بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
هل تفعل عودة العلاقات الاقتصادية والنشاطات الرياضية والاجتماعية ما عجزت عن فعله الشعارات والطروحات التي لم تتعدَّ الأقوال؟ هل يمكن لهذه العلاقات أن ترمم النسيج الاجتماعي المهلهل، إن لم نقل الممزق، وهل تعمل عمل المخمّد للتوتر والتشنّج الطائفي، أم أنّ الأمر لا يتعدى علاقات فرضتها الضرورة، لا يلبث من يكون طرفاً فيها أن ينكفئ ويرتكس إلى قاعدة التعصّب السائدة في سورية الآن؟
فرض هذا التساؤلَ العلاقاتُ الاقتصادية التي عادت مؤخراً بعيداً عن الجهات الرسمية، والنشاطُ الرياضي الذي تفعّل مؤخراً في طرطوس.
اكتسبت هذه العلاقات الاقتصادية والنشاط الرياضي أهمية خاصة في بانياس، لخصوصية هذه المنطقة.
علاقات اقتصادية تفرضها المصلحة
عاد باعة السمك «السنّة» من قريتي البساتين والمرقب للتجول في القرى المجاورة «كوكب، الزوبة، أنتوز…» وهم ينادون على بضاعتهم، وعادت علاقة البيع والشراء كما كانت.
كنت في قرية كوكب وسمعت نداء أحد الباعة يروّج للسمك الذي بحوزته. خرج رجل عجوز من بيته وناداه باسمه، توقّف البائع، نظر إليه وقال باسماً: «بعدك عايش… كيف أحوالك؟»
ردّ العجوز مازحاً: «لم تقتلوني بعد، الحمد لله ماشي الحال، تفضّل اشرب شاي».
قال البائع: «لعن الله الشيطان، ما جرى جرى… سأشرب الشاي في طريق العودة، جهّزه».
ردّ العجوز: «سيكون جاهزاً، احسب حسابي بـ2 كيلو عصيفوري».
لا تقتصر عودة العلاقات بين هذه القرى على هذا الأمر فقط، فالعلاقات ذات الطابع الاقتصادي أوسع من ذلك. فمحاصيل البندورة والخضار الباكورية تُسوّق في سوق هال بانياس، وغالبية تجارها من الطائفة السنية، وسوق بانياس التقليدية، بغالبية تجارها السنّة أيضاً، عادت للعمل. ومن المعروف أنّ هذه السوق تعتمد بنسبة كبيرة على أهل القرى العلويين، إضافة إلى العلاقات التي تفرضها مسألة التجاور بالأراضي، فلا بد من التعاون والتنسيق في هذه الحالة بين مستثمري هذه الأراضي.
لا يقتصر الأمر على مدينة بانياس وجوارها، فعملية تبادل الطرود والبضائع عادت، لكن ليس كما كانت، والأمر متعلق بطبيعة هذه البضائع. فالمواد الغذائية والخضار والفواكه عادت بنسبة كبيرة، بينما المواد الأخرى قد تكون بنسبة أقل، وهذا يعود إلى عوامل أخرى، منها انخفاض القدرة الشرائية. كذلك نشطت حركة الترانزيت من مرفأي اللاذقية وطرطوس، رغم أن وسائل نقل البضائع لم تتوقف يوماً، حتى في أحلك لحظات ما مرّ بالبلد، فالقاطرات والشاحنات بقيت تنقل البضائع وتعمل على الطرقات في مختلف المناطق دون أن يتعرّض لها أحد. وكأن هناك توجيهاً من قبل كل الأطراف بذلك، أو أن الأمر متفق عليه ضمناً، فليس من مصلحة أحد قطع سبل تبادل البضائع مهما حدث. وقد رأينا سابقاً دعوات للمقاطعة قامت بها جهات على وسائل التواصل الاجتماعي بحملات دعائية كبيرة، حيث دعت إلى مقاطعة العلويين اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، لكنها انتهت إلى الفشل، فالمصلحة الاقتصادية تتغلب حتى على التعصب والتشنج الطائفي.
تغليب مصالح طرف على الآخر
ما سبق لا يعني أن عودة العلاقات تجري بشكل صحيح أو أنها أتت نتيجة لوعي وطني. هذه العلاقة تبدو غير متكافئة، فهي تغلّب مصالح طرف واحد وتجري وفقها. هذا الطرف هو المتحكم بها الآن، وهو محسوب على السلطة الانتقالية، أو محسوبة عليه، لا فرق. فمقابل العلاقات العائدة نسبياً، والتي لا تتعدى التبادل البسيط، ما زالت هناك إجراءات وتصرفات تعسفية ذات طابع طائفي. فمن كان يعمل في صيد السمك من الطائفة العلوية مُنع تماماً من ذلك، في حال كان يصيد بواسطة مركب، فقد مُنع جميع من يملكون مراكب أو يعملون عليها من النزول إلى البحر.
وفي مجال تسويق المواسم، يتحكّم تجار سوق الهال بالأسعار والأنواع، وما على الطرف الآخر سوى قبول ذلك.
الموقف الأشد تشنجاً وتعسفاً هو ما اتخذه أهل القرى والمناطق من الطائفة السنية في الداخل، الذين رفضوا استقبال مدرسين ومدرسات من الطائفة العلوية، وقد عبّروا عن ذلك بألفاظ طائفية متوترة وبتهديد صارخ. هذا الموقف، الذي يعتبر حالة طائفية حادة غير مسبوقة، أدى إلى ترك المئات عملهم.
نشاط رياضي ملتبس
خلال السنتين السابقتين استجدت ظاهرة رياضية ذات طابع ملتبس في الساحل السوري، خاصة طرطوس ومناطقها، فقد انتشرت ملاعب كرة القدم الخاصة. هذا الانتشار صار بوتيرة محمومة، جاذباً شريحة واسعة من المجتمع، وبأعمار تمتد من سن الطفولة إلى الكهولة. وصل هذا النشاط إلى حد فرض تساؤلات حول الدافع له وأهدافه، خاصة أنّ غالبية من انخرطوا في هذا النشاط هم من فئة الشباب الذين خسروا وظائفهم وأعمالهم، وأولئك الذين لم يجدوا عملاً أساساً. فهل وراء هذه النشاطات قصد معين لجعلها مبدّداً للوعي ولذلك الشعور بالغبن والتعسف الذي تعرضوا له؟ وهل القصد والهدف الأعمق أن تكون هذه النشاطات أداة ناعمة ومرغوبة للتحييد السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟ في هذه الحالة ستكون كرة القدم معادلاً مناسباً لحالة اللاوعي.
في تفاصيل هذه الحالة، نرى ذلك الجهد التنظيمي الذي تقوم به لجان مختصة لكل ملعب. هذه اللجان تقوم بتنظيم دوري لكل ملعب وعدة قرى، حتى أنه صار لدينا في الساحل السوري، طرطوس خاصة، ما يقارب عشرين دوري كرة قدم، ربما أشهرها دوري قرية «بعمرا» الذي استقطب جمهوراً فاق خمسة وعشرين ألف مشاهد، واستخدم تقنية «الفار» التي لم تستخدمها الجهات الرسمية الرياضية في سوريا حتى الآن. والمفارقة أن هذه الدوريات لا تكاد تنتهي حتى تبدأ، أي لا يحكمها موعد معين، ينتهي الدوري وبعد أيام يبدأ من جديد. وهذا يتفق مع مصلحة صاحب الملعب الذي يهمّه الربح بالدرجة الأولى، ومع رغبة الجميع، اللجان المنظمة والسلطة واللاعبين المأخوذين بهذه الحالة، ربما بما يسمى نفسياً «سيكولوجيا اللعب».
جانب إيجابي لهذا النشاط
خلال زيارتي لملعب «الحبيب» في قرية «أنتوز» الواقعة في ضهر الزوبة، منطقة بانياس، شاهدت مباريات دوري تمّ تنظيمه، ضمّ فرقاً من بانياس البلد، وفريقاً «لبدو بانياس»، وفريقاً سُمّي «الخابور»، وهو فريق شُكّل من المزارعين الذين يعملون في المزارع المنتشرة في القرى وعلى هامش المدينة، إضافة إلى فرق قرى «كوكب وأنتوز والزوبة والعصيبة والخريبة وغيرها…». كل هذه الفرق انتظمت في دوري واحد وخاضت مباريات مع بعضها. الأمر يبدو عادياً في نطاق الرياضة، لكن له دلالات مختلفة وهامة في المجال الوطني والاجتماعي، فالفرق توزعت على طائفتين هما السنّة والعلويون، والدوري قام في منطقة شديدة الحساسية ارتُكبت فيها مذابح نالت الطرفين.
المباريات قامت بروح رياضية حقيقية وجميلة، وكانت بعيدة عن الشد النفسي والكيدية والنزعة الانتقامية، وآزرها تشجيع حضاري بعيد عن إثارة أية حساسية من قبل الجمهور. كأن اللاعبين أرادوا أن يعبّروا بأجسادهم عما لم يستطيعوا التعبير عنه بكلماتهم، ربما أرادوا القول: «لقد تعبنا، دعونا ننظر إلى الحياة بمنظار آخر»، هذا المنظار الذي يقوم على الاعتراف بالآخر، وهو جوهر أية منافسة، فلا يمكنك منافسة أحد لا تعترف بوجوده وبأهميته.
المثير للانتباه أنه لم يحدث أي إشكال أثناء المباريات، بين الجمهور خاصة، رغم أنه يتوزع على طيفين، بعكس مباريات الدوري السوري الممتاز والدرجة الأولى التي شهدت حالات شغب ومشاحنات وعراك بين جماهير الأندية، رغم انتمائها إلى طيف واحد. هذا ما يدفعنا للتساؤل عن السبب: هل هو الوعي فعلاً، أم أنه الحذر؟
ربما هو الحذر وخشية أن يأخذ أي احتكاك، ولو كان رياضياً، سمة طائفية ويتحوّل إلى مشكلة كبيرة.
ما سبق يجعلنا نتساءل: هل تؤسس هذه النشاطات المستجدة لحالة وطنية، أو على الأقل لحالة اجتماعية جديدة؟ هل يمكنها ترميم ما تهدّم وخرب؟
الوقائع تدل على أنّ تأثيرها سيكون بسيطاً وآنيّاً، في الحالة الاجتماعية فقط، وعلى نطاق ضيق لا يتعدى المنطقة التي تقام فيها، وذلك لخصوصية هذه المنطقة من الناحية الديموغرافية والاجتماعية. ولا يمكن التعويل عليها في مسألة التعافي الوطني الذي يحتاج إلى نشاطات وإجراءات أخرى تمتد على مساحة الوطن السوري. فإعادة حالة المواطنة وتغليبها على الانتماءات والعصبيات الأخرى ما زالت بعيدة في سورية. هذا واضح من مجريات الأحداث في الواقع السوري، خاصة ما حدث مؤخراً عند جسر مصياف، حيث ارتُكبت مجزرة بحق فنيين وعمال عزّل يعملون في شركة الكهرباء وينتمون للطائفة العلوية، على خلفية انتمائهم فقط.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






