بواسطة باسم سليمان | أبريل 30, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
تناولت المدونة الأدبية السورية بكافة أنواعها ثيمة الحرب، حتى كادت أن تصبح نموذجًا للانشغال بأدبيات الحروب؛ وهذا لم يكن ليتحقق إلّا بعد خمس عشرة سنة من استمرار المقتلة، جماعيًا وفرديًا، حتى الآن. هذا الانغماس في محاولة كتابة سرد أدبي للمقتلة السورية، يتجذّر في رغبة لا شعورية عند السوري بتدوين شهادته؛ وخاصة إذا كان كاتبًا يرى نفسه معنيًا أكثر من غيره بهذا الأمر. يعود هذا الهاجس، إلى حدّ ما، إلى الحراك في عام 2011 والذي تحوّل إلى ثورة ضد النظام فيما بعد، ومن ثم إلى حرب بين النظام والمعارضة، حيث عمد كتبة التاريخ، من أطراف الصراع كافة، إلى رؤية أحادية تلغي الآخر السوري حسب اصطفافه؛ من موالاة أو معارضة وغير ذلك من تحيزات وتحزّبات وطوائف وأديان، فأصبح قول التجربة الفردية مقاومة ضدّ جميع أنواع الاستلاب. ومن هذا المعطى الواقعي ظهر الأدب المهتم بثيمة الحرب كحدّ وسط بين متطرّفين، وكأنه الفضيلة الأرسطية التي لم تعد تطمح إلى الحلم بإمكانية تغيير المجتمع السوري الذي تقطعت أوصاله بين موتى وأحياء، ومهاجرين ومقيمين، وأكثرية وأقليات تارة سياسية وتارة طائفية وتارة ثالثة إثنية، وإنّما تحاول إنقاذ الفرد مادام المجتمع بشكل كلّي قد أصابه التشظي والانحلال. ولقد تأكد هذا الجحيم المجتمعي على أيام النظام السابق، ومن ثم على أيام النظام الحالي المؤقت، فلم تتوقف المقتلة، لكن الذي كان مؤتلفًا خلال سنين الحرب، قبل وبعد سقوط النظام هو الرؤية الأحادية والإصرار على تنميط الآخر ومن ثم إلغائه، قد استمر، وكأن السوري لم يعد قادرًا على تعريف ذاته إلا بإلغاء سوري آخر. ومن هنا تأتي وسطية الأدب كآخر المحاولات في إمساك العصا السورية من المنتصف.
تأخذ رواية الشاعرة والصحفية السورية سوزان إبراهيم ” كمَن ينتعل قبرًا والصادرة عن دار ميزر السويدية لعام 2025″ هيئة عود جديد يضاف إلى حزمة العيدان السورية كوصية الأب لأولاده في الموروث الشعبي لعل شيئًا ما يمتنع عن الكسر، فلا يأتي العنوان في روايتها مجرد اشتهاء تسويقي، وإنّما كبوصلة دلالات تذكر القارئ وهو يغذّ السير في محكيها، بأنّه ينتعل قبرًا، ليخفف من وطأة إصدار الأحكام في إشارة لمقول المعري عن أن أديم هذه الأرض من الأجساد، فكيف إذا كان ما ينتعله و يصدّ عنه غلظة الأرض ليس إلا قبرًا.
الأثافي الثلاثة:
تقارب الرواية حيوات ثلاث إناث كخطوط سردية أساسية، ومن خلالهن تعيد سوزان قراءة الحرب وسنواتها وفق رؤية الفيلسوف والتر بنيامين، الذي يرى أن المدونة الرسمية للتاريخ ليست هي الواقع كما جرى حتى لو تتطابقا. لم تكن عودة جوليا من الموت ستنتج مصالحة حاضرها مع الماضي والمستقبل والدفع بها إلى الامتثال لحكمة الشاعر هوراس”عش يومك”، وإنما الإمعان بالتذكر، ومحاولة إيجاد نافذة للمستقبل على الرغم من أن جميع الجدران قد تهدمت. عندما استيقظت جوليا في المشفى من موت محقق على أثر تعثر صاروخ في بيتها عرفت بأن النهايات قد كتبت، لكن لربما هناك بدايات لم تنهِ بعد سباق الماراثون السوري بالموت. جوليا صحفية تعمل على رصد الحركة الأدبية والفنية في العاصمة وفي أحد المعارض التي أقيمت لاستذكار فاتح المدرس، تلتقي بآرام المصور والدليل السياحي، فينشب بينهما حراك من الحب.
إن اختيار سوزان لعملي كل من جوليا وآرام، كان المقصد منه اطلاعهما على أكثرية الجغرافيا السورية من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب. أما المعنى الكامن في ذلك فهو بأن الرواية تغطي سنوات عديدة من المقتلة السورية من بداياتها حتى سيطرة داعش على الشرق السوري وظهور احتمالات تقسيم سورية، وعليه نرى أن التقسيم يعني بتر الجسد السوري عن بعضه البعض؛ الممثل بكل من جوليا وآرام. لا تختلف فرح عن جوليا، فلقد قادها النزوح السوري الداخلي إلى التعرّف على عدة محافظات كالرقة ودير الزور والحسكة ودمشق، لكن كانت سياحة فرح الجهنمية في زمن الحرب، بينما جوليا كانت في زمن السلم. ومن خلال هذه المفارقة تصبح المقارنة بين ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، سيظهر حجم الفجيعة السورية. ومن مقلب آخر تؤدي شهادة فرح التذكرية إلى الكشف عن تحولات الثورة من كلمة حرية ومقابلها السجن، إلى الرصاصة ومقابلها المدفع، إلى الموت ومقابله الموت، حيث تصبح الحياة لعنة يجب وأدها. وفي تصادي مع سردية فرح يأتي محكي جوليا كنداء محوّر لقصيدة السياب في “أنشودة المطر”: (أصيح: يا سورية، يا واهبَة اللؤلؤ، والمحار، والردى! فيرجعُ الصَّدَى كأنَّـه النشيجْ: يا سورية، يَا وَاهِبَة المَحَارِ وَالرَّدَى … ). لقد غاب اللؤلؤ عن الصدى، فالشروخ الزلزالية في حمص لا يمكن ردمها، والغمامة الصفراء فوق الغوطة ليست أصفر فان غوخ، والأجساد التي دفعت في الأفران في عدرا العمالية ليست أرغفة خبز، وسواد المجزرة الذي ضرب شمال اللاذقية، ليس سواد الليل المليء بالنجوم، وصيحات “الله أكبر” لم تعد إعلانًا للتظاهر وإنّما للقتل.
لا يكتمل مثلث الإناث في رواية سوزان إلا بالضلع الثالث؛ الرسامة ومهندسة الديكور رؤى تلك الشابة التي استطاع رامي بحبه لها أن يضيف لونًا ثامنًا إلى ألوان الطيف، واستطاعت هي بريشة مصنوعة من وريد وشريان رسم الحب، فيتزوجان، مع أنهما من طائفتين مختلفتين سيتم تنميطهما في سردية الحرب السورية فيما بعد، لكن لسان حالهما يقول بلسان ابن عربي: “أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه”، إلى أن جاءت الحرب التي تشبه “مرآة زوزيما” والتي ما إن يقف أمامها الشخص، كما تقص الأسطورة، حتى تخبره بمضمون قلبه. لقد أكلت الحرب من قرابتهما، فتبنّى كل منهما ثأرًا وحزنًا، فألفى ما بينهما من الحب إلى الطلاق والصمت. تشبه نساء سوزان في الرواية الأثافي الثلاثة الذي كان العربي يقيم قدره عليها، وهي أقامت سردها على إناثها الثلاثة، لكن يقال بالمثل: “رماه الله بثالثة الأثافي” أي الموت؛ حيث رقصت نساء سوزان رقصة الحب والفراق، الموت والحياة على إيقاع الحرب السورية.
الأنوثة والذكورة:
كثيرًا ما يقال: ماذا لو رويت الحرب من وجهة نظر النساء؟ وهذا ما تلعبه سوزان في روايتها عبر شخصيات إناثها الثلاثة، لكن في المقابل كان هناك ذكور، ليسوا سيئين بالمعنى المباشر، لكن هناك خصاء وجودي يشوبهم. فعلى الرغم من استماتة آرام في حبه لجوليا إلا أنه لم يستطع أن يقنعها بأن تتزوجه بشكل رسمي، مع أنها تعيش معه العلاقة كاملة، ليس لأنها لا تحبه بل لأنها تخاف أن تصبح أمّا في زمن الحرب، وبالتالي الحرب تشوه الذكورة ويصبح دور الأب غير مقنع. وعلى نفس المنوال يتخلى خالد زوج فرح عن واجباته ليتركها تواجه الحرب والفقر والنزوح لوحدها، وكأنه لم يعد يستطيع أن يلعب الدور المفترض أن يلعبه. ويتصادى رامي مع خالد وآرام، فهو الآخر، أخذته التجاذبات السياسية الطائفية إلى أن انتهى حبه لرؤى. قد تكون سوزان مجحفة بحق الذكورة في روايتها، لكن لنتذكر أن المسرحي العظيم اليوناني أريستوفان في إحدى مسرحياته الساخرة من أثينا العقل وإسبارطة العضلات، فقد ذكر بأن النساء قررن عدم ممارسة الحب مع الذكور لإجبارهم على وقف الحرب. إذن، ليس هو تحيزًا جندريًا في الرواية، ففي الحرب يتحول الذكر بشكل روتيني إلى جندي أو معتقل أو مقتول أو قاتل، فيما تبقى الأنثى في الأعم الأغلب تمارس أدوارها الطبيعية من أم وابنة وأخت وزوجة، مع خضوعها للمعاناة المباشرة وغير المباشرة من الحرب من قتل وتشريد وسجن ونزوح وموت. وبالتالي هناك جانب كبير من الحرب يغفل إن لم يعط للأنثى الحق في سرد ذاتها؛ وهذا ما كن يفعلنه إناث سوزان إبراهيم في كمن ينتعل قبرًا.
أنتيغونيات:
قد تكون نساء “كمَن ينتعل قبرًا” مثل شخصية “أنتيغون” في مسرحية سوفكليس التي تواجه الملك كريون كي تدفن أخاها في أرض بلده، على الرغم من أن الحاكم اعتبره خائنًا، لكنهن يشبهن في الوقت نفسه نساء مسرحية يوربيدس “نساء طروادة” والتي تصور نساء المدينة وما حل بهن بعد الهزيمة. لقد قدمت تلك المسرحيات نهايات لأبطالها من الإناث، لكن سوزان تترك بطلاتها معلقات، بين ثنائيات القوة والضعف، الخوف والجرأة، الهزيمة والاستسلام.
رواية “كمن ينتعل قبرًا” كتبت بإحساس عالٍ حيث يذوب الواقع في دواخل الشخصيات، وتفيض كوامن الشخصيات على الواقع. لذلك نستطيع القول بأنّ شخصيات الرواية أمسكن العصا من المنتصف مع أن كل من حولهن كان متطرفًا من السياسة إلى الدين، ومن الحياة إلى الموت، ومن المجتمع ككل إلى الفرد المفرد، ومن الحب إلى اللاحب. ولربما هذا هو دور الأدب في الحروب بقدر ما يكون جريئًا، فهو لا يطلق أحكامًا، وكأنه مسيح آخر يقول: “مَن منكم بلا خطيئة…”.
بواسطة عماد الدين موسى | أبريل 25, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
يسعى الكاتب السوري علي نضال تفاحة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والواقع عبر أدوات فنية تتجاوز النماذج الكلاسيكية، مستنداً إلى تفكيك البنى السردية الجاهزة والانفتاح على أشكال كتابية تمزج التأمل الفلسفي بالتجريب اللغوي، في سياق تفاعلٍ واعٍ مع التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة العربية.
تعكس نصوصه حساسية عالية تجاه الأسئلة الوجودية والتغيّرات الاجتماعية والتوترات الثقافية، إضافةً إلى مساءلة المسكوت عنه والاقتراب من مناطق شائكة في التجربة الإنسانية، عبر لغة مكثفة تعمل على الصورة، بما يمنح كتابته طابعاً خاصاً في المشهد الروائي المعاصر.
يتحوّل السرد في روايته “هلوسات شرق أوسطية”، الصادرة عن دار مرفأ في بيروت (2025)، إلى أداة كشف داخلي تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، إذ تقوم الرواية على بنية مركبة تتداخل فيها مستويات الزمن وتتجاور فيها الذوات الساردة، ما يخلق فضاءً نصياً كثيفاً يتطلب قراءة متأنية لتتبّع تحولات المعنى ضمن هذا النسيج المتوتر.
تتحرّك أحداث الرواية ضمن سياق شرق أوسطي مأزوم، حيث تتقاطع التحولات السياسية مع التجارب الفردية، ويتحوّل الواقع إلى سلسلة من الانكسارات المتلاحقة. تبرز في هذا الإطار، شخصية “جود المنتظر” بوصفها محوراً أساسياً، تبدأ تجربته داخل السجن حيث يبطؤ الزمن وينكفئ الوعي على الذات، ثم ينتقل إلى فضاء آخر بعد الإفراج عنه، فيجد نفسه، أمام مشهد سياسي متحوّل يفتح احتمالات جديدة.
تتقاطع مسارات شخصيات أخرى مثل “جمان المصلوب” و”لمياء البتول”، فتتوزع الحكاية بين هذه الأصوات، ما يشكل صورة متعددة الأبعاد. تمثل جمان خطاباً عاطفياً مكثفاً قائم على التماهي والتخييل، بينما تقدم لمياء مساراً مختلفاً يرتكز على التجربة الجسدية والتحولات النفسية الناتجة عنها، ما يمنح الرواية طابعاً فسيفسائياً، حيث تتكامل الحكايات في تشكيل المعنى العام.
جماليات السرد وتعدد الأصوات
تعتمد الرواية تقنية تعدد الأصوات، إذ تتناوب الشخصيات على سرد تجاربها، ما يخلق تنوعاً في زوايا الرؤية، ويرتبط هذا التعدد ببنية نصية قائمة على التشظي، ضمن شبكة من الأصوات المتجاورة والمتداخلة. حيثُ يتم الانتقال بين هذه الأصوات بانسيابية، مع احتفاظ كل صوت بخصوصيته اللغوية والنفسية؛ يميل جود إلى لغة تأملية تتداخل فيها المرجعيات الدينية مع التجربة الشخصية، بينما تتسم لغة جمان بكثافة عاطفية تميل إلى التكرار والتوكيد، وتأتي لغة لمياء محمّلة بالتفاصيل الحسية مع حضور واضح للبعد الجسدي.
يعزز هذا التنوع اللغوي ثراء النص ويمنحه قدرة على تمثيل مستويات متعددة من التجربة الإنسانية. يكتفي السرد هنا بتشكيل الأحداث عبر إعادة ترتيبها داخل بنية لغوية متوترة.
يحتل المكان موقعاً مركزياً في الرواية، إذ يتوزع بين فضاءات متعددة لكل منها دلالته الخاصة؛ يمثل السجن نقطة البداية حيث الانغلاق والعزلة والتكرار الزمني، مؤثراً في الشخصية وطريقة إدراكها لما يأتي بعده.
بعد الخروج، تتسع الجغرافيا لتشمل المدينة التي تظهر بمظهر مزدوج، يجمع بين الحيوية الظاهرية والتوتر الداخلي؛ الشوارع والمؤسسات والبيوت.. جميعها تشكّل خلفية تتحرك ضمنها الشخصيات، مع احتفاظ كل فضاء بخصوصيته.
يحمل البيت، خاصة في تجربة لمياء، دلالة مرتبطة بالذاكرة، حيث تتداخل فيه لحظات الحميمية مع الإحساس بالفقد، مانحاً المكان بعداً نفسياً ويجعله جزءاً من البنية الداخلية للشخصية. بهذا، يصبح المكان عنصراً دلالياً يشارك في بناء المعنى عبر علاقته بالشخصيات والأحداث.
الشخصيات وخصوصيتها
تُبنى الشخصيات في الرواية وفق منطق داخلي دقيق، حيث تحمل كل شخصية مجموعة تناقضات تشكّل هويتها. يظهر جود كشخصية مركبة تجمع بين البعد الديني والتجربة السياسية والوعي النقدي. فيما تقدم جمان نموذجاً مختلفاً، حيث يرتكز بناؤها على البعد العاطفي، مع حضور قوي للتخييل، يتجاوز خطابها الواقعي، ويتجه نحو تشكيل صورة مثالية، تقوم على التماهي مع موضوع الحب. بينما تتركز تجربة لمياء حول البعد الجسدي والتحولات التي تطرأ عليها. مقدّمة قراءة مختلفة للعلاقات الإنسانية وتأثير البعد الحسي في تشكيل القرارات.
يظهر الجسد في الرواية بوصفه عنصراً أساسياً في تشكيل التجربة؛ في مسار لمياء، يتخذ الجسد موقعاً مركزياً، حيث يتحول إلى محور لفهم الذات، وإعادة ترتيب الأولويات.
يرتبط حضور الجسد بالسياق والتحولات التي تمر بها الشخصية، إذ يتحول إلى وسيلة للتعامل مع الفقد وغياب الاستقرار، ما يطرح أسئلة عن العلاقة بين الجسد والهوية، وبين الرغبة والقرار.
تقول لمياء في أحد المقاطع: “أنا لمياء صاحبة الستة والعشرين ربيعًا، والتي كان جسدها قبل ذلك مجرد قوام جميل المظهر، وعلاقتها به سطحية جداً. عشتُ فيه، ومعه، ولم أعرفه جيداً. والآن أندم على تلك اللحظات، وأفرح أنني اكتشفته قبل أن أخسره”.
يفتح الاعتراف في المقطع السابق أفقاً واسعاً لقراءة الجسد بوصفه معرفة مؤجّلة، وتجربة تكتمل عبر الفقد، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة لفهم الذات ومعبر لإدراك هشاشة العلاقات الإنسانية.
تمضي الرواية في تفكيك الخطاب الأخلاقي، واضعة القارئ أمام أسئلة حادة تتصل بالرغبة والوفاء والخيانة والاحتياج، عبر لغة صريحة متوترة تنطوي على قدر عالٍ من الجرأة.
اللغة وتوتر التعبير
تتميز لغة الرواية بكثافة واسعة، حيث تتداخل المستويات التعبيرية ويكتسب السردية بعداً تصويرياً، مع ميل إلى التكثيف واستخدام التكرار لتعزيز الإيقاع. يعكس هذا التوتر طبيعة الموضوع ويتيح التعبير عن واقع متشظٍّ بلغة قادرة على احتواء هذا التشظي.
تتحرك الرواية بين الواقع والتخييل، إذ تتداخل الأحداث الواقعية مع عناصر أقرب إلى الهذيان، ما يقدم رؤية مختلفة للواقع تقوم على إعادة تشكيله من داخل الوعي.
تتحول الهلوسة إلى أداة سردية تمنح النص بعداً تأويلياً متعدد المستويات، فيما تلعب الذاكرة دوراً مركزياً في إعادة تشكيل الحاضر وفهم الذات، محدثة حركة زمنية غير خطية تتجاور فيها الأزمنة داخل النص.
تعتمد “هلوسات شرق أوسطية” على تفكيك البنية التقليدية واستبدالها ببنية مفتوحة تقوم على التعدد، مانحة نص غنى دلالياً وقدرة على تمثيل واقع شرق أوسطي معقد، مع إنتاج المعنى من داخل حالة الاضطراب المستمرة.
بواسطة دعد ديب | أبريل 15, 2026 | Cost of War, Culture, News, Reports, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم “نزوح”، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز الفيلم جائزة الجمهور Armani Beauty Audience Award ضمن قسم “أوريزونتي إكسترا” (Orizzonti Extra)في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2022، كما نال جائزة تلفزيون ARTE في مهرجان كان السينمائي، وحصل السيناريو على جائزة باومي من برلين، وجائزة سورفوند ضمن ورشة سينيفونداسيون.
يوحي عنوان الفيلم بمضمونه، إذ يضيء على واقع مشحون تعيشه أسرة محاصرة في أحد أحياء مدينة دمشق، لم يبق في المكان سواها مع عدد قليل من الجيران الذين يتهيؤون للهروب من المنطقة وسط أصوات الهاون والمتفجرات.
يصرّ ربّ الأسرة على البقاء في البيت، رغم القذائف التي أصابت البناء وأحدثت فيه فجوات متعددة تتسرّب منها الرياح ومياه الأمطار. وهو يتوجّس من فكرة أن يصبح لاجئاً أو نازحاً يستجدي المكان واللقمة عند الآخرين، وهو الذي يرى نفسه ابن عزّ ومجد، ويشعر، كرجل، أنه يمتلك القوة والقدرة على إعادة بناء منزله وترميمه من جديد وحماية أسرته. ومن هنا يأتي إصراره على الثبات وعدم الرحيل.
وسط أصوات القذائف وانهيارات الأبنية، تظهر من خلال فجوات البناء قصة حب شفيفة ورقيقة بين الابنة زينة، التي جسّدتها هالة الزين، وابن الجيران عامر، الذي أدّى دوره نزار العاني، في استعراض رومانسي لمهارات التصوير. تتخيّل زينة نفسها وسط النجوم، متأرجحة بين مجموعات الدب الأكبر والدب الأصغر والثريا، حين تسقط من الفوهة التي فتحتها القذائف إلى سرير نومها، في إشارة إلى أن الحياة لا تزال تتّسع لقصة حب فطرية مهما عظمت الخطوب وتوالت الأقدار الظالمة.
يحاكي المشهد الأساسي في الفيلم ما عاشه السوريون جميعاً خلال أربعة عشر عاماً، سواء في النزوح الداخلي أو الخارجي، وما يعنيه ذلك من إحساس عميق بالمهانة نتيجة الحاجة إلى غرباء يساعدونهم على تدبّر أمورهم الحياتية. وهنا تأتي صرخة سامر المصري في دور الأب: “نازح أنا؟ يقولوا عني نازح؟”، في استهجان صريح لما يعنيه البعد عن المكان والبيت، ذلك الذي يصفه غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”بأنه كينونة الإنسان الأولى، وركنه في العالم، ومركزه الروحي للألفة والحماية.
لكن مع فقدان الحاجات الأساسية من ماء وكهرباء ومؤونة، والحصول عليها بشق الأنفس، ينشأ صراع حول البقاء في المكان والاستمرار في العيش بهذه الطريقة. ويتفجّر هذا الصراع بين الأب والأم حين يبدأ الأب بالتفكير في تزويج طفلته من أحد المقاتلين، بعد أن جاءه سمسار الحي ليقنعه بأن هذا هو الحل الأمثل بحجة تأمين حمايتها قبل اقتحام الجيش للمكان. وهنا يغدو الحوار بين الزوجين نافذة على الذاكرة، تستدعي الواقع الاجتماعي والبيئة التي تعيش فيها الأسرة، وتاريخها في تزويج البنات وإرسالهن إلى المجهول، مروراً بزواج الأم نفسها في سن مبكرة، من دون أن يُتاح لها التفكير في قرارها أو مستقبلها. هذا التراكم من المشكلات الاجتماعية يدفع الأم إلى اتخاذ قرار الهروب والتمرّد على سلطة الأب، ومغادرة المكان مع بقية المغادرين.
تغادر الأم وابنتها عبر حطام المدينة التي تشظّت معالمها، في صورة تعكس الضريبة الباهظة من الشقاء التي تقع على النساء والأطفال في الحروب والصراعات بالدرجة الأولى. ويكتسب المحتوى البصري للمكان، بما فيه من منازل مهدّمة وشوارع فقدت تضاريسها واتجاهاتها، صفة وثائقية وعفوية، تجسّد الخلفية الصامتة للمعاناة والألم في رحلة ضياع بين الأنقاض. ثم تلتقيان بالعشرات من الأهالي الراغبين في الخروج والهروب من الأماكن المتفجرة، وسط حوار يتضمّن انتقاداً ضمنياً لمن يحملون السلاح، بوصفهم يريدون السكان دروعاً بشرية يحتمون بها.
أما الزوج، الذي تُرك وحيداً، فيصاب بهستيريا وصراع داخلي عنيف. فهو يريد البقاء في بيته، وألا تتعرض عائلته لذلّ النزوح، وأن يكون الحامي لأسرته، لكن سخرية الأقدار تجعله يفقد أسرته ويغدو وحيداً. ونراه يطارد آثارهم من مكان إلى آخر، إلى أن يصل إليهم وهم يستقلّون إحدى السيارات الموعودين فيها بالأمان، وبالوصول إلى البحر، بما يحمله من رمزية الاتساع والعمق بوصفه حلاً مأمولاً، رغم آلاف الضحايا الذين ابتلعتهم الأمواج في موجات الهروب المتتالية من جحيم الواقع. وتأخذ مطاردته للسيارة طابعاً درامياً مشوّقاً يحبس الأنفاس، إلى أن تحسم الفتاة الأمر بصراخها كي تتوقف الحافلة، وتهرع راكضة إلى أبيها في لقطة بالغة الحميمية، وسط تعنّت الأم وإصرارها على موقفها، إلى أن يعلن الأب استسلامه، وأنه سينزح معهم ويرافقهم، وأن مصيره سيبقى مرتبطاً بهم دائماً.
ومن مفارقات القدر أن يصل الإنسان السوري إلى قناعة بأن النزوح عن بيته وحارته هو الحلّ المرحّب به، بل الحلّ الذي يحفظ له حياته وكيانه، رغم أن الجميع، في الداخل والخارج، حكومةً ومعارضةً، يرفعون شعارات حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم وسلامتهم. لكن المدنيين، في نهاية المطاف، هم الشريحة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والصدام والاقتتال.
تهدي المخرجة سؤدد كنعان الفيلم إلى جميع السوريين، من بقي منهم ومن هاجر، إذ إن الجميع تحت نير المعاناة، والجميع دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وقد رأت أن إبقاء النهاية مفتوحة يعكس أن الوضع ما زال قائماً، وأن الحرب لم تنتهِ، وأن واقع اللجوء ما يزال مستمراً. كما أن النهاية المفتوحة، بشكل عام، تجعل المتلقي شريكاً في تخيّل ما ستؤول إليه الأحداث، وفق أفكاره وتصوراته، بما يضيف غنى وثراء إلى العمل.
طبعاً، فكرة الفيلم نبيلة ووجدانية، بوصفه شاهداً على زمن نتمنى ألا يعود. ولعل الواقع كان أكثر وحشية وألماً مما رأيناه، إذ عبّر الفيلم، بطريقة بسيطة وعادية، عن واقع معروف ومعاش، لكنه يبقى صوتاً في وجه استباحة الإنسان المهدور والمكشوف للحرب والتهجير والدمار.
بواسطة وداد سلوم | أبريل 2, 2026 | Culture, Poetry, العربية, بالعربية, مقالات
قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو.
تحوي المجموعة قصائد منتقاة من دواوين سابقة للشاعرة نبي، وهي: (ظهيرة حب ظهيرة حرب) و**(الموت كما لو كان خردة)** و**(كسور غير مرئية)**.
تأتي أهمية هذا الفوز ليس فقط من عراقة الجائزة ومكانتها المرموقة بين الجوائز، إذ تأسست عام 1981، ونالها شعراء عالميون، منهم ألدا ميريني وشيموس هيني، الشاعر الإيرلندي الحائز على جائزة نوبل عام 1995، فوداد هي أول شاعرة عربية تنال هذه الجائزة، التي ستكون تذكرة عبور إلى القارئ الأوروبي، ناقلة إليه صوت شاعرة نطقت بمعاناة الإنسان السوري في حربه الطويلة داخل بلاده، وحالته في المنفى بعد رحلة اللجوء، وعلى درب الحنين الذي يقضّ لياليه في بلاد الغربة، إلى بيت دمّرته الحرب وإلى حياة سابقة تحمل الجذور في الدم والجسد والروح، وإلى مدن تشبهه حتى في دمارها. وداد نبي (1985) شاعرة من كوباني (عين العرب)، عاشت في حلب، وقد عرفها القارئ السوري قبل العالم بعبارتها الشعرية التي كُتبت على الجدران كشعارات، ورافقت السوريين في أيامهم العصيبة: (أحبها تلك البلاد حتى في خرابها الأخير).
ما يوحي بذلك الحنين المتأصل انتماءً روحياً، وهو ما يجده القارئ في أغلب قصائد الديوان، إذ تتلمس تلك المشاعر والأحاسيس الحارة التي تقلب كيان الإنسان وتضعه على حافة امتحان البقاء في كل حين، وفي مواجهة الفقد. فقد أصبح الموت رفيقاً، ينغرس في تفاصيل حياة السوري الذي حمل معه إلى المكان الجديد، المنفى، تفاصيل مكانه القديم لتعيش معه، توقظه ليلاً وتئنّ في سريره وتحت جلده. وحيث يطالبه العالم أن يكون قوياً بينما كل شيء يحطمه، هكذا تصبح كل القصائد كطيور تطير باتجاه الجنوب حيث الوطن، وكل المدن الغريبة بجمالها ورونقها تجعل ألم الفقد والغربة لا يُحتمل، وتقود القلب إلى الحنين الممضّ. وكل التفاصيل اليومية التي يمارسها المرء بتلقائية تقود ذهن الشاعرة إلى الاشتياق الموجع لمن تركتهم هناك في البلاد، وخاصة الأم التي لا يُحتمل غيابها، فتحريك القهوة تراه شبيهاً بتحريك الستائر كلمسة أخيرة قبل الرحيل، ويظهر الشعر كملاذ أخير، وتعويض عن كل الخراب الحاصل في العالم، فهو الحامي من كل الخراب، ليبقى الخيار الذي تلجأ إليه بينما العالم يمضي وتنشغل الكائنات بأعمالها الصغيرة.
” ربما يكون الشعر
تعويضاً عن الخراب
الذي سيحل بالأرض
حين يموت الشعراء جميعاً
رأيته ببكاء عاشق
حينما اهالوا التراب على قبري.”
أو أن يتحول الشعر إلى تعويذة من الموت لزمن قادم:
“جرح واحد لا أدونه
إنما أخبئه كحرز لموتي القادم:
جرح الشعر الخالد.”
وفي ظل كل المعاناة التي تفرضها الحرب ورحلة اللجوء والغربة، لا تنسى نبي المعاناة المزدوجة للنساء السوريات وتلتصق بها، حيث تتضاعف المعاناة في حالة الحرب. فللنساء، كما تقول نبي، ذاكرة انتقائية تحتفظ بالمشاهد المشبعة بالألم، وتصبح المرأة السورية شبيهة المدن التي نالها القصف والتدمير. توازي الشاعرة بين جراح الحب في روح المرأة وجراح الحرب في جسد حلب، مدينتها، كما لو كانت المرأة مدينة حطمتها الحرب.
“الحب كدمات زرقاء على الجسد
كما لو كان جسد حلب في الحرب.”
تعيد وداد الصوت الأنثوي في الشعر إلى الصدارة، فتلمس ذاك الأنين القديم الذي يختزنه صوت النساء، وتحضر الأمومة والحب وموروث الصمت لدى الأمهات، الذي يعيد إنتاج آلامهن عبر الأجيال. ويحضر الجسد، الذي تراه وداد يوازي البر وسط المحيط، الذي يمنح أسباب الحياة، حيث أقام الإنسان وبنى حضارته، كما يمنح جسد المرأة انطلاق حياة جديدة، وكأنه قارة تضاف إلى قارات العالم، وهو ما يشير إليه عنوان المجموعة.
“جسدك قارة بأكملها
قارة ببحار ومحيطات /جبال ووديان /ولا يمكن لأحد ان يهتف أنا مالك هذه القارة
جسدك قارة من البرتقال في ذاكرة الزمن.”
تنطلق نبي إلى فضاء الأنثى وآفاقه الرحبة، التي يقنصها الواقع الظالم ويأسرها بقيوده، فتحدثنا حيناً عن تلك المرأة التي تشبه صورة أمها، المرأة الماهرة بتمرير القسوة، تلك المهارة التي صارت بالجينات الموروثة لدى النساء جيلاً بعد جيل، وعن تلك المرأة القوية حيناً آخر، التي تكسر معايير المجتمع لتكون حرة ونداً للآخر، رغم مخاطر الصدام التي تواجهها في كل خطوة. تقرأ وداد كيف ينظر الآخر لها في أعماقه ولا شعوره.
هكذا تنطق نبي بصوت النساء المهمشات والمكسورات واللواتي يعانين من سوء الفهم، ولا يطلبن الكثير، بل جلّ ما يطلبنه أشياء بسيطة كالحب والأمومة والطمأنينة والأمان في الشراكة، تقول:
“ركضن وراء رجال لم يفهموا يوماً لماذا تركض امرأة مشتهاة كالكرز وراء شيء بسيط كالحب.”
النساء اللواتي سيبقين كأثر لا يمكن نسيانه وإن اختفى الحب.
لكنها أيضاً تنطق بصوت المرأة الواعية بدورها وقدرتها على الفعل، وبجسدها وكينونتها، فتقدم النموذج المختلف والخارج عن القواعد كلها، عبر المرأة الكردية التي تجاوزت كل الاعتبارات لتنخرط بالعمل المسلح، فتتوجه بتحية إلى المقاتلة أرين ميركان التي نفذت عملية انتحارية في بلدتها عين العرب، واستشهدت في عام 2014، في قصيدة بعنوان “حين نرجم قلوبنا بحجارة كوباني”، تتحدث فيها عن قريتها ومعاناة الأكراد عبر تاريخ طويل من الاضطهاد.
أغلب قصائد المجموعة طويلة، تقود القارئ إلى لذة التفاصيل ومتعة القراءة، ومتصاعدة في التعبير عن الذات الإنسانية في حالاتها المتعددة وآلامها، وخاصة الأنثوية. كما تميل الجمل إلى الطول والسطر المتصل، فتحتفظ بقدرة على تأثيث فضاء القصيدة بالوصف والإشباع العاطفي والبساطة، رغم عمق التناول. لا تغلق وداد نبي على نفسها الانتماء الجندري أو القومي، بل تتسع لتشبك ذلك مع الهم السوري في أوسع أوجهه، كما في قصيدتها “احذروا الهواء في الغوطة الشرقية”، ذلك النداء الذي مات على شفاه ضحايا غاز السارين.
وهو ما أشارت إليه لجنة التحكيم برئاسة الشاعر ميكيلي برانكالي، إذ أشادت بقدرة قصائد وداد نبي على تجسيد جراح المأساة السورية، وطرح أسئلة وجودية حول الفقد والذاكرة والعلاقات الإنسانية في ظل الخراب.
بواسطة رانيا كرباج | مارس 24, 2026 | Culture, Poetry, العربية, بالعربية, مقالات
لم أنجُ بعدُ من الموت
قدمٌ هناكَ
و قدمٌ هنا…
لم أنجُ من دمي المَقهور
عقدٌ من الحربِ
يسبحُ بينَ كرياتي الحمراء
و عقدٌ من الغرورِ
يخنقُ
كلماتي البيضاء
لم أنجُ كذلكَ من الحياة
مازلتُ عالقةً بمصيدةِ عينَيك
مثل فراشةٍ ترفرفُ إلى حَتفِها
شغفٌ هناكَ
و شغفٌ هنا…
لا و لم أنجُ من
هديلِ اليمامات
و رقصةِ الضوءِ على جسدِ الظلال
من مدّي و جزري على شواطئ
القصيدةِ
مثلَ موجةٍ تطاردُ الخيال…
كلّما مرَّ طيفكَ
قلتُ ها هو
و كلّما خذلتني الأرضُ
أسندتُ رأسي إلى كتفِ السماء!
و تلكَ الأحلامُ التي نسجتُها
على غيمتي
ما تزالُ متمسّكةً بعُنقي كما الأطفال
و تلكَ التي كبّرتُها
ما تزالُ تهرولُ و ألاحقُها
لم أنجُ منّي
من جسدي المترنّحِ
مثلَ بندولِ ساعةٍ عتيقةٍ
دقّةٌ هناكَ
و دقّةٌ هنا…
من شغفي يغفو و يستَفيق
من قصةِ الفينيقِ
حينَ يطوّقُني السَّواد
من رغبتي العميقةِ
في أن أتحوّل إلى رَماد
حائرةٌ بين قمرَين
عينٌ على البياضِ
و أخرى على الليلِ الكُحلي
خائفةٌ بين قدرَين
لا
لا أريدُ أن أغمضَ عينَيَّ عن المشهد
من نافذةِ غرفتي
أسمعُ سمفونيةَ الغيمات
على شُرفتي تحومُ بضعُ نحلاتٍ
يلفحُني نسيمٌ
معطرٌ بصوتِ أبي…
ثمّ تهبُّ الحربُ فجأة
أغلقُ النوافذَ و الأبوابَ
و أفتحُ حواسي على مصاريِعها
لا
لا أريدُ كذلكَ أن أغمضَ عينَيّ
على الرغمِ من فداحةَ المشهد!
بواسطة عماد الدين موسى | مارس 21, 2026 | Culture, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
تنتمي الكاتبة السورية نجاة عبد الصمد إلى جيل من الساردين الذين دفعهم القلق المعرفي إلى تفكيك البنى الاجتماعية، والتطرّق إلى مواضيع تخصّ حياة الفئات المهمّشة، وخصوصاً المرأة في البيئات التقليدية.
وقد أصدرت عدداً من الأعمال اللافتة في الرواية والسيرة والسرد، رسّخت من خلالها أسلوبها الخاص القائم على لغة حسّاسة، تأملية، ومحمّلة بأسئلة الانتماء وتناقضاته.
وبالتزامن مع صدور روايتها الجديدة “أيتام الجبال”، كان هذا الحوار:
– في روايتكِ الأحدث “أيتام الجبال”، يطلّ الجبل كرمزٍ للهامش والعزلة والانتماء في آنٍ واحد. ما الذي دفعكِ إلى الكتابة من هذا المكان؟
أنا أكتب عمّا يشغلني ويشاغب في رأسي. لا أظنّ أن الأمر آتٍ من عزلة الجبال، أو حتى من جلالها أو غموضها أو أنفتها، بقدر ما هو صوتٌ من داخلي، لا أملك تعبيراً يفسّره بما يكفي. فقط أحسّ به، أسمعه، أشمّه، يناديني فأستسلم إليه. والأمر ينطبق على “أيتام الجبال” وكل ما سبقها. ربما هي قوة تأثير هذه الكينونة الجغرافية التي وُلدتُ ونشأتُ عند أكتافها، فاستوطنت وجداني، ولا بدّ أن تحضر في طبيعة الأفكار وتركيبة الحكايات. لو كنتُ ابنة شاطئ بحري أو جارة نهر، لما غاب البحر أو النهر عمّا سأكتب.
– هل تشعرين أنّ انتماءكِ إلى بيئة درزية محافظة جعل الكتابة بالنسبة لكِ ضرورة وجودية أكثر من كونها خياراً فنياً؟
بالتأكيد لا. الكتابة ضرورة وجودية لكلّ من أصابه مسُّها، خارج كل انتماء. قد يتدخّل انتمائي في اختيار حكايتي أو أفكاري أو خلاصاتي، وهنا أقول: نعم. تُسهم البيئة في اختيار موضوعات الكتابة عموماً، إنما سيقدّمها كلٌّ من أبناء هذه البيئة برؤى مختلفة، انطلاقاً من المخزون الثقافي والتجربة الفردية لكلّ منهم. هنا يكمن الفرق.
– إلى أي مدى يمكن اعتبار “أيتام الجبال” كتابة عن الذات المقنّعة؟
لا أظنّ أنّ ثمة رواية تخلو كلياً من ذات كاتبها، كما أنها، على التوازي، حوارٌ موصولٌ مع قارئها في أي مكانٍ في العالم، قريباً أو بعيداً عن جغرافيا الكاتب أو بيئته. من هنا، قد تظهر ذات الروائي في عمله الأدبي مقنّعة، أو صريحة، أو بين بين، بنصف لثام. الرواية الجيدة تُربك قارئها، وتورّطه في التأمل والتحليل والمقارنات، وفي إسقاطات كثيرة غير حاسمة: هل يقرأ سيرة كاتبها نفسه، الذي يتخفّى خلف اسم هذا البطل أو البطلة؟ أم يقرأ عن أحدٍ ما يعرفه القارئ في الحياة بما يكفي ليحكم: إنه جاري فلان مثلاً، بلحمه وشحمه، من أين نطّ ليحطّ هنا على الورق؟ وأكثر من هذا، قد يُفاجأ القارئ بأنه يقرأ محاكاةً لسيرته الشخصية في روايةٍ لكاتبٍ من قارّةٍ أخرى.
– البطلة “سبيل” تسافر من السويداء إلى موسكو، لكنها تظلّ أسيرة انتماء ثقيل. هل أردتِ من خلال هذا السفر الجغرافي أن تعبّري عن رحلة أخرى في الداخل؟
السفر انتقالٌ واقعيّ في الجغرافيا، نقلةٌ تكتمل بالوصول إلى وجهة المقصد، بينما رحلات النفس سائرةٌ بلا انتهاء، وسؤال الانتماء واحدٌ منها. مجرّد الانشغال بمفهوم الانتماء يولّد أسئلة كثيرة تتفرّع عنه. بعضنا يلجأ إلى الفخر به، أو تقبّله كما هو، ويعطّل تفكيره ليحمي نفسه من كلفة الأسئلة العميقة، وهؤلاء يلبثون في أمكنتهم جامدين متحجّرين. التفكير خزّان الأسئلة. معه يولد الشعور بثقل الانتماء أو خفته، بضيقه أو بسعته. ويتبعه احتجاج، قد يبدأ خافتاً ثم يشتدّ، ويتحوّل إلى سلوك ليس بالضرورة صحيحاً، يتراوح بين الضياع والتمرّد. إلى أين يفضي هذا التمرّد؟ إلى أذى الذات بالنقمة من دون تحديد هدف واضح، أم إلى ابتكار طرق للتعامل معه، وخلخلة تلك الحياة المستقرة حدّ نسفها والقفز من فوق أسوار المحيط؟ هذا ما فعلته سبيل. رحلة الداخل أفضت بها إلى قرار تغيير الجغرافيا، على أن ترحل عن مكانها وهي عارفة لماذا تفعل. كانت تنجز رحلة الداخل. كنتُ أكتب و”سبيل” تجلس فوق رأسي، أنا كاتبتها، وتدرّبني على فهم هذه المراحل. كانت معلمتي وأنا تلميذتها.
– في الرواية تتبدّى الغربة كحالة روحية أكثر من كونها تجربة جغرافية. كيف تفهمين الاغتراب في سياق مجتمع مغلق مثل مجتمع الجبل؟
هي فعلاً كذلك، والنقلة الجغرافية هنا إحدى تمارين الانفكاك من ثقلها. ثم إنّ الاغتراب ليس قرين المجتمعات المغلقة وحدها. ربما على العكس، تحمي المجتمعات المغلقة نفسها عادةً بتوطيد علاقاتها الاجتماعية، وبإعلاء شأن العائلة أو العشيرة وسواها لتجعل منها قوقعة آمنة، ما يفتقد إليه أفراد المجتمعات الخليطة وغير المتجانسة في المدن والعواصم. الشعور بالاغتراب حالة روحية يتنامى الإحساس بها طرداً مع ارتفاع منسوب وعي الفرد، من أي مجتمع كان.
– يتجلّى الأب في الرواية كظلّ ثقيل، يحضر بالغياب أكثر مما يحضر بالفعل. هل هو رمز للسلطة الأبوية، أم للغضب المقدّس الذي يطارد الأنثى الخارجة عن القطيع؟
“حسن” والد “سبيل” هو الشخصية الأكثر جدلاً من بين شخوص “أيتام الجبال”، وأعتقد أنّ رمزيته تتعدّى ما ذكرتَ في سؤالك. من مكاني أراه بطلاً لا يقلّ عن ابنته سبيل، التي قدّمته من منظورها هي، فيما لم تكن صداماته معها سوى واحدة من عدة جبهات من كل صوب، وعليه أن يقدّم نفسه كما ينبغي لرجل أن يظهر في تلك البيئة: مقموعاً وقامعاً معاً. من جهة يطيع الله وأولي الأمر، وعلى المقلب الآخر يسيّر أسرته بالصرامة المطلوبة ليضمن لها أساسيات البقاء والعيش أيضاً كما يراها هو. وفي الوقت ذاته، يتعارك حسن مع نفسه المنطوية على قناعات ورؤى داخلية أكثر انفتاحاً مما يُظهر. تلك أزمة إنساننا المحكوم ممّن هم أقوى منه، والحاكم لمن هم أضعف منه، ليظهر قمع النساء كأحد تفصيلاته، لا كهدف بحدّ ذاته، من دون أن يعي أنه بسلوكه هذا يعيد تدوير الظلم بصيغة أخرى. حسبه أنه فهم، ولو متأخراً جداً، أنه كان يحارب على الجبهة الخطأ.
– أن تكتبي من داخل الطائفة الدرزية هو مغامرة، وربما مخاطرة. كيف واجهتِ حساسية الكشف عن المسكوت عنه داخل بيئة تتجنّب البوح؟
وهل الكتابة كلّها سوى مغامرة ممتدة، استكشافٌ واكتشاف، ومخاطرة لا منتهية؟ هي مواجهتي الخاصة لنفسي، قبل بيئتي أو محيطي أو مجتمعي. وهي السبب في أنّ كتابة الرواية استغرقت 13 عاماً، منذ بدايات فصولها حتى ولدت. خلالها كنت أدرّب نفسي على قول ما أريد، كاملاً غير منقوص، وأن أضيء على الظلم المعتّم عليه، لا أن أنشغل بمدح الضياء. وحين أعود إلى قراءته، إما أن أكون راضيةً عنه، وأنه هو أنا، هذا رأيي من دون خوف ولا مواربة ولا محاباة، أو يكون عليّ نسفه. لا نحتاج أدباً لا يأتي بجديد. يكفي رفوف المكتبات ما تثقل به منه. تلك كانت رحلة عراكي مع نفسي: أن الأدب الحقيقي يُمتع بقراءته. أما أفكاره، فليس عليها أن تطمئن القارئ، من داخل هذه البيئة أم من خارجها، بتقديم ما يريحه، بل عليها أن تحكّ، أن تصرخ، أن تُزعج، وأن تقلقل اليقينيّات. تلك هي رسالة الأدب!
– هل تعتبرين “أيتام الجبال” تمريناً في المصالحة مع الانتماء، أم في التمرّد عليه؟
نعم، هي تمرين، بل تمارين، يتخلّلها الكثير من الحذف والإضافات وتدوير الزوايا. لا تأتي المصالحة مع الانتماء إلا بعد رحلة وعي طويلة وممتدة، وسيكون التمرّد بالتأكيد أحد مراحلها، وليس بالضرورة أن تفضي هذه الرحلة إلى مصالحة كلية. الفرق في أدوات هذا التمرّد، وفي رسم خطة لإنجازه. التمرّد ثورة، ولا تقوم الثورة إلا على قضية، وعلى خطة لإنجازها. في رحلة التمرّد المدروس، سوف يتكشف لنا أنّ القطيعة الكلية مع الانتماء مستحيلة، إنما سندرك خلالها ما الذي علينا أن نتشبّث به أو نتخلّى عنه.
– في الرواية تظهر النساء ككائنات صامتة يحمّلن التاريخ كله في صمتهن. هل يمكن القول إنك تكتبين من أجل إعطاء صوتٍ لهؤلاء النساء؟
ليست كل النساء كائنات صامتة في “أيتام الجبال”. مهجة وسبيل مثالان على عكس ذلك، وهما في الوقت نفسه يؤكدان واقع الحال. ندرة النساء القابضات على مصائرهن تؤكّد أن أصوات البقية مستلبة، في حين أنّ هؤلاء غير المرئيات يصنعن، بفطرتهن، أساسيات الحياة من إنجاب وطبخ وتنظيف وتربية أطفال واحتواء للأسرة وتدبير لمشكلاتها. حين تتغلغل الرواية في تفاصيل حيوات هؤلاء النساء، فهي تمارس طبيعتها، ليس فقط في حمل أصوات هؤلاء النساء، وكل المهمّشين، من عزلتهنّ إلى فضاء الحياة الرحب، بل أيضاً في إدخالها إلى عقل القارئ، وإجباره على إمعان النظر، وعلى التفكير، وعلى صحوة ضميره، على الأقل ليعيد إليهن الاعتبار الإنساني، ومن ثمّ الاعتراف بدورهن في حياته شخصياً وفي فضائهن العام.
– اللغة في الرواية بطيئة، متأملة، تشبه الصعود في طريق جبلي. كيف تعملين على بناء هذا الإيقاع البطيء في الجملة السردية؟
للمتلقي أن يحدّد إن كان الإيقاع بطيئاً أم لا. أنا شخصياً لا أظنّ أنّ إيقاع اللغة في “أيتام الجبال” بطيء. لقد تقصّدتُ أن أجعله مهرولاً، لاهثاً، كما أنفاس سبيل وهي تروي. هو تماماً كما أسميتَه أنت: الصعود في طريق جبلي. أنت لن تسلم من اللهاث، وأنت مضطرّ إلى بذل جهد لمتابعة الصعود، ومضطرّ إلى الاحتساب من وعورة هذا الطريق. وفي الوقت ذاته، لن تستطيع إغماض عينيك عن كثافة الجمال على جنباته.
– لغة الرواية تميل إلى الشعرية المكثفة. هل تنطلقين من الحسّ اللغوي أم من الصورة؟
أستعين بقول محمود درويش: “أنا لغتي، لغتي أنا”. الكتابة عالمي. وهي عندي، في أحد وجوهها، مغازلة مع اللغة. هذا ما أعيشه. أبني كلماتي كما لو أنها لوحة كثيفة ودقيقة. لا تمنحني المفردة، أو الجملة، نفسها إلا بعد طول تفكير.
– كيف تلقيتِ ردود الفعل الأولى حول الرواية، خاصة أنها تلامس مناطق حساسة في الوعي الجمعي للطائفة والمجتمع؟
هنا لا بدّ من التوقف عند مصادفة فريدة، هي تزامن صدور الرواية مع المذبحة المفاجئة والهائلة التي ارتكبتها السلطة السورية المؤقتة بحق الدروز فقط لأنهم دروز. وفي حين استغرقت كتابة هذه الرواية مني، كما ذكرتُ أعلاه، ثلاثة عشر عاماً، فقد جاءت تلك المذبحة بعد أسبوعين فقط من صدورها. وقد قرأتُ مرة، ولا أتذكّر القائل: “لا واقع سوى الصدفة”. من هنا قد يبدو الأمر، في ظاهره، مصادفة، وقد يكون نبوءة لا تولد إلا بعد اكتمال دواعيها.
في كتابة “أيتام الجبال”، كنتُ أمدّ يديّ باتجاهين: واحد إلى داخل مجتمعنا الدرزي لنعيد التفكير في بنيانه، والثاني إلى الآخر، أية جماعة كانت، ممّن لا يعرفون الكثير عن مجتمع الدروز، أو وصلت إليهم عنه بعض الخرافات المؤذية المصنوعة عن قصد لإذكاء الخوف منه وشيطنته. وأدرك أن محتوى الرواية قد يثير هجوماً على صاحبتها من داخل مجتمعها ومن خارجه.
حتى اليوم، وبعد خمسة أشهر على صدورها، يشتدّ إيماني بدور الأدب، الجمالي والفكري معاً. معظم المراجعات التي وصلتني من القرّاء، والمقالات الكثيرة التي كُتبت عنها، تتوقف كثيراً عند جماليات الفن السردي، على التوازي مع التأكيد على كمّ المعلومات عن الديانة الدرزية، كعقيدة وعبادات، التي لم يسبق أن وردت بهذا القدر من التفصيل في النتاج الروائي، إضافة إلى قضايا أساسية تتضمنها “أيتام الجبال” أيضاً، منها سؤال الهوية والانتماء والاغتراب الروحي، وقضايا تعليم النساء وعمالة الأطفال، وغيرها.
– هل ترين أن الرواية قادرة على تفكيك ذاكرة جماعية مغلقة مثل ذاكرة الجبل؟
الرواية الجيدة، بنتاجها الجمعي، أي مجموع أعمال كاتبها ونتاج باقي مبدعيها، قادرة على كل شيء، كل شيء.
– لو عدتِ إلى الطفلة التي كانت ترعى البقرة وتحلم بالتعليم كما في الرواية، ماذا تقولين لها اليوم بعد صدور “أيتام الجبال”؟
احلمي، اجتهدي، قاتلي من أجل حلمك، على أن تتعلمي فنون القتال وأدواته.. ثم تشبّثي بحلمك حتى حين تصبحين في الخمسين، الستين، السبعين، المئة.. فـ”الحلم جنين الواقع”، على رأي مولانا الحلّاج.