بواسطة سالي علي | أكتوبر 18, 2026 | Cost of War, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
في صباح أكتوبر مددت يدي نحو سترتي المعلّقة خلف الباب، وأدخلت رأسي في قبّتها الطويلة قبل أن أخرج. فعلت ذلك بلا تفكير، كما أفعل كل يوم ثم توقفت لحظة وأنا أشعر بالقماش يحيط برقبتي. كانت دافئة، وهذا كل ما أريده؛ لكنها كانت تضغط قليلاً أيضاً، بالقدر الذي يجعلني أشعر بوجودها طوال الوقت. فكرت أنني أرتدي شيئاً يشبهنا نحن!! لا أقصد السوريين الذين يخافون من البرد، بل أولئك الذين عاشوا زمناً طويلاً وهم يخلطون بين الأمان والنجاة،وبين الصمت والهدوء، وبين انتهاء الخطر وانتهاء الخوف. أحياناً ينتهي الشيء الذي كنا نخاف منه، لكنّ الجسد لا يعرف ذلك فوراً. يبقى مستنفراً، يصغي إلى صوت الباب، يراقبُ الشارع من طرف العين، ويحتفظ دائماً بمسافة صغيرة بينه وبين الطمأنينة، كأنّ عليه أن يكون مستعداً للهرب حتى في اليوم الذي لم يعد فيه أحد يطارده. ربما لهذا لم أعرف، بعد كل ما تغيّر في سوريا كيف أفرح بطريقة كاملة.
لم تكن المشكلة في الفرح نفسه فقد كان موجوداً، واضحاً، جارياً في الشوارع والبيوت والوجوه التي شعرت للمرة الأولى بأنّ شيئاً ثقيلاً أزيحَ عن صدورها. لكن الفرح، حين يأتي بعد خوف طويل، لا يدخل إلى الإنسان من الباب نفسه الذي يدخل منه في الحياة العادية. بل يدخل مترددا يرفع رأسه قبل أن يخطو، ينظر حوله ثم يجلس قريباً من الباب. كأننا لا نعرف بعد إن كانَ مسموحاً لنا أن نفرح.
أحياناً أخرج من البيت فأجد وجوهاً أكثرُ خفة مما اعتدته في السنوات الماضية. الناس يتحدثون بصوتٍ أعلى، يضحكون في الطريق، يناقشون ما كان من المستحيل مناقشته، ويتصرفون كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح أوسع. لكن شيئاً ما يبقى في الوجه، شيء لا تستطيع الكاميرا التقاطه بسهولة؛ التفاتة سريعة، صمتٌ مفاجئ، ذلك الجزء من الإنسان الذي يواصل العمل حتى بعد أن تنتهي مهمته. فالخوف لا يعيش في الأخبار وحدها بل يعيش في العضلات. في الطريقة التي نمسك بها الهاتف، في الأبواب التي نغلقها مرتين. في السؤال الذي لا نطرحه. في الجملة التي نعيد صياغتها قبل أن نقولها. في عين تراقب الطريق قبل أن تعبره، وفي أمّ لا تستطيع أن تتوقف عن الاتصال بابنها، حتى بعدما يصبح الاتصال عادياً ولا يحمل سبباً واضحاً؛لهذا لا يكفي أن نقول للإنسان إنّ زمن الخوف انتهى فهو يحتاج إلى أن يصدّق ذلك بجسده أيضاً.
ربما كانت هذه هي أصعب مراحل ما بعد الخوف؛ أن تكتشف بأن الخلاص من مصدر الرعب لا يعني الخلاص من الرعب نفسه. السلطة تستطيع أن تسقط، والصور أن تنزل عن الجدران، والخطابات أن تتغير، لكنّ السنوات التي أمضيناها ونحنُ نتعلم كيف نحمي أنفسنا لا تختفي بالسرعة نفسها. الخوف الذي كان يأتي من الخارج يجد له بعد فترة غرفة صغيرة في الداخل، ويقرر البقاء فيها حتى بعد أن يغادر أصحاب البيت. وهنا يصبح السؤال أقل تعلقاً بالسياسة وأكثرُ قرباً من الإنسان: ماذا يفعل شخص نجا، لكنهُ لم يتعلم بعد كيف يعيش بوصفه ناجياً؟
أفكر في ذلك أحياناً، فلا يحدث شيء استثنائي، لا أخبار عاجلة، ولا أصوات في الخارج، ولا سبب واضح للقلق. ومع ذلك أشعر بأنني في حاجة إلى شيء يحميني من شيء لا أستطيع تسميته. ربما لهذا أعود إلى الله في بعض الأيام بطريقة تشبه عودة الطفل إلى يد أمه، ثم أبتعد في أيام أخرى، لا لأنني فقدت إيماني بل لأنّ الحياة حين تهدأ تجعلني أنسى حاجتي إلى من أطلب منه الطمأنينة.. نحن نتذكر الله جيداً حين تضيق المساحة حولنا، ثم ننسى أن نبحث عن علاقة به حينَ تتسع. كأننا نستخدم الإيمان أحياناً كما نستخدم بطانية في ليلة شديدة البرودة: نبحث عنها حين نرتجف ثم نرميها جانباً حين نشعر بالدفء.لكنني لا أريد هذا النوع من العلاقة.أريد إيماناً لا يحتاج إلى كارثة كي يظهر، ولا إلى خوف كي يصبح ضرورياً. أريد أن يكون الله موجوداً في الأيام التي لا يحدث فيها شيء، في صباح عادي، وفي فنجان قهوة، وفي طريق العمل، وفي تلك اللحظة التي أرتدي فيها سترتي قبل الخروج من البيت. ربما لأنني تعبت من الأشياء التي لا تظهر إلاّ عندما يصبح كل شيء على وشكِ الانهيار.
لقد عشنا زمناً طويلاً ونحنُ ننتظر حدثاً كبيراً كي تتغير حياتنا. ثم جاء التغيير واكتشفنا أن الحياة لا تعرف كيف تبدأ من جديد بمجرد أن ينتهي القديم.النجاة نفسها تحتاج إلى تعلّم. نحتاج أن نتعلم كيف نثق من دون سذاجة، وكيف نختلف من دون أن نرى في الاختلاف تهديداً، وكيف ننام من دون أن نضع أذننا على باب الغد، وكيف نسمح لأطفالنا أن يخططوا للمستقبل من دون أن نضيف في نهاية كل خطة جملة صغيرة عن احتمال أن يتغير كل شيء. وربما لا توجد صورة أكثرُ قسوة لهذه المرحلة من طالب سوري يريد أن يذهب إلى امتحانه، لكنهُ لا يستطيع. في السويداء مثلاً؛ لم يكن الخوف مجرد شعور عابر في الأيام الأخيرة، بل صار قادراً على تعطيل مستقبل كامل؛ آلافُ الطلاب ما زالوا عالقين بين دمشق والمحافظة، وبين سلطة تريد استعادة حضور مؤسساتها وقوى محلية تخشى عودة ذلك الحضور، حتى إن رويترز تحدثت في مطلع أكتوبر عن إكمال 150 طالباً فقط من أصل نحو 13,700 طالب امتحاناتهم في 2026. هنا لا يعود السؤال عن الخوف بوصفهِ أثراً نفسياً للحرب فقط، بل عن دولة لم تتمكن بعد من جعل مواطنين يعيشون تحتَ سلطتها يثقون بأنّ عبورهم إلى مدينة أخرى لن يعيد إليهم ما حاولوا الهرب منه.
المشكلة أنّ الدولة لا تستطيع أن تطلب من الخائف أن يثق بها بمرسوم. فالثقة لا تُعلن بل تُختبر في الطريق إلى الجامعة، وفي مركز الشرطة، وعلى حاجز التفتيش، وفي المحكمة، وفي القدرة على العودة إلى البيت من دون أن يحتاج المرء إلى أن يشرح لنفسه لماذا كان خائفاً طوال الطريق وربما نحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن نعيد تعريفَ الأمان؛ فهو ليس أن تختفي الأصوات التي كانت تخيفنا فقط. ولا أن يصبح الشارع هادئاً في ليلة واحدة؛ هو أن يعرف الإنسان أنّ حياته لن تنقلب عليه فجأة، وأن القانون لن يصبح خصمه، وأنّ البيت الذي يعود إليه سيظل بيته، وأن اسمه لن يتحول في لحظة إلى تهمة، وأن اختلافه لن يجعله أقل استحقاقاً للحياة من غيره. الأمان هو أن يتوقف الإنسان عن الاستعداد الدائم للأسوأ.
حين أفكر في سوريا من هذه الزاوية، يبدو لي أن أصعب ما ينتظرها ليس فقط بناء مؤسسات جديدة أو إعادة ترتيب الاقتصاد والسياسة، بل بناء شيء أكثر خفاءً: ثقة الناس بأن الغد يمكن أن يكون عادياً. قد يبدو هذا مطلباً صغيراً أمام كل ما تحتاجه البلاد، لكنهُ ربما ليس كذلك. فالدول لا تُبنى فقط بالدساتير والوزارات والطرقات، بل أيضاً بالقدرة على جعل مواطنيها يذهبون إلى النوم من دون أن يتركوا نصف وعيهم مستيقظاً للحراسة.
ثم أعود إلى سترتي. في نهاية اليوم أخلعها وأعلّقها خلف الباب. أحياناً أفكر في القبّة الطويلة التي تحيط بالرقبة: هي موجودة لتحميني من البرد، لكنها تلامس جلدي طوال الوقت، وتذكّرني بوجودها. الدفء فيها حقيقي، والضيق حقيقي أيضاً. وربما هذه هي حالنا الآن: نريد الأمان، لكننا لا نعرف بعد كيف نعيش داخله من دون أن نفتش عن الخطر. قد يكون علينا أن نمنح أنفسنا وقتاً؟؟ ليس وقتاً كي ننتظر سوريا أخرى، بل وقتاً كي نصبح نحنُ أيضاً آخرين قليلاً. أن نترك أجسادنا تتعلم أنّ الباب يمكن أن يُغلق لأنه ليل، لا لأننا نخشى أحداً. أن نتعلم أن الصمت يمكن أن يكون راحة لا تهديداً، وأن الضحكة العالية ليست دعوة للعقاب، وأنّ المستقبل ليس بالضرورة اسماً آخر للمفاجأة السيئة. ربما لن أعرف متى ينتهي الخوف تماماً. وربما لن ينتهي. بعض الأشياء لا تغادرنا، وإنما تتغير علاقتنا بها. لكنني أعرف أنني في صباح أكتوبر القادم بسوريا سأمد يدي إلى سترتي، سأرتديها لأنها دافئة، و سأخرج من البيت من دون أن أطلب منها أن تحميني من العالم كله. أريد فقط أن تكون قبّتها حول رقبتي، لا حول روحي.
بواسطة رهام عيسى | سبتمبر 30, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص الاتهام. محمد حبش الداعية الإسلامي السوري بطل القصة الجديدة.
في البداية لسنا في صدد الدفاع عن أحد، كما ونعرف تماماً أن أكثر ما يجعل الفضيحة مزلزلة تناقضها مع الصورة التي يصدرها الضحية عن نفسه، وسأعتمد هنا على تسمية الضحية تجاوزاً.
كما ولابد من التنويه أن ما نناقشه هو فقط الفعل الجنسي أو الكلام الجنسي بين بالغين راشدين، والذي يسُرّب بقصد التشهير أو الابتزاز أو تحييد شخص ما عن الفضاء العام، عن طريق التقليل من قيمة رأيه، على اعتبار أن الفضيحة الجنسية سقطة أخلاقية، تجعل صاحبها بنظر الكثيرين فاقداً للشرعية.
يظهر محمد حبش في مكالمة فيديو، يتكلم فيها كلاماً حميمياً، وربما من الغريب هنا أن أصرّح أن أول شعور أحسست به عندما شاهدت الفيديو كان التعاطف مجرد التعاطف، ليس مع محمد حبش وحده وليس مع صفته أو مكانته أو موقعه أو مواقفه، لكنه التعاطف مع هشاشة أي إنسان في هذا الموقف وخاصة العربي، لأنه يحتاج أكثر بكثير من غيره أن يشرح نفسه لنفسه، قبل أن يشرحها إلى الآخرين.
الجنس يكشف الهشاشة
لطالما اعتقدت أن الجنس دون غيره يكشف أكثر نقاط الإنسان هشاشة وأكثرها ضعفاً، فنحن نستطيع دائماً وفي كل وقت، أن نختار الطريقة اللائقة التي نريد أن نظهر بها، والتي نحب أن نتصرف بها. يمكننا دائماً وضع الحواجز، اختيار المسافات، وارتداء الأقنعة، كبت رغبتنا بالعنف، أو رغبتنا بالتعنيف، إخفاء شعورنا بالذنب، وأشياء كثيرة أخرى نقضي أعمارنا في سبيل إخفائها وليس فهمها والتصالح معها.
يحدث الخرق في لحظاتنا الحميمة، يسقط الجدار الهش الذي بنيناه، وتتلاشى الطبقات، وتقريباً، لا يبقى من الكائن إلا ذلك الجزء المسكوت عنه، الجزء المحظور، وربما الجزء الأكثر صدقاً في بنيتنا النفسية، لذلك فما رأيناه في فيديو حبش وقبله فيديو الممثل أحمد رافع لم يكن مجرد لحظة جنسية عابرة، أو انكشاف أخلاقي، لكنه أشبه برؤية الإنسان عاريًا من كل ما يُجبر على ارتدائه، تعرية وجودية لكل طبقات الحماية الاجتماعية والمؤسساتية التي نتدرع بها، لنخفي عيوبنا وهشاشتنا.
وعندما يطال هذا الانكشاف المباشر رجل دين أو شخصية عامة، ينفجر الوضع بدرجة أكبر من التعقيد، لأنه يكشف عن الكثير من الصراعات الداخلية والخارجية بين الإنسان ونفسه ومحيطه، ويفتح الجرح النازف بين الإنسان وحقيقته، بين الهوية المتخفية خلف الرمز، والصورة اللامعة التي يصدرها لمحيطه.
ولا يكتمل المشهد حتى يستغل هذا الانكشاف ويُستدرج نحو تصفية الحسابات السياسية، وهنا تجرد اللحظة من سياقها الإنساني، ويُنقل الصراع إلى مكان يرجح مباشرة كفة على كفة، بعيداً عن الصراع الفكري إلى حلبة الجسد والسرير والحياة الخاصة، حيث تتحول المحاكمة إلى الضمير الجمعي، فالعار في عمقه الثقافي لا يبنى على طبيعة الفعل المجرد وحده، بقدر ما يتغذى على نظرة الآخر وسلطته.
الجنس كأداة سلطة
من الصعب النظر إلى الفضائح الجنسية في مجتمعاتنا العربية، كفضيحة وانتهى الأمر، لأن الجنس هو الحالة التي تُقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والديني والأخلاقي داخل مجتمعاتنا وربما داخل مجتمعات أخرى أيضاً.
يُحمّل الجنس معنى يفوق الفعل الجنسي نفسه، لأن الجسد ليس جسداً وحسب، بل هو المختبر ونقطة التقاء سمعة المرأة مع شرف العائلة ورجولة الرجل والتزامه الديني والأخلاقي، وأن تطال الفضيحة شخصاً من الأساس يُعتبر ممثلاً لمجتمع الفضيلة، الذي يحبه الناس ويدّعون دائما الانتماء إليه، يعني أن الفضيحة طالت الجميع، والانكشاف لم يعد متعلقاً بالشخص نفسه بقدر ما صار مرتبطاً بالمنظومة ككل، المشكلة الأساسية تبدأ إذا من رمزية الجنس، فلو نظرنا إلى الجنس كحاجة بيولوجية فقط لكان الأمر أبسط.
لكن عندما ننظر إلى الجنس على أنه أداة قياس، فالحديث هنا يأخذ مستويين. المستوى الشخصي الذي يجعل الجنس مركزاً أساسياً لفهم تكوين الشخصية، لأن الجنس مصدر القلق الدائم والمحفز المستمر للصراع مع قائمة المحظورات والقواعد المفروضة من الدين والمجتمع، وهذا ما يخلق للجميع ما يخفونه، لأن الكبت لا يلغي الرغبة هو فقط يدفعها نحو الداخل، وهذا يصعب الوصول إلى نقطة تفاهم بين رغباتنا وما يفرض علينا وما نتربّى عليه، وخاصة في حال كنا ننتمي إلى مجتمعات محافظة.
قرأت تعليقات كثيرة وصفت حبش بالمنافق، وهذا عكس ما يراه عالم الاجتماع غوفمان الذي يفترض من الأساس أن الإنسان يؤدي دوراً، على الخشبة يتصرف بالطريقة التي ترضي الجمهور، وفي الكواليس يخلع الدور ويسترخي وقد يتناقض مع نفسه، فهذه المساحة هي حقه. لذلك أعتقد أن مناقشة أخلاقية ما نخفيه قبل مناقشة أخلاقية انتهاكه وتحويله إلى فضيحة، هي إشكالية أخلاقية بحد ذاتها.
يزداد حضور الجنس في الحياة الاجتماعية في المجتمعات المحافظة، وكلما ازداد هذا الحضور في الخفاء كلما ازداد رفضه في العلن، وهذا ما يقودنا إلى المستوى الثاني، حيث ننتقل من الاتهام إلى المحاكمة ومن صراع الإنسان مع نفسه إلى صراعه مع الآخرين، من أحب أن أسميهم أدوات السلطة. فمن قال من الأساس إن هذا سلوك طبيعي وهذا منحرف؟ من قال إنّ هذا مشروع وذاك محرم؟ هذا مقبول وذاك مرفوض؟ ببساطة السلطة أي سلطة هي التي قالت، لأنها لا ترى في الجنس أكثر من وسيلة إدارة، فهي التي تنتج المعارف عنه، وهي التي تحوله في نهاية المطاف إلى قضية يومية لا يمكن التخلي عنها، وهذا ما أشار له فوكو بحديثه عن السلطة والجسد، فالسلطة لا تفرض ولا تمنع، تحاول فقط جعل الجنس أو أي فعل مصدراً دائما للاستجواب، وهذا ما يجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه، حتى داخل سريره.
الهدف الجنسي غير المعلن
إذا ما فكرنا قليلاً لاكتشفنا أن أغلب التيارات الفكرية والسياسية والدينية تحمل في داخلها هدفاً جنسياً ما، فأي تصور للمجتمع يجب أن يتضمن بالضرورة بشكل مباشر أو غير مباشر تطرقاً للجنس، ربما من خلال تصور للأسرة، للعلاقة بين الجنسين، للجسد، للملابس، لمفهوم الذكورة والأنوثة، لمعنى العفة والشرف. الجنس ببساطة أحد الميادين التي تكشف بها كل الأيديولوجيات تصورها للفرد وللسلطة وللمجتمع.
وربما لهذا السبب، تكون الفضائح الجنسية بالغة الأثر فهي تهدم مجموعة كاملة من التصورات عن الدين والشرف والأخلاق، لأن المجتمع من الأساس أعطى الجنس وظيفة الكشف عن الحقيقة الأخلاقية للإنسان وهذا ما يجعله بسبب أي فضيحة في مواجهة مباشرة وحادة مع نفسه، وليس فقط مع الشخص المدان.
بواسطة سالي علي | سبتمبر 23, 2026 | Cost of War, News, Reports, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
في سوريا، لا يموت الإنسان مرةً واحدة. يموت حين يُقتل، ثم يموت مرة ثانية حين يُختصر موته في رواية سياسية، ويموت ثالثة حينَ يصبح اسمه عبئاً على ذاكرة جماعة لا تريد أن تتذكره، ويموت أخيراً حين يطلب منكَ أحدهم أن تثبت أولاً إلى أيّ جهة كان ينتمي قبل أن يسمح لك بالحزن عليه. ربما لهذا يبدو السوري أحياناً، عاجزاً عن البكاء على موتاه جميعاً. ليس لأنّ السوري فقد قلبه، بل لأنّ الحرب علّمته أنّ الحزن نفسه يمكن أن يكون موقفاً سياسياً. ففي السنوات الماضية، لم يكن يكفي أن تقول : مات إنسان. كان عليك أن تضيف: من قتله؟ ولأيّ جهة ينتمي؟ وأين مات؟ وماذا كان يفعل قبل أن يموت؟ ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة: هل كان من “جماعتنا” ؟ وكأنّ الموت السوري يحتاج إلى جواز سفر طائفي كي يدخل إلى الذاكرة.
لهذا، يمكن للسوري أن يبكي على قتيل في مدينة بعيدة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الاعتراف بوجع قتيل آخر لأنّ صورته تزعج الرواية التي بنى حولها نجاته. يمكنهُ أن يطالب بالعدالة لضحايا نظام الأسد، ثم يصمت أمام ضحايا ارتكبتها قوى أخرى. ويمكن لآخر أن يفعل العكس تماماً: أن يتحدث عن مآسي جماعته، لكنه يمر على موت الآخرين كما لو أنهم تفصيل جانبي في قصة أكبر. هكذا تحولت سوريا إلى بلد لا يتنافس فيه الناس على من عاش المأساة فقط، بل على من يملك الحق في تسميتها مأساة. وهذا ربما أحدُ أكثر آثار الحرب قسوة. فالحرب لا تقتل الناس فقط. إنها تعيد ترتيب قيمة موتهم.
كان يمكن للسوري أن يعرف الموت بسهولة قبل أن يعرف السياسة. كان هناك بيت فقد ابنه. أم تنتظر. أب يحمل صورة. طفل لن يفهم لماذا لن يعود أبوه. امرأة تفتح هاتفها كل مساء على آخر رسالة واتساب من شخص لن يكتب بعدها شيئاً. هذه التفاصيل لا تحتاج إلى أيديولوجيا. فالموت في لحظته الأولى، لا يكون سنياً ولا علوياً ولا كردياً ولا مسيحياً. يكون جسداً غائباً، وكرسياً فارغاً، وثياباً لم تعد تُلبس. لكننا تعلمنا لاحقاً أنّ نضيف الهوية إلى الجثة. أن نسأل عن صاحبها قبل أن نسأل عن الجريمة. وهنا تكمن المأساة الأخلاقية الأكبر.لأنّ الاعتراف بأنّ الآخر ضحية لا يعني تبرئة الجهة التي ينتمي إليها. كما أن التعاطف مع إنسان من جماعة أخرى لا يعني أنك خنتَ موتاك. لكن السوري اليوم و بعد سنوات طويلة من العنف، أصبح يتعامل مع التعاطف كأنهُ تنازل. إذا حزنتَ على موتاهم، خفت أن يقال إنك نسيت موتانا. وإذا تذكرتَ موتانا، طالبك آخرون بأن تتذكر بأن لهم موتاهم أيضاً. لذا حتى الحزن أصبح ساحة حرب.
ربما لهذا السبب لا تزال بعض المآسي السورية تعيش في جزرٍ منفصلة. هناك من يحمل أسماء قتلاه كأنها وصية. وهناكَ من يرفض سماع أسماء قتلى آخرين لأنّ تلك الأسماء ارتبطت في ذاكرته بالخوف والسلطة والسلاح. وفي الساحل، مثلاً، لا يمكن أن تطلب من إنسان فقد قريباً في أحداث عنيفة أن ينسى خوفه لأنّ العدالة تحتاج إلى رواية وطنية جميلة. وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول خوف جماعة بأكملها إلى رخصة لمحو ضحايا الآخرين أو تبرير قتلهم. هذه هي المنطقة التي نخاف الاقتراب منها. نريد عدالة نظيفة، فيما تاريخنا متسخ بالدم. نريد سردية واحدة، فيما سوريا مليئة بسرديات متعارضة. نريد أن نقول إننا جميعاً ضحايا، لكننا لا نريد أن نسأل: هل كنا جميعاً ضحايا بالطريقة نفسها؟
لا… لم يكن السوريون متساوين أمام العنف، ولا أمام السلطة، ولا أمام السلاح، ولا أمام القدرة على النجاة. لكن الاعتراف بعدم تساوي التجارب لا يمنحنا حق تقسيم الضحايا إلى ضحايا يستحقون الحزن وضحايا يمكن تفسير موتهم. هناك فرق بين أن نفهم لماذا حدثت الجريمة، وبين أن نبحث عن سبب يجعلها أقل فظاعة.
ربما تحتاج سوريا اليوم إلى شيء أكثر صعوبة من المصالحة. تحتاج إلى القدرة على الحزن من دون أن نطلب الإذن من هويتنا. أن أستطيع أن أقول؛ هذا الإنسان مات، وكان موته ظلماً، حتى لو كان من الجماعة التي أخاف منها. أن أستطيع أن أقول: هذا الإنسان قتل أبي، ومع ذلك لا أريد أن يُقتل ابنه. أن أستطيع أن أحتفظ بغضبي من قاتل، من دون أن أورث هذا الغضب إلى كل من يشبهه.
هذه ليست رومانسية بل هذه بداية السياسة لأنّ الدولة التي تريد أن تبني نفسها على العدالة لا تستطيع أن تبدأ من سؤال: من هم موتانا؟ عليها أن تبدأ من سؤال أصعب: من هم موتانا جميعاً؟ ليس لكي نساوي بين الجرائم، ولا لكي نمحو مسؤولية أحد، ولا لكي نضع الجلاد والضحية في كفة واحدة، بل لكي نمنع الموت من أن يصبح ملكية حصرية لجماعة. قد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة. ليس كم تمثالاً أُزيل، ولا كم اسماً تغير، ولا كم خطاباً سياسياً تبدل. بل هل نستطيع للمرة الأولى منذ سنوات، أن نقف أمام قبر شخص لا يشبهنا ونقول ببساطة: كان يجب ألا يموت من دون “لكن”. من دون “إلا إذا”. من دون أن نسأل أولاً عن طائفته. لأن البلاد التي تحتاج إلى هوية كي تسمح لإنسان بأن يكون ضحية، لم تتعلم بعد معنى العدالة. وربما لهذا، قبل أن تتصالح سوريا مع ماضيها، عليها أن تتعلم شيئاً أبسط وأكثر قسوة: أن تحزن. أن تحزن على موتاها جميعاً، لا لأن موتهم متساوٍ، بل لأنّ حياة كل واحد منهم كانت تستحق أن تُعاش. وحين يصبح الحزن على الآخر ممكناً، ربما للمرة الأولى، سيصبح المستقبل ممكناً أيضاً.
بواسطة عامر فياض | أغسطس 19, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, تقارير, مقالات
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار والتضحيات الكبيرة التي قدّمنها خلال الثورة والحرب، ورغم أهمية وضرورة حضورهن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، التي تحتاج لإعادة إصلاح وترميم المنظومة الإجتماعية والمدنية التي تأثَّرت بظروف الحرب ومظاهر العسكرة وانتشار السلاح، يتم إقصاؤهن، بشكلٍ يكاد يكون مُمنهجاً، عن مراكز صنع القرار، والمناصب الوطنية القيادية الفاعلة، وعن أي شراكةٍ حقيقية في مواقع التأثير، كما يتم تَهميشهنَّ سياسياً وإجتماعياً، بشكلٍ يَغَفل حجم عطائهن ومدى تأثيرهن الكبير في بناء المجتمع، في مشهدٍ بات يراه كثيرون أنه يُرسّخ ثقافة السلطة الذكورية، ويُثير الكثير من القلق والمخاوف حول واقع النساء في سوريا مستقبلاً.
غياب عن المناصب القيادية ومراكز صنع القرار
بحسب مؤشر تمثيل النساء السوريات، خلال الرُبع الأول من العام الحالي، والذي يعتمد على القرارات والمراسيم الرسمية والتعيينات الإدارية المركزية والمحلية، يبدو واضحاً حجم الغياب الكبير للنساء عن المناصب العُليا في مؤسسة الرئاسة والوزارات السيادية ومراكز صنع القرار، فمن أصل 437 موقع مسؤولية، يوجد فقط 28 امرأة مُقابل 409 رجل، فيما لم تَشغل النساء سوى أربعة مناصب (وزيرة وثلاث معاونات وزراء) من أصل 87 منصباً في الحكومة، أي ما نسبته 4،60 %، ولم يتجاوز حضورهن في المؤسسات والمديريات والهيئات المركزية نسبة 2،94% ، وغالباً ما ينحصر حضورهن في مواقع تتعلق بشؤون التعليم والأسرة والمجتمع، ويرتبط بالأدوار الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي تحاول إبعادها عن مواقع النفوذ والتأثير.
ويتركز حضور النساء غالباً في مؤسسات ومديريات ذات طابع خدمي واجتماعي، مثل التربية والشؤون الاجتماعية والعمل، فيما يغيب حضورهن بشكلٍ تام عن رئاسة الهيئات الوطنية الجديدة، ومنصب المُحافظ، ورئاسة مجالس المدن، ورئاسة النقابات المركزية، وحتى رئاسة الجامعات الحكومية، وتنحصر مناصبهنَّ في مجالاتٍ محددة، مثل: عضوات مكاتب تنفيذية، ومديرات في بعض القطاعات الاجتماعية وبعض المجالس والنقابات الفرعية. وقد بلغت نسبة تمثيل النساء في الإدارة المحلية والمديريات الرئيسية 5،23 % فقط، وهي نسبة تعكس محدودية مشاركتهن في مواقع صنع القرارات المحلية، حيث ينحصر حضورهن ضمن المكاتب التنفيذية لأربع محافظاتٍ فقط، فيما يغيب عن معظم المديريات المرتبطة بالقطاعات الأمنية والاقتصادية والسيادية الأكثر تأثيراً على مستوى الإدارة المحلية، وكل ما يتعلق برسم السياسات العامة للدولة.
وبحسب المؤشر، بلغت نسبة تمثيل النساء في النقابات 9،2 %، وهي تُشكِّل أعلى تمثيلٍ نسائي، ورغم ذلك بَقيت المواقع القيادية حكراً على الرجال، إذ لم تصل النساء إلى أي مناصب عُليا، ولم يترأسن أي نقابةٍ حتى ولو كانت فرعية، ليقتصر حضورهن على عضوية المكاتب التنفيذية والمجالس النقابية، وذلك على الرغم من التوازن العددي بين الجنسين داخل أغلب النقابات، كما أن تمثيلهن المحدود في النقابات لم يأتِ نتيجة عملياتٍ انتخابية ضمن إطار القوانين النقابية، وإنما جاء ضمن التعيينات التي أقرتها الحكومة، وهو ما رآه البعض تهميشاً ممنهجاً من قِبلها بحق النساء.
وبالنظر إلى تلك الأرقام يبدو واضحاً حجم تدني نسبة تمثيل النساء مقابل الرجال في سوريا، وهي نسبة تبتعد كثيراً عن معدل الكتلة الحرجة التي تتبناها الأمم المتحدة، والتي أقرَّت بأن نسبة تمثيل النساء يجب أن تصل، في الحد الأدنى، إلى 30 %، وصولاً للمساواة الكاملة مستقبلاً.
النساء والتمثيل البرلماني
مع إعادة تشكيل وهيكلة مجلس الشعب، في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لم تُشكّل نسبة تمثيل النساء في المجلس سوى 10.63% فمن أصل 210 عضواً، هناك 22 امرأة فقط، وذلك على الرغم من أن النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب قد حدّد نسبة لا تقل عن 20% لتمثيل المرأة في الهيئات الانتخابية. وبما أن آلية انتقاء الأعضاء لم تكن عبر صناديق الانتخابات، فبالتالي لم يكن هناك حالة تنافسية بين المُرشحين تُعبِّر بشكلٍ حقيقي عن صوت وتطلعات الشعب، إذ تم اختيار ثلثي الأعضاء (140 عضواَ) عبر الهيئات الناخبة المُعيَّنة من قبل الرئيس أحمد الشرع، والتي اختارت سبع نساء فقط، فيما اختير الثلث الباقي (70 عضواً) من قبل الرئيس بشكلٍ مباشر، ومن بينهم 15 امرأة. وقد بدا واضحاً أن معظم النساء المُعينات في المجلس، إما مقرباتٍ من السلطة، أو يحملن توجُّهاً سياسياً وفكرياً مُتقارباً، يتقاطع بشكلٍ أو بآخر مع نهجها وسياستها، وهو ما جعل التمثيل النسائي البرلماني، القليل أصلاً، لا يُحاكي تنوع المجتمع السوري، ولا يُمثِّل مختلف شرائحه ومكوناته، على اختلاف توجهاتها الفكرية والثقافية والسياسية.
ومع تراجع نسبة المشاركة البرلمانية للنساء، احتلت سوريا المرتبة 162 عالمياً، لتصبح ضمن قائمة آخر عشر دول في العالم تُسجّل أدنى نسبة تمثيل للمرأة في البرلمان، وهي نسبة لم تصل حتى إلى النسبة (20%) التي اقترحها النظام الانتخابي لمجلس الشعب.
الخطاب الإقصائي في الإعلام والمشهد العام
من خلال متابعة وسائل الإعلام الرسمية سيُلاحظ تغّييب النساء بشكلٍ واضح عن المشهد الإعلامي، فعلى سبيل المثال، خلال إطلاق الحملة الترويجية لقناة “الإخبارية السورية”، ورغم وجود إعلامياتٍ ومُذيعات ضمن فريق القناة، التي يُفترض أنها تُمثِّل صوت جميع السوريات والسوريين، كان واضحاً حجم تهميشهن وعدم إظهارهن في المراكز والمواقع الأساسية للقناة، مُقابل التركيز الكبير على الإعلاميين الذكور وإبرازهم بأبهى صورهم وحضورهم الإعلامي، سواء في الفيديوهات المُصورة من داخل الاستديوهات أو التي صَوَّرت زيارة وفدٍ من الناشطين والإعلاميين للإطلاع على مُجريات العمل قبل إطلاق القناة. وخلال لقاء للرئيس الشرع مع عدد من الإعلاميين والناشطين وما يُسمى بـ”المؤثرين” و”صُناع المحتوى” كان واضحاً من الصورة التي التُقِطت خلال اللقاء، حجم الغياب الكبير للنساء، إذ لم يظهر فيها سوى امرأة واحدة مقابل عشرات الرجال.
وفي مثالٍ آخر، وخلال نشر البوستر الإعلاني لمؤتمر تطوير طب حديثي الولادة، الذي نظمته نقابة أطباء سوريا/ فرع حماة، وبينما وُضعت الصور الشخصية للأطباء الرجال على البوستر، ظهرت صور الطبيبات المشاركات في المؤتمر بطريقةٍ كرتونية بدلاً من وضع صورهن الشخصية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثيرون أن ذلك السلوك يُمثل انتقاصاً من قيمة الطبيبات.
ومن الأمثلة الأخرى التي تُكرّس ثقافة الخطاب الإقصائي، صدور عددٍ من القرارات التمييزية الغريبة التي تتناقض مع أبسط قواعد العدالة والمساواة بين الجنسين في الأماكن العامة وبيئات العمل، كقرار فصل النساء عن الرجال في ساحة الجامع الأموي، وقرار مدير مستشفى المواساة، الذي يقضي بجلوس الطبيبات وجميع العاملات في المستشفى في القسم الخلفي للباصات المُخصصة لنقل الموظفين، فيما يجلس الأطباء والموظفين الذكور في الجزء الأمامي.
ويرى كثيرون من مُتابعي الإعلام الرسمي أنه يحاول إبراز الرجال وحدهم في صدارة المشهد، ويُرسِّخهم في مواقع السلطة والمبادرة، مقابل دفع النساء إلى الهامش، حتى ولو كنّ حاضرات بالفعل في كثيرٍ من المجالات. كما أن ارتفاع سقف الخطاب السياسي، الذي يتبنى مبادئ “الشرعية الثورية” وشعار “من يُحرّر يقرر”، بات يُكرِّس، عن قصدٍ أو دون قصد، تهميش النساء وإقصاءهن عن الفضاء العام، ويجعل أدوارهنّ محدودةً، وفي أحسن الأحوال يُمكن الاستعانة بحضورهن فقط عند الحاجة إلى تلميع صورة النظام الحالي أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.
وتحاول اليوم بعض الخطابات الشعبوية الإقصائية المواربة، التي انتشرت في كثيرٍ من المجتمعات السورية، إعادة تعريف دور النساء، بما ينسجم مع إيديولوجياتها الدينية والسلطوية، عَبر نشر أفكارٍ تتعلق بتبعية المرأة للرجل، وتكريس صور النساء فقط في الأدوار الرعائية، وإظهارهن كأمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ للرجال، وإظهار كثير من الأدوار النسائية على أنها مُخلّة بالآداب العامة وتُشكِّل خطراً على المرأة، وهو ما نشر حالة من الخوف بين النساء الراغبات بالمشاركة في الشأن العام، وخاصة في بعض الأرياف والمجتمعات المُحافظة.
اللجوء إلى مواقع التواصل الإجتماعي
في ظل ما تتعرض له النساء من إقصاء عن مواقع التأثير والفضاء العام، ومن تضييقٍ على المشاركة في الحياة السياسية، لجأت الكثيرات منهن إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، لعلهن يجدن فيها مساحة للتعبير عن آرائهن وللدفاع عن مواقفهن وإثبات وجودهنّ في الميدان السياسي والفضاء العام بأي طريقة، لكنّ تلك المساحة ضاقت بوجه الكثيرات منهن أيضاً، بعد أن تحول النقد والتعبير عن الرأي إلى فعلٍ محفوف بالمخاطر، حيث تعرض عدد من الناشطات والصحافيات لحملات مُنظمة من التشهير والتحريض، بهدف إخراس أصواتهنّ وإبعادهن عن الميدان السياسي بأي ثمن، وهو ما أجبر بعضهن، خاصة بعد تعرضهن إلى تهديدات وشتائم ذات طابع جنسي، على حذف منشوراتهن التي تنتقد الحكومة وتتحدث عن السياسة وتهميش النساء، وذلك في ظل غياب أية مؤسساتٍ قانونية يمكنهن اللجوء إليها، وغياب الأحزاب السياسية الذي يُبقي تأثيرهن وفعاليتهن السياسية محدودة ومُشتتة.
تحتاج البلاد اليوم، وبصورة مستعجلة، إلى إعادة الاعتبار للمرأة، بوصفها شريكة فاعلة ومؤثِّرة في بناء سوريا الجديدة، ويُشكِّل تمثيلها وحضورها الفاعل جوهر عملية التحول الديمقراطي المنشود، وهو ما يحتاج إلى إعادة هيكلة لجميع المنظومات السياسية والثقافية والقانونية بطريقةٍ ناجعة تضمن مشاركة متكافئة لكلا الجنسين، وتمنح المرأة تمثيلاً حقيقياً ومُستداماً في المجتمع، وجميع المؤسسات والمجالس ومواقع القرار، كما ينبغي أن تكون تلك المشاركة ليست مُجرد استجابة للضغوط الدولية أو محاولة لإظهار خطابٍ مُعاصر يُلمّع صورة السلطة، وإنما استجابة طبيعية للدور التاريخي للمرأة، وطنياً وإجتماعياً وإنسانياً، وإيماناً راسخاً بأن إعادة بناء البلاد تتطلب طاقات وعقول جميع أبنائها، من كلا الجنسين.
بواسطة سالي علي | يوليو 26, 2026 | Cost of War, Culture, News, Reports, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
في مسرحية “في انتظار غودو“، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب “صمويل بيكيت” مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة. وحين يطول الانتظار، لا يعود الإنسان يسأل متى سيتغير الواقع، بل يتكيف مع فكرة أنّ المستقبل قد لا يصل أبداً كما تخيله. وربما لهذا تبدو سوريا اليوم أمام تحدٍ يتجاوز انتهاء المعارك. فمع انحسار المواجهات العسكرية، والحديث المتزايد عن رفع العقوبات، وعودة الشركات، وخطط إعادة الإعمار، ما يزال كثير من السوريين ينظرون إلى الغد بحذر. ليست المشكلة أنهم لا يرون مؤشرات التحسن، بل أنهم لم يعودوا يثقون بسهولة بأنّ الزمن سيواصل السير في الاتجاه نفسه. فالحرب لا تترك وراءها مدناً مهدمة فقط، بل تترك علاقة مضطربة مع المستقبل، يصبح معها الاستقرار احتمالاً أكثر منه يقيناً.
تشيرُ تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ الاقتصاد السوري انكمش إلى أقل من نصفِ حجمه مقارنة بما قبل عام 2011، ومع ذلك فإنّ الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تفسر وحدها المزاج العام. فالاقتصاد يمكن أن يبدأ بالتعافي بمجرد عودة النشاط والإنتاج، أما الإنسان فلا يتعافى بالسرعة نفسها، لأنّ ما تضرر خلال سنوات الحرب لم يكن الدخل وحده، بل الإحساس بأنّ الغد يمكن التخطيط له. كما تؤكد دراسات المجتمعات الخارجة من النزاعات أن آثار الحرب تستمرُ طويلًا بعد توقف القتال. فوقف إطلاق النار لا يعيد تلقائياً أنماط الحياة السابقة، ولا يعيد الثقة بالمؤسسات أو القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وتشير تقديرات البنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة إلى أنّ التعافي الاقتصادي كثيرًا ما يسبق التعافي الاجتماعي، لأنّ الأسواق تستطيع استئناف نشاطها بدافع الحاجة، بينما يحتاج الشعور بالأمان إلى تجارب متكررة تثبت أنّ الاستقرار أصبح قاعدة لا استثناء.
لعلّ أشد ما تفعله الحرب قسوة أنها تغيّر علاقة الإنسان بالزمن. ففي الظروف الطبيعية، يبني الناس حياتهم على افتراض بسيط: أنّ الغد سيكون امتداداً لليوم. أما في سنوات النزاع فيصبح هذا الافتراض نفسه محل شك. يتراجع التفكير البعيد، وتغدو الأولوية للنجاة من الأسبوع المقبل، أو حتى من اليوم التالي. ومع مرور الوقت لا يبقى هذا السلوك مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى عادة ذهنية تستمر حتى بعد زوالِ أسبابها.
في أحد مقاهي دمشق، كان الحديث يدور حول مشروعٍ صغير يخطط أحد الأصدقاء لإطلاقه. استمع الجميع باهتمام، ثم قال أحدهم بعد لحظة صمت: “استنى شوي، خلي الأمور تثبت”. لم يناقش جدوى المشروع ولا مصادر تمويله، بل علّق القرار كله على الزمن. وكأنّ المشكلة لم تعد في الفكرة، بل في السؤال الأعمق: هل يمكن الوثوق بأنّ الغد لن ينقلب فجأة على اليوم؟ لهذا في الأحاديث اليومية تتكرر عبارات مثل: “لسه بكير” و”خلينا ننتظر”، و”ما حدا بيعرف شو بصير”. قد تبدو كلمات عابرة، لكنها تعكس طريقة كاملة في قراءة الواقع. فالحرب علمت الناس أنّ الخطط قد تنهار بين ليلة وضحاها، وأنّ النجاح الحقيقي كان في القدرة على تعديل المسار بسرعة، لا في الالتزام بخطة طويلة. وما كان يوماً استجابة عقلانية لسنوات الفوضى قد يتحول اليوم إلى عائق أمام أيّ بداية جديدة.
الأمر هنا لا يتعلق بالتشاؤم بقدر ما يتعلق بالذاكرة. فالذاكرة لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تحفظ أيضاً الإيقاع الذي عاشت عليه. سنوات الانقطاع المتكرر، في العمل والدخل والخدمات وحتى في المكان، تجعل الحذر يبدو أكثر حكمة من التفاؤل، لأنّ التجربة علمت أصحابها أنّ الاستقرار قد يكون مؤقتاً. وهكذا يصبح الزمن نفسه موضع اختبار دائم، ويغدو الانتظار خياراً يبدو أكثر أماناً من المبادرة. وهذه ليست خصوصية سورية. ففي البوسنة والهرسك، بدأت الأسواق وإعادة الإعمار تستعيدُ نشاطها بعد اتفاق دايتون بوتيرة أسرع من استعادة العلاقات الاجتماعية عافيتها، إذ احتاجت المجتمعات المحلية سنوات حتى تتجاوز آثار الانقسام. وفي رواندا، لم يكن النمو الاقتصادي بعد عام 1994 كافي لطي صفحة الإبادة الجماعية، بل رافقته جهود طويلة للمصالحة والعدالة المجتمعية، لأنّ إعادة بناء الإنسان استغرقت زمناً أطول من إعادة بناء الاقتصاد. وحتى في لبنان، ظل منطق الحذر حاضراً في السياسة والاقتصاد بعد انتهاء الحرب الأهلية وكأنّ الماضي بقي يقيس احتمالات المستقبل.
ومن هنا يمكن لنا فهم مفارقة الاستثمار. فكثيراً ما يُنظر إليه باعتباره أموالاً تبحث عن فرص، لكنهُ رهان على الزمن في جوهره . المستثمر لا يشتري الحاضر، بل يشتري ما يتوقع أن يكون عليه الغد. ولهذا لا تكفي الحوافز أو التصريحات لجذب رؤوس الأموال، إذا بقيت القواعد متقلبة، أو ظل المستقبل غامضاً. فكلما انخفضت القدرة على التنبؤ، ارتفعت كلفة القرار حتى لو بدت الفرص الاقتصادية واعدة. والأمر نفسه ينطبق على الناس. شراء منزل، أو افتتاح مشروع، أو العودة من اللجوء، أو حتى اتخاذ قرار بالزواج والإنجاب، ليست قرارات اقتصادية فحسب، بل رهانات على أنّ المستقبل سيكون أكثر استقراراً من الحاضر. ولذلك فإنّ إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء الإحساس بأنّ الزمن عاد يسير بصورة طبيعية.
الحرب، إذاً؛ قد تنتهي بوصفها حدثاً عسكرياً وسياسياً لكنها لن تنتهي في وجدان الناس بالسرعة نفسها. واستعادة الحياة لا تتحقق بمجرد توقف القتال، إنما حين يصبح الأمن اليومي واقعاً وتستقر المؤسسات على قواعد واضحة، وتستعيد الخدمات والاقتصاد قدرتها على منح الناس ما هو أثمن من الدخل؛ القدرة على التخطيط.
في نهاية “في انتظار غودو“؛ يقرر الرجلان أن يغادرا، لكنهما لا يتحركان. ليست المشكلة أنهما لا يعرفان الطريق، بل أنّ الانتظار أصبح عالمهما الوحيد. وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب؛ أن لا يتحول الحذر الذي كان ضرورة للبقاء، إلى أسلوبٍ دائم في الحياة. سوريا الجديدة لن تُقاس بعدد الأبنية التي ستُشيَّد، ولا بحجم الاستثمارات التي ستدخلها، بل باليوم الذي يتوقف فيه السوري عن انتظارِ استقرار الغد، لأنهُ أصبح يعيش استقرار اليوم. عندها فقط يمكن القول إنّ الحرب انتهت حقاً، ليس في الخرائط العسكرية وحدها بل في الزمن الذي يحمله الناس داخلهم.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | يوليو 20, 2026 | Cost of War, Culture, بالعربية, تقارير, مقالات
يُقال إن رئيس اتحاد الكتّاب العرب الأسبق، الدكتور حسين جمعة، لم يكن يعترف بقصيدة النثر ولا يعدّها شعراً؛ فالشعر عنده كان ما نُظم على بحور الخليل فقط.
كان ذلك مجرد رأي، ورغم أنه كان يترأس مؤسسة ثقافية، فإنه لم يعمل على إقصاء من يكتبون قصيدة النثر، ولم يحارب هذا الجنس الأدبي الذي أثار نقاشات وتجاذبات كثيرة على مدى عقود.
ولم يكن هذا الرأي حكراً على الدكتور حسين جمعة، بل كان رأي كثيرين من أقطاب القصيدة التقليدية. وقد سبقه إليه الشاعر نديم محمد، الذي اتسم نتاجه بتجديد الصورة الشعرية. ورغم ذلك، عندما قرأ له الشاعر خير الله علي نصاً من قصيدة نثرية، قال: «هذا كلام أدبي جميل، لكن لا تقل لي إنه شعر».
القصيدة التقليدية والحديثة، سواء أكانت تفعيلة أم نثرية، والرواية والقصة، والفن التشكيلي والسينما، والدراما والمسرح، إضافة إلى الموروث المتراكم تاريخياً، كلها تشكّل مشتركاً ثقافياً إبداعياً لا ينتمي إلى فئة دون أخرى. لكن، في الفترة الأخيرة، ومع ما حدث في سورية، يبدو أن هذا المشترك أصابه الانقسام كما أصاب معظم فعاليات المجتمع السوري. ولم يقم هذا الانقسام على أساس نقدي أو إبداعي، بل على أسس أخرى.
اصطفاف ثقافي بمضمون سياسي
أوردنا ما سبق مثالاً على اختلاف الرأي في مسألة إبداعية نجم عنها نقاش وجدال امتدا لعقود، لكنهما لم يؤديا إلى اصطفاف كالذي نراه اليوم في الواقع السوري، والذي يبدو متماشياً مع الاصطفافات الأخرى.
يعكس الراهن الثقافي السوري الواقعين السياسي والاجتماعي، وهذا أمر معروف في هذا الشرق منذ زمن طويل، في ظل العلاقة المعروفة بين المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، والنشاط والفعاليات الثقافية من جهة أخرى.
كانت التغييرات التي اعترت هذا الواقع واضحة تماماً، سواء من حيث الفعاليات أو من خلال سمات الخطاب الثقافي المعتمد، الذي ينحو نحو الأصولية بما يوحي بأنه موازٍ للأصوليات الأخرى.
من المعتاد أن تعمد السلطة السياسية إلى فرض ثقافتها التي تؤسس لأيديولوجيتها وترفدها، وتصبح هذه الثقافة في علاقة تفاعلية مع مكونات السلطة. وهذا ما نراه بوضوح في سورية الآن، إذ يفرض ذلك على الثقافة المقابلة والمناقضة لها صبغة سياسية قد لا تكون تسعى إليها، ويضعها في موقع المعارضة ثقافياً وسياسياً.
ولا بد لهذا الاصطفاف من أن يفرض توتراً ثقافياً ذا أطياف سياسية واجتماعية، قد يصل إلى درجة رفض الآخر ثقافياً، والتقليل من شأن مبدعين معروفين، وإهمال المنجز الإبداعي على أساس التوافق أو عدمه، ووفق معايير تتجاوز الشللية المعروفة.
إقصاء إبداعي وثقافي
أسرّ لي مدير مركز ثقافي بأن هناك أسماء لمبدعين وكتّاب ممنوعين من اعتلاء منابر وزارة الثقافة بمختلف مؤسساتها. وأضاف أن هذا المنع قام على أساس علاقة مفترضة بالسلطة السابقة، تُفهم على أنها تأييد لها. كما أن هناك من لا يندرج ضمن هذا التصنيف، لكن ما يقدّمه من مادة ثقافية لا ينسجم مع توجهات وزارة الثقافة الجديدة.
ويؤكد ذلك غياب كثير من الأسماء التي كانت تساهم في الحراك الثقافي السوري، وبروز أسماء أخرى غير معروفة، وليس لديها منجز ثقافي معروف أو ذو قيمة قياساً بمن جرى تغييبهم. والسمة الغالبة على منجز هؤلاء هي التقليدية والالتزام بالكلاسيكية الشعرية بنمطها الأقرب إلى العصرين الأموي والعباسي، سواء من ناحية القاموس اللغوي أو المعالجة الشعرية لحالات سالفة تناولتها كثير من القصائد والنصوص.
ولا يقتصر ذلك على وزارة الثقافة، بل يتجاوزها إلى وزارة الإعلام ومؤسساتها، ولا سيما القنوات الإعلامية الوطنية، حيث يجري التركيز على أسماء معينة وجوانب إبداعية محددة، مع استثناءات قليلة. وينطبق الأمر أيضاً على قنوات أخرى مناصرة للسلطة، مثل تلفزيون سورية، الذي يبث برنامجاً عن الشعر يقتصر على الشعر الخليلي وعلى أسماء تنتمي إلى طيف واحد تقريباً.
في المقابل، هناك انكفاء طوعي لكثير من المبدعين والمثقفين الذين كانوا ينشطون في الفضاء الثقافي السوري، وابتعاد عن المشاركة والحضور في المؤسسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية. ونلمس ذلك في ابتعادهم عن نشاطات المراكز الثقافية واتحاد الكتّاب العرب بفروعه الموزعة في المحافظات والمناطق السورية، وكذلك في غيابهم عن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ولجوئهم إلى المقاهي الثقافية لإقامة نشاطاتهم، رغم ضيق هذه المقاهي وعدم ملاءمتها لمثل هذه الأنشطة من حيث المساحة والتصميم والطابع العام.
ولم يقتصر الإقصاء والانكفاء على النتاج الكتابي وحده، بل وصلا إلى فعاليات أخرى كالدراما. فقد عمدت نقابة الفنانين إلى إبعاد عدد من الفنانين الذين اتُّهموا بممالأة النظام السابق، بينما انكفأ فنانون آخرون واحتجبوا، وغادر بعضهم البلاد.
ثقافة واحدة أم ثقافات؟
يطرح السجال المحتدم على الساحة السورية حول شخصيات وأحداث تاريخية وقضايا ثقافية تساؤلاً مهماً: هل هناك ثقافة واحدة في سورية أم ثقافات متعددة؟
من الطبيعي أن يكون هناك تنوع ثقافي في بلد يقوم على التعدد الإثني، إذ يختلف الموروث الثقافي من فئة إلى أخرى. لكن يمكن لهذا التنوع أن يساهم ويتضافر ضمن نطاق ثقافة وطنية جامعة، وهو ما كنا نظن أنه موجود في سورية، إلى أن كشف الواقع السوري الجديد عن جدال حاد حول قضايا كنا نظن أن الاتفاق عليها والنظرة إليها قد أصبحا من المسلمات.
فقد أُعيد طرح قضايا مزمنة طُرحت منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، حين انطلقت «النهضة العربية»، التي يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، مثل قضية إسلامية الدولة أم قوميتها ووطنيتها. لكن الفارق أن هذه القضايا لم تُطرح على أساس فكري تحرري وفي سياق نقاش وطني، بل في إطار إقصائي تعصبي ومتشنج.
كذلك عاد السجال والجدال حول شخصيات تاريخية، مثل صلاح الدين الأيوبي، وحول أحداث ومناسبات مثل عيد الشهداء وحرب تشرين عام 1973.
وعلى صعيد آخر، هناك نزوع إلى طمس رموز ثقافية ووطنية، من خلال استبدال تسميات منشآت وشوارع وهيئات بتسميات جديدة مرتبطة بشخصيات دينية تاريخية. ومن ذلك استبدال اسم ساحة العباسيين باسم «ساحة الزبير بن العوام»، في سياق خطة تهدف إلى تسمية بعض الميادين بأسماء المبشرين بالجنة، أو بتواريخ مناسبات لها صلة بالسلطة الجديدة.
ومن الأمثلة أيضاً استبدال اسم شارع «عبد المنعم رياض» باسم «18 نيسان»، وتغيير اسم جامعة تشرين إلى جامعة اللاذقية، واسم حديقة «6 تشرين» إلى «حديقة المشروع». علماً أن التسميات المستبدلة تُعد جزءاً من المشترك الثقافي والوطني، ولا تخص فئة بعينها.
ولا بد من الإشارة إلى أن استبدال تسميات مثل «الباسل» و«البعث» و«8 آذار» و«17 نيسان» أمر محق وضروري، شريطة أن تكون التسميات الجديدة ذات طابع وطني عام.
وثمة إجراء آخر يتصل بالجانب الثقافي، وإن كانت أهدافه تتجاوز ذلك، يتمثل في التغيير الذي طرأ على المناهج الدراسية، من خلال حذف أحداث وشخصيات واعتماد أخرى بما يلائم التوجه السياسي الجديد، بصرف النظر عن الأهمية الوطنية والتاريخية للأحداث المحذوفة، وعن مصداقية الشخصيات المستبعدة.
وقد أثار ذلك استفزازاً ثقافياً واجتماعياً لدى من نشأوا على احترام هذه الشخصيات وتقديرها، وشكّلت لهم تلك الأحداث مصدر فخر وطني وشخصي بحكم الانتماء.
وكانت النتيجة نشوء تباينات عمودية في الحالة الثقافية السورية، بعدما كانت التباينات أفقية تعود إلى الاختلاف في الرأي، لا في الموروث والتوجه والهدف والرؤية.
إن تقويض المشترك الثقافي الوطني هو ما أدى إلى هذه الحالة، إضافة إلى تبني أصناف معينة من النتاج الثقافي، وتسفيه أصناف أخرى وإسقاط القيمة عنها، فضلاً عن طمس معالم، وتغييب شخصيات وقامات ثقافية، واستحضار أخرى على أسس مختلفة، إلى حد باتت معه الثقافة السورية تبدو كأنها ثقافات متعايشة تارة، ومتعارضة تارة أخرى، لا ثقافة واحدة.