by علي عاشور | Mar 16, 2025 | Cost of War - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
بعد سقوط نظام البعث وهروب قادته، كان الساحل السوري هادئاً. لا خوف، لا تنكيل، لا اعتقالات، لا تهديدات، لا اغتيالات، لا قتل. أصبحت سوريا موحّدة وهادئة، دون نعراتٍ طائفية أو عنصرية. حسناً، حدثت بعض الحوادث هنا وهناك، لكنّها كانت فردية ومحدودة ولا يمكن اعتبارها معياراً. هكذا تقول سردية قنوات وصحف النفط العربي، وأفواج دعم الجولاني، رغم القصص اليوميّة واحتلال سوريا من ثلاث دول: تركيا وأميركا والكيان الصهيوني!
فجأةً، ظهر “فلول النظام” وقتلوا رجال الأمن في حادثة خارجة عن كل السياقات، ما عدا وجود مؤامرة خارجية يقودها داعمو النظام السابق. انفجر الفضاء في الساحل السوري على أشدّه، وفاضت الدماء في القرى والمدن. ومع فيضان أجساد المدنيين ووسم أسمائهم بنعي الأرض، لم تكن وحوش القاعدة ونسل داعش وسرايا الذبح التكفيري الطائفي، المتمثلين برداء الدولة و”الثورة”، من فعلها. بل كانوا “فلول” المجرمين المتآمرين من استخدم المدنيين “دروعاً بشرية”. هذا ما تؤكّده قنوات وصحف النفط العربي على لسان “مسؤولٍ أمني”، ويسوّقه ناشطو السلطة القائمة في مواقع التواصل الاجتماعي لتكريس رؤية واحدة للمشهد.
ربما، لم تجد هذه القنوات والصحف أيّة مصادرٍ تنقض السردية المعلنة دون دليل. وربما لم يتعلم مراسلوها المسؤولون عن تغطية أحداث الساحل السوري أسس الصحافة. وربما نسي المسؤول الأمني شحن هاتفه، ففاتته عشرات الفيديوهات والصور الملتقطة من “رجال الأمن” أنفسهم. وربما لعبت الخوارزميات لإخفاء نداءات أهالي الساحل السوري من صفحات الناشطين في العالم الرقمي.
وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حتى الثالث عشر من مارس/آذار 2025، وصلت حصيلة الشهداء إلى 1476 شهيداً مدنياً، منهم ما يتجاوز 1390 شهيداً من الطائفة العلوية. كما حذر المركز من آلية دفن الضحايا في مقابر جماعية، خشية استغلال المقابر كذريعة لتغطية الجرائم وطمس الحقيقة.
قبل عام ونصف، ومنذ الساعات الأولى من شن الكيان الصهيوني حرب الإبادة على غزة، بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وظّف المسؤولون والسياسيون في العالم الغربي ذريعة استخدام حركة حماس المدنيين دروعاً بشرية كأحد أبرز الاتهامات والمزاعم التي مرّروا من خلالها حجّة موقفهم السياسي والأخلاقي من عدد الضحايا والشهداء الفلسطينيين.
بعدها بثلاثة أسابيع، قرر الكيان الصهيوني ضرب مستشفى الشفاء، بحجة وجود مركز عسكري لكتائب القسام. هُجّر الآلاف من محيط المستشفى، وأخرج مئات المرضى والمصابين. اكتشفت بعد إفراغ المستشفى وهجوم جيش الاحتلال جثث ١٧٩ شهيداً. كانت حجة جيش الاحتلال أن حماس استخدمت المدنيين دروعاً بشرية.
بعدها اشتد قصف جيش الاحتلال وتوحشّه على القطاع كله ضُربت البيوت والمدارس والمساجد والكنائس والمستشفيات ومراكز الرعاية والخيام. ازداد عدد الشهداء؛ آلاف تعلوها آلاف، غالبيتهم من الأطفال والنساء. كرر الكيان الصهيوني المبرر ذاته مجدداً: كانوا دروعاً بشرية.
يعرف مصطلح “الدروع البشرية” استخدام الأشخاص المحميين من القانون الدولي الإنساني – المدنيين والأسرى – أو حركة المدنيين لحماية الأهداف والعمليات العسكرية من الهجوم أوالإعاقة. هناك نوعان من الدروع البشرية: الطوعية حيث يعرض الأشخاص أنفسهم للخطر بهدف حماية أو إعاقة شيء ما، وغير طوعية حيث يستخدم الأشخاص جبراً لأغراض عسكرية.
حسب القانون الدولي، استخدام الدروع البشرية جريمة حرب تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية الجهة أو الجماعة التي توظّف المحميين من القانون الدولي الإنساني لأغراض عسكرية.
في مقالة بعنوان “مبرر قانوني للإبادة الجماعية” يذكر الباحثان نيف غوردن ونيكولا بيروجيني، صاحبا كتاب “دروع بشرية: تاريخ بشر على خط النار”، استخدام الكيان الصهيوني ذريعة الدروع البشرية كمبرر لقتل الفلسطينيين في غزة، مستتراً وراء غطاء “قوانين الحرب” وفجوات القانون الدولي للنفاذ من تبعات جرائمه. لم تكن حجّة الكيان حديثة. فمنذ الانتفاضة الثانية حتى اليوم، تذرّع الكيان الوحشي بالدروع البشرية لتبرير جرائمه. غير أن عشرات تقارير المؤسسات الحقوقية والتحقيقات الصحفية فضحت كذب الكيان وأدانته مباشرة.
في حرب الإبادة على غزّة، ابتكر جيش الاحتلال شكلاً جديداً من الدروع البشرية، حيث أرغم المدنيين الفلسطينيين على ارتداء بدلات جيش الكيان العسكرية وإدخالهم إلى الأنفاق والمباني والبيوت في غزة لكشف مواقع مقاتلي الفصائل الفلسطينية. وفي حال موت المدنيين، يلقي جنود الكيان عاتق القتل على رصاصات الفصائل!
عودةً إلى الساحل السوري، ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها تهمة الدروع البشرية في سوريا. فقد وثّق استخدام “جيش الإسلام” نساءً سوريات في أقفاص حديدية كدروع بشرية. كما اتهم النظام السوري السابق ايضاً استخدام المدنيين دروعاً. تقاذفت الفصائل المتحاربة على مدى سنوات اتهام بعضها بذات الجريمة.
تكمن خطورة استخدام تهمة/حجة الدروع البشرية في المعارك والحروب في تعقيدات تبعاتها القانونية، لأن التحقيقات الجنائية والحقوقية لها ضوابط وشروط خاصة. أما في خضم التناحر الطائفي، فإن آلية دمج الفتاوى الفقهية والمبررات القانونية لإباحة الدماء عواقب مهولة ومخيفة قد تتجاوز فظاعاتها ومآلها ما يستوعبه العقل.
ريم، ابنة الساحل السوري، كانت تحتضن ابنتيها بخوف الأم وذاكرة أربعة عشر عاماً من الحرب، مراقبةً الباب الذي قد يخلعُ بأي لحظة. قد تكون قذيفة. قد يدخل جنود النحر وأكلة الأكباد. “إن القتلة يمتلكون الحكاية والشاشة والجمهور” هذا ما قالته ريم في لقاء صحافي.
by أسامة إسبر | Mar 15, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
يتوهّم كثيرون أن الديمقراطية صارت قاب قوسين أو أدنى في سورية، وأن الدول العربية والإقليمية، وقوى الداخل المنتصرة، ستقبل بتعدد الأحزاب وبإنشاء نظام ديمقراطيّ قائم على تداول السلطة وعلى الأغلبية السياسية، لا الطائفية، وأن البيانات الختامية للمؤتمرات ستُطبق على أرض الواقع حيث تتواصل الانتهاكات وعمليات القتل والاعتقال خارج إطار القانون. إنّ ما يريده الغرب في سورية، هو وأتباعه من الدول العربية والإقليمية التي توظّف المال السياسي في دعم جماعات بعينها، نظام تابع يطبّق الإملاءات الاقتصادية والسياسية الإقليمية، ومن خلالها الدولية. وبما أن رياح السوق الحرة تهب في أنحاء العالم من دون أي عائق يُذكر، نرى الآن أنه قد فُتحت لها بوابة للدخول إلى سورية بعد أن أُزيلت الحواجز من طريقها بعد فرار رأس النظام السابق من العاصمة. وفي الأيام التي أعقبت الثامن من كانون الأول\ ديسمبر ٢٠٢٤ سمعنا أكثر من تصريحٍ حول تحرير الاقتصاد في سوريا حتى قبل أن يثبّت النظام الجديد قدميه بشكل جيد على أرض السلطة، وبدأ التسريح التعسفي لموظفي القطاع العام.
صار من النافل القول إن أنظمة الغرب القائمة لا تريد الخير لسورية على صعيد بناء الدولة الديمقراطية كي تبقى سوقاً للسلاح ومصدراً للطاقة، ومفككة ومتحاربة بينياً لتظل إسرائيل هي الأقوى. ويؤكد الواقع الجديد، الذي نتج عن حرب غزة ولبنان، التفوق الإسرائيلي تحت مظلة الدعم الغربي، وتتويج إسرائيل كحاكم مطلق للفضاء العربي وجغرافيته السياسية. وتجلى هذا في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة حول منع أية قوات من دخول جنوب دمشق، كما تجلى في التحليق المنخفض لطيران الاحتلال الإسرائيلي فوق موكب جنازة الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في لبنان.
إن نظاماً ديمقراطياً حقيقياً هو الحل الأمثل لسورية ذات الأديان والأعراق والأقوام والقوميات والثقافات المتعددة إلا أنه يبدو أكثر بعداً من المريخ عن الواقع السياسي، أو يبدو كما لو أنه قُذف إلى الثقوب السوداء لمستقبل غير واضح المعالم. علاوة على ذلك تخلو الساحة السورية من أحزاب وقوى سياسية مؤهّلة وفعّالة قادرة على أن تشكّل أعمدةً لبناء الدولة المدنية الديمقراطية، خاصة بعد أن وجّه نظام الاستخبارات البعثي المنهار ضربةً قاضية للنشاط السياسي الحقيقيّ المستقل بأشكاله كافة في سورية كي يبقى الدكتاتور وحيداً على العرش بلا منافس. فضلاً عن أن الجغرافية السورية، صارت بعد حرب طويلة مدمرة، ساحة لتلقين تعاليم القوى المنتصرة، وهي في جوهرها أصولية بحتة في شقّيها الشيعي والسني. وينبغي ألا تفوتنا الإشارة إلى أن قوى اليسار لم يعد لها وجود يُذكر في الشارع السوري من ناحية الفعالية والعمق الثقافي والتأثير السياسي. كما أن حزب البعث لم يكن له أي رصيد في الشارع السوري كونه كان ملحقاً بالجهاز الأمني. وفي هذا الجو المُفْرَغ من البدائل تبدو سورية مجرد كعكة للاقتسام شارك بنهشها الإيراني والروسي في حقبة النظام المتبخر، الذي دعمه العرب والغرب والإيرانيون والروس لوأد الثورة السورية في مهد بداياتها المدنية كي لا تصبح ظاهرة قابلة للتصدير. وثمة مؤشرات الآن على أن الشركات التركية بدأت بتهيئة نفسها كي تنهي ما تبقى من الكعكة. وبدأ سيلان لعاب مقاولي حزب العدالة والتنمية، الذين ثبت تورطهم في تركيا في بناء أبنية بعد عام ٢٠٠٠ لا تطابق المعايير والمواصفات، انهارت كلّها في زلزال مرعش بحسب مقال لعالم الاجتماع التركي هارون إركان قال فيه إن استراتيجية تراكم رأس المال لدى حزب العدالة والتنمية تعتمد بشكل كبير على النمو السريع في قطاع العقارات والتسامح البيروقراطي مع الانتهاكات المنهجية للقواعد والقوانين على المستويين المحلي والوطني.
بصرف النظر عن إشكالات الداخل التركي ما يهمنا هنا هو احتمال قائم بأن تتحول سوريا إلى سوق لتركيا وإلى مصدر للأيدي العاملة في المشاريع التركية، بعد أن صارت مصدراً للمقاتلين المرتزقة العابرين للحدود الذين يبعثهم الجيش التركي للقتال أينما يشاء. وإذا ما اعتُمد اقتصاد السوق الحر في سوريا على أنقاض ما تبقى من القطاع العام فإن هذا يعني، في ضوء التسريح الجماعي المتلاحق للموظفين من دوائر الدولة ومؤسساتها، والتوجه إلى تحرير الاقتصاد، أن الشركات الخاصة قادمة لا لكي تبني اقتصاداً جديداً يلبي احتياجات السوريين بل كي تمتص ما تبقى من دماء في شرايين سورية وتوسّع هامش الفقر.
خرجت سوريا من ركام حرب طويلة مدمرة تركت أثراً عميقاً في نفوس أبنائها، وزعزعت هويتهم، ما أدى إلى انقسامات طائفية حادة. ويبدو أن السوري الآن أصبح غائباً عن المعادلة بوصفه مواطناً سورياً يتمتع بحقوقه، وينتمي إلى مجتمع سوري في إطار الدولة السورية. بدلاً من ذلك، أصبح وجوده مرتبطاً بهويته الطائفية أو انتمائه إلى أحد المكونات التي أصبحت مصطلحاً شائعاً في الإعلام اليوم. وفي ظل الحديث المتواصل عن إمكانية بناء نظام ديمقراطي في سوريا، والدعوات المتزايدة لتحقيق ذلك، خرج المؤتمر الوطني بنقد صريح للأشكال السياسية المستوردة، ما ترك صورة النظام القادم ضبابية وغير واضحة المعالم. ما يشي به هذا هو أن النظام الديمقراطي التمثيلي ليس من أولويات الأجندة السياسية، وهو ما يكشفه التهرب الذكي من الإعلان عن موقف واضح، والتصريحات المتباعدة التي تظل تطفو في جو من الغموض السياسي، ذلك أن القوى التي تدعم التحوّل في سورية، تريد حراساً للمصالح وللحدود لمنع الهجرة وتهريب المخدرات، ويلتزمون بأمن إسرائيل. ولن يُسمح بأن تصبح سورية دولة ديمقراطية في سياق دول عربية غير ديمقراطية تحتاج لأموالها، وبوجود أنظمة غربية لا يهمها إلا أرباح شركاتها ومنع الهجرة، وأمن إسرائيل وفي هذا درسٌ من السهل أن يتعلّمه السوريون وهو أن الديمقراطية والدولة المدنية مصلحة سورية صرفة لا تخدم إلا الشعب السوري هذا إذا كان يهمه أن يعيش في دولة مواطنة وتمثيل وتداول للسلطة، وأن يخرج أبناء سورية من قوالب الطوائف التي أُفْرغوا فيها نحو المواطنة الحقة المسلحة بحقوق يحميها القانون وتخدمها السلطة المنتخبة، وتجعل كرامة الإنسان السوري وحقوقه فوق كل اعتبار.
إن التعامل مع إرث النظام السوري المتبخّر ليس مسألة سهلة ذلك أن القرار الذي اتخذته العصبة الأمنية العسكرية السورية الهاربة، تحت مظلة علاقاتها الإقليمية والدولية، لشن الحرب داخل المدن السورية ضد السوريين المتمردين على حكم الأسد مزّق الروابط بين مكونات المجتمع السوري، التي يمكن أن ندافع على أساسها عن انسجام اجتماعي سوري، أو إمكانية بناء هوية سورية جديدة، ولكننا رغم كل ما حدث نستطيع أن نراهن دوماً على شيء في سورية يمكن أن نسمّيه الوطنية العميقة لدى أبنائها والتي، رغم ألم الجراح التي تثخن الجسد السوري، يمكن أن تشكّل رافعة لسورية الجديدة مهما طال الزمن، وعليها وحدها يمكن التعويل للتخلص من بقايا الدكتاتورية العسكرية ومنع عودتها إلى المشهد بأية طريقة، ومنع سلطة الأمر الواقع من أن تتمترس أيديولوجياً وتفرض الدولة الدينية وتنطح الاحتمال الديمقراطي بقرنيْ العقيدة وفكرة الأغلبية.
إن الحلم الديمقراطي في سورية أمر قابلٌ للتحقق لكنه يحتاج إلى تضافر جهود الجميع، وإلى تفانٍ وتضحية وتعال على الجراح لن يكون سهلاً. ويمكن تخيل ما ستؤول إليه الأمور من خراب في حال فَشِلَ السوريون في بناء شكل حكم حضاري راق يعتمد المواطنة والتمثيل وتداول السلطة ديمقراطياً والعدالة الانتقالية داخل بنى دولة القانون.
إن الطريق إلى الديمقراطية وعر ومليء بالمطبات لكن السوريين قادرون على اجتيازه، وإن في عمقهم الحضاري وذكائهم وتعدديتهم الثقافية وانفتاحهم ما يمكن التعويل عليه بقوة من أجل المستقبل.
by دعد ديب | Mar 14, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
بعد أربعة أيام دامية في مناطق الساحل السوري وبعد صرخات الموت التي بلغت الآفاق والتي طغت على المشهد العام، أكد كثيرون أن ما يجري نوع من الإبادة الجماعية، حيث لم يتح للناجين دفن موتاهم ومازال أغلبهم لغاية اللحظة يهيم على وجهه في الأحراش والغابات والتلال. وعلى وقع أصوات العويل والندب والصراخ وفي جو تنتشر فيه رائحة الموت الفاغر أشداقه، يأتي توقيع اتفاق تعثر طويلًا في توقيت حرج ومقلق.
ماذا يعني أن يأتي توقيع الاتفاق بين الأكراد والحكومة السورية في هذا التوقيت؟ ما الذي طرأ وما الجديد الآن؟ من منهما يحتاج الآخر ومن منهما قدم تنازلات للآخر وأين موقع العصا الأميركية في هذا الأمر؟
تساؤلات كثيرة تحوم حول هذا الاتفاق: هل جاء ليحول الأنظار عن المجزرة التي لم تتوقف حتى تاريخ إعلانه أم هو مناورة كي ينشغل الرأي العام بقصة جديدة تتعلق بقضية حساسة تهم كافة أطياف ومكونات الشعب السوري؟ هل ثمة ما يعوض هذا بذاك، فالمذبحة المفتوحة التي تمت وتتم على المكون العلوي السوري وسرقة بيوت العلويين وأرزاقهم وحرق أملاكهم والرعب الذي لاحقهم من جراء التنكيل بهم ضجت أخبارها وعمت حدود الكون رغم محاولات إنكارها. هل هي محاولة لتغييب المشهد النازف، لذا كان لابد من استعجال الاتفاق للتغطية على تداعياته السلبية التي تشير بعصا الإدانة لمن استجلب شذاذ الآفاق ليرتكبوا المجزرة.
الكل يستثمر في دماء السوريين فمن خلال النفير العام الذي أعلن في سوريا لكل جهاديي المنطقة، تمت معرفة العدد الكبير للمتشددين الموجودين ومآلات استثمارهم في منطقة أخرى أو التخلص منهم بعد أن أدوا أدوارهم المرسومة لهم ونفذوا المطلوب منهم. ويُشاع أنه حتى الدول الأوربية لاحقت وحصرت أعداد المؤيدين للمقتلة والزاعقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي تمهيدا لطردهم واستخدام ذلك كذريعة للتخلص من أعداد اللاجئين المتنامية.
لا أحد باعتقادي إلا ويرغب بسورية موحدة من أقصاها إلى أقصاها رغم واقع التجزئة في الجغرافية السورية ودعوات التقسيم التي تخيم في الأفق وتركة النظام البائد المجرم والخراب الذي أمست البلاد عليه بعد رحيله، لذا من الطبيعي التساؤل عن تفاصيل الاتفاق، وهل سيكون بوابة للتخلي عن سياسة التهميش الذي رافق السياسة السابقة للحكومة الانتقالية على صعيد المشاركة والتشاركية بالفعل لا بالقول، وهل ثمة متغيرات تلوح في الأفق؟
طلب أحد القتلة من زميله أن يتوخى الحذر في القتل كي لا يخلط بين المستهدفين لأن كثيراً من العلويين يشبهون السنة في لهجتهم ولباسهم وسلوكهم وعاداتهم، هذا الكلام وإن كان لا يقصده قائله يؤكد أن الشعب السوري واحد ويعيش مع بعضه ويشبه بعضه على مدار عقود من التواجد المشترك قبل أن تلوثه سياسة الأجندات الحاقدة إلا أن هناك تساؤلات حول ما لم يرد في ما هو معلن من الاتفاق: هل ستسلم إدارة الساحل السوري للأكراد كنوع من التشاركية وبديلاً عن الأمن العام الذي صار بينه وبين سكان المنطقة ما صنع الحداد وانقطع حبل الثقة رغم ما يتردد من أن المقصود فلول النظام المجرم ولكن كثافة الضحايا المتعلمين من أطباء وصيادلة وخريجي جامعات ومعارضين أكل السجن من زهرة شبابهم تكذب تلك الرواية.
السيناريو قد يبدو مقبولًا وخاصة إذا تم السعي كي تكون الديمقراطية والقبول بالآخر هدفاً، وإذا جنحوا صوب السلم الأهلي ورأب الشرخ الاجتماعي الحاصل بتأثير الواقع المتفجر، وخاصة أن الواقع الاجتماعي المنفتح متقارب بين الأكراد والعلويين. من ناحية أخرى قد يمنع هذا إمكانية مواجهة عسكرية بين السوريين ويحول دون المزيد من الاقتتال وحقن دماء بشر تعبت من الموت، بالإضافة لحل مشاكل اقتصادية باتت تثقل كاهل الحكومة السورية.
ثمة من يقول أن الاتفاق سيتمخض عن إعادة انتشار لقوات قسد بالساحل السوري وهذا ما نتلمسه في الأقوال الشفوية التي تنتشر هنا وهناك والتي تهيأ لذلك تحت تسمية الجيش السوري، وسيتم استبعاد المجاهدين المتشددين بفصائلهم المتعددة بكل الوسائل الممكنة. ولا أستبعد هنا الصدام المسلح مع من يرفض منهم وبالمقابل قطع طريق التدخل على تركيا في سوريا بحجة الملف الكردي لأن الكرد وفق الاتفاق صاروا ضمن الدولة السورية ما لم يحدث طارئ يقوض هذه الإمكانية.
يقال إن مظلوم عبدي مع حفظ الألقاب جاء إلى دمشق على متن طائرة أميركية لذا من نافلة القول إن أميركا هي الراعي الرسمي للاتفاق، هذا إن لم يكن قبول إذعان، إذ صرنا نستغرب وللأسف أن يكون للسوري فعل حقيقي وأن يكون فاعلًا بقضايا تخصه وتخص حاضره ومستقبله، وهل بالإمكان يوماً أن نتخلى أن يكون دورنا كدمى في مسرح عرائس تدار أفعالنا بخيوط خفية تحاك عن بعد؟
في الحقيقة إن كل ما يوحد السوريين هو أمر إيجابي، وهذا كلام لا غبار عليه ولكن في زحمة الدم يحق لنا أن نتساءل عن التوقيت والجدية، وـما وراء الاستعجال فيه بعد التعثر الكبير، كما يحق لنا أن نتساءل عن حرمة الموت في ضجيج الفرح الإعلامي والرقص في الساحات العامة وإطلاق الأعيرة النارية والرصاص وتضخيم المشهد لصرف الأنظار عن رائحة الدم الطازج.
هل هذا الفرح طبيعي وهل هو مناسب؟ يجب أن يكون هنالك إعلان ليوم حداد وطني شامل كما يجري في كل دول العالم، حداد على أرواح الأبرياء الذين قضوا سواء من الأمن العام أو المدنيين ومعالجة الحقد والسعار الطائفي الذي انفلت من عقاله.
ما زلنا نترقب القطبة المخفية فيما يدور حولنا وننتظر ما تحت الطاولة أن يخرج للعلن وخاصة في ظلال الموت الذي لم يبتعد عن واقع السوريين على اختلاف أطيافهم وتوجهاتهم. وما زالت أعيننا شاخصة إلى الحل الديمقراطي والحرية والعدالة التي خرج آلاف السوريين والسوريات من أجلها وتضحياتهم شاهدة ملء العين والبصر وستظل هذه المطالب متجددة ومستمرة مهما طال الزمن لأنها محقة.
by أسامة إسبر | Mar 10, 2025 | Cost of War - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
يبدأ الرعب والترقب بعد موعد الإفطار مباشرة وهو الوقت الذي يقوم فيه المجاهدون بقرع أبواب البيوت وتفتيشها. الاتصالات بالأمن العام لم تُجد نفعاً. كان ردهم يأتي قاطعاً: ”لا نستطيع أن نفعل أي شيء معهم“. رصاصات تخترق النوافذ وتُهشّم البلور، أصوات مهدِّدة على مداخل الأبنية وفوهات بنادق تصعد الدرج في طريقها إلى القتل. وائل هرّب ابنه إلى بيت عائلة سنية تسكن في شقة تقع في طابق آخر. اقتحم خمسة مسلحين في منتصف الليل بيت حسين وملكة وسألوا إن كان يوجد شباب ثم طلبوا منهما أن يخرجا. مذعورين صعدا في ثياب النوم إلى الطابق الثاني، إلى بيت جيرانهم السنة. قرر المجاهدون الاستيلاء على البيت والإقامة فيه.
أحمد كان يرتجف وهو ينظر إلى ولديه والكلمات تخرج منه مختنقة ثم طلب إنهاء المكالمة قائلاً إنهم وصلوا إلى مدخل البناء ولا يستطيع مواصلة الحديث. طمأنني فيما بعد في رسالة نصية إنهم لم يدخلوا. كانت ريم تترقبُ وهي تحتضن ابنتيها البابَ الذي يؤدي إلى النفق الأسود للموت. ثمة قصص كثيرة لأشخاص مجهولين لا يعرف أحد ما الـذي حدث لهم في لحظاتهم الأخيرة. بقيت جثامينهم النازفة كي تروي الحكاية التي ربما لن تجد من يرويها في الإعلام الجماهيري القائم على فبركة الأكاذيب قالت ريم وهي تبكي: ”إن القتلة يمتلكون الحكاية والشاشة والجمهور. سلحوا أنفسهم بتغطية إعلامية جاهزة لوصف جرائمهم على أنها معارك ضد فلول النظام“.
تسرّبت صورٌ لمدينة جبلة كأنها صحراء، تماماً كما وصفها جهاديّ أجنبيّ تداول الإعلام الاجتماعي الفيديو الــذي صوّرهُ وهو يفتخر بدوره في تحويلها إلى صحراء. انتشر له أيضاً فيديو يقتل فيه شيخاً طاعناً في السن بالكلاشينكوف وهو راكب على الموتوسيكل مع إرهابي آخر.
كان ديب طالب الثانوية يمشي هو وزميله في قريته ظاناً أنه بعيد عن مسرح الأحداث حين جاءت زخة الرصاص من نافذة سيارة قافلة المجاهدين. مرهج أقنع زوجته بالإسراع في مغادرة جبلة إلى قرية حميميم، حيث كان القتلة بانتظاره هناك. قُتل المئات، وثمة من يقول إن الآلاف قُتلوا، وأن عملية التوثيق تجري ولم نصل إلى رقم نهائي. سامية بكت على الهاتف: ”لا يوجد طعام ولا ماء ولا يمكن الخروج أو حتى التفكير بفتح الباب”. كانت هي وولداها، الطالب الجامعي والآخر من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي يعي جيداً سبب ملامح الرعب على وجه أخيه وأمه، يجلسون على الأرض بعيداً عن النوافذ في الظلمة المطبقة. وائل سمع صراخ الجارة التي قُتلت هي وولداها. سمع الجميع الصراخ إلا أنهم لم يستطيعوا الخروج لإنقاذها أو مساعدتها. لم يكن أحد يقوى على فعل أي شيء. أيمن اتصل بصديقه السني وقال له تعال خذني إلى بيتك. حسين وملكة لجآ إلى بيت جارهما السني في الطابق العلوي ووائل هرّب ابنه كي يمكث مع عائلة سنية في الطابق السفلي. جهاديون سوريون وأجانب قادمون للذبح يجوبون شوارع المدينة فيما سوريون علويون يحتمون في منازل أصدقائهم وجيرانهم السنة.
قال أحمد في اتصال آخر: ”أفهم الآن إحساس الموت في الحرب، أفهم الموت تحت القصف، أعرف أن الموت يأتي مع صوت الهاون، مع احتمال سقوط البرميل المتفجر، مع انفجار اللغم، أفهم أن كل ما حدث في الشمال والشمال الشرقي يشحن بطارية هذا الموت هنا. لقد ارتكبتُ خطأ. في هذه اللحظة اكتملت في ذهني صورة معاناة السوريين الآخرين والجرائم الوحشية التي ارتكبها النظام بحقهم. كان يجب أن أكون أكثر شجاعة في إعلان تضامني معهم منذ بدأت أن عملية استهدافهم في العقد الماضي. كنت خائفاً، ولم أكن أفهم قوة التضامن الإنساني مع الآخر الذي دُفع دفعاً إلى التطرف. إلا أن قتل المدنيين ليس حلاً. لم أقاتل السوريين في إدلب ولن أفعل ذلك حتى ولو أجبرت عليه”. كان مروان بدوره غاضباً، لا يأتيه النوم في أنغولا ويمضي وقته كله على الهاتف كي يطمئن على أولاده صاباً جام غضبه على بشار الأسد وكيف أوصل الجميع إلى هذه اللحظة وعدّه المسؤول الأول عن الجرائم التي تُرتكب في سوريا. أضاف: ”إنهم يجلعوننا ندفع ثمن ما اقترفته أيدي غيرنا. لسنا حاضنة النظام كما يدّعون. إن الحاضنة التي ربت النظام هي إيران وروسيا والغرب والدول العربية النفطية. كانوا يمولون النظام ويدعمونه ولم نكن إلا أشخاصاً نبحث عن وظيفة إلا أننا لم نفهم أننا كنا جزءاً من آلة القمع الخادمة للأسدين. أفهم هذا الآن. إن الصدمات الوجودية تعمّق الوعي. لكن انظر إلى من يُقتلون، إنهم الأبرياء والفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة بينما المجرمون الحقيقيون هربوا كلهم بمقتضى الصفقة التي غيرت اتجاه بوصلة البلد. إن الذين ارتكبوا الجرائم قاموا بتسوية وضعهم أو هربو ومن يدفع الثمن الآن هم الأبرياء والفقراء“.
عزير، الذي قُتل صديقه الشاعر هو ووالداه أمام عيني الأم، قال: ”إن القتلة مهيؤون إيديولوجياً لارتكاب جرائمهم. ينظرون إلى الآخر ككافر وزنديق. صحيح أننا نستحق النقد على ما حدث لغيرنا من السوريين وعلى ضعف تضامننا معهم لكننا كنا خائفين من أجهزة الأمن مثلنا مثل غيرنا ولم نقبل بقتل السوريين. أخطأنا في أننا لم نرفع صوتنا عالياً لكن كثيرين منا عبّروا عن مواقفهم بكل رجولة وشرف. كان السوريون يرددون في بداية الثورة إن من يقتل شعبه خائن وهذا ما يحدث الآن، يظنون أنهم يقتلون كفاراً ومجرمين لكنهم في الحقيقة يقتلون أبناء شعبهم“.
لم يكن غسان مستسلماً للخوف مما يجري. قال: ”كنت أتوقع هذه اللحظة. ممارسات النظام السابق كلها تقود إلى المصائب. إن المشكلة تكمن أيضاً في الثقافة. تحتاج المرجعية التي تستند إليها عقلية الطوائف كلها في سوريا إلى تفكيك وتغيير. نحتاج إلى ثقافة جديدة مختلفة جذرياً تُبقي العقيدة أمراً بينك وبين ربك. إن العلة هي في النص المقدس وفي النص الثاني الذي تحدث عنه المفكر والباحث الجزائري محمد أركون والإيمان الأعمى بحرفية النصوص. نحتاج إلى ثقافة جديدة تسمح بالاختلاف وحرية الفكر وإلا فإن هذه المذبحة ستتكرر“. لم يكن غسان خائفاً. كان يؤمن بالإنسان السوري وبقدرته على أن ينهض بسوريا مهما كانت الظروف. أضاف: ”إن الكهرباء مقطوعة والمياه مقطوعة والطعام مقطوع. الشيء الوحيد الذي يتدفق ويجرفنا هو الخوف من هذا القتل المجاني، أن تُقتل كحشرة مجرداً من إنسانيتك. أكيد أن القاتل الذي سيدخل بعد قليل لا يعرفني، ولا يعرف أفكاري، ولا يحاول التعرف عليها. بالنسبة له أنا كافر ولا أنتمي إلى أمة الإسلام. ثمة سرديات تُرضعه أفكاره وتغسل دماغه وتوجهه في اتجاه التطرف والنظرة الأحادية القائمة على المسبقات. إن ثمني رصاصة بالنسبة له وقد يدوس على وجهي ببوطه ويلتقط صورة سيلفي وقد يأمرني أن أنبح كالكلب أو أشهنق كالحمار وهو يركب فوق ظهري ثم يفرغ رصاص حقده في رأسي وصدري لأنه لا يعدّني إنساناً وكأنه بهذا قد أصلح البشرية”.
لم يتسن لي الحديث بالهاتف مع كثيرين كنت أريد أن أطمئن عليهم. الظلام حالك والبرد شديد وأشباح الخوف تجوب الشوارع حيث تجوس فرق الموت باحثة بين البيوت تمارس جرائم الإبادة الجماعية ونهب الممتلكات وحرقها في الساحل السوري وريفه.
نجحتُ في الاتصال مع سمر. بكت على الهاتف. قالت: ”لست خائفة من الموت بل من هذه النظرة إليّ بوصفي لا أتمتع بهوية إنسانية، النظرة التي تجردني من صفتي الإنسانية وتشيطنني وتُلبسني هوية ليست لي، وتحمّلني أوزار الآخرين. بعد قليل ينتهي الإفطار. قد يكون دور بيتنا هو التالي“. أضافت: ”تنتمي فرق الموت إلى قوات صارت نظامية بعد حل الفصائل وتوحيدها في إطار وزارة الدفاع. سمعنا في البداية أن هذه القوات جاءت لنصرة الأمن العام الذي تعرض لهجوم من فلول النظام إلا أن هذه القوات التابعة لوزارة الدفاع جاءت كي تقوم ب ”غزوة“ جهادية تنسجم مع تقاليد القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية واقتحمت بيوت المدنيين العزّل ونفذت عمليات إعدام بدم بارد للأطفال والنساء والشيوخ والشباب حتى دون أن تحاول إخفاء ذلك بل صورته بالموبايلات وتركت الجثث مرمية في الشوارع أو في البيوت وأطلقت عبارات تجرد الضحايا من صفتها الإنسانية وتزيد من شيطنتها متوعدة بتحويل المدن والحواضر إلى صحارى. وما تزال قوافل فرق الموت تواصل عمليات القتل تحت حجة محاربة فلول النظام في إطار من الغموض الذي يلف تصريحات الحكومة التي حاولت في أحدث تصريحاتها تصوير المجازر في الساحل كرد فعل على ما حدث في الماضي كما لو أن في ذلك تبرير للجريمة وتشجيع عليها. لم تقم بإيقاف القتل وسحب المجرمين من المناطق التي تُمارس فيها الإبادة الجماعية كما لو أنها تتم تحت غطاء شرعي“.
لم أتمكن من الاتصال صوتياً مع طارق لكنه كتب لي قائلاً: ”إن دوريات القتلة تتجول في شوارع جبلة واللاذقية وبانياس وطرطوس وريف مصياف. يقتحم المجرمون البيوت بعد أن يتناولوا وجبة الإفطار. كان الرعب يخيم على السكان بعد موعد الإفطار الذي تحول إلى موعد مع عزرائيل. وبعد أن يتم القتل تُسرق النقود والمصاغ والسيارة التي لا تمكن قيادتها أو نقلها تُحرق في أرضها، كما تم احتلال بعض البيوت وتحويلها إلى غرف عمليات كما حدث في جمعية سكن المعلمين في جبلة“.
أضاف طارق: ”إن القتل ما يزال متواصلاً والقتلى يتساقطون في حي الرميلة وفي قرى كثيرة ولم يعمل أحد على وقف الإجرام“.
أنور الذي غادر دمشق إلى الساحل بعد أن ضاقت سبل العيش في وجهه بعد تسريحه من المستشفى الذي كان يعمل فيه حدّثني عن الجوع وتوقف الرواتب وتسريح الموظفين والغضب الذي يعتمل في النفوس وكيف أن فرق القتل جاءت كي تُخرس الجميع. أضاف: ”إن في تصريحات المسؤولين السوريين تنصلاً واضحاً من إدانة الإبادة الجماعية الممنهجة ومن التعامل معها كجريمة ضد الإنسانية، ينظرون إليها كرد فعل مبررعلى ما حدث في الماضي، كما لو أنهم يشرّعون الانتقام خارج أطر القانون والعدالة الانتقالية. ولو أن من مارس فعل الانتقام كان من الناس العاديين لتفهمنا الأمر لكن من ارتكب جرائم الإبادة الجماعية قوة نظامية تابعة لوزارة الدفاع، من قوات النخبة، أو قوة انكشارية كما أود أن أسميها، مؤلفة من المتطرفين الأصوليين المرضى الذين يرون في قتل الآخر وفي التطهير العرقي طريقاً إلى الجنة. إن أحد مشائخهم قال بالحرف الواحد في خطبة مسجد في دمشق إنهم يريدون أرض الشام نقية من الأرجاس لأنها أرض المحشر التي لا يرسل الله إليها إلا خيرة خلقه. فمارأيك بهذه العنصرية الواضحة؟ إن تنصل المسؤولين من المجازر وخطب الجامع العنصرية والحملة الإعلامية التي يتواطأ فيها الكثير من الإعلاميين والمثقفين السوريين والعرب يعني أنهم أعطوا الضوء الأخضر لارتكابها. والدليل على ذلك أن القتل ما يزال متواصلاً في بعض المناطق وأنا أتحدث معك“.
by سلوى زكزك | Feb 24, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
تقول الأرقام الواردة من دمشق، إنّ ما يقارب مليون سوري وسورية قد عادوا إلى بلدهم بعد سقوط النظام. لقد شكل هذا السقوط المدوي صدمة عاطفية دفعت كل قادر على العودة للسفر فوراً. انقسم العائدون إلى شريحتين: شريحة مدفوعة بالعاطفة وتمتلك وثائق تمكنها قانونياً من العودة؛ وشريحة من الصحافيين\ات السوريين\ات العاملين\ات في محطات إعلامية عربية ودولية ممن عادوا فعلياً للعمل على الأرض السورية فحققوا استجابة عاطفية وحضوراً عملياً، وكانوا خير بداية للإعلام المنقول من على الأرض في جو عارم من الزخم المهني والعاطفي.
لكن السؤال الأهم بعد هدوء العاصفة العاطفية وتصديق واقع رحيل النظام إلى غير رجعة، هو ماذا عن باقي عودة السوريين\ات المنتشرين\ات في بقاع الأرض؟
تجدر الإشارة إلى أن عدداً كبيراً تجاوز المائتي ألف سوري من النازحين\ات السوريين\ات في لبنان وخاصة من النساء والأطفال قد عادوا إلى سوريا في الأشهر الأخيرة وحتى قبل سقوط النظام بحوالي خمسة أسابيع تزامناً مع الضربات العسكرية الإسرائيلية.
هل يعود السوريون؟ إنها محطة جديدة من الأسئلة المستجدة والتي تتصارع الأجوبة عليها، لأنها أكبر وأوسع من الإجابة بالنفي أو بالإيجاب.
ترتبط الإجابة على سؤال العودة بظروف كل شخص وحالته القانونية والمالية والعائلية. وترتبط أيضاً وبشكل أساسي بالعمل وبالتوصيف الاقتصادي المهني، كما ترتبط بالبعد العاطفي الوجداني أو العائلي المتشابك ما بين سوريا وما بين البلد المقيم فيه.
لكن وللأسف الشديد وتطبيقاً للمثل العامي الشهير (راحت السكرة وإجت الفكرة)، تبدو موجبات العودة أقل من موانعها. فعلى سبيل المثال يعيش وليم وهو مهندس سوري في ألمانيا، ولم يتمكن بسبب اللغة والتقدم في العمر من تعديل شهادته، وهو يعمل الآن كسائق باص للنقل الداخلي في إحدى المدن الألمانية، يروي وليم حكايته مع العودة قائلاً: “بعد خمسة أيام من سقوط النظام سألني المشرف على العمل وبصورة رسمية هل سأعود إلى سوريا؟ كان السؤال صادماً لأنه ورد من المشرف أولاً، ولأن صدمة الفرح بسقوط النظام لم تسمح لي بتوجيه هذا السؤال حتى لنفسي!” ربط المشرف سؤاله بحقيقة صادمة لوليم وللمشرف أيضاً، وهي أن ستة عشر سائقاً من أصل أربعين سائقاً يعملون في شركة النقل هم من السوريين. من المؤكد أن وليم يعرف هذا، وأن كافة السائقين السوريين يعرفون بعضهم البعض، لكن توقيت السؤال يتضمن حرص الشركة وربما ألمانيا على ضرورة ترتيب جدولة العودة إلى سوريا حتى كزيارة. تتعادل وجوه الصدمة هنا، إذ تطفو على السطح مصلحة العمل، بينما يغرق السؤال عميقاً في وجدان وليم وشركائه في العمل من السوريين.
الصدمة الأكبر حول سؤال العودة كانت في البيوت، بمشاورات انفعالية، مترددة ومركبّة جرت بين أفراد العائلات وخاصة بين الزوجين، وصلت بعض الصدامات إلى طلب الطلاق إن لم يوافق الزوج أو الزوجة على العودة أو إن قرر العودة تم بشكل منفرد.
ثمة قطب مخفية وغير معلنة تجعل من عدم العودة قراراً مؤكداً، مثل التبدلات الشخصية التي اتخذها أصحابها وخاصة صاحباتها مثل الزواج من أجنبي، أو خلع الحجاب. وللأمانة وفي بعض الحالات وبعد مرور أكثر من سنوات عشر على اتخاذ هكذا قرارات شخصية يبدو أن بعض الأشخاص لم يعلنوها في بيئاتهم العائلية، بل وقد تُخفى حتى عن الأب والأم، رغبة بعدم فتح أي نقاش وتداركاً لأي عتب أو مساءلة قد تصل إلى درجة القطيعة.
لن يعود السوريون\ات ممن لديهم أطفال لا يعرفون حروف اللغة العربية ولا الأرقام ولا التحية ولم يتحدثوا بها مطلقاً منذ ولادتهم. كما يمكن القول إن سقوط النظام قد شكل صدمة وجودية للجميع خاصة أن أحداً لم يتوقع سقوطه رغم الأمل الكبير بذلك ورغم الجروح النازفة شوقاً ورغبة بلم الشمل. إن سقوط الأبدية أربك الجميع وخلق حالة من اختلال التوازن الوجودي والعاطفي، تغيرت فجأة خارطة الأولويات لدى الجميع، حزمة من القرارات الفجائية والارتجالية التي طغت على تفاصيل الحياة اليومية.
بدأت بعض اللاجئات بالتزام قرار جديد، قرار عاصف بالتوقف عن شراء أي شيء جديد حتى لوكان قطعة ملابس منعاً لتراكم الأغراض التي سيشكل تصريفها أو التخلص منها عائقاً أمام إجراءات العودة. كما أن البعض منهن وفوراً قُمن بالتخلص من الكثير من قطع الملابس الفائضة وحتى قطع منزلية مثل الحرامات والأغطية أو بعض أدوات المطبخ. وبعض الأشخاص كسلمى، فقد كان قرار العودة لهن حاسماً وممكناً ولو كان مؤجلاً، لذا فقد افتتحت سلمى حقيبة كبيرة وألصقت عليها بطاقة كبيرة مكتوب عليها (شنتاية سوريا)، وبدأت بتوضيب كل الأشياء التي تراها ضرورية لاصطحابها معها إلى سوريا في رحلة العودة النهائية.
لن يعود كل السوريين\ات، ولن تكفي الصفحات للإجابة على هذا السؤال، وعنوان العودة يبدو موازياً تماماً للسؤال السابق، إلى أين سيكون اللجوء؟
الأهم هو أنه بات للسوريين\ات وطناً، يفرض التفكير به كمساحة متاحة للزيارة مهما كانت قصيرة، وطن استعاد السوريون والسوريات فجأة تفاصيله بزخم عاطفي غير مسبوق. تقول لي صديقة: “فور إعلان السقوط والدموع تغمر وجهي انتابتني موجة حنين لا يطفئها ماء البحار كلها”، لكنها أردفت قائلة: “تخيلي أن رائحة سوق باب الجابية تسربت من أنفي، وكأنها كانت كتلة مخزنة في الأعماق وانفجرت فجأة، بت محاطة بها وكأنني أقف هناك، أوسع صدري وحواسي كلها لاستنشاق هواء حُرمنا منه مع أنه كان ملوثاً، كان عصياً حتى على الحضور في يوميات اللجوء الممتدة والطاعنة في قسوتها وفي مرارتها المتسارعة.”
هناك ملايين من السوريون والسوريات ممن لجؤوا في أوروبا وتركيا وكندا ومصر ولبنان والأردن، فعلى الأقل أصبح ثلث سكان سوريا خارج بلادهم منذ سنة ٢٠١١. هذا عدا عن ملايين السوريين\ات المقيمين في أوروبا ودول الخليج و أربيل والعراق منذ قبل الثورة السورية، فهل سيعود هؤلاء أيضاً؟ لا أحد يمتلك جواباً حاسماً، تبدو الأسئلة كما الأجوبة متفاوتة الأهمية، متقلبة، غير حاسمة وعدوانية في بعض تفاصيلها، لكنها تستحق الإنصات، تستحق التمعن بجدية بالغة وبحنان يليق بالسوريين والسوريات وبسوريا.
يسعى العديد من السوريين\ات الآن إلى الحصول على جنسيات بلاد لجوئهم، فقط لضمان إمكانية زيارة سوريا مراراً والعودة إلى بلدان لجوئهم التي صارت تعادل بلدانهم الأصلية في التوصيف القانوني لحضورهم، ربما لن يعود الكثير ممن يتمنوا العودة لأنهم يفتقدون إمكانية تغيير صفة اللاجئ فقد فاتهم سن العمل والمقدرة على تعلم اللغة الجديدة، سيعيشون حلماً مريراً أزاحوه جانباً واستسلموا لفكرة أنهم بلا وطن! لكن الازدواجية الحاصلة اليوم تشكل اختباراً قاسياً، مرهقاً وشديد المرارة للعاجزين عن تجاوز واقع أن بلدهم صار مباحاً للعودة، وأن فرق التوقيت بات عاملاً حاسماً يؤكد اللا عودة، خاصة أنهم في البلد بلا دعم مادي وبلا ضمان صحي وبلا بيوت وربما بلا أهل أو جيران، وربما أبناؤهم هنا في بلاد اللجوء لكن بظروف لا تشبه اللمة العائلية، لكنهم غارقون في العجز وفي الخيبة.
البلدان لا تزول ولا تسقط مهما طالت الأزمنة، لكنها تضيّع أبناءها في كل سياقاتها الثابتة والمتحولة سلباً أم إيجاباً.
لك السلام وعليك السلام يا بلد، سوريا يا بلدنا.
by أسامة إسبر | Feb 4, 2025 | Cost of War - EN, Culture - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
بين اللطم المشهديّ في الشوارع “ولبّيك يا حسين” إلى “أعزّنا الله وأذلّكم”، و”الشام عادت إلى أهلها أمويّة أمويّة رغم أنف الحاقدين”، وفي ظلّ حملةٍ أمنية متبّلة، في بعض تصريحاتها، ببهارات الانتصار الطائفية، ومشهدية صارخة لمعاملة الآخر المعتقل كحيوان وإجباره على النباح أو العواء، وفي غياب شكل تمثيليّ واضح للحكم في سورية، تأفل بلاغة المهزومين، الذين يُخْتزلون بكلمة فلول، وتسود بلاغة المنتصرين، الذين يحكمون شفوياً ببلاغة المنتصر على غيره. تُمْحى شعاراتٌ، وتُطْلقُ شعارات جديدة ، تُزال المساحيق عن هويّات، وتنفضُ هويات أخرى عن نفسها غبار الكبت والتهميش وتستيقظ، لكنّ الثقافة التي تقود الحياة هنا لم تتغيّر من حيث الجوهر، كمثل جدران المدينة التي وقعت في شبكة هندسة عمارة عشوائية في متنها وهوامشها. وفيما تنبري الأقلام للحديث عن “نظام الأبد” وسقوطه، وما بعده، يطلُّ وجه المدينة المعماريّ المدمّر في بعض أجزائه، والمتآكل والمتسخ والمتشقق، على مجهولٍ يصعب اكتناهه، وتبقى مرحلتها الانتقالية طحيناً يحتاج إلى من يعجنه كي يخبز رغيف التمدّن والمواطنة، ويقدمه على مائدة الحاضر بينما تستيقظ ثقافة الاتباع المقموعة وتكشّر عن أنيابها.
اختُزلت دمشق في السياسة وصراعاتها، في الدين وتمذهباته، في الانقلابات والتهميش والتفرد بالسلطة والأيديولوجيات الإلغائية الأحادية، في التنكيل الأمني والبراغماتية المزدوجة، وغابت دمشق الثقافة والمواطنة والحرية والديمقراطية، لكن دمشق ليست سياسة فقط بل جيل جديد مختلف من الشبان والشابات جائع للحياة الكريمة، هي ماض وحاضر ومستقبل وعمارة واجتماع وحداثة وتخلّف وتقدّم ورجعيّة وسلفيّة وراديكاليّة، هي سنة وشيعة وعلويون وأكراد وشركس وأرمن وتركمان ومسيحيون ودروز وإسماعيليون، وهي أيضاً علمانيون ويساريون وقوميون وسلفيون وأصوليون ومتدينون غير مسيسين وملحدون وصوفيون وبشر عاديون لا يُصنّفون في هذه القوالب، وهي شعراء وسينمائيون ومسرحيون ونحاتون ورسامون وصحافيون ومفكرون وموسيقيون ورياضيون ونساء يناضلن من أجل قضايا النساء وجمهور متعطش إلى أن يعيش حياةً مدنية، أن يتنفّس هواء الحرية، التي حُرمَ منها على مدى عقود.
قضى حزبُ البعث على الثقافة، وقاد الدولة والمجتمع إلى الخراب. وفي ظلّ نظامه العسكريّ لم يعبر في سوريا وزيرُ ثقافةٍ واحد صنعَ ثقافةً حقيقيةً، ولم يعبر وزير تربيةٍ بنى مدرسة حقيقية، أو وضع مناهج تواكب العصر وتطور المعرفة، ولم يُعيّن وزير دفاع انتصر في معركة حقيقية، أو وزير إعلام صنع صحيفة حقيقية تستحقّ القراءة، أو يمكن تُقارن، على سبيل المثال، بالصحف اللبنانية الرائدة. ولم يستقل أي من هؤلاء احتجاجاً حين لم يحدث ذلك. كانوا كلهم قابلين بالوضع القائم ومتنفعين من سلطة الوظيفة. وكان السوريون، الذين يحملون فكراً مغايراً، ينشرون في صحف خارج البلاد، والقراء الحقيقيون يهرّبون ما يقرأونه لأن مدينتهم لم تكن مدينة ثقافة، كانت مدينة سياسة مراقبة أمنياً، ومفصّلة على مقاس “القائد الخالد” ووريثه. وفي هذه الظلال كانت دمشق تخون المدينة كتمدّن وتحضرّ وانفتاح وعمران، تتوسع عشوائياً وتزدحم وتضيق بسكانها، وتنتقل من هوية قسرية إلى أخرى في إعلانات استعراض القوة والهيمنة على شاشة السياسة. ونسمع اليوم عبارات وتصريحات مفخّخة مفادها أن دمشق عادت إلى أهلها، فهل الأهل الذين عادت إليهم ديمقراطيون ومنفتحون يؤمنون بدولة المواطنة أم أيديولوجيون ومذهبيون، لا يجسّدون دولة المدينة، ولم ينتظموا بعد في شكل حكم يعكس التنوع والتعدد السوري؟
ثمة من يصوغ في دمشق سرديةَ صراعٍ بين هويتي الغالب والمغلوب، ويشحنها بالأيديولوجيا، وكلتاهما قسرية ومستعادة، ماضوية وسلفية، لا وجود فيها للآخر، المُخوّن والمكفّر. تتواشجُ هذه السردية مع قبح الهوية المعمارية، ذلك أن جمال العمران في دمشق موضع شبهة، ليس فيها فنّ عمارة يمنحها هوية جمالية، كما أن خصرها مطوّق بأحزمة بؤسٍ من بيوت مرتجلة وعشوائية مخالفة بُنيت بين عشية وضحاها، ومهددة حتى بالهزات الخفيفة على مقياس ريختر.
في كتابها (حياة وموت المدن الأمريكية الكبيرة) الصادر سنة ١٩٦١ تحدثت جين جاكوبس (١٩١٦-٢٠٠٦) عن هوية المدن، ودعت إلى تصميم معماريّ أكثر عضويةً للمدينة يتمحور حول الإنسان لأنّ هوية مدينة ما ليست نتاج هندسة عمارة مهيبة، أو تصميمات تذكاريّة فحسب، بل تُبنى من خلال التفاعلات اليومية لسكانها. وتحدّث باحثون آخرون عن مدن تتوحّد فيها البشرة البيضاء مع السمراء، ويتجاور مطعم إثيوبي مع آخر ياباني وصينيّ وعربي ومكسيكي وإيطالي، ويتجاور معبد بوذيّ مع مسجد أو كنيسة أو كنيس، وهناك أيضاً البار والمقهى، ويعيش في المكان الملحد والمؤمن واللاأدري، والراديكالي وغير المكترث بهذا كله، وتسير المرأة محجبةً أو سافرة دون خوف. وتولد في المدينة حياة شارع حية، بوجود جماعات متنوعة تنغمس في أنشطة يومية، تكوّن بذلك هويتها. فالتنوع الثقافي والعرقي والقومي والديني، في تجلياته الحضارية والثقافية المنفتحة والمعانقة للآخر، هو الذي يصنع المدينة، ودمشق لا قيمة لها إلا في إطار العناق بين ابن الريف وابن المدينة، ابن الشمال وابن الجنوب، ابن الساحل وابن الداخل، ابن البادية وابن السهول والجبال، وبين الكردي والعربي، وبين المسيحي والمسلم، ولا قيمة لها من دون خصوصية درزية وخصوصية إسماعيلية وخصوصية شيعية وخصوصية سنية وخصوصية مرشدية وخصوصية علوية وخصوصية مسيحية، شرط ألا تتعدى هذه الخصوصيات حدود الإيمان والعلاقة بين الذات وخالقها، وألا تفرض نفسها على الآخر من خلال السياسة القمعية. وهذا لا يتحقق إلا في دولة مواطنة، تمثل الفروق، وتحميها، وتنطق باسمها من أجل مصلحة الجميع.
إن دمشق خلطة قابلة للتطوير مفتوحة على مزيد من التنوع وهذا ما يمكن أن يمنحها هوية جمالية وثقافية وحضارية استثنائية، وبسبب هذه القوة الحضارية الكامنة فيها لم تصمد الدكتاتورية العسكرية، ولن تصمد الدكتاتورية الدينية، ولهذا لم تصبح مدينة للطم، كما لن تصبح مدينة أموية بالمعنى الأيديولوجي. لن تكون دمشق النقية الصافية التي لوّثها غبار الأرياف، الذي تحدثت عنه جمعيات أرستقراطيي دمشق، الذين كانوا يعيشون في منازل فخمة ويرتادون الفنادق والمطاعم الفاخرة ويظنون أن أفقهم هذا هو المدينة الحقة. إن ما يمنح دمشق عظمتها هو هذا الخليط العجيب، الفسيفساء السورية الإبداعية، التي يجب أن تصنعها الآن بالمعنى السياسي والثقافي، ذلك أن الهوية مستقبل وليست ماضياً، إبداع ينطق بمكونات الحاضر، ويقودها نحو أفق جديد من الانسجام، وليست استعادة لشكل من الماضي. وإذا كان لونٌ قد طغا على آخر في لعبة السياسة، وبفعل الاستبداد ودكتاتورية الأسد العسكرية المتوحشة، التي قامت على التغول الأمني، فإن لوحة دمشق بحاجة إلى إعادة رسم بألوان متعددة تعكس تنوعها الثقافي الفريد. ولهذا لن تكون دمشق سنية ولا علوية ولا شيعية ولا مسيحية ولا درزية ولا إسماعيلية، لأنها القلب الذي يجب أن ينبض بهذا التعدد كله، وبمن يصنعون لوحتها الفريدة في شكل حكم متطور وديمقراطي، ما يزال حلماً، شكل حكم يحتضن المواطنة الحقة، المحمية بالحقوق. وإذا كانت دمشق ستعود إلى أهلها يجب أن تعود إلى أهلها مواطني دولة المواطنة والقانون، إلى من يجعلون منها مدينة فريدة بتعددها وألوانها الثقافية، تزهو بين الأمم، لا إلى أهلها المفرغين في قوالب مذهبية وأيديولوجية أحادية التوجّه والبعد، لهذا يجب ألا يُنظر إلى دمشق كمدينة مكتملة تعيش في الماضي، يمكن أن تُسْرَج وتُلْجَم مذهبياً، أو ”نوستالجياً“، بل بوصفها مشروعاً مفتوحاً على البناء والتطوير المتواصل في أفق الحرية.
لقد دمّر عنف السلطة الاستئثاري بكرسي السلطة دمشق على الصعيد العمراني والاجتماعي، ولهذا تحتاج إلى علاجٍ في غرفة العناية الفائقة لأبنائها المؤمنين بها كمدينة للجميع، وإعادة نظر في هويتها كمدينة معمارياً، ذلك أن نظام البعث لم يكن يهمه إلا ”تماثيل القائد الخالد“ وتماثيل ابنه، ولم يصرف على الارتقاء بجمال العمران، وحين ثار عليه ريفها دمّره دون رحمة. وما يبدو جلياً في دمشق هو تشوهها المعماري واتساخها وضيق شوارعها وتخلخل بيوتها وغياب أفق التنفس والمواصلات المريحة والحياة الكريمة. أما في دمشق القديمة على سبيل فليس هناك انسجام جمالي بين العمارات، وتهيمن عليها النزعة التجارية الاستهلاكية، وتحولت البيوت القديمة فيها إلى مطاعم وحوانيت وبارات. ويفتقر القسم الحديث من دمشق إلى تناغم معماري، إذ تختلط المباني التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية مع العمارة العثمانية والمباني الحديثة من حقبة ما بعد الاستقلال، ما شوّه وجزأ هويتها المعمارية.
ما يريده السوريون عموماً في النهاية هو مدينة جميلة ونظيفة يسودها التمدن وتزدهر فيها الثقافة والصحافة الحرة ويسكنها المواطن، ابن دولة المواطنة، التي يتم فيها تداول السلطة ديمقراطياً بانتخابات نزيهة، مدينة لا تختزل أبناءها في طوائف، ولا تقولبهم في توجهات سياسة أو مذهبية أحادية، وتحرس حريتهم كي يعاودوا رسم هويتهم الفردية، وابتكار انتماءاتهم في هذا الضوء. بالتالي لا شيء إلا فضاء الحرية هو الذي يسمح للذوات التي تعكس التعدد والتنوع الثقافي بأن تكبر بنفسها وبمنجزها وتتناغم حضارياً وسياسياً وثقافياً، وتبدع وجودها المدنيّ، وتبني المؤسسات والمعايير الاجتماعية المشتركة، وأنظمة التعليم التي تعزز الهوية المدنية وتنتقل من الإنسان المتمذهب والمفرغ في قوالب إلى الإنسان المتمدن، العام، المتجاوز للحدود العشائرية والطائفية والعرقية، والمتمرد على القوالب التي يفصّلها عميان الأيديولوجيا.