بواسطة دعد ديب | أبريل 15, 2026 | Cost of War, Culture, News, Reports, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم “نزوح”، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز الفيلم جائزة الجمهور Armani Beauty Audience Award ضمن قسم “أوريزونتي إكسترا” (Orizzonti Extra)في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2022، كما نال جائزة تلفزيون ARTE في مهرجان كان السينمائي، وحصل السيناريو على جائزة باومي من برلين، وجائزة سورفوند ضمن ورشة سينيفونداسيون.
يوحي عنوان الفيلم بمضمونه، إذ يضيء على واقع مشحون تعيشه أسرة محاصرة في أحد أحياء مدينة دمشق، لم يبق في المكان سواها مع عدد قليل من الجيران الذين يتهيؤون للهروب من المنطقة وسط أصوات الهاون والمتفجرات.
يصرّ ربّ الأسرة على البقاء في البيت، رغم القذائف التي أصابت البناء وأحدثت فيه فجوات متعددة تتسرّب منها الرياح ومياه الأمطار. وهو يتوجّس من فكرة أن يصبح لاجئاً أو نازحاً يستجدي المكان واللقمة عند الآخرين، وهو الذي يرى نفسه ابن عزّ ومجد، ويشعر، كرجل، أنه يمتلك القوة والقدرة على إعادة بناء منزله وترميمه من جديد وحماية أسرته. ومن هنا يأتي إصراره على الثبات وعدم الرحيل.
وسط أصوات القذائف وانهيارات الأبنية، تظهر من خلال فجوات البناء قصة حب شفيفة ورقيقة بين الابنة زينة، التي جسّدتها هالة الزين، وابن الجيران عامر، الذي أدّى دوره نزار العاني، في استعراض رومانسي لمهارات التصوير. تتخيّل زينة نفسها وسط النجوم، متأرجحة بين مجموعات الدب الأكبر والدب الأصغر والثريا، حين تسقط من الفوهة التي فتحتها القذائف إلى سرير نومها، في إشارة إلى أن الحياة لا تزال تتّسع لقصة حب فطرية مهما عظمت الخطوب وتوالت الأقدار الظالمة.
يحاكي المشهد الأساسي في الفيلم ما عاشه السوريون جميعاً خلال أربعة عشر عاماً، سواء في النزوح الداخلي أو الخارجي، وما يعنيه ذلك من إحساس عميق بالمهانة نتيجة الحاجة إلى غرباء يساعدونهم على تدبّر أمورهم الحياتية. وهنا تأتي صرخة سامر المصري في دور الأب: “نازح أنا؟ يقولوا عني نازح؟”، في استهجان صريح لما يعنيه البعد عن المكان والبيت، ذلك الذي يصفه غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”بأنه كينونة الإنسان الأولى، وركنه في العالم، ومركزه الروحي للألفة والحماية.
لكن مع فقدان الحاجات الأساسية من ماء وكهرباء ومؤونة، والحصول عليها بشق الأنفس، ينشأ صراع حول البقاء في المكان والاستمرار في العيش بهذه الطريقة. ويتفجّر هذا الصراع بين الأب والأم حين يبدأ الأب بالتفكير في تزويج طفلته من أحد المقاتلين، بعد أن جاءه سمسار الحي ليقنعه بأن هذا هو الحل الأمثل بحجة تأمين حمايتها قبل اقتحام الجيش للمكان. وهنا يغدو الحوار بين الزوجين نافذة على الذاكرة، تستدعي الواقع الاجتماعي والبيئة التي تعيش فيها الأسرة، وتاريخها في تزويج البنات وإرسالهن إلى المجهول، مروراً بزواج الأم نفسها في سن مبكرة، من دون أن يُتاح لها التفكير في قرارها أو مستقبلها. هذا التراكم من المشكلات الاجتماعية يدفع الأم إلى اتخاذ قرار الهروب والتمرّد على سلطة الأب، ومغادرة المكان مع بقية المغادرين.
تغادر الأم وابنتها عبر حطام المدينة التي تشظّت معالمها، في صورة تعكس الضريبة الباهظة من الشقاء التي تقع على النساء والأطفال في الحروب والصراعات بالدرجة الأولى. ويكتسب المحتوى البصري للمكان، بما فيه من منازل مهدّمة وشوارع فقدت تضاريسها واتجاهاتها، صفة وثائقية وعفوية، تجسّد الخلفية الصامتة للمعاناة والألم في رحلة ضياع بين الأنقاض. ثم تلتقيان بالعشرات من الأهالي الراغبين في الخروج والهروب من الأماكن المتفجرة، وسط حوار يتضمّن انتقاداً ضمنياً لمن يحملون السلاح، بوصفهم يريدون السكان دروعاً بشرية يحتمون بها.
أما الزوج، الذي تُرك وحيداً، فيصاب بهستيريا وصراع داخلي عنيف. فهو يريد البقاء في بيته، وألا تتعرض عائلته لذلّ النزوح، وأن يكون الحامي لأسرته، لكن سخرية الأقدار تجعله يفقد أسرته ويغدو وحيداً. ونراه يطارد آثارهم من مكان إلى آخر، إلى أن يصل إليهم وهم يستقلّون إحدى السيارات الموعودين فيها بالأمان، وبالوصول إلى البحر، بما يحمله من رمزية الاتساع والعمق بوصفه حلاً مأمولاً، رغم آلاف الضحايا الذين ابتلعتهم الأمواج في موجات الهروب المتتالية من جحيم الواقع. وتأخذ مطاردته للسيارة طابعاً درامياً مشوّقاً يحبس الأنفاس، إلى أن تحسم الفتاة الأمر بصراخها كي تتوقف الحافلة، وتهرع راكضة إلى أبيها في لقطة بالغة الحميمية، وسط تعنّت الأم وإصرارها على موقفها، إلى أن يعلن الأب استسلامه، وأنه سينزح معهم ويرافقهم، وأن مصيره سيبقى مرتبطاً بهم دائماً.
ومن مفارقات القدر أن يصل الإنسان السوري إلى قناعة بأن النزوح عن بيته وحارته هو الحلّ المرحّب به، بل الحلّ الذي يحفظ له حياته وكيانه، رغم أن الجميع، في الداخل والخارج، حكومةً ومعارضةً، يرفعون شعارات حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم وسلامتهم. لكن المدنيين، في نهاية المطاف، هم الشريحة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والصدام والاقتتال.
تهدي المخرجة سؤدد كنعان الفيلم إلى جميع السوريين، من بقي منهم ومن هاجر، إذ إن الجميع تحت نير المعاناة، والجميع دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وقد رأت أن إبقاء النهاية مفتوحة يعكس أن الوضع ما زال قائماً، وأن الحرب لم تنتهِ، وأن واقع اللجوء ما يزال مستمراً. كما أن النهاية المفتوحة، بشكل عام، تجعل المتلقي شريكاً في تخيّل ما ستؤول إليه الأحداث، وفق أفكاره وتصوراته، بما يضيف غنى وثراء إلى العمل.
طبعاً، فكرة الفيلم نبيلة ووجدانية، بوصفه شاهداً على زمن نتمنى ألا يعود. ولعل الواقع كان أكثر وحشية وألماً مما رأيناه، إذ عبّر الفيلم، بطريقة بسيطة وعادية، عن واقع معروف ومعاش، لكنه يبقى صوتاً في وجه استباحة الإنسان المهدور والمكشوف للحرب والتهجير والدمار.
بواسطة وداد سلوم | أبريل 2, 2026 | Culture, Poetry, العربية, بالعربية, مقالات
قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو.
تحوي المجموعة قصائد منتقاة من دواوين سابقة للشاعرة نبي، وهي: (ظهيرة حب ظهيرة حرب) و**(الموت كما لو كان خردة)** و**(كسور غير مرئية)**.
تأتي أهمية هذا الفوز ليس فقط من عراقة الجائزة ومكانتها المرموقة بين الجوائز، إذ تأسست عام 1981، ونالها شعراء عالميون، منهم ألدا ميريني وشيموس هيني، الشاعر الإيرلندي الحائز على جائزة نوبل عام 1995، فوداد هي أول شاعرة عربية تنال هذه الجائزة، التي ستكون تذكرة عبور إلى القارئ الأوروبي، ناقلة إليه صوت شاعرة نطقت بمعاناة الإنسان السوري في حربه الطويلة داخل بلاده، وحالته في المنفى بعد رحلة اللجوء، وعلى درب الحنين الذي يقضّ لياليه في بلاد الغربة، إلى بيت دمّرته الحرب وإلى حياة سابقة تحمل الجذور في الدم والجسد والروح، وإلى مدن تشبهه حتى في دمارها. وداد نبي (1985) شاعرة من كوباني (عين العرب)، عاشت في حلب، وقد عرفها القارئ السوري قبل العالم بعبارتها الشعرية التي كُتبت على الجدران كشعارات، ورافقت السوريين في أيامهم العصيبة: (أحبها تلك البلاد حتى في خرابها الأخير).
ما يوحي بذلك الحنين المتأصل انتماءً روحياً، وهو ما يجده القارئ في أغلب قصائد الديوان، إذ تتلمس تلك المشاعر والأحاسيس الحارة التي تقلب كيان الإنسان وتضعه على حافة امتحان البقاء في كل حين، وفي مواجهة الفقد. فقد أصبح الموت رفيقاً، ينغرس في تفاصيل حياة السوري الذي حمل معه إلى المكان الجديد، المنفى، تفاصيل مكانه القديم لتعيش معه، توقظه ليلاً وتئنّ في سريره وتحت جلده. وحيث يطالبه العالم أن يكون قوياً بينما كل شيء يحطمه، هكذا تصبح كل القصائد كطيور تطير باتجاه الجنوب حيث الوطن، وكل المدن الغريبة بجمالها ورونقها تجعل ألم الفقد والغربة لا يُحتمل، وتقود القلب إلى الحنين الممضّ. وكل التفاصيل اليومية التي يمارسها المرء بتلقائية تقود ذهن الشاعرة إلى الاشتياق الموجع لمن تركتهم هناك في البلاد، وخاصة الأم التي لا يُحتمل غيابها، فتحريك القهوة تراه شبيهاً بتحريك الستائر كلمسة أخيرة قبل الرحيل، ويظهر الشعر كملاذ أخير، وتعويض عن كل الخراب الحاصل في العالم، فهو الحامي من كل الخراب، ليبقى الخيار الذي تلجأ إليه بينما العالم يمضي وتنشغل الكائنات بأعمالها الصغيرة.
” ربما يكون الشعر
تعويضاً عن الخراب
الذي سيحل بالأرض
حين يموت الشعراء جميعاً
رأيته ببكاء عاشق
حينما اهالوا التراب على قبري.”
أو أن يتحول الشعر إلى تعويذة من الموت لزمن قادم:
“جرح واحد لا أدونه
إنما أخبئه كحرز لموتي القادم:
جرح الشعر الخالد.”
وفي ظل كل المعاناة التي تفرضها الحرب ورحلة اللجوء والغربة، لا تنسى نبي المعاناة المزدوجة للنساء السوريات وتلتصق بها، حيث تتضاعف المعاناة في حالة الحرب. فللنساء، كما تقول نبي، ذاكرة انتقائية تحتفظ بالمشاهد المشبعة بالألم، وتصبح المرأة السورية شبيهة المدن التي نالها القصف والتدمير. توازي الشاعرة بين جراح الحب في روح المرأة وجراح الحرب في جسد حلب، مدينتها، كما لو كانت المرأة مدينة حطمتها الحرب.
“الحب كدمات زرقاء على الجسد
كما لو كان جسد حلب في الحرب.”
تعيد وداد الصوت الأنثوي في الشعر إلى الصدارة، فتلمس ذاك الأنين القديم الذي يختزنه صوت النساء، وتحضر الأمومة والحب وموروث الصمت لدى الأمهات، الذي يعيد إنتاج آلامهن عبر الأجيال. ويحضر الجسد، الذي تراه وداد يوازي البر وسط المحيط، الذي يمنح أسباب الحياة، حيث أقام الإنسان وبنى حضارته، كما يمنح جسد المرأة انطلاق حياة جديدة، وكأنه قارة تضاف إلى قارات العالم، وهو ما يشير إليه عنوان المجموعة.
“جسدك قارة بأكملها
قارة ببحار ومحيطات /جبال ووديان /ولا يمكن لأحد ان يهتف أنا مالك هذه القارة
جسدك قارة من البرتقال في ذاكرة الزمن.”
تنطلق نبي إلى فضاء الأنثى وآفاقه الرحبة، التي يقنصها الواقع الظالم ويأسرها بقيوده، فتحدثنا حيناً عن تلك المرأة التي تشبه صورة أمها، المرأة الماهرة بتمرير القسوة، تلك المهارة التي صارت بالجينات الموروثة لدى النساء جيلاً بعد جيل، وعن تلك المرأة القوية حيناً آخر، التي تكسر معايير المجتمع لتكون حرة ونداً للآخر، رغم مخاطر الصدام التي تواجهها في كل خطوة. تقرأ وداد كيف ينظر الآخر لها في أعماقه ولا شعوره.
هكذا تنطق نبي بصوت النساء المهمشات والمكسورات واللواتي يعانين من سوء الفهم، ولا يطلبن الكثير، بل جلّ ما يطلبنه أشياء بسيطة كالحب والأمومة والطمأنينة والأمان في الشراكة، تقول:
“ركضن وراء رجال لم يفهموا يوماً لماذا تركض امرأة مشتهاة كالكرز وراء شيء بسيط كالحب.”
النساء اللواتي سيبقين كأثر لا يمكن نسيانه وإن اختفى الحب.
لكنها أيضاً تنطق بصوت المرأة الواعية بدورها وقدرتها على الفعل، وبجسدها وكينونتها، فتقدم النموذج المختلف والخارج عن القواعد كلها، عبر المرأة الكردية التي تجاوزت كل الاعتبارات لتنخرط بالعمل المسلح، فتتوجه بتحية إلى المقاتلة أرين ميركان التي نفذت عملية انتحارية في بلدتها عين العرب، واستشهدت في عام 2014، في قصيدة بعنوان “حين نرجم قلوبنا بحجارة كوباني”، تتحدث فيها عن قريتها ومعاناة الأكراد عبر تاريخ طويل من الاضطهاد.
أغلب قصائد المجموعة طويلة، تقود القارئ إلى لذة التفاصيل ومتعة القراءة، ومتصاعدة في التعبير عن الذات الإنسانية في حالاتها المتعددة وآلامها، وخاصة الأنثوية. كما تميل الجمل إلى الطول والسطر المتصل، فتحتفظ بقدرة على تأثيث فضاء القصيدة بالوصف والإشباع العاطفي والبساطة، رغم عمق التناول. لا تغلق وداد نبي على نفسها الانتماء الجندري أو القومي، بل تتسع لتشبك ذلك مع الهم السوري في أوسع أوجهه، كما في قصيدتها “احذروا الهواء في الغوطة الشرقية”، ذلك النداء الذي مات على شفاه ضحايا غاز السارين.
وهو ما أشارت إليه لجنة التحكيم برئاسة الشاعر ميكيلي برانكالي، إذ أشادت بقدرة قصائد وداد نبي على تجسيد جراح المأساة السورية، وطرح أسئلة وجودية حول الفقد والذاكرة والعلاقات الإنسانية في ظل الخراب.
بواسطة رانيا كرباج | مارس 24, 2026 | Culture, Poetry, العربية, بالعربية, مقالات
لم أنجُ بعدُ من الموت
قدمٌ هناكَ
و قدمٌ هنا…
لم أنجُ من دمي المَقهور
عقدٌ من الحربِ
يسبحُ بينَ كرياتي الحمراء
و عقدٌ من الغرورِ
يخنقُ
كلماتي البيضاء
لم أنجُ كذلكَ من الحياة
مازلتُ عالقةً بمصيدةِ عينَيك
مثل فراشةٍ ترفرفُ إلى حَتفِها
شغفٌ هناكَ
و شغفٌ هنا…
لا و لم أنجُ من
هديلِ اليمامات
و رقصةِ الضوءِ على جسدِ الظلال
من مدّي و جزري على شواطئ
القصيدةِ
مثلَ موجةٍ تطاردُ الخيال…
كلّما مرَّ طيفكَ
قلتُ ها هو
و كلّما خذلتني الأرضُ
أسندتُ رأسي إلى كتفِ السماء!
و تلكَ الأحلامُ التي نسجتُها
على غيمتي
ما تزالُ متمسّكةً بعُنقي كما الأطفال
و تلكَ التي كبّرتُها
ما تزالُ تهرولُ و ألاحقُها
لم أنجُ منّي
من جسدي المترنّحِ
مثلَ بندولِ ساعةٍ عتيقةٍ
دقّةٌ هناكَ
و دقّةٌ هنا…
من شغفي يغفو و يستَفيق
من قصةِ الفينيقِ
حينَ يطوّقُني السَّواد
من رغبتي العميقةِ
في أن أتحوّل إلى رَماد
حائرةٌ بين قمرَين
عينٌ على البياضِ
و أخرى على الليلِ الكُحلي
خائفةٌ بين قدرَين
لا
لا أريدُ أن أغمضَ عينَيَّ عن المشهد
من نافذةِ غرفتي
أسمعُ سمفونيةَ الغيمات
على شُرفتي تحومُ بضعُ نحلاتٍ
يلفحُني نسيمٌ
معطرٌ بصوتِ أبي…
ثمّ تهبُّ الحربُ فجأة
أغلقُ النوافذَ و الأبوابَ
و أفتحُ حواسي على مصاريِعها
لا
لا أريدُ كذلكَ أن أغمضَ عينَيّ
على الرغمِ من فداحةَ المشهد!
بواسطة عماد الدين موسى | مارس 21, 2026 | Culture, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
تنتمي الكاتبة السورية نجاة عبد الصمد إلى جيل من الساردين الذين دفعهم القلق المعرفي إلى تفكيك البنى الاجتماعية، والتطرّق إلى مواضيع تخصّ حياة الفئات المهمّشة، وخصوصاً المرأة في البيئات التقليدية.
وقد أصدرت عدداً من الأعمال اللافتة في الرواية والسيرة والسرد، رسّخت من خلالها أسلوبها الخاص القائم على لغة حسّاسة، تأملية، ومحمّلة بأسئلة الانتماء وتناقضاته.
وبالتزامن مع صدور روايتها الجديدة “أيتام الجبال”، كان هذا الحوار:
– في روايتكِ الأحدث “أيتام الجبال”، يطلّ الجبل كرمزٍ للهامش والعزلة والانتماء في آنٍ واحد. ما الذي دفعكِ إلى الكتابة من هذا المكان؟
أنا أكتب عمّا يشغلني ويشاغب في رأسي. لا أظنّ أن الأمر آتٍ من عزلة الجبال، أو حتى من جلالها أو غموضها أو أنفتها، بقدر ما هو صوتٌ من داخلي، لا أملك تعبيراً يفسّره بما يكفي. فقط أحسّ به، أسمعه، أشمّه، يناديني فأستسلم إليه. والأمر ينطبق على “أيتام الجبال” وكل ما سبقها. ربما هي قوة تأثير هذه الكينونة الجغرافية التي وُلدتُ ونشأتُ عند أكتافها، فاستوطنت وجداني، ولا بدّ أن تحضر في طبيعة الأفكار وتركيبة الحكايات. لو كنتُ ابنة شاطئ بحري أو جارة نهر، لما غاب البحر أو النهر عمّا سأكتب.
– هل تشعرين أنّ انتماءكِ إلى بيئة درزية محافظة جعل الكتابة بالنسبة لكِ ضرورة وجودية أكثر من كونها خياراً فنياً؟
بالتأكيد لا. الكتابة ضرورة وجودية لكلّ من أصابه مسُّها، خارج كل انتماء. قد يتدخّل انتمائي في اختيار حكايتي أو أفكاري أو خلاصاتي، وهنا أقول: نعم. تُسهم البيئة في اختيار موضوعات الكتابة عموماً، إنما سيقدّمها كلٌّ من أبناء هذه البيئة برؤى مختلفة، انطلاقاً من المخزون الثقافي والتجربة الفردية لكلّ منهم. هنا يكمن الفرق.
– إلى أي مدى يمكن اعتبار “أيتام الجبال” كتابة عن الذات المقنّعة؟
لا أظنّ أنّ ثمة رواية تخلو كلياً من ذات كاتبها، كما أنها، على التوازي، حوارٌ موصولٌ مع قارئها في أي مكانٍ في العالم، قريباً أو بعيداً عن جغرافيا الكاتب أو بيئته. من هنا، قد تظهر ذات الروائي في عمله الأدبي مقنّعة، أو صريحة، أو بين بين، بنصف لثام. الرواية الجيدة تُربك قارئها، وتورّطه في التأمل والتحليل والمقارنات، وفي إسقاطات كثيرة غير حاسمة: هل يقرأ سيرة كاتبها نفسه، الذي يتخفّى خلف اسم هذا البطل أو البطلة؟ أم يقرأ عن أحدٍ ما يعرفه القارئ في الحياة بما يكفي ليحكم: إنه جاري فلان مثلاً، بلحمه وشحمه، من أين نطّ ليحطّ هنا على الورق؟ وأكثر من هذا، قد يُفاجأ القارئ بأنه يقرأ محاكاةً لسيرته الشخصية في روايةٍ لكاتبٍ من قارّةٍ أخرى.
– البطلة “سبيل” تسافر من السويداء إلى موسكو، لكنها تظلّ أسيرة انتماء ثقيل. هل أردتِ من خلال هذا السفر الجغرافي أن تعبّري عن رحلة أخرى في الداخل؟
السفر انتقالٌ واقعيّ في الجغرافيا، نقلةٌ تكتمل بالوصول إلى وجهة المقصد، بينما رحلات النفس سائرةٌ بلا انتهاء، وسؤال الانتماء واحدٌ منها. مجرّد الانشغال بمفهوم الانتماء يولّد أسئلة كثيرة تتفرّع عنه. بعضنا يلجأ إلى الفخر به، أو تقبّله كما هو، ويعطّل تفكيره ليحمي نفسه من كلفة الأسئلة العميقة، وهؤلاء يلبثون في أمكنتهم جامدين متحجّرين. التفكير خزّان الأسئلة. معه يولد الشعور بثقل الانتماء أو خفته، بضيقه أو بسعته. ويتبعه احتجاج، قد يبدأ خافتاً ثم يشتدّ، ويتحوّل إلى سلوك ليس بالضرورة صحيحاً، يتراوح بين الضياع والتمرّد. إلى أين يفضي هذا التمرّد؟ إلى أذى الذات بالنقمة من دون تحديد هدف واضح، أم إلى ابتكار طرق للتعامل معه، وخلخلة تلك الحياة المستقرة حدّ نسفها والقفز من فوق أسوار المحيط؟ هذا ما فعلته سبيل. رحلة الداخل أفضت بها إلى قرار تغيير الجغرافيا، على أن ترحل عن مكانها وهي عارفة لماذا تفعل. كانت تنجز رحلة الداخل. كنتُ أكتب و”سبيل” تجلس فوق رأسي، أنا كاتبتها، وتدرّبني على فهم هذه المراحل. كانت معلمتي وأنا تلميذتها.
– في الرواية تتبدّى الغربة كحالة روحية أكثر من كونها تجربة جغرافية. كيف تفهمين الاغتراب في سياق مجتمع مغلق مثل مجتمع الجبل؟
هي فعلاً كذلك، والنقلة الجغرافية هنا إحدى تمارين الانفكاك من ثقلها. ثم إنّ الاغتراب ليس قرين المجتمعات المغلقة وحدها. ربما على العكس، تحمي المجتمعات المغلقة نفسها عادةً بتوطيد علاقاتها الاجتماعية، وبإعلاء شأن العائلة أو العشيرة وسواها لتجعل منها قوقعة آمنة، ما يفتقد إليه أفراد المجتمعات الخليطة وغير المتجانسة في المدن والعواصم. الشعور بالاغتراب حالة روحية يتنامى الإحساس بها طرداً مع ارتفاع منسوب وعي الفرد، من أي مجتمع كان.
– يتجلّى الأب في الرواية كظلّ ثقيل، يحضر بالغياب أكثر مما يحضر بالفعل. هل هو رمز للسلطة الأبوية، أم للغضب المقدّس الذي يطارد الأنثى الخارجة عن القطيع؟
“حسن” والد “سبيل” هو الشخصية الأكثر جدلاً من بين شخوص “أيتام الجبال”، وأعتقد أنّ رمزيته تتعدّى ما ذكرتَ في سؤالك. من مكاني أراه بطلاً لا يقلّ عن ابنته سبيل، التي قدّمته من منظورها هي، فيما لم تكن صداماته معها سوى واحدة من عدة جبهات من كل صوب، وعليه أن يقدّم نفسه كما ينبغي لرجل أن يظهر في تلك البيئة: مقموعاً وقامعاً معاً. من جهة يطيع الله وأولي الأمر، وعلى المقلب الآخر يسيّر أسرته بالصرامة المطلوبة ليضمن لها أساسيات البقاء والعيش أيضاً كما يراها هو. وفي الوقت ذاته، يتعارك حسن مع نفسه المنطوية على قناعات ورؤى داخلية أكثر انفتاحاً مما يُظهر. تلك أزمة إنساننا المحكوم ممّن هم أقوى منه، والحاكم لمن هم أضعف منه، ليظهر قمع النساء كأحد تفصيلاته، لا كهدف بحدّ ذاته، من دون أن يعي أنه بسلوكه هذا يعيد تدوير الظلم بصيغة أخرى. حسبه أنه فهم، ولو متأخراً جداً، أنه كان يحارب على الجبهة الخطأ.
– أن تكتبي من داخل الطائفة الدرزية هو مغامرة، وربما مخاطرة. كيف واجهتِ حساسية الكشف عن المسكوت عنه داخل بيئة تتجنّب البوح؟
وهل الكتابة كلّها سوى مغامرة ممتدة، استكشافٌ واكتشاف، ومخاطرة لا منتهية؟ هي مواجهتي الخاصة لنفسي، قبل بيئتي أو محيطي أو مجتمعي. وهي السبب في أنّ كتابة الرواية استغرقت 13 عاماً، منذ بدايات فصولها حتى ولدت. خلالها كنت أدرّب نفسي على قول ما أريد، كاملاً غير منقوص، وأن أضيء على الظلم المعتّم عليه، لا أن أنشغل بمدح الضياء. وحين أعود إلى قراءته، إما أن أكون راضيةً عنه، وأنه هو أنا، هذا رأيي من دون خوف ولا مواربة ولا محاباة، أو يكون عليّ نسفه. لا نحتاج أدباً لا يأتي بجديد. يكفي رفوف المكتبات ما تثقل به منه. تلك كانت رحلة عراكي مع نفسي: أن الأدب الحقيقي يُمتع بقراءته. أما أفكاره، فليس عليها أن تطمئن القارئ، من داخل هذه البيئة أم من خارجها، بتقديم ما يريحه، بل عليها أن تحكّ، أن تصرخ، أن تُزعج، وأن تقلقل اليقينيّات. تلك هي رسالة الأدب!
– هل تعتبرين “أيتام الجبال” تمريناً في المصالحة مع الانتماء، أم في التمرّد عليه؟
نعم، هي تمرين، بل تمارين، يتخلّلها الكثير من الحذف والإضافات وتدوير الزوايا. لا تأتي المصالحة مع الانتماء إلا بعد رحلة وعي طويلة وممتدة، وسيكون التمرّد بالتأكيد أحد مراحلها، وليس بالضرورة أن تفضي هذه الرحلة إلى مصالحة كلية. الفرق في أدوات هذا التمرّد، وفي رسم خطة لإنجازه. التمرّد ثورة، ولا تقوم الثورة إلا على قضية، وعلى خطة لإنجازها. في رحلة التمرّد المدروس، سوف يتكشف لنا أنّ القطيعة الكلية مع الانتماء مستحيلة، إنما سندرك خلالها ما الذي علينا أن نتشبّث به أو نتخلّى عنه.
– في الرواية تظهر النساء ككائنات صامتة يحمّلن التاريخ كله في صمتهن. هل يمكن القول إنك تكتبين من أجل إعطاء صوتٍ لهؤلاء النساء؟
ليست كل النساء كائنات صامتة في “أيتام الجبال”. مهجة وسبيل مثالان على عكس ذلك، وهما في الوقت نفسه يؤكدان واقع الحال. ندرة النساء القابضات على مصائرهن تؤكّد أن أصوات البقية مستلبة، في حين أنّ هؤلاء غير المرئيات يصنعن، بفطرتهن، أساسيات الحياة من إنجاب وطبخ وتنظيف وتربية أطفال واحتواء للأسرة وتدبير لمشكلاتها. حين تتغلغل الرواية في تفاصيل حيوات هؤلاء النساء، فهي تمارس طبيعتها، ليس فقط في حمل أصوات هؤلاء النساء، وكل المهمّشين، من عزلتهنّ إلى فضاء الحياة الرحب، بل أيضاً في إدخالها إلى عقل القارئ، وإجباره على إمعان النظر، وعلى التفكير، وعلى صحوة ضميره، على الأقل ليعيد إليهن الاعتبار الإنساني، ومن ثمّ الاعتراف بدورهن في حياته شخصياً وفي فضائهن العام.
– اللغة في الرواية بطيئة، متأملة، تشبه الصعود في طريق جبلي. كيف تعملين على بناء هذا الإيقاع البطيء في الجملة السردية؟
للمتلقي أن يحدّد إن كان الإيقاع بطيئاً أم لا. أنا شخصياً لا أظنّ أنّ إيقاع اللغة في “أيتام الجبال” بطيء. لقد تقصّدتُ أن أجعله مهرولاً، لاهثاً، كما أنفاس سبيل وهي تروي. هو تماماً كما أسميتَه أنت: الصعود في طريق جبلي. أنت لن تسلم من اللهاث، وأنت مضطرّ إلى بذل جهد لمتابعة الصعود، ومضطرّ إلى الاحتساب من وعورة هذا الطريق. وفي الوقت ذاته، لن تستطيع إغماض عينيك عن كثافة الجمال على جنباته.
– لغة الرواية تميل إلى الشعرية المكثفة. هل تنطلقين من الحسّ اللغوي أم من الصورة؟
أستعين بقول محمود درويش: “أنا لغتي، لغتي أنا”. الكتابة عالمي. وهي عندي، في أحد وجوهها، مغازلة مع اللغة. هذا ما أعيشه. أبني كلماتي كما لو أنها لوحة كثيفة ودقيقة. لا تمنحني المفردة، أو الجملة، نفسها إلا بعد طول تفكير.
– كيف تلقيتِ ردود الفعل الأولى حول الرواية، خاصة أنها تلامس مناطق حساسة في الوعي الجمعي للطائفة والمجتمع؟
هنا لا بدّ من التوقف عند مصادفة فريدة، هي تزامن صدور الرواية مع المذبحة المفاجئة والهائلة التي ارتكبتها السلطة السورية المؤقتة بحق الدروز فقط لأنهم دروز. وفي حين استغرقت كتابة هذه الرواية مني، كما ذكرتُ أعلاه، ثلاثة عشر عاماً، فقد جاءت تلك المذبحة بعد أسبوعين فقط من صدورها. وقد قرأتُ مرة، ولا أتذكّر القائل: “لا واقع سوى الصدفة”. من هنا قد يبدو الأمر، في ظاهره، مصادفة، وقد يكون نبوءة لا تولد إلا بعد اكتمال دواعيها.
في كتابة “أيتام الجبال”، كنتُ أمدّ يديّ باتجاهين: واحد إلى داخل مجتمعنا الدرزي لنعيد التفكير في بنيانه، والثاني إلى الآخر، أية جماعة كانت، ممّن لا يعرفون الكثير عن مجتمع الدروز، أو وصلت إليهم عنه بعض الخرافات المؤذية المصنوعة عن قصد لإذكاء الخوف منه وشيطنته. وأدرك أن محتوى الرواية قد يثير هجوماً على صاحبتها من داخل مجتمعها ومن خارجه.
حتى اليوم، وبعد خمسة أشهر على صدورها، يشتدّ إيماني بدور الأدب، الجمالي والفكري معاً. معظم المراجعات التي وصلتني من القرّاء، والمقالات الكثيرة التي كُتبت عنها، تتوقف كثيراً عند جماليات الفن السردي، على التوازي مع التأكيد على كمّ المعلومات عن الديانة الدرزية، كعقيدة وعبادات، التي لم يسبق أن وردت بهذا القدر من التفصيل في النتاج الروائي، إضافة إلى قضايا أساسية تتضمنها “أيتام الجبال” أيضاً، منها سؤال الهوية والانتماء والاغتراب الروحي، وقضايا تعليم النساء وعمالة الأطفال، وغيرها.
– هل ترين أن الرواية قادرة على تفكيك ذاكرة جماعية مغلقة مثل ذاكرة الجبل؟
الرواية الجيدة، بنتاجها الجمعي، أي مجموع أعمال كاتبها ونتاج باقي مبدعيها، قادرة على كل شيء، كل شيء.
– لو عدتِ إلى الطفلة التي كانت ترعى البقرة وتحلم بالتعليم كما في الرواية، ماذا تقولين لها اليوم بعد صدور “أيتام الجبال”؟
احلمي، اجتهدي، قاتلي من أجل حلمك، على أن تتعلمي فنون القتال وأدواته.. ثم تشبّثي بحلمك حتى حين تصبحين في الخمسين، الستين، السبعين، المئة.. فـ”الحلم جنين الواقع”، على رأي مولانا الحلّاج.
بواسطة أسامة الكومه | مارس 18, 2026 | Culture, العربية, بالعربية, مقالات
خلف أبواب المركز الثقافي في درعا، لم تعد رائحة الورق أو صدى التصفيق هي السائدة، إنما صمتٌ مطبق يقطعه هدير جرافات الجيش الإسرائيلي في القنيطرة المجاورة. بين إعادة الهيكلة الإدارية والرقابة المجتمعية الصارمة، يعيش المثقف السوري في الجنوب اليوم اختباراً وجودياً؛ فهل تحوّل الفضاء العام من منبر للتعبير إلى ساحة اشتباك، بين إرثٍ بيروقراطي يحاول النجاة، وتيارٍ ديني قيمي يعيد رسم الخطوط الحمراء بصرامة غير مسبوقة؟
في درعا، المعروفة بـ “مهد الانتفاضة”، وفي القنيطرة، المحافظة المنهكة بعوامل جيوسياسية تتعلق بالحدود، لم تعد الثقافة تُعرَّف بوصفها نتاجاً لمؤسسات الدولة، بل غدت ساحةً تتنازعها قوى متصادمة: إرثٌ رسمي يحاول إعادة هيكلة نفسه وسط الفراغ، حراكٌ أهلي يبحث عن حدٍّ أدنى من الاستقرار وسط فوضى السلاح، وتيارٌ ديني قيمي يعيد رسم خطوط “الحلال والحرام” في الفضاء العام. وخلال الفترة بين كانون الأول / ديسمبر 2024 وشباط / فبراير 2026، يكشف الرصد الميداني الذي أجراه معد التقرير عن مشهدٍ ثقافي يعيش حالة “طوارئ دائمة”. هنا تغيب الفرق الموسيقية لتعلو أصوات الخطباء، وتُغلق المراكز الثقافية أبوابها أمام الشعراء لتفتحها أمام الوفود الدولية، في ظل واقعٍ يفرضه “مقص” الرقابة الاجتماعية وتوغلات عسكرية تقضم الجغرافيا يوماً بعد يوم.
في قلب مدينة درعا، يقف المركز الثقافي ككتلة إسمنتية صمّاء، شاهدة على انتقالٍ حذر وغامض. هذا المبنى الذي كان يوماً أداةً لترسيخ خطاب الحزب الواحد، بات اليوم هيكلاً يبحث عن هوية جديدة. يروي محمد الصالح “أبو عبد الله”، 52 عاماً، وهو عضو سابق في مجلس بلدي بمحافظة درعا، في حديثه لـموقع صالون سوريا، مشهداً يختصر الانتظار المرّ. يقول: “منذ كانون الثاني / يناير 2025 كان الموظفون يداومون بآلية الاستمرارية البيروقراطية؛ يحضرون صباحاً، يشربون القهوة، ويغادرون دون فعلٍ ثقافي واحد. كانت الأروقة باردة، والمسرح مهجوراً، والمكتبة ملاذاً أخيراً للهاربين من ضجيج الفوضى”. ويصف تلك المرحلة بأنها “موت سريري” للمؤسسة؛ إذ غابت الأجندة السنوية، وحلّت محلها مبادرات فردية خجولة تخشى الاصطدام بالواقع الجديد.
صدمة يوليو وإعادة الهيكلة الأيديولوجية
يصف أبو عبد الله تلك اللحظة في حديثه لموقع صالون سوريا: “صدر أمرٌ مفاجئ من جهة أُحدثت لملء الفراغ الحزبي والسياسي، وهي مديرية الشؤون السياسية التابعة للأمانة السياسية في وزارة الخارجية. طُلب من الموظفين تسليم المفاتيح والعودة إلى منازلهم بانتظار إعادة هيكلة”. منذ ذلك اليوم توقّف النبض الثقافي الرسمي في مدينة درعا. ولم يكن هذا الإجراء مجرد تبديل إداري، لقد انتقلت الوصاية على الفضاء العام من “الأدلجة الحزبية التقليدية” إلى “إدارة سياسية” تحاول ضبط توازنات جديدة في منطقة حدودية حساسة.
لاحظ مُعِدّ التقرير وجودَ استقطابٍ حادٍّ في تعليقات الأهالي؛ فبينما يدافع مثقفون عن المكتبة بوصفها كنزاً يضم الفلسفة والقانون والأدب العالمي، يروّج اتجاهٌ آخر لضرورة “تطهيرها” من كتب العهد البائد واستبدالها بمصنفات دينية حصراً. ويقول أحد المعلّقين: “لا نريد كتباً تمجّد الحزب، نريد كتباً في العقيدة والحديث”. ويكشف هذا الاستقطاب أن “إعادة الهيكلة” قد لا تكون إدارية بقدر ما هي إعادة تشكيلٍ لمحتوى المجال الثقافي في الجنوب.
أما في القنيطرة، فالواقع الثقافي محكوم بـ”إيقاع التوغّل”. فقد تحوّل المركز الثقافي في مدينة السلام، خلال كانون الثاني / يناير 2026، من منبر للشعر إلى “غرفة طوارئ” دبلوماسية لاستقبال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة جان بيير لاكروا. ويوضح أبو عبد الله في حديثه لموقع صالون سوريا أن الفعالية لم تكن ثقافية، بل اجتماعاً سياسياً إنسانياً لمناقشة التوغلات الإسرائيلية التي بلغت ذروتها باحتلال 9 نقاط حدودية واحتجاز 45 شخصاً. في القنيطرة يختفي المسرح ليحل محله مشهد الأهالي وهم يشرحون للمسؤولين الدوليين كيف تُجرف أراضيهم، وتُقطع أشجار السرو المعمّرة، وتُحرق سيارات تابعة للمحافظة. الثقافة هنا لم تعد “كتاباً”، بل صارت “غصّة” في حلق الفلاح الذي يرى جرافات الاحتلال تقتلع تاريخه.
لقد أدى الانهيار المؤسسي والضائقة الاقتصادية إلى تحويل “الكتاب الورقي” في الجنوب السوري إلى سلعة نادرة، بل شبه مستحيلة المنال للغالبية. تصف أسماء العلي، 40 عاماً، مدرسة لغة عربية من القنيطرة، واقع الحال لموقع صالون سوريا قائلةً: “سوق الكتاب منهارة تماماً؛ سعر الكتاب الواحد قد يوازي عمل يومين لعامل بسيط”. وتضيف مثالاً: مروان، شاب من ريف درعا يعمل في معمل خياطة، اضطر إلى الادخار أربعة أشهر ليتمكن من شراء “شرح صحيح مسلم للنووي” بسعر 70 دولاراً أميركياً، أي ما يقارب 800 ألف ليرة سورية. وتتابع: “هذا الغلاء، مع انقطاع طرق الشحن بسبب التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة وفوضى السلاح في درعا، جعل اقتناء أمهات الكتب الورقية ضرباً من الخيال للمواطن العادي”.
المكتبات الخاصة في درعا، التي كانت يوماً تعج بالرواد، أغلقت أبوابها أو تحولت إلى متاجر لبيع العطور والقرطاسية المدرسية البسيطة. ولم يعد الشراء المباشر خياراً متاحاً بسبب انقطاع الشحن وغلاء الورق. ولم يكن هذا الإفقار المعرفي مجرد تراجعٍ في القراءة، بل أحدث تحولاً في طبيعة العلاقة مع المعرفة؛ إذ تراجع النقاش العام لصالح استهلاكٍ فردي صامت، وانتقل الاهتمام من قراءةٍ متعمقة إلى اطلاعٍ سريع ومجزّأ، وغدت المعرفة ترفاً مؤجلاً أمام ضغط الاحتياجات المعيشية، ليحل محل الكتاب محتوى رقمي سريع غالباً ما يفتقر إلى التدقيق.
وفي حديث خاص حول التحول الرقمي، تشرح أسماء العلي لموقع صالون سوريا كيف أصبح ملف “بي دي إف” المنقذ والخصم في آنٍ واحد. تقول: “لم يعد أحد يملك رفوفاً ممتلئة بالكتب في القنيطرة؛ المكتبات الآن روابط تُرسل عبر واتساب وتلغرام. لكن تحت هذا السطح الرقمي تختبئ مخاطر؛ فغياب الرقابة يترك العقول الشابة وحيدة في مواجهة فيضٍ من التضليل والخداع. الكتاب الإلكتروني جعل القراءة فعلاً سرياً وفردياً، وغابت معه جلسات النقاش الجماعية التي كانت تعطي للثقافة روحها”. وتضيف: “تحوّل الهاتف المحمول إلى مكتبة متنقلة تضم آلاف الكتب الرقمية المقرصنة، لا حباً بالتكنولوجيا، بل هرباً من تكلفة الورق. المشكلة أن القارئ يضيع في غابة الملفات، فيقرأ مقتطفات مشتتة لا تبني وعياً حقيقياً”.
في موازاة ذلك، برزت ظاهرة “التوزيع المجاني الممنهج”. رصد معد التقرير، مثلاً، في معرض دمشق الدولي للكتاب، في مطلع شباط / فبراير 2026، طوابير طويلة من أطفال وشباب الجنوب لاستلام كتب دينية لابن تيمية وابن القيم تُوزّع مجاناً. ويقول أحد المراقبين: “هناك رغبة مجتمعية في البحث عن اليقين وسط هذا الانهيار، وهو ما يجعل الكتاب الديني يتصدر المشهد، بينما تتراجع الرواية والفكر النقدي إلى الهوامش”. أما الكتب التي تُطلب “همساً”، فهي تلك التي تناقش نظرية التطور أو الفلسفة الوجودية أو الأدب الجريء اجتماعياً. الرقابة هنا ليست “شرطياً” على باب المكتبة، بل خوفٌ من الوصمة والمساءلة الدينية التي قد تلاحق اقتناء مثل هذه العناوين.
في القنيطرة، لا ترف للثقافة بعيداً عن فوهة البندقية. فالتوغّل الإسرائيلي قضم 76 كيلومتراً من الشريط الحدودي بعمقٍ وصل إلى 4 كيلومترات. كما أن احتلال بلدات مثل “الحميدية” و”الرواضي” و”العدنانية” و”رسم الشولي” و”القحطانية” حوّل النشاط الثقافي إلى “فعل استغاثة”. وعمدت قوات الجيش الإسرائيلي إلى دخول مبنى المحافظة ونشر الفوضى؛ حطموا المكاتب، ونثروا القاذورات في الردهات، وأحرقوا سيارات المحافظة. ويصف أبو عبد الله هذا الفعل بأنه محاولة لكسر الهيبة المعنوية للمكان. ومع فقدان المكان المادي، المركز أو المحافظة أو النادي، يُفقد المنبر بالضرورة، فيتحول النشاط الثقافي إلى توثيقٍ حقوقي للمظالم.
في ظل هذا المشهد، كيف يرى المواطن في الجنوب “الفعل الثقافي”؟
رهام الناطور، 33 عاماً، خريجة كلية التربية من مدينة نوى، تتحدث بمرارة لـموقع صالون سوريا عن تحول مفهوم الثقافة من “هوية علنية” إلى “فعل سري”. تقول: “قبل سنوات كانت الثقافة هويتي وتعني لي التميز والظهور. اليوم أعتبرها منفاي الاختياري للهروب من واقعٍ لا يرحم. أقرأ الروايات في غرفتي، لكنني لا أجرؤ على مناقشتها علناً. بعد سقوط النظام صار المجتمع يراقب بدقةٍ أكبر؛ والخوف من العار أو النميمة، أو اتهامنا بالتبعية للغرب، صار أقوى من أي رقابة أمنية سابقة”.
وتحدد رهام أسباب غياب الجمهور عن أي فعاليات محتملة في ثلاثة عوامل: أولاً الأمن؛ الاغتيالات وفوضى السلاح تجعل الخروج بعد الغروب مخاطرةً غير محسوبة، وتحوّل التجمعات إلى أهداف محتملة. وفي القنيطرة، يجعل الوجود الإسرائيلي المكثف في 9 نقاط حدودية التجمعات هدفاً محتملاً. ثانياً العامل الاجتماعي؛ الخوف من النميمة واتهامات “إفساد المجتمع”، حيث تُواجه التجمعات المختلطة بحملات تحريض رقمية تصف الناشطين بـ”العلمانية المأجورة”. ثالثاً العامل الاقتصادي؛ تراجع القدرة الشرائية يدفع المواطن إلى تفضيل تأمين الخبز على تكلفة مواصلات لحضور ندوة شعرية. وعن الفضاء الرقمي، تؤكد رهام أن الفضاء الرقمي في الجنوب لا يعوّض دفء اللقاء الإنساني، بل يخلق غرفاً معزولة تعمق الاستقطاب، فتجعل الثقافة أداة فصل لا وصل، حيث يستهلك كل فرد ما يوافق هواه دون فرصة للحوار الحقيقي الذي كان متاحاً في المقاهي والمراكز سابقاً.
يجمع مراقبون في الجنوب السوري على أن تعريف “المقبول اجتماعياً” شهد انزياحاً كبيراً نحو التشدد. يقول الشيخ محمود أبو عبد الله، 50 عاماً، إمام جامع معتدل من درعا، في حديثه لموقع صالون سوريا: “المجتمع الحوراني كان دائماً محافظاً لكنه متسامح. اليوم نرى محاولات لفرض رؤية أحادية. الموسيقى والتصوير وحتى نوع اللباس أصبحت مواضيع تُحسم عبر التحريم والتحريض”.
من يرسم الخطوط الحمراء؟
يوضح الشيخ محمود أن الرقابة لم تعد مقتصرة على جهة واحدة، بل تُمارَس عبر تحالف غير معلن بين ثلاثة أطراف: تجمعات مؤطَّرة تستغل نفوذها المالي ومنصاتها الإعلامية لإحكام القبضة على المنابر الرقمية والمحلية، مروِّجةً خطاباً متشدداً يضع الفنون في دائرة التحريم؛ ثم رقابة ذاتية لدى المنظمين، إذ يتجنبون موضوعات قد تثير حساسية دينية، ويفضلون حصر الأنشطة في جوانب مهنية مثل الخياطة وعلوم الحاسوب لضمان الاستمرارية وتجنب الصدام؛ وأخيراً ضغط اجتماعي قائم على الوصم، تُشن عبره حملات تحريض ضد أي ناشط ثقافي بتهمة “إفساد المجتمع”، ما يؤدي إلى نبذه وتوقف نشاطه قسراً دون قرارٍ رسمي، بقوة الترهيب المعنوي الذي يفرضه الواقع الجديد.
ويتجلى ذلك في “الهروب إلى المناطق الآمنة”، حيث تقتصر أنشطة المراكز على دورات “الخياطة والحاسوب” مع تجنب المسرح والفنون الفكرية. ويروي الشيخ حادثة مسابقة القرآن للأطفال التي هاجمها البعض لمجرد حضور الأمهات، ما يعكس ضيق أفق صاعدين جدد ورغبتهم في فرض الفصل وتغييب المرأة عن المشهد.
لا يبدو التراث في الجنوب السوري، الممتد من سهول حوران إلى هضاب الجولان، مجرد فولكلور عابر، إنما هي مادة شديدة الحساسية؛ فهو يمثل “الهوية الجامعة” من جهة، لكنه بات هدفاً للنقد المتشدد ومحاولات التوظيف السياسي من جهة أخرى. وتختصر رهام الناطور هذا المشهد بالإشارة إلى “مؤشر صمود” لا يزال يقاوم الاندثار، وهو التراث الحي في المناسبات الاجتماعية؛ فالدبكة و”السحجة” الحورانية ما زالتا قاسماً مشتركاً رغم تصاعد فتاوى التحريم. وفي الوقت الذي يوقّع فيه الشباب بأقدامهم رسائل البقاء، بدأت تظهر “أعراس إنشادية” تخلو من الموسيقى بتوجيه فرق دينية تسعى لاستئصال هذا الإرث بدعوى “البدعة”.
أما في القنيطرة، فتتخذ الثقافة شكلاً أكثر تجذراً، حيث تتحول العلاقة بالأرض ورفض الإغراءات أو العروض الإسرائيلية إلى أسمى أشكال التعبير الثقافي؛ وهو أثرٌ لم ينجح أحد في انتزاعه من وجدان الأهالي. وعلى المقلب الآخر، يواجه هذا الإرث “معركة الرواية التاريخية”. تحاول إسرائيل توظيف الآثار المنتشرة في درعا والقنيطرة لخدمة سرديتها عبر ربط المنطقة بـ”مملكة باشان” التوراتية المزعومة. ويضع هذا التحدي المثقف السوري أمام جبهتين: جبهة التصدي لـ”الأسرلة” التي تسرق التاريخ، وجبهة الميل إلى التشدد الديني الذي يختزل الآثار في مفهوم “الأصنام” التي يجب إزاحتها. إنه صراعٌ على “من يملك القصة” في ظل فراغٍ مؤسساتي موحش كان يفترض أن يكون الحارس الأمين لهذا الإرث المهدد.
نحو “عقد ثقافي” جديد
يكشف الرصد الميداني في محافظتي درعا والقنيطرة بين عامي 2024 و2026 عن تحولات جوهرية ترسم ملامح مستقبل الهوية في الجنوب السوري. وتبرز ظاهرة “خصخصة الفعل الثقافي” كأحد أبرز مخرجات انهيار المؤسسات الرسمية؛ فمع انطفاء الأنوار في مراكز الدولة، كما حدث في درعا، انزاح الحراك الثقافي نحو فضاءات خاصة من مضافات وبيوت مفتوحة، بما يهدد بتكريس الاستقطاب العشائري والمناطقي على حساب الهوية الجامعة.
ويترافق هذا الانكفاء مع ولادة نظام رقابي جديد أكثر تعقيداً؛ إذ سادت “الرقابة الاجتماعية” التي استبدلت السطوة الأمنية المباشرة بـ”الرقابة الذاتية” وخوف الفرد من محيطه، وهو نوع من الوصاية الفكرية يبدو أكثر فتكاً لغياب مرجعية قانونية واضحة. وفي مقابل هذا التراجع في المدن، تكرست الثقافة في القنيطرة بوصفها “فعل مقاومة” وجودياً؛ حيث غدا “المحراث” وصمود المزارع في أرضه هو النص الثقافي الأكثر بلاغة في مواجهة محاولات التجريف واقتلاع التاريخ. غير أن هذا الصمود يصطدم بحالة “انفصام رقمي” لدى جيل الشباب، حيث اتسعت الفجوة بين الحرية في الفضاءات الافتراضية والقيود الصارمة على الأرض، ما خلق ازدواجيةً تحاول موازنة التطلعات العصرية مع واقعٍ محلي يزداد انغلاقاً وحذراً.
بواسطة أوس يعقوب | مارس 4, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة، صدر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت مؤخراً كتاب “أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة” لمؤلّفيه بسام برازي وسعد فنصة، اللذين يوثّقان فيه حادثة اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي (1909–1964) في مقاطعة غوياس بالبرازيل، في 27 أيلول/سبتمبر 1964، بإصابته بطلقٍ ناري من مسافةٍ قريبة، وذلك بالاستناد إلى وثائق محاكمة منفّذ عملية الاغتيال، الشاب نواف غزالة – من أبناء الطائفة الدرزية – إضافةً إلى الشهود والمرافعات القانونية التي جرى العثور عليها بعد جهودٍ شاقة ورقمنتها وأرشفتها.
يقدّم برازي (ابن شقيقة الشيشكلي)، وهو خريج جامعة تكساس في الهندسة المدنية ورئيس مجلس إدارة النادي السوري الأميركي في هيوستن، وفنصة (الباحث والمؤرخ السوري المقيم في واشنطن)، في كتابهما الذي صدرت طبعته الأولى عام 2020، محطاتٍ من سيرة وتاريخ العقيد الشيشكلي المولود في حماة عام 1909، والذي أصبح رئيساً للبلاد على إثر الانقلاب العسكري الثالث في تاريخ سوريا الحديث، في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 1949.
كما يتناول الكاتبان بالتحليل والنقاش رؤيتهما الخاصة لأحداث جبل الدروز وسياقها التاريخي في خمسينيات القرن الماضي، ويتناولان أعداد القتلى وأدوار الأطراف الدولية، ويقفان عند أساليب محامي الدفاع، في محاولةٍ لتقديم إضافة موثّقة لفهم مرحلةٍ مهمة من تاريخ سوريا في النصف الأول من القرن العشرين.
يقول الكاتب بسام برازي، في مقدمة وضعها للطبعة الثانية من الكتاب (575 صفحة)، تتخللها وثائق وصور تُنشر للمرة الأولى، إنه:
“حين فرغت من كتابة “الحقيقة المغيبة” مع سعد فنصة، كنت أظن أننا قد وثّقنا كل ما يحتاج إلى توثيق في السرد حول حقبة الشيشكلي، وأننا جمعنا كل ما أمكننا جمعه من الوثائق والشهادات والبيانات. ثم بعد صدور الطبعة الأولى وما أثارته من جدل ونقاش، المثمر منه وغير المثمر، وجدنا أننا أغفلنا توثيق الحادثة الأهم في سيرة الشيشكلي، وهي ببساطة حادثة اغتياله. فقد جرت محاكمة للقاتل ومن شاركوه في التخطيط للجريمة، لكن الكتاب لم يتضمن أي وثيقة من وثائق تلك المحاكمة أو دفاعات المحامين أو مرافعات الادعاء أو شهادات الشهود. وهكذا لم نعد نجد في أنفسنا ذلك الرضا التام عن الكتاب، فبدأنا جهوداً شاقة للحصول على وثائق تلك المحاكمة”.
ويلفت برازي إلى أنه وزميله سعد فنصة كانا يعرفان أن الأمر ليس سهلاً، إذ “إن المحاكمة جرت منذ أكثر من نصف قرن، وليس من السهل العثور على أشخاص يمكن أن يكونوا مرتبطين بها قادرين على تذكر أين أودعت هذه الوثائق – إن كانت موجودة أصلاً ولم تتعرض للإتلاف. وهذه الوثائق لا تنتمي إلى زمان بعيد فقط، بل أيضاً إلى بلد بعيد لا نعرف إلا اليسير عن مسالكه القضائية. لكن الله شاء ألا تضيع جهودنا وجهود أولئك البرازيليين الطيبين الذين تولّوا مهمة البحث، على الرغم من أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الشيشكلي، بل لم يسمعوا باسمه من قبل. وهكذا عُثر على ملف المحاكمة وأُنقذ من الإتلاف الذي كان وشيك الحدوث. كما عمد المسؤولون عن ملف المحكمة، بعد اكتشاف هذا الاهتمام غير المتوقع بملف مضى عليه ستون عاماً، إلى رقمنة الملف وأرشفته، وتخزين النسخة الأصلية الورقية في متحف المحكمة، وتزويدنا بنسخةٍ منه”.
ويبيّن برازي أن هذا الملف الأصلي “يشرح الجهود المستميتة التي بذلها محامو الدفاع عن القاتل، وهم – بحسب الصحافة البرازيلية – من أشهر المحامين الجنائيين في عموم البرازيل، والذين أسرفوا في الافتراء على الشيشكلي واختلاق قصص مفبركة عنه، ووصفه بالمجرم الذي لم يتورع عن قتل الآلاف من أبناء طائفة القاتل، بمن فيهم النساء والأطفال. كما نجحوا في نقل مكان المحاكمة من البلدة التي وقعت فيها الجريمة إلى مكانٍ آخر بعيد، بحجة الخشية على سلامة القاتل، وأن الشهود من البلدة جميعاً متعاطفون مع الشيشكلي ومتأثرون بشخصيته الوادعة الدمثة”.
ويضيف أن ملف المحكمة “غني بالمعلومات، فهو لا يتعلق فقط بحادثة الاغتيال، بل يضع أحداث جبل الدروز في إطارها الحقيقي، ويبيّن أسبابها كما وقعت من خلال تقارير مفصلة ودقيقة وبالأسماء، كما دوّنها في حينه قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظ السويداء رفعت زريق، من دون مبالغات إعلامية فجّة تسعى للإثارة. فقد ذكر أن مجمل عدد القتلى من الطرفين لم يتجاوز بضع عشرات، مقارنة بخمسة عشر ألف قتيل بحسب ادعاءات محامي الدفاع. ويشرح التقرير أدوار الجميع ويعيد – دون قصد – تعريف من هو الضحية ومن هو المعتدي، ويبرز أدوار الرجال المتورطين. ومن المؤسف أن محامي الضحية لم يحسنوا الإفادة من هذه المعلومات”.
معلومات عن حقبة الشيشكلي تُنشر للمرة الأولى
تتجلى أهمية الكتاب الذي نستعرضه في هذا المقال في سرده لسيرة الرئيس الشيشكلي منذ كان عقيداً في الجيش السوري وحتى وصوله إلى سدة الحكم عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من تنفيذه انقلاباً عسكرياً في الشهر الأخير من عام 1949، وتأريخه لحقبته التي لا تزال حتى الآن موضع جدل في الكثير من الكتب والأبحاث والبرامج المتلفزة التي ظهرت خلال العقود الماضية.
إذ يورد الكتاب ما لم تورده الإصدارات السابقة عن سيرة الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي وحياته، وذلك بالعودة إلى قرابة ألفي وثيقة من الوثائق الخاصة بوزارات خارجية الدول العظمى الفاعلة آنذاك: الأميركية والفرنسية والبريطانية، وقد احتوت هذه الوثائق على كثير من المعلومات التي تُنشر للمرة الأولى.
وفي تأريخ حقبة الشيشكلي، بحسب المؤلفين، ثمة مسألتان تميزانها عن بقية الحقب التي مرت على سوريا بعد تخليه عن الحكم. أولاهما أن سوريا – بحسب الوثائق والشهادات – عرفت في عهده عصرها الذهبي في مجالات الحياة المختلفة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو أمر لم يتكرر منذ استقلال البلاد وحتى اليوم.
وثانيهما أنه عندما شعر الشيشكلي، في اللحظات الأخيرة، أن القوى المتصارعة على الحكم بين مؤيدٍ لحكمه ومناهضٍ له قد تدفع البلاد والجيش الذي حرص على بنائه وتقويته إلى حربٍ أهلية أو صدامٍ مسلح بين فرقاء الجيش وقادته، آثر الاستقالة حقناً للدماء وغادر البلاد، رغم امتلاكه القوة العسكرية الكافية للقضاء على الانقلابيين.
ويطرح المؤلفان في كتابهما سؤالين مهمين:
الأول: هل كان أديب الشيشكلي، الرجل الأقوى سياسياً وعسكرياً في سوريا بين عامي 1949 و1954، ديكتاتوراً أم قائداً واقعياً براغماتياً تحوّل إلى ديكتاتور رغماً عنه بفعل الضغوط السياسية؟
والثاني: هل كان يستحق أن يُغتال في منفاه البرازيلي عام 1964 بعد عشرة أعوام على اعتزاله العمل السياسي؟
سيرة مبعثرة ومخفية لشخصية إشكالية
يعرّفنا الكتاب بالرئيس أديب الشيشكلي الذي كان يوم اغتياله في الرابعة والخمسين من عمره، ولم تتح له الفرصة لتدوين مذكراته أسوة بكثير من السياسيين والعسكريين الكبار من معاصريه.
ووفقاً لما يذكره برازي في المقدمة، فإن هدف الكتاب هو الإضاءة على “سيرة واحدة من الشخصيات العسكرية التي كان لها تأثير كبير في تاريخ سوريا المعاصر، وهي الفترة التي أعقبت جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 نيسان/أبريل 1946، وبالأخص مع بداية عصر الانقلابات العسكرية”.
ولا ينفي المؤلف أن الشيشكلي “شخصية إشكالية”، لكنه يشير إلى أنه عندما اغتيل “بقيت سيرته مبعثرة ومخفية في ثنايا الكتب والمراجع”.
ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة هو في الواقع تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة في كثير من الأحيان، إذ فسّر بعض المؤرخين الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن نية أو بسوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله.
ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة إنما هو “تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة، وكان مؤلفوها في أحيان كثيرة يفسّرون الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن أو سوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب، لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله”. ومن هنا ينطلق تدوين السيرة من فكرة “إنصاف” من رفع شعار “الجمهورية السورية لا تزول إلا على جثتي”، فقام بانقلابه الأول في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، ثم تسلّم السلطة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951. ورغم عبوره بكل هذه المحطات، يستنتج برازي: “أقول بكل صدق وأمانة، وحسب معرفتي بشخص أديب الشيشكلي وطبيعته، إنه أصبح ديكتاتوراً رغماً عنه”.
ويشير برازي إلى أن الشيشكلي قاد انقلابه الأول “حين تأكد من عزم الزعيم سامي الحناوي، قائد الانقلاب السابق ضد المشير حسني الزعيم وضباطه، بالتعاون مع “حزب الشعب”، على ضم سوريا إلى النظام الملكي الهاشمي في العراق المرتبط بمعاهدة مع بريطانيا”. ويضيف أنه كان بإمكانه قمع ذلك الانقلاب لأن “معظم قطاعات الجيش الضاربة استمرت تحت إمرته، لكنه آثر حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الجيش السوري أن يتخلى عن الحكم ويغادر البلاد”.
ويضيف برازي وفنصة، استناداً إلى مصادر سياسية سورية، أن “حزب الشعب” هو الذي دفع بالرئيس الشيشكلي رغماً عنه نحو حركته العسكرية المباشرة، فيما كان يفضّل الاستمرار في قيادة العربة من المقعد الخلفي.
ويلفت المؤلفان إلى أنه خلال سنوات قيادة الشيشكلي للبلاد، كرئيس للجمهورية أو كرجل قوي وراء السلطة السياسية، كان مقرّباً من سلطة “الحزب الجمهوري” الأميركي بقيادة الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس. غير أن علاقته بـ”الحزب الجمهوري” تأزمت بعدما فُرضت عليه شروط صعبة التطبيق، من بينها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والدخول في “مشروع أيزنهاور” للتعاون الإقليمي الدفاعي والعسكري مع أميركا لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي والشيوعية في المنطقة.
ويذكر برازي، في هذا السياق، أنه “في أيار/مايو 1953 قال الشيشكلي لوزير الخارجية دالاس إنه يقرّ بأن دولة إسرائيل حقيقة موجودة، كما أنه لا يريد السلاح الأميركي ليلقي بإسرائيل في البحر، بل يريده حتى لا تُلقيَنا إسرائيل في البحر. وهو يدرك أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، ولكن بإمكاننا هزيمتها اقتصادياً”.
ولا يكشف المؤلفان سراً بقولهما إنه خلال فترة حكم الشيشكلي لم تهدأ محاولات العراق وبريطانيا لضم سوريا تحت العرش الهاشمي، ولا محاولات رجل الأعمال اللبناني أميل البستاني (الذي قُتل في حادث طائرة مشبوه)، المعروف – بحسب برازي وفنصة – بصلاته الوثيقة مع الاستخبارات البريطانية، لإيصال رسالة نوري السعيد إلى القيادة السورية حول ضرورة انضمام سوريا إلى العراق.
ويرى المؤلفان، في الفصول المتعلقة بالانقلابات في سوريا الحديثة منذ عام 1949 وحتى عام 1970، أنه عندما قام أديب الشيشكلي بانقلاب في 19/12/1949 على اللواء سامي الحناوي – الذي سبق أن نفّذ انقلاباً عسكرياً على المشير حسني الزعيم واعتقله وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي بعد محاكمة عسكرية سريعة في 14/08/1949 – كان الشيشكلي ينفّذ تعطيلًا للمشروع البريطاني–العراقي–الهاشمي لمصلحة المشروع الأميركي، وليس لمصلحة جهة عقائدية أخرى، قومية سورية أو غيرها.
ويدرج المؤلفان وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في 27/02/1954 (أي عند قرار الشيشكلي الاعتكاف والخروج من سوريا بعد انقلاب الضابط مصطفى حمدون، الذي كان بعثياً وموالياً لارتباط سوريا بالنظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر) تقول: “أفاد لنا رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون بأن لبنان التزم الحياد حيال الأزمة في سوريا، وأقنع الشيشكلي بعدم العودة إلى سوريا، وأن الأخير سافر إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبد العزيز”.
سوريا بعهد الشيشكلي في مركز متقدم بين الدول النامية
يوضح المؤلفان بسام برازي وسعد فنصة مواقف العديد من القيادات السورية المختلفة بعد الانقلاب على الشيشكلي، من بينها موقف خالد العظم الذي قال: “انتقم العراقيون والبريطانيون من أديب الشيشكلي عندما أثاروا ضده عام 1954 حركة معادية في جبل الدروز، وراحوا يمدحون حزب الشعب وغيره لإثارة الفتنة ضده وإبعاده عن الحكم المعادي لهم”. فيما قال العقيد حسين الحكيم، الذي تولى رئاسة إحدى الحكومات المؤيدة للشيشكلي: “شعرت بالحزن بعد استقالة الشيشكلي ويوم سمعت باغتياله. سامي الحناوي لم يكن مسؤولاً عن مقتل محسن البرازي والشيشكلي، ولم يكن مسؤولاً عن إثارة الفتنة في جبل الدروز، ولا عن اغتيال عائلة نواف أبو غزالة الذي اغتاله في البرازيل”.
ويؤكد برازي وفنصة أن قاتل الشيشكلي كان وزير الدفاع السابق البعثي اللواء حمد عبيد (من أبناء الطائفة الدرزية في عهد البعث)، الذي اعترف بجريمته بحجة أن الشيشكلي اضطهد الطائفة الدرزية.
ويبرز الكتاب كيف أولى الشيشكلي الاقتصاد أهمية كبرى منذ تسلّمه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية عام 1953؛ إذ وجّه الحكومة لدعم الاستثمار الحر في البلاد، وسنّ القوانين المساهمة في تنظيمه ومراقبته، وأعاد قضية الموازنة العامة إلى دائرة النقاش النيابي بعد سنوات من غيابها. كما أصدر مراسيم لتشجيع الصناعات المحلية وزيادة الإنتاج، ووجّه بالاهتمام بشؤون التموين ومحاسبة المحتكرين.
ويذكر الكتاب تأثر الشيشكلي بنصائح الخبير الاقتصادي والمصرفي الألماني يالمار شاخت، التي دفعته إلى إقامة العديد من المشاريع الزراعية والصناعية التي أشرف عليها شخصياً، مستنداً إلى معرفته الأكاديمية باعتباره واحداً من خريجي المدرسة الزراعية في مدينة السلمية بمحافظة حماة، فتمكّن من تطوير النشاط والإنتاج الزراعي في البلاد بعد سنوات شهد خلالها القطاع الزراعي ركوداً، تأثر بالفساد والإهمال الحكوميين.
وقد وضعت مراسيم وقرارات الرئيس الشيشكلي سوريا في موقع متقدم بين الدول النامية، وجعلت مهاتير محمد (رئيس الوزراء الماليزي الأسبق ومهندس النهضة الماليزية) يقرّ بتأثره بتجربة الشيشكلي ورؤيته الشاملة والطموحة بعد زيارته سوريا عام 1952: “فأقسم صاحب الفضل في النهضة الماليزية بأن يجعل بلاده نسخة عن سوريا”، كما جاء في الكتاب.