هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا عن مخالفتها للإعلان الدستوري، الصادر عقب سقوط الأسد، والذي نصت  المادة الثانية عشرة منه على أن الدولة “تحمي حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتكفل حقوق المواطنين والحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية”.

علو سقف الخطاب الديني  

في الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، ظهرت بعض مظاهر ما يسمى بـ”الدعوات الدينية” في عددٍ من الأماكن العامة في سوريا، وقد اتخذت طرقاً وأشكالاً مختلفة، من بينها: توزيع ملصقاتٍ تدعو النساء والرجال لارتداء اللباس المُحتشم، وظهور بعض المنقبات في الشوارع لينصحن النساء بضرورة ارتداء الباس الشرعي، وانتشار مجموعاتٍ دعوية، عبر سياراتٍ، مُجهَّزة بمكبرات الصوت، تجوب شوارع دمشق، بما فيها الأحياء المسيحية، لتبثَّ خطباَ ودعوات، تدعو الناس إلى اعتناق الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وقد أثارت “السيارات الدعوية“، التي كانت تنظر إلى الناس وكأنهم كُفَّار بحاجة إلى الهداية، جدلًا واستنكاراً واسعاً بين مختلف الطوائف في دمشق، خاصة عندما قام بعض سكان منطقة الدويلعة باعتراض إحدى السيارات، التي وقفت أمام كنيسة مار إلياس، وطردها من المنطقة، ما أدى إلى حدوث حالة من التوتر والغضب الشعبي. 

ورغم إقرار الحكومة بأن تلك “الدعوات” هي تصرّفات فردية، لا تتبع لأي تنظيم واضحٍ أو جهة رسمية، إلإ أنها لم تُبادر لمنعها ومحاسبة القائمين عليها، على الرغم من تكرارها، كما أنها لم تصدر أي بيانٍ رسمي يوضِّح موقفها صراحة من انتشار مثل هذه الأنشطة الدعوية، التي رآها البعض محاولة لفرض نهجٍ ديني وإيديولوجي في مرحلة مفصلية وحسّاسة من تاريخ البلاد. 

 وخلال شهر رمضان لهذا العام، ظهرت الكثير من حالات الاعتراض على “الإفطار العلني”، وذهبت بعض الآراء إلى تحريمه وتجريمه، بحجة مخالفته لـ”الآداب العامة”، في بلدٍ يمتاز بالتنوع الديني والثقافي. ففي ريف دمشق، أصدرت بلدية التل قرارًا ، لاقى جدلاً واسعاً، يقضي بفصل جميع عمال فرن حرنة الآلي، بتهمة “الإجهار بالإفطار”، متذرعةً بأن القرار جاء بعد ورود شكاوى من بعض أهالي المنطقة بحق العمال، الذين تعمدوا التدخين وشرب القهوة أمام المواطنين، في منافذ بيع الخبز خلال أوقات الصيام. 

وفي مدينة حمص، انتشر مقطع فيديو لصانع محتوى، يتنقل بين بعض مقاهي شارع العشاق، وهو يقوم بتصوير عددٍ من الأشخاص المُفطرين، ويُظهرهم وكأنهم مخالفون للقانون وينبغي مساءلتهم وفضحهم على الملأ، معترضاً على من أعطاهم الحق في الإفطار والجهر به، وعلى من سمح للمقهى بالعمل خلال وقت الصيام. وقد رأى كثيرون أن هذا السلوك، الذي أثار غضباً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، هو انتهاك صارخ للحريات الشخصية، وتعدي على خصوصية الجالسين في المقهى، ويتجاوز مسألة الاعتراض الشخصي إلى التشهير والتحريض. فيما رأى آخرون أنه مؤشّرٌ مخيفٌ على ولادة مناخٍ اجتماعي وثقافي غريب عن طبيعة المجتمع السوري، قد يأخذ البلاد نحو مزيدٍ من الانغلاق والتضييق على الحياة المدنية، ويفتح أسئلة كثيرة تتعلق بمدى حدود التدخل في حياة الآخرين ومن يمتلك حق محاسبتهم.  

تقييد بيع المشروبات الكحولية 

 أصدرت محافظة دمشق  منتصف آذار الماضي، قراراً يمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي في مدينة دمشق، ويَحصُر بيعها ضمن المحلات المرخَّصة، في ثلاث مناطق تقطنها غالبية مسيحية: باب توما، القصاع وباب شرقي. كما اشترط القرار أن تبعد تلك المحلات مسافة 75 متراً عن الجوامع والكنائس والمدارس والمقابر، ومسافة 20 متراً عن مراكز الشرطة والدوائر الحكومية. وقد بررت المحافظة سبب القرار بأنه جاء تلبية لشكاوى المجتمع المحلي، وأنه يهدف إلى “الحد من الظواهر المخلّة بالآداب العامة”.

القرار الذي أثار مزيداً من المخاوف المُتعلّقة بالمساس بالحريات الشخصية، قوبل بموجةٍ من الاستهجان والسخط والانتقادات اللاذعة، من قبل شريحة واسعة من السوريين، بما فيهم وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، التي احتجت على القرار من خلال منشور عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، جاء فيه: “المسيحيون في سوريا هم سكانها الأصليون، ومناطقنا ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك. لم نكن يوماً سكارى ولكننا سكارى في محبة سوريا والانتماء إليها”.  

وعقب القرار تجمّع مئات السوريين، من مختلف المكونات، في اعتصام صامت، في باب توما، رفعوا فيه لافتات ترفض القرار، الذي اعتبروه اعتداءً على الحريات العامة والشخصية، ويسعى لتكريس الطائفية وتفريق الشعب بدلاً من جمعه، كونه “يُكفِّر” مناطق محددة ويسيء لتاريخها وثقافتها، ويعمل على تغيير هوية المدينة، التي لطالما كانت تمتاز بالتنوع الاجتماعي والثقافي، وتستوعب جميع الناس على اختلاف ثقافاتهم.

وما أثار مخاوف بعض السوريين، أكثر من القرار ذاته، هو خروج مجموعة مظاهرات في عدد من المحافظات، رداً على اعتصام باب توما، واستجابة لحملة “حظر أم الخبائث”، التي أطلقها مجموعة من الناشطين دعماً لقرار منع الكحول،  وقد نادت المظاهراتبمجموعة شعارت يغلب عليها الطابع الديني، ومن بينها: “ما بدنا سكرجية”، “حرية إسلامية”، “الشعب يريد إلغاء الخمور”، ” فَليعد للدين مجده ولتُرق منا الدماء” و”الشعب يريد تحكيم شرع الله”.   

 منع المكياج في اللاذقية

تحت ذريعة “تنظيم المظهر الوظيفي” و”الحفاظ على صورة المؤسسة وتعزيز المهنية والانضباط”، أصدر محافظ اللاذقية، في شهر كانون الثاني من هذا العام، قراراً رسمياً يقضي بمنع جميع الموظفات والعاملات من وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي، في جميع مؤسسات ودوائر الدولة وهيئاتها وما يتبع لها من مديريات وشركات، مؤكداً على ضرورة التقيّد والإلتزام بالقرار “تحت طائلة المساءلة القانونية”.   

وقد أثار ذلك القرار، الغريب والمفاجئ، جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، رافقته موجة واسعة من الانتقادات والرفض والسخرية، إذ اعتبره البعض تقييداً لحرية النساء بحجة الأخلاق، ووصايةً ذكورية على أجسادهن، وفرضاً لنهج إيديولوجي متطرف، كما أعرب آخرون عن مخاوفهم من فرض مزيدٍ من القيود على الحريات الشخصية، مع تسلّم مسؤولين، من خلفيات دينية، الكثير من المناصب في البلاد، فيما رأى جزء كبير من المعترضين على القرار، أن وضع المكياج  لا يؤثّر على النزاهة أو الكفاءة المهنية والالتزام الوظيفي، وأن القرار، الذي لا يدخل ضمن صلاحيات المحافظ، قد تجاوز الدور التنظيمي للمؤسسات وتدخل في  خيارات شخصية لا تمسّ طبيعة وجوهر العمل. وقد تساءل البعض: وفق أي مادة قانونية ستحاسب الموظفة التي تضع المكياج، في ظل غياب أي نص قانوني ينصُّ صراحة على منعه؟   

ضوابط ومعايير لارتداء ملابس السباحة

في خطوة غريبة عن المجتمع السوري، أصدرت وزارة السياحة في شهر حزيران من العام الماضي، قراراً يفرض ضوابط صارمة على قواعد اللباس في الشواطئ والمسابح العامة، التي لطالما كانت مُختلطة ومتنوعة وتستقبل جميع الناس على اختلاف ثقافتهم وسلوكهم الاجتماعي. وقد أكد القرار على “الالتزام بارتداء ملابس سباحة مناسبة تراعي الذوق العام ومشاعر مختلف فئات المجتمع”، مع التشديد على “احترام التنوع الثقافي والديني في الجمهورية العربية السورية”. وبموجب القرار، الذي رآه كثيرون تقييداً للحريات ومحاولة لفرض وجهة نظرٍ واحدة: تُلزم النساء بارتداء “البوركيني” أو ملابس سباحة “مُحتشمة”، تغطي الجسم، مع ضرورة ارتداء لباس فضفاض عند التنقل خارج أماكن السباحة، فيما يُلزم الرجال بارتداء قمصان عند الخروج من الماء، ويُمنعون من الظهور مكشوفي الصدر في الأماكن العامة والمطاعم التابعة للمنشآت السياحية. كما أكدت الوزارة، من خلال القرار، على تجنب ارتداء الملابس الشفافة أو الضيقة في الأماكن العامة، خارج الشواطئ والمسابح، والالتزام بملابس واسعة تغطي الكتفين والركبتين.

ونتيجة القرار، الذي لاقى موجة استهجان وانتقادات كبيرة، حُرم كثير من الناس من زيارة الشواطئ التي اعتادوا زيارتها خلال الصيف، بعد أن شعروا أنها أصبحت غريبة عنهم، وأنهم سيكونون مسلوبي الحرية ومقيدي الحركة فيها، كما أضرَّ القرار بكثير من أصحاب الشاليهات ومستثمري الشواطئ، بعد تراجع حجم الإقبال عليها.    

قرارات غريبة عن المجتمع السوري

في شهر شباط الماضي، أصدرت بلدية وادي بردى قراراً، يمنع المطاعم والمنتزهات من استقبال المجموعات السياحية المختلطة، أو التي تقيم حفلات رقص أو أنشطة اندماج بين الجنسين، دون وجود “رادع أخلاقي”، تحت طائلة إغلاق المنشأة وختمها بالشمع الأحمر في حال المخالفة.

وقد تساءل كثيرون عن مدى صلاحية البلدية في اتخاذ قرار كهذا، يُسيء لصورة المجتمع الذي اعتاد أن يتقبل الجميع، ويضرُّ بأصحاب المطاعم والمنتزهات ويحدُّ من الحركة السياحية في المنطقة، التي اعتادت استقبال الغروبات السياحية والرحلات المختلطة والنزهات العائلية، التي كانت تحظى بكثير من الترحاب والاحترام وكرم الضيافة من قبل سكان المنطقة، فيما رأى آخرون أن هذا القرار سيشكل مخاوفاً لدى الناس ويجعلهم يفكرون في كل رحلة أو نزهة مختلطة يقومون بها، إذ يمكن أن يُنظر إليها على أنها مخلّة بالآداب العامة، خاصة أن بلدية وادي بردى قد بررت القرار، بأنه جاء “استناداً إلى أخلاق ديننا الحنيف” وإلى “قواعد الآداب العامة، والحرص على العادات والتقاليد المجتمعية واحترامها”. 

وفي مدينة التل، وتحت ذريعة “صون الخصوصية العامة واحترام العادات والتقاليد المجتمعية”، أصدر مجلس المدينة، في شهر كانون الثاني لهذا العام، قراراً يحظر تواجد أي بائع “ذكر” داخل محلات بيع الألبسة النسائية، ويُلزم أصحاب المحلات بتعيين بائعة للعمل، مؤكداً على أن المحل الذي سيخالف التعليمات سيتم إغلاقه وختمه بالشمع الأحمر.  

وقد اعتبر كثير من المتابعين أن القرار  يعد مخالفاً للقوانين ويتدخّل بالملكية الخاصة لأصحاب المحلات ويضع قيوداً على إدارتهم لأعمالهم، رغم أن وجود الرجال في محلات بيع الألبسة النسائية هو عادة مألوفة في سوريا ولم تشكّل يوماً أية مشكلة أخلاقية تسيء للمجتمع. وقد تساءل بعض الساخرين من القرار إن كان سيسمح لأصحاب المحلات بزيارة محلاتهم، وإن كان سيطال أصحاب محلات المكياج والأحذية النسائية؟

ما ذكر أعلاه، يضعنا أمام سيناريوهات مستقبلية متعددة، تتعلَّق بشكل الحياة المدنية والاجتماعية والثقافية ضمن المجتمع السوري، ويطرح سؤالاً بدأ يتردد في الأحاديث اليومية لكثير من الناس: هل سيتغير الوجه المدني لسوريا مستقبلاً؟

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.

وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.

والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.

خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟

من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.

الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.

نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.

يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.

تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.

وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.

تقارير متناقضة عن الخطف

صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.

لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.

هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.

نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.

بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم “نزوح”، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز الفيلم جائزة الجمهور Armani Beauty Audience Award ضمن قسم “أوريزونتي إكسترا” (Orizzonti Extra)في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2022، كما نال جائزة تلفزيون ARTE في مهرجان كان السينمائي، وحصل السيناريو على جائزة باومي من برلين، وجائزة سورفوند ضمن ورشة سينيفونداسيون.

يوحي عنوان الفيلم بمضمونه، إذ يضيء على واقع مشحون تعيشه أسرة محاصرة في أحد أحياء مدينة دمشق، لم يبق في المكان سواها مع عدد قليل من الجيران الذين يتهيؤون للهروب من المنطقة وسط أصوات الهاون والمتفجرات.

يصرّ ربّ الأسرة على البقاء في البيت، رغم القذائف التي أصابت البناء وأحدثت فيه فجوات متعددة تتسرّب منها الرياح ومياه الأمطار. وهو يتوجّس من فكرة أن يصبح لاجئاً أو نازحاً يستجدي المكان واللقمة عند الآخرين، وهو الذي يرى نفسه ابن عزّ ومجد، ويشعر، كرجل، أنه يمتلك القوة والقدرة على إعادة بناء منزله وترميمه من جديد وحماية أسرته. ومن هنا يأتي إصراره على الثبات وعدم الرحيل.

وسط أصوات القذائف وانهيارات الأبنية، تظهر من خلال فجوات البناء قصة حب شفيفة ورقيقة بين الابنة زينة، التي جسّدتها هالة الزين، وابن الجيران عامر، الذي أدّى دوره نزار العاني، في استعراض رومانسي لمهارات التصوير. تتخيّل زينة نفسها وسط النجوم، متأرجحة بين مجموعات الدب الأكبر والدب الأصغر والثريا، حين تسقط من الفوهة التي فتحتها القذائف إلى سرير نومها، في إشارة إلى أن الحياة لا تزال تتّسع لقصة حب فطرية مهما عظمت الخطوب وتوالت الأقدار الظالمة.

يحاكي المشهد الأساسي في الفيلم ما عاشه السوريون جميعاً خلال أربعة عشر عاماً، سواء في النزوح الداخلي أو الخارجي، وما يعنيه ذلك من إحساس عميق بالمهانة نتيجة الحاجة إلى غرباء يساعدونهم على تدبّر أمورهم الحياتية. وهنا تأتي صرخة سامر المصري في دور الأب: “نازح أنا؟ يقولوا عني نازح؟”، في استهجان صريح لما يعنيه البعد عن المكان والبيت، ذلك الذي يصفه غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”بأنه كينونة الإنسان الأولى، وركنه في العالم، ومركزه الروحي للألفة والحماية.

لكن مع فقدان الحاجات الأساسية من ماء وكهرباء ومؤونة، والحصول عليها بشق الأنفس، ينشأ صراع حول البقاء في المكان والاستمرار في العيش بهذه الطريقة. ويتفجّر هذا الصراع بين الأب والأم حين يبدأ الأب بالتفكير في تزويج طفلته من أحد المقاتلين، بعد أن جاءه سمسار الحي ليقنعه بأن هذا هو الحل الأمثل بحجة تأمين حمايتها قبل اقتحام الجيش للمكان. وهنا يغدو الحوار بين الزوجين نافذة على الذاكرة، تستدعي الواقع الاجتماعي والبيئة التي تعيش فيها الأسرة، وتاريخها في تزويج البنات وإرسالهن إلى المجهول، مروراً بزواج الأم نفسها في سن مبكرة، من دون أن يُتاح لها التفكير في قرارها أو مستقبلها. هذا التراكم من المشكلات الاجتماعية يدفع الأم إلى اتخاذ قرار الهروب والتمرّد على سلطة الأب، ومغادرة المكان مع بقية المغادرين.

تغادر الأم وابنتها عبر حطام المدينة التي تشظّت معالمها، في صورة تعكس الضريبة الباهظة من الشقاء التي تقع على النساء والأطفال في الحروب والصراعات بالدرجة الأولى. ويكتسب المحتوى البصري للمكان، بما فيه من منازل مهدّمة وشوارع فقدت تضاريسها واتجاهاتها، صفة وثائقية وعفوية، تجسّد الخلفية الصامتة للمعاناة والألم في رحلة ضياع بين الأنقاض. ثم تلتقيان بالعشرات من الأهالي الراغبين في الخروج والهروب من الأماكن المتفجرة، وسط حوار يتضمّن انتقاداً ضمنياً لمن يحملون السلاح، بوصفهم يريدون السكان دروعاً بشرية يحتمون بها.

أما الزوج، الذي تُرك وحيداً، فيصاب بهستيريا وصراع داخلي عنيف. فهو يريد البقاء في بيته، وألا تتعرض عائلته لذلّ النزوح، وأن يكون الحامي لأسرته، لكن سخرية الأقدار تجعله يفقد أسرته ويغدو وحيداً. ونراه يطارد آثارهم من مكان إلى آخر، إلى أن يصل إليهم وهم يستقلّون إحدى السيارات الموعودين فيها بالأمان، وبالوصول إلى البحر، بما يحمله من رمزية الاتساع والعمق بوصفه حلاً مأمولاً، رغم آلاف الضحايا الذين ابتلعتهم الأمواج في موجات الهروب المتتالية من جحيم الواقع. وتأخذ مطاردته للسيارة طابعاً درامياً مشوّقاً يحبس الأنفاس، إلى أن تحسم الفتاة الأمر بصراخها كي تتوقف الحافلة، وتهرع راكضة إلى أبيها في لقطة بالغة الحميمية، وسط تعنّت الأم وإصرارها على موقفها، إلى أن يعلن الأب استسلامه، وأنه سينزح معهم ويرافقهم، وأن مصيره سيبقى مرتبطاً بهم دائماً.

ومن مفارقات القدر أن يصل الإنسان السوري إلى قناعة بأن النزوح عن بيته وحارته هو الحلّ المرحّب به، بل الحلّ الذي يحفظ له حياته وكيانه، رغم أن الجميع، في الداخل والخارج، حكومةً ومعارضةً، يرفعون شعارات حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم وسلامتهم. لكن المدنيين، في نهاية المطاف، هم الشريحة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والصدام والاقتتال.

تهدي المخرجة سؤدد كنعان الفيلم إلى جميع السوريين، من بقي منهم ومن هاجر، إذ إن الجميع تحت نير المعاناة، والجميع دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وقد رأت أن إبقاء النهاية مفتوحة يعكس أن الوضع ما زال قائماً، وأن الحرب لم تنتهِ، وأن واقع اللجوء ما يزال مستمراً. كما أن النهاية المفتوحة، بشكل عام، تجعل المتلقي شريكاً في تخيّل ما ستؤول إليه الأحداث، وفق أفكاره وتصوراته، بما يضيف غنى وثراء إلى العمل.

طبعاً، فكرة الفيلم نبيلة ووجدانية، بوصفه شاهداً على زمن نتمنى ألا يعود. ولعل الواقع كان أكثر وحشية وألماً مما رأيناه، إذ عبّر الفيلم، بطريقة بسيطة وعادية، عن واقع معروف ومعاش، لكنه يبقى صوتاً في وجه استباحة الإنسان المهدور والمكشوف للحرب والتهجير والدمار.

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم “اكتظاظاً” بالأحزاب والسياسيين والزعماء و”القادة الملهمين”، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين العرب: “أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ويعتقد 50 في المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد 10 في المائة على الأقل أنهم آلهة”. (1)

لمحات من تاريخ العمل الحزبي في سوريا
شهدت سوريا ولادة إرهاصات لأشكال من الأحزاب السياسية “جمعيات” مع أفول حقبة الاحتلال العثماني للشرق، وكانت استجابة لطموح الشعوب المحكومة بالاحتلال إلى الاستقلال وبناء دولها القومية، بالتزامن مع نشوب الحرب العالمية الأولى، وشهوة الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب للاستيلاء على تركة “الرجل المريض”.

وفي زمن الانتداب الفرنسي (1920 ـ 1946)، تأسست أحزاب وحركات عديدة، ربما كان أولها الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان الذي تأسس عام 1924، ثم تأسست الكتلة الوطنية عام 1928 من ائتلاف مجموعة من رجال السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة السوريين الذين جمعهم الإيمان بوحدة سوريا واستقلالها.

وانشق عن الكتلة الوطنية لاحقاً تشكيل سُمّي “حزب الشعب”، ليحتكر الحزبان، إلى حد كبير، الحياة السياسية والبرلمانية في سوريا آنذاك، رغم وجود نشاط واضح للشيوعيين والقوميين السوريين، “تأسس الحزب القومي السوري عام 1932″، إضافة إلى حزب البعث الذي تأسس غداة الاستقلال عام 1946.

الربيع الحزبي القصير
استمرت الحالة الحزبية في سوريا بهذا الشكل، إلى حد كبير، حتى أثناء فترة الانقلابات خلال الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ونشطت أكثر فأكثر خلال الفترة اليتيمة التي شهدت حياة برلمانية حقيقية مستقرة بين عامي (1954 ـ 1958)، حتى جاءت الوحدة السورية المصرية التي قضت على الحياة السياسية في سوريا.

امتد شلل الحياة السياسية، رغم الفشل الذريع لتجربة الوحدة القسرية في أيلول من عام 1961، وقيام حكومة أعادت تفعيل الحياة السياسية، لكن سرعان ما انقض البعثيون على السلطة في انقلاب 8 آذار 1963، وأعادوا تأسيس النظام الأمني الشمولي. ورغم تعدد الحركات والانقلابات، إلا أن الإطار العام بقي تفرداً للبعث بالسلطة، ثم تفرد فرد وعائلة بالسلطة منذ عام 1970، حين تمكن حافظ الأسد من الانقلاب على خصومه، رفاق الأمس، وتأسيس نظام أمني صارم ومغلق ودموي أبقاه على رأس السلطة مع عائلته وحاشية ضيقة من المنتفعين من الفساد الذي رافق الاستبداد، كما هي العادة، حتى موته عام 2000.

وكان حافظ الأسد قد هيأ استلام السلطة لابنه بشار الأسد، الذي حكم بالعنجهية ذاتها، مع تميزه عن أبيه بقلة الخبرة وضعف الشخصية وأمراض مزمنة أخرى، حتى سقوط نظامه في 8 كانون الأول عام 2024.

زمن الهيئة
سقوط نظام بشار، والقدوم السريع لقوات هيئة تحرير الشام من إدلب إلى دمشق خلال 11 يوماً، وإعلانها أبا محمد الجولاني (الرئيس الحالي أحمد الشرع) رئيساً للفترة الانتقالية التي حُددت بخمس سنوات، ومن خلال الملامح الأولى لـ”الحوار الوطني” و”الإعلان الدستوري” و”مجلس الشعب”، بدا للمراقبين أن هناك توجهاً نحو التفرد في إقرار مستقبل البلاد، بتغييب أي دور للأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية التي كانت في صفوف المعارضة لنظام الأسدين.

إضافة إلى تعيين قيادات النقابات والاتحادات المهنية وتحويلها، بالتالي، إلى أجهزة تنفيذية تابعة للسلطة. وكذلك مجلس الشعب، الذي لم يكتمل بعد بانتظار تعيين الثلث الخاص بالرئيس الانتقالي، بعد انتخاب الثلثين الآخرين من لجان شكَّلتها السلطة الانتقالية.

إضافة إلى التسامح مع لغة تحريضية ضد الأقليات، وتنفيذ مجازر مروعة في الساحل السوري في آذار 2025، وفي السويداء بتموز من العام ذاته.

الآن تبدو الصورة البانورامية للحالة الحزبية والنشاط الحزبي والسياسي قاتمة في سوريا بسبب عدم صدور قانون أحزاب جديد أولاً، علماً أن آخر قانون أحزاب أصدره بشار الأسد، في تلبية شكلية لمطالب الثورة السورية، لم يشرع سوى لأحزاب صغيرة مسيطر عليها أمنياً، وتكاد تكون وهمية، إضافة، طبعاً، إلى أحزاب ما سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، وهو تحالف أنشأه حافظ الأسد عام 1972 من الأحزاب الرئيسية المعروفة في البلد، عدا الإخوان المسلمين والحزب القومي السوري، وهي: “الحزب الشيوعي السوري، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الاشتراكيين العرب، حزب الوحدويين الاشتراكيين، وحزب البعث كقائد للدولة والمجتمع والجبهة أيضاً”. ولاحقاً حدثت انقسامات عدة في أحزاب الجبهة، وتم ضم الأحزاب الجديدة المنقسمة عن أحزاب الجبهة إليها، إضافة إلى الحزب القومي السوري، ليصبح عدد الأحزاب تسعة أحزاب.

ويبدو من نهج السلطة الانتقالية، في الجانب السياسي والإداري، اعتمادها كلياً على كوادر هيئة تحرير الشام العاملين في صفوف هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، وهو ما يُعرف في سوريا بمشايخ الهيئة، حيث يدير معظم الوزارات والمؤسسات شيخ أعلى من الوزير أو المدير العام.

ومعلوم أن تأسيس جبهة النصرة كان بعيد اندلاع الثورة السورية، كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، نهاية عام 2012، إذ قام أبو بكر البغدادي، أمير التنظيم في العراق، بإرسال أبي محمد الجولاني مع بضعة قياديين سوريين وأجانب إلى سوريا لإقامة فرع لتنظيم القاعدة فيها تحت اسم “جبهة نصرة أهل الشام” عام 2012.

في تموز عام 2016، تم تغيير اسم تنظيم جبهة النصرة إلى “فتح الشام”، في محاولة للالتفاف على العقوبات الدولية وعلى تصنيف جبهة النصرة كـ”تنظيم إرهابي”. وكان ذلك التغيير تمهيداً للانفصال عن تنظيم القاعدة أيضاً، ولم يدم الاسم طويلاً، إذ سرعان ما أُعلن تأسيس هيئة تحرير الشام بعد دمج فصائل إسلامية عدة مع التنظيم عام 2017.

هذه نبذة موجزة عن الحزب الحاكم فعلياً في سوريا الآن، رغم الإعلان عن حل الهيئة بعد وصول قواتها إلى دمشق، لكن تشكيل ما يسمى بالإدارة السياسية، وهي الحاكم الفعلي لسوريا، يذكرنا إلى حد بعيد بالقيادة القطرية لحزب البعث، في ظل وجود عضو من هذه الإدارة في كل محافظة وفي الوزارات الهامة لتسيير الأمور.

الآن، ما هي الحالة الحزبية في سوريا في ظل عدم وجود قانون أحزاب، ولا قانون إعلام، ولا صحافة حرة بمعنى الكلمة؟

أحزاب تعمل بحذر وتنتظر قانوناً
قمنا بلقاء قياديين في حزبين موجودين على الساحة لسبر رؤيتهما حول الحالة الحزبية في سوريا الجديدة.

عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد تحدث لنا عن الوضع الحالي للحزب قائلاً: “هناك حالة انتظار بالنسبة لنا كنشاط سياسي، ونحاول متابعة حد أدنى من النشاط السياسي والإعلامي، مع حرصنا على عدم استفزاز السلطة.

لقد رفض الحزب الشيوعي السوري الموحد قرار حل الأحزاب، وتابع نشاطه السياسي بأشكال أقل علنية، ويساهم اليوم مع غيره من الأحزاب وهيئات المجتمع المدني في تجمعات سياسية واجتماعية ترفع شعارات وطنية، كاستعادة السيادة السورية، ووحدة الأرض والشعب، ورفض التقسيم، والنضال لاستعادة كل شبر من الأرض السورية التي يحتلها الكيان الصهيوني، ومن أجل الديمقراطية عبر دستور ديمقراطي يعترف بحقوق المواطنة والحقوق السياسية لجميع السوريين بغض النظر عن الجنس والدين والمعتقد والإثنية.”

وحول تعامل السلطة مع الحزب حتى الآن قال: “لم نشهد تصعيداً ضد الحزب حتى اليوم.”

وفي مقال له منشور في صحيفة خليجية زودنا به، يبين القيادي الشيوعي ذاته موقف حزبه، الذي كان عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية في عهد النظام السابق، نقتطف منه: “المنتصرون في سِفر الثورات العالمية على مدى التاريخ، اكتشفوا في أحيان كثيرة أنهم كانوا أضاحي، والمنهزمون خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك بعد أن بدّلوا زيّهم، وتبددت الأحلام الوردية كسحابة صيف، أما شعارات الحرية والعدل والمساواة، فاختنقت في الحناجر، وتحولت إلى “بوسْتَرات” ملوّنة تزين جدران مخافر الشرطة وغرف الاعتقال والتعذيب.”

ويضيف: “ورغم الغموض الذي اتسمت به الصفقات الإقليمية والدولية التي أطاحت بنظام “الأسد” وأدّت إلى سيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في سورية، فقد تساوى التفاؤل والخوف والقلق في صبغ ردود أفعال المواطنين السوريين تجاه التغيير الحاصل في البلاد، فقد تفاءل الكثيرون بسبب انهيار سلطة الحزب الواحد الذي هيمن على سورية منذ نحو ستّة عقود، وكان كثيرون يعتقدون أن ذلك أمرٌ مستحيل، بسبب القبضة العسكرية والأمنية للنظام المنهار، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد تخوف الكثيرون أيضاً من الآتي الجديد بسبب خلفيته الجهادية ذات اللون الواحد، وانتابهم القلق حول مستقبل بلادهم بعد أن عانوا طويلاً من التفرد.”

وحول رأي حزبه بالإجراءات والخطوات التي اتخذتها السلطة الجديدة، أضاف القيادي الشيوعي في مقاله:
“لقد أظهرت مؤشرات عدة خلال فترة قصيرة، بعد أن عُيّن السيد “الشرع” رئيساً للبلاد، بموجب قرار الإدارة العسكرية “لهيئة تحرير الشام”، ومن خلال أول الاستحقاقات، وهو مؤتمر الحوار الوطني، أن اللون الواحد سيطغى على جميع الاستحقاقات اللاحقة، وأن شعار “من يحرّر يقرّر” الذي رفعه بعض قيادات “الهيئة” تحوّل إلى سلوك عملي، رغم تناقضه مع طموحات السوريين إلى سورية الجديدة الموحدة، فكان حواراً مع الذات لا مع الآخر المتنوّع والمختلف، وخرج بتوصيات مسبقة الصنع بصيغ عامة لا تضمن توحيد الأطياف السورية، ولا تضع الإطار الديمقراطي التعددي الذي يمنع إعادة إنتاج التفرّد والاستئثار والاستبداد.

أما المؤشر الثاني، فكانت أحداث الساحل السوري، التي تحولت إلى “مقتلة” أعادت إلى الأذهان التحريض والتجييش الديني والطائفي، واستخدام المراكز الدينية ومشاعر المتدينين لاضطهاد الطائفة العلوية، بزعم أنها حاضنة رموز النظام المنهار. هذه “المقتلة” التي أدّت إلى استشهاد آلاف المدنيين الأبرياء من جهة، والتخوف من استمرارها في مناطق أخرى، وبأشكال أخرى من جهة ثانية، علماً أن هذه الطائفة كانت، خلال عقود تسلط النظام المنهار، من أكثر الأطياف تضرراً، باستثناء قلّة منها استغلت نفوذها لتلبية مصالحها الضيقة المعادية لمصالح الوطن والشعب.

ثم جاء المؤشر الثالث، وهو إصدار الإعلان الدستوري الذي صاغته لجنة اللون الواحد، والذي لم ينص صراحة على تبنّي الديمقراطية التي ناضل السوريون من أجلها، والذي افتقد إلى الضمانات الواضحة لبناء سورية الجديدة الديمقراطية.. المدنية.. التشاركية، ليكتمل المشهد المتسم باللون الواحد، الذي سيراه السوريون في الأيام القادمة.”

السيد عمر المختار ونوس، القيادي في الحزب الدستوري السوري “حدس”، تحدث عن تجربة الحزب مع السلطة الجديدة قائلاً: “نحن في الحزب الدستوري السوري نرى أن المشهد الحزبي بعد سقوط نظام الأسد يعيش حالة فراغ قانوني وسياسي خطير. فحلّ الأحزاب بقرار فوقي، من دون أن يُستكمل ذلك بإطار قانوني بديل ينظّم العمل الحزبي، أوجد واقعاً ضبابياً يقيّد التعددية ويعيد إنتاج منطق السلطة المؤقتة غير الخاضعة للمساءلة.

غياب قانون أحزاب واضح، يستند إلى معايير دستورية ديمقراطية، يعني عملياً تعطيل أحد أهم مقومات الحياة السياسية السليمة، ويجعل النشاط الحزبي عرضة للاجتهاد الأمني أو الإداري، بدل أن يكون حقاً سياسياً مكفولاً.

من وجهة نظرنا، لا يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي أو عن بناء دولة قانون، في ظل غياب تشريع يضمن حرية التنظيم السياسي والتنافس السلمي على أساس البرامج لا الولاءات.”

وجواباً على سؤالنا حول تعامل السلطة الجديدة مع نشاط الحزب وفعالياته، قال: “الحزب الدستوري السوري لم يكن يوماً حزباً مرخّصاً في ظل نظام الأسد، لأنه لم يعترف بشرعية ذلك النظام، ولا بشرعية قوانينه القمعية. وبالتالي فإن موقفنا من السلطة الجديدة ينطلق من المبدأ ذاته: نحن لا نطلب اعترافاً من سلطة أمر واقع، بل نطالب بحقوق دستورية وسياسية وطنية ومواطنية، كان يمكن لمؤتمر حوار وطني حقيقي أن يفضي إلى تثبيتها في عقد اجتماعي، لتصبح هي ذاتها مضمون الوثيقة الدستورية، وقد رأينا كيف أدى تجاوز هذا الحوار إلى تعقيد المشهد الوطني.

السلطة المؤقتة/ الانتقالية/ الأمر الواقع تريد إبقاء الحياة السياسية في منطقة رمادية، لتستكمل تمكين نفسها في الحكم، وهناك الكثير من المقدمات الواضحة بالنسبة لنا في منهج السلطة الحالية، التي تجعلنا على يقين تام بأنها لا تريد نظام حكم يقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية.”

وحول تعامل السلطة مع بعض الفعاليات التي يقيمها الحزب في الداخل السوري، وفيما إذا كان الحزب يطلب موافقة من السلطة على تلك الفعاليات، قال السيد ونوس: “ليس هناك أي حوار بيننا وبين السلطة، ولا نقدم أي طلبات للموافقة على أنشطتنا، ونرفض من حيث المبدأ منطق “الاستئذان السياسي” الذي كان سائداً في عهد النظام السابق. وفي الوقت ذاته، نؤكد أن الحل لا يكون بالفوضى، بل بإصدار قانون أحزاب عصري، واضح، وشفاف، يحدّد الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية.

باختصار، مشكلتنا ليست تقنية مع جهة بعينها، بل سياسية مع غياب الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظّم الحياة العامة، ويمنع تحوّل أي سلطة مؤقتة إلى بديل استبدادي جديد.”

المستقبل واحتمالاته
من خلال تجارب ممارسة السياسة في ظل النظام السابق والنظام الحالي، يمكن القول إنه في العهود البعثية تم إلغاء الحياة السياسية و”تعقيمها” لتصبح على مقاس النظام ورؤاه السياسية والفكرية، وقد أسس حافظ الأسد لنمط خاص في الممارسة السياسية بأن جرّ الأحزاب الرئيسية اليسارية والقومية في البلد إلى تحالف غير متكافئ سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، جعله يتحكم تماماً بهذه الأحزاب كحزب قائد أولاً، وعبر إعطاء بعض الامتيازات لقياداتها ثانياً، لتتحول إلى جزء من النظام السياسي وتتماهى مع البعث حتى تصل إلى التطابق بالنسبة لغالبية الأحزاب.

أما الأحزاب التي بقيت خارج هذه الجبهة، فكان حافظ الأسد، بحنكته السياسية، يمسك بخيوط الممارسة السياسية، فيقوم، متى ما أراد، بقمع أي حزب أو حركة بحجة عدم شرعيته، وقد ضعفت هذه الأحزاب مع الزمن بعد حملات الاعتقال بحق قياداتها وأعضائها ومناصريها، وأهمها الإخوان المسلمون، والحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، وحزب العمل الشيوعي، والأحزاب الكردية التي اتبعت السلطة تجاهها سياسة غض النظر مع عدم الاعتراف بها والضغط الأمني المستمر عليها.

وقد كانت أحزاب الجبهة هي الوحيدة المعترف بوجودها شرعياً، ويُترك لها الهامش الذي يحدده هو وأجهزته الأمنية بسياسة غض النظر دون الاعتراف بها، أو السماح لها بالعمل علناً. بل إن جريدة الحزب الشيوعي مثلاً لم تكن تباع في الأكشاك رغم مطالبات الحزب المتكررة بذلك حتى مجيء بشار الأسد وسماحه بذلك، رغم أنها في الواقع بالكاد تميزها عن صحف السلطة وملحقاتها الأمنية.

بل إن أملاك هذه الأحزاب وأبنيتها وسياراتها لم تكن توضع باسم الحزب، بل باسم قياداتها “الأمين العام غالباً”، بسبب عدم وجود قانون للأحزاب حتى قيام الثورة السورية عام 2011، حيث أصدر بشار الأسد قانوناً للأحزاب، ورُخِّصت بموجبه أحزاب عدة، معظمها، إن لم نقل كلها، خرجت من داخل فروع المخابرات ومضبوطة حركتها تماماً، ولذلك بقيت مهمشة ومجهولة من الشارع ودخلت طي النسيان بعد سقوط النظام، إلا القليل منها.

بعد صدور قانون للأحزاب عام 2012، صار بإمكان الأحزاب المعترف بها بموجب هذا القانون تملّك مقراتها وأملاكها باسم الحزب، والمفارقة هنا أن كثيراً من أحزاب الجبهة أبقت عليها باسم الأمين العام الذي يختصر الحزب في شخصه، كما هي الحال عند الحليف الكبير.

الآن، تقف الأحزاب القديمة، أو من بقي منها على قيد الحياة، في موقف انتظار الآتي، حيث لا قانون للأحزاب ينظم عملها ويقونن وجودها، مع صدور قرار عن “مؤتمر النصر” بحل أحزاب الجبهة ومصادرة ممتلكاتها.

بالتالي، يسود الخوف والحذر من اعتماد المزاج الشخصي أو العقائدي في التعامل معها، إذ تستطيع السلطة التصرف كما تشاء حيالها، فنلاحظ أن ممارسة السياسة خافتة وفي حدودها الدنيا. وهناك أحزاب وحركات، خصوصاً الأحزاب التي كانت معارضة لنظام الأسد وساهمت بقسطها في الثورة السورية، في طورها السلمي على الأقل، وخسرت قيادات وكوادر لها في المعتقلات، تقوم بفعاليات واجتماعات “غير مرخصة طبعاً”، لكن لا تعترض السلطة عليها حتى الآن، على الأقل.

وقد شهدت مقاهي دمشق “الروضة والكمال خصوصاً” أكثر من اجتماع موسع لأحزاب وحركات “حزب العمل الشيوعي، تحالف تماسك لأحزاب وحركات يسارية، حزب الإرادة الشعبية بقيادة د. قدري جميل… إلخ”، وندوات فكرية لشخصيات فكرية وسياسية معارضة.

ويقرأ كثير من المتابعين هذا الأمر على أنه يعود لسببين أساسيين: الأول، عدم تشكيلها أي خطر على السلطة بسبب ضعف الأحزاب الموروث من الحقبة السابقة وسنوات الدكتاتورية الطويلة، والثاني، أن السلطة في مرحلة التمكين، ويمكن أن تغض النظر عن هذه النشاطات مؤقتاً حتى تتمكن وتبدأ بضبط الحراك السياسي وتطويعه تماماً.

ويبدو التفاؤل ضعيفاً بصدور قانون أحزاب عصري ومتوازن، بالقياس مع طريقة تعاطي السلطة الجديدة مع بقية الاستحقاقات الديمقراطية التي ذكرناها، وخصوصاً مجلس الشعب.

هوامش
1- مقال “بصراحة” للأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة “الأهرام”، 27 أكتوبر 1961.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز واستثمارات دولية. يهدف هذا التقرير إلى تقديم رؤية تحليلية متكاملة لواقع قطاع الكهرباء في سوريا، متتبعاً مساره من مرحلة ما قبل الحرب، مروراً بسنوات النزاع التي شهدت تدميراً ممنهجاً، وصولاً إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام، التي تطرح أسئلة كبرى حول إعادة الهيكلة، والانفتاح على الاستثمارات، وتطبيق نماذج جديدة قد تغير وجه القطاع إلى الأبد.

في مستهل الحديث عن أزمة الكهرباء السورية، ينبغي العودة إلى جذور المشكلة التي لا تعود فقط إلى سنوات الحرب، بل تمتد إلى عقود من الإهمال الممنهج وسوء الإدارة الذي طال القطاع قبل عام 2011. خلال تلك الفترة، عانى قطاع الكهرباء من ضعف مزمن في الاستثمارات، وغياب الصيانة الدورية للمحطات القائمة، وتأخر في تنفيذ مشاريع التوسع رغم النمو السكاني المتزايد والطلب المتصاعد على الطاقة.

ظل القطاع يعاني من عجز هيكلي حتى قبل الحرب؛ ففي عام 2010، بلغ إنتاج سوريا من الكهرباء حوالي 6500 ميغاواط، بينما قُدّرت الحاجة الفعلية بأكثر من 8600 ميغاواط، مما يعني وجود فجوة تقترب من 2100 ميغاواط كان يتم سدها جزئياً عبر الاستيراد. وكانت معظم محطات التوليد التي تعمل بالنفط الثقيل (الفيول) والغاز الطبيعي تعاني من كفاءة منخفضة، وتزايدت ساعات التقنين في فصل الصيف مع ارتفاع الطلب بسبب التكييف والتبريد.

وهذا يعني أن القطاع كان هشاً منذ البداية، حيث اعتمدت سوريا على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي” لتشغيل جزء كبير من محطاتها الحرارية. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، توقفت إمدادات الغاز المصري، ليكشف ذلك عن التبعية الخطيرة التي ارتبط بها القطاع، وعن ضعف التخطيط الاستراتيجي الذي فشل في تأمين بدائل محلية أو إقليمية مستقرة.

وناهيك عن ذلك، فإن نظام الدعم الحكومي للكهرباء كان سيفاً ذا حدين؛ فبينما كانت التعرفة منخفضة بشكل كبير (حوالي 10 ليرات سورية للكيلوواط ساعة في بعض الشرائح)، كانت الخسائر تتضاعف في المؤسسة العامة للكهرباء التي لم تتمكن من تغطية تكاليف الإنتاج أو الاستثمار في تطوير الشبكة. وهكذا، دخل القطاع مرحلة الحرب وهو يعاني من تراكمات إدارية ومالية وتقنية جعلته أكثر عرضة للانهيار.

استهداف البنية التحتية وانهيار القطاع

على المستوى الإجرائي، شهدت سنوات النزاع المسلح تحولاً كارثياً في واقع قطاع الكهرباء، إذ تحولت البنية التحتية التي كانت تعاني أصلاً إلى هدف ممنهج في الحرب التي اشتعلت في البلاد. وبطبيعة الحال، تعرضت محطات التوليد الرئيسية لأضرار جسيمة؛ فمحطة حلب الحرارية، التي كانت تنتج 1100 ميغاواط، دُمّرت بالكامل تقريباً، فيما لحقت أضرار كبيرة بمحطة دير علي، ومحطة الزارة، ومحطة جندر، وغيرها من المرافق الحيوية.

ورغم ذلك، لم يقتصر الدمار على محطات التوليد فقط، بل طال شبكات النقل والتوزيع، حيث سُرقت أبراج الضغط العالي والكابلات الأرضية في عمليات منظمة، وتعرضت خطوط الربط بين المحافظات للتخريب المتعمد. إلا أنه، وعلى الرغم من حجم الدمار، فإن سياسة النظام السابق في استخدام الكهرباء كسلاح حرب كانت أكثر إيلاماً، حيث حُرمت مناطق كاملة من الخدمة لسنوات (مثل الغوطة الشرقية وحلب الشرقية)، بينما فضّلت الحكومة المناطق الموالية لها في التغذية.

انخفضت ساعات التغذية في معظم المناطق إلى ساعتين أو ثلاث يومياً، في أحسن الأحوال، وتراجع الإنتاج من نحو 9500 ميغاواط قبل الحرب إلى حوالي 1500 ميغاواط فقط، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي والزراعي، ودفع المواطنين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي كانت تعمل بالديزل المدعوم أولاً ثم غير المدعوم لاحقاً، وسط تكاليف باهظة أفقرت الأسر ودمّرت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.

وخلاصة القول، إن الحرب لم تكن مجرد نكبة إضافية لقطاع الكهرباء، بل كانت تتويجاً لعقود من الإهمال، واستغلالاً ممنهجاً للبنية التحتية كأداة للضغط والإخضاع، مما جعل الخروج من هذه الأزمة معقداً ويحتاج إلى إرادة سياسية واستثمارات ضخمة.

القرارات الجديدة والتحولات السياسية

مثّل سقوط النظام في أواخر عام 2024 نقطة تحول في ملف الكهرباء، حيث واجهت الإدارة الجديدة تحدياً هائلاً يتمثل في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار لشبكة منهكة ومحطات مدمرة. علاوة على ذلك، شهدت المرحلة الانتقالية تحولاً نوعياً في السياسة الخارجية، حيث انفتحت سوريا على الدول العربية المجاورة والغرب، وبدأت قنوات الاتصال مع المؤسسات المالية الدولية والشركات الكبرى.

أعلنت الحكومة الانتقالية عن حزمة قرارات أولية تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع، كان أبرزها رفع تعرفة الكهرباء بشكل غير مسبوق في تشرين الأول 2025، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من عشرات الليرات إلى 600 ليرة للشريحة الأولى (حتى 300 كيلوواط/دورة)، وإلى 1400 ليرة لما يزيد على ذلك، فيما حُددت تعرفة القطاع الصناعي والتجاري بـ1700 ليرة للكيلوواط. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذا القرار أثار جدلاً واسعاً، إذ اعتبرته الحكومة خطوة أولى نحو تصحيح التشوهات السعرية وتقليل العجز، بينما رأى فيه كثير من المواطنين عبئاً إضافياً في ظل انهيار القدرة الشرائية.

وفي المقابل، تزامن رفع التعرفة مع تحسن ملموس في ساعات التغذية في دمشق وبعض المدن الكبرى، حيث وصلت إلى 12-18 ساعة يومياً، وهو ما فسره المسؤولون بأنه نتيجة لاتفاقيات استيراد الغاز والربط الكهربائي مع الدول المجاورة. لكن يبقى السؤال: هل هذا التحسن مؤقت أم بداية لنهضة حقيقية في القطاع؟

على المستوى النظري، يمكن القول إن المشهد الحالي للمناقصات والتحالفات في قطاع الكهرباء السوري يعكس تنافساً إقليمياً ودولياً محتدماً على الفوز بعقود إعادة الإعمار، حيث تتقاطع مصالح قطر وتركيا والسعودية وأميركا والصين في سوريا.

الصفقة الأكبر والأكثر طموحاً هي تلك التي قادتها شركة “أورباكون” القطرية (UCC) بقيمة 7 مليارات دولار، والتي تشمل بناء 4 محطات غازية تعمل بتقنية الدورة المركبة باستطاعة 4000 ميغاواط، ومحطات طاقة شمسية باستطاعة 1000 ميغاواط، موزعة في دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي. وقد وُصفت هذه الصفقة بأنها الأكبر في تاريخ سوريا، ومن المتوقع أن توفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة.

دخلت الشركات الأميركية والأوروبية على خط الاهتمام أيضاً؛ فشركة “شيفرون” تدرس استثمارات في حقول الغاز البحرية، وشركة “سيمنز” الألمانية تتفاوض لإعادة تأهيل محطة دير علي، وشركة “أنسالدو” الإيطالية تعمل على صيانة وحدات في محطة جندر بتمويل ياباني ونرويجي. وتأسيساً على ذلك، قدّم البنك الدولي منحة بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات الفرعية، في إشارة إلى عودة المؤسسات المالية الدولية إلى سوريا بعد غياب طويل.

من الضروري أن نشير هنا إلى التنافس السعودي التركي القطري في هذا الملف، ففي الوقت الذي تتصدر فيه الشركات القطرية والتركية المشاريع الكبرى، وقّعت السعودية عقوداً مهمة في مجال الطاقة الشمسية والاتصالات (مشروع SilkLink) وتأسيس شركة طيران جديدة، ما يعكس رغبة الرياض في تعزيز وجودها الاقتصادي في سوريا ما بعد الأسد.

يبرز ملف الغاز بوصفه الشريان الحقيقي لقطاع الكهرباء في سوريا، حيث تعتمد معظم المحطات الحرارية على الغاز الطبيعي في التشغيل. كان النظام السابق يعتمد بشكل رئيسي على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي”، لكن الإمدادات توقفت مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، ليحل محلها الغاز الإيراني الذي كان يتم ضخه عبر خطوط غير رسمية في ظل عقوبات دولية خانقة.

المشهد اليوم يختلف جذرياً؛ فسوريا تستورد الغاز من أذربيجان (بتمويل قطري) بكميات تصل إلى 3.4 مليون متر مكعب يومياً، ومن الأردن (بكميات تصل إلى 4 ملايين متر مكعب يومياً)، التي تستورد بدورها الغاز من إسرائيل، مما أثار جدلاً حول المصدر الحقيقي للغاز. وتأسيساً على ذلك، وقّعت سوريا مذكرات تفاهم مع مصر لاستئناف ضخ الغاز عبر خط الغاز العربي، ما قد يعيد إحياء المشروع الذي توقف عام 2011، ويعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي كدولة عبور للغاز بين الشرق والغرب.

وهذا يدل على أن سوريا يمكن أن تصبح معبراً استراتيجياً للغاز، خاصة إذا ما تم ربط حقول الغاز في قطر وإيران والعراق بالأسواق الأوروبية عبر أراضيها، وهو ما يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية لخطوط النقل (التي يبلغ طولها مئات الكيلومترات) وضمان الاستقرار السياسي.

سعر الكيلوواط وسياسة الدعم والدولرة

أصبحت فاتورة الكهرباء محور نقاش حاد بين الحكومة والمواطنين، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من أقل من سنت أميركي إلى أكثر من 5 سنتات للشريحة الأولى (المدعومة بنسبة 60% وفقاً للحكومة)، وإلى 12 سنتاً لما يزيد على 300 كيلوواط. وتفسيراً لذلك، قالت وزارة الطاقة إن هذه الزيادة تأتي في إطار إصلاح القطاع وتحقيق الاستدامة المالية، مشيرة إلى أن تكلفة الإنتاج الفعلية تصل إلى 14 سنتاً للكيلوواط.

ولذلك ينبغي التوقف عند فكرة “الدولرة” التي تتردد في النقاشات الخاصة بإعادة هيكلة القطاع، حيث يرى بعض الخبراء أن ربط أسعار الكهرباء بالدولار الأميركي هو السبيل الوحيد لاستقطاب المستثمرين الأجانب وتأمين استقرار الإيرادات للمشغلين في ظل تدهور قيمة الليرة السورية. وتمتلك هذه الفكرة مبرراتها الاقتصادية (الحماية من مخاطر تقلبات سعر الصرف، وجذب الاستثمارات الكبرى)، لكنها تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية وسياسية هائلة، أبرزها استبعاد شريحة كبيرة من المواطنين من الخدمة، وزيادة الفجوة الطبقية، وإطالة أمد الأزمة الإنسانية.

من الضروري أن تكون سياسة التسعير متوازنة، بحيث تجمع بين تشجيع الاستثمار وحماية الفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي موجه (بدلاً من دعم الأسعار) وشرائح استهلاك مرنة تتناسب مع متوسط الدخل.

وهذا يدل على أن ملف الخصخصة هو الأكثر حساسية في قطاع الكهرباء، حيث سبق أن جُرّبت نماذج محدودة في عهد النظام السابق، كعقود التشغيل والصيانة مع شركات أجنبية (مثل شركة “أنسالدو” الإيطالية و”ميتكا” اليونانية) التي لم تُكتمل بسبب العقوبات والحرب. وتأسيساً على ذلك، تُطرح اليوم نماذج جديدة، أبرزها نموذج BOO (بناء-تملك-تشغيل) الذي تعاقدت بموجبه الحكومة مع تحالف “أورباكون” القطري، حيث تمتلك الشركة المشاريع بشكل دائم، مقابل نموذج BOT (بناء-تشغيل-تحويل) الذي يضمن عودة الملكية للدولة بعد فترة محددة.

ولذلك ينبغي التوقف ملياً أمام مخاطر الخصخصة غير المدروسة، التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار (لتغطية تكاليف الاستثمار والأرباح)، واستبعاد الفقراء من الخدمة، وبروز احتكارات جديدة، وغياب الشفافية في العقود. ومن الضروري أن ترافق أي عملية خصخصة ثلاث ضمانات أساسية:

  • أولاً: هيئة تنظيم مستقلة ذات صلاحيات حقيقية لتحديد التعرفة ومراقبة الجودة.
  • ثانياً: عقود شفافة تُنشر كاملة وتخضع لرقابة المجتمع المدني والبرلمان (عند تشكيله).
  • ثالثاً: استمرار الدعم للفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي، وليس عبر دعم الأسعار الذي يهدر المال العام.

والخلاصة أن الخصخصة ليست حلاً سحرياً، بل هي أداة يمكن أن تحقق نتائج إيجابية إذا ما صاحبها إصلاح مؤسسي حقيقي ورقابة فعالة.

التوجه نحو الطاقة النظيفة

لا بد من التركيز على توجه استراتيجي قد يكون المخرج الوحيد لأزمة الكهرباء في سوريا: الطاقة النظيفة. فسوريا بلد مشمس معظم أيام السنة، بمتوسط إشعاع شمسي يصل إلى 3000 ساعة سنوياً، وتتمتع بمواقع مناسبة لطاقة الرياح في مناطق مثل القنيطرة وجبل الزاوية والساحل، مما يجعلها مرشحة لأن تكون سوقاً واعداً للطاقة المتجددة.

ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح ثلاث مسارات متوازية:

  1. محطات شمسية كبرى (IPP) بشراكة مع القطاع الخاص الدولي، مثل المشروع الذي أعلنت عنه شركة “أورباكون” بقدرة 1000 ميغاواط، ومشاريع أخرى مع شركات سعودية (أكوا باور) وأميركية.
  2. دعم مشاريع الطاقة الشمسية المنزلية والصناعية عبر نظام “صافي القياس” (Net Metering)، الذي يسمح ببيع الفائض من الكهرباء المنتجة إلى الشبكة الوطنية، مع تقديم قروض ميسرة وتخفيضات جمركية على الألواح والبطاريات.
  3. استغلال طاقة الرياح، حيث وقّعت وزارة الطاقة مذكرة تفاهم مع شركة محلية (MARV Energy) لإنشاء مشروع بقدرة 700 ميغاواط، وهو ما يمكن أن يكون نواة لقطاع رياح متطور.

ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة يحقق فوائد جمّة: تقليل الاعتماد على الوقود المستورد (وتوفير العملة الصعبة)، وتخفيف العجز الكهربائي (بما أن المحطات الشمسية والريحية يمكن إنشاؤها في أشهر مقارنة بسنوات لمحطات الغاز)، وخلق فرص عمل، والمساهمة في مواجهة التغير المناخي. لكن هذا يتطلب تحديث القوانين، وتأهيل شبكات النقل لاستيعاب الطاقات المتقطعة، وتطوير كوادر وطنية قادرة على التشغيل والصيانة.

إن الموقع الجغرافي الفريد لسوريا يمنحها فرصة استثنائية لتكون معبراً إقليمياً للطاقة، حيث تقع على البحر المتوسط، وتشكل حلقة وصل بين حقول الغاز في الشرق (قطر، إيران، العراق) والأسواق الأوروبية. وكان “خط الغاز العربي” (الذي يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان وتركيا) أول مشروع لتحويل سوريا إلى دولة عبور، لكنه توقف عام 2011.

إن إعادة إحياء هذا المشروع، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي مع تركيا والأردن والعراق، يمكن أن يحوّل سوريا إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة، حيث تحصل على إيرادات كبيرة من رسوم العبور، وتساهم في تعزيز الأمن الطاقي لدول المنطقة. ومن الضروري أن يكون هذا الملف حاضراً في استراتيجية الحكومة الانتقالية، بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، لتأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل البنية التحتية للغاز والكهرباء، وضمان الشفافية في إدارة هذه المشاريع الحيوية.

يمكن القول إن قطاع الكهرباء في سوريا يواجه تحديات جسيمة، تتراوح بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، والحاجة إلى استثمارات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، وإلى إرادة سياسية حقيقية لتجاوز سياسات الماضي (المركزية الفاسدة، واستخدام الخدمات كأدوات للضغط السياسي). لكن يبقى التساؤل المطروح حول ما إذا كانت الإدارة الجديدة قادرة على تحويل الفرص التاريخية المتاحة إلى واقع ملموس.

مستقبل الكهرباء في سوريا يتوقف على مدى نجاحها في بناء نموذج جديد قائم على الشفافية، والتنوع في مصادر الطاقة (مزيج متوازن من الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة)، واستقطاب الاستثمارات الحقيقية (لا مجرد مذكرات تفاهم)، وإصلاح المؤسسات العامة بما يضمن الكفاءة والمساءلة. وتأسيساً على ذلك، يمكن لسوريا أن تستعيد دورها التاريخي كمعبر إقليمي للطاقة، وأن توفر كهرباء مستقرة وبأسعار عادلة لشعبها، وأن تصبح نموذجاً للتعافي في منطقة تعاني من أزمات متشابكة.

إن الرهان اليوم ليس فقط على الميغاواط الجديدة التي ستُضاف إلى الشبكة، بل على نوعية الإدارة التي ستتولى هذا القطاع الحيوي، وعلى مدى التزام الحكومة بمبادئ الحوكمة الرشيدة، وعلى قدرة المجتمع السوري على الضغط من أجل خدمة عادلة ومستدامة. فالكهرباء، في النهاية، ليست مجرد خدمة عامة، بل هي مقياس حقيقي لمدى نجاح الدولة في بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والكرامة.

نجاة عبد الصمد: الأدب الحقيقي يزعج ويقلقل اليقينيات

نجاة عبد الصمد: الأدب الحقيقي يزعج ويقلقل اليقينيات

تنتمي الكاتبة السورية نجاة عبد الصمد إلى جيل من الساردين الذين دفعهم القلق المعرفي إلى تفكيك البنى الاجتماعية، والتطرّق إلى مواضيع تخصّ حياة الفئات المهمّشة، وخصوصاً المرأة في البيئات التقليدية.
وقد أصدرت عدداً من الأعمال اللافتة في الرواية والسيرة والسرد، رسّخت من خلالها أسلوبها الخاص القائم على لغة حسّاسة، تأملية، ومحمّلة بأسئلة الانتماء وتناقضاته.
وبالتزامن مع صدور روايتها الجديدة “أيتام الجبال”، كان هذا الحوار:

– في روايتكِ الأحدث “أيتام الجبال”، يطلّ الجبل كرمزٍ للهامش والعزلة والانتماء في آنٍ واحد. ما الذي دفعكِ إلى الكتابة من هذا المكان؟
أنا أكتب عمّا يشغلني ويشاغب في رأسي. لا أظنّ أن الأمر آتٍ من عزلة الجبال، أو حتى من جلالها أو غموضها أو أنفتها، بقدر ما هو صوتٌ من داخلي، لا أملك تعبيراً يفسّره بما يكفي. فقط أحسّ به، أسمعه، أشمّه، يناديني فأستسلم إليه. والأمر ينطبق على “أيتام الجبال” وكل ما سبقها. ربما هي قوة تأثير هذه الكينونة الجغرافية التي وُلدتُ ونشأتُ عند أكتافها، فاستوطنت وجداني، ولا بدّ أن تحضر في طبيعة الأفكار وتركيبة الحكايات. لو كنتُ ابنة شاطئ بحري أو جارة نهر، لما غاب البحر أو النهر عمّا سأكتب.

– هل تشعرين أنّ انتماءكِ إلى بيئة درزية محافظة جعل الكتابة بالنسبة لكِ ضرورة وجودية أكثر من كونها خياراً فنياً؟
بالتأكيد لا. الكتابة ضرورة وجودية لكلّ من أصابه مسُّها، خارج كل انتماء. قد يتدخّل انتمائي في اختيار حكايتي أو أفكاري أو خلاصاتي، وهنا أقول: نعم. تُسهم البيئة في اختيار موضوعات الكتابة عموماً، إنما سيقدّمها كلٌّ من أبناء هذه البيئة برؤى مختلفة، انطلاقاً من المخزون الثقافي والتجربة الفردية لكلّ منهم. هنا يكمن الفرق.

– إلى أي مدى يمكن اعتبار “أيتام الجبال” كتابة عن الذات المقنّعة؟
لا أظنّ أنّ ثمة رواية تخلو كلياً من ذات كاتبها، كما أنها، على التوازي، حوارٌ موصولٌ مع قارئها في أي مكانٍ في العالم، قريباً أو بعيداً عن جغرافيا الكاتب أو بيئته. من هنا، قد تظهر ذات الروائي في عمله الأدبي مقنّعة، أو صريحة، أو بين بين، بنصف لثام. الرواية الجيدة تُربك قارئها، وتورّطه في التأمل والتحليل والمقارنات، وفي إسقاطات كثيرة غير حاسمة: هل يقرأ سيرة كاتبها نفسه، الذي يتخفّى خلف اسم هذا البطل أو البطلة؟ أم يقرأ عن أحدٍ ما يعرفه القارئ في الحياة بما يكفي ليحكم: إنه جاري فلان مثلاً، بلحمه وشحمه، من أين نطّ ليحطّ هنا على الورق؟ وأكثر من هذا، قد يُفاجأ القارئ بأنه يقرأ محاكاةً لسيرته الشخصية في روايةٍ لكاتبٍ من قارّةٍ أخرى.

– البطلة “سبيل” تسافر من السويداء إلى موسكو، لكنها تظلّ أسيرة انتماء ثقيل. هل أردتِ من خلال هذا السفر الجغرافي أن تعبّري عن رحلة أخرى في الداخل؟
السفر انتقالٌ واقعيّ في الجغرافيا، نقلةٌ تكتمل بالوصول إلى وجهة المقصد، بينما رحلات النفس سائرةٌ بلا انتهاء، وسؤال الانتماء واحدٌ منها. مجرّد الانشغال بمفهوم الانتماء يولّد أسئلة كثيرة تتفرّع عنه. بعضنا يلجأ إلى الفخر به، أو تقبّله كما هو، ويعطّل تفكيره ليحمي نفسه من كلفة الأسئلة العميقة، وهؤلاء يلبثون في أمكنتهم جامدين متحجّرين. التفكير خزّان الأسئلة. معه يولد الشعور بثقل الانتماء أو خفته، بضيقه أو بسعته. ويتبعه احتجاج، قد يبدأ خافتاً ثم يشتدّ، ويتحوّل إلى سلوك ليس بالضرورة صحيحاً، يتراوح بين الضياع والتمرّد. إلى أين يفضي هذا التمرّد؟ إلى أذى الذات بالنقمة من دون تحديد هدف واضح، أم إلى ابتكار طرق للتعامل معه، وخلخلة تلك الحياة المستقرة حدّ نسفها والقفز من فوق أسوار المحيط؟ هذا ما فعلته سبيل. رحلة الداخل أفضت بها إلى قرار تغيير الجغرافيا، على أن ترحل عن مكانها وهي عارفة لماذا تفعل. كانت تنجز رحلة الداخل. كنتُ أكتب و”سبيل” تجلس فوق رأسي، أنا كاتبتها، وتدرّبني على فهم هذه المراحل. كانت معلمتي وأنا تلميذتها.

– في الرواية تتبدّى الغربة كحالة روحية أكثر من كونها تجربة جغرافية. كيف تفهمين الاغتراب في سياق مجتمع مغلق مثل مجتمع الجبل؟
هي فعلاً كذلك، والنقلة الجغرافية هنا إحدى تمارين الانفكاك من ثقلها. ثم إنّ الاغتراب ليس قرين المجتمعات المغلقة وحدها. ربما على العكس، تحمي المجتمعات المغلقة نفسها عادةً بتوطيد علاقاتها الاجتماعية، وبإعلاء شأن العائلة أو العشيرة وسواها لتجعل منها قوقعة آمنة، ما يفتقد إليه أفراد المجتمعات الخليطة وغير المتجانسة في المدن والعواصم. الشعور بالاغتراب حالة روحية يتنامى الإحساس بها طرداً مع ارتفاع منسوب وعي الفرد، من أي مجتمع كان.

– يتجلّى الأب في الرواية كظلّ ثقيل، يحضر بالغياب أكثر مما يحضر بالفعل. هل هو رمز للسلطة الأبوية، أم للغضب المقدّس الذي يطارد الأنثى الخارجة عن القطيع؟
“حسن” والد “سبيل” هو الشخصية الأكثر جدلاً من بين شخوص “أيتام الجبال”، وأعتقد أنّ رمزيته تتعدّى ما ذكرتَ في سؤالك. من مكاني أراه بطلاً لا يقلّ عن ابنته سبيل، التي قدّمته من منظورها هي، فيما لم تكن صداماته معها سوى واحدة من عدة جبهات من كل صوب، وعليه أن يقدّم نفسه كما ينبغي لرجل أن يظهر في تلك البيئة: مقموعاً وقامعاً معاً. من جهة يطيع الله وأولي الأمر، وعلى المقلب الآخر يسيّر أسرته بالصرامة المطلوبة ليضمن لها أساسيات البقاء والعيش أيضاً كما يراها هو. وفي الوقت ذاته، يتعارك حسن مع نفسه المنطوية على قناعات ورؤى داخلية أكثر انفتاحاً مما يُظهر. تلك أزمة إنساننا المحكوم ممّن هم أقوى منه، والحاكم لمن هم أضعف منه، ليظهر قمع النساء كأحد تفصيلاته، لا كهدف بحدّ ذاته، من دون أن يعي أنه بسلوكه هذا يعيد تدوير الظلم بصيغة أخرى. حسبه أنه فهم، ولو متأخراً جداً، أنه كان يحارب على الجبهة الخطأ.

– أن تكتبي من داخل الطائفة الدرزية هو مغامرة، وربما مخاطرة. كيف واجهتِ حساسية الكشف عن المسكوت عنه داخل بيئة تتجنّب البوح؟
وهل الكتابة كلّها سوى مغامرة ممتدة، استكشافٌ واكتشاف، ومخاطرة لا منتهية؟ هي مواجهتي الخاصة لنفسي، قبل بيئتي أو محيطي أو مجتمعي. وهي السبب في أنّ كتابة الرواية استغرقت 13 عاماً، منذ بدايات فصولها حتى ولدت. خلالها كنت أدرّب نفسي على قول ما أريد، كاملاً غير منقوص، وأن أضيء على الظلم المعتّم عليه، لا أن أنشغل بمدح الضياء. وحين أعود إلى قراءته، إما أن أكون راضيةً عنه، وأنه هو أنا، هذا رأيي من دون خوف ولا مواربة ولا محاباة، أو يكون عليّ نسفه. لا نحتاج أدباً لا يأتي بجديد. يكفي رفوف المكتبات ما تثقل به منه. تلك كانت رحلة عراكي مع نفسي: أن الأدب الحقيقي يُمتع بقراءته. أما أفكاره، فليس عليها أن تطمئن القارئ، من داخل هذه البيئة أم من خارجها، بتقديم ما يريحه، بل عليها أن تحكّ، أن تصرخ، أن تُزعج، وأن تقلقل اليقينيّات. تلك هي رسالة الأدب!

– هل تعتبرين “أيتام الجبال” تمريناً في المصالحة مع الانتماء، أم في التمرّد عليه؟
نعم، هي تمرين، بل تمارين، يتخلّلها الكثير من الحذف والإضافات وتدوير الزوايا. لا تأتي المصالحة مع الانتماء إلا بعد رحلة وعي طويلة وممتدة، وسيكون التمرّد بالتأكيد أحد مراحلها، وليس بالضرورة أن تفضي هذه الرحلة إلى مصالحة كلية. الفرق في أدوات هذا التمرّد، وفي رسم خطة لإنجازه. التمرّد ثورة، ولا تقوم الثورة إلا على قضية، وعلى خطة لإنجازها. في رحلة التمرّد المدروس، سوف يتكشف لنا أنّ القطيعة الكلية مع الانتماء مستحيلة، إنما سندرك خلالها ما الذي علينا أن نتشبّث به أو نتخلّى عنه.

– في الرواية تظهر النساء ككائنات صامتة يحمّلن التاريخ كله في صمتهن. هل يمكن القول إنك تكتبين من أجل إعطاء صوتٍ لهؤلاء النساء؟
ليست كل النساء كائنات صامتة في “أيتام الجبال”. مهجة وسبيل مثالان على عكس ذلك، وهما في الوقت نفسه يؤكدان واقع الحال. ندرة النساء القابضات على مصائرهن تؤكّد أن أصوات البقية مستلبة، في حين أنّ هؤلاء غير المرئيات يصنعن، بفطرتهن، أساسيات الحياة من إنجاب وطبخ وتنظيف وتربية أطفال واحتواء للأسرة وتدبير لمشكلاتها. حين تتغلغل الرواية في تفاصيل حيوات هؤلاء النساء، فهي تمارس طبيعتها، ليس فقط في حمل أصوات هؤلاء النساء، وكل المهمّشين، من عزلتهنّ إلى فضاء الحياة الرحب، بل أيضاً في إدخالها إلى عقل القارئ، وإجباره على إمعان النظر، وعلى التفكير، وعلى صحوة ضميره، على الأقل ليعيد إليهن الاعتبار الإنساني، ومن ثمّ الاعتراف بدورهن في حياته شخصياً وفي فضائهن العام.

– اللغة في الرواية بطيئة، متأملة، تشبه الصعود في طريق جبلي. كيف تعملين على بناء هذا الإيقاع البطيء في الجملة السردية؟
للمتلقي أن يحدّد إن كان الإيقاع بطيئاً أم لا. أنا شخصياً لا أظنّ أنّ إيقاع اللغة في “أيتام الجبال” بطيء. لقد تقصّدتُ أن أجعله مهرولاً، لاهثاً، كما أنفاس سبيل وهي تروي. هو تماماً كما أسميتَه أنت: الصعود في طريق جبلي. أنت لن تسلم من اللهاث، وأنت مضطرّ إلى بذل جهد لمتابعة الصعود، ومضطرّ إلى الاحتساب من وعورة هذا الطريق. وفي الوقت ذاته، لن تستطيع إغماض عينيك عن كثافة الجمال على جنباته.

– لغة الرواية تميل إلى الشعرية المكثفة. هل تنطلقين من الحسّ اللغوي أم من الصورة؟
أستعين بقول محمود درويش: “أنا لغتي، لغتي أنا”. الكتابة عالمي. وهي عندي، في أحد وجوهها، مغازلة مع اللغة. هذا ما أعيشه. أبني كلماتي كما لو أنها لوحة كثيفة ودقيقة. لا تمنحني المفردة، أو الجملة، نفسها إلا بعد طول تفكير.

– كيف تلقيتِ ردود الفعل الأولى حول الرواية، خاصة أنها تلامس مناطق حساسة في الوعي الجمعي للطائفة والمجتمع؟
هنا لا بدّ من التوقف عند مصادفة فريدة، هي تزامن صدور الرواية مع المذبحة المفاجئة والهائلة التي ارتكبتها السلطة السورية المؤقتة بحق الدروز فقط لأنهم دروز. وفي حين استغرقت كتابة هذه الرواية مني، كما ذكرتُ أعلاه، ثلاثة عشر عاماً، فقد جاءت تلك المذبحة بعد أسبوعين فقط من صدورها. وقد قرأتُ مرة، ولا أتذكّر القائل: “لا واقع سوى الصدفة”. من هنا قد يبدو الأمر، في ظاهره، مصادفة، وقد يكون نبوءة لا تولد إلا بعد اكتمال دواعيها.
في كتابة “أيتام الجبال”، كنتُ أمدّ يديّ باتجاهين: واحد إلى داخل مجتمعنا الدرزي لنعيد التفكير في بنيانه، والثاني إلى الآخر، أية جماعة كانت، ممّن لا يعرفون الكثير عن مجتمع الدروز، أو وصلت إليهم عنه بعض الخرافات المؤذية المصنوعة عن قصد لإذكاء الخوف منه وشيطنته. وأدرك أن محتوى الرواية قد يثير هجوماً على صاحبتها من داخل مجتمعها ومن خارجه.
حتى اليوم، وبعد خمسة أشهر على صدورها، يشتدّ إيماني بدور الأدب، الجمالي والفكري معاً. معظم المراجعات التي وصلتني من القرّاء، والمقالات الكثيرة التي كُتبت عنها، تتوقف كثيراً عند جماليات الفن السردي، على التوازي مع التأكيد على كمّ المعلومات عن الديانة الدرزية، كعقيدة وعبادات، التي لم يسبق أن وردت بهذا القدر من التفصيل في النتاج الروائي، إضافة إلى قضايا أساسية تتضمنها “أيتام الجبال” أيضاً، منها سؤال الهوية والانتماء والاغتراب الروحي، وقضايا تعليم النساء وعمالة الأطفال، وغيرها.

– هل ترين أن الرواية قادرة على تفكيك ذاكرة جماعية مغلقة مثل ذاكرة الجبل؟
الرواية الجيدة، بنتاجها الجمعي، أي مجموع أعمال كاتبها ونتاج باقي مبدعيها، قادرة على كل شيء، كل شيء.

– لو عدتِ إلى الطفلة التي كانت ترعى البقرة وتحلم بالتعليم كما في الرواية، ماذا تقولين لها اليوم بعد صدور “أيتام الجبال”؟
احلمي، اجتهدي، قاتلي من أجل حلمك، على أن تتعلمي فنون القتال وأدواته.. ثم تشبّثي بحلمك حتى حين تصبحين في الخمسين، الستين، السبعين، المئة.. فـ”الحلم جنين الواقع”، على رأي مولانا الحلّاج.