيث يرتفع سعر الفستان الصيفي مع سترة وقبعة إلى500 ألف ليرة، وينخفض إلى 200 ألف ليرة سورية، تعقّب سامية: “لكن السعر المتدني يرتبط بنوعية قماش أكثر رداءة”.

مليون ليرة لكسوة واحدة!

تضيف سامية في حديثها معنا: “إن سعر الكسوة الكاملة لولد واحد تتجاوز مليون ليرة على الأقل، لذلك قسّطت عمليات الشراء على دفعات؛ كلما توفر لدي بعض المال، فاشتريت حذاء وبنطالاً لطفلي”.

قررت سامية تأجيل مسألة شراء الفستان لطفلتها إلى حين تخمين أسعار الألبسة الأوروبية المستوردة (البالة)، فهي برأيها تحمل الأسعار ذاتها، لكنها بجودة وقماش أفضل.

وفي محافظة حمص، وجدت سهى أن أسعار الألبسة أقل من مثيلتها في دمشق، حيث اشترت طقماً (جينز) مؤلفاً من بنطال وبلوزة وسترة بمبلغ 250 ألف ليرة سورية، والأهم برأيها “إسعاد الأطفال بالحد الأدنى”.

حوالات وسلف مالية

يكتفي قسم من المواطنين/المواطنات بمشاهدة البضائع فقط بدون إتمام عمليات الشراء مع تصدر الغذاء سلم الاحتياجات الأساسية كما يصفون، وعلى الرغم من ذلك، نشطت حركة الناس بالتوازي مع اقتراب عيد الفطر، مع العلم أن جزءاً من العائلات يعتمد على الحوالات الخارجية التي يرسلها الأفراد لذويهم وأقاربهم لسد احتياجاتهم، وتسهم بعض الجمعيات الخيرية العاملة في دمشق وريفها في توزيع كسوة العيد لعدد محدود من العائلات، لكنها لا تغطي إلا جزءاً صغيراً من حجم الاحتياجات الفعلي مع توسع رقعة الفقر.

ويشار إلى أن مصرفاً سورياً فتح الباب مؤخراً للحصول على سلفة مالية بقيمة مليون ليرة سورية فقط، خاصة بالموظفين/الموظفات بهدف تأمين “مستلزمات العيد”، ولمدة سداد تمتد حتى 12 شهراً، لكن السلفة لا تكفي إلا لتجهيز طفل واحد ضمن الحد الأدنى في حال قررت العائلة التغاضي عن الاحتياجات الضرورية.

الإنفاق على الألبسة!

مع انتهاء الربع الأول من عام 2024، ارتفع وسطي تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، وفقاً لـ”مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة”، إلى نحو 12.5 مليون ليرة سورية (أما الحد الأدنى فقد وصل إلى 7,812,417 ليرة سورية).

بحسب صحيفة (قاسيون) المحلية، ارتفعت تكاليف الحد الأدنى للحاجات الضرورية الأخرى التي تشكل 40% من مجموع تكاليف المعيشة (مثل السكن والمواصلات والتعليم واللباس والصحة وأدوات منزلية واتصالات… وغيره) من 3,013,906 في نهاية أيلول إلى 3,124,967 ليرة سورية في نهاية آذار 2024؛ أي أنها ارتفعت بمقدار 3.7% خلال ثلاثة شهور.

ولا يتناسب حجم الإنفاق العام للأسرة مع الدخل الشهري، حيث يبلغ وسطي الرواتب والأجور في القطاع العام حوالي 300 ألف ليرة سورية (21 دولاراً أمريكياً).

تدهور الليرة والأجور معاً

حدد مصرف سورية المركزي في نشرة الحوالات والصرافة (28/3/2024) سعر شراء الدولار الأمريكي بمبلغ 13,400 ليرة سورية، وتصدر هذه النشرة بغرض التصريف النقدي وشراء الحوالات الخارجية، كما حدد سعر وسطي شراء ومبيع الدولار في نشرة السوق الرسمية بمبلغ 12,562 ليرة سورية. من جهة أخرى، انخفضت قيمة الليرة في السوق الموازية إلى أكثر من 14,000 ليرة سورية مقابل كل دولار أمريكي، وبالتالي أثّر تدهور العملة المحلية بشكل حاد في قدرة المواطنين/المواطنات الشرائية على تأمين احتياجاتهم الأساسية، ومنها الألبسة التي باتت تتصف بالموسمية.

ماذا تبقى من طقوس وعادات رمضان؟  

ماذا تبقى من طقوس وعادات رمضان؟  

لشهر رمضان في سوريا عاداتٍ وطقوسِ اجتماعية وإنسانية، حرصت العائلات السورية على توارثها والتمسك بها عبر عشرات السنين، حتى تحولت إلى ما يشبه التراث الاجتماعي، ومن أشهرها “سِكبة رمضان” التي  تخلق حالة من الألفة والمحبة والتكافل الاجتماعي بين الناس، الذين يتبادلون طعامهم من خلالها، وتحظى برمزية إنسانية خاصة، إذ يتم من خلالها إطعام الكثير من المحتاجين دون أن يشعروا أن في الأمر شفقة أو صدقة، كما أنها تربي الأطفال في العائلة على قيم المحبة والتضامن والكرم. وقد اعتادت معظم العائلات  السورية، فيما مضى، أن تطهو كمياتٍ إضافية من الطعام، كي ترسل إلى أقاربها وجيرانها سكبة رمضان، وكانت، على اختلاف مستوياتها المعيشية، تتفنَّن في تحضير الأطباق الرمضانية التي تُزيّن مائدة الإفطار، كالكبب والمشاوي والشوربات والسلطات والفتات والمحاشي واليبرق والحلويات والعصائر وغيرها.

اليوم ومع تردي الواقع المعيشي والاقتصادي في عموم البلاد، باتت عادة “السكبة” تغيب عن طقوس رمضان، كغياب معظم الأطباق الرمضانية التقليدية عن موائد كثيرٍ من الناس، الذين أصبحوا  يكتفون بتحضير طبقٍ واحدٍ أو طبقين بسيطين في أحسن الأحوال، وإن استطاعوا فسيكتفون بشراء بعض الحلويات الشعبية الرخيصة،  كالمعروك والمشبك والناعم، بعد أن أصبحت النابلسية والمدلوقة والقطايف وغيرها من الحلويات الرمضانية حكراً على الأغنياء، كحال مختلف أنواع التمور والمشروبات الرمضانية التقليدية (التمرهندي والعرقسوس ومنقوع قمر الدين وغيرها) التي باتت أيضاً تغيب عن موائد الفقراء، بعد ارتفاع أسعارها بشكل كبير، وهو ما أدى إلى تراجع عدد البسطات الشعبية، التي اعتادت أن تبيعها في الشوارع ضمن طقوسٍ رمضانية خاصة.

“في السابق كنت أرسل إلى جيراني سكبة الكبب أو المحاشي أو الشاكرية أو أي طبق يحتوي على اللحوم، أما اليوم فقد بت أخجل من إرسال سكبة فول أخضر أو شوربة عدس أو برغل أو معكرونة أو أرز مع بعض حبوب البازيلاء، فالأطباق التي نحضرها اليوم أصبحت بسيطة وفقيرة وخالية من اللحوم والدسم، وبالكاد تكفينا”. هذا ما تقوله أم أيمن (64 عام/ ربة منزل) التي توقفت هذا العام عن إرسال سكبة رمضان لجيرانها، وتضيف: “بتنا عاجزين عن تحضير أبسط أنواع الحلويات المنزلية، وحُرمنا من معظم الأطباق الرمضانية التي اعتدنا تحضيرها لسنوات طويلة. ولكي نذكر أنفسنا بطعمها صرت أحتال على الواقع المعيشي المؤلم فأطهو طبق الشاكرية بدون لحمة، مع إضافة بعض البصل والبطاطا إلى اللبن، وأحشو الكوسا ببعض الأرز والبندورة، وأقوم بتحضير كبة البندورة أو كبة البطاطا المسلوقة، التي تخلو من اللحمة والمكسرات وتُقدم نيئة دون قلي أو شوي”.

وإلى جانب عادة “السكبة” باتت طقوس العزائم بين الأقارب والأصدقاء والجيران تغيب عن شهر رمضان، بعد أن كانوا في السابق يتسابقون إلى دعوات بعضهم على موائد الإفطار والسحور، العامرة بأطيب وأشهى الأطباق الرمضانية، ضمن طقسٍ احتفالي فريد، كان يقوي أواصر العلاقات الاجتماعية ويضفي أجواء المحبة والبهجة على شهر رمضان، فاليوم باتت معظم العائلات عاجزة حتى عن دعوة أحدٍ لزيارةٍ عادية قد لا تكلفها سوى ضيافةٍ بسيطة، وذلك بعد أن تحول 90% من الناس إلى فقراء، وانعدمت قدرتهم الشرائية في ظل انخفاض مستويات الدخل، بشكلٍ يدعو للحزن، وارتفاع أسعار جميع السلع والمواد الغذائية إلى مستوياتٍ خيالية، فعلى سبيل المثال، بلغ سعر كيلو هبرة الخاروف 225 ألف ليرة (أكثر من نصف راتب موظف حكومي)، وكيلو هبرة العجل 150 ألف ليرة، ووصل سعر كيلو قطع الفروج إلى ما بين 60 و80 ألف ليرة، فيما تخطت أسعار معظم أنواع الخضار والفاكهة (بطاطا، بندورة، خيار، كوسا، باذنجان، تفاح، برتقال) حاجز العشرة آلاف ليرة للكيلو الواحد، ووصل سعر كيلو الفليفلة والثوم والموز إلى أكثر من عشرين ألف ليرة. وبالنظر لما سبق باتت تكلفة عزيمةٍ لخمسةٍ أشخاص على إفطارٍ رمضاني تقليدي قد تتجاوز راتب موظفٍ حكومي.   

لمَّة العائلة والأقارب

تعتبر عادة اجتماع العائلة  الكبيرة، في منزل الجد أو الأب، من أبرز عادات رمضان المتوارثة منذ عشرات السنين، حيث يلتقي الأخوة والأبناء والأحفاد، ليتشاركوا في تحضير أطباق الطعام والحلويات، وليجتمعوا حول مائدة الإفطار الحافلة بأجواء المحبة والفرح والألفة. لكن تلك العادة، كغيرها من العادات، فقدت بريقها وبات حضورها ينحسر بشكلٍ كبير خلال السنوات الأخيرة، نتيجة ما فرضته ظروف الحرب وتبعاتها، والتي أدت إلى تقطع أوصال العلاقات العائلية، وتَشَتُّت كثيرٍ من العائلات، نتيجة النزوح والهجرة إلى خارج البلاد، وتباعد المسافات وصعوبة التواصل حتى بين من يعيشون ضمن المدينة الواحدة، وذلك في ظل تفاقم أزمة الموصلات وارتفاع تعرفة النقل وأسعار المحروقات. وفي ظل ذلك الواقع لم يبق سبيلٌ لاجتماع كثيرٍ من العائلات إلا من خلال التواصل الافتراضي، عبر الواتساب والماسنجر وبعض وسائل الاتصال المتاحة، كحال عائلة الموظف المتقاعد أبو أحمد (67 عام) الذي يصف لنا شعوره خلال تناول الإفطار :”منذ طفولتي اعتدت خلال شهر رمضان على طقس الإفطار الجماعي مع الأهل والأقارب، ومن ثم مع زوجتي وأبنائي وزوجاتهم وأطفالهم فيما بعد، لكنني اليوم بتُّ أنا وزوجتي نتناول إفطارنا وحيدين، بعد أن هاجر أبناؤنا الثلاثة وعائلاتهم إلى خارج البلاد، وبات من الصعب لقاء أقاربي، فمن بقي منهم في البلاد، يقيم في محافظة أخرى”. ويضيف: “لم أتصور نفسي في يومٍ من الأيام، أنا الرجل الاجتماعي المُحب لطقوس العزائم واجتماعات العائلة، أن أجلس إلى مائدة الإفطار دون إخوتي وأبنائي وأحفادي الذين أتصل بهم يومياً خلال موعد الإفطار والسحور، عَلّي أشعر ببعض الألفة وأتجنب شيئاً من الشعور بالغصَّة التي ترافقني مع كل لقمة طعام أتناولها”.

طقوس مشاهدة التلفاز

اعتادت العائلة السورية خلال رمضان أن تمضي معظم وقتها، وخاصة بين فترتي الإفطار والسحور، أمام التلفاز لمتابعة مسلسلات الدراما السورية والعربية، التي كان يتم انتظارها طيلة العام، وبعض البرامج الاجتماعية والدينية والترفيهية وبرامج المسابقات والطبخ وغيرها، لكن ذلك الطقس الرمضاني بات اليوم يختفي  نتيجة الانقطاع الطويل للكهرباء، التي جعلت التلفزيونات في  معظم بيوت الناس عاطلة عن العمل، لتحرمهم حتى من  مشاهدة حلقةٍ كاملة من أي مسلسلٍ من مسلسلات الدراما السورية التي يُفاخر صُناعها اليوم بتفوقها عربياً وبأنها عادت إلى ألقها، ناسين أن جمهورها الحقيقي محروم من متابعتها. وفي محاولة للتمسك بتلك العادة الرمضانية، بات بعض الناس يلجؤون لمتابعة بعض المسلسلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هذا في حال تمكنوا من تحمل تكاليف الإشتراك بباقات الإنترنت، وفي حال ساعدتهم سرعته على تحميل الحلقات، وهو ما يضطرهم للاكتفاء بمتابعة  مسلسلٍ أو اثنين، من بين عشرات المسلسلات المعروضة، ولمشاهدة حلقاتها بجودةٍ منخفضة، وبشكلٍ متقطعٍ ومتباعد، بحسب توفرها على مواقع التواصل، إذ كثيراً ما يتم حذفها قبل أن يتمكنوا من مشاهدتها.

عمل الخير بات أمراً صعباً

فيما مضى كانت تنشط  خلال شهر رمضان الكثير من الجمعيات الإنسانية والخيرية، التي يدعمها فاعلو الخير وبعض التجار والأثرياء، لتوزع الوجبات الرمضانية على الفقراء والمحتاجين خلال موعد الإفطار، سواء في الشوارع والجوامع، أو ضمن خيام الإفطار، أو من خلال زيارة بعض البيوت، لكن نشاط تلك الجمعيات انحسر اليوم بشكل كبير ليقتصر، وبشكل خجولٍ، على توزيع الماء والتمر وبعض الوجبات الخفيفة على بعض الناس في عددٍ محدود من الجوامع، وذلك نتيجة صعوبة جمع التبرعات وتراجع نسبة المتبرعين الذين تحول الكثير منهم إلى فقراء، حالهم كحال كثيرٍ من العائلات الميسورة، التي كانت في السابق تجمع كمياتٍ كبيرة من الأطعمة في علبٍ خاصة ليتم توزيعها على الفقراء في الشوارع والحدائق ومختلف الأماكن، بل أن بعض العائلات الفقيرة كانت تجمع ما فاض عنها من طعام الإفطار لتقوم بتوزيعه أيضاً، فيما كان الكثير من اللحامين و البقالين وبائعي الخضار والفاكهة وغيرهم يوزعون الكثير من الأطعمة والمواد الغذائية على عابري السبيل كنوع من أنواع الصدقة، لكن تلك العادات الإنسانية والخيرية باتت تغيب عن شهر رمضان بعد أن أصبح عمل الخير أمراً صعباً لا يستطيع معظم الناس إليه سبيلا.