سوريا الجديدة والحضور النسائي في المشهد الوطني والسياسي العام 

سوريا الجديدة والحضور النسائي في المشهد الوطني والسياسي العام 

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار والتضحيات الكبيرة التي قدّمنها خلال الثورة والحرب، ورغم أهمية وضرورة حضورهن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، التي تحتاج لإعادة إصلاح وترميم المنظومة الإجتماعية والمدنية التي تأثَّرت بظروف الحرب ومظاهر العسكرة وانتشار السلاح، يتم إقصاؤهن، بشكلٍ يكاد يكون مُمنهجاً، عن مراكز صنع القرار، والمناصب الوطنية القيادية الفاعلة، وعن أي شراكةٍ حقيقية في مواقع التأثير، كما يتم تَهميشهنَّ سياسياً وإجتماعياً، بشكلٍ يَغَفل حجم عطائهن ومدى تأثيرهن الكبير في بناء المجتمع، في مشهدٍ بات يراه كثيرون أنه يُرسّخ  ثقافة السلطة الذكورية، ويُثير الكثير من القلق والمخاوف حول واقع النساء في سوريا مستقبلاً.  

غياب عن المناصب القيادية ومراكز صنع القرار 

بحسب مؤشر تمثيل النساء السوريات، خلال الرُبع الأول من العام الحالي، والذي يعتمد على القرارات والمراسيم الرسمية والتعيينات الإدارية المركزية والمحلية، يبدو واضحاً حجم الغياب الكبير للنساء عن المناصب العُليا في مؤسسة الرئاسة والوزارات السيادية ومراكز صنع القرار، فمن أصل 437 موقع مسؤولية، يوجد فقط 28 امرأة مُقابل 409 رجل، فيما لم تَشغل النساء سوى أربعة مناصب (وزيرة وثلاث معاونات وزراء) من أصل 87 منصباً في الحكومة، أي ما نسبته 4،60 %، ولم يتجاوز حضورهن في المؤسسات والمديريات والهيئات المركزية نسبة 2،94% ، وغالباً ما ينحصر حضورهن في مواقع تتعلق بشؤون التعليم والأسرة والمجتمع، ويرتبط بالأدوار الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي تحاول إبعادها عن مواقع النفوذ والتأثير. 

 ويتركز حضور النساء غالباً في مؤسسات ومديريات ذات طابع خدمي واجتماعي، مثل التربية والشؤون الاجتماعية والعمل، فيما يغيب حضورهن بشكلٍ تام عن رئاسة الهيئات الوطنية الجديدة، ومنصب المُحافظ، ورئاسة مجالس المدن، ورئاسة النقابات المركزية، وحتى رئاسة الجامعات الحكومية، وتنحصر مناصبهنَّ في مجالاتٍ محددة، مثل: عضوات مكاتب تنفيذية، ومديرات في بعض القطاعات الاجتماعية وبعض المجالس والنقابات الفرعية. وقد بلغت نسبة تمثيل النساء في الإدارة المحلية والمديريات الرئيسية 5،23 % فقط، وهي نسبة تعكس محدودية مشاركتهن في مواقع صنع القرارات المحلية، حيث ينحصر حضورهن ضمن المكاتب التنفيذية لأربع محافظاتٍ فقط، فيما يغيب عن معظم المديريات المرتبطة بالقطاعات الأمنية والاقتصادية والسيادية الأكثر تأثيراً على مستوى الإدارة المحلية، وكل ما يتعلق برسم السياسات العامة للدولة.   

وبحسب المؤشر، بلغت  نسبة تمثيل النساء في النقابات 9،2 %، وهي تُشكِّل أعلى تمثيلٍ نسائي، ورغم ذلك بَقيت المواقع القيادية حكراً على الرجال، إذ لم تصل النساء إلى أي مناصب عُليا، ولم يترأسن أي نقابةٍ حتى ولو كانت فرعية، ليقتصر حضورهن على عضوية المكاتب التنفيذية والمجالس النقابية، وذلك على الرغم من التوازن العددي بين الجنسين داخل أغلب النقابات، كما أن تمثيلهن المحدود في النقابات لم يأتِ نتيجة عملياتٍ انتخابية ضمن إطار القوانين النقابية، وإنما جاء ضمن التعيينات التي أقرتها الحكومة، وهو ما رآه البعض تهميشاً ممنهجاً من قِبلها بحق النساء. 

وبالنظر إلى تلك الأرقام يبدو واضحاً حجم  تدني نسبة تمثيل النساء مقابل الرجال في سوريا، وهي نسبة تبتعد كثيراً عن معدل الكتلة الحرجة التي تتبناها الأمم المتحدة، والتي أقرَّت بأن نسبة تمثيل النساء يجب أن تصل، في الحد الأدنى، إلى 30 %، وصولاً للمساواة الكاملة مستقبلاً.  

النساء والتمثيل البرلماني  

مع إعادة تشكيل وهيكلة مجلس الشعب، في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لم تُشكّل نسبة تمثيل النساء في المجلس سوى  10.63% فمن أصل 210 عضواً، هناك 22 امرأة فقط، وذلك على الرغم من أن النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب قد حدّد نسبة لا تقل عن 20% لتمثيل المرأة في الهيئات الانتخابية. وبما أن آلية انتقاء الأعضاء لم تكن عبر صناديق الانتخابات، فبالتالي لم يكن هناك حالة تنافسية بين المُرشحين تُعبِّر بشكلٍ حقيقي عن صوت وتطلعات الشعب، إذ تم اختيار ثلثي الأعضاء (140 عضواَ) عبر الهيئات الناخبة المُعيَّنة من قبل الرئيس أحمد الشرع، والتي اختارت سبع نساء فقط، فيما اختير الثلث الباقي (70 عضواً) من قبل الرئيس بشكلٍ مباشر، ومن بينهم 15 امرأة. وقد بدا واضحاً أن معظم النساء المُعينات في المجلس، إما مقرباتٍ من السلطة، أو يحملن توجُّهاً سياسياً وفكرياً مُتقارباً، يتقاطع بشكلٍ أو بآخر مع نهجها وسياستها، وهو ما جعل التمثيل النسائي البرلماني، القليل أصلاً، لا يُحاكي تنوع المجتمع السوري، ولا يُمثِّل مختلف شرائحه ومكوناته، على اختلاف توجهاتها الفكرية والثقافية والسياسية. 

ومع تراجع نسبة المشاركة البرلمانية للنساء، احتلت سوريا المرتبة 162 عالمياً، لتصبح ضمن قائمة آخر عشر دول في العالم تُسجّل أدنى نسبة تمثيل للمرأة في البرلمان،  وهي نسبة لم تصل حتى إلى النسبة (20%) التي اقترحها النظام الانتخابي لمجلس الشعب.   

 الخطاب الإقصائي في الإعلام والمشهد العام

من خلال متابعة وسائل الإعلام الرسمية سيُلاحظ تغّييب النساء بشكلٍ واضح عن المشهد الإعلامي، فعلى سبيل المثال، خلال إطلاق الحملة الترويجية لقناة “الإخبارية السورية”، ورغم وجود إعلامياتٍ ومُذيعات ضمن فريق القناة، التي يُفترض أنها تُمثِّل صوت جميع السوريات والسوريين، كان واضحاً حجم تهميشهن وعدم إظهارهن في المراكز والمواقع الأساسية للقناة، مُقابل التركيز الكبير على الإعلاميين الذكور وإبرازهم بأبهى صورهم وحضورهم الإعلامي، سواء في  الفيديوهات المُصورة من داخل الاستديوهات أو التي صَوَّرت زيارة وفدٍ من الناشطين والإعلاميين للإطلاع على مُجريات العمل قبل إطلاق القناة. وخلال لقاء للرئيس الشرع مع عدد من الإعلاميين والناشطين وما يُسمى بـ”المؤثرين” و”صُناع المحتوى” كان واضحاً من الصورة التي التُقِطت خلال اللقاء، حجم الغياب الكبير للنساء، إذ لم يظهر فيها سوى امرأة واحدة مقابل عشرات الرجال. 

وفي مثالٍ آخر، وخلال نشر البوستر الإعلاني  لمؤتمر تطوير طب حديثي الولادة، الذي نظمته نقابة أطباء سوريا/ فرع حماة، وبينما وُضعت الصور الشخصية للأطباء الرجال على البوستر، ظهرت صور الطبيبات المشاركات في المؤتمر بطريقةٍ كرتونية بدلاً من وضع صورهن الشخصية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثيرون أن ذلك السلوك يُمثل انتقاصاً من قيمة الطبيبات. 

ومن الأمثلة الأخرى التي تُكرّس ثقافة الخطاب الإقصائي، صدور عددٍ من القرارات التمييزية الغريبة التي تتناقض مع أبسط قواعد العدالة والمساواة بين الجنسين في الأماكن العامة وبيئات العمل، كقرار فصل النساء عن الرجال في ساحة الجامع الأموي، وقرار مدير مستشفى المواساة، الذي يقضي بجلوس الطبيبات وجميع العاملات في المستشفى في القسم الخلفي للباصات المُخصصة لنقل الموظفين، فيما يجلس الأطباء والموظفين الذكور في الجزء الأمامي. 

 ويرى كثيرون من مُتابعي الإعلام الرسمي أنه يحاول إبراز الرجال وحدهم في صدارة المشهد، ويُرسِّخهم في مواقع السلطة والمبادرة، مقابل دفع النساء إلى الهامش، حتى ولو كنّ حاضرات بالفعل في كثيرٍ من المجالات. كما أن ارتفاع سقف الخطاب السياسي، الذي يتبنى مبادئ “الشرعية الثورية” وشعار “من يُحرّر يقرر”، بات يُكرِّس، عن قصدٍ أو دون قصد، تهميش النساء وإقصاءهن عن الفضاء العام، ويجعل أدوارهنّ محدودةً، وفي أحسن الأحوال يُمكن الاستعانة بحضورهن فقط عند الحاجة إلى تلميع  صورة النظام الحالي أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.  

وتحاول اليوم بعض الخطابات الشعبوية الإقصائية المواربة، التي انتشرت في كثيرٍ من المجتمعات السورية، إعادة تعريف دور النساء، بما ينسجم مع إيديولوجياتها الدينية والسلطوية، عَبر نشر أفكارٍ تتعلق بتبعية المرأة للرجل، وتكريس صور النساء فقط في الأدوار الرعائية، وإظهارهن كأمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ للرجال، وإظهار كثير من الأدوار النسائية على أنها مُخلّة بالآداب العامة وتُشكِّل خطراً على المرأة، وهو ما نشر حالة من الخوف بين النساء الراغبات بالمشاركة في الشأن العام، وخاصة في بعض الأرياف والمجتمعات المُحافظة.   

اللجوء إلى مواقع التواصل الإجتماعي 

في ظل ما تتعرض له النساء من إقصاء عن مواقع التأثير والفضاء العام، ومن تضييقٍ على المشاركة في الحياة السياسية، لجأت الكثيرات منهن إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، لعلهن يجدن فيها مساحة للتعبير عن آرائهن وللدفاع عن مواقفهن وإثبات وجودهنّ في الميدان السياسي والفضاء العام بأي طريقة، لكنّ تلك المساحة  ضاقت بوجه الكثيرات منهن أيضاً، بعد أن تحول النقد والتعبير عن الرأي إلى فعلٍ محفوف بالمخاطر، حيث تعرض عدد من الناشطات والصحافيات لحملات مُنظمة من التشهير والتحريض، بهدف إخراس أصواتهنّ وإبعادهن عن الميدان السياسي بأي  ثمن، وهو ما أجبر بعضهن، خاصة بعد تعرضهن إلى تهديدات وشتائم ذات طابع جنسي، على حذف منشوراتهن التي تنتقد الحكومة  وتتحدث عن السياسة وتهميش النساء، وذلك  في ظل غياب أية مؤسساتٍ قانونية يمكنهن اللجوء إليها، وغياب الأحزاب السياسية الذي يُبقي تأثيرهن وفعاليتهن السياسية محدودة ومُشتتة.

تحتاج البلاد اليوم، وبصورة مستعجلة، إلى إعادة الاعتبار للمرأة، بوصفها شريكة فاعلة ومؤثِّرة في بناء سوريا الجديدة، ويُشكِّل تمثيلها وحضورها الفاعل جوهر عملية التحول الديمقراطي المنشود، وهو ما يحتاج إلى إعادة هيكلة لجميع المنظومات السياسية والثقافية والقانونية بطريقةٍ ناجعة تضمن مشاركة متكافئة لكلا الجنسين، وتمنح المرأة تمثيلاً حقيقياً ومُستداماً في المجتمع، وجميع المؤسسات والمجالس ومواقع القرار، كما ينبغي أن تكون تلك المشاركة ليست مُجرد استجابة للضغوط الدولية أو محاولة لإظهار خطابٍ مُعاصر يُلمّع صورة السلطة، وإنما استجابة طبيعية للدور التاريخي للمرأة، وطنياً وإجتماعياً وإنسانياً، وإيماناً راسخاً بأن إعادة بناء البلاد تتطلب طاقات وعقول جميع أبنائها، من كلا الجنسين. 

انتهت الحرب بسوريا لكنّ غودو لم يعد بعدْ

انتهت الحرب بسوريا لكنّ غودو لم يعد بعدْ

في مسرحية “في انتظار غودو“، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب “صمويل بيكيت” مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة. وحين يطول الانتظار، لا يعود الإنسان يسأل متى سيتغير الواقع، بل يتكيف مع فكرة أنّ المستقبل قد لا يصل أبداً كما تخيله. وربما لهذا تبدو سوريا اليوم أمام تحدٍ يتجاوز انتهاء المعارك. فمع انحسار المواجهات العسكرية، والحديث المتزايد عن رفع العقوبات، وعودة الشركات، وخطط إعادة الإعمار، ما يزال كثير من السوريين ينظرون إلى الغد بحذر. ليست المشكلة أنهم لا يرون مؤشرات التحسن، بل أنهم لم يعودوا يثقون بسهولة بأنّ الزمن سيواصل السير في الاتجاه نفسه. فالحرب لا تترك وراءها مدناً مهدمة فقط، بل تترك علاقة مضطربة مع المستقبل، يصبح معها الاستقرار احتمالاً أكثر منه يقيناً.

تشيرُ تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ الاقتصاد السوري انكمش إلى أقل من نصفِ حجمه مقارنة بما قبل عام 2011، ومع ذلك فإنّ الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تفسر وحدها المزاج العام. فالاقتصاد يمكن أن يبدأ بالتعافي بمجرد عودة النشاط والإنتاج، أما الإنسان فلا يتعافى بالسرعة نفسها، لأنّ ما تضرر خلال سنوات الحرب لم يكن الدخل وحده، بل الإحساس بأنّ الغد يمكن التخطيط له. كما تؤكد دراسات المجتمعات الخارجة من النزاعات أن آثار الحرب تستمرُ طويلًا بعد توقف القتال. فوقف إطلاق النار لا يعيد تلقائياً أنماط الحياة السابقة، ولا يعيد الثقة بالمؤسسات أو القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وتشير تقديرات البنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة إلى أنّ التعافي الاقتصادي كثيرًا ما يسبق التعافي الاجتماعي، لأنّ الأسواق تستطيع استئناف نشاطها بدافع الحاجة، بينما يحتاج الشعور بالأمان إلى تجارب متكررة تثبت أنّ الاستقرار أصبح قاعدة لا استثناء.

لعلّ أشد ما تفعله الحرب قسوة أنها تغيّر علاقة الإنسان بالزمن. ففي الظروف الطبيعية، يبني الناس حياتهم على افتراض بسيط: أنّ الغد سيكون امتداداً لليوم. أما في سنوات النزاع فيصبح هذا الافتراض نفسه محل شك. يتراجع التفكير البعيد، وتغدو الأولوية للنجاة من الأسبوع المقبل، أو حتى من اليوم التالي. ومع مرور الوقت لا يبقى هذا السلوك مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى عادة ذهنية تستمر حتى بعد زوالِ أسبابها.

في أحد مقاهي دمشق، كان الحديث يدور حول مشروعٍ صغير يخطط أحد الأصدقاء لإطلاقه. استمع الجميع باهتمام، ثم قال أحدهم بعد لحظة صمت: “استنى شوي، خلي الأمور تثبت”. لم يناقش جدوى المشروع ولا مصادر تمويله، بل علّق القرار كله على الزمن. وكأنّ المشكلة لم تعد في الفكرة، بل في السؤال الأعمق: هل يمكن الوثوق بأنّ الغد لن ينقلب فجأة على اليوم؟ لهذا في الأحاديث اليومية تتكرر عبارات مثل: “لسه بكير”  و”خلينا ننتظر”، و”ما حدا بيعرف شو بصير”. قد تبدو كلمات عابرة، لكنها تعكس طريقة كاملة في قراءة الواقع. فالحرب علمت الناس أنّ الخطط قد تنهار بين ليلة وضحاها، وأنّ النجاح الحقيقي كان في القدرة على تعديل المسار بسرعة، لا في الالتزام بخطة طويلة. وما كان يوماً استجابة عقلانية لسنوات الفوضى قد يتحول اليوم إلى عائق أمام أيّ بداية جديدة.

الأمر هنا لا يتعلق بالتشاؤم بقدر ما يتعلق بالذاكرة. فالذاكرة لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تحفظ أيضاً الإيقاع الذي عاشت عليه. سنوات الانقطاع المتكرر، في العمل والدخل والخدمات وحتى في المكان، تجعل الحذر يبدو أكثر حكمة من التفاؤل، لأنّ التجربة علمت أصحابها أنّ الاستقرار قد يكون مؤقتاً. وهكذا يصبح الزمن نفسه موضع اختبار دائم، ويغدو الانتظار خياراً يبدو أكثر أماناً من المبادرة. وهذه ليست خصوصية سورية. ففي البوسنة والهرسك، بدأت الأسواق وإعادة الإعمار تستعيدُ نشاطها بعد اتفاق دايتون بوتيرة أسرع من استعادة العلاقات الاجتماعية عافيتها، إذ احتاجت المجتمعات المحلية سنوات حتى تتجاوز آثار الانقسام. وفي رواندا، لم يكن النمو الاقتصادي بعد عام 1994 كافي لطي صفحة الإبادة الجماعية، بل رافقته جهود طويلة للمصالحة والعدالة المجتمعية، لأنّ إعادة بناء الإنسان استغرقت زمناً أطول من إعادة بناء الاقتصاد. وحتى في لبنان، ظل منطق الحذر حاضراً في السياسة والاقتصاد بعد انتهاء الحرب الأهلية وكأنّ الماضي بقي يقيس احتمالات المستقبل.

ومن هنا يمكن لنا فهم مفارقة الاستثمار. فكثيراً ما يُنظر إليه باعتباره أموالاً تبحث عن فرص، لكنهُ رهان على الزمن في جوهره . المستثمر لا يشتري الحاضر، بل يشتري ما يتوقع أن يكون عليه الغد. ولهذا لا تكفي الحوافز أو التصريحات لجذب رؤوس الأموال، إذا بقيت القواعد متقلبة، أو ظل المستقبل غامضاً. فكلما انخفضت القدرة على التنبؤ، ارتفعت كلفة القرار حتى لو بدت الفرص الاقتصادية واعدة. والأمر نفسه ينطبق على الناس. شراء منزل، أو افتتاح مشروع، أو العودة من اللجوء، أو حتى اتخاذ قرار بالزواج والإنجاب، ليست قرارات اقتصادية فحسب، بل رهانات على أنّ المستقبل سيكون أكثر استقراراً من الحاضر. ولذلك فإنّ إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء الإحساس بأنّ الزمن عاد يسير بصورة طبيعية.

الحرب، إذاً؛ قد تنتهي بوصفها حدثاً عسكرياً وسياسياً لكنها لن تنتهي في وجدان الناس بالسرعة نفسها. واستعادة الحياة لا تتحقق بمجرد توقف القتال، إنما حين يصبح الأمن اليومي واقعاً وتستقر المؤسسات على قواعد واضحة، وتستعيد الخدمات والاقتصاد قدرتها على منح الناس ما هو أثمن من الدخل؛ القدرة على التخطيط.

في نهاية “في انتظار غودو“؛ يقرر الرجلان أن يغادرا، لكنهما لا يتحركان. ليست المشكلة أنهما لا يعرفان الطريق، بل أنّ الانتظار أصبح عالمهما الوحيد. وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب؛ أن لا يتحول الحذر الذي كان ضرورة للبقاء، إلى أسلوبٍ دائم في الحياة. سوريا الجديدة لن تُقاس بعدد الأبنية التي ستُشيَّد، ولا بحجم الاستثمارات التي ستدخلها، بل باليوم الذي يتوقف فيه السوري عن انتظارِ استقرار الغد، لأنهُ أصبح يعيش استقرار اليوم. عندها فقط يمكن القول إنّ الحرب انتهت حقاً، ليس في الخرائط العسكرية وحدها بل في الزمن الذي يحمله الناس داخلهم.

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

يُقال إن رئيس اتحاد الكتّاب العرب الأسبق، الدكتور حسين جمعة، لم يكن يعترف بقصيدة النثر ولا يعدّها شعراً؛ فالشعر عنده كان ما نُظم على بحور الخليل فقط.

كان ذلك مجرد رأي، ورغم أنه كان يترأس مؤسسة ثقافية، فإنه لم يعمل على إقصاء من يكتبون قصيدة النثر، ولم يحارب هذا الجنس الأدبي الذي أثار نقاشات وتجاذبات كثيرة على مدى عقود.

ولم يكن هذا الرأي حكراً على الدكتور حسين جمعة، بل كان رأي كثيرين من أقطاب القصيدة التقليدية. وقد سبقه إليه الشاعر نديم محمد، الذي اتسم نتاجه بتجديد الصورة الشعرية. ورغم ذلك، عندما قرأ له الشاعر خير الله علي نصاً من قصيدة نثرية، قال: «هذا كلام أدبي جميل، لكن لا تقل لي إنه شعر».

القصيدة التقليدية والحديثة، سواء أكانت تفعيلة أم نثرية، والرواية والقصة، والفن التشكيلي والسينما، والدراما والمسرح، إضافة إلى الموروث المتراكم تاريخياً، كلها تشكّل مشتركاً ثقافياً إبداعياً لا ينتمي إلى فئة دون أخرى. لكن، في الفترة الأخيرة، ومع ما حدث في سورية، يبدو أن هذا المشترك أصابه الانقسام كما أصاب معظم فعاليات المجتمع السوري. ولم يقم هذا الانقسام على أساس نقدي أو إبداعي، بل على أسس أخرى.

اصطفاف ثقافي بمضمون سياسي

أوردنا ما سبق مثالاً على اختلاف الرأي في مسألة إبداعية نجم عنها نقاش وجدال امتدا لعقود، لكنهما لم يؤديا إلى اصطفاف كالذي نراه اليوم في الواقع السوري، والذي يبدو متماشياً مع الاصطفافات الأخرى.

يعكس الراهن الثقافي السوري الواقعين السياسي والاجتماعي، وهذا أمر معروف في هذا الشرق منذ زمن طويل، في ظل العلاقة المعروفة بين المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، والنشاط والفعاليات الثقافية من جهة أخرى.

كانت التغييرات التي اعترت هذا الواقع واضحة تماماً، سواء من حيث الفعاليات أو من خلال سمات الخطاب الثقافي المعتمد، الذي ينحو نحو الأصولية بما يوحي بأنه موازٍ للأصوليات الأخرى.

من المعتاد أن تعمد السلطة السياسية إلى فرض ثقافتها التي تؤسس لأيديولوجيتها وترفدها، وتصبح هذه الثقافة في علاقة تفاعلية مع مكونات السلطة. وهذا ما نراه بوضوح في سورية الآن، إذ يفرض ذلك على الثقافة المقابلة والمناقضة لها صبغة سياسية قد لا تكون تسعى إليها، ويضعها في موقع المعارضة ثقافياً وسياسياً.

ولا بد لهذا الاصطفاف من أن يفرض توتراً ثقافياً ذا أطياف سياسية واجتماعية، قد يصل إلى درجة رفض الآخر ثقافياً، والتقليل من شأن مبدعين معروفين، وإهمال المنجز الإبداعي على أساس التوافق أو عدمه، ووفق معايير تتجاوز الشللية المعروفة.

إقصاء إبداعي وثقافي

أسرّ لي مدير مركز ثقافي بأن هناك أسماء لمبدعين وكتّاب ممنوعين من اعتلاء منابر وزارة الثقافة بمختلف مؤسساتها. وأضاف أن هذا المنع قام على أساس علاقة مفترضة بالسلطة السابقة، تُفهم على أنها تأييد لها. كما أن هناك من لا يندرج ضمن هذا التصنيف، لكن ما يقدّمه من مادة ثقافية لا ينسجم مع توجهات وزارة الثقافة الجديدة.

ويؤكد ذلك غياب كثير من الأسماء التي كانت تساهم في الحراك الثقافي السوري، وبروز أسماء أخرى غير معروفة، وليس لديها منجز ثقافي معروف أو ذو قيمة قياساً بمن جرى تغييبهم. والسمة الغالبة على منجز هؤلاء هي التقليدية والالتزام بالكلاسيكية الشعرية بنمطها الأقرب إلى العصرين الأموي والعباسي، سواء من ناحية القاموس اللغوي أو المعالجة الشعرية لحالات سالفة تناولتها كثير من القصائد والنصوص.

ولا يقتصر ذلك على وزارة الثقافة، بل يتجاوزها إلى وزارة الإعلام ومؤسساتها، ولا سيما القنوات الإعلامية الوطنية، حيث يجري التركيز على أسماء معينة وجوانب إبداعية محددة، مع استثناءات قليلة. وينطبق الأمر أيضاً على قنوات أخرى مناصرة للسلطة، مثل تلفزيون سورية، الذي يبث برنامجاً عن الشعر يقتصر على الشعر الخليلي وعلى أسماء تنتمي إلى طيف واحد تقريباً.

في المقابل، هناك انكفاء طوعي لكثير من المبدعين والمثقفين الذين كانوا ينشطون في الفضاء الثقافي السوري، وابتعاد عن المشاركة والحضور في المؤسسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية. ونلمس ذلك في ابتعادهم عن نشاطات المراكز الثقافية واتحاد الكتّاب العرب بفروعه الموزعة في المحافظات والمناطق السورية، وكذلك في غيابهم عن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ولجوئهم إلى المقاهي الثقافية لإقامة نشاطاتهم، رغم ضيق هذه المقاهي وعدم ملاءمتها لمثل هذه الأنشطة من حيث المساحة والتصميم والطابع العام.

ولم يقتصر الإقصاء والانكفاء على النتاج الكتابي وحده، بل وصلا إلى فعاليات أخرى كالدراما. فقد عمدت نقابة الفنانين إلى إبعاد عدد من الفنانين الذين اتُّهموا بممالأة النظام السابق، بينما انكفأ فنانون آخرون واحتجبوا، وغادر بعضهم البلاد.

ثقافة واحدة أم ثقافات؟

يطرح السجال المحتدم على الساحة السورية حول شخصيات وأحداث تاريخية وقضايا ثقافية تساؤلاً مهماً: هل هناك ثقافة واحدة في سورية أم ثقافات متعددة؟

من الطبيعي أن يكون هناك تنوع ثقافي في بلد يقوم على التعدد الإثني، إذ يختلف الموروث الثقافي من فئة إلى أخرى. لكن يمكن لهذا التنوع أن يساهم ويتضافر ضمن نطاق ثقافة وطنية جامعة، وهو ما كنا نظن أنه موجود في سورية، إلى أن كشف الواقع السوري الجديد عن جدال حاد حول قضايا كنا نظن أن الاتفاق عليها والنظرة إليها قد أصبحا من المسلمات.

فقد أُعيد طرح قضايا مزمنة طُرحت منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، حين انطلقت «النهضة العربية»، التي يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، مثل قضية إسلامية الدولة أم قوميتها ووطنيتها. لكن الفارق أن هذه القضايا لم تُطرح على أساس فكري تحرري وفي سياق نقاش وطني، بل في إطار إقصائي تعصبي ومتشنج.

كذلك عاد السجال والجدال حول شخصيات تاريخية، مثل صلاح الدين الأيوبي، وحول أحداث ومناسبات مثل عيد الشهداء وحرب تشرين عام 1973.

وعلى صعيد آخر، هناك نزوع إلى طمس رموز ثقافية ووطنية، من خلال استبدال تسميات منشآت وشوارع وهيئات بتسميات جديدة مرتبطة بشخصيات دينية تاريخية. ومن ذلك استبدال اسم ساحة العباسيين باسم «ساحة الزبير بن العوام»، في سياق خطة تهدف إلى تسمية بعض الميادين بأسماء المبشرين بالجنة، أو بتواريخ مناسبات لها صلة بالسلطة الجديدة.

ومن الأمثلة أيضاً استبدال اسم شارع «عبد المنعم رياض» باسم «18 نيسان»، وتغيير اسم جامعة تشرين إلى جامعة اللاذقية، واسم حديقة «6 تشرين» إلى «حديقة المشروع». علماً أن التسميات المستبدلة تُعد جزءاً من المشترك الثقافي والوطني، ولا تخص فئة بعينها.

ولا بد من الإشارة إلى أن استبدال تسميات مثل «الباسل» و«البعث» و«8 آذار» و«17 نيسان» أمر محق وضروري، شريطة أن تكون التسميات الجديدة ذات طابع وطني عام.

وثمة إجراء آخر يتصل بالجانب الثقافي، وإن كانت أهدافه تتجاوز ذلك، يتمثل في التغيير الذي طرأ على المناهج الدراسية، من خلال حذف أحداث وشخصيات واعتماد أخرى بما يلائم التوجه السياسي الجديد، بصرف النظر عن الأهمية الوطنية والتاريخية للأحداث المحذوفة، وعن مصداقية الشخصيات المستبعدة.

وقد أثار ذلك استفزازاً ثقافياً واجتماعياً لدى من نشأوا على احترام هذه الشخصيات وتقديرها، وشكّلت لهم تلك الأحداث مصدر فخر وطني وشخصي بحكم الانتماء.

وكانت النتيجة نشوء تباينات عمودية في الحالة الثقافية السورية، بعدما كانت التباينات أفقية تعود إلى الاختلاف في الرأي، لا في الموروث والتوجه والهدف والرؤية.

إن تقويض المشترك الثقافي الوطني هو ما أدى إلى هذه الحالة، إضافة إلى تبني أصناف معينة من النتاج الثقافي، وتسفيه أصناف أخرى وإسقاط القيمة عنها، فضلاً عن طمس معالم، وتغييب شخصيات وقامات ثقافية، واستحضار أخرى على أسس مختلفة، إلى حد باتت معه الثقافة السورية تبدو كأنها ثقافات متعايشة تارة، ومتعارضة تارة أخرى، لا ثقافة واحدة.

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

في غرفةٍ تشحّ فيها الكهرباء ويغيب عنها الدواء، تروي هبة ناصر، البالغة من العمر سبعةً وعشرين عاماً، كيف تحوّل المشفى المتخصّص بعلاج السرطان في دمشق إلى ما يشبه المقبرة، على حدّ وصفها لبي بي سي عربي في مايو/أيار 2026. تكلّفها جرعات العلاج الكيميائي الشهرية نحو ستمئة دولار، أي ما يفوق دخلها ستّ مرّات، بعدما كانت تُصرف مجاناً قبل عامٍ ونيّف. وحكاية هبة، بما رافقها من حشراتٍ وقوارض وأسرّةٍ ملطّخة، ليست استثناءً عابراً؛ إنّها صورة مكثّفة لقطاعٍ يحاول النهوض من تحت ركام حربٍ طويلة.

لم يكن المشهد كذلك دائماً. فقد دخلت سوريا الحرب بلداً متوسّط الدخل بمؤشّراتٍ صحّية معقولة، قبل أن ينهار كلّ شيء؛ إذ تراجع متوسّط العمر المتوقّع من سبعين عاماً عام 2010 إلى خمسةٍ وخمسين عاماً عام 2015، وغادر البلاد أكثر من نصف أطبّائها الثلاثين ألفاً، وفقاً لمعهد بروكينغز. واليوم، تقدّر وزارة الصحّة أنّ نحو ثلاثين بالمئة من المستشفيات قد دُمّر، في بلدٍ لا يملك سوى خمسمئةٍ وستّة عشر مستشفى، منها مئةٌ وثمانية عشر مستشفى حكومياً فقط. وتكشف تقييمات البنية المتضرّرة لعام 2026 عمق الجرح؛ ففي حمص وحدها، تضرّر أكثر من نصف المستشفيات بين عطبٍ بليغٍ وتدميرٍ كامل. ويُضاف إلى ذلك حصيلة الألغام التي أزهقت سبعمئةٍ وخمساً وعشرين روحاً منذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتراجع التحصين ضدّ الحصبة من سبعةٍ وثمانين بالمئة إلى أربعةٍ وستّين بالمئة.

غير أنّ الجرح الأعمق ماليٌّ في جوهره. ففي بلدٍ يحتاج فيه نحو 12.8 مليون نسمة إلى رعايةٍ صحّية، لم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 سوى 3.7 بالمئة من أصل 3.19 مليار دولار مطلوبة، ولم يصل إلى شركاء القطاع الصحّي منها إلا ثمانية عشر مليون دولار. وفي حياة الناس، يشكّل العجز عن الدفع جداراً أول؛ إذ يضع مسح منظّمة ريتش في مايو/أيار 2026 الصحّة بين الحاجات الثلاث الأولى لدى نصف المجتمعات المشمولة، فيما تشكو ثمانٍ وسبعون بالمئة منها صعوبة الوصول إلى الخدمة، تتقدّمها كلفة العلاج الباهظة ثم غياب الدواء. ومن هنا تتّضح المفارقة القاسية: راتب الطبيب الحكومي بعد التعديل يدور حول ستّمئة دولارٍ شهرياً، وهو نفسه ثمن شهرٍ واحدٍ من علاج هبة.

في هذا المناخ، طفا نقاشٌ حسّاس حين تحدّث مسؤولون عن شراكةٍ مع القطاع الخاصّ في إدارة المستشفيات الحكوميّة، قبل أن يصدر نفيٌ رسميّ يؤكّد أنّ الصحّة ليست للبيع. والسؤال المطروح بقوّة هنا: كيف تُصان الصفة العامّة لنظامٍ نجا من الحرب، من دون أن يتحوّل المريض إلى مصدر دخل؟ تحذّر التجارب الدولية من خصخصةٍ ترفع الكلفة وتكرّس الفوارق الطبقيّة، في حين يبقى الإنفاق الحكومي محدوداً؛ إذ لم تخصّص موازنة عام 2024 للوزارة سوى ما يعادل مئةٍ وثلاثةٍ وستّين مليون دولار. أمّا وعد وزير الماليّة بمضاعفة الإنفاق على الصحّة والتعليم والرعاية ثلاث مرّات في عام 2026، فيبقى معلّقاً إلى أن تتأكّد أرقامه.

على أنّ الصورة لا تخلو من بصيص أمل. فعام 2025 كان أوّل عامٍ تستعيد فيه وزارة الصحّة قيادتها الكاملة للقطاع، بالتنسيق مع أكثر من مئة منظّمة عاملة، حتى قُدّمت نحو عشرين مليون استشارةٍ خارجيّة، ونحو عشرين مليون جرعة علاج. وأطلقت الوزارة الاستراتيجية الصحّية الوطنية للفترة 2026–2028، ودشّنت بوّابة الصحّة الرقميّة في خمسة مشافٍ، مع نيّة التوسّع، وعقدت ورشةً للمشاركة المجتمعيّة بالتعاون مع منظّمة الصحّة العالميّة والاتحاد الأوروبي. وفي موازاة ذلك، وقّعت مع بنك التنمية الألماني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مذكرةً لتأهيل خمسة مستشفيات وخمسةٍ وعشرين مركزاً صحّياً، يستفيد منها نحو 895 ألف مريض. كذلك، أُقرّت زيادةٌ بنسبة خمسين بالمئة على الأجور بموجب المرسوم 67، ورفعٌ إضافي موجّه للأطبّاء والممرّضين بموجب المرسوم 68. وتبرز الصناعة الدوائيّة المحليّة، التي يحميها قرار التسجيل والاستيراد رقم 4 لعام 2026، بوصفها ورقةً استراتيجيةً راهن عليها الوزير من جنيف حين تحدّث عن الانتقال من الطوارئ إلى التعافي المستدام.

ومن خلف هذه الخطوات، تتلمّس الحلول طريقها في خيطٍ واحد؛ فالمطلوب استبدال التمويل المتقطّع بشراكاتٍ مستدامة، وصون الطابع العامّ للنظام من خصخصةٍ تتسلّل عبر الأبواب الخلفيّة، وإتمام التحوّل الرقمي، وردم فجوة الكوادر عبر أجرٍ عادل، وتوزيعٍ متوازن بين المحافظات، وتدريب عشرة آلاف عاملٍ صحّي. ويظلّ الدواء المحلي وإتاحته في صلب هذه الأولويات، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسّسة عبر الوقاية والمشاركة المجتمعيّة.

تبقى المحصّلة معلّقةً على سؤالٍ أخلاقيّ قبل أن تكون إداريّة: هل يعود المشفى العامّ مكاناً للرعاية، أم يستقرّ متجراً تُقسَّم أرباحه؟ في غرفة هبة ناصر، حيث تُضيء الهواتف ما عجزت الكهرباء عن إنارته، يتّضح أنّ امتحان التعافي المستدام لا يُقاس بعدد المشافي المرمّمة وحدها، بل بأن يبقى الدواء حقاً لا امتيازاً، وأن يظلّ المستشفى رمزاً لتكافل المجتمع، لا مقبرةً للفقراء.

المصادر

بي بي سي عربي، شهادة هبة ناصر، مايو/أيار 2026.
خطة الاستجابة الإنسانية ونشرة القطاع الصحي، OCHA/WHO، مارس/آذار 2026.
مسح رصد الوضع الإنساني، منظّمة ريتش، مايو/أيار 2026.
بروكينغز، الحرب على النظام الصحي السوري.
وكالة سانا: بوابة الصحة الرقمية، ورشة المشاركة المجتمعية، وتصريحات وزير الصحة من جنيف.

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة والأكاديمية الأمريكية من أصول إيرانية ريبيكا شريعة طالقاني، وهي أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك، مقاربة جديدة في دراسة “أدب السجون السوري”، تستند إلى الكتابة الأكاديمية من خلال توظيف دراسات أدب السجون وحقوق الإنسان. ورغم هذه المقاربة، يظل الكتاب في متناول شريحة واسعة من جمهور القرّاء؛ إذ لا يهدف إلى تقديم سردية تاريخية عن السجون السورية، ولا إلى أرشفة مسار الحركات الحقوقية في البلاد، ولا إلى توثيق شامل للاعتقالات والتعذيب والانتهاكات. وإن كان يطلّ على جوانب من هذه السياقات أثناء القراءة، فإن الغاية الأساسية للعمل تتجلّى في تعريف القارئ بما اصطلح عليه “أدب السجون السوري”، ومضامينه المتعلقة بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، فضلاً عن تتبّع تطوّر أشكاله الإبداعية وتنوّع تعبيراته عبر الزمن.

تعقد طالقاني، في سياق دراستها، مقارنة بين أدب السجون في سورية وتجارب مشابهة في العالم، مثل تجربة المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، والروائي والناقد الحداثي السعودي عبد الرحمن منيف، كاشفة عن طابع خاص بالسجون السورية يتّسم بوحشية متفرّدة، تجعل من كل كلمة تُكتب من داخلها أو عنها عملاً بطولياً وأخلاقياً ومقاوماً.

وقد جاءت دراستها متجاوزة التوثيق إلى تحليل الأدب المُنتج داخل السجون أو حولها بوصفه ممارسة مقاومة، وأداة للنجاة الرمزية، وشكلاً من أشكال العدالة التأويلية.

صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء

صدر الكتاب العام المنصرم عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة، ضمن “سلسلة ترجمان”، ويقع في 312 صفحة، شاملاً تقديم المترجم، ومقدّمة، وخاتمة، ومراجع، وفهرساً عاماً، إضافة إلى قائمة رسوم وصور توضيحية.

يوضّح الناشر، في تعريفه بهذا الكتاب، أنه يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة العربية، لما ينطوي عليه من تداخل عميق بين الأدب وحقوق الإنسان، وبين التجربة الفردية والهمّ الجمعي؛ إذ لا يكتفي بمجرد توثيق معاناة المعتقلين السوريين، بل يسمو بهذه المعاناة إلى مقام الكتابة الأخلاقية والجمالية، ويمنحها بعداً إنسانياً عصياً على المحو، ونافذاً إلى الوجدان.

اختارت طالقاني، وهي تدرس أدب السجون السوري، النظر إليه بوصفه أحد العناصر الرئيسة في ثقافة المعارضين السياسيين السوريين، لا سيّما تلك التي أرسى دعائمها المعارضون العلمانيون اليساريون والمعارضون الإسلاميون منذ سبعينيات القرن العشرين، والتي شكّلت ركناً مهمّاً من أركان الثورة السورية التي انطلقت في منتصف آذار/ مارس 2011.

تقول طالقاني، في حوار معها عن اشتغالها على هذه الدراسة: “حاولت استخدام التعريف الممكن الأوسع والأكثر شمولية: أدب السجون هو أي نص تمّت كتابته عن، أو في، أو خلال تجربة الاعتقال، كما حاولت الإشارة إلى أن أي تعريف، بما في ذلك التعريف الأوسع الذي أستخدمه، هو إشكالي ويحتمل النقاش والجدل”. وتضيف: “ركّزت في بحثي الخاص بصورة رئيسية على أعمال كتبها المعتقلون عن الاعتقال، سواء أكانت أعمالاً روائية خيالية أو غير خيالية أو شعرية أو مسرحية”(1).

تمتدّ المرحلة الزمنية للأعمال التي تناولتها المؤلّفة من مرحلة توطيد حافظ الأسد نظامه الديكتاتوري، ثم توريثه لابنه بشار، وصولاً إلى الثورة السورية عام 2011، والحرب التي شنّتها قوات النظام البائد على الحاضنة الشعبية للثورة، والصراع المسلّح الذي أشعلته، وحتى عام 2020.

ومن الأعمال التي تناولتها في الكتاب رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، و**“من تدمر إلى هارفارد”** لبراء السراج، وغيرهما، باعتبارها نماذج حيّة من هذا الإبداع في وجه القمع. وتلفت إلى أنه حتى قبل عام 2011، كتب معتقلون أعمالاً كاملة، مثل عماد شيحة الذي ألّف ثلاث روايات خلال اعتقاله، وظلّ بعضها سرياً حتى وجد طريقه إلى النشر. وترى، في هذا السياق، أن الكتابة تتحوّل من مجرد توثيق فردي إلى دفاع عن الذاكرة، وإلى صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء، ويُصرّ على تثبيت معاني العدالة والكرامة.

إن الفكرة المركزية التي تنهض عليها هذه الدراسة هي الربط بين “أدب السجون” وخطاب حقوق الإنسان، بما يشمله من منظومات وقوانين ورموز.

وانطلاقاً من هذه الفكرة، ترى طالقاني أن نصوص هذا الأدب تقدّم مشاهد اعتراف سردية لا تُظهر فداحة المعاناة التي يكابدها المعتقلون فحسب، بل ترتبط، في الوقت نفسه، بخطاب حقوق الإنسان العالمي، بما يحوّل هذه النصوص إلى أدوات وعي سياسي وأخلاقي.

وانطلاقاً أيضاً من أن مؤلّفات أدب السجون في العالم العربي، وأكثر عموماً في الشرق الأوسط، قد تُنتج بالفعل سجلاً بديلاً عن السرد الرسمي للدولة، التي لا تأتي على ذكر انتهاكات حقوق الإنسان الموجودة فعلاً، فإن هذه المؤلّفات الأدبية تشكّل جزءاً من السجل التاريخي، إضافة إلى كونها أعمالاً إبداعية.

وجاء تناول المؤلّفة لمفهوم “بويطيقا الاعتراف” لتدرسه فنياً وأسلوبياً، وتربطه بمفهوم الاعتراف السياسي الذي يُعَدّ من الركائز الأساسية في خطاب حقوق الإنسان الحديث، خصوصاً في القرن العشرين.

ولا شك أن اعتماد طالقاني مصطلح “البويطيقا” في عنوان الكتاب لم يكن ترفاً لغوياً محضاً، بل هو استدعاء واعٍ لمفهوم نقدي ذي جذور فلسفية وجمالية عميقة؛ لأن الكتاب يعالج النصوص الأدبية ووثائق حقوق الإنسان بوصفها مادة فنية ومعرفية، ويستقصي الكيفية التي تُحدث بها هذه النصوص أثرها الجمالي والحقوقي في آن.

و“البويطيقا” كلمة يونانية ارتبطت باسم الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي عنون بها كتابه الشهير “فن الشعر”. وعُرفت بالفرنسية Poétiqueوبالإنكليزية Poetics، وكلتاهما متحدرة من الكلمة اللاتينية Poetica المشتقة من الكلمة الإغريقية Poietikos، لتحمل في هذه اللغات كلها معاني تتصل بصناعة الشعر ونظريته وفنونه.

وقد تنوّعت ترجمة كلمة “البويطيقا” وتجلياتها في ثقافتنا العربية، فوردت بصيغ شتى: نظرية الشعر، وفن الشعر، وصناعة الشعر، وقواعده، وصوغ اللغة الشعرية، والإنشائية، والبنية الشعرية، والشاعرية، والشعريات، وغير ذلك، ما يعكس ثراء هذا المصطلح وتشعّب دلالاته في الحقول الأدبية والنقدية.

دراسة “أدب السجون بوصفه نوعاً أدبياً

قسّمت المؤلّفة الكتاب إلى ستة فصول، مستعرضة من خلالها تطوّرات “أدب السجون السوري” في ضوء “التحوّل التجريبي” في الأدب العربي الحديث، ومبيّنة كيفية تجاوز هذا الأدب الوظيفة التوثيقية إلى فضاء أدبي وجداني يتفاعل مع الأسئلة الجمالية والوجودية الكبرى.

وتتناول، في الفصل الأول من الكتاب، مسألة تصنيف “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً قائماً بذاته، مشدّدة على أهمية النظر إليه من زاوية سياسية، على الرغم مما يحيط بهذا التصنيف من إشكالات نظرية. ثم تتوسّع بعد ذلك في عرض المناقشات الدائرة بين الكتّاب والباحثين حول اعتبار “أدب السجون” جنساً أو نوعاً أدبياً، مستعرضة المسارات المختلفة لنظرية النوع الأدبي في سياق دراستها. وعلى الرغم من إدراكها ما يكتنف هذا التصنيف من معضلات وحدود، فإنها ترى في استخدام مصطلح “أدب السجون” ضرورة سياسية لا غنى عنها.

انطلاقاً من هذا الفهم، يُدرَس “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً محدد المعالم، وقد طغى على مقاربته في النقد الأدبي العربي، غالباً، البعد التوثيقي والجنوح إلى النزعات التوفيقية التي تحاكي أحياناً أسلوب تقارير حقوق الإنسان، ما يحجب الأبعاد الجمالية والإنشائية الكامنة فيه. وتلفت إلى أن هذا الأدب لا يقتصر على الرواية والمذكرات، بل يمتد ليشمل أجناساً أدبية أخرى، كالقصة القصيرة والشعر والمسرح أيضاً، ما يجعل تعدّده الفني يُغني مضمونه، ويمنح قضاياه تراكماً تعبيرياً متجدداً.

وتفتتح طالقاني الفصل الثاني بقصة كتابة أطفال درعا على جدران مدرستهم عبارات مناهضة لنظام بشار الأسد في آذار/ مارس 2011، واعتقال أجهزة الأمن لهم وتعذيبهم وسجنهم، بوصفها لحظة انطلاق الثورة السورية، ومن ثم تحوّلها سريعاً إلى رمز لها، رابطة هذه القصة بموضوعات الاعتراف والضعف والتعاطف التي وجدتها في الأدب السوري عن السجون والاعتقال.

تقول عن هذا: “كتبتُ الفصل الأصلي كجزء من أطروحتي عن الضعف والاعتراف والتعاطف في القصص القصيرة للكاتب الراحل غسان جباعي والقاص إبراهيم صموئيل في 2008-2009، وذلك قبل اندلاع الثورة السورية في 2011”. وتضيف: “كان من الأشياء التي برزت في بعض القصص لكلا المؤلفين التركيز على تأثير الاعتقال في عائلات المعتقلين، بمن فيهم، وبشكل خاص، الأطفال. وردّ كذلك في قصصهما تركيز كبير على الكرامة الإنسانية، وغالباً على الإنسانية المتصدعة أو المختلة في مواجهة الوحشية اللاإنسانية أو المنحرفة”.

وتتابع قائلة: “أجد أن هذا التأكيد مهم ومؤثر. عندما عزمت على إعادة كتابة الفصل، كنت بالطبع قد قرأت وسمعت عن قصة الأطفال في درعا، لكن كانت أيضاً أزمة اللاجئين في أوجها، حيث تم نشر صورة الطفل الكردي آلان في جميع وسائل الإعلام الدولية. وفي الوقت نفسه أيضاً، كنت أقرأ عن حقوق الأطفال، وأفكر في أنهم الفئة الأكثر ضعفاً ضمن الكائنات البشرية. بالطبع، كل البشر ضعفاء، لكن هناك مستوى آخر من الضعف/الهشاشة vulnerability يتعلق بالأطفال، وهو مفهوم مختلف عن الضعف weakness في اللغة الإنكليزية. كنت أفكر وأقرأ عن مفهوم ومعضلة الاعتراف في كل من الأدب وحقوق الإنسان مدة طويلة. وهكذا، في الأساس، رأيت تأثير قصة أطفال درعا على أنها موازية لبعض أشكال الاعتراف في أدب السجون، وحاولت تضمين ذلك في الفصل. يبقى الاعتراف، بمستوياته المختلفة، أحد الجوانب الإشكالية لنظريات حقوق الإنسان، وفي الواقع، في النظام الدولي لقانون حقوق الإنسان، وهو أيضاً جزء متأصل في السرديات الأدبية. حاولت، خلال قراءتي للقصص القصيرة ونصوص أخرى، إظهار كيف تعلّمنا هذه الأعمال الأدبية عن معضلات الاعتراف، أو عدم الاعتراف، وكيف يرتبط الاعتراف بالضعف والعاطفة”(2).

ولتوضيح هذه المقاربة، استندت المؤلّفة إلى نظريات كل من الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر، والبريطاني بريان تورنر، وتيرانس كيف، مقدّمة من خلال ذلك مفهوم “بويطيقا الاعتراف” بوصفه تجلياً لفشل النظام الحقوقي التقليدي، ومحاولة لتشكيل وعي عاطفي جديد لدى القرّاء. وهي تفترض أن التحوّل السريع الذي جعل من قصص أطفال درعا رمزاً للانتفاضة السورية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوعات الاعتراف والهشاشة والتعاطف، وهي موضوعات تتجلّى بوضوح في القصص القصيرة لكتّاب مثل الكاتبة المغيّبة سميرة خليل وغسان جباعي، وكذلك في مسرحية الكاتب الراحل وديع اسمندر.

وانطلاقاً من دراسات الاعتراف في النظرية النقدية ونظرية حقوق الإنسان، بما في ذلك أعمال بتلر وتورنر وكيف، ترى المؤلّفة أن “بويطيقا الاعتراف” في “أدب السجون السوري” تستحضر أشكالاً بديلة من الهشاشة، قد تعكس خطاب حقوق الإنسان التقليدي أو تتجاوزه أحياناً لتقع خارجه، مشكّلة بذلك إمكانيات جديدة للكتابة ولإعادة تمثيل المعاناة.

أما معالجة تمثيلات التعذيب كما تتبدّى في الأدب وتقارير حقوق الإنسان، فكانت محور الفصل الثالث، وفيه أجرت طالقاني مقارنة دقيقة بين صوت الضحية المغيّب في التقارير الحقوقية، والذات المتكلمة والناطقة بوجعها في النصوص الأدبية، كما في كتابات الشاعر فرج بيرقدار والروائية حسيبة عبد الرحمن.

وانطلاقاً من المناقشة التي قدّمها الفصل الثاني حول مفهومي الهشاشة والاعتراف، تُتابع المؤلّفة في هذا الفصل تحليل تلك المفارقة، مقدّمة قراءة مقارنة لطريقة تصوير التعذيب في “أدب السجون السوري” وفي الخطاب الحقوقي التقليدي. وهي تُظهر، من خلال أعمال منها قصائد فرج بيرقدار وكتابات حسيبة عبد الرحمن ومصطفى خليفة ومالك داغستاني وسواهم، أن تجربة التعذيب تتجلّى في النصوص الأدبية بطرائق تتخطّى ما توفّره تقارير حقوق الإنسان، سواء من حيث العمق الإنساني أو الأثر السردي.

وتعتمد طالقاني في هذا الفصل على هذه الأعمال الأدبية لتبحث في إمكانيات تمثيل التعذيب بصورة تتسم بالحميمية السردية، وإعادة تأكيد مركزية صوت المعتقل بوصفه ذاتاً ناطقة، لا مجرد موضوع حقوقي أو رقم في وثيقة، بل بوصفه كياناً حياً يتحدث عن ألمه ويعيد بناء صورته من رماد القهر.

محو ذاكرة العنف.. من أشكال مقاومة المعتقلين

تتناول الباحثة الأمريكية، في الفصل الرابع من كتابها، تمثيل الزمان والمكان في “أدب السجون السوري” وتقارير حقوق الإنسان، مشيرة إلى كيفية معالجة هذا الموضوع في أعمال مثل مذكرات “خمس دقائق وحسب” للكاتبة هبة الدباغ، ورواية “من تدمر إلى هارفارد” للكاتبة براء السراج. وتنطلق من مناقشة قول المفكر والكاتب والمعتقل السابق ياسين الحاج صالح إن السجن “نمط من أنماط الحياة” لآلاف السوريين، لتحلّل كيفية تمثيل الزمان والمكان، مستندة إلى الدراسات الحديثة في جغرافيا السجون، مثل أعمال دومينيك مويران ومايكل فيلدر.

وتستعرض طالقاني، في هذا السياق، أعمالاً أدبية أخرى مثل مذكرات هبة الدباغ، ومجموعة فرج بيرقدار الشعرية “حمامة مطلقة الجناحين”، لتبيّن أن “أدب السجون السوري” يعيد إنتاج الجغرافيا العاطفية التي يعيشها المعتقلون من خلال تجاربهم الحقيقية.

وتخصّص المؤلّفة الفصل الخامس لسجن تدمر، لما يمثّله من موقع رمزي للقسوة، محلّلة اللجوء إلى السريالية في بعض الأعمال الأدبية، ولافتة إلى أن هذه السريالية هي شكل من أشكال المقاومة لمحاولة محو ذاكرة العنف التي تعرّض لها المعتقلون في هذا السجن. وترى أنه، من خلال أعمال مثل رواية “القوقعة”، فإن الكتابات عن سجن تدمر تنتج أشكالاً من المراقبة تكذّب الرواية الرسمية التي تنكر ارتكاب النظام لعقود طويلة انتهاكات لحقوق الإنسان. كما تفقد اللغة هنا قدرتها على التعبير عن التجربة القاسية، فيلجأ الكتّاب إلى النزعة السريالية لتمثيل أشكال القسوة والمعاناة الإنسانية في السجن.

في الفصل السادس والأخير، تناولت طالقاني الكتابات التي تمزج السرد الذاتي بالتخييل ما بعد الحداثي، والمتأثرة بالمنفى، ما يجعل أدب السجون امتداداً لكتابة المنفى والمقاومة المزدوجة، من خلال التحليل العلمي لمؤلّفات ما بعد الحداثة التي تبتعد عن تقنيات السرد التقليدية لكتّاب مثل باتريسيا واو ومارك كوري وآخرين. ويناقش الفصل انتشار الميول الذاتية والخيالية، حيث يعكس هذا التوجّه تساؤلاً نقدياً عن قدرة السرد على التعبير عن تجربة السجن بشفافية، على النقيض من تقارير حقوق الإنسان. وتبيّن المؤلّفة أن هذا النوع من السرد يرتبط بحالات النفي والإبعاد التي عاناها المعارضون السياسيون قبل ثورة الحرية والكرامة عام 2011 وبعدها. وهكذا، توضّح أن بعض مؤلّفات أدب السجون تتماهى مع الكتابة عن المنفى، معتبرة إياها جزءاً من تجربة المقاومة المزدوجة.

وتختم الباحثة الأمريكية دراستها بتأمّل دور الإنتاج البصري في توثيق الاعتقال والثورة، من خلال أعمال “أبو نضارة”(3)، وفيلم “سُلَيمى”(4)، وغير ذلك.

كما تناولت طالقاني بالدرس أعمال المخرج السينمائي محمد ملص، مثل “سلّم إلى دمشق” و**“باب المقام”**، التي تجسّد ثنائية الاعتقال والثورة، وتربط بين قمع الماضي وجراح الحاضر. وكذلك فيلم “المريض السوري”، الذي نتابع فيه قصة طبيب فقد مريضه المعتقل، ليُعتقل هو لاحقاً، وهو من إنتاج مجموعة “أبو نضارة”، وغيرها من الأعمال البصرية التي، بحسب طالقاني، تعيد التفكير في حقوق الإنسان بوصفه مفهوماً مرناً، وتقدّم السرد البصري وسيلة مقاومة تُكمل الأدب، وتمنح الصوت لأولئك الذين صودرت ذاكرتهم.

أخيراً، يمكننا القول إن هذا الكتاب يُعَدّ إسهاماً نقدياً بالغ الأهمية، يعيد الاعتبار لصوت المعتقلين السياسيين السوريين بوصفه ذاتاً كاتبة لا مجرد ضحية. وهو يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة السورية والعربية، لما يكشفه عن قدرة الكلمة والصورة على مواجهة الاستبداد، ويطرح أفقاً جديداً لتأمّل مفهومي العدالة والكرامة، مؤسساً لوعي أدبي لا يفصل بين الجمال والدلالة، ولا بين الفن والحقيقة.

يُشار إلى أن ريبيكا شريعة طالقاني أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك. وهي تركّز في دراساتها على المقاومة السياسية والإنتاج الثقافي في الشرق الأوسط، وتنشر مقالاتها ومراجعاتها وترجماتها في مجلات أكاديمية مهمة، منها: “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط”، و**“مجلة الأدب العربي”، و“مجلة كلمات بلا حدود”**. وتشارك طالقاني حالياً في تحرير “مجلة الأدب المقارن والثقافة” CLC Web، وقد حرّرت مع أليكسا فيرات كتاباً بعنوان “أجيال المعارضة: المثقفون والإنتاج الثقافي والدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، الصادر عام 2020.

هوامش:

  1. حوار مع الباحثة الأمريكية ريبيكا شريعة طالقاني، أجرته الزهراء سهيل الطشم، مجلة “رواق ميسلون”، العدد 87، تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.
  2. المصدر السابق.
  3. تأسست مجموعة “أبو نضارة” قبيل الثورة السورية، وقدّمت نفسها من خلال ما سمّته “سينما الطوارئ”، وسعت إلى اختراق ضجيج الإعلام بألسنة الضحايا الحقيقيين.
  4. “سُلَيمى” فيلم من الرسوم المتحركة، أُطلق رسمياً في 29/5/2015، ويشكّل الجزء الثاني من ثلاثية الصوت التي تعمل عليها حركة “استيقظت”، وهي حركة نسائية سورية تعرّف نفسها بأنها “تحكي قصصاً حقيقية، من وجهة نظر نساء في المجتمع السوري”.
نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.

وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.

والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.

خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟

من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.

الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.

نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.

يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.

تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.

وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.

تقارير متناقضة عن الخطف

صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.

لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.

هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.

نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.

بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.