by دعد ديب | Apr 15, 2026 | Cost of War - EN, Culture - EN, News - EN, Reports - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم “نزوح”، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز الفيلم جائزة الجمهور Armani Beauty Audience Award ضمن قسم “أوريزونتي إكسترا” (Orizzonti Extra)في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2022، كما نال جائزة تلفزيون ARTE في مهرجان كان السينمائي، وحصل السيناريو على جائزة باومي من برلين، وجائزة سورفوند ضمن ورشة سينيفونداسيون.
يوحي عنوان الفيلم بمضمونه، إذ يضيء على واقع مشحون تعيشه أسرة محاصرة في أحد أحياء مدينة دمشق، لم يبق في المكان سواها مع عدد قليل من الجيران الذين يتهيؤون للهروب من المنطقة وسط أصوات الهاون والمتفجرات.
يصرّ ربّ الأسرة على البقاء في البيت، رغم القذائف التي أصابت البناء وأحدثت فيه فجوات متعددة تتسرّب منها الرياح ومياه الأمطار. وهو يتوجّس من فكرة أن يصبح لاجئاً أو نازحاً يستجدي المكان واللقمة عند الآخرين، وهو الذي يرى نفسه ابن عزّ ومجد، ويشعر، كرجل، أنه يمتلك القوة والقدرة على إعادة بناء منزله وترميمه من جديد وحماية أسرته. ومن هنا يأتي إصراره على الثبات وعدم الرحيل.
وسط أصوات القذائف وانهيارات الأبنية، تظهر من خلال فجوات البناء قصة حب شفيفة ورقيقة بين الابنة زينة، التي جسّدتها هالة الزين، وابن الجيران عامر، الذي أدّى دوره نزار العاني، في استعراض رومانسي لمهارات التصوير. تتخيّل زينة نفسها وسط النجوم، متأرجحة بين مجموعات الدب الأكبر والدب الأصغر والثريا، حين تسقط من الفوهة التي فتحتها القذائف إلى سرير نومها، في إشارة إلى أن الحياة لا تزال تتّسع لقصة حب فطرية مهما عظمت الخطوب وتوالت الأقدار الظالمة.
يحاكي المشهد الأساسي في الفيلم ما عاشه السوريون جميعاً خلال أربعة عشر عاماً، سواء في النزوح الداخلي أو الخارجي، وما يعنيه ذلك من إحساس عميق بالمهانة نتيجة الحاجة إلى غرباء يساعدونهم على تدبّر أمورهم الحياتية. وهنا تأتي صرخة سامر المصري في دور الأب: “نازح أنا؟ يقولوا عني نازح؟”، في استهجان صريح لما يعنيه البعد عن المكان والبيت، ذلك الذي يصفه غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”بأنه كينونة الإنسان الأولى، وركنه في العالم، ومركزه الروحي للألفة والحماية.
لكن مع فقدان الحاجات الأساسية من ماء وكهرباء ومؤونة، والحصول عليها بشق الأنفس، ينشأ صراع حول البقاء في المكان والاستمرار في العيش بهذه الطريقة. ويتفجّر هذا الصراع بين الأب والأم حين يبدأ الأب بالتفكير في تزويج طفلته من أحد المقاتلين، بعد أن جاءه سمسار الحي ليقنعه بأن هذا هو الحل الأمثل بحجة تأمين حمايتها قبل اقتحام الجيش للمكان. وهنا يغدو الحوار بين الزوجين نافذة على الذاكرة، تستدعي الواقع الاجتماعي والبيئة التي تعيش فيها الأسرة، وتاريخها في تزويج البنات وإرسالهن إلى المجهول، مروراً بزواج الأم نفسها في سن مبكرة، من دون أن يُتاح لها التفكير في قرارها أو مستقبلها. هذا التراكم من المشكلات الاجتماعية يدفع الأم إلى اتخاذ قرار الهروب والتمرّد على سلطة الأب، ومغادرة المكان مع بقية المغادرين.
تغادر الأم وابنتها عبر حطام المدينة التي تشظّت معالمها، في صورة تعكس الضريبة الباهظة من الشقاء التي تقع على النساء والأطفال في الحروب والصراعات بالدرجة الأولى. ويكتسب المحتوى البصري للمكان، بما فيه من منازل مهدّمة وشوارع فقدت تضاريسها واتجاهاتها، صفة وثائقية وعفوية، تجسّد الخلفية الصامتة للمعاناة والألم في رحلة ضياع بين الأنقاض. ثم تلتقيان بالعشرات من الأهالي الراغبين في الخروج والهروب من الأماكن المتفجرة، وسط حوار يتضمّن انتقاداً ضمنياً لمن يحملون السلاح، بوصفهم يريدون السكان دروعاً بشرية يحتمون بها.
أما الزوج، الذي تُرك وحيداً، فيصاب بهستيريا وصراع داخلي عنيف. فهو يريد البقاء في بيته، وألا تتعرض عائلته لذلّ النزوح، وأن يكون الحامي لأسرته، لكن سخرية الأقدار تجعله يفقد أسرته ويغدو وحيداً. ونراه يطارد آثارهم من مكان إلى آخر، إلى أن يصل إليهم وهم يستقلّون إحدى السيارات الموعودين فيها بالأمان، وبالوصول إلى البحر، بما يحمله من رمزية الاتساع والعمق بوصفه حلاً مأمولاً، رغم آلاف الضحايا الذين ابتلعتهم الأمواج في موجات الهروب المتتالية من جحيم الواقع. وتأخذ مطاردته للسيارة طابعاً درامياً مشوّقاً يحبس الأنفاس، إلى أن تحسم الفتاة الأمر بصراخها كي تتوقف الحافلة، وتهرع راكضة إلى أبيها في لقطة بالغة الحميمية، وسط تعنّت الأم وإصرارها على موقفها، إلى أن يعلن الأب استسلامه، وأنه سينزح معهم ويرافقهم، وأن مصيره سيبقى مرتبطاً بهم دائماً.
ومن مفارقات القدر أن يصل الإنسان السوري إلى قناعة بأن النزوح عن بيته وحارته هو الحلّ المرحّب به، بل الحلّ الذي يحفظ له حياته وكيانه، رغم أن الجميع، في الداخل والخارج، حكومةً ومعارضةً، يرفعون شعارات حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم وسلامتهم. لكن المدنيين، في نهاية المطاف، هم الشريحة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والصدام والاقتتال.
تهدي المخرجة سؤدد كنعان الفيلم إلى جميع السوريين، من بقي منهم ومن هاجر، إذ إن الجميع تحت نير المعاناة، والجميع دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وقد رأت أن إبقاء النهاية مفتوحة يعكس أن الوضع ما زال قائماً، وأن الحرب لم تنتهِ، وأن واقع اللجوء ما يزال مستمراً. كما أن النهاية المفتوحة، بشكل عام، تجعل المتلقي شريكاً في تخيّل ما ستؤول إليه الأحداث، وفق أفكاره وتصوراته، بما يضيف غنى وثراء إلى العمل.
طبعاً، فكرة الفيلم نبيلة ووجدانية، بوصفه شاهداً على زمن نتمنى ألا يعود. ولعل الواقع كان أكثر وحشية وألماً مما رأيناه، إذ عبّر الفيلم، بطريقة بسيطة وعادية، عن واقع معروف ومعاش، لكنه يبقى صوتاً في وجه استباحة الإنسان المهدور والمكشوف للحرب والتهجير والدمار.
by حسين خليفة | Apr 11, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, Roundtables - EN, العربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم “اكتظاظاً” بالأحزاب والسياسيين والزعماء و”القادة الملهمين”، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين العرب: “أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ويعتقد 50 في المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد 10 في المائة على الأقل أنهم آلهة”. (1)
لمحات من تاريخ العمل الحزبي في سوريا
شهدت سوريا ولادة إرهاصات لأشكال من الأحزاب السياسية “جمعيات” مع أفول حقبة الاحتلال العثماني للشرق، وكانت استجابة لطموح الشعوب المحكومة بالاحتلال إلى الاستقلال وبناء دولها القومية، بالتزامن مع نشوب الحرب العالمية الأولى، وشهوة الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب للاستيلاء على تركة “الرجل المريض”.
وفي زمن الانتداب الفرنسي (1920 ـ 1946)، تأسست أحزاب وحركات عديدة، ربما كان أولها الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان الذي تأسس عام 1924، ثم تأسست الكتلة الوطنية عام 1928 من ائتلاف مجموعة من رجال السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة السوريين الذين جمعهم الإيمان بوحدة سوريا واستقلالها.
وانشق عن الكتلة الوطنية لاحقاً تشكيل سُمّي “حزب الشعب”، ليحتكر الحزبان، إلى حد كبير، الحياة السياسية والبرلمانية في سوريا آنذاك، رغم وجود نشاط واضح للشيوعيين والقوميين السوريين، “تأسس الحزب القومي السوري عام 1932″، إضافة إلى حزب البعث الذي تأسس غداة الاستقلال عام 1946.
الربيع الحزبي القصير
استمرت الحالة الحزبية في سوريا بهذا الشكل، إلى حد كبير، حتى أثناء فترة الانقلابات خلال الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ونشطت أكثر فأكثر خلال الفترة اليتيمة التي شهدت حياة برلمانية حقيقية مستقرة بين عامي (1954 ـ 1958)، حتى جاءت الوحدة السورية المصرية التي قضت على الحياة السياسية في سوريا.
امتد شلل الحياة السياسية، رغم الفشل الذريع لتجربة الوحدة القسرية في أيلول من عام 1961، وقيام حكومة أعادت تفعيل الحياة السياسية، لكن سرعان ما انقض البعثيون على السلطة في انقلاب 8 آذار 1963، وأعادوا تأسيس النظام الأمني الشمولي. ورغم تعدد الحركات والانقلابات، إلا أن الإطار العام بقي تفرداً للبعث بالسلطة، ثم تفرد فرد وعائلة بالسلطة منذ عام 1970، حين تمكن حافظ الأسد من الانقلاب على خصومه، رفاق الأمس، وتأسيس نظام أمني صارم ومغلق ودموي أبقاه على رأس السلطة مع عائلته وحاشية ضيقة من المنتفعين من الفساد الذي رافق الاستبداد، كما هي العادة، حتى موته عام 2000.
وكان حافظ الأسد قد هيأ استلام السلطة لابنه بشار الأسد، الذي حكم بالعنجهية ذاتها، مع تميزه عن أبيه بقلة الخبرة وضعف الشخصية وأمراض مزمنة أخرى، حتى سقوط نظامه في 8 كانون الأول عام 2024.
زمن الهيئة
سقوط نظام بشار، والقدوم السريع لقوات هيئة تحرير الشام من إدلب إلى دمشق خلال 11 يوماً، وإعلانها أبا محمد الجولاني (الرئيس الحالي أحمد الشرع) رئيساً للفترة الانتقالية التي حُددت بخمس سنوات، ومن خلال الملامح الأولى لـ”الحوار الوطني” و”الإعلان الدستوري” و”مجلس الشعب”، بدا للمراقبين أن هناك توجهاً نحو التفرد في إقرار مستقبل البلاد، بتغييب أي دور للأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية التي كانت في صفوف المعارضة لنظام الأسدين.
إضافة إلى تعيين قيادات النقابات والاتحادات المهنية وتحويلها، بالتالي، إلى أجهزة تنفيذية تابعة للسلطة. وكذلك مجلس الشعب، الذي لم يكتمل بعد بانتظار تعيين الثلث الخاص بالرئيس الانتقالي، بعد انتخاب الثلثين الآخرين من لجان شكَّلتها السلطة الانتقالية.
إضافة إلى التسامح مع لغة تحريضية ضد الأقليات، وتنفيذ مجازر مروعة في الساحل السوري في آذار 2025، وفي السويداء بتموز من العام ذاته.
الآن تبدو الصورة البانورامية للحالة الحزبية والنشاط الحزبي والسياسي قاتمة في سوريا بسبب عدم صدور قانون أحزاب جديد أولاً، علماً أن آخر قانون أحزاب أصدره بشار الأسد، في تلبية شكلية لمطالب الثورة السورية، لم يشرع سوى لأحزاب صغيرة مسيطر عليها أمنياً، وتكاد تكون وهمية، إضافة، طبعاً، إلى أحزاب ما سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، وهو تحالف أنشأه حافظ الأسد عام 1972 من الأحزاب الرئيسية المعروفة في البلد، عدا الإخوان المسلمين والحزب القومي السوري، وهي: “الحزب الشيوعي السوري، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الاشتراكيين العرب، حزب الوحدويين الاشتراكيين، وحزب البعث كقائد للدولة والمجتمع والجبهة أيضاً”. ولاحقاً حدثت انقسامات عدة في أحزاب الجبهة، وتم ضم الأحزاب الجديدة المنقسمة عن أحزاب الجبهة إليها، إضافة إلى الحزب القومي السوري، ليصبح عدد الأحزاب تسعة أحزاب.
ويبدو من نهج السلطة الانتقالية، في الجانب السياسي والإداري، اعتمادها كلياً على كوادر هيئة تحرير الشام العاملين في صفوف هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، وهو ما يُعرف في سوريا بمشايخ الهيئة، حيث يدير معظم الوزارات والمؤسسات شيخ أعلى من الوزير أو المدير العام.
ومعلوم أن تأسيس جبهة النصرة كان بعيد اندلاع الثورة السورية، كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، نهاية عام 2012، إذ قام أبو بكر البغدادي، أمير التنظيم في العراق، بإرسال أبي محمد الجولاني مع بضعة قياديين سوريين وأجانب إلى سوريا لإقامة فرع لتنظيم القاعدة فيها تحت اسم “جبهة نصرة أهل الشام” عام 2012.
في تموز عام 2016، تم تغيير اسم تنظيم جبهة النصرة إلى “فتح الشام”، في محاولة للالتفاف على العقوبات الدولية وعلى تصنيف جبهة النصرة كـ”تنظيم إرهابي”. وكان ذلك التغيير تمهيداً للانفصال عن تنظيم القاعدة أيضاً، ولم يدم الاسم طويلاً، إذ سرعان ما أُعلن تأسيس هيئة تحرير الشام بعد دمج فصائل إسلامية عدة مع التنظيم عام 2017.
هذه نبذة موجزة عن الحزب الحاكم فعلياً في سوريا الآن، رغم الإعلان عن حل الهيئة بعد وصول قواتها إلى دمشق، لكن تشكيل ما يسمى بالإدارة السياسية، وهي الحاكم الفعلي لسوريا، يذكرنا إلى حد بعيد بالقيادة القطرية لحزب البعث، في ظل وجود عضو من هذه الإدارة في كل محافظة وفي الوزارات الهامة لتسيير الأمور.
الآن، ما هي الحالة الحزبية في سوريا في ظل عدم وجود قانون أحزاب، ولا قانون إعلام، ولا صحافة حرة بمعنى الكلمة؟
أحزاب تعمل بحذر وتنتظر قانوناً
قمنا بلقاء قياديين في حزبين موجودين على الساحة لسبر رؤيتهما حول الحالة الحزبية في سوريا الجديدة.
عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد تحدث لنا عن الوضع الحالي للحزب قائلاً: “هناك حالة انتظار بالنسبة لنا كنشاط سياسي، ونحاول متابعة حد أدنى من النشاط السياسي والإعلامي، مع حرصنا على عدم استفزاز السلطة.
لقد رفض الحزب الشيوعي السوري الموحد قرار حل الأحزاب، وتابع نشاطه السياسي بأشكال أقل علنية، ويساهم اليوم مع غيره من الأحزاب وهيئات المجتمع المدني في تجمعات سياسية واجتماعية ترفع شعارات وطنية، كاستعادة السيادة السورية، ووحدة الأرض والشعب، ورفض التقسيم، والنضال لاستعادة كل شبر من الأرض السورية التي يحتلها الكيان الصهيوني، ومن أجل الديمقراطية عبر دستور ديمقراطي يعترف بحقوق المواطنة والحقوق السياسية لجميع السوريين بغض النظر عن الجنس والدين والمعتقد والإثنية.”
وحول تعامل السلطة مع الحزب حتى الآن قال: “لم نشهد تصعيداً ضد الحزب حتى اليوم.”
وفي مقال له منشور في صحيفة خليجية زودنا به، يبين القيادي الشيوعي ذاته موقف حزبه، الذي كان عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية في عهد النظام السابق، نقتطف منه: “المنتصرون في سِفر الثورات العالمية على مدى التاريخ، اكتشفوا في أحيان كثيرة أنهم كانوا أضاحي، والمنهزمون خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك بعد أن بدّلوا زيّهم، وتبددت الأحلام الوردية كسحابة صيف، أما شعارات الحرية والعدل والمساواة، فاختنقت في الحناجر، وتحولت إلى “بوسْتَرات” ملوّنة تزين جدران مخافر الشرطة وغرف الاعتقال والتعذيب.”
ويضيف: “ورغم الغموض الذي اتسمت به الصفقات الإقليمية والدولية التي أطاحت بنظام “الأسد” وأدّت إلى سيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في سورية، فقد تساوى التفاؤل والخوف والقلق في صبغ ردود أفعال المواطنين السوريين تجاه التغيير الحاصل في البلاد، فقد تفاءل الكثيرون بسبب انهيار سلطة الحزب الواحد الذي هيمن على سورية منذ نحو ستّة عقود، وكان كثيرون يعتقدون أن ذلك أمرٌ مستحيل، بسبب القبضة العسكرية والأمنية للنظام المنهار، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد تخوف الكثيرون أيضاً من الآتي الجديد بسبب خلفيته الجهادية ذات اللون الواحد، وانتابهم القلق حول مستقبل بلادهم بعد أن عانوا طويلاً من التفرد.”
وحول رأي حزبه بالإجراءات والخطوات التي اتخذتها السلطة الجديدة، أضاف القيادي الشيوعي في مقاله:
“لقد أظهرت مؤشرات عدة خلال فترة قصيرة، بعد أن عُيّن السيد “الشرع” رئيساً للبلاد، بموجب قرار الإدارة العسكرية “لهيئة تحرير الشام”، ومن خلال أول الاستحقاقات، وهو مؤتمر الحوار الوطني، أن اللون الواحد سيطغى على جميع الاستحقاقات اللاحقة، وأن شعار “من يحرّر يقرّر” الذي رفعه بعض قيادات “الهيئة” تحوّل إلى سلوك عملي، رغم تناقضه مع طموحات السوريين إلى سورية الجديدة الموحدة، فكان حواراً مع الذات لا مع الآخر المتنوّع والمختلف، وخرج بتوصيات مسبقة الصنع بصيغ عامة لا تضمن توحيد الأطياف السورية، ولا تضع الإطار الديمقراطي التعددي الذي يمنع إعادة إنتاج التفرّد والاستئثار والاستبداد.
أما المؤشر الثاني، فكانت أحداث الساحل السوري، التي تحولت إلى “مقتلة” أعادت إلى الأذهان التحريض والتجييش الديني والطائفي، واستخدام المراكز الدينية ومشاعر المتدينين لاضطهاد الطائفة العلوية، بزعم أنها حاضنة رموز النظام المنهار. هذه “المقتلة” التي أدّت إلى استشهاد آلاف المدنيين الأبرياء من جهة، والتخوف من استمرارها في مناطق أخرى، وبأشكال أخرى من جهة ثانية، علماً أن هذه الطائفة كانت، خلال عقود تسلط النظام المنهار، من أكثر الأطياف تضرراً، باستثناء قلّة منها استغلت نفوذها لتلبية مصالحها الضيقة المعادية لمصالح الوطن والشعب.
ثم جاء المؤشر الثالث، وهو إصدار الإعلان الدستوري الذي صاغته لجنة اللون الواحد، والذي لم ينص صراحة على تبنّي الديمقراطية التي ناضل السوريون من أجلها، والذي افتقد إلى الضمانات الواضحة لبناء سورية الجديدة الديمقراطية.. المدنية.. التشاركية، ليكتمل المشهد المتسم باللون الواحد، الذي سيراه السوريون في الأيام القادمة.”
السيد عمر المختار ونوس، القيادي في الحزب الدستوري السوري “حدس”، تحدث عن تجربة الحزب مع السلطة الجديدة قائلاً: “نحن في الحزب الدستوري السوري نرى أن المشهد الحزبي بعد سقوط نظام الأسد يعيش حالة فراغ قانوني وسياسي خطير. فحلّ الأحزاب بقرار فوقي، من دون أن يُستكمل ذلك بإطار قانوني بديل ينظّم العمل الحزبي، أوجد واقعاً ضبابياً يقيّد التعددية ويعيد إنتاج منطق السلطة المؤقتة غير الخاضعة للمساءلة.
غياب قانون أحزاب واضح، يستند إلى معايير دستورية ديمقراطية، يعني عملياً تعطيل أحد أهم مقومات الحياة السياسية السليمة، ويجعل النشاط الحزبي عرضة للاجتهاد الأمني أو الإداري، بدل أن يكون حقاً سياسياً مكفولاً.
من وجهة نظرنا، لا يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي أو عن بناء دولة قانون، في ظل غياب تشريع يضمن حرية التنظيم السياسي والتنافس السلمي على أساس البرامج لا الولاءات.”
وجواباً على سؤالنا حول تعامل السلطة الجديدة مع نشاط الحزب وفعالياته، قال: “الحزب الدستوري السوري لم يكن يوماً حزباً مرخّصاً في ظل نظام الأسد، لأنه لم يعترف بشرعية ذلك النظام، ولا بشرعية قوانينه القمعية. وبالتالي فإن موقفنا من السلطة الجديدة ينطلق من المبدأ ذاته: نحن لا نطلب اعترافاً من سلطة أمر واقع، بل نطالب بحقوق دستورية وسياسية وطنية ومواطنية، كان يمكن لمؤتمر حوار وطني حقيقي أن يفضي إلى تثبيتها في عقد اجتماعي، لتصبح هي ذاتها مضمون الوثيقة الدستورية، وقد رأينا كيف أدى تجاوز هذا الحوار إلى تعقيد المشهد الوطني.
السلطة المؤقتة/ الانتقالية/ الأمر الواقع تريد إبقاء الحياة السياسية في منطقة رمادية، لتستكمل تمكين نفسها في الحكم، وهناك الكثير من المقدمات الواضحة بالنسبة لنا في منهج السلطة الحالية، التي تجعلنا على يقين تام بأنها لا تريد نظام حكم يقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية.”
وحول تعامل السلطة مع بعض الفعاليات التي يقيمها الحزب في الداخل السوري، وفيما إذا كان الحزب يطلب موافقة من السلطة على تلك الفعاليات، قال السيد ونوس: “ليس هناك أي حوار بيننا وبين السلطة، ولا نقدم أي طلبات للموافقة على أنشطتنا، ونرفض من حيث المبدأ منطق “الاستئذان السياسي” الذي كان سائداً في عهد النظام السابق. وفي الوقت ذاته، نؤكد أن الحل لا يكون بالفوضى، بل بإصدار قانون أحزاب عصري، واضح، وشفاف، يحدّد الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية.
باختصار، مشكلتنا ليست تقنية مع جهة بعينها، بل سياسية مع غياب الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظّم الحياة العامة، ويمنع تحوّل أي سلطة مؤقتة إلى بديل استبدادي جديد.”
المستقبل واحتمالاته
من خلال تجارب ممارسة السياسة في ظل النظام السابق والنظام الحالي، يمكن القول إنه في العهود البعثية تم إلغاء الحياة السياسية و”تعقيمها” لتصبح على مقاس النظام ورؤاه السياسية والفكرية، وقد أسس حافظ الأسد لنمط خاص في الممارسة السياسية بأن جرّ الأحزاب الرئيسية اليسارية والقومية في البلد إلى تحالف غير متكافئ سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، جعله يتحكم تماماً بهذه الأحزاب كحزب قائد أولاً، وعبر إعطاء بعض الامتيازات لقياداتها ثانياً، لتتحول إلى جزء من النظام السياسي وتتماهى مع البعث حتى تصل إلى التطابق بالنسبة لغالبية الأحزاب.
أما الأحزاب التي بقيت خارج هذه الجبهة، فكان حافظ الأسد، بحنكته السياسية، يمسك بخيوط الممارسة السياسية، فيقوم، متى ما أراد، بقمع أي حزب أو حركة بحجة عدم شرعيته، وقد ضعفت هذه الأحزاب مع الزمن بعد حملات الاعتقال بحق قياداتها وأعضائها ومناصريها، وأهمها الإخوان المسلمون، والحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، وحزب العمل الشيوعي، والأحزاب الكردية التي اتبعت السلطة تجاهها سياسة غض النظر مع عدم الاعتراف بها والضغط الأمني المستمر عليها.
وقد كانت أحزاب الجبهة هي الوحيدة المعترف بوجودها شرعياً، ويُترك لها الهامش الذي يحدده هو وأجهزته الأمنية بسياسة غض النظر دون الاعتراف بها، أو السماح لها بالعمل علناً. بل إن جريدة الحزب الشيوعي مثلاً لم تكن تباع في الأكشاك رغم مطالبات الحزب المتكررة بذلك حتى مجيء بشار الأسد وسماحه بذلك، رغم أنها في الواقع بالكاد تميزها عن صحف السلطة وملحقاتها الأمنية.
بل إن أملاك هذه الأحزاب وأبنيتها وسياراتها لم تكن توضع باسم الحزب، بل باسم قياداتها “الأمين العام غالباً”، بسبب عدم وجود قانون للأحزاب حتى قيام الثورة السورية عام 2011، حيث أصدر بشار الأسد قانوناً للأحزاب، ورُخِّصت بموجبه أحزاب عدة، معظمها، إن لم نقل كلها، خرجت من داخل فروع المخابرات ومضبوطة حركتها تماماً، ولذلك بقيت مهمشة ومجهولة من الشارع ودخلت طي النسيان بعد سقوط النظام، إلا القليل منها.
بعد صدور قانون للأحزاب عام 2012، صار بإمكان الأحزاب المعترف بها بموجب هذا القانون تملّك مقراتها وأملاكها باسم الحزب، والمفارقة هنا أن كثيراً من أحزاب الجبهة أبقت عليها باسم الأمين العام الذي يختصر الحزب في شخصه، كما هي الحال عند الحليف الكبير.
الآن، تقف الأحزاب القديمة، أو من بقي منها على قيد الحياة، في موقف انتظار الآتي، حيث لا قانون للأحزاب ينظم عملها ويقونن وجودها، مع صدور قرار عن “مؤتمر النصر” بحل أحزاب الجبهة ومصادرة ممتلكاتها.
بالتالي، يسود الخوف والحذر من اعتماد المزاج الشخصي أو العقائدي في التعامل معها، إذ تستطيع السلطة التصرف كما تشاء حيالها، فنلاحظ أن ممارسة السياسة خافتة وفي حدودها الدنيا. وهناك أحزاب وحركات، خصوصاً الأحزاب التي كانت معارضة لنظام الأسد وساهمت بقسطها في الثورة السورية، في طورها السلمي على الأقل، وخسرت قيادات وكوادر لها في المعتقلات، تقوم بفعاليات واجتماعات “غير مرخصة طبعاً”، لكن لا تعترض السلطة عليها حتى الآن، على الأقل.
وقد شهدت مقاهي دمشق “الروضة والكمال خصوصاً” أكثر من اجتماع موسع لأحزاب وحركات “حزب العمل الشيوعي، تحالف تماسك لأحزاب وحركات يسارية، حزب الإرادة الشعبية بقيادة د. قدري جميل… إلخ”، وندوات فكرية لشخصيات فكرية وسياسية معارضة.
ويقرأ كثير من المتابعين هذا الأمر على أنه يعود لسببين أساسيين: الأول، عدم تشكيلها أي خطر على السلطة بسبب ضعف الأحزاب الموروث من الحقبة السابقة وسنوات الدكتاتورية الطويلة، والثاني، أن السلطة في مرحلة التمكين، ويمكن أن تغض النظر عن هذه النشاطات مؤقتاً حتى تتمكن وتبدأ بضبط الحراك السياسي وتطويعه تماماً.
ويبدو التفاؤل ضعيفاً بصدور قانون أحزاب عصري ومتوازن، بالقياس مع طريقة تعاطي السلطة الجديدة مع بقية الاستحقاقات الديمقراطية التي ذكرناها، وخصوصاً مجلس الشعب.
هوامش
1- مقال “بصراحة” للأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة “الأهرام”، 27 أكتوبر 1961.
by أيمن النعيمي | Mar 9, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
سوريا ما قبل 2024: عصر الازدهار النفطي المفقود
قبل اندلاع الحرب في عام 2011، كان قطاع النفط والغاز السوري يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إذ بلغ الإنتاج حوالي 380 ألف برميل يومياً من النفط الخام، مع احتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 2.5 مليار برميل، إلى جانب إنتاج غاز طبيعي تجاوز 30 مليون متر مكعب يومياً. وقد شكّلت عائدات الطاقة نحو 40% من إيرادات الدولة و20% من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل سوريا دولة ريعية بامتياز تعتمد على ثرواتها الباطنية في تمويل موازنتها ومشاريعها التنموية. واستقطبت هذه الثروات كبرى الشركات العالمية، إذ كانت “شل” البريطانية الهولندية تشغّل حقول شركة الفرات للنفط منذ عام 1985، بينما دخلت “توتال إنيرجيز” الفرنسية في شراكة مع المؤسسة العامة للنفط في حقل دير الزور، كما استثمرت شركات صينية مثل “سي إن بي سي” و”سينوكيم” في حقول مختلفة، إضافة إلى شركة “غلف ساندز” البريطانية التي كانت تدير القطاع 26 في شمال شرق البلاد.
مع اندلاع الحرب، تحولت الثروة النفطية من مصدر قوة إلى عامل صراع وانهيار. انسحبت الشركات الأجنبية تباعاً معلنة حالة “القوة القاهرة” تحت وطأة العقوبات الدولية وتدهور الأوضاع الأمنية، فغادرت “شل” و”توتال”، وتوقفت استثمارات الشركات الصينية والكندية والكرواتية. وتعرضت البنية التحتية للطاقة لدمار ممنهج، حيث خرجت خطوط الأنابيب عن الخدمة، ودُمّرت محطات التجميع والمعالجة، وسيطرت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على نحو 90% من حقول النفط والغاز في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. وفي مناطق سيطرة النظام السابق، تراجع الإنتاج إلى أقل من 15 ألف برميل يومياً، واضطرت دمشق إلى الاعتماد بشكل شبه كلي على الواردات الإيرانية التي كانت تصل عبر شبكة معقدة من التحايل على العقوبات، مما كلّف الخزينة مليارات الدولارات وأدى إلى تفاقم أزمة الكهرباء والمحروقات التي أرهقت السوريين طيلة سنوات الحرب.
مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وصعود الإدارة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، انفتحت نافذة تاريخية لإعادة هيكلة قطاع الطاقة السوري برمته. ففي غضون أشهر قليلة، تمكنت الحكومة الجديدة من استعادة السيطرة على حقول الشمال الشرقي بعد اتفاق تاريخي مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في يناير/كانون الثاني 2026، يشمل دمج المؤسسات المدنية والعسكرية تحت سلطة الدولة، وتسليم كافة الحقول النفطية والغازية والمعابر الحدودية. وفي مايو/أيار 2025، أعلنت الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا عبر الترخيص العام رقم 25، تلاه إعفاء مؤقت من قانون “قيصر” لمدة ستة أشهر، ثم رفع دائم في ديسمبر/كانون الأول 2025، مما أزال العائق الأكبر أمام تدفق الاستثمارات الدولية. ومنذ ذلك الحين، بدأت تتشكل تحالفات اقتصادية كبرى تعيد رسم خريطة الطاقة السورية، في مقدمتها التحالف الرباعي (الأميركي-السعودي-التركي-القطري) الذي يضع أسس مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي والدولي لإعادة إحياء الثروات المنسية.
تحليل التحالف الرباعي وخريطة الاستثمارات: أضلاع التحالف الرباعي وتقاسم الأدوار في مشروع النهضة الطاقية
تتبوأ الولايات المتحدة موقع القاطرة السياسية لهذا التحالف، إذ كان رفع العقوبات شرطاً أساسياً لانطلاق أي استثمارات جادة في القطاع. وقد تجلى الدور الأميركي في الدعم المباشر الذي قدمه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، الذي وصف الاتفاقيات الموقعة بأنها “تجسيد لرؤية الرئيس ترامب في تمكين التجارة لا الفوضى”. وعلى الصعيد العملي، تقود الشركات الأميركية الكبرى جهود إعادة تأهيل القطاع، حيث وقعت شركة “شيفرون” في فبراير/شباط 2026 مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول وشركة “باور إنترناشيونال” القطرية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في خطوة تمثل أول دخول لشركة نفط كبرى إلى سوريا منذ سنوات. كما شكّلت شركات “بيكر هيوز” و”هانت إنرجي” و”أرجنت” تحالفاً مع شركتي “أكوا باور” و”طاقة” السعوديتين لاستكشاف وتطوير 4 إلى 5 حقول نفطية وغازية في شمال شرق سوريا، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الأميركية نحو دمج سوريا في شبكات الطاقة الإقليمية.
تُعدّ السعودية الركيزة المالية الأهم في التحالف، حيث أعلنت في فبراير/شباط 2026 عن حزمة استثمارات بقيمة 3 مليارات دولار تشمل قطاعات حيوية متعددة. فمن خلال صندوق “إيلاف” الاستثماري، تم تخصيص 7.5 مليار ريال سعودي (ملياري دولار) لتطوير وتشغيل مطاري حلب الدولي القديم والجديد، بطاقة استيعابية تصل إلى 12 مليون مسافر سنوياً. كما وقعت شركة الاتصالات السعودية “STC” اتفاقاً بقيمة مليار دولار لتنفيذ مشروع “سلك الحرير” الذي يمد شبكة ألياف ضوئية بطول 4500 كيلومتر، ويدخل الجيل الخامس للاتصالات، ويطور مراكز بيانات حديثة. وفي قطاع الطيران، تم تأسيس شركة “ناس سوريا” بملكية 51% للجانب السوري و49% لشركة “فلاي ناس” السعودية، على أن تبدأ عملياتها في الربع الأخير من 2026. كما وقعت شركة “أكوا باور” اتفاقاً لإجراء دراسات إنشاء محطة تحلية مياه بطاقة 1.2 مليون متر مكعب يومياً، ونقل المياه العذبة من الساحل السوري إلى المناطق الجنوبية، في مشروع يهدف إلى مواجهة الجفاف المزمن. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية لم تقتصر على الاستثمارات الجديدة، بل ساهمت مع قطر في تسديد ديون سوريا المستحقة للبنك الدولي بقيمة 15.5 مليون دولار، مما مهد الطريق لعودة التعاون مع المؤسسات المالية الدولية.
تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً في التحالف بوصفها حلقة وصل رئيسية في شبكات الطاقة الإقليمية. فمنذ مايو/أيار 2025، بدأت أنقرة بتزويد سوريا بملياري متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً عبر خط “كيليس-حلب”، مما يسهم في توليد 1300 ميغاواط إضافية من الكهرباء. كما تم الاتفاق على ربط شبكة الكهرباء السورية بالتركية بخط 400 كيلوفولط. وعلى صعيد الاستثمارات، تشارك شركتا “كاليون إنيرجي” و”جنكيز إنيرجي” التركيتان في التحالف الذي تقوده مجموعة “UCC” القطرية لبناء أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية بقيمة 7 مليارات دولار. كما أن الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية “STE” وقعت اتفاقاً لبناء محطة طاقة شمسية بقدرة 100 ميغاواط في محافظة حماة، وتزويد ريف حلب الشمالي بالكهرباء عبر خط “الريحانية-عفرين”. ويعكس هذا الحضور التركي المكثف رغبة أنقرة في تعزيز نفوذها الاقتصادي، وضمان استقرار جوارها الجنوبي، والاستفادة من موقع سوريا كمعبر لوجستي نحو الأسواق العربية والخليجية.
تستثمر قطر في سوريا من خلال ذراعها الاستثماري المتمثل في مجموعة “UCC Holding” التابعة لشركة “باور إنترناشيونال” التي يمتلكها رجل الأعمال السوري القطري معتز الخياط. وقد وقعت هذه المجموعة في مايو/أيار 2025 أكبر صفقة استثمارية في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، تشمل بناء أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية في مناطق دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي، ومحطة طاقة شمسية في وديان الربيع بقدرة 1000 ميغاواط. وفي فبراير/شباط 2026، شاركت “باور إنترناشيونال” في مذكرة التفاهم مع شركة “شيفرون” للتنقيب البحري، مما يعكس رغبة قطر في توظيف خبرتها الواسعة في مجال الغاز المسال لاستكشاف الثروات البحرية السورية. كما أن صندوق قطر للتنمية موّل توريد الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا بكمية 3.4 ملايين متر مكعب يومياً، مما ساهم في رفع ساعات التغذية الكهربائية. ولا يقتصر الدور القطري على الطاقة، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، حيث استثمرت مجموعة “بلدنا” الغذائية، التابعة أيضاً للخياط، 250 مليون دولار لإنشاء مجمع صناعي متكامل للألبان والعصائر في مدينة عدرا الصناعية.
المشاريع الرئيسية والمناطق المستهدفة
تتوزع الاستثمارات المعلنة على ثلاث مناطق رئيسية تعكس الأولويات الاستراتيجية للتحالف. ففي شمال شرق سوريا، حيث تتركز الثروة النفطية والغازية، يستهدف التحالف السعودي-الأميركي تطوير حقول رميلان والسويدية والعمر والتنك، التي تُقدَّر احتياطياتها بنحو 300 مليون برميل في حقل السويدية وحده، و760 مليون برميل في حقل العمر. وقد بدأت الشركة السورية للبترول بالفعل في ضخ الغاز من حقل الجبسة إلى معمل الفرقلس، ونقل النفط من حقلي العمر والتنك إلى مصفاتي حمص وبانياس. وفي المياه الإقليمية السورية، تم تخصيص رقعة بحرية لتحالف “شيفرون-باور إنترناشيونال” لإجراء مسوحات زلزالية تمهيداً للحفر الاستكشافي، استناداً إلى تقديرات جيولوجية تشير إلى احتمالية وجود 1.2 تريليون متر مكعب من الغاز في حوض المشرق، وهو ما يعادل أربعة أضعاف الاحتياطي البري المؤكد. أما في دمشق وحلب، فتتركز مشاريع البنية التحتية، حيث يجري تطوير مطار دمشق الدولي بطاقة استيعابية تصل إلى 31 مليون مسافر، وإنشاء مترو دمشق بطول 26.5 كيلومتراً يخدم 750 ألف راكب يومياً، وتطوير مطاري حلب القديم والجديد بطاقة 12 مليون مسافر، ومد شبكة الألياف الضوئية التي ستربط سوريا بشبكات الاتصالات الإقليمية والدولية.
التوجهات الحكومية وأهداف الإنتاج
تسعى الحكومة السورية الانتقالية إلى تحقيق قفزة نوعية في قطاع الطاقة خلال السنوات القادمة، وفق رؤية تستند إلى تعظيم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وقد أعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي عن خطة طموحة تهدف إلى رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بنحو 7.6 ملايين متر مكعب حالياً، وذلك من خلال إعادة تأهيل حقول المنطقة الوسطى والشرقية واستثمار الاكتشافات الجديدة. كما تتوقع الحكومة وصول إنتاج النفط إلى 100 ألف برميل يومياً خلال أربعة أشهر، ثم إلى 200 ألف برميل خلال عام، مع إمكانية تجاوز هذا الرقم عند اكتمال مشاريع الاستكشاف البحري. وتعمل الحكومة على تطوير مصفاتي حمص وبانياس، ونقل مصفاة حمص إلى منطقة الفرقلس بطاقة 150 ألف برميل يومياً، بهدف زيادة الطاقة التكريرية وتحسين جودة المشتقات النفطية.
يمكن تصنيف اللاعبين المنخرطين في السوق السورية إلى ثلاث فئات رئيسية. الفئة الأولى: الشركات الأميركية الكبرى، وفي مقدمتها “شيفرون” التي تطمح إلى تكرار نجاحاتها في شرق المتوسط، حيث تمتلك أصولاً في إسرائيل وقبرص ومصر، من خلال دخول السوق السورية، و”كونوكو فيليبس” التي وقعت مذكرة تفاهم لتطوير حقول الغاز، و”بيكر هيوز” المتخصصة في تقنيات الحفر والإنتاج. الفئة الثانية: الشركات الخليجية، وتتصدرها “أكوا باور” السعودية التي تطمح إلى أن تكون لاعباً رئيسياً في قطاع الطاقة المتجددة، و”STC” التي تسعى لأن تصبح مشغل الاتصالات المهيمن في سوريا، و”UCC” القطرية التي تهدف إلى بناء محفظة استثمارية متكاملة تشمل الطاقة والبنية التحتية والصناعات الغذائية. أما الفئة الثالثة فهي الشركات التركية، مثل “كاليون إنيرجي” و”جنكيز إنيرجي”، اللتين تسعيان إلى توسيع أعمالهما في مجال الطاقة المتجددة والتوليد الحراري، مستفيدتين من القرب الجغرافي والاتفاقيات الحكومية.
اجتماعياً، تمثل هذه الاستثمارات فرصة تاريخية لخلق فرص عمل واسعة النطاق، حيث تتوقع مجموعة “UCC” توفير 50 ألف فرصة عمل مباشرة و250 ألف فرصة غير مباشرة من مشاريع الطاقة وحدها. كما أن مشاريع البنية التحتية، كالمطارات والمترو، ستوفر آلاف الوظائف في قطاعات الإنشاءات والتشغيل والخدمات. وسينعكس تحسن إمدادات الكهرباء بشكل مباشر على حياة المواطنين، إذ يُتوقع أن ترتفع ساعات التغذية من 2 إلى 4 ساعات يومياً حالياً إلى 8 أو 10 ساعات خلال عام، ثم إلى 20 ساعة عند اكتمال مشاريع التوليد. كما أن تنمية المناطق الشرقية، دير الزور والحسكة والرقة، عبر إعادة تأهيل حقول النفط وتشغيلها ستسهم في استقرار هذه المناطق وعودة النازحين إليها، بعد أن عاد أكثر من 1.47 مليون لاجئ منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 وفقاً لتقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
سياسياً، يعزز هذا التحالف الاستقرار السياسي في سوريا من خلال ربط مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين باستقرار البلاد. فالاستثمارات السعودية والقطرية والتركية تخلق شبكة مصالح اقتصادية تدفع هذه الدول إلى دعم الحكومة السورية وضمان عدم عودة الفوضى. كما أن حضور الشركات الأميركية يمنح واشنطن أداة نفوذ إضافية، ويمثل اعترافاً ضمنياً بشرعية الحكومة الانتقالية. وعلى الصعيد الإقليمي، تعيد هذه الاستثمارات تموضع سوريا كحلقة وصل بين أسواق الخليج وتركيا وأوروبا، مما يعزز دورها الجيوسياسي ويحولها من ساحة صراع إلى محور تنمية. كما أن العلاقة الجديدة مع دول الخليج تحد من النفوذ الإيراني والروسي، وتمهد الطريق لاندماج سوريا في المنظومة العربية بشكل كامل.
نفطياً، ومع عودة الإنتاج إلى مستويات قابلة للتصدير، ستستعيد سوريا موقعها كلاعب في سوق الطاقة الإقليمي، خاصة إذا تحققت الاكتشافات البحرية الكبيرة. ويمكن للغاز السوري أن يغذي الأسواق المحلية والأردن ولبنان، بل وربما يصل إلى أوروبا عبر خط الغاز العربي. كما أن تطوير صناعة التكرير سيمكن سوريا من تصدير منتجات نفطية ذات قيمة مضافة بدلاً من النفط الخام، مما يزيد الإيرادات ويخلق فرص عمل في الصناعات البتروكيماوية.
رغم التفاؤل الذي تثيره هذه المشاريع، تواجه عملية إعادة إعمار قطاع الطاقة مجموعة من التحديات الجسيمة التي قد تعرقل تنفيذها أو تحدّ من أثرها الإيجابي. أولاً: المنافسة الجيوسياسية، إذ إن التقارب بين السعودية وتركيا وقطر لا يخلو من تنافس خفي على النفوذ في سوريا؛ فالسعودية تسعى إلى احتواء النفوذ التركي عبر استثماراتها الكبيرة، بينما تحاول قطر الحفاظ على علاقاتها المتميزة مع أنقرة. وفي الوقت نفسه، تراقب إيران وروسيا هذه التطورات بقلق، وقد تحاولان عرقلة بعض المشاريع أو تقديم عروض منافسة للحفاظ على موطئ قدم لهما. ثانياً: المخاطر الأمنية، فرغم تراجع مستوى العنف إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، لا تزال هناك مناطق متوترة، خاصة على تخوم مناطق سيطرة “قسد” السابقة، وفي البادية السورية حيث تنشط خلايا تنظيم “داعش” التي شنت 153 هجوماً في العراق وسوريا خلال النصف الأول من 2024 وحده. كما أن التوترات مع إسرائيل، التي تشن غارات جوية بين الحين والآخر، قد تؤدي إلى تصعيد غير متوقع. ثالثاً: الحاجة إلى أطر حوكمة وتشريعات، فسرعة تدفق الاستثمارات تفوق قدرة المؤسسات السورية على استيعابها وتنظيمها، مما يخلق مخاطر فساد وغياب شفافية. وقد حذر مراقبون من أن غياب قانون للمنافسة، وإطار واضح للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهيئات تنظيمية مستقلة، قد يؤدي إلى تكرار نموذج “اقتصاد الريع” الذي كان سائداً قبل الحرب، حيث تتركز الثروة في أيدي نخب محدودة. كما أن تركيز الاستثمارات في دمشق وحلب على حساب المناطق الأخرى، كمنطقة الساحل والسويداء، قد يخلق احتقاناً اجتماعياً جديداً. رابعاً: التحديات الفنية والبيئية، إذ إن البنية التحتية للطاقة تعرضت لدمار ممنهج خلال الحرب، ويتطلب إعادة تأهيلها استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة. كما أن عمليات الاستخراج العشوائية التي تمت خلال سنوات سيطرة “قسد” تسببت بأضرار بيئية جسيمة وتلوثٍ للتربة والمياه الجوفية، مما يفرض تكاليف إضافية على الشركات الجديدة.
إن نجاح هذه المشاريع الضخمة يبقى رهناً بقدرة الحكومة السورية على بناء مؤسسات قوية وشفافة، وضمان توزيع عادل لعوائد الثروة النفطية، والحفاظ على استقرار أمني يمكّن المستثمرين من العمل في بيئة آمنة. وإذا ما تم تجاوز هذه التحديات، فإن خريطة الطاقة السورية الجديدة قد تكون نواة لنهضة اقتصادية شاملة تعيد بناء ما دمرته الحرب، وتوفر فرصة حقيقية للسوريين لاستعادة ثرواتهم المنسية.
by أوس يعقوب | Mar 4, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة، صدر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت مؤخراً كتاب “أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة” لمؤلّفيه بسام برازي وسعد فنصة، اللذين يوثّقان فيه حادثة اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي (1909–1964) في مقاطعة غوياس بالبرازيل، في 27 أيلول/سبتمبر 1964، بإصابته بطلقٍ ناري من مسافةٍ قريبة، وذلك بالاستناد إلى وثائق محاكمة منفّذ عملية الاغتيال، الشاب نواف غزالة – من أبناء الطائفة الدرزية – إضافةً إلى الشهود والمرافعات القانونية التي جرى العثور عليها بعد جهودٍ شاقة ورقمنتها وأرشفتها.
يقدّم برازي (ابن شقيقة الشيشكلي)، وهو خريج جامعة تكساس في الهندسة المدنية ورئيس مجلس إدارة النادي السوري الأميركي في هيوستن، وفنصة (الباحث والمؤرخ السوري المقيم في واشنطن)، في كتابهما الذي صدرت طبعته الأولى عام 2020، محطاتٍ من سيرة وتاريخ العقيد الشيشكلي المولود في حماة عام 1909، والذي أصبح رئيساً للبلاد على إثر الانقلاب العسكري الثالث في تاريخ سوريا الحديث، في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 1949.
كما يتناول الكاتبان بالتحليل والنقاش رؤيتهما الخاصة لأحداث جبل الدروز وسياقها التاريخي في خمسينيات القرن الماضي، ويتناولان أعداد القتلى وأدوار الأطراف الدولية، ويقفان عند أساليب محامي الدفاع، في محاولةٍ لتقديم إضافة موثّقة لفهم مرحلةٍ مهمة من تاريخ سوريا في النصف الأول من القرن العشرين.
يقول الكاتب بسام برازي، في مقدمة وضعها للطبعة الثانية من الكتاب (575 صفحة)، تتخللها وثائق وصور تُنشر للمرة الأولى، إنه:
“حين فرغت من كتابة “الحقيقة المغيبة” مع سعد فنصة، كنت أظن أننا قد وثّقنا كل ما يحتاج إلى توثيق في السرد حول حقبة الشيشكلي، وأننا جمعنا كل ما أمكننا جمعه من الوثائق والشهادات والبيانات. ثم بعد صدور الطبعة الأولى وما أثارته من جدل ونقاش، المثمر منه وغير المثمر، وجدنا أننا أغفلنا توثيق الحادثة الأهم في سيرة الشيشكلي، وهي ببساطة حادثة اغتياله. فقد جرت محاكمة للقاتل ومن شاركوه في التخطيط للجريمة، لكن الكتاب لم يتضمن أي وثيقة من وثائق تلك المحاكمة أو دفاعات المحامين أو مرافعات الادعاء أو شهادات الشهود. وهكذا لم نعد نجد في أنفسنا ذلك الرضا التام عن الكتاب، فبدأنا جهوداً شاقة للحصول على وثائق تلك المحاكمة”.
ويلفت برازي إلى أنه وزميله سعد فنصة كانا يعرفان أن الأمر ليس سهلاً، إذ “إن المحاكمة جرت منذ أكثر من نصف قرن، وليس من السهل العثور على أشخاص يمكن أن يكونوا مرتبطين بها قادرين على تذكر أين أودعت هذه الوثائق – إن كانت موجودة أصلاً ولم تتعرض للإتلاف. وهذه الوثائق لا تنتمي إلى زمان بعيد فقط، بل أيضاً إلى بلد بعيد لا نعرف إلا اليسير عن مسالكه القضائية. لكن الله شاء ألا تضيع جهودنا وجهود أولئك البرازيليين الطيبين الذين تولّوا مهمة البحث، على الرغم من أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الشيشكلي، بل لم يسمعوا باسمه من قبل. وهكذا عُثر على ملف المحاكمة وأُنقذ من الإتلاف الذي كان وشيك الحدوث. كما عمد المسؤولون عن ملف المحكمة، بعد اكتشاف هذا الاهتمام غير المتوقع بملف مضى عليه ستون عاماً، إلى رقمنة الملف وأرشفته، وتخزين النسخة الأصلية الورقية في متحف المحكمة، وتزويدنا بنسخةٍ منه”.
ويبيّن برازي أن هذا الملف الأصلي “يشرح الجهود المستميتة التي بذلها محامو الدفاع عن القاتل، وهم – بحسب الصحافة البرازيلية – من أشهر المحامين الجنائيين في عموم البرازيل، والذين أسرفوا في الافتراء على الشيشكلي واختلاق قصص مفبركة عنه، ووصفه بالمجرم الذي لم يتورع عن قتل الآلاف من أبناء طائفة القاتل، بمن فيهم النساء والأطفال. كما نجحوا في نقل مكان المحاكمة من البلدة التي وقعت فيها الجريمة إلى مكانٍ آخر بعيد، بحجة الخشية على سلامة القاتل، وأن الشهود من البلدة جميعاً متعاطفون مع الشيشكلي ومتأثرون بشخصيته الوادعة الدمثة”.
ويضيف أن ملف المحكمة “غني بالمعلومات، فهو لا يتعلق فقط بحادثة الاغتيال، بل يضع أحداث جبل الدروز في إطارها الحقيقي، ويبيّن أسبابها كما وقعت من خلال تقارير مفصلة ودقيقة وبالأسماء، كما دوّنها في حينه قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظ السويداء رفعت زريق، من دون مبالغات إعلامية فجّة تسعى للإثارة. فقد ذكر أن مجمل عدد القتلى من الطرفين لم يتجاوز بضع عشرات، مقارنة بخمسة عشر ألف قتيل بحسب ادعاءات محامي الدفاع. ويشرح التقرير أدوار الجميع ويعيد – دون قصد – تعريف من هو الضحية ومن هو المعتدي، ويبرز أدوار الرجال المتورطين. ومن المؤسف أن محامي الضحية لم يحسنوا الإفادة من هذه المعلومات”.
معلومات عن حقبة الشيشكلي تُنشر للمرة الأولى
تتجلى أهمية الكتاب الذي نستعرضه في هذا المقال في سرده لسيرة الرئيس الشيشكلي منذ كان عقيداً في الجيش السوري وحتى وصوله إلى سدة الحكم عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من تنفيذه انقلاباً عسكرياً في الشهر الأخير من عام 1949، وتأريخه لحقبته التي لا تزال حتى الآن موضع جدل في الكثير من الكتب والأبحاث والبرامج المتلفزة التي ظهرت خلال العقود الماضية.
إذ يورد الكتاب ما لم تورده الإصدارات السابقة عن سيرة الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي وحياته، وذلك بالعودة إلى قرابة ألفي وثيقة من الوثائق الخاصة بوزارات خارجية الدول العظمى الفاعلة آنذاك: الأميركية والفرنسية والبريطانية، وقد احتوت هذه الوثائق على كثير من المعلومات التي تُنشر للمرة الأولى.
وفي تأريخ حقبة الشيشكلي، بحسب المؤلفين، ثمة مسألتان تميزانها عن بقية الحقب التي مرت على سوريا بعد تخليه عن الحكم. أولاهما أن سوريا – بحسب الوثائق والشهادات – عرفت في عهده عصرها الذهبي في مجالات الحياة المختلفة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو أمر لم يتكرر منذ استقلال البلاد وحتى اليوم.
وثانيهما أنه عندما شعر الشيشكلي، في اللحظات الأخيرة، أن القوى المتصارعة على الحكم بين مؤيدٍ لحكمه ومناهضٍ له قد تدفع البلاد والجيش الذي حرص على بنائه وتقويته إلى حربٍ أهلية أو صدامٍ مسلح بين فرقاء الجيش وقادته، آثر الاستقالة حقناً للدماء وغادر البلاد، رغم امتلاكه القوة العسكرية الكافية للقضاء على الانقلابيين.
ويطرح المؤلفان في كتابهما سؤالين مهمين:
الأول: هل كان أديب الشيشكلي، الرجل الأقوى سياسياً وعسكرياً في سوريا بين عامي 1949 و1954، ديكتاتوراً أم قائداً واقعياً براغماتياً تحوّل إلى ديكتاتور رغماً عنه بفعل الضغوط السياسية؟
والثاني: هل كان يستحق أن يُغتال في منفاه البرازيلي عام 1964 بعد عشرة أعوام على اعتزاله العمل السياسي؟
سيرة مبعثرة ومخفية لشخصية إشكالية
يعرّفنا الكتاب بالرئيس أديب الشيشكلي الذي كان يوم اغتياله في الرابعة والخمسين من عمره، ولم تتح له الفرصة لتدوين مذكراته أسوة بكثير من السياسيين والعسكريين الكبار من معاصريه.
ووفقاً لما يذكره برازي في المقدمة، فإن هدف الكتاب هو الإضاءة على “سيرة واحدة من الشخصيات العسكرية التي كان لها تأثير كبير في تاريخ سوريا المعاصر، وهي الفترة التي أعقبت جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 نيسان/أبريل 1946، وبالأخص مع بداية عصر الانقلابات العسكرية”.
ولا ينفي المؤلف أن الشيشكلي “شخصية إشكالية”، لكنه يشير إلى أنه عندما اغتيل “بقيت سيرته مبعثرة ومخفية في ثنايا الكتب والمراجع”.
ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة هو في الواقع تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة في كثير من الأحيان، إذ فسّر بعض المؤرخين الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن نية أو بسوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله.
ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة إنما هو “تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة، وكان مؤلفوها في أحيان كثيرة يفسّرون الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن أو سوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب، لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله”. ومن هنا ينطلق تدوين السيرة من فكرة “إنصاف” من رفع شعار “الجمهورية السورية لا تزول إلا على جثتي”، فقام بانقلابه الأول في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، ثم تسلّم السلطة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951. ورغم عبوره بكل هذه المحطات، يستنتج برازي: “أقول بكل صدق وأمانة، وحسب معرفتي بشخص أديب الشيشكلي وطبيعته، إنه أصبح ديكتاتوراً رغماً عنه”.
ويشير برازي إلى أن الشيشكلي قاد انقلابه الأول “حين تأكد من عزم الزعيم سامي الحناوي، قائد الانقلاب السابق ضد المشير حسني الزعيم وضباطه، بالتعاون مع “حزب الشعب”، على ضم سوريا إلى النظام الملكي الهاشمي في العراق المرتبط بمعاهدة مع بريطانيا”. ويضيف أنه كان بإمكانه قمع ذلك الانقلاب لأن “معظم قطاعات الجيش الضاربة استمرت تحت إمرته، لكنه آثر حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الجيش السوري أن يتخلى عن الحكم ويغادر البلاد”.
ويضيف برازي وفنصة، استناداً إلى مصادر سياسية سورية، أن “حزب الشعب” هو الذي دفع بالرئيس الشيشكلي رغماً عنه نحو حركته العسكرية المباشرة، فيما كان يفضّل الاستمرار في قيادة العربة من المقعد الخلفي.
ويلفت المؤلفان إلى أنه خلال سنوات قيادة الشيشكلي للبلاد، كرئيس للجمهورية أو كرجل قوي وراء السلطة السياسية، كان مقرّباً من سلطة “الحزب الجمهوري” الأميركي بقيادة الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس. غير أن علاقته بـ”الحزب الجمهوري” تأزمت بعدما فُرضت عليه شروط صعبة التطبيق، من بينها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والدخول في “مشروع أيزنهاور” للتعاون الإقليمي الدفاعي والعسكري مع أميركا لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي والشيوعية في المنطقة.
ويذكر برازي، في هذا السياق، أنه “في أيار/مايو 1953 قال الشيشكلي لوزير الخارجية دالاس إنه يقرّ بأن دولة إسرائيل حقيقة موجودة، كما أنه لا يريد السلاح الأميركي ليلقي بإسرائيل في البحر، بل يريده حتى لا تُلقيَنا إسرائيل في البحر. وهو يدرك أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، ولكن بإمكاننا هزيمتها اقتصادياً”.
ولا يكشف المؤلفان سراً بقولهما إنه خلال فترة حكم الشيشكلي لم تهدأ محاولات العراق وبريطانيا لضم سوريا تحت العرش الهاشمي، ولا محاولات رجل الأعمال اللبناني أميل البستاني (الذي قُتل في حادث طائرة مشبوه)، المعروف – بحسب برازي وفنصة – بصلاته الوثيقة مع الاستخبارات البريطانية، لإيصال رسالة نوري السعيد إلى القيادة السورية حول ضرورة انضمام سوريا إلى العراق.
ويرى المؤلفان، في الفصول المتعلقة بالانقلابات في سوريا الحديثة منذ عام 1949 وحتى عام 1970، أنه عندما قام أديب الشيشكلي بانقلاب في 19/12/1949 على اللواء سامي الحناوي – الذي سبق أن نفّذ انقلاباً عسكرياً على المشير حسني الزعيم واعتقله وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي بعد محاكمة عسكرية سريعة في 14/08/1949 – كان الشيشكلي ينفّذ تعطيلًا للمشروع البريطاني–العراقي–الهاشمي لمصلحة المشروع الأميركي، وليس لمصلحة جهة عقائدية أخرى، قومية سورية أو غيرها.
ويدرج المؤلفان وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في 27/02/1954 (أي عند قرار الشيشكلي الاعتكاف والخروج من سوريا بعد انقلاب الضابط مصطفى حمدون، الذي كان بعثياً وموالياً لارتباط سوريا بالنظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر) تقول: “أفاد لنا رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون بأن لبنان التزم الحياد حيال الأزمة في سوريا، وأقنع الشيشكلي بعدم العودة إلى سوريا، وأن الأخير سافر إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبد العزيز”.
سوريا بعهد الشيشكلي في مركز متقدم بين الدول النامية
يوضح المؤلفان بسام برازي وسعد فنصة مواقف العديد من القيادات السورية المختلفة بعد الانقلاب على الشيشكلي، من بينها موقف خالد العظم الذي قال: “انتقم العراقيون والبريطانيون من أديب الشيشكلي عندما أثاروا ضده عام 1954 حركة معادية في جبل الدروز، وراحوا يمدحون حزب الشعب وغيره لإثارة الفتنة ضده وإبعاده عن الحكم المعادي لهم”. فيما قال العقيد حسين الحكيم، الذي تولى رئاسة إحدى الحكومات المؤيدة للشيشكلي: “شعرت بالحزن بعد استقالة الشيشكلي ويوم سمعت باغتياله. سامي الحناوي لم يكن مسؤولاً عن مقتل محسن البرازي والشيشكلي، ولم يكن مسؤولاً عن إثارة الفتنة في جبل الدروز، ولا عن اغتيال عائلة نواف أبو غزالة الذي اغتاله في البرازيل”.
ويؤكد برازي وفنصة أن قاتل الشيشكلي كان وزير الدفاع السابق البعثي اللواء حمد عبيد (من أبناء الطائفة الدرزية في عهد البعث)، الذي اعترف بجريمته بحجة أن الشيشكلي اضطهد الطائفة الدرزية.
ويبرز الكتاب كيف أولى الشيشكلي الاقتصاد أهمية كبرى منذ تسلّمه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية عام 1953؛ إذ وجّه الحكومة لدعم الاستثمار الحر في البلاد، وسنّ القوانين المساهمة في تنظيمه ومراقبته، وأعاد قضية الموازنة العامة إلى دائرة النقاش النيابي بعد سنوات من غيابها. كما أصدر مراسيم لتشجيع الصناعات المحلية وزيادة الإنتاج، ووجّه بالاهتمام بشؤون التموين ومحاسبة المحتكرين.
ويذكر الكتاب تأثر الشيشكلي بنصائح الخبير الاقتصادي والمصرفي الألماني يالمار شاخت، التي دفعته إلى إقامة العديد من المشاريع الزراعية والصناعية التي أشرف عليها شخصياً، مستنداً إلى معرفته الأكاديمية باعتباره واحداً من خريجي المدرسة الزراعية في مدينة السلمية بمحافظة حماة، فتمكّن من تطوير النشاط والإنتاج الزراعي في البلاد بعد سنوات شهد خلالها القطاع الزراعي ركوداً، تأثر بالفساد والإهمال الحكوميين.
وقد وضعت مراسيم وقرارات الرئيس الشيشكلي سوريا في موقع متقدم بين الدول النامية، وجعلت مهاتير محمد (رئيس الوزراء الماليزي الأسبق ومهندس النهضة الماليزية) يقرّ بتأثره بتجربة الشيشكلي ورؤيته الشاملة والطموحة بعد زيارته سوريا عام 1952: “فأقسم صاحب الفضل في النهضة الماليزية بأن يجعل بلاده نسخة عن سوريا”، كما جاء في الكتاب.
by نور قهوه جي | Feb 21, 2026 | Cost of War - EN, Culture - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891–1937)، عند حديثه عن خيبة أمله بعد إخفاق الثورات في البلدان الأوروبية، مفهوم الهيمنة، مشيراً إلى أن «الهيمنة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر بناء منظومة من القيم الثقافية والسياسية والأخلاقية والمعاني التي تُقدَّم بوصفها طبيعية وبديهية». ولأن الخطاب، بلغته وتعدد أشكاله، يُشكّل جانباً مهماً في عملية الاتصال والتأثير على مستوى الأفراد أولاً ثم الجماعات، وهو جزء من الخطاب العام للمجتمع، فإن أي خلل أو تباين فيه يعني بالضرورة خللاً داخلياً يستدعي التوقف عنده، والتنبه إليه، ومناقشته.
وبما أن الخطاب الثقافي الرسمي مساحة مركزية لإنتاج المعنى، فقد استوقفتني مجموعة من الخطابات الرسمية المتضاربة التي جاءت على لسان وزير الثقافة السوري في الحكومة الجديدة. من ذلك ما صرّح به في لقاء بمدينة حلب حول «تطوير الخطاب الثقافي الوطني»، بما يكرّس الهوية الوطنية السورية الجامعة ويركّز على التنوع الثقافي، بحيث تكون الثقافة أكثر التصاقاً بالمجتمع بعيداً عن النخبوية الضيقة. وهو تصريح يُمثّل إعلاناً للنوايا الثقافية، يحمل في طياته وعوداً تتجاوز القطاع الثقافي الضيق إلى المجال العام بأكمله، ويُقدّم الثقافة بوصفها سردية كبرى تنتظم حولها القيم والذاكرة والخيال الجمعي، وبذلك تتجاوز السلوك المفرد لتصبح منظومة معنى تُنتج الانتماء، وتُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وهو تصريح يوحي بإدراك عميق لمفهوم الثقافة وأبعادها.
غير أنه، وفي حوار إعلامي لاحق خُصِّص لمناقشة الشأن الثقافي، اختزل مفهوم الثقافة في مجموعة من الممارسات التنظيمية اليومية، القابلة للقياس والمراقبة، والمتصلة مباشرة بالسلوك الفردي؛ فطرح الثقافة في سياق مختلف ينسحب إلى ثقافة النظافة الشخصية ونظافة المحال، وذلك عقب حادثة سرقة المتحف الوطني المؤلمة، التي شهدتها بلاد تمر بمرحلة انتقالية حرجة تتطلب الدقة والانضباط وعرض الرؤى والاستراتيجيات. ليأتي ردّه الرسمي منصبّاً على النظافة، ومقهقهاً عند الحديث عن سرقة المتحف!
إن تجاوزنا الجدل الحاصل عقب كل تصريح منفرد للوزير، وانتقلنا إلى رؤية شمولية أكثر اتساعاً، فنظرنا إلى مجمل التصريحات نظرة تتبّع ومقارنة، نلحظ سلوكاً متبايناً في التعاطي مع الثقافة وفي التعبير عنها. وهو سلوك يفتح باباً أوسع يتعلق بطبيعة الخطاب الثقافي الرسمي نفسه، وحدود مفاهيمه، ومدى خضوعه لهندسة واعية؛ بما يُحيلنا إلى ما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926–1984)، حين أكّد أن خطورة الخطاب لا تكمن فيما يقوله فقط، بل في الحدود التي يرسمها لما يمكن التفكير فيه بوصفه «ثقافة»، وما يستبعده أو يغض الطرف عنه. وهنا جوهر القضية؛ فالمشكلة ليست في الضحكة الساخرة غير المنضبطة، ولا في الحديث عن أهمية السلوك اليومي والنظام العام، ولا في هذا التصريح أو ذاك، بل في عدم إدراك أبعاد الخطاب الثقافي وماهيته، وفي نقل مفهوم الثقافة من مستواها الاستراتيجي إلى مستوى إجرائي ضيق دون بناء جسر مفاهيمي يربط بين المستويين.
ولأننا في مرحلة بناء سوريا الجديدة، فإننا أحوج ما نكون إلى الوعي بما يُعرف بـ«هندسة الخطاب الثقافي»، أي التخطيط المنهجي المدروس للثقافة. ولا نقصد بذلك التنظير الأكاديمي المجرد، بل العملية الواعية القائمة على تحديد مفهوم الثقافة المعتمد رسمياً، واختيار اللغة التي نتحدث بها عنها، وتحديد الجمهور المقصود، وضبط العلاقة بين الرمز والسلوك، وضمان الاتساق الزمني بين الخطابات المتعاقبة؛ بما يحقق تعدد المستويات لا خلطها، وتنوع الأدوات دون تفكيك المفهوم، بهدف إدارة الوعي الفردي والجماعي وتوجيهه، وبناء المفاهيم، وتشكيل السلوك بطريقة مؤسساتية لتحقيق أهداف اجتماعية أو حضارية أو اقتصادية.
وعليه، تكون المشروعات الثقافية، انطلاقاً من التصريحات الرسمية، جزءاً من مشروع فكري بعيد المدى يتجاوز الأفكار اللحظية، فلا يقتصر على تصريح عابر أو حملة إعلانية أو نشاط أسبوعي؛ إذ يصبح سياسة رمزية طويلة الأمد، يؤدي أي ارتجال فيها إلى تشويش المعنى، حتى وإن كانت الرسائل الجزئية في ذاتها إيجابية. فالفضاء العام يقوم على تماسك اللغة والمعنى، بعيداً عن الانحراف نحو الشعبوية الثقافية، إذ إن المضي في هذا المسار يفتح الباب أمام تسطيح الوعي وتفريغ الثقافة من بعدها المعرفي، مما ينتج عنه فوضى دلالية وتآكل في المسؤولية.
ولا يُراد بالشعبوية تبسيط اللغة أو الاقتراب من الناس، بل اختزال المفهوم نفسه إلى ما هو سريع الفهم، سهل الترويج، ومضمون القبول. وقد أوضح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929) أن أخطر ما قد يصيب الخطاب الثقافي الرسمي في مرحلة دقيقة كبناء الدولة الجديدة هو الانزلاق نحو الشعبوية الثقافية؛ فعندما تُقدَّم الثقافة بوصفها انضباطاً سلوكياً، تتحول من أفق للمعنى إلى أداة ضبط، ومن فضاء للهوية إلى قائمة تعليمات. وحينها لا يعود الخطاب رافعاً للوعي، بل مُطمئناً للذائقة العامة على حساب العمق، وهو ما يفقده وظيفته التأسيسية. فالخطاب يجب أن يستند إلى العقلانية التواصلية لا إلى العقل الأداتي، لأن الاتكاء على الثاني سيضعنا في مواجهة خلل ممتد يتجاوز أثره حدود الداخل إلى الخارج.
ومن المعروف أن الخطاب الثقافي أحد أهم أدوات الاتصال بالعالم، في زمن تُقاس فيه الدول بقوتها الناعمة، وتُقرأ الثقافة فيه بوصفها سردية، وتُفهم اللغة الرسمية كبطاقة تعريف. فلا تنحصر الثقافة بما نفعله فقط، بل تمتد إلى ما نفهمه عن أنفسنا وما نرويه للعالم عنا. وقد أشار إلى ذلك أستاذ العلوم السياسية ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي جوزيف ناي، عندما تحدث عن القوة الناعمة التي تُبنى عبر الجاذبية الثقافية والرمزية، لا عبر التعليمات الإدارية. موضحاً أن كل خطاب ثقافي رسمي هو إعلان ضمني عن صورة الدولة التي نريدها؛ فخطاب يختزل الهوية الوطنية إلى ممارسات تنظيمية يومية قد يبدو داخلياً قريباً من الناس، لكنه يفتقر خارجياً إلى القدرة على تمثيل مجتمع معقّد وغني بالتاريخ والتعدد والإنتاج الرمزي، مما يفقده القدرة على مخاطبة العالم من موقع الندية الثقافية.
ولعلنا، بعد سنوات من العزلة الثقافية، نطمح إلى سوريا جديدة يتجاوز فيها الخطاب حدود اليومي نحو أفق أعمق. وهذه الرغبة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء مشروع وطني قابل للحياة في الداخل، وقادر على التواصل مع العالم في آن واحد.
وعليه، فإننا بحاجة إلى بناء خطاب ثقافي وطني جديد يرفع مستوى الخطاب الرسمي، ويُعاد تخطيط بنيته العميقة في التعليم والذاكرة والمؤسسات. وهو ما تؤكده تجارب دول نجحت في إعادة بناء صورتها الثقافية بعد أزمات وصراعات متعددة، مثل جنوب إفريقيا التي راعت الانقسام والتعدد وانتقلت من نظام قمعي إلى أفق جديد، ورواندا التي جبرت ذاكرة العنف الجماعي، وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي واجهت الماضي ولم تنكره، فاختارت السردية المسؤولة بديلاً من المريحة.
ويكون ذلك عبر إعادة ضبط البوصلة المعرفية، وإزاحة منطق ما يريده الجمهور لصالح ما يحتاجه الوعي العام كي يتطور، والانتقال من الارتجال إلى الاستراتيجية التي تحقق الفصل الواضح بين الثقافة بوصفها قيمة ومعنى، والسلوك بوصفه نتيجة لهذه القيمة لا تعريفاً لها. وكذلك عبر تفكيك اللغة قبل إنتاجها، وتوظيف لغة رمزية تفتح أفق التفكير النقدي والإبداعي بدلاً من لغة تعليمات تُغلقه، مع الاستثمار في النقد بوصفه ممارسة تفسيرية مسؤولة، وتمكين المثقفين من مواقعهم، وإشراك الباحثين وصنّاع المعنى في بناء السردية الثقافية، لا الاكتفاء بإنتاجها ضمن دوائر إعلامية ضيقة أو التوجه نحو «المؤثر الثقافي» السريع. كل ذلك وغيره يمكن أن يسهم في رسم مسار واضح، ووضع خطة ناجعة نحو هندسة الخطاب الثقافي في سوريا الجديدة.