تدريباتنا

قبّةُ الخنق السوريّة :كيف ينجو الخائف من الخوف؟

by | Oct 18, 2026

في صباح أكتوبر مددت يدي نحو سترتي المعلّقة خلف الباب، وأدخلت رأسي في قبّتها الطويلة قبل أن أخرج. فعلت ذلك بلا تفكير، كما أفعل كل يوم ثم توقفت لحظة وأنا أشعر بالقماش يحيط برقبتي. كانت دافئة، وهذا كل ما أريده؛ لكنها كانت تضغط قليلاً أيضاً، بالقدر الذي يجعلني أشعر بوجودها طوال الوقت. فكرت أنني أرتدي شيئاً يشبهنا نحن!! لا أقصد السوريين الذين يخافون من البرد، بل أولئك الذين عاشوا زمناً طويلاً وهم يخلطون بين الأمان والنجاة،وبين الصمت والهدوء، وبين انتهاء الخطر وانتهاء الخوف. أحياناً ينتهي الشيء الذي كنا نخاف منه، لكنّ الجسد لا يعرف ذلك فوراً. يبقى مستنفراً، يصغي إلى صوت الباب، يراقبُ الشارع من طرف العين، ويحتفظ دائماً بمسافة صغيرة بينه وبين الطمأنينة، كأنّ عليه أن يكون مستعداً للهرب حتى في اليوم الذي لم يعد فيه أحد يطارده. ربما لهذا لم أعرف، بعد كل ما تغيّر في سوريا كيف أفرح بطريقة كاملة.

لم تكن المشكلة في الفرح نفسه فقد كان موجوداً، واضحاً، جارياً في الشوارع والبيوت والوجوه التي شعرت للمرة الأولى بأنّ شيئاً ثقيلاً أزيحَ عن صدورها. لكن الفرح، حين يأتي بعد خوف طويل، لا يدخل إلى الإنسان من الباب نفسه الذي يدخل منه في الحياة العادية. بل يدخل مترددا يرفع رأسه قبل أن يخطو، ينظر حوله ثم يجلس قريباً من الباب. كأننا لا نعرف بعد إن كانَ مسموحاً لنا أن نفرح.

أحياناً أخرج من البيت فأجد وجوهاً أكثرُ خفة مما اعتدته في السنوات الماضية. الناس يتحدثون بصوتٍ أعلى، يضحكون في الطريق، يناقشون ما كان من المستحيل مناقشته، ويتصرفون كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح أوسع. لكن شيئاً ما يبقى في الوجه، شيء لا تستطيع الكاميرا التقاطه بسهولة؛ التفاتة سريعة، صمتٌ مفاجئ، ذلك الجزء من الإنسان الذي يواصل العمل حتى بعد أن تنتهي مهمته. فالخوف لا يعيش في الأخبار وحدها بل يعيش في العضلات. في الطريقة التي نمسك بها الهاتف، في الأبواب التي نغلقها مرتين. في السؤال الذي لا نطرحه. في الجملة التي نعيد صياغتها قبل أن نقولها. في عين تراقب الطريق قبل أن تعبره، وفي أمّ لا تستطيع أن تتوقف عن الاتصال بابنها، حتى بعدما يصبح الاتصال عادياً ولا يحمل سبباً واضحاً؛لهذا لا يكفي أن نقول للإنسان إنّ زمن الخوف انتهى فهو يحتاج إلى أن يصدّق ذلك بجسده أيضاً.

ربما كانت هذه هي أصعب مراحل ما بعد الخوف؛ أن تكتشف بأن الخلاص من مصدر الرعب لا يعني الخلاص من الرعب نفسه. السلطة تستطيع أن تسقط، والصور أن تنزل عن الجدران، والخطابات أن تتغير، لكنّ السنوات التي أمضيناها ونحنُ نتعلم كيف نحمي أنفسنا لا تختفي بالسرعة نفسها. الخوف الذي كان يأتي من الخارج يجد له بعد فترة غرفة صغيرة في الداخل، ويقرر البقاء فيها حتى بعد أن يغادر أصحاب البيت. وهنا يصبح السؤال أقل تعلقاً بالسياسة وأكثرُ قرباً من الإنسان: ماذا يفعل شخص نجا، لكنهُ لم يتعلم بعد كيف يعيش بوصفه ناجياً؟

أفكر في ذلك أحياناً، فلا يحدث شيء استثنائي، لا أخبار عاجلة، ولا أصوات في الخارج، ولا سبب واضح للقلق. ومع ذلك أشعر بأنني في حاجة إلى شيء يحميني من شيء لا أستطيع تسميته. ربما لهذا أعود إلى الله في بعض الأيام بطريقة تشبه عودة الطفل إلى يد أمه، ثم أبتعد في أيام أخرى، لا لأنني فقدت إيماني بل لأنّ الحياة حين تهدأ تجعلني أنسى حاجتي إلى من أطلب منه الطمأنينة.. نحن نتذكر الله جيداً حين تضيق المساحة حولنا، ثم ننسى أن نبحث عن علاقة به حينَ تتسع. كأننا نستخدم الإيمان أحياناً كما نستخدم بطانية في ليلة شديدة البرودة: نبحث عنها حين نرتجف ثم نرميها جانباً حين نشعر بالدفء.لكنني لا أريد هذا النوع من العلاقة.أريد إيماناً لا يحتاج إلى كارثة كي يظهر، ولا إلى خوف كي يصبح ضرورياً. أريد أن يكون الله موجوداً في الأيام التي لا يحدث فيها شيء، في صباح عادي، وفي فنجان قهوة، وفي طريق العمل، وفي تلك اللحظة التي أرتدي فيها سترتي قبل الخروج من البيت. ربما لأنني تعبت من الأشياء التي لا تظهر إلاّ عندما يصبح كل شيء على وشكِ الانهيار.

لقد عشنا زمناً طويلاً ونحنُ ننتظر حدثاً كبيراً كي تتغير حياتنا. ثم جاء التغيير واكتشفنا أن الحياة لا تعرف كيف تبدأ من جديد بمجرد أن ينتهي القديم.النجاة نفسها تحتاج إلى تعلّم. نحتاج أن نتعلم كيف نثق من دون سذاجة، وكيف نختلف من دون أن نرى في الاختلاف تهديداً، وكيف ننام من دون أن نضع أذننا على باب الغد، وكيف نسمح لأطفالنا أن يخططوا للمستقبل من دون أن نضيف في نهاية كل خطة جملة صغيرة عن احتمال أن يتغير كل شيء. وربما لا توجد صورة أكثرُ قسوة لهذه المرحلة من طالب سوري يريد أن يذهب إلى امتحانه، لكنهُ لا يستطيع. في السويداء مثلاً؛ لم يكن الخوف مجرد شعور عابر في الأيام الأخيرة، بل صار قادراً على تعطيل مستقبل كامل؛ آلافُ الطلاب ما زالوا عالقين بين دمشق والمحافظة، وبين سلطة تريد استعادة حضور مؤسساتها وقوى محلية تخشى عودة ذلك الحضور، حتى إن رويترز تحدثت في مطلع أكتوبر عن إكمال 150 طالباً فقط من أصل نحو 13,700 طالب امتحاناتهم في 2026. هنا لا يعود السؤال عن الخوف بوصفهِ أثراً نفسياً للحرب فقط، بل عن دولة لم تتمكن بعد من جعل مواطنين يعيشون تحتَ سلطتها يثقون بأنّ عبورهم إلى مدينة أخرى لن يعيد إليهم ما حاولوا الهرب منه. 

المشكلة أنّ الدولة لا تستطيع أن تطلب من الخائف أن يثق بها بمرسوم. فالثقة لا تُعلن بل تُختبر في الطريق إلى الجامعة، وفي مركز الشرطة، وعلى حاجز التفتيش، وفي المحكمة، وفي القدرة على العودة إلى البيت من دون أن يحتاج المرء إلى أن يشرح لنفسه لماذا كان خائفاً طوال الطريق وربما نحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن نعيد تعريفَ الأمان؛ فهو ليس أن تختفي الأصوات التي كانت تخيفنا فقط. ولا أن يصبح الشارع هادئاً في ليلة واحدة؛ هو أن يعرف الإنسان أنّ حياته لن تنقلب عليه فجأة، وأن القانون لن يصبح خصمه، وأنّ البيت الذي يعود إليه سيظل بيته، وأن اسمه لن يتحول في لحظة إلى تهمة، وأن اختلافه لن يجعله أقل استحقاقاً للحياة من غيره. الأمان هو أن يتوقف الإنسان عن الاستعداد الدائم للأسوأ.

حين أفكر في سوريا من هذه الزاوية، يبدو لي أن أصعب ما ينتظرها ليس فقط بناء مؤسسات جديدة أو إعادة ترتيب الاقتصاد والسياسة، بل بناء شيء أكثر خفاءً: ثقة الناس بأن الغد يمكن أن يكون عادياً. قد يبدو هذا مطلباً صغيراً أمام كل ما تحتاجه البلاد، لكنهُ ربما ليس كذلك. فالدول لا تُبنى فقط بالدساتير والوزارات والطرقات، بل أيضاً بالقدرة على جعل مواطنيها يذهبون إلى النوم من دون أن يتركوا نصف وعيهم مستيقظاً للحراسة.

ثم أعود إلى سترتي. في نهاية اليوم أخلعها وأعلّقها خلف الباب. أحياناً أفكر في القبّة الطويلة التي تحيط بالرقبة: هي موجودة لتحميني من البرد، لكنها تلامس جلدي طوال الوقت، وتذكّرني بوجودها. الدفء فيها حقيقي، والضيق حقيقي أيضاً. وربما هذه هي حالنا الآن: نريد الأمان، لكننا لا نعرف بعد كيف نعيش داخله من دون أن نفتش عن الخطر. قد يكون علينا أن نمنح أنفسنا وقتاً؟؟ ليس وقتاً كي ننتظر سوريا أخرى، بل وقتاً كي نصبح نحنُ أيضاً آخرين قليلاً. أن نترك أجسادنا تتعلم أنّ الباب يمكن أن يُغلق لأنه ليل، لا لأننا نخشى أحداً. أن نتعلم أن الصمت يمكن أن يكون راحة لا تهديداً، وأن الضحكة العالية ليست دعوة للعقاب، وأنّ المستقبل ليس بالضرورة اسماً آخر للمفاجأة السيئة. ربما لن أعرف متى ينتهي الخوف تماماً. وربما لن ينتهي. بعض الأشياء لا تغادرنا، وإنما تتغير علاقتنا بها. لكنني أعرف أنني في صباح أكتوبر القادم بسوريا سأمد يدي إلى سترتي، سأرتديها لأنها دافئة، و سأخرج من البيت من دون أن أطلب منها أن تحميني من العالم كله. أريد فقط أن تكون قبّتها حول رقبتي، لا حول روحي.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

خالد خليفة واللاذقية: رواية أخيرة ومدينة لا تنسى

خالد خليفة واللاذقية: رواية أخيرة ومدينة لا تنسى

في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية  هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل  الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة...

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص...

«الدوّار الجنوبي»: تشريح المجتمع السوري في ظلّ سلطة العسكر

«الدوّار الجنوبي»: تشريح المجتمع السوري في ظلّ سلطة العسكر

ترصد رواية الدوار الجنوبي للكاتب السوري مفيد عيسى أحمد الصادرة عن محترف أوكسجين للنشر 2025 فترة زمنية مهمة من تاريخ البلاد، تم طمس وتغييب أحداث على أعلى المستويات جرت خلالها، وتلخص الصراع داخل السلطة، الذي انتهى بطريقة غامضة وفق مساومات غير معلنة، تمخضت عن رحيل المعلم...

تدريباتنا