باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة والأكاديمية الأمريكية من أصول إيرانية ريبيكا شريعة طالقاني، وهي أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك، مقاربة جديدة في دراسة “أدب السجون السوري”، تستند إلى الكتابة الأكاديمية من خلال توظيف دراسات أدب السجون وحقوق الإنسان. ورغم هذه المقاربة، يظل الكتاب في متناول شريحة واسعة من جمهور القرّاء؛ إذ لا يهدف إلى تقديم سردية تاريخية عن السجون السورية، ولا إلى أرشفة مسار الحركات الحقوقية في البلاد، ولا إلى توثيق شامل للاعتقالات والتعذيب والانتهاكات. وإن كان يطلّ على جوانب من هذه السياقات أثناء القراءة، فإن الغاية الأساسية للعمل تتجلّى في تعريف القارئ بما اصطلح عليه “أدب السجون السوري”، ومضامينه المتعلقة بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، فضلاً عن تتبّع تطوّر أشكاله الإبداعية وتنوّع تعبيراته عبر الزمن.

تعقد طالقاني، في سياق دراستها، مقارنة بين أدب السجون في سورية وتجارب مشابهة في العالم، مثل تجربة المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، والروائي والناقد الحداثي السعودي عبد الرحمن منيف، كاشفة عن طابع خاص بالسجون السورية يتّسم بوحشية متفرّدة، تجعل من كل كلمة تُكتب من داخلها أو عنها عملاً بطولياً وأخلاقياً ومقاوماً.

وقد جاءت دراستها متجاوزة التوثيق إلى تحليل الأدب المُنتج داخل السجون أو حولها بوصفه ممارسة مقاومة، وأداة للنجاة الرمزية، وشكلاً من أشكال العدالة التأويلية.

صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء

صدر الكتاب العام المنصرم عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة، ضمن “سلسلة ترجمان”، ويقع في 312 صفحة، شاملاً تقديم المترجم، ومقدّمة، وخاتمة، ومراجع، وفهرساً عاماً، إضافة إلى قائمة رسوم وصور توضيحية.

يوضّح الناشر، في تعريفه بهذا الكتاب، أنه يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة العربية، لما ينطوي عليه من تداخل عميق بين الأدب وحقوق الإنسان، وبين التجربة الفردية والهمّ الجمعي؛ إذ لا يكتفي بمجرد توثيق معاناة المعتقلين السوريين، بل يسمو بهذه المعاناة إلى مقام الكتابة الأخلاقية والجمالية، ويمنحها بعداً إنسانياً عصياً على المحو، ونافذاً إلى الوجدان.

اختارت طالقاني، وهي تدرس أدب السجون السوري، النظر إليه بوصفه أحد العناصر الرئيسة في ثقافة المعارضين السياسيين السوريين، لا سيّما تلك التي أرسى دعائمها المعارضون العلمانيون اليساريون والمعارضون الإسلاميون منذ سبعينيات القرن العشرين، والتي شكّلت ركناً مهمّاً من أركان الثورة السورية التي انطلقت في منتصف آذار/ مارس 2011.

تقول طالقاني، في حوار معها عن اشتغالها على هذه الدراسة: “حاولت استخدام التعريف الممكن الأوسع والأكثر شمولية: أدب السجون هو أي نص تمّت كتابته عن، أو في، أو خلال تجربة الاعتقال، كما حاولت الإشارة إلى أن أي تعريف، بما في ذلك التعريف الأوسع الذي أستخدمه، هو إشكالي ويحتمل النقاش والجدل”. وتضيف: “ركّزت في بحثي الخاص بصورة رئيسية على أعمال كتبها المعتقلون عن الاعتقال، سواء أكانت أعمالاً روائية خيالية أو غير خيالية أو شعرية أو مسرحية”(1).

تمتدّ المرحلة الزمنية للأعمال التي تناولتها المؤلّفة من مرحلة توطيد حافظ الأسد نظامه الديكتاتوري، ثم توريثه لابنه بشار، وصولاً إلى الثورة السورية عام 2011، والحرب التي شنّتها قوات النظام البائد على الحاضنة الشعبية للثورة، والصراع المسلّح الذي أشعلته، وحتى عام 2020.

ومن الأعمال التي تناولتها في الكتاب رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، و**“من تدمر إلى هارفارد”** لبراء السراج، وغيرهما، باعتبارها نماذج حيّة من هذا الإبداع في وجه القمع. وتلفت إلى أنه حتى قبل عام 2011، كتب معتقلون أعمالاً كاملة، مثل عماد شيحة الذي ألّف ثلاث روايات خلال اعتقاله، وظلّ بعضها سرياً حتى وجد طريقه إلى النشر. وترى، في هذا السياق، أن الكتابة تتحوّل من مجرد توثيق فردي إلى دفاع عن الذاكرة، وإلى صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء، ويُصرّ على تثبيت معاني العدالة والكرامة.

إن الفكرة المركزية التي تنهض عليها هذه الدراسة هي الربط بين “أدب السجون” وخطاب حقوق الإنسان، بما يشمله من منظومات وقوانين ورموز.

وانطلاقاً من هذه الفكرة، ترى طالقاني أن نصوص هذا الأدب تقدّم مشاهد اعتراف سردية لا تُظهر فداحة المعاناة التي يكابدها المعتقلون فحسب، بل ترتبط، في الوقت نفسه، بخطاب حقوق الإنسان العالمي، بما يحوّل هذه النصوص إلى أدوات وعي سياسي وأخلاقي.

وانطلاقاً أيضاً من أن مؤلّفات أدب السجون في العالم العربي، وأكثر عموماً في الشرق الأوسط، قد تُنتج بالفعل سجلاً بديلاً عن السرد الرسمي للدولة، التي لا تأتي على ذكر انتهاكات حقوق الإنسان الموجودة فعلاً، فإن هذه المؤلّفات الأدبية تشكّل جزءاً من السجل التاريخي، إضافة إلى كونها أعمالاً إبداعية.

وجاء تناول المؤلّفة لمفهوم “بويطيقا الاعتراف” لتدرسه فنياً وأسلوبياً، وتربطه بمفهوم الاعتراف السياسي الذي يُعَدّ من الركائز الأساسية في خطاب حقوق الإنسان الحديث، خصوصاً في القرن العشرين.

ولا شك أن اعتماد طالقاني مصطلح “البويطيقا” في عنوان الكتاب لم يكن ترفاً لغوياً محضاً، بل هو استدعاء واعٍ لمفهوم نقدي ذي جذور فلسفية وجمالية عميقة؛ لأن الكتاب يعالج النصوص الأدبية ووثائق حقوق الإنسان بوصفها مادة فنية ومعرفية، ويستقصي الكيفية التي تُحدث بها هذه النصوص أثرها الجمالي والحقوقي في آن.

و“البويطيقا” كلمة يونانية ارتبطت باسم الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي عنون بها كتابه الشهير “فن الشعر”. وعُرفت بالفرنسية Poétiqueوبالإنكليزية Poetics، وكلتاهما متحدرة من الكلمة اللاتينية Poetica المشتقة من الكلمة الإغريقية Poietikos، لتحمل في هذه اللغات كلها معاني تتصل بصناعة الشعر ونظريته وفنونه.

وقد تنوّعت ترجمة كلمة “البويطيقا” وتجلياتها في ثقافتنا العربية، فوردت بصيغ شتى: نظرية الشعر، وفن الشعر، وصناعة الشعر، وقواعده، وصوغ اللغة الشعرية، والإنشائية، والبنية الشعرية، والشاعرية، والشعريات، وغير ذلك، ما يعكس ثراء هذا المصطلح وتشعّب دلالاته في الحقول الأدبية والنقدية.

دراسة “أدب السجون بوصفه نوعاً أدبياً

قسّمت المؤلّفة الكتاب إلى ستة فصول، مستعرضة من خلالها تطوّرات “أدب السجون السوري” في ضوء “التحوّل التجريبي” في الأدب العربي الحديث، ومبيّنة كيفية تجاوز هذا الأدب الوظيفة التوثيقية إلى فضاء أدبي وجداني يتفاعل مع الأسئلة الجمالية والوجودية الكبرى.

وتتناول، في الفصل الأول من الكتاب، مسألة تصنيف “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً قائماً بذاته، مشدّدة على أهمية النظر إليه من زاوية سياسية، على الرغم مما يحيط بهذا التصنيف من إشكالات نظرية. ثم تتوسّع بعد ذلك في عرض المناقشات الدائرة بين الكتّاب والباحثين حول اعتبار “أدب السجون” جنساً أو نوعاً أدبياً، مستعرضة المسارات المختلفة لنظرية النوع الأدبي في سياق دراستها. وعلى الرغم من إدراكها ما يكتنف هذا التصنيف من معضلات وحدود، فإنها ترى في استخدام مصطلح “أدب السجون” ضرورة سياسية لا غنى عنها.

انطلاقاً من هذا الفهم، يُدرَس “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً محدد المعالم، وقد طغى على مقاربته في النقد الأدبي العربي، غالباً، البعد التوثيقي والجنوح إلى النزعات التوفيقية التي تحاكي أحياناً أسلوب تقارير حقوق الإنسان، ما يحجب الأبعاد الجمالية والإنشائية الكامنة فيه. وتلفت إلى أن هذا الأدب لا يقتصر على الرواية والمذكرات، بل يمتد ليشمل أجناساً أدبية أخرى، كالقصة القصيرة والشعر والمسرح أيضاً، ما يجعل تعدّده الفني يُغني مضمونه، ويمنح قضاياه تراكماً تعبيرياً متجدداً.

وتفتتح طالقاني الفصل الثاني بقصة كتابة أطفال درعا على جدران مدرستهم عبارات مناهضة لنظام بشار الأسد في آذار/ مارس 2011، واعتقال أجهزة الأمن لهم وتعذيبهم وسجنهم، بوصفها لحظة انطلاق الثورة السورية، ومن ثم تحوّلها سريعاً إلى رمز لها، رابطة هذه القصة بموضوعات الاعتراف والضعف والتعاطف التي وجدتها في الأدب السوري عن السجون والاعتقال.

تقول عن هذا: “كتبتُ الفصل الأصلي كجزء من أطروحتي عن الضعف والاعتراف والتعاطف في القصص القصيرة للكاتب الراحل غسان جباعي والقاص إبراهيم صموئيل في 2008-2009، وذلك قبل اندلاع الثورة السورية في 2011”. وتضيف: “كان من الأشياء التي برزت في بعض القصص لكلا المؤلفين التركيز على تأثير الاعتقال في عائلات المعتقلين، بمن فيهم، وبشكل خاص، الأطفال. وردّ كذلك في قصصهما تركيز كبير على الكرامة الإنسانية، وغالباً على الإنسانية المتصدعة أو المختلة في مواجهة الوحشية اللاإنسانية أو المنحرفة”.

وتتابع قائلة: “أجد أن هذا التأكيد مهم ومؤثر. عندما عزمت على إعادة كتابة الفصل، كنت بالطبع قد قرأت وسمعت عن قصة الأطفال في درعا، لكن كانت أيضاً أزمة اللاجئين في أوجها، حيث تم نشر صورة الطفل الكردي آلان في جميع وسائل الإعلام الدولية. وفي الوقت نفسه أيضاً، كنت أقرأ عن حقوق الأطفال، وأفكر في أنهم الفئة الأكثر ضعفاً ضمن الكائنات البشرية. بالطبع، كل البشر ضعفاء، لكن هناك مستوى آخر من الضعف/الهشاشة vulnerability يتعلق بالأطفال، وهو مفهوم مختلف عن الضعف weakness في اللغة الإنكليزية. كنت أفكر وأقرأ عن مفهوم ومعضلة الاعتراف في كل من الأدب وحقوق الإنسان مدة طويلة. وهكذا، في الأساس، رأيت تأثير قصة أطفال درعا على أنها موازية لبعض أشكال الاعتراف في أدب السجون، وحاولت تضمين ذلك في الفصل. يبقى الاعتراف، بمستوياته المختلفة، أحد الجوانب الإشكالية لنظريات حقوق الإنسان، وفي الواقع، في النظام الدولي لقانون حقوق الإنسان، وهو أيضاً جزء متأصل في السرديات الأدبية. حاولت، خلال قراءتي للقصص القصيرة ونصوص أخرى، إظهار كيف تعلّمنا هذه الأعمال الأدبية عن معضلات الاعتراف، أو عدم الاعتراف، وكيف يرتبط الاعتراف بالضعف والعاطفة”(2).

ولتوضيح هذه المقاربة، استندت المؤلّفة إلى نظريات كل من الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر، والبريطاني بريان تورنر، وتيرانس كيف، مقدّمة من خلال ذلك مفهوم “بويطيقا الاعتراف” بوصفه تجلياً لفشل النظام الحقوقي التقليدي، ومحاولة لتشكيل وعي عاطفي جديد لدى القرّاء. وهي تفترض أن التحوّل السريع الذي جعل من قصص أطفال درعا رمزاً للانتفاضة السورية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوعات الاعتراف والهشاشة والتعاطف، وهي موضوعات تتجلّى بوضوح في القصص القصيرة لكتّاب مثل الكاتبة المغيّبة سميرة خليل وغسان جباعي، وكذلك في مسرحية الكاتب الراحل وديع اسمندر.

وانطلاقاً من دراسات الاعتراف في النظرية النقدية ونظرية حقوق الإنسان، بما في ذلك أعمال بتلر وتورنر وكيف، ترى المؤلّفة أن “بويطيقا الاعتراف” في “أدب السجون السوري” تستحضر أشكالاً بديلة من الهشاشة، قد تعكس خطاب حقوق الإنسان التقليدي أو تتجاوزه أحياناً لتقع خارجه، مشكّلة بذلك إمكانيات جديدة للكتابة ولإعادة تمثيل المعاناة.

أما معالجة تمثيلات التعذيب كما تتبدّى في الأدب وتقارير حقوق الإنسان، فكانت محور الفصل الثالث، وفيه أجرت طالقاني مقارنة دقيقة بين صوت الضحية المغيّب في التقارير الحقوقية، والذات المتكلمة والناطقة بوجعها في النصوص الأدبية، كما في كتابات الشاعر فرج بيرقدار والروائية حسيبة عبد الرحمن.

وانطلاقاً من المناقشة التي قدّمها الفصل الثاني حول مفهومي الهشاشة والاعتراف، تُتابع المؤلّفة في هذا الفصل تحليل تلك المفارقة، مقدّمة قراءة مقارنة لطريقة تصوير التعذيب في “أدب السجون السوري” وفي الخطاب الحقوقي التقليدي. وهي تُظهر، من خلال أعمال منها قصائد فرج بيرقدار وكتابات حسيبة عبد الرحمن ومصطفى خليفة ومالك داغستاني وسواهم، أن تجربة التعذيب تتجلّى في النصوص الأدبية بطرائق تتخطّى ما توفّره تقارير حقوق الإنسان، سواء من حيث العمق الإنساني أو الأثر السردي.

وتعتمد طالقاني في هذا الفصل على هذه الأعمال الأدبية لتبحث في إمكانيات تمثيل التعذيب بصورة تتسم بالحميمية السردية، وإعادة تأكيد مركزية صوت المعتقل بوصفه ذاتاً ناطقة، لا مجرد موضوع حقوقي أو رقم في وثيقة، بل بوصفه كياناً حياً يتحدث عن ألمه ويعيد بناء صورته من رماد القهر.

محو ذاكرة العنف.. من أشكال مقاومة المعتقلين

تتناول الباحثة الأمريكية، في الفصل الرابع من كتابها، تمثيل الزمان والمكان في “أدب السجون السوري” وتقارير حقوق الإنسان، مشيرة إلى كيفية معالجة هذا الموضوع في أعمال مثل مذكرات “خمس دقائق وحسب” للكاتبة هبة الدباغ، ورواية “من تدمر إلى هارفارد” للكاتبة براء السراج. وتنطلق من مناقشة قول المفكر والكاتب والمعتقل السابق ياسين الحاج صالح إن السجن “نمط من أنماط الحياة” لآلاف السوريين، لتحلّل كيفية تمثيل الزمان والمكان، مستندة إلى الدراسات الحديثة في جغرافيا السجون، مثل أعمال دومينيك مويران ومايكل فيلدر.

وتستعرض طالقاني، في هذا السياق، أعمالاً أدبية أخرى مثل مذكرات هبة الدباغ، ومجموعة فرج بيرقدار الشعرية “حمامة مطلقة الجناحين”، لتبيّن أن “أدب السجون السوري” يعيد إنتاج الجغرافيا العاطفية التي يعيشها المعتقلون من خلال تجاربهم الحقيقية.

وتخصّص المؤلّفة الفصل الخامس لسجن تدمر، لما يمثّله من موقع رمزي للقسوة، محلّلة اللجوء إلى السريالية في بعض الأعمال الأدبية، ولافتة إلى أن هذه السريالية هي شكل من أشكال المقاومة لمحاولة محو ذاكرة العنف التي تعرّض لها المعتقلون في هذا السجن. وترى أنه، من خلال أعمال مثل رواية “القوقعة”، فإن الكتابات عن سجن تدمر تنتج أشكالاً من المراقبة تكذّب الرواية الرسمية التي تنكر ارتكاب النظام لعقود طويلة انتهاكات لحقوق الإنسان. كما تفقد اللغة هنا قدرتها على التعبير عن التجربة القاسية، فيلجأ الكتّاب إلى النزعة السريالية لتمثيل أشكال القسوة والمعاناة الإنسانية في السجن.

في الفصل السادس والأخير، تناولت طالقاني الكتابات التي تمزج السرد الذاتي بالتخييل ما بعد الحداثي، والمتأثرة بالمنفى، ما يجعل أدب السجون امتداداً لكتابة المنفى والمقاومة المزدوجة، من خلال التحليل العلمي لمؤلّفات ما بعد الحداثة التي تبتعد عن تقنيات السرد التقليدية لكتّاب مثل باتريسيا واو ومارك كوري وآخرين. ويناقش الفصل انتشار الميول الذاتية والخيالية، حيث يعكس هذا التوجّه تساؤلاً نقدياً عن قدرة السرد على التعبير عن تجربة السجن بشفافية، على النقيض من تقارير حقوق الإنسان. وتبيّن المؤلّفة أن هذا النوع من السرد يرتبط بحالات النفي والإبعاد التي عاناها المعارضون السياسيون قبل ثورة الحرية والكرامة عام 2011 وبعدها. وهكذا، توضّح أن بعض مؤلّفات أدب السجون تتماهى مع الكتابة عن المنفى، معتبرة إياها جزءاً من تجربة المقاومة المزدوجة.

وتختم الباحثة الأمريكية دراستها بتأمّل دور الإنتاج البصري في توثيق الاعتقال والثورة، من خلال أعمال “أبو نضارة”(3)، وفيلم “سُلَيمى”(4)، وغير ذلك.

كما تناولت طالقاني بالدرس أعمال المخرج السينمائي محمد ملص، مثل “سلّم إلى دمشق” و**“باب المقام”**، التي تجسّد ثنائية الاعتقال والثورة، وتربط بين قمع الماضي وجراح الحاضر. وكذلك فيلم “المريض السوري”، الذي نتابع فيه قصة طبيب فقد مريضه المعتقل، ليُعتقل هو لاحقاً، وهو من إنتاج مجموعة “أبو نضارة”، وغيرها من الأعمال البصرية التي، بحسب طالقاني، تعيد التفكير في حقوق الإنسان بوصفه مفهوماً مرناً، وتقدّم السرد البصري وسيلة مقاومة تُكمل الأدب، وتمنح الصوت لأولئك الذين صودرت ذاكرتهم.

أخيراً، يمكننا القول إن هذا الكتاب يُعَدّ إسهاماً نقدياً بالغ الأهمية، يعيد الاعتبار لصوت المعتقلين السياسيين السوريين بوصفه ذاتاً كاتبة لا مجرد ضحية. وهو يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة السورية والعربية، لما يكشفه عن قدرة الكلمة والصورة على مواجهة الاستبداد، ويطرح أفقاً جديداً لتأمّل مفهومي العدالة والكرامة، مؤسساً لوعي أدبي لا يفصل بين الجمال والدلالة، ولا بين الفن والحقيقة.

يُشار إلى أن ريبيكا شريعة طالقاني أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك. وهي تركّز في دراساتها على المقاومة السياسية والإنتاج الثقافي في الشرق الأوسط، وتنشر مقالاتها ومراجعاتها وترجماتها في مجلات أكاديمية مهمة، منها: “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط”، و**“مجلة الأدب العربي”، و“مجلة كلمات بلا حدود”**. وتشارك طالقاني حالياً في تحرير “مجلة الأدب المقارن والثقافة” CLC Web، وقد حرّرت مع أليكسا فيرات كتاباً بعنوان “أجيال المعارضة: المثقفون والإنتاج الثقافي والدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، الصادر عام 2020.

هوامش:

  1. حوار مع الباحثة الأمريكية ريبيكا شريعة طالقاني، أجرته الزهراء سهيل الطشم، مجلة “رواق ميسلون”، العدد 87، تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.
  2. المصدر السابق.
  3. تأسست مجموعة “أبو نضارة” قبيل الثورة السورية، وقدّمت نفسها من خلال ما سمّته “سينما الطوارئ”، وسعت إلى اختراق ضجيج الإعلام بألسنة الضحايا الحقيقيين.
  4. “سُلَيمى” فيلم من الرسوم المتحركة، أُطلق رسمياً في 29/5/2015، ويشكّل الجزء الثاني من ثلاثية الصوت التي تعمل عليها حركة “استيقظت”، وهي حركة نسائية سورية تعرّف نفسها بأنها “تحكي قصصاً حقيقية، من وجهة نظر نساء في المجتمع السوري”.
نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.

وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.

والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.

خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟

من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.

الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.

نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.

يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.

تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.

وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.

تقارير متناقضة عن الخطف

صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.

لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.

هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.

نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.

بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم “نزوح”، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز الفيلم جائزة الجمهور Armani Beauty Audience Award ضمن قسم “أوريزونتي إكسترا” (Orizzonti Extra)في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2022، كما نال جائزة تلفزيون ARTE في مهرجان كان السينمائي، وحصل السيناريو على جائزة باومي من برلين، وجائزة سورفوند ضمن ورشة سينيفونداسيون.

يوحي عنوان الفيلم بمضمونه، إذ يضيء على واقع مشحون تعيشه أسرة محاصرة في أحد أحياء مدينة دمشق، لم يبق في المكان سواها مع عدد قليل من الجيران الذين يتهيؤون للهروب من المنطقة وسط أصوات الهاون والمتفجرات.

يصرّ ربّ الأسرة على البقاء في البيت، رغم القذائف التي أصابت البناء وأحدثت فيه فجوات متعددة تتسرّب منها الرياح ومياه الأمطار. وهو يتوجّس من فكرة أن يصبح لاجئاً أو نازحاً يستجدي المكان واللقمة عند الآخرين، وهو الذي يرى نفسه ابن عزّ ومجد، ويشعر، كرجل، أنه يمتلك القوة والقدرة على إعادة بناء منزله وترميمه من جديد وحماية أسرته. ومن هنا يأتي إصراره على الثبات وعدم الرحيل.

وسط أصوات القذائف وانهيارات الأبنية، تظهر من خلال فجوات البناء قصة حب شفيفة ورقيقة بين الابنة زينة، التي جسّدتها هالة الزين، وابن الجيران عامر، الذي أدّى دوره نزار العاني، في استعراض رومانسي لمهارات التصوير. تتخيّل زينة نفسها وسط النجوم، متأرجحة بين مجموعات الدب الأكبر والدب الأصغر والثريا، حين تسقط من الفوهة التي فتحتها القذائف إلى سرير نومها، في إشارة إلى أن الحياة لا تزال تتّسع لقصة حب فطرية مهما عظمت الخطوب وتوالت الأقدار الظالمة.

يحاكي المشهد الأساسي في الفيلم ما عاشه السوريون جميعاً خلال أربعة عشر عاماً، سواء في النزوح الداخلي أو الخارجي، وما يعنيه ذلك من إحساس عميق بالمهانة نتيجة الحاجة إلى غرباء يساعدونهم على تدبّر أمورهم الحياتية. وهنا تأتي صرخة سامر المصري في دور الأب: “نازح أنا؟ يقولوا عني نازح؟”، في استهجان صريح لما يعنيه البعد عن المكان والبيت، ذلك الذي يصفه غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”بأنه كينونة الإنسان الأولى، وركنه في العالم، ومركزه الروحي للألفة والحماية.

لكن مع فقدان الحاجات الأساسية من ماء وكهرباء ومؤونة، والحصول عليها بشق الأنفس، ينشأ صراع حول البقاء في المكان والاستمرار في العيش بهذه الطريقة. ويتفجّر هذا الصراع بين الأب والأم حين يبدأ الأب بالتفكير في تزويج طفلته من أحد المقاتلين، بعد أن جاءه سمسار الحي ليقنعه بأن هذا هو الحل الأمثل بحجة تأمين حمايتها قبل اقتحام الجيش للمكان. وهنا يغدو الحوار بين الزوجين نافذة على الذاكرة، تستدعي الواقع الاجتماعي والبيئة التي تعيش فيها الأسرة، وتاريخها في تزويج البنات وإرسالهن إلى المجهول، مروراً بزواج الأم نفسها في سن مبكرة، من دون أن يُتاح لها التفكير في قرارها أو مستقبلها. هذا التراكم من المشكلات الاجتماعية يدفع الأم إلى اتخاذ قرار الهروب والتمرّد على سلطة الأب، ومغادرة المكان مع بقية المغادرين.

تغادر الأم وابنتها عبر حطام المدينة التي تشظّت معالمها، في صورة تعكس الضريبة الباهظة من الشقاء التي تقع على النساء والأطفال في الحروب والصراعات بالدرجة الأولى. ويكتسب المحتوى البصري للمكان، بما فيه من منازل مهدّمة وشوارع فقدت تضاريسها واتجاهاتها، صفة وثائقية وعفوية، تجسّد الخلفية الصامتة للمعاناة والألم في رحلة ضياع بين الأنقاض. ثم تلتقيان بالعشرات من الأهالي الراغبين في الخروج والهروب من الأماكن المتفجرة، وسط حوار يتضمّن انتقاداً ضمنياً لمن يحملون السلاح، بوصفهم يريدون السكان دروعاً بشرية يحتمون بها.

أما الزوج، الذي تُرك وحيداً، فيصاب بهستيريا وصراع داخلي عنيف. فهو يريد البقاء في بيته، وألا تتعرض عائلته لذلّ النزوح، وأن يكون الحامي لأسرته، لكن سخرية الأقدار تجعله يفقد أسرته ويغدو وحيداً. ونراه يطارد آثارهم من مكان إلى آخر، إلى أن يصل إليهم وهم يستقلّون إحدى السيارات الموعودين فيها بالأمان، وبالوصول إلى البحر، بما يحمله من رمزية الاتساع والعمق بوصفه حلاً مأمولاً، رغم آلاف الضحايا الذين ابتلعتهم الأمواج في موجات الهروب المتتالية من جحيم الواقع. وتأخذ مطاردته للسيارة طابعاً درامياً مشوّقاً يحبس الأنفاس، إلى أن تحسم الفتاة الأمر بصراخها كي تتوقف الحافلة، وتهرع راكضة إلى أبيها في لقطة بالغة الحميمية، وسط تعنّت الأم وإصرارها على موقفها، إلى أن يعلن الأب استسلامه، وأنه سينزح معهم ويرافقهم، وأن مصيره سيبقى مرتبطاً بهم دائماً.

ومن مفارقات القدر أن يصل الإنسان السوري إلى قناعة بأن النزوح عن بيته وحارته هو الحلّ المرحّب به، بل الحلّ الذي يحفظ له حياته وكيانه، رغم أن الجميع، في الداخل والخارج، حكومةً ومعارضةً، يرفعون شعارات حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم وسلامتهم. لكن المدنيين، في نهاية المطاف، هم الشريحة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والصدام والاقتتال.

تهدي المخرجة سؤدد كنعان الفيلم إلى جميع السوريين، من بقي منهم ومن هاجر، إذ إن الجميع تحت نير المعاناة، والجميع دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وقد رأت أن إبقاء النهاية مفتوحة يعكس أن الوضع ما زال قائماً، وأن الحرب لم تنتهِ، وأن واقع اللجوء ما يزال مستمراً. كما أن النهاية المفتوحة، بشكل عام، تجعل المتلقي شريكاً في تخيّل ما ستؤول إليه الأحداث، وفق أفكاره وتصوراته، بما يضيف غنى وثراء إلى العمل.

طبعاً، فكرة الفيلم نبيلة ووجدانية، بوصفه شاهداً على زمن نتمنى ألا يعود. ولعل الواقع كان أكثر وحشية وألماً مما رأيناه، إذ عبّر الفيلم، بطريقة بسيطة وعادية، عن واقع معروف ومعاش، لكنه يبقى صوتاً في وجه استباحة الإنسان المهدور والمكشوف للحرب والتهجير والدمار.

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم “اكتظاظاً” بالأحزاب والسياسيين والزعماء و”القادة الملهمين”، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين العرب: “أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ويعتقد 50 في المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد 10 في المائة على الأقل أنهم آلهة”. (1)

لمحات من تاريخ العمل الحزبي في سوريا
شهدت سوريا ولادة إرهاصات لأشكال من الأحزاب السياسية “جمعيات” مع أفول حقبة الاحتلال العثماني للشرق، وكانت استجابة لطموح الشعوب المحكومة بالاحتلال إلى الاستقلال وبناء دولها القومية، بالتزامن مع نشوب الحرب العالمية الأولى، وشهوة الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب للاستيلاء على تركة “الرجل المريض”.

وفي زمن الانتداب الفرنسي (1920 ـ 1946)، تأسست أحزاب وحركات عديدة، ربما كان أولها الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان الذي تأسس عام 1924، ثم تأسست الكتلة الوطنية عام 1928 من ائتلاف مجموعة من رجال السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة السوريين الذين جمعهم الإيمان بوحدة سوريا واستقلالها.

وانشق عن الكتلة الوطنية لاحقاً تشكيل سُمّي “حزب الشعب”، ليحتكر الحزبان، إلى حد كبير، الحياة السياسية والبرلمانية في سوريا آنذاك، رغم وجود نشاط واضح للشيوعيين والقوميين السوريين، “تأسس الحزب القومي السوري عام 1932″، إضافة إلى حزب البعث الذي تأسس غداة الاستقلال عام 1946.

الربيع الحزبي القصير
استمرت الحالة الحزبية في سوريا بهذا الشكل، إلى حد كبير، حتى أثناء فترة الانقلابات خلال الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ونشطت أكثر فأكثر خلال الفترة اليتيمة التي شهدت حياة برلمانية حقيقية مستقرة بين عامي (1954 ـ 1958)، حتى جاءت الوحدة السورية المصرية التي قضت على الحياة السياسية في سوريا.

امتد شلل الحياة السياسية، رغم الفشل الذريع لتجربة الوحدة القسرية في أيلول من عام 1961، وقيام حكومة أعادت تفعيل الحياة السياسية، لكن سرعان ما انقض البعثيون على السلطة في انقلاب 8 آذار 1963، وأعادوا تأسيس النظام الأمني الشمولي. ورغم تعدد الحركات والانقلابات، إلا أن الإطار العام بقي تفرداً للبعث بالسلطة، ثم تفرد فرد وعائلة بالسلطة منذ عام 1970، حين تمكن حافظ الأسد من الانقلاب على خصومه، رفاق الأمس، وتأسيس نظام أمني صارم ومغلق ودموي أبقاه على رأس السلطة مع عائلته وحاشية ضيقة من المنتفعين من الفساد الذي رافق الاستبداد، كما هي العادة، حتى موته عام 2000.

وكان حافظ الأسد قد هيأ استلام السلطة لابنه بشار الأسد، الذي حكم بالعنجهية ذاتها، مع تميزه عن أبيه بقلة الخبرة وضعف الشخصية وأمراض مزمنة أخرى، حتى سقوط نظامه في 8 كانون الأول عام 2024.

زمن الهيئة
سقوط نظام بشار، والقدوم السريع لقوات هيئة تحرير الشام من إدلب إلى دمشق خلال 11 يوماً، وإعلانها أبا محمد الجولاني (الرئيس الحالي أحمد الشرع) رئيساً للفترة الانتقالية التي حُددت بخمس سنوات، ومن خلال الملامح الأولى لـ”الحوار الوطني” و”الإعلان الدستوري” و”مجلس الشعب”، بدا للمراقبين أن هناك توجهاً نحو التفرد في إقرار مستقبل البلاد، بتغييب أي دور للأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية التي كانت في صفوف المعارضة لنظام الأسدين.

إضافة إلى تعيين قيادات النقابات والاتحادات المهنية وتحويلها، بالتالي، إلى أجهزة تنفيذية تابعة للسلطة. وكذلك مجلس الشعب، الذي لم يكتمل بعد بانتظار تعيين الثلث الخاص بالرئيس الانتقالي، بعد انتخاب الثلثين الآخرين من لجان شكَّلتها السلطة الانتقالية.

إضافة إلى التسامح مع لغة تحريضية ضد الأقليات، وتنفيذ مجازر مروعة في الساحل السوري في آذار 2025، وفي السويداء بتموز من العام ذاته.

الآن تبدو الصورة البانورامية للحالة الحزبية والنشاط الحزبي والسياسي قاتمة في سوريا بسبب عدم صدور قانون أحزاب جديد أولاً، علماً أن آخر قانون أحزاب أصدره بشار الأسد، في تلبية شكلية لمطالب الثورة السورية، لم يشرع سوى لأحزاب صغيرة مسيطر عليها أمنياً، وتكاد تكون وهمية، إضافة، طبعاً، إلى أحزاب ما سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، وهو تحالف أنشأه حافظ الأسد عام 1972 من الأحزاب الرئيسية المعروفة في البلد، عدا الإخوان المسلمين والحزب القومي السوري، وهي: “الحزب الشيوعي السوري، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الاشتراكيين العرب، حزب الوحدويين الاشتراكيين، وحزب البعث كقائد للدولة والمجتمع والجبهة أيضاً”. ولاحقاً حدثت انقسامات عدة في أحزاب الجبهة، وتم ضم الأحزاب الجديدة المنقسمة عن أحزاب الجبهة إليها، إضافة إلى الحزب القومي السوري، ليصبح عدد الأحزاب تسعة أحزاب.

ويبدو من نهج السلطة الانتقالية، في الجانب السياسي والإداري، اعتمادها كلياً على كوادر هيئة تحرير الشام العاملين في صفوف هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، وهو ما يُعرف في سوريا بمشايخ الهيئة، حيث يدير معظم الوزارات والمؤسسات شيخ أعلى من الوزير أو المدير العام.

ومعلوم أن تأسيس جبهة النصرة كان بعيد اندلاع الثورة السورية، كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، نهاية عام 2012، إذ قام أبو بكر البغدادي، أمير التنظيم في العراق، بإرسال أبي محمد الجولاني مع بضعة قياديين سوريين وأجانب إلى سوريا لإقامة فرع لتنظيم القاعدة فيها تحت اسم “جبهة نصرة أهل الشام” عام 2012.

في تموز عام 2016، تم تغيير اسم تنظيم جبهة النصرة إلى “فتح الشام”، في محاولة للالتفاف على العقوبات الدولية وعلى تصنيف جبهة النصرة كـ”تنظيم إرهابي”. وكان ذلك التغيير تمهيداً للانفصال عن تنظيم القاعدة أيضاً، ولم يدم الاسم طويلاً، إذ سرعان ما أُعلن تأسيس هيئة تحرير الشام بعد دمج فصائل إسلامية عدة مع التنظيم عام 2017.

هذه نبذة موجزة عن الحزب الحاكم فعلياً في سوريا الآن، رغم الإعلان عن حل الهيئة بعد وصول قواتها إلى دمشق، لكن تشكيل ما يسمى بالإدارة السياسية، وهي الحاكم الفعلي لسوريا، يذكرنا إلى حد بعيد بالقيادة القطرية لحزب البعث، في ظل وجود عضو من هذه الإدارة في كل محافظة وفي الوزارات الهامة لتسيير الأمور.

الآن، ما هي الحالة الحزبية في سوريا في ظل عدم وجود قانون أحزاب، ولا قانون إعلام، ولا صحافة حرة بمعنى الكلمة؟

أحزاب تعمل بحذر وتنتظر قانوناً
قمنا بلقاء قياديين في حزبين موجودين على الساحة لسبر رؤيتهما حول الحالة الحزبية في سوريا الجديدة.

عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد تحدث لنا عن الوضع الحالي للحزب قائلاً: “هناك حالة انتظار بالنسبة لنا كنشاط سياسي، ونحاول متابعة حد أدنى من النشاط السياسي والإعلامي، مع حرصنا على عدم استفزاز السلطة.

لقد رفض الحزب الشيوعي السوري الموحد قرار حل الأحزاب، وتابع نشاطه السياسي بأشكال أقل علنية، ويساهم اليوم مع غيره من الأحزاب وهيئات المجتمع المدني في تجمعات سياسية واجتماعية ترفع شعارات وطنية، كاستعادة السيادة السورية، ووحدة الأرض والشعب، ورفض التقسيم، والنضال لاستعادة كل شبر من الأرض السورية التي يحتلها الكيان الصهيوني، ومن أجل الديمقراطية عبر دستور ديمقراطي يعترف بحقوق المواطنة والحقوق السياسية لجميع السوريين بغض النظر عن الجنس والدين والمعتقد والإثنية.”

وحول تعامل السلطة مع الحزب حتى الآن قال: “لم نشهد تصعيداً ضد الحزب حتى اليوم.”

وفي مقال له منشور في صحيفة خليجية زودنا به، يبين القيادي الشيوعي ذاته موقف حزبه، الذي كان عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية في عهد النظام السابق، نقتطف منه: “المنتصرون في سِفر الثورات العالمية على مدى التاريخ، اكتشفوا في أحيان كثيرة أنهم كانوا أضاحي، والمنهزمون خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك بعد أن بدّلوا زيّهم، وتبددت الأحلام الوردية كسحابة صيف، أما شعارات الحرية والعدل والمساواة، فاختنقت في الحناجر، وتحولت إلى “بوسْتَرات” ملوّنة تزين جدران مخافر الشرطة وغرف الاعتقال والتعذيب.”

ويضيف: “ورغم الغموض الذي اتسمت به الصفقات الإقليمية والدولية التي أطاحت بنظام “الأسد” وأدّت إلى سيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في سورية، فقد تساوى التفاؤل والخوف والقلق في صبغ ردود أفعال المواطنين السوريين تجاه التغيير الحاصل في البلاد، فقد تفاءل الكثيرون بسبب انهيار سلطة الحزب الواحد الذي هيمن على سورية منذ نحو ستّة عقود، وكان كثيرون يعتقدون أن ذلك أمرٌ مستحيل، بسبب القبضة العسكرية والأمنية للنظام المنهار، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد تخوف الكثيرون أيضاً من الآتي الجديد بسبب خلفيته الجهادية ذات اللون الواحد، وانتابهم القلق حول مستقبل بلادهم بعد أن عانوا طويلاً من التفرد.”

وحول رأي حزبه بالإجراءات والخطوات التي اتخذتها السلطة الجديدة، أضاف القيادي الشيوعي في مقاله:
“لقد أظهرت مؤشرات عدة خلال فترة قصيرة، بعد أن عُيّن السيد “الشرع” رئيساً للبلاد، بموجب قرار الإدارة العسكرية “لهيئة تحرير الشام”، ومن خلال أول الاستحقاقات، وهو مؤتمر الحوار الوطني، أن اللون الواحد سيطغى على جميع الاستحقاقات اللاحقة، وأن شعار “من يحرّر يقرّر” الذي رفعه بعض قيادات “الهيئة” تحوّل إلى سلوك عملي، رغم تناقضه مع طموحات السوريين إلى سورية الجديدة الموحدة، فكان حواراً مع الذات لا مع الآخر المتنوّع والمختلف، وخرج بتوصيات مسبقة الصنع بصيغ عامة لا تضمن توحيد الأطياف السورية، ولا تضع الإطار الديمقراطي التعددي الذي يمنع إعادة إنتاج التفرّد والاستئثار والاستبداد.

أما المؤشر الثاني، فكانت أحداث الساحل السوري، التي تحولت إلى “مقتلة” أعادت إلى الأذهان التحريض والتجييش الديني والطائفي، واستخدام المراكز الدينية ومشاعر المتدينين لاضطهاد الطائفة العلوية، بزعم أنها حاضنة رموز النظام المنهار. هذه “المقتلة” التي أدّت إلى استشهاد آلاف المدنيين الأبرياء من جهة، والتخوف من استمرارها في مناطق أخرى، وبأشكال أخرى من جهة ثانية، علماً أن هذه الطائفة كانت، خلال عقود تسلط النظام المنهار، من أكثر الأطياف تضرراً، باستثناء قلّة منها استغلت نفوذها لتلبية مصالحها الضيقة المعادية لمصالح الوطن والشعب.

ثم جاء المؤشر الثالث، وهو إصدار الإعلان الدستوري الذي صاغته لجنة اللون الواحد، والذي لم ينص صراحة على تبنّي الديمقراطية التي ناضل السوريون من أجلها، والذي افتقد إلى الضمانات الواضحة لبناء سورية الجديدة الديمقراطية.. المدنية.. التشاركية، ليكتمل المشهد المتسم باللون الواحد، الذي سيراه السوريون في الأيام القادمة.”

السيد عمر المختار ونوس، القيادي في الحزب الدستوري السوري “حدس”، تحدث عن تجربة الحزب مع السلطة الجديدة قائلاً: “نحن في الحزب الدستوري السوري نرى أن المشهد الحزبي بعد سقوط نظام الأسد يعيش حالة فراغ قانوني وسياسي خطير. فحلّ الأحزاب بقرار فوقي، من دون أن يُستكمل ذلك بإطار قانوني بديل ينظّم العمل الحزبي، أوجد واقعاً ضبابياً يقيّد التعددية ويعيد إنتاج منطق السلطة المؤقتة غير الخاضعة للمساءلة.

غياب قانون أحزاب واضح، يستند إلى معايير دستورية ديمقراطية، يعني عملياً تعطيل أحد أهم مقومات الحياة السياسية السليمة، ويجعل النشاط الحزبي عرضة للاجتهاد الأمني أو الإداري، بدل أن يكون حقاً سياسياً مكفولاً.

من وجهة نظرنا، لا يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي أو عن بناء دولة قانون، في ظل غياب تشريع يضمن حرية التنظيم السياسي والتنافس السلمي على أساس البرامج لا الولاءات.”

وجواباً على سؤالنا حول تعامل السلطة الجديدة مع نشاط الحزب وفعالياته، قال: “الحزب الدستوري السوري لم يكن يوماً حزباً مرخّصاً في ظل نظام الأسد، لأنه لم يعترف بشرعية ذلك النظام، ولا بشرعية قوانينه القمعية. وبالتالي فإن موقفنا من السلطة الجديدة ينطلق من المبدأ ذاته: نحن لا نطلب اعترافاً من سلطة أمر واقع، بل نطالب بحقوق دستورية وسياسية وطنية ومواطنية، كان يمكن لمؤتمر حوار وطني حقيقي أن يفضي إلى تثبيتها في عقد اجتماعي، لتصبح هي ذاتها مضمون الوثيقة الدستورية، وقد رأينا كيف أدى تجاوز هذا الحوار إلى تعقيد المشهد الوطني.

السلطة المؤقتة/ الانتقالية/ الأمر الواقع تريد إبقاء الحياة السياسية في منطقة رمادية، لتستكمل تمكين نفسها في الحكم، وهناك الكثير من المقدمات الواضحة بالنسبة لنا في منهج السلطة الحالية، التي تجعلنا على يقين تام بأنها لا تريد نظام حكم يقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية.”

وحول تعامل السلطة مع بعض الفعاليات التي يقيمها الحزب في الداخل السوري، وفيما إذا كان الحزب يطلب موافقة من السلطة على تلك الفعاليات، قال السيد ونوس: “ليس هناك أي حوار بيننا وبين السلطة، ولا نقدم أي طلبات للموافقة على أنشطتنا، ونرفض من حيث المبدأ منطق “الاستئذان السياسي” الذي كان سائداً في عهد النظام السابق. وفي الوقت ذاته، نؤكد أن الحل لا يكون بالفوضى، بل بإصدار قانون أحزاب عصري، واضح، وشفاف، يحدّد الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية.

باختصار، مشكلتنا ليست تقنية مع جهة بعينها، بل سياسية مع غياب الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظّم الحياة العامة، ويمنع تحوّل أي سلطة مؤقتة إلى بديل استبدادي جديد.”

المستقبل واحتمالاته
من خلال تجارب ممارسة السياسة في ظل النظام السابق والنظام الحالي، يمكن القول إنه في العهود البعثية تم إلغاء الحياة السياسية و”تعقيمها” لتصبح على مقاس النظام ورؤاه السياسية والفكرية، وقد أسس حافظ الأسد لنمط خاص في الممارسة السياسية بأن جرّ الأحزاب الرئيسية اليسارية والقومية في البلد إلى تحالف غير متكافئ سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، جعله يتحكم تماماً بهذه الأحزاب كحزب قائد أولاً، وعبر إعطاء بعض الامتيازات لقياداتها ثانياً، لتتحول إلى جزء من النظام السياسي وتتماهى مع البعث حتى تصل إلى التطابق بالنسبة لغالبية الأحزاب.

أما الأحزاب التي بقيت خارج هذه الجبهة، فكان حافظ الأسد، بحنكته السياسية، يمسك بخيوط الممارسة السياسية، فيقوم، متى ما أراد، بقمع أي حزب أو حركة بحجة عدم شرعيته، وقد ضعفت هذه الأحزاب مع الزمن بعد حملات الاعتقال بحق قياداتها وأعضائها ومناصريها، وأهمها الإخوان المسلمون، والحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، وحزب العمل الشيوعي، والأحزاب الكردية التي اتبعت السلطة تجاهها سياسة غض النظر مع عدم الاعتراف بها والضغط الأمني المستمر عليها.

وقد كانت أحزاب الجبهة هي الوحيدة المعترف بوجودها شرعياً، ويُترك لها الهامش الذي يحدده هو وأجهزته الأمنية بسياسة غض النظر دون الاعتراف بها، أو السماح لها بالعمل علناً. بل إن جريدة الحزب الشيوعي مثلاً لم تكن تباع في الأكشاك رغم مطالبات الحزب المتكررة بذلك حتى مجيء بشار الأسد وسماحه بذلك، رغم أنها في الواقع بالكاد تميزها عن صحف السلطة وملحقاتها الأمنية.

بل إن أملاك هذه الأحزاب وأبنيتها وسياراتها لم تكن توضع باسم الحزب، بل باسم قياداتها “الأمين العام غالباً”، بسبب عدم وجود قانون للأحزاب حتى قيام الثورة السورية عام 2011، حيث أصدر بشار الأسد قانوناً للأحزاب، ورُخِّصت بموجبه أحزاب عدة، معظمها، إن لم نقل كلها، خرجت من داخل فروع المخابرات ومضبوطة حركتها تماماً، ولذلك بقيت مهمشة ومجهولة من الشارع ودخلت طي النسيان بعد سقوط النظام، إلا القليل منها.

بعد صدور قانون للأحزاب عام 2012، صار بإمكان الأحزاب المعترف بها بموجب هذا القانون تملّك مقراتها وأملاكها باسم الحزب، والمفارقة هنا أن كثيراً من أحزاب الجبهة أبقت عليها باسم الأمين العام الذي يختصر الحزب في شخصه، كما هي الحال عند الحليف الكبير.

الآن، تقف الأحزاب القديمة، أو من بقي منها على قيد الحياة، في موقف انتظار الآتي، حيث لا قانون للأحزاب ينظم عملها ويقونن وجودها، مع صدور قرار عن “مؤتمر النصر” بحل أحزاب الجبهة ومصادرة ممتلكاتها.

بالتالي، يسود الخوف والحذر من اعتماد المزاج الشخصي أو العقائدي في التعامل معها، إذ تستطيع السلطة التصرف كما تشاء حيالها، فنلاحظ أن ممارسة السياسة خافتة وفي حدودها الدنيا. وهناك أحزاب وحركات، خصوصاً الأحزاب التي كانت معارضة لنظام الأسد وساهمت بقسطها في الثورة السورية، في طورها السلمي على الأقل، وخسرت قيادات وكوادر لها في المعتقلات، تقوم بفعاليات واجتماعات “غير مرخصة طبعاً”، لكن لا تعترض السلطة عليها حتى الآن، على الأقل.

وقد شهدت مقاهي دمشق “الروضة والكمال خصوصاً” أكثر من اجتماع موسع لأحزاب وحركات “حزب العمل الشيوعي، تحالف تماسك لأحزاب وحركات يسارية، حزب الإرادة الشعبية بقيادة د. قدري جميل… إلخ”، وندوات فكرية لشخصيات فكرية وسياسية معارضة.

ويقرأ كثير من المتابعين هذا الأمر على أنه يعود لسببين أساسيين: الأول، عدم تشكيلها أي خطر على السلطة بسبب ضعف الأحزاب الموروث من الحقبة السابقة وسنوات الدكتاتورية الطويلة، والثاني، أن السلطة في مرحلة التمكين، ويمكن أن تغض النظر عن هذه النشاطات مؤقتاً حتى تتمكن وتبدأ بضبط الحراك السياسي وتطويعه تماماً.

ويبدو التفاؤل ضعيفاً بصدور قانون أحزاب عصري ومتوازن، بالقياس مع طريقة تعاطي السلطة الجديدة مع بقية الاستحقاقات الديمقراطية التي ذكرناها، وخصوصاً مجلس الشعب.

هوامش
1- مقال “بصراحة” للأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة “الأهرام”، 27 أكتوبر 1961.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز واستثمارات دولية. يهدف هذا التقرير إلى تقديم رؤية تحليلية متكاملة لواقع قطاع الكهرباء في سوريا، متتبعاً مساره من مرحلة ما قبل الحرب، مروراً بسنوات النزاع التي شهدت تدميراً ممنهجاً، وصولاً إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام، التي تطرح أسئلة كبرى حول إعادة الهيكلة، والانفتاح على الاستثمارات، وتطبيق نماذج جديدة قد تغير وجه القطاع إلى الأبد.

في مستهل الحديث عن أزمة الكهرباء السورية، ينبغي العودة إلى جذور المشكلة التي لا تعود فقط إلى سنوات الحرب، بل تمتد إلى عقود من الإهمال الممنهج وسوء الإدارة الذي طال القطاع قبل عام 2011. خلال تلك الفترة، عانى قطاع الكهرباء من ضعف مزمن في الاستثمارات، وغياب الصيانة الدورية للمحطات القائمة، وتأخر في تنفيذ مشاريع التوسع رغم النمو السكاني المتزايد والطلب المتصاعد على الطاقة.

ظل القطاع يعاني من عجز هيكلي حتى قبل الحرب؛ ففي عام 2010، بلغ إنتاج سوريا من الكهرباء حوالي 6500 ميغاواط، بينما قُدّرت الحاجة الفعلية بأكثر من 8600 ميغاواط، مما يعني وجود فجوة تقترب من 2100 ميغاواط كان يتم سدها جزئياً عبر الاستيراد. وكانت معظم محطات التوليد التي تعمل بالنفط الثقيل (الفيول) والغاز الطبيعي تعاني من كفاءة منخفضة، وتزايدت ساعات التقنين في فصل الصيف مع ارتفاع الطلب بسبب التكييف والتبريد.

وهذا يعني أن القطاع كان هشاً منذ البداية، حيث اعتمدت سوريا على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي” لتشغيل جزء كبير من محطاتها الحرارية. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، توقفت إمدادات الغاز المصري، ليكشف ذلك عن التبعية الخطيرة التي ارتبط بها القطاع، وعن ضعف التخطيط الاستراتيجي الذي فشل في تأمين بدائل محلية أو إقليمية مستقرة.

وناهيك عن ذلك، فإن نظام الدعم الحكومي للكهرباء كان سيفاً ذا حدين؛ فبينما كانت التعرفة منخفضة بشكل كبير (حوالي 10 ليرات سورية للكيلوواط ساعة في بعض الشرائح)، كانت الخسائر تتضاعف في المؤسسة العامة للكهرباء التي لم تتمكن من تغطية تكاليف الإنتاج أو الاستثمار في تطوير الشبكة. وهكذا، دخل القطاع مرحلة الحرب وهو يعاني من تراكمات إدارية ومالية وتقنية جعلته أكثر عرضة للانهيار.

استهداف البنية التحتية وانهيار القطاع

على المستوى الإجرائي، شهدت سنوات النزاع المسلح تحولاً كارثياً في واقع قطاع الكهرباء، إذ تحولت البنية التحتية التي كانت تعاني أصلاً إلى هدف ممنهج في الحرب التي اشتعلت في البلاد. وبطبيعة الحال، تعرضت محطات التوليد الرئيسية لأضرار جسيمة؛ فمحطة حلب الحرارية، التي كانت تنتج 1100 ميغاواط، دُمّرت بالكامل تقريباً، فيما لحقت أضرار كبيرة بمحطة دير علي، ومحطة الزارة، ومحطة جندر، وغيرها من المرافق الحيوية.

ورغم ذلك، لم يقتصر الدمار على محطات التوليد فقط، بل طال شبكات النقل والتوزيع، حيث سُرقت أبراج الضغط العالي والكابلات الأرضية في عمليات منظمة، وتعرضت خطوط الربط بين المحافظات للتخريب المتعمد. إلا أنه، وعلى الرغم من حجم الدمار، فإن سياسة النظام السابق في استخدام الكهرباء كسلاح حرب كانت أكثر إيلاماً، حيث حُرمت مناطق كاملة من الخدمة لسنوات (مثل الغوطة الشرقية وحلب الشرقية)، بينما فضّلت الحكومة المناطق الموالية لها في التغذية.

انخفضت ساعات التغذية في معظم المناطق إلى ساعتين أو ثلاث يومياً، في أحسن الأحوال، وتراجع الإنتاج من نحو 9500 ميغاواط قبل الحرب إلى حوالي 1500 ميغاواط فقط، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي والزراعي، ودفع المواطنين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي كانت تعمل بالديزل المدعوم أولاً ثم غير المدعوم لاحقاً، وسط تكاليف باهظة أفقرت الأسر ودمّرت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.

وخلاصة القول، إن الحرب لم تكن مجرد نكبة إضافية لقطاع الكهرباء، بل كانت تتويجاً لعقود من الإهمال، واستغلالاً ممنهجاً للبنية التحتية كأداة للضغط والإخضاع، مما جعل الخروج من هذه الأزمة معقداً ويحتاج إلى إرادة سياسية واستثمارات ضخمة.

القرارات الجديدة والتحولات السياسية

مثّل سقوط النظام في أواخر عام 2024 نقطة تحول في ملف الكهرباء، حيث واجهت الإدارة الجديدة تحدياً هائلاً يتمثل في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار لشبكة منهكة ومحطات مدمرة. علاوة على ذلك، شهدت المرحلة الانتقالية تحولاً نوعياً في السياسة الخارجية، حيث انفتحت سوريا على الدول العربية المجاورة والغرب، وبدأت قنوات الاتصال مع المؤسسات المالية الدولية والشركات الكبرى.

أعلنت الحكومة الانتقالية عن حزمة قرارات أولية تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع، كان أبرزها رفع تعرفة الكهرباء بشكل غير مسبوق في تشرين الأول 2025، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من عشرات الليرات إلى 600 ليرة للشريحة الأولى (حتى 300 كيلوواط/دورة)، وإلى 1400 ليرة لما يزيد على ذلك، فيما حُددت تعرفة القطاع الصناعي والتجاري بـ1700 ليرة للكيلوواط. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذا القرار أثار جدلاً واسعاً، إذ اعتبرته الحكومة خطوة أولى نحو تصحيح التشوهات السعرية وتقليل العجز، بينما رأى فيه كثير من المواطنين عبئاً إضافياً في ظل انهيار القدرة الشرائية.

وفي المقابل، تزامن رفع التعرفة مع تحسن ملموس في ساعات التغذية في دمشق وبعض المدن الكبرى، حيث وصلت إلى 12-18 ساعة يومياً، وهو ما فسره المسؤولون بأنه نتيجة لاتفاقيات استيراد الغاز والربط الكهربائي مع الدول المجاورة. لكن يبقى السؤال: هل هذا التحسن مؤقت أم بداية لنهضة حقيقية في القطاع؟

على المستوى النظري، يمكن القول إن المشهد الحالي للمناقصات والتحالفات في قطاع الكهرباء السوري يعكس تنافساً إقليمياً ودولياً محتدماً على الفوز بعقود إعادة الإعمار، حيث تتقاطع مصالح قطر وتركيا والسعودية وأميركا والصين في سوريا.

الصفقة الأكبر والأكثر طموحاً هي تلك التي قادتها شركة “أورباكون” القطرية (UCC) بقيمة 7 مليارات دولار، والتي تشمل بناء 4 محطات غازية تعمل بتقنية الدورة المركبة باستطاعة 4000 ميغاواط، ومحطات طاقة شمسية باستطاعة 1000 ميغاواط، موزعة في دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي. وقد وُصفت هذه الصفقة بأنها الأكبر في تاريخ سوريا، ومن المتوقع أن توفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة.

دخلت الشركات الأميركية والأوروبية على خط الاهتمام أيضاً؛ فشركة “شيفرون” تدرس استثمارات في حقول الغاز البحرية، وشركة “سيمنز” الألمانية تتفاوض لإعادة تأهيل محطة دير علي، وشركة “أنسالدو” الإيطالية تعمل على صيانة وحدات في محطة جندر بتمويل ياباني ونرويجي. وتأسيساً على ذلك، قدّم البنك الدولي منحة بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات الفرعية، في إشارة إلى عودة المؤسسات المالية الدولية إلى سوريا بعد غياب طويل.

من الضروري أن نشير هنا إلى التنافس السعودي التركي القطري في هذا الملف، ففي الوقت الذي تتصدر فيه الشركات القطرية والتركية المشاريع الكبرى، وقّعت السعودية عقوداً مهمة في مجال الطاقة الشمسية والاتصالات (مشروع SilkLink) وتأسيس شركة طيران جديدة، ما يعكس رغبة الرياض في تعزيز وجودها الاقتصادي في سوريا ما بعد الأسد.

يبرز ملف الغاز بوصفه الشريان الحقيقي لقطاع الكهرباء في سوريا، حيث تعتمد معظم المحطات الحرارية على الغاز الطبيعي في التشغيل. كان النظام السابق يعتمد بشكل رئيسي على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي”، لكن الإمدادات توقفت مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، ليحل محلها الغاز الإيراني الذي كان يتم ضخه عبر خطوط غير رسمية في ظل عقوبات دولية خانقة.

المشهد اليوم يختلف جذرياً؛ فسوريا تستورد الغاز من أذربيجان (بتمويل قطري) بكميات تصل إلى 3.4 مليون متر مكعب يومياً، ومن الأردن (بكميات تصل إلى 4 ملايين متر مكعب يومياً)، التي تستورد بدورها الغاز من إسرائيل، مما أثار جدلاً حول المصدر الحقيقي للغاز. وتأسيساً على ذلك، وقّعت سوريا مذكرات تفاهم مع مصر لاستئناف ضخ الغاز عبر خط الغاز العربي، ما قد يعيد إحياء المشروع الذي توقف عام 2011، ويعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي كدولة عبور للغاز بين الشرق والغرب.

وهذا يدل على أن سوريا يمكن أن تصبح معبراً استراتيجياً للغاز، خاصة إذا ما تم ربط حقول الغاز في قطر وإيران والعراق بالأسواق الأوروبية عبر أراضيها، وهو ما يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية لخطوط النقل (التي يبلغ طولها مئات الكيلومترات) وضمان الاستقرار السياسي.

سعر الكيلوواط وسياسة الدعم والدولرة

أصبحت فاتورة الكهرباء محور نقاش حاد بين الحكومة والمواطنين، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من أقل من سنت أميركي إلى أكثر من 5 سنتات للشريحة الأولى (المدعومة بنسبة 60% وفقاً للحكومة)، وإلى 12 سنتاً لما يزيد على 300 كيلوواط. وتفسيراً لذلك، قالت وزارة الطاقة إن هذه الزيادة تأتي في إطار إصلاح القطاع وتحقيق الاستدامة المالية، مشيرة إلى أن تكلفة الإنتاج الفعلية تصل إلى 14 سنتاً للكيلوواط.

ولذلك ينبغي التوقف عند فكرة “الدولرة” التي تتردد في النقاشات الخاصة بإعادة هيكلة القطاع، حيث يرى بعض الخبراء أن ربط أسعار الكهرباء بالدولار الأميركي هو السبيل الوحيد لاستقطاب المستثمرين الأجانب وتأمين استقرار الإيرادات للمشغلين في ظل تدهور قيمة الليرة السورية. وتمتلك هذه الفكرة مبرراتها الاقتصادية (الحماية من مخاطر تقلبات سعر الصرف، وجذب الاستثمارات الكبرى)، لكنها تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية وسياسية هائلة، أبرزها استبعاد شريحة كبيرة من المواطنين من الخدمة، وزيادة الفجوة الطبقية، وإطالة أمد الأزمة الإنسانية.

من الضروري أن تكون سياسة التسعير متوازنة، بحيث تجمع بين تشجيع الاستثمار وحماية الفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي موجه (بدلاً من دعم الأسعار) وشرائح استهلاك مرنة تتناسب مع متوسط الدخل.

وهذا يدل على أن ملف الخصخصة هو الأكثر حساسية في قطاع الكهرباء، حيث سبق أن جُرّبت نماذج محدودة في عهد النظام السابق، كعقود التشغيل والصيانة مع شركات أجنبية (مثل شركة “أنسالدو” الإيطالية و”ميتكا” اليونانية) التي لم تُكتمل بسبب العقوبات والحرب. وتأسيساً على ذلك، تُطرح اليوم نماذج جديدة، أبرزها نموذج BOO (بناء-تملك-تشغيل) الذي تعاقدت بموجبه الحكومة مع تحالف “أورباكون” القطري، حيث تمتلك الشركة المشاريع بشكل دائم، مقابل نموذج BOT (بناء-تشغيل-تحويل) الذي يضمن عودة الملكية للدولة بعد فترة محددة.

ولذلك ينبغي التوقف ملياً أمام مخاطر الخصخصة غير المدروسة، التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار (لتغطية تكاليف الاستثمار والأرباح)، واستبعاد الفقراء من الخدمة، وبروز احتكارات جديدة، وغياب الشفافية في العقود. ومن الضروري أن ترافق أي عملية خصخصة ثلاث ضمانات أساسية:

  • أولاً: هيئة تنظيم مستقلة ذات صلاحيات حقيقية لتحديد التعرفة ومراقبة الجودة.
  • ثانياً: عقود شفافة تُنشر كاملة وتخضع لرقابة المجتمع المدني والبرلمان (عند تشكيله).
  • ثالثاً: استمرار الدعم للفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي، وليس عبر دعم الأسعار الذي يهدر المال العام.

والخلاصة أن الخصخصة ليست حلاً سحرياً، بل هي أداة يمكن أن تحقق نتائج إيجابية إذا ما صاحبها إصلاح مؤسسي حقيقي ورقابة فعالة.

التوجه نحو الطاقة النظيفة

لا بد من التركيز على توجه استراتيجي قد يكون المخرج الوحيد لأزمة الكهرباء في سوريا: الطاقة النظيفة. فسوريا بلد مشمس معظم أيام السنة، بمتوسط إشعاع شمسي يصل إلى 3000 ساعة سنوياً، وتتمتع بمواقع مناسبة لطاقة الرياح في مناطق مثل القنيطرة وجبل الزاوية والساحل، مما يجعلها مرشحة لأن تكون سوقاً واعداً للطاقة المتجددة.

ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح ثلاث مسارات متوازية:

  1. محطات شمسية كبرى (IPP) بشراكة مع القطاع الخاص الدولي، مثل المشروع الذي أعلنت عنه شركة “أورباكون” بقدرة 1000 ميغاواط، ومشاريع أخرى مع شركات سعودية (أكوا باور) وأميركية.
  2. دعم مشاريع الطاقة الشمسية المنزلية والصناعية عبر نظام “صافي القياس” (Net Metering)، الذي يسمح ببيع الفائض من الكهرباء المنتجة إلى الشبكة الوطنية، مع تقديم قروض ميسرة وتخفيضات جمركية على الألواح والبطاريات.
  3. استغلال طاقة الرياح، حيث وقّعت وزارة الطاقة مذكرة تفاهم مع شركة محلية (MARV Energy) لإنشاء مشروع بقدرة 700 ميغاواط، وهو ما يمكن أن يكون نواة لقطاع رياح متطور.

ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة يحقق فوائد جمّة: تقليل الاعتماد على الوقود المستورد (وتوفير العملة الصعبة)، وتخفيف العجز الكهربائي (بما أن المحطات الشمسية والريحية يمكن إنشاؤها في أشهر مقارنة بسنوات لمحطات الغاز)، وخلق فرص عمل، والمساهمة في مواجهة التغير المناخي. لكن هذا يتطلب تحديث القوانين، وتأهيل شبكات النقل لاستيعاب الطاقات المتقطعة، وتطوير كوادر وطنية قادرة على التشغيل والصيانة.

إن الموقع الجغرافي الفريد لسوريا يمنحها فرصة استثنائية لتكون معبراً إقليمياً للطاقة، حيث تقع على البحر المتوسط، وتشكل حلقة وصل بين حقول الغاز في الشرق (قطر، إيران، العراق) والأسواق الأوروبية. وكان “خط الغاز العربي” (الذي يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان وتركيا) أول مشروع لتحويل سوريا إلى دولة عبور، لكنه توقف عام 2011.

إن إعادة إحياء هذا المشروع، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي مع تركيا والأردن والعراق، يمكن أن يحوّل سوريا إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة، حيث تحصل على إيرادات كبيرة من رسوم العبور، وتساهم في تعزيز الأمن الطاقي لدول المنطقة. ومن الضروري أن يكون هذا الملف حاضراً في استراتيجية الحكومة الانتقالية، بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، لتأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل البنية التحتية للغاز والكهرباء، وضمان الشفافية في إدارة هذه المشاريع الحيوية.

يمكن القول إن قطاع الكهرباء في سوريا يواجه تحديات جسيمة، تتراوح بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، والحاجة إلى استثمارات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، وإلى إرادة سياسية حقيقية لتجاوز سياسات الماضي (المركزية الفاسدة، واستخدام الخدمات كأدوات للضغط السياسي). لكن يبقى التساؤل المطروح حول ما إذا كانت الإدارة الجديدة قادرة على تحويل الفرص التاريخية المتاحة إلى واقع ملموس.

مستقبل الكهرباء في سوريا يتوقف على مدى نجاحها في بناء نموذج جديد قائم على الشفافية، والتنوع في مصادر الطاقة (مزيج متوازن من الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة)، واستقطاب الاستثمارات الحقيقية (لا مجرد مذكرات تفاهم)، وإصلاح المؤسسات العامة بما يضمن الكفاءة والمساءلة. وتأسيساً على ذلك، يمكن لسوريا أن تستعيد دورها التاريخي كمعبر إقليمي للطاقة، وأن توفر كهرباء مستقرة وبأسعار عادلة لشعبها، وأن تصبح نموذجاً للتعافي في منطقة تعاني من أزمات متشابكة.

إن الرهان اليوم ليس فقط على الميغاواط الجديدة التي ستُضاف إلى الشبكة، بل على نوعية الإدارة التي ستتولى هذا القطاع الحيوي، وعلى مدى التزام الحكومة بمبادئ الحوكمة الرشيدة، وعلى قدرة المجتمع السوري على الضغط من أجل خدمة عادلة ومستدامة. فالكهرباء، في النهاية، ليست مجرد خدمة عامة، بل هي مقياس حقيقي لمدى نجاح الدولة في بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والكرامة.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

خريطة الطاقة السورية الجديدة: تحالفات الاستثمار وإحياء الثروات المنسية

سوريا ما قبل 2024: عصر الازدهار النفطي المفقود

قبل اندلاع الحرب في عام 2011، كان قطاع النفط والغاز السوري يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إذ بلغ الإنتاج حوالي 380 ألف برميل يومياً من النفط الخام، مع احتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 2.5 مليار برميل، إلى جانب إنتاج غاز طبيعي تجاوز 30 مليون متر مكعب يومياً. وقد شكّلت عائدات الطاقة نحو 40% من إيرادات الدولة و20% من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل سوريا دولة ريعية بامتياز تعتمد على ثرواتها الباطنية في تمويل موازنتها ومشاريعها التنموية. واستقطبت هذه الثروات كبرى الشركات العالمية، إذ كانت “شل” البريطانية الهولندية تشغّل حقول شركة الفرات للنفط منذ عام 1985، بينما دخلت “توتال إنيرجيز” الفرنسية في شراكة مع المؤسسة العامة للنفط في حقل دير الزور، كما استثمرت شركات صينية مثل “سي إن بي سي” و”سينوكيم” في حقول مختلفة، إضافة إلى شركة “غلف ساندز” البريطانية التي كانت تدير القطاع 26 في شمال شرق البلاد.

مع اندلاع الحرب، تحولت الثروة النفطية من مصدر قوة إلى عامل صراع وانهيار. انسحبت الشركات الأجنبية تباعاً معلنة حالة “القوة القاهرة” تحت وطأة العقوبات الدولية وتدهور الأوضاع الأمنية، فغادرت “شل” و”توتال”، وتوقفت استثمارات الشركات الصينية والكندية والكرواتية. وتعرضت البنية التحتية للطاقة لدمار ممنهج، حيث خرجت خطوط الأنابيب عن الخدمة، ودُمّرت محطات التجميع والمعالجة، وسيطرت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على نحو 90% من حقول النفط والغاز في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. وفي مناطق سيطرة النظام السابق، تراجع الإنتاج إلى أقل من 15 ألف برميل يومياً، واضطرت دمشق إلى الاعتماد بشكل شبه كلي على الواردات الإيرانية التي كانت تصل عبر شبكة معقدة من التحايل على العقوبات، مما كلّف الخزينة مليارات الدولارات وأدى إلى تفاقم أزمة الكهرباء والمحروقات التي أرهقت السوريين طيلة سنوات الحرب.

مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وصعود الإدارة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، انفتحت نافذة تاريخية لإعادة هيكلة قطاع الطاقة السوري برمته. ففي غضون أشهر قليلة، تمكنت الحكومة الجديدة من استعادة السيطرة على حقول الشمال الشرقي بعد اتفاق تاريخي مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في يناير/كانون الثاني 2026، يشمل دمج المؤسسات المدنية والعسكرية تحت سلطة الدولة، وتسليم كافة الحقول النفطية والغازية والمعابر الحدودية. وفي مايو/أيار 2025، أعلنت الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا عبر الترخيص العام رقم 25، تلاه إعفاء مؤقت من قانون “قيصر” لمدة ستة أشهر، ثم رفع دائم في ديسمبر/كانون الأول 2025، مما أزال العائق الأكبر أمام تدفق الاستثمارات الدولية. ومنذ ذلك الحين، بدأت تتشكل تحالفات اقتصادية كبرى تعيد رسم خريطة الطاقة السورية، في مقدمتها التحالف الرباعي (الأميركي-السعودي-التركي-القطري) الذي يضع أسس مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي والدولي لإعادة إحياء الثروات المنسية.

تحليل التحالف الرباعي وخريطة الاستثمارات: أضلاع التحالف الرباعي وتقاسم الأدوار في مشروع النهضة الطاقية

تتبوأ الولايات المتحدة موقع القاطرة السياسية لهذا التحالف، إذ كان رفع العقوبات شرطاً أساسياً لانطلاق أي استثمارات جادة في القطاع. وقد تجلى الدور الأميركي في الدعم المباشر الذي قدمه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، الذي وصف الاتفاقيات الموقعة بأنها “تجسيد لرؤية الرئيس ترامب في تمكين التجارة لا الفوضى”. وعلى الصعيد العملي، تقود الشركات الأميركية الكبرى جهود إعادة تأهيل القطاع، حيث وقعت شركة “شيفرون” في فبراير/شباط 2026 مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول وشركة “باور إنترناشيونال” القطرية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في خطوة تمثل أول دخول لشركة نفط كبرى إلى سوريا منذ سنوات. كما شكّلت شركات “بيكر هيوز” و”هانت إنرجي” و”أرجنت” تحالفاً مع شركتي “أكوا باور” و”طاقة” السعوديتين لاستكشاف وتطوير 4 إلى 5 حقول نفطية وغازية في شمال شرق سوريا، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الأميركية نحو دمج سوريا في شبكات الطاقة الإقليمية.

تُعدّ السعودية الركيزة المالية الأهم في التحالف، حيث أعلنت في فبراير/شباط 2026 عن حزمة استثمارات بقيمة 3 مليارات دولار تشمل قطاعات حيوية متعددة. فمن خلال صندوق “إيلاف” الاستثماري، تم تخصيص 7.5 مليار ريال سعودي (ملياري دولار) لتطوير وتشغيل مطاري حلب الدولي القديم والجديد، بطاقة استيعابية تصل إلى 12 مليون مسافر سنوياً. كما وقعت شركة الاتصالات السعودية “STC” اتفاقاً بقيمة مليار دولار لتنفيذ مشروع “سلك الحرير” الذي يمد شبكة ألياف ضوئية بطول 4500 كيلومتر، ويدخل الجيل الخامس للاتصالات، ويطور مراكز بيانات حديثة. وفي قطاع الطيران، تم تأسيس شركة “ناس سوريا” بملكية 51% للجانب السوري و49% لشركة “فلاي ناس” السعودية، على أن تبدأ عملياتها في الربع الأخير من 2026. كما وقعت شركة “أكوا باور” اتفاقاً لإجراء دراسات إنشاء محطة تحلية مياه بطاقة 1.2 مليون متر مكعب يومياً، ونقل المياه العذبة من الساحل السوري إلى المناطق الجنوبية، في مشروع يهدف إلى مواجهة الجفاف المزمن. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية لم تقتصر على الاستثمارات الجديدة، بل ساهمت مع قطر في تسديد ديون سوريا المستحقة للبنك الدولي بقيمة 15.5 مليون دولار، مما مهد الطريق لعودة التعاون مع المؤسسات المالية الدولية.

تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً في التحالف بوصفها حلقة وصل رئيسية في شبكات الطاقة الإقليمية. فمنذ مايو/أيار 2025، بدأت أنقرة بتزويد سوريا بملياري متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً عبر خط “كيليس-حلب”، مما يسهم في توليد 1300 ميغاواط إضافية من الكهرباء. كما تم الاتفاق على ربط شبكة الكهرباء السورية بالتركية بخط 400 كيلوفولط. وعلى صعيد الاستثمارات، تشارك شركتا “كاليون إنيرجي” و”جنكيز إنيرجي” التركيتان في التحالف الذي تقوده مجموعة “UCC” القطرية لبناء أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية بقيمة 7 مليارات دولار. كما أن الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية “STE” وقعت اتفاقاً لبناء محطة طاقة شمسية بقدرة 100 ميغاواط في محافظة حماة، وتزويد ريف حلب الشمالي بالكهرباء عبر خط “الريحانية-عفرين”. ويعكس هذا الحضور التركي المكثف رغبة أنقرة في تعزيز نفوذها الاقتصادي، وضمان استقرار جوارها الجنوبي، والاستفادة من موقع سوريا كمعبر لوجستي نحو الأسواق العربية والخليجية.

تستثمر قطر في سوريا من خلال ذراعها الاستثماري المتمثل في مجموعة “UCC Holding” التابعة لشركة “باور إنترناشيونال” التي يمتلكها رجل الأعمال السوري القطري معتز الخياط. وقد وقعت هذه المجموعة في مايو/أيار 2025 أكبر صفقة استثمارية في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، تشمل بناء أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية في مناطق دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي، ومحطة طاقة شمسية في وديان الربيع بقدرة 1000 ميغاواط. وفي فبراير/شباط 2026، شاركت “باور إنترناشيونال” في مذكرة التفاهم مع شركة “شيفرون” للتنقيب البحري، مما يعكس رغبة قطر في توظيف خبرتها الواسعة في مجال الغاز المسال لاستكشاف الثروات البحرية السورية. كما أن صندوق قطر للتنمية موّل توريد الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا بكمية 3.4 ملايين متر مكعب يومياً، مما ساهم في رفع ساعات التغذية الكهربائية. ولا يقتصر الدور القطري على الطاقة، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، حيث استثمرت مجموعة “بلدنا” الغذائية، التابعة أيضاً للخياط، 250 مليون دولار لإنشاء مجمع صناعي متكامل للألبان والعصائر في مدينة عدرا الصناعية.

المشاريع الرئيسية والمناطق المستهدفة

تتوزع الاستثمارات المعلنة على ثلاث مناطق رئيسية تعكس الأولويات الاستراتيجية للتحالف. ففي شمال شرق سوريا، حيث تتركز الثروة النفطية والغازية، يستهدف التحالف السعودي-الأميركي تطوير حقول رميلان والسويدية والعمر والتنك، التي تُقدَّر احتياطياتها بنحو 300 مليون برميل في حقل السويدية وحده، و760 مليون برميل في حقل العمر. وقد بدأت الشركة السورية للبترول بالفعل في ضخ الغاز من حقل الجبسة إلى معمل الفرقلس، ونقل النفط من حقلي العمر والتنك إلى مصفاتي حمص وبانياس. وفي المياه الإقليمية السورية، تم تخصيص رقعة بحرية لتحالف “شيفرون-باور إنترناشيونال” لإجراء مسوحات زلزالية تمهيداً للحفر الاستكشافي، استناداً إلى تقديرات جيولوجية تشير إلى احتمالية وجود 1.2 تريليون متر مكعب من الغاز في حوض المشرق، وهو ما يعادل أربعة أضعاف الاحتياطي البري المؤكد. أما في دمشق وحلب، فتتركز مشاريع البنية التحتية، حيث يجري تطوير مطار دمشق الدولي بطاقة استيعابية تصل إلى 31 مليون مسافر، وإنشاء مترو دمشق بطول 26.5 كيلومتراً يخدم 750 ألف راكب يومياً، وتطوير مطاري حلب القديم والجديد بطاقة 12 مليون مسافر، ومد شبكة الألياف الضوئية التي ستربط سوريا بشبكات الاتصالات الإقليمية والدولية.

التوجهات الحكومية وأهداف الإنتاج

تسعى الحكومة السورية الانتقالية إلى تحقيق قفزة نوعية في قطاع الطاقة خلال السنوات القادمة، وفق رؤية تستند إلى تعظيم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وقد أعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي عن خطة طموحة تهدف إلى رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بنحو 7.6 ملايين متر مكعب حالياً، وذلك من خلال إعادة تأهيل حقول المنطقة الوسطى والشرقية واستثمار الاكتشافات الجديدة. كما تتوقع الحكومة وصول إنتاج النفط إلى 100 ألف برميل يومياً خلال أربعة أشهر، ثم إلى 200 ألف برميل خلال عام، مع إمكانية تجاوز هذا الرقم عند اكتمال مشاريع الاستكشاف البحري. وتعمل الحكومة على تطوير مصفاتي حمص وبانياس، ونقل مصفاة حمص إلى منطقة الفرقلس بطاقة 150 ألف برميل يومياً، بهدف زيادة الطاقة التكريرية وتحسين جودة المشتقات النفطية.

يمكن تصنيف اللاعبين المنخرطين في السوق السورية إلى ثلاث فئات رئيسية. الفئة الأولى: الشركات الأميركية الكبرى، وفي مقدمتها “شيفرون” التي تطمح إلى تكرار نجاحاتها في شرق المتوسط، حيث تمتلك أصولاً في إسرائيل وقبرص ومصر، من خلال دخول السوق السورية، و”كونوكو فيليبس” التي وقعت مذكرة تفاهم لتطوير حقول الغاز، و”بيكر هيوز” المتخصصة في تقنيات الحفر والإنتاج. الفئة الثانية: الشركات الخليجية، وتتصدرها “أكوا باور” السعودية التي تطمح إلى أن تكون لاعباً رئيسياً في قطاع الطاقة المتجددة، و”STC” التي تسعى لأن تصبح مشغل الاتصالات المهيمن في سوريا، و”UCC” القطرية التي تهدف إلى بناء محفظة استثمارية متكاملة تشمل الطاقة والبنية التحتية والصناعات الغذائية. أما الفئة الثالثة فهي الشركات التركية، مثل “كاليون إنيرجي” و”جنكيز إنيرجي”، اللتين تسعيان إلى توسيع أعمالهما في مجال الطاقة المتجددة والتوليد الحراري، مستفيدتين من القرب الجغرافي والاتفاقيات الحكومية.

اجتماعياً، تمثل هذه الاستثمارات فرصة تاريخية لخلق فرص عمل واسعة النطاق، حيث تتوقع مجموعة “UCC” توفير 50 ألف فرصة عمل مباشرة و250 ألف فرصة غير مباشرة من مشاريع الطاقة وحدها. كما أن مشاريع البنية التحتية، كالمطارات والمترو، ستوفر آلاف الوظائف في قطاعات الإنشاءات والتشغيل والخدمات. وسينعكس تحسن إمدادات الكهرباء بشكل مباشر على حياة المواطنين، إذ يُتوقع أن ترتفع ساعات التغذية من 2 إلى 4 ساعات يومياً حالياً إلى 8 أو 10 ساعات خلال عام، ثم إلى 20 ساعة عند اكتمال مشاريع التوليد. كما أن تنمية المناطق الشرقية، دير الزور والحسكة والرقة، عبر إعادة تأهيل حقول النفط وتشغيلها ستسهم في استقرار هذه المناطق وعودة النازحين إليها، بعد أن عاد أكثر من 1.47 مليون لاجئ منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 وفقاً لتقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

سياسياً، يعزز هذا التحالف الاستقرار السياسي في سوريا من خلال ربط مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين باستقرار البلاد. فالاستثمارات السعودية والقطرية والتركية تخلق شبكة مصالح اقتصادية تدفع هذه الدول إلى دعم الحكومة السورية وضمان عدم عودة الفوضى. كما أن حضور الشركات الأميركية يمنح واشنطن أداة نفوذ إضافية، ويمثل اعترافاً ضمنياً بشرعية الحكومة الانتقالية. وعلى الصعيد الإقليمي، تعيد هذه الاستثمارات تموضع سوريا كحلقة وصل بين أسواق الخليج وتركيا وأوروبا، مما يعزز دورها الجيوسياسي ويحولها من ساحة صراع إلى محور تنمية. كما أن العلاقة الجديدة مع دول الخليج تحد من النفوذ الإيراني والروسي، وتمهد الطريق لاندماج سوريا في المنظومة العربية بشكل كامل.

نفطياً، ومع عودة الإنتاج إلى مستويات قابلة للتصدير، ستستعيد سوريا موقعها كلاعب في سوق الطاقة الإقليمي، خاصة إذا تحققت الاكتشافات البحرية الكبيرة. ويمكن للغاز السوري أن يغذي الأسواق المحلية والأردن ولبنان، بل وربما يصل إلى أوروبا عبر خط الغاز العربي. كما أن تطوير صناعة التكرير سيمكن سوريا من تصدير منتجات نفطية ذات قيمة مضافة بدلاً من النفط الخام، مما يزيد الإيرادات ويخلق فرص عمل في الصناعات البتروكيماوية.

رغم التفاؤل الذي تثيره هذه المشاريع، تواجه عملية إعادة إعمار قطاع الطاقة مجموعة من التحديات الجسيمة التي قد تعرقل تنفيذها أو تحدّ من أثرها الإيجابي. أولاً: المنافسة الجيوسياسية، إذ إن التقارب بين السعودية وتركيا وقطر لا يخلو من تنافس خفي على النفوذ في سوريا؛ فالسعودية تسعى إلى احتواء النفوذ التركي عبر استثماراتها الكبيرة، بينما تحاول قطر الحفاظ على علاقاتها المتميزة مع أنقرة. وفي الوقت نفسه، تراقب إيران وروسيا هذه التطورات بقلق، وقد تحاولان عرقلة بعض المشاريع أو تقديم عروض منافسة للحفاظ على موطئ قدم لهما. ثانياً: المخاطر الأمنية، فرغم تراجع مستوى العنف إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، لا تزال هناك مناطق متوترة، خاصة على تخوم مناطق سيطرة “قسد” السابقة، وفي البادية السورية حيث تنشط خلايا تنظيم “داعش” التي شنت 153 هجوماً في العراق وسوريا خلال النصف الأول من 2024 وحده. كما أن التوترات مع إسرائيل، التي تشن غارات جوية بين الحين والآخر، قد تؤدي إلى تصعيد غير متوقع. ثالثاً: الحاجة إلى أطر حوكمة وتشريعات، فسرعة تدفق الاستثمارات تفوق قدرة المؤسسات السورية على استيعابها وتنظيمها، مما يخلق مخاطر فساد وغياب شفافية. وقد حذر مراقبون من أن غياب قانون للمنافسة، وإطار واضح للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهيئات تنظيمية مستقلة، قد يؤدي إلى تكرار نموذج “اقتصاد الريع” الذي كان سائداً قبل الحرب، حيث تتركز الثروة في أيدي نخب محدودة. كما أن تركيز الاستثمارات في دمشق وحلب على حساب المناطق الأخرى، كمنطقة الساحل والسويداء، قد يخلق احتقاناً اجتماعياً جديداً. رابعاً: التحديات الفنية والبيئية، إذ إن البنية التحتية للطاقة تعرضت لدمار ممنهج خلال الحرب، ويتطلب إعادة تأهيلها استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة. كما أن عمليات الاستخراج العشوائية التي تمت خلال سنوات سيطرة “قسد” تسببت بأضرار بيئية جسيمة وتلوثٍ للتربة والمياه الجوفية، مما يفرض تكاليف إضافية على الشركات الجديدة.

إن نجاح هذه المشاريع الضخمة يبقى رهناً بقدرة الحكومة السورية على بناء مؤسسات قوية وشفافة، وضمان توزيع عادل لعوائد الثروة النفطية، والحفاظ على استقرار أمني يمكّن المستثمرين من العمل في بيئة آمنة. وإذا ما تم تجاوز هذه التحديات، فإن خريطة الطاقة السورية الجديدة قد تكون نواة لنهضة اقتصادية شاملة تعيد بناء ما دمرته الحرب، وتوفر فرصة حقيقية للسوريين لاستعادة ثرواتهم المنسية.