”لن تعود“: اختطاف نساء علويات من شوارع سورية

”لن تعود“: اختطاف نساء علويات من شوارع سورية

إعداد: ماجي مايكل- وكالة رويترز

ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا

لا تنتظروها، لن تعود“، هذا ما قاله شخص اتصل بالواتساب لعائلة عبير سليمان في الحادي والعشرين من أيار\مايو، بعد مرور بضع ساعات فحسب على اختفائها من شوارع مدينة صافيتا السورية. قال خاطف عبير سليمان، بالإضافة إلى رجل آخر عرّف عن نفسه كوسيط، في مكالمات ورسائل لاحقة إن الفتاة البالغة من العمر تسعة وعشرين عاماً سيتم قتلها أو الاتجار بها كأمَة إذا لم تدفع عائلتها فدية قدرها خمسة عشر ألف دولار. وفي التاسع والعشرين من أيار\ مايو، تلقت العائلة مكالمة هاتفية من عبير من الرقم نفسه الذي استخدمه الخاطف، ويحمل رمز الاتصال الدولي العراقي، وقالت: “أنا لست في سورية. جميع اللهجات التي أسمعها حولي غريبة.”

اطلعت وكالة رويترز على المكالمة التي سجلتها العائلة، علاوة على نحو اثنتي عشرة مكالمة ورسالة أرسلها الخاطف والوسيط، الذي كان يستخدم رقماً سورياً.

تُعد عبير واحدة من بين ما لا يقل عن ثلاث وثلاثين امرأة وفتاة من الطائفة العلوية في سوريا – تتراوح أعمارهن بين١٦ و٣٩ عاماً – اختُطفن أو فُقدْن هذا العام في ظل الفوضى التي أعقبت سقوط بشار الأسد، بحسب شهادات عائلاتهن. فقد أدى سقوط الرئيس الذي كان يُخشى منه على نطاق واسع في كانون الأول\ ديسمبر، بعد أربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية، إلى ردّ فعل غاضب ضد الطائفة المسلمة التي ينتمي إليها، حيث قامت فصائل مسلحة تابعة للحكومة الحالية بشن هجمات على مدنيين علويين في معاقلهم الساحلية في آذار\مارس، ما أسفر عن مقتل المئات.ومنذ شهر آذار\مارس، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بسيل متواصل من رسائل ومقاطع فيديو نشرتها عائلات النساء العلويات المفقودات، ناشدت فيها كلّ من يستطيع تزويدها بأي معلومات عنهن، وتبين أن حالات جديدة تحدث بشكل شبه يومي، بحسب مراجعة أجرتها رويترز، والتي لم تعثر على أية تقارير منشورة عن اختفاء نساء من طوائف أخرى.

قالت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا لرويترز إنها تحقق في حالات اختفاء واختطاف مزعومة لنساء علويات، بعد ارتفاع عدد البلاغات هذا العام. وأوضحت المتحدثة باسم اللجنة، التي أنشئت عام ٢٠١١ للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان بعد اندلاع الحرب الأهلية، إن اللجنة سترفع تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فور الانتهاء من التحقيقات.

عائلة عبير سليمان اقترضت من الأصدقاء والجيران وجمعت مبلغ الفدية البالغ خمسة عشر ألف دولار، وقامت بتحويله إلى ثلاثة حسابات في مدينة إزمير التركية يومي ٢٧ و٢٨ أيار\ مايو، من خلال ٣٠ حوالة تراوحت قيمتها بين ٣٠٠ و٧٠٠ دولار، بحسب ما أفاد قريب لها لرويترز، وأطلعها على إيصالات التحويلات. وبعد تسليم كامل المبلغ كما طُلب منهم، انقطع التواصل تماماً مع الخاطف والوسيط، وتم إغلاق هواتفهم، بحسب القريب. ولا تزال عائلة سليمان تجهل مصيرها حتى الآن. وأظهرت مقابلات مفصلة مع عائلات ست عشرة من النساء والفتيات المفقودات أن سبعاً منهن يُعتقد أنهن تعرضن للاختطاف، حيث تلقت عائلاتهن طلبات فدية تراوحت بين ألف وخمسمائة ومائة ألف دولار. وقد أرسلت ثلاث من المختطفات – بينهن عبير – رسائل نصية أو صوتية لأسرهن تفيد بأنهن نُقلن خارج البلاد. أما التسع الأخريات، فلا يُعرف أي شيء عن مصيرهن. وأفادت عائلاتهن بأن ثماني من بين الست عشرة المختفيات أعمارهن دون الثمانية عشرة عاماً. وراجعت رويترز نحو عشرين رسالة نصية ومكالمة ومقطع فيديو من الضحايا المزعومات وخاطفيهن، بالإضافة إلى بعض إيصالات تحويل الفدية، لكنها لم تتمكن من التحقق من جميع تفاصيل روايات العائلات، أو من هوية الأطراف المسؤولة عن الاستهداف أو دوافعها.

حدثت جميع حالات الاختفاء الثلاث وثلاثين في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، المدن التي تحتوي على كثافة سكانية علويّة. عاد نحو نصف المختفيات إلى منازلهن منذ ذلك الحين، إلا أن جميعهن، مع عائلاتهن، رفضن التعليق على ملابسات ما جرى لهن، والسبب هو خوف معظمهن على سلامتهن. وقالت معظم العائلات التي تحدثت معها رويترز إنها شعرت بأن الشرطة لم تأخذ بلاغاتها على محمل الجد، وإن السلطات لم تُجْرِ تحقيقات كافية. ولم ترد الحكومة السورية على طلب للتعليق بشأن هذه القضية.

أحمد محمد خير، مسؤول الإعلام في محافظة طرطوس، رفض الادعاء بأن العلويين مستهدفون، وقال إن معظم حالات النساء المفقودات تعود إلى “مشاكل عائلية، أو أسباب شخصية” لا إلى اختطاف، دون أن يقدم دليلاً على ذلك. وأضاف: “النساء إما يُجْبرن على الزواج ممن لا يرغبن به فيقررن الهرب، أو أحياناً يرغبن في لفت الأنظار فيختفين.” كما حذّر من أن “الادعاءات غير الموثقة” قد تثير الذعر والفتنة، وتهدد الاستقرار الأمني.

بدوره، ردد مسؤول الإعلام في محافظة اللاذقية تصريحات مشابهة، قائلاً إن الكثير من الحالات سببها هروب النساء مع عشاقهن، وتختلق العائلات قصص اختطاف لتجنب الوصمة الاجتماعية. أما مسؤول الإعلام في محافظة حماة، فقد امتنع عن التعليق. من جانبه، رفض أحد أعضاء لجنة تقصي الحقائق التي شكّلها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع للتحقيق في المجازر التي استهدفت علويين في المناطق الساحلية في آذار\ مارس، التعليق على حالات اختفاء النساء. وكان الشّرع قد ندد بسفك الدماء على أساس طائفي، واعتبره تهديداً لمهمته في توحيد البلاد الممزقة، متعهداً بمحاسبة جميع المسؤولين، بمن فيهم أعضاء الحكومة إن لزم الأمر.

اختُطفت في طريقها إلى المدرسة

قال الناشط الحقوقي السوري يامن حسين، الذي يتابع حالات اختفاء النساء إن الحالات وقعت في أعقاب أحداث العنف في آذار\ مارس. وبحسب علمه، لم يُستهدف سوى العلويين، بينما ما تزال هوية الجناة ودوافعهم غير معروفة. ووصف حسين شعوراً عاماً بالخوف يسود بين أبناء الطائفة العلوية، الذين يتبعون فرعاً من الإسلام الشيعي، ويشكّلون نحو عُشر سكان سوريا ذات الغالبية السنية. وأضاف أن بعض النساء والفتيات في طرطوس واللاذقية وحماة أصبحن يمتنعن عن الذهاب إلى المدارس أو الجامعات خوفاً من الاستهداف، قائلاً: “لدينا، بلا شك، مشكلة حقيقية وهي استهداف النساء العلويات بعمليات اختطاف. إن استهداف نساء الطرف المهزوم هو أسلوب إذلال استخدمه سابقاً نظام الأسد.”

على صعيد آخر، أُجبر آلاف العلويين على مغادرة منازلهم في دمشق، فيما تعرّض كثيرون منهم للطرد من وظائفهم وللمضايقات على الحواجز من قبل مقاتلين سُنّة موالين للحكومة. وأظهرت مقابلات مع عائلات النساء المفقودات أن معظمهن اختفين في وضح النهار، أثناء قيامهن بمهام يومية، أو أثناء تنقلهن عبر وسائل النقل العامة.

زينب غدير، إحدى أصغر المختفيات

 تبلغ من العمر ١٧ عاماً، اختُطفت في طريقها إلى المدرسة في قرية “الهنادي” بريف اللاذقية يوم ٢٧ شباط\فبراير، بحسب أحد أقاربها، الذي قال إن الخاطف تواصل معهم برسالة نصية هددهم فيها طالباً عدم نشر صورها على الإنترنت. قال الخاطف في رسالة من هاتف الفتاة في نفس يوم اختفائها: “ما بدي شوف ولا صورة، والله العظيم، لأبعتلكم دمها.”

وأضاف قريبها أن زينب أجرت اتصالاً هاتفياً قصيراً مع العائلة، قالت فيه إنها لا تعرف أين هي، وإنها تعاني من ألم في معدتها، قبل أن ينقطع الخط. وحتى الآن، لا تعلم الأسرة ما حلّ بها.

خزامى نايف، وهي أم لخمسة أطفال، اختطفها في الثامن عشر من آذار\ مارس في ريف حماة خمسة رجال قاموا بتخديرها لإفقادها الوعي لبضع ساعات وفقاً لقريب لها ذكر ما قالته بعد عودتها. وقالت العائلة إنها بقيت محتجزة لمدة خمسة عشر يوماً، بينما تفاوض الخاطفون معهم إلى أن دفعوا ألف وخمسمائة دولار مقابل إطلاق سراحها. وبعد عودتها، تعرضت لانهيار نفسي حاد. وبعد أيام من اختطاف نايف، اختُطفت دعاء عباس (في التاسعة والعشرين من عمرها) من أمام منزلها في مدينة سلحب بريف حماة، حيث قام مهاجمون بإدخالها إلى سيارة كانت تنتظر بالخارج، بحسب أحد أقاربها الذي شهد الواقعة. وأضاف القريب أنه لم يتمكن من تحديد عدد الخاطفين، أو إن كانوا مسلحين، وأضاف أنه حاول ملاحقة السيارة بدراجته النارية، لكنه فقد أثرها.

ثلاث علويات أبلغت عائلاتهن عن فقدانهن هذا العام على وسائل التواصل الاجتماعي – لا تشملهن قائمة رويترز التي تضم ثلاثاً وثلاثين حالة – عاودن الظهور، ونفين أنهم اختُطفن. إحداهن، فتاة تبلغ من العمر ست عشرة سنة من اللاذقية، نشرت مقطع فيديو قالت فيه إنها هربت بمحض إرادتها لتتزوج رجلاً سنياً. لكن عائلتها نفت روايتها، وقالت لرويترز إنها اختُطفت وأُجبرت على الزواج منه، وإن السلطات الأمنية أمرتها بالادعاء بأنها ذهبت طوعاً لحماية خاطفيها. لم تتمكن رويترز من التحقق من صحة أي من الروايتين. ولم يرد متحدث باسم الحكومة السورية ولا سلطات اللاذقية على الاستفسارات. أما الحالتان الأخريان اللتان عاودتا الظهور، فهما امرأة تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً وفتاة تبلغ الثانية عشرة من عمرها. قالت الأولى لقنوات تلفزيونية عربية إنها سافرت بمحض إرادتها إلى مدينة حلب، بينما قالت الثانية إنها ذهبت إلى دمشق. ومع ذلك، أوضحت المرأة البالغة أنها تعرضت للضرب في شقة على يد رجل قبل أن تتمكن من الفرار.

ذكريات مؤلمة من زمن تنظيم الدولة الإسلامية

هيمنت الطائفة العلوية في سوريا لعقود على النخبة السياسية والعسكرية في البلاد تحت حكم عائلة الأسد. لكن الرحيل المفاجئ لبشار الأسد في كانون الأول\ديسمبر مهّد الطريق أمام صعود حكومة جديدة بقيادة “هيئة تحرير الشام”، وهي تنظيم سني نشأ من رحم تنظيم كان مرتبطاً سابقاً بتنظيم القاعدة. وتسعى الحكومة الجديدة إلى دمج عشرات الفصائل المتمردة السابقة – بينها مقاتلون أجانب – ضمن أجهزتها الأمنية، لسدّ الفراغ الذي خلّفه انهيار منظومة الدفاع التابعة للنظام السابق.

ذكرت عدة عائلات اختُطفت منهن نساء المفقودات أنها، ومعها كثيرون من أبناء المجتمع، يعيشون في رعب من سيناريو كارثي يُخشى أن يواجه فيه العلويون مصيراً مشابهاً لما تعرض له أبناء الطائفة الإيزيدية قبل نحو عقد على يد تنظيم الدولة الإسلامية. فبحسب الأمم المتحدة، فإن تنظيم الدولة – وهو تنظيم جهادي سني – أجبر آلاف النساء الإيزيديات على العبودية الجنسية خلال فترة رعب أعلن خلالها قادته إقامة “خلافة” امتدت على مساحات واسعة من العراق وسوريا. وتطارد كوابيس مماثلة عائلة نغم شادي، وهي شابة علوية اختفت هذا الشهر، كما قال والدها لوكالة رويترز. نغم، البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاماً، خرجت من منزل العائلة في قرية البياضية بمحافظة حماة في الثاني من حزيران\ يونيو لشراء الحليب ولم تعد، بحسب ما روى والدها شادي، الذي وصف انتظاره الطويل المؤلم لأي خبر عن مصير ابنته. وأضاف أن عائلته كانت قد اضطرت إلى مغادرة منزلها السابق في قرية مجاورة بتاريخ السابع من آذار\مارس، خلال موجة العنف التي استهدفت العلويين.

قال بألم وحسرة: “ماذا بوسعنا أن نفعل؟ سنُسلّم أمرنا لله.”

سورية:”عدالة انتقالية” لا انتقائية ولا انتقامية

سورية:”عدالة انتقالية” لا انتقائية ولا انتقامية

واقعٌ مريرٌ يعيشه السوريون اليوم، بعد تزايد المخاوف من استمرار التوتر وتجدّد اندلاع المزيد من أعمال العنف والقتل، وتغييب العدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة من كل أطراف النزاع السوري الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بحقّ السوريين على مدار السنوات الأربع عشرة الماضية، الأمر الذي يهدّد السلم الأهلي، ويقوض أيّ فرصة لبناء سلام مستدام في البلاد، في حال لم يحقّق مبدأ العدالة للجميع، وتواصلت الانتهاكات والتجاوزات وعمليات القتل خارج نطاق القانون، وعدم مضي صنّاع القرار في سورية الجديدة نحو بناء دولة قائمة على العدالة وسيادة القانون، ووضع حدٍّ لثقافة الإفلات من العقاب المتجذرة، والتعامل بمسؤولية تاريخية مع الإرث الثقيل للنزاع الدموي، واختيار مسار العدالة الانتقالية المدروس والمتوازن والشامل، الذي يعتبر شرطاً أساسياً وجوهرياً لبناء دولة مستقرّة وديمقراطية تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس اللجنة العليا للسلم الأهلي، حسن صوفان، في العاشر من الشهر الجاري، في دمشق، كان في مجمله مخيباً لآمال الناجين وأهالي الضحايا والمفقودين، لا بل لكل السوريين الذين تضرّروا وضحوا خلال سنوات الثورة (2011 -2024). 

كما أثارت تصريحات صوفان خلال المؤتمر موجة من الاستياء المجتمعي جراء تعامل السلطات الجديدة مع شخصيات مثيرة للجدل، ومتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة، وعودتها لتتصدر المشهد السوري الحالي، أمثال فادي صقر، يطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى المصالحة دون ضمان تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة، خصوصاً في ظل وجود تقارير تشير إلى وجود نحو 125 ألف معتقل لدى وزارة الداخلية، بالإضافة إلى 450 ألف موقوف من أتباع نظام بشار الأسد البائد، جميعهم دون محاكمات أو إجراءات عدالة انتقالية واضحة.

وبحسب مراقبين حقوقيين فإنّ هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية حول التوازن بين المصالحة والعدالة، إذ لا يمكن تحقيق سلم أهلي مستدام دون معالجة مظالم الماضي بشكلٍ عادل ومنصف.

أمام مفترق الطرق المفصلي الذي تمرّ به سورية في هذه المرحلة الانتقالية، يجد السوريون أنفسهم في مواجهة أسئلة صعبة؛ عن معنى ودروب وشروط العدالة الانتقالية تحقيقاً لمسار السلم الأهلي المستدام ببلد في طور نهضة جديدة، بعد نحو ستة عقود من الحكم الاستبدادي البعثي في ظل عائلة الأسد، وهي الأسئلة التي نحاول تفكيكها في هذا المقال، بعد ستة أشهر على هروب بشار الأسد إلى موسكو، في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، لا سيّما بعد إصدار رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 17 مايو/ أيار الماضي، المرسوم رقم (20) لعام 2025، الذي ينصّ على تشكيل هيئة مستقلّة تحت مسمّى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، تزامناً مع صدور مرسوم رئاسي آخر يقضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين”، تكلّف “بالبحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم”.

لقد كان أحد أبرز أهداف مطالبة السوريين بتشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، هو ضمان تحقيق السلم الأهلي على المستوى البعيد بين أبناء الشعب الواحد، عبر تحقيق المحاسبة والعدالة للناجين ولأهالي الضحايا والمفقودين بما يوقف عمليات الانتقام التي بدأت تتصاعد كثيراً خاصّة في محافظة حمص ومناطق الساحل السوري.

إنّ الوصول إلى إنصاف الناجين وأهالي الضحايا والمفقودين، وبالتالي تحقيق العدالة المنشودة في سورية الجديدة الماضية إلى الأمام نحو مستقبل ديمقراطي آمن، لا يمكن أن يكون، بحسب الأكاديمي السوري الدكتور رضوان زيادة (المدير التنفيذي لـ”المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية” في واشنطن، والباحث الزائر في “مركز كار لحقوق الإنسان” في جامعة هارفارد)، إلّا عبر إطلاق مسار رسمي يشمل الكشف عن مصير المختفين قسراً عبر البحث عن مصيرهم، وضمان تحقيق العدالة لهم عبر التعاون مع وزارة العدل لتأسيس ما تسمّى “المحكمة السورية الخاصّة بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية”، وتأسيس معادل وطني للمؤسّسات الدولية التي تشكّلت بعد بداية الثورة، مثل “لجنة التحقيق الدولية المستقلّة”، و”الآلية الدولية المحايدة الخاصّة بالمساءلة الجنائية”، و”المؤسّسة المستقلّة المعنية بالمفقودين”، وكلتا الآليتين شكّلتهما الجمعية العامّة للأمم المتّحدة. ولذلك يجب أن تتشكّل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” نظيراً وطنياً يستطيع التعامل مع هذه الآليات، وتحقيق العدالة بالنسبة إلى كثير من أسر الضحايا في ما يتعلّق بتقدير التعويضات الضرورية الخاصّة لهم، وضمان مسؤولية نظام بشار الأسد عن ارتكاب هذه الجرائم، وتحقيق المصالحة الوطنية هدفاً بعيداً عبر تجنّب مبدأ الإدانة العامّة لطائفة بعينها، وإنّما تقديم المسؤولين الفرادى المسؤولين عن ارتكاب الجرائم للعدالة، وهو ما يفتح الباب لتحقيق المصالحة الوطنية وضمان السلم الأهلي” (1).

الناشط الحقوقي في مجال حقوق الإنسان والمُساءلة والعدالة الانتقالية، مصطفى حايد، الذي عمل سابقاً كاستشاري دولي مع منظّمة “هيومن رايتس ووتش” ومكتب المستشار الخاصّ المعني بمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية، يعرّف مصطلح “العدالة الانتقالية”، بالقول إنّه “مصطلحٌ هجين، حديثُ العهد، يشيرُ إلى عملية متكاملة وشاملة تهدف إلى تحقيق العدالة خلال فترات التحوّل الكبيرة في البلدان. كما هو الحال في سوريا، التحوّل من (سوريا الأسد) إلى (سوريا للجميع)” (2)

تُعدّ المصالحة الوطنية الحقيقية هدفاً رئيساً وأساسياً للعدالة الانتقالية، لكنّها لا تتحقّق تلقائياً بمجرّد انتهاء النزاع. إنّها عملية معقّدة ومتعدّدة الأبعاد تتطلّب بناء الثقة، والاعتراف العلني بمعاناة الضحايا، وتقديم المسؤولين للمحاسبة العادلة، وإصلاح المؤسّسات التي سمحت بالانتهاكات، خاصّة بعد أن بدأنا نشهد بالفعل حالات متزايدة من الانتقام الشخصي ضدّ أشخاص محسوبين على نظام بشار الأسد البائد، وإن استمرار هذه الظاهرة وتوسّعها يضع العملية الانتقالية برمّتها على محك خطير. 

من هنا تبرز الأهمّية القصوى للتحرّك السريع والمنهجي والشامل لإيجاد إطار مؤسّسي للعدالة الانتقالية، يستجيب لتطلّعات الناجين وأهالي الضحايا المشروعة في تحقيق العدالة وإنصافهم وحفظ حقوقهم، لحماية المجتمع من قيام البعض بأعمال انتقامية خارج إطار القانون، والانزلاق نحو حلقة جديدة من العنف المدمّر.

وعلى الرغم من أنّ الإعلان الدستوري المؤقّت، الذي وقّعه الرئيس الشرع، في 13 مارس/ آذار 2025، والذي يحدّد مدّة المرحلة الانتقالية في البلاد بخمس سنوات، يلزم الحكومة السورية بتهيئة الأرضية لتحقيق العدالة الانتقالية، باعتماد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا، لتحديد سبل المساءلة، والحقّ في معرفة الحقيقة، وإنصاف للضحايا والناجين، من خلال المادتين 48 و49، إلّا أنّه (أيّ الإعلان الدستوري) – وفقاً لخبراء حقوقيين سوريين مختصّين -، يفتقر إلى وضوح التفصيل التنفيذي والضمانات المؤسّسية، إذ لم يحدّد اختصاصات الهيئة وصلاحياتها، ولا خطوات إلغاء القوانين الاستثنائية وإبطال الأحكام الجائرة. كما لم يُشر إلى حقوق الضحايا في جبر الضرر، وغاب عنه النصّ الصريح المتعلّق بإصلاح المؤسّسات الأمنية والقضائية، التي تشكّل أحد الأركان الأساسية للعدالة الانتقالية.

بحسب هؤلاء الحقوقيين، فإنّ المادتين 48 و49 وإن كانتا تشكلان “إعلان نوايا قوي”، لكنّهما تحتاجان إلى تشريعات تنفيذية تكملهما، وتفصّل الإجراءات، وتبني المؤسّسات، وتحمي الحقوق، وفي المقدّمة منها جبر الضرر، الذي يلزم بالضرورة إنشاء “صندوق وطني لتعويض الضحايا” كل الضحايا من كل أطراف النزاع السوري، في الفترة ما بين اندلاع الثورة في 11/03/2011 وسقوط نظام الأسد في 08/12/2024، تُخصّص له نسبة من الموارد العامّة والمساعدات الدولية وأصول النظام السابق المجمّدة.

يؤكّد الخبراء الحقوقيون والقانونيون السوريون، أنّه لا تمكن معالجة ملف المفقودين والمختفين قسراً بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية، وسياسية، واجتماعية تتجاوز الأثر الفردي للمفقود لتشمل البنية المجتمعية بكاملها. 

انطلاقاً من هذا المنظور، فإنّ ذلك يتطلّب معالجة كافة الملفات، وفي المقدّمة منها ملف المفقودين، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً ضمن سجل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها النزاع المسلح منذ عام 2011، شريطة أن تكون تلك المعالجة في سياق مقاربة شاملة ترتبط بالكشف عن الحقيقة، والمساءلة ومحاسبة الجناة ومرتكبي الانتهاكات، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي، والتوصل إلى نتائج ملموسة لصون السلم الأهلي وإعادة الأمل بتحقيق العدالة للناجين وللضحايا.

ومنذ صدور المرسومين الرئاسيين تنوّعت الآراء حولهما بين متفائل وبين منتظر لنتائج تشكيل اللجان المنبثقة عن الهيئتين، وآخر يطالب بضرورة إشراك أهالي المفقودين والمتضرّرين والمجتمع المدني والمنظّمات الحقوقية التي عملت منذ سنوات على مسار العدالة الانتقالية. ورابع ينتقد فصل مسمّى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” عن “الهيئة الوطنية للمفقودين”. 

تنوّع تلك الآراء رافقه شعور بالإحباط ساد بين السوريين، لاقتصار المرسوم الرئاسي القاضي بتشكيل هيئة العدالة الانتقالية على جرائم نظام الأسد المخلوع واستبعاد كافة أطراف النزاع السوري، وهو ما يُعدّ اجتزاءً لحقوق ضحايا الأطراف الأخرى التي شاركت في النزاع سواء كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، وغيرها من القوى المسلحة على الأرض السورية.

إحصائيات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” كشفت حجماً هائلاً من المآسي ومعاناة السوريين في السنوات الأربع عشرة الماضية (2011 – 2024)، فوفقاً لبيانات الشبكة فإنّ 231 ألف مدني قضوا خلال النزاع، غالبيتهم (202 ألف) على يد قوات النظام، و15,393 شخصاً توفوا تحت التعذيب. إضافة إلى ما لا يقل عن 177 ألف شخص لا يزالون في عداد المختفين قسراً على يد مختلف أطراف النزاع. 

كما تشير قاعدة البيانات، إلى أنّ هناك أكثر من 16,200 من مرتكبي الانتهاكات الذين جرى تحديد هويتهم، منهم 6,724 من (القوات الرسمية) و9,476 من (القوات المُعاونة/الرديفة). هذا بالإضافة إلى استخدام أسلحة محرّمة دولياً بشكلٍ ممنهج، حيث ألقى الطيران الحربي (التابع للجيش السوري والحليف الروسي) ما لا يقل عن 81,916 برميلاً متفجراً، ونفّذ 217 هجوماً كيميائياً، و252 هجوماً بذخائر عنقودية. وقد أدّت هذه الانتهاكات الممنهجة إلى تشريد قرابة 14 مليون سوري – أيّ ما يعادل نصف السكان – بين نازح داخلي ولاجئ في دول الجوار والعالم، بعد التدمير الممنهج للبنية التحتية، وهو ما أدّى إلى تمزيق النسيج الديموغرافي للمدن والقرى السورية، وخلق واقع جديد من الاستقطاب الحادّ والفرز السكّاني على أسس سياسية وطائفية وإثنية متعدّدة.

انطلاقاً من الواقع المأساوي المشار إليه آنفاً، فإنّه لا يمكن معالجة ملف المفقودين والمختفين قسراً والمتضرّرين وعائلاتهم بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية، وسياسية، واجتماعية تتجاوز الأثر الفردي للمفقود لتشمل البنية المجتمعية بكاملها. لذا، تتطلّب معالجته مقاربة شاملة ترتبط بالكشف عن الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي. ذلك أنّ غياب آليات العدالة المؤسّسية والمنظّمة يؤدّي حتماً إلى تنامي ظاهرة “العدالة الشعبية” أو “محاكم الشارع” الفردية والجماعية، التي غالباً ما تكون عشوائية وانتقامية وتفتقر للضمانات القانونية الأساسية، وهو ما يُسهم في إنتاج موجات جديدة من العنف الانتقامي، الأمر الذي يهدّد الاستقرار المجتمعي ويزيد من تجذر الضغائن، ويُصعِّب مسار المصالحة مستقبلاً، ويُعقد إمكانيات الوصول إلى السلم الأهلي، والبدء بعملية حوار وطني شامل حول الماضي وكيفية التعامل معه بشكلٍ بنّاء.

وكانت هيئات ومنظّمات حقوقية سورية قد وثّقت منذ الأيام الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، محاولات من بعض الأطراف لتدمير وثائق وأدلة خاصّة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت بشكلٍ ممنهج ضدّ المدنيين السوريين منذ عام 2011، في مقرّات الفروع الأمنية ومؤسّسات الدولة. وكذلك فرار العديد من المتورّطين الرئيسيين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك مجرمي حرب بارزين، إلى خارج البلاد وإفلاتهم من المساءلة القانونية. وكلما تأخر إنشاء آلية واضحة وفعالة للمساءلة الجنائية ازدادت فرص هروب المزيد من المتورّطين، ما يهدّد بشكلٍ مباشر بضياع فرصة العدالة الحقيقية للضحايا.

لم يكن انهيار نظام الأسد وهروبه إلى موسكو، بعد ما يزيد عن أربع عشرة سنةً من اندلاع الثورة في سورية، وما رافقها من نزاع دموي خلّف مآسٍ ومعاناة كبيرة لملايين السوريين وجراحاً عميقة في نسيج المجتمع، لم يكن مجرّد تحوّل سياسي، بل إنّه نقطة تحوّل فارقة في التاريخ السوري المعاصر تستدعي وضع البلاد على طريق التعافي والاستقرار، وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة الجديدة والمجتمع بكل أطيافه وشرائحه وطوائفه على أسس واضحة وجلية من العدالة والمساءلة والكرامة.

ومنذ الأيام الأولى التي تلت انهيار النظام برزت قضية العدالة الانتقالية بوصفها من أعقد الاستحقاقات التي لا يمكن القفز فوقها أو تأجيلها. وقد عكست المطالب الشعبية المتزايدة، خصوصاً من أهالي الضحايا والمخفيين قسراً وضحايا المجازر الجديدة، حالة من الترقب والقلق إزاء شكل العدالة الممكنة في المرحلة القادمة، وجدّية السلطة الجديدة في مقاربة هذا الملف الحساس من منظور الحاجة إلى عدالة لا تقتصر على العقاب والمحاسبة، بل تمتدّ لتشمل الإصلاح المؤسّسي، والمصالحة المجتمعية، وجبر الضرر، بما يحقّق توازناً حقيقياً بين استحقاقات السلم الأهلي ومتطلّبات المساءلة، لا سيما بعد سلسلة من الحوادث الدموية في عدد من المناطق السورية، والتي وصفتها جهات حكومية بـ “تصرفات فردية”، ولكنّ هذه الحوادث كانت دافعاً رئيساً باتّجاه المسارعة بتحقيق العدالة الانتقالية، ومن أولى الخطوات في تحقيق العدالة الانتقالية المرجوة كان السعي لإنشاء هيئة وطنية مستقلّة للعدالة الانتقالية، توازن ما بين موجبات العدالة وٌنصاف الناجين وردِّ المظالم إلى ذوي الضحايا وجبر الضرر عنهم بما يضمن المصالحة المجتمعية وحفظ السلم الأهلي، دون التفريط بحقوق أحد من كل الأطراف وليس من طرف واحد، كون الهدف الرئيسي هو تحقيق وتكريس عدالة انتقالية حقيقية وليس عدالة انتقائية أو انتقامية، إلى جانب تعزيز قيمة وثقافة المساءلة بدلاً عن ثقافة الإفلات من العقاب في المجتمع السوري الجديد، في ظل الانقسامات التي تعانيها سورية اليوم، خصوصاً في المناطق ذات الانقسامات الطائفية والعرقية مثل حمص وحلب والساحل والشمال الشرقي السوري.

رئيس “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، الدكتور فضل عبد الغني، يرى أنّ “مجرّد النصّ الدستوري، رغم أهمّيته البالغة، لا يكفي وحده لضمان فعالية هيئة العدالة الانتقالية. فالترسيخ الدستوري يحتاج إلى آلية تنفيذية تضمن أن تكون الهيئة مستقلّة وتمثيلية وفعالة. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل يتم إنشاء الهيئة بمرسوم تنفيذي، أم من خلال قانون يصدر عن المجلس التشريعي؟” يؤكّد عبد الغني، أنّ “سنّ قانون أساسي للعدالة الانتقالية عبر المجلس التشريعي، وليس بمرسوم تنفيذي، يمثّل ضرورة حيوية لضمان شرعية وفعالية هيئة العدالة الانتقالية في سورية. وتستند هذه الأفضلية إلى مفهوم “كرامة التشريع”، أيّ أنّ القوانين الصادرة عن هيئة تشريعية منتخبة ومتعدّدة الأطراف تكتسب سلطة أخلاقية متميّزة تتجاوز مجرّد الإلزام القانوني الرسمي”. ذلك أنّ العدالة الانتقالية الفعالة في سورية “تتطلّب الالتزام بثلاثة مبادئ مركزية: الاستقلالية، والشفافية، والملكية الوطنية. ويعزّز المسار التشريعي هذه المبادئ جوهرياً” (3).
رؤية “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” حول تأسيس هيئة العدالة الانتقالية في سورية، تقترح إطاراً تنظيمياً للهيئة عبر بنية مؤسّسية متعدّدة المستويات، مصمّمة لتحقيق التوازن بين مركزية التنسيق ومرونة التكيف مع الخصوصيات المحلّية. هذه البنية الهرمية المتكاملة تعكس المرونة الهيكلية التي تمزج بين الإجراءات الموحدة والاستجابة التكيفية للسياقات المتغيّرة. ويتولّى قيادة هذه الهيئة مجلس إدارة يتكوّن من خبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا. على أن تقوم معايير اختيار أعضاء الهيئة على مقاربة تدمج الكفاءة، والتمثيل العادل، والاستقلال السياسي، بما يعالج تحدّي الموازنة الدقيقة بين متطلّبات التمثيل والحياد والفعالية.
وقد حدّدت رؤية الشبكة عن مسار العدالة الانتقالية في البلاد ست فئات مركزية لهذه العملية: “منظّمات المجتمع المدني، الضحايا، الجهات السياسية، المجتمعات المحلّية، النساء والشباب، والداعمين الدوليين”. ويتّسق هذا التصميم مع رسم خريطة الجهات المعنية، أيّ التحديد المنهجي للفئات التي تُعدّ مشاركتها ضرورية لضمان المشروعية الاجتماعية والسياسية للعملية. وتؤكّد الرؤية أنّ “لجميع الضحايا الحقّ في رفع دعاوى قضائية ضدّ المسؤولين المباشرين عن معاناتهم، بغض النظر عن رتبهم أو مناصبهم”.
إنّ تأجيل تطبيق آليات العدالة الانتقالية يعرّض المجتمع السوري لمخاطر متعدّدة ومتشعبة، أبرزها ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب التي سادت لعقود طويلة من حكم عائلة الأسد، مما يقوّض بشكلٍ خطير الثقة في شرعية المؤسّسات الجديدة ويبعث برسالة مدمّرة مفادها أنّ ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لا يستتبع مساءلة حقيقية. بينما ما يحتاجه المجتمع السوري اليوم هو وضع أسس متينة للعدالة الانتقالية، والتركيز على جبر الضرر وإصلاح المؤسّسات التي تورّطت في الانتهاكات، خاصّة المؤسّسات القضائية والأمنية والعسكرية، وإرساء قواعد عادلة وشاملة للمصالحة المستدامة في خضم هذه الفترة الحرجة والفاصلة.

***

هوامش:

  • رضوان زيادة، مقال بعنوان: “أهمّية إطلاق هيئة العدالة الانتقالية في سورية اليوم”، موقع “تلفزيون سورية”، تاريخ النشر: 09/05/2025.
  • مصطفى حايد، مقال بعنوان: ” لماذا يختلف التعاطي مع العدالة خلال فترات التحولات الكبرى؟”، موقع “الجمهورية”، تاريخ النشر: 27/05/2025.
  • فضل عبد الغني، مقال بعنوان: “مسار العدالة الانتقالية في سورية… الرؤية والتطبيق”، صحيفة “العربي الجديد”، ملحق “سورية الجديدة”، تاريخ النشر: 20/03/2025.
هل سيحصل ضحايا مجازر الساحل السوري على العدالة؟

هل سيحصل ضحايا مجازر الساحل السوري على العدالة؟

إعداد: هيدي بيت- صحافية أمريكية مستقلة
Heidi Pett
ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا
مقدمة
في يوم الأحد الماضي، دخل رجل إلى كنيسة مار الياس في دمشق أثناء القداس، وفتح النار، ثم فجّر نفسه بحزام ناسف، ما أدى إلى مقتل ٢٢ شخصًا وإصابة أكثر من٥٠ آخرين.
كان الرئيس أحمد الشرع قد وعد بحماية الأقليات في سوريا عند توليه السلطة. ومنذ ذلك الحين، تم إحباط عدد من مخططات تنظيم الدولة الإسلامية لاستهداف الأقليات، بما في ذلك محاولة اغتيال يُقال إنها استهدفت الشرع نفسه. لكن التنظيم ليس الجهة الوحيدة التي تستهدف الأقليات الدينية والإثنية في سوريا: إذ يشير شهود عيان إلى المجازر الجماعية التي ارتُكبت بحق مدنيين علويين على يد ميليشيات تابعة لحكومة الشرع نفسها.
قبل ثلاثة أشهر، وتحديدًا بين السادس والعاشر من آذار| مارس، وقعت مجزرة في الساحل السوري وُصفت بأنها تضاهي في حجمها هجوم الغوطة الكيميائي عام ٢٠١٣ في عهد الأسد. وتُقدَّر أعداد القتلى في مجزرة آذار بما يزيد عن ١٥٠٠ شخص.
بدأت الأحداث بانتفاضة قام بها عناصر تابعين لنظام الأسد السابق، تلتْها حملة قمع أعنف وأكثر تنظيمًا نفّذتها ميليشيات مرتبطة بالحكومة السورية الحالية. تتناقض هذه المجزرة مع الصورة التي يحاول الشرع تصديرها إلى العالم بهدف دفع الولايات المتحدة والدول الغربية إلى تخفيف العقوبات الخانقة المفروضة على سوريا. وعد الشرع بفتح تحقيق مستقل في أعمال العنف، إلا أن نتائج هذا التحقيق تأخرت ولم تُنشر بعد، وربما قد لا تُنشر أبدًا. وبعد وقت قصير من ارتكاب المجزرة، زارت الصحفية هايدي بيت بلدة الرصافة، حيث جرى اقتياد رجال عزّل من منازلهم وإعدامهم بشكل منهجي. كما قُتل أربعة أطفال وامرأتان. وفي مقابلة حديثة، لم يقدم مسؤول في الحكومة السورية انطباعًا بأن الجناة سيُحاسبون. قال لبيت: ”إن المشهد معقد جدًا؛ هناك أطراف كثيرة متورطة.” وأشار إلى احتمال وجود دور روسي في الانتفاضة الأولى، لكنه لم يُفْصح عن التفاصيل: “هناك أدلة، لكنني لن أناقشها.”
وعندما سُئل عن قتل المدنيين على يد مقاتلين موالين للحكومة السورية، تهرّب من الإجابة وأشار إلى تورط فلول موالية للأسد. وقال: “سمعنا من الناجين أن بعضهم تعرّض للتهديد قبل السادس من آذار\مارس للضغط عليهم للمشاركة في أحداث التمرّد التي بدأت في ذلك اليوم.”
كشفت المقابلات التي أجرتْها بيت مع سكان الرصافة، عن فظائع تفوق الوصف. وبينما ينشغل العالم بالحرب الإسرائيلية على إيران، لا يزال أولئك الذين قُتل أقاربهم في الأيام الأولى من حكم الشرع الجديد يبحثون عن عدالة قد لا تُمنح لهم.

نص التحقيق

“يلعن روحك”، يرتفع صوتُ شخصٍ من خلف الكاميرا. يُطلق رجلٌ يقف إلى جانبه النار على جسد رجل أعزل ممدد على الأرض، يرتدي بنطالًا رياضيًا مخططًا. يطلق الرصاص مرة بعد أخرى: اثنتين، ثلاثًا، حتى إحدى عشرة مرة. يقول الصوت: “خنزير”، بينما يركله شخص ثالث ليسقطه عن حافة مرتفعة. يتهاوى الجسد ميتاً إلى أسفل، تاركًا خلفه بقعة حمراء على الأسمنت.
الرجل الذي قُتل، حيدر بسام أسعد، عمره ٣٠ عامًا. كان يعمل حطابًا في قرية الرصافة في سوريا، ويدرّ دخلاً يتراوح بين ١٥ و٣٠ ألف ليرة سورية (ما يعادل حوالي جنيهين إسترلينيين) يوميًا لعائلته المكونة من زوجته وطفلين. إنه واحد من أكثر من ألف مدني قُتلوا خلال عطلة نهاية أسبوع شهدت عنفًا طائفيًا شديدًا في آذار الماضي. وكحال معظمهم، كان علويًا، ينتمي إلى الطائفة نفسها التي ينتمي إليها الديكتاتور السوري المخلوع بشار الأسد. في عهد النظام السابق. كانت عائلة الأسد تعيّن علويين لشغل مناصب عليا في أجهزة الأمن المسؤولة عن القمع الوحشي للشعب، ما عمّق الانقسامات الطائفية. وعندما فرّ الأسد، غادر العديد من هؤلاء الضباط الكبار البلاد أيضًا. أما من لم يتمكّنوا من المغادرة، فقد لجأوا إلى قرى في جبال الساحل السوري واختفوا عن الأنظار. وفي السادس من آذار\ مارس، شنّت مجموعات مسلحة موالية للنظام القديم سلسلة هجمات منسقة على قوات الأمن الجديدة في البلاد. وأدى التمرد الفاشل إلى موجة عنفٍ انتقامي ضد المدنيين. في الأحياء والقرى العلوية، في مدن الساحل وجباله، تجول مقاتلون وعناصر مسلحة لأيام، ونهبوا وأحرقوا وأعدموا مدنيين دون محاكمة.
تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان، وتصريحات مبكرة للرئيس السوري أحمد الشرع، إلى تورط مجموعات مسلحة متحالفة مع الحكومة، دُمجت لاحقًا ضمن القوات العسكرية والأمنية الجديدة. ووجدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن “الفصائل المحلية والتنظيمات الإسلامية الأجنبية، التي تخضع رسميًا لوزارة الدفاع، لعبت الدور الأبرز في ارتكاب هذه الانتهاكات.” ووفقًا لصحيفة ”نيويورك تايمز“، اعترف مسؤول حكومي بأن “بعض جنود الحكومة المنتشرين لاستعادة النظام شاركوا أيضًا في عمليات القتل.”
في أعقاب الهجمات مباشرة، قال الشرع في حديث لوكالة رويترز إنه سيحاسب المسؤولين، وأضاف أن الحكومة “لن تقبل أن يُسفك الدم ظلماً. ولن يمرّ أحد دون عقاب أو محاسبة، حتى بين أقرب الناس إلينا”، في إشارة واضحة إلى أن مجموعات مسلحة كانت أساسية في توليه السلطة تورطت في العنف.
وفي ٣ نيسان\ أبريل، صدر تقرير أولي عن منظمة العفو الدولية نُسب فيه القتل إلى “ميليشيات متحالفة مع الحكومة“، ودعا إلى التحقيق في تلك الجرائم باعتبارها جرائم حرب بحق الأقلية العلوية. ثم غيّرت القيادة السورية الجديدة موقفها، حيث قال عضو في وزارة الداخلية إن تقرير منظمة العفو الدولي متحيز، وأنه يجب انتظار نتائج لجنة التحقيق الحكومية، التي كان من المقرر أن تُصدر تقريرها في ٩ نيسان\ أبريل، لكن التقرير تأجّل إلى يوليو بعد أن طلبت اللجنة مزيدًا من الوقت. في البداية، واجهت فرق اللجنة صعوبة في كسب ثقة المجتمع العلوي. وبعد شهر من المجازر، جمعت اللجنة أقل من مئة إفادة. وبعد انضمام سبع نساء علويات لإجراء المقابلات وتدوين الملاحظات، جُمع الآن أكثر من ١١٠٠ شهادة من ضحايا وشهود، وتمت زيارة ٤٢ موقعًا.
قال عضو في اللجنة – طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالحديث علنًا قبل انتهاء التقرير – لموقع “دروب سايت” إنهم لم يقرروا بعد ما إذا كان التقرير سيُنشر للعامة. وإذا تم ذلك، فمن غير المرجّح أن تُذكر أسماء مجموعات مسلحة، أو أشخاص محددين، على الرغم من الالتزامات السابقة بذلك. وأضاف: “منذ البداية، كان وجود قائمة بالمشتبه بهم أحد الأهداف الرئيسة للجنة. لدينا قائمة بأشخاص يشتبه في تورطهم في الانتهاكات، لكن القائمة لا تزال قيد الدراسة والنقاش. هناك حاجة إلى تحقيق إضافي لتحديد ما إذا كانت تلك فصائل أم أفرادًا.”
رفض الإدلاء بتفاصيل عن تلك الفصائل أو الأفراد، وقال مصدران على دراية بأعضاء اللجنة إن هناك ضغوطًا لعدم ذكر أسماء الجناة لتجنب تأجيج التوترات. وأكد عضو اللجنة على استقلالية الهيئة، وأنهم التقوا وتحدثوا بحرية مع مستويات متعددة من الحكومة، وأن عملهم لم يتعرض لأي تدخل. ورغم وجود نقاش بين أعضائها حول إنشاء محكمة خاصة، أشار إلى أن دور القضاء السوري هو تسمية المسؤولين وملاحقتهم قضائيًا. وتجدر الإشارة إلى أن الدستور السوري المؤقت يمنح الرئيس أحمد الشرع السلطة الحصرية لتعيين جميع أعضاء المحكمة العليا.
في الأشهر الستة التي تلت تولي الشرع السلطة في كانون الأول\ ديسمبر، سعى إلى طمأنة السوريين والمجتمع الدولي بأن جماعته، هيئة تحرير الشام، وتحالف الفصائل المسلحة الأخرى التي خاضت القتال وصولًا إلى دمشق، قد تخلت عن جذورها المتطرفة. كانت هيئة تحرير الشام وغيرها من التنظيمات مدرجة على قوائم الإرهاب، وخاضعة لعقوبات دولية، لكنها أعلنت رسميًا حلّها وأُدرجت تحت سلطة الجيش الوطني الجديد. وللحصول على الدعم الدولي ورفع العقوبات، عمل الشرع على إقناع العالم بأن حكومته ملتزمة ببناء سوريا للجميع. لكن المجازر وجهت ضربة قوية لهذه الصورة.

كمين أدى إلى مجزرة بحق المدنيين
كان فيديو مقتل حيدر بسام أسعد واحدًا من العديد من مقاطع الفيديو التي صورها مقاتلون ونُشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي حينها. زار فريق “دروب سايت” الرصافة في منتصف آذار\مارس، بعد أسبوعين من مقتل حيدر. وكما ظهر في الفيديو، لا تزال بقعة الدم على الطريق واضحة. في الواقع، كانت هناك عدة بقع دماء كبيرة على الأسمنت الباهت. وبينما شرح شاب من القرية أن ثلاثة آخرين قُتلوا هنا، خرجت امرأة من مبنى قريب. كان زوجها من بين من أُطلقت عليهم النار على هذا الطريق. قالت: “أخذوه من المنزل وكنت أصيح وأخبرهم أنه مريض، لكنهم أطلقوا عليه النار في الشارع.” وبدأت تبكي. “لدي أربع بنات، كيف سأربيهن؟”
تركت بقع الدماء في الرصافة أثرها على الطرقات، ولطّخت أرضية روضة الأطفال، وتسرّبت إلى أثاث غرفة جلوس إحدى العائلات التي قُتل فيها أربعة أطفال دون سن العاشرة برصاص مسلحين. لا يخلو أي بيت في هذه القرية، التي تضم حوالي ثلاثة آلاف نسمة، وتقع في وادٍ صغير على سفوح جبال الساحل السوري من أثر مأساوي.
بلغت الحصيلة المروعة في الرصافة ٦٣ قتيلًا، من بينهم أطفال أربعة وامرأتان. كما أصيب ١٨ ناجيًا بجروح نارية. تعرض٧٥ منزلًا من أصل ٣٠٠ في القرية للنهب أو الحرق. فقد ٢٠٠ رأس من الماشية. وسُرقت ٣٥ سيارة و٧٠ دراجة نارية. كما دُمرت خزانات المياه وألواح الطاقة الشمسية. ارتُكبت المجزرة في يوم كان من المقرر أن يتم فيه توصيل غاز الطهي إلى القرية، حيث سُرقت الإمدادات كلها مع أسطوانات الغاز وأموال السكان.
بدأ العنف الذي أدى إلى هذا الدمار والبؤس بكمين، ضمن سلسلة هجمات شهدتها المنطقة مساء الخميس ٦ آذار\مارس. نصبت خلية من المسلحين الموالين للأسد كمينًا على بُعد حوالي ٥ كيلومترات (٣ أميال) من الجبل على الطريق بين الرصافة وقرية السنديانة المجاورة. لا تزال بقايا حاجز تفتيش قديم للنظام موجودة عند نقطة ضيقة من الطريق. وفي الساعة العاشرة مساءً، اقتربت دورية روتينية لقوات الأمن الحكومية الجديدة. قال عزام أبو عدي، نائب مدير المنطقة: “عندما وصلنا إلى نقطة تفتيش كانت تابعة للنظام القديم، توقفت سيارة بيك أب وأطلقت النار علينا مرتين. كان الهدف جذبنا إلى كمين أكبر في وادٍ ضيق وعميق، تحيط به ثلاثة تلال. حاصرونا وبدأوا بإطلاق النار علينا بقذائف آر بي جي ورشاشات وبنادق روسية.” وأضاف أن القتال استمر حتى وصول التعزيزات حوالي الرابعة صباحًا. وقعت عشرات الحوادث المماثلة حيث هاجم مسلحون موالون للأسد نقاط تفتيش ودوريات ومراكز شرطة في الساحل ومدن اللاذقية وطرطوس وبانياس. وقالت الحكومة إن أكثر من مئتي عنصر من قوات الأمن الجديدة قُتلوا. تدفقت آلاف التعزيزات من أنحاء البلاد إلى المنطقة. استجاب الأمن العام، وهو الفرع الرئيس للشرطة السورية الجديدة، والفصائل المسلحة التي تم دمجها حديثًا في الجيش، وكذلك أفراد متفرقون، ولبى الجميع دعوات التعبئة العامة التي انتشرت عبر قنوات الحكومة الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المساجد. كان أحد الطرق الرئيسة يمر عبر بلدة مصياف قبل أن يمتد إلى الرصافة. شاهد عدد من سكان مصياف أن الفصائل المسلحة اجتمعت ونسقت مع قوات الأمن الرسمية في مركز شرطة البلدة قبل انطلاق قوافلها نحو الجبال. وقال شاهد عيان: ”كان الذين جاءوا لدعمهم يرتدون ملابس مدنية، لكن مع ستر واقية محشوة بالذخيرة. كان عدد منهم يرتدي زي الأمن العام، ويقفون مع بعضهم، ويتبادلون التحيات. رأيت العديد من السيارات؛ ميليشيات تحمل أنواع الأسلحة كلها متجهة على ذلك الطريق إلى الجبل.”
تبعد الرصافة عشر دقائق فقط بالسيارة عن مصياف. وفي الساعة السابعة والنصف يوم الجمعة، في بيت على الطريق الرئيس، سمعتْ امرأة طلقات نارية، فاختبأت مع أطفالها في الغرفة الخلفية. خلع رجال مسلحون قفل الباب الأمامي. قالت: “اتجه زوجي إلى الباب فوجد الأمن العام وبعض الفصائل في الخارج.”
خمنتْ أن بعضهم كان من المقاتلين الأجانب بناءً على مظهرهم، وارتدائهم جلابية طويلة مرتبطة عادةً بمصر أو السودان، والتي تبناها الجهاديون الدوليون. أضافت: “لا أعرف بالضبط من كانت تلك الفصائل، لكن بعضهم كانت له لحية طويلة ويرتدي جلابية”، وهو لباس نادر الظهور في سوريا قبل أن ينضم مقاتلون إسلاميون أجانب إلى الحرب الأهلية.

“أجبرونا على النزول إلى الطريق والاستلقاء على الأرض، أهانونا وأطلقوا النار بين أرجلنا.” في النهاية، تم اقتيادها مع بناتها الأربع إلى داخل البيت مع والديها وأختها وأبناء أختها الذين كانوا يعيشون في المنزل المجاور. أبقوا زوجها وابنها المراهق في الخارج. وعلى مدار يومي الجمعة والسبت، زارت عدة فصائل مسلحة المنزل، وهددت العائلة ووصفت أفرادها بـ“االعلويين الخنازير”. قالت: “بقوا في القرية يومين ونهبوا كل شيء: الذهب والهواتف المحمولة.” وهددوها هي وأختها بالاغتصاب، وطالبوا بأموالهما وزوجيهما. كما أخذت مجموعة أتت لاحقاً والدها البالغ من العمر ٦٠ عامًا، وأطلقت عليه ثلاث رصاصات في رجليه، وتركته ينزف ويصرخ في الشارع لمدة سبع ساعات. لم تستطع العائلة الخروج لمساعدته، لكن مجموعات جديدة من المسلحين تجمعت بسبب الصوت. “كانت الفصائل تأتي إلى المنزل وتسأل: من فعل هذا؟ وكانوا ينكرون”.
ذكرت هي وسكان آخرون لا تجمعهم صلة قربى بالأسرة مجموعتين مسؤولتين عن المجزرة: أحرار الشام في إدلب، وجيش الإسلام، وهو فصيل مسلح تشكل قرب دمشق خلال الحرب السورية وانتقل مقاتلوه إلى إدلب في صفقة عام ٢٠١٨ مع النظام. أضافت أن آخرين كانوا يرتدون عصائب حمراء تميز القوات الخاصة التابعة لهيئة تحرير الشام، والتي يغلب عليها المقاتلون الأجانب. كانت العائلة تسأل كل مجموعة جديدة من المسلحين عند الباب عن هويتهم، “وكان كل واحد يقول شيئًا مختلفًا.” استمر هذا الأمر لأيام. قالت: “يوم الأحد، قالوا يمكنكم أن تخرجوا لتروا ما فعلناه.” فتحت الباب المتحرك المؤدي إلى الشرفة المطلة على الطريق وأشارت إلى بقعة من العشب بجانب الجدار الأمامي للمنزل: “هناك. هذا هو المكان الذي أطلقوا فيه النار على ابني.” ارتجف صوتها ثم ارتفع. “كان عمره ١٥ سنة فقط.”
كان جسد زوجها يستلقي قريبًا. لقد خدم، مثل كثير من أفراد الطائفة العلوية، في الجيش تحت حكم الأسد لكنه سلم أسلحته وبطاقته العسكرية للسلطات الجديدة. قالت إن كل الرجال في عائلتها فعلوا الأمر نفسه، أو لم يخدموا أصلاً. قُتل والدها وثلاثة من إخوته. أضافت أن كل الرجال في الرصافة الذين خدموا في الشرطة أو الجيش سلموا أسلحتهم، لذلك لم يكن هناك قتال بين القوات السابقة والمسلحين داخل القرية. عندما انهارت الحكومة أمام تقدم هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة في كانون الأول\ديسمبر، فوجئ كثير من العلويين في البلاد وشعروا بالامتنان لأن سقوط حكم عائلة الأسد الذي دام ٥٤ عامًا كان نسبيًا بلا دماء.
“لو كنا نعلم أن هذا سيحدث، لما سلمنا أسلحتنا حتى يكون لدينا شيء ندافع به عن أنفسنا وشرفنا، لكنهم خانوا ثقتنا.”
تعتقد أنه تم قتل الرجال غير المسلحين والمدنيين في الرصافة انتقامًا للكمين الذي نصبه مسلحون موالون للأسد على الطريق. ” لم يستطع الأمن العام والفصائل، والجيش الوصول، إلى هناك فانتقموا من الناس هنا.”
بدلاً من ذلك، ابتداءً من صباح الجمعة، انتشرت مجموعات من المقاتلين السوريين والأجانب في أنحاء الرصافة. جابوا المنازل من باب إلى آخر، وسحبوا الفتيان والرجال إلى الشارع وأطلقوا النار عليهم. في المجمل، تحدث موقع “دروب سايت” إلى أكثر من اثني عشر شخصًا شهدوا وصول فصائل مسلحة متعددة، واتصالها بأفراد من الأمن العام الجديد أثناء مرورها في الرصافة. ووصف رجل يسكن بالقرب من مدخل القرية صف المركبات الداخلة إلى الرصافة قائلاً: “أولًا، ليلة الخميس، كان الأمن العام وفصائل أخرى في نفس الموكب”. ومع بدء عمليات القتل الجماعي صباح الجمعة، خرج الوضع عن السيطرة تمامًا؛ لم يعد واضحًا من ينتمي إلى من، أو من يقاتل إلى جانب من لكن شيئاً واحداً كان واضحًا وهو أن: “الأمن العام فرض الحصار على المدينة، ولم تغادر الفصائل حتى فعلوا ذلك.” وفي حوالي الساعة الثامنة صباح يوم الجمعة، جاء مسلحون إلى منزل صغير وسط القرية حيث كان يعيش علي (اسم مستعار) مع أبنائه الأربعة.
قال علي: “جاءوا وأخذوا هواتفنا المحمولة وقالوا إنهم سيعيدون ضبطها. ثم جاء عشرون رجلًا لأخذ أبنائي من المنزل.”

كان جميع أبناء علي قد خدموا في الجيش، وهو أمر شائع في المنطقة. وبينما ازدهرت عائلات علوية بارزة في ظل شبكات رعاية نظام الأسد، عانت القرى من ركود اقتصادي متعمد، فكان الجيش في كثير من الأحيان الوظيفة الوحيدة المتاحة. كان أبناء علي قد أنهوا خدمتهم العسكرية عند سقوط النظام، وكانت عملية التسوية مع السلطات الجديدة تتطلب منهم تسليم أسلحتهم وأوراقهم العسكرية. أصيب أحدهم بجروح أثناء خدمته؛ كان هناك عكازان العكازات مسنودان إلى فرشة على أحد الجدران. لم تكن هناك سجادات على الأرضية الخرسانية، فقط مجموعة من الكراسي البلاستيكية، ومقعد تعلوه أكواب من المتة، وهو شاي أعشاب شائع في معظم منازل العلويين. قال علي: “جاءت مجموعات وفصائل مختلفة من عشر إلى خمس عشرة مرة يومي الجمعة والسبت، بعضها كان يرتدي الأسود بالكامل مع عصابة رأس بيضاء وسوداء. كانوا سوريين. وآخرون كانوا يرتدون زي الجيش السوري الذي اعتدنا رؤيته. وكان هناك آخرون بزي عسكري مختلط، بعضهم أجانب رغم أنني لم أستطع تحديد لهجتهم.”
حُبس الأب المسن وبعض الأقارب الأصغر سنًا في غرفة واحدة لمدة يومين، بينما احتل المقاتلون الغرفة الأخرى وتجوّلوا في الخارج. كانوا يدخلون أحيانًا ويأخذون أي شيء له قيمة، بما في ذلك البطارية الصغيرة التي تستخدمها العديد من العائلات السورية لتشغيل الأضواء خلال انقطاعات الكهرباء المتكررة، وحتى أوراق الرجال وبطاقات الهوية المدنية المؤقتة التي منحهم إياها النظام الجديد. قال علي: “لا يمكنك التحرك من دون هوية أو المرور عبر نقاط التفتيش. لذلك، حتى لو أردنا المرور الآن من دون هوية، يمكنهم اعتقالنا.”
في ظهر السبت، طلب المسلحون الذين استولوا على منزله من علي أن يحضر لهم المزيد من الحطب للنار. وجد أبناءه الأربعة قتلى في حظيرة الحيوانات والجدار مثقوب بالرصاص.
عندما سُئلوا إن حدث أي قتال داخل القرية، أجاب علي وأقاربه على الفور: “كلا، كلا، كلا. قالوا إنهم جاءوا للبحث عن أسلحة، لكن أبنائي قُتلوا حفاة القدمين. لقد تصرفوا بعجرفة معنا وعاملونا باحتقار. قتلوا أشخاصًا لا يملكون شيئًا. في بعض المنازل، لم يكن حتى هناك كرسي لتجلس عليه.”
جلس أب آخر على الأرض في المنزل المجاور، أحكم إغلاق سترته من البرد وسرد قصته: جاء عشرة رجال إلى بابه صباح ذلك الجمعة. “أخذت المجموعة الأولى ابنيّ الاثنين. ثم جاءت مجموعة أخرى؛ أعادوا ابني الأصغر لأنه طفل.”
أضاف الأب أن هذه المجموعة كانت أكثر انضباطًا، وحتى لطيفة. “الفصيل الذي أعاد الصغير سأل: ‘ماذا تريد؟’ فقلت: “أريد ابني الآخر.”
بعد فترة قصيرة، تلقى الأب عدة مكالمات من هاتف ابنه الأكبر. كان يتوسل للمسلحين ليطلقوا سراحه. قالوا آخر مرة أنهم أرسلوه إلى حافظ الأسد وانتزعوا قلبه. قالوا لي اذهب وابحث عنه قبل أن تأكله الكلاب. وجدناه ميتًا في أحد الأزقة الجانبية للطريق الرئيسي. أصيب بثلاث رصاصات في صدره.”
أخرج الأب من جيب سترته منديلًا مجعدًا ليُظهر الرصاصات الثلاث التي تم إخراجها من جسد ابنه. رسم خطًا أسفل صدره وبدأ بالبكاء. “رأيت ما فعلوه، لقد انتزعوا قلبه من صدره.”
قال: “أعدنا الجثة تحت زخ الرصاص. قال الجميع إن الأمر خطير، لكنه ابني، وكان عليّ أن أحضره.”
حفر هو وجاره خمسة قبور في الحقل بين منزليهما بأيديهم.
قال الأب: “يدّعون أن هذه القرية موالية للنظام، لكن انظر إلى الظروف هنا، الأمر لا يُعقل.”
باستثناء عدد قليل من المنازل الكبيرة على الطريق الرئيسي، كانت منازل الرصافة مبنية من كتل خرسانية غير معزولة جيدًا من البرد أو الحرارة. يعمل رجالها كحطابين، أو في الحقول الصغيرة حول منازلهم في قاع الوادي الضيق. وبسبب انعدام فرص العمل، تطوع كثير منهم في الجيش، بعضهم شارك في القتال وآخرون عملوا في المخازن والدعم اللوجستي. أكد سكان القرية أنهم لم يعرفوا شيئًا عن كمين النظام، وأشاروا إلى مذبحة رجالهم كدليل: لو كانوا يعلمون بشيء، لكانوا تركوا منازلهم واختبأوا بدلاً من انتظار القرع على الباب وإطلاق النار على رؤوسهم.

قال أحدهم: “لقد استهدفونا لأن القرية علوية. إنه عقاب جماعي. لا يتبعون أي قواعد. إذا كان أحدهم مجرمًا، تعاقب المجرم لا المجتمع كله.”
منذ سقوط النظام، يطالب السوريون بأمرين: الخبز والعدالة الانتقالية. ويربط كثيرون بشكل مباشر بين غياب المساءلة عن الفظائع في عهد الأسد وانفجار العنف في الساحل. بسبب عدم محاسبة مرتكبي الجرائم، يشعر كثير من العلويين أن طائفتهم بأكملها تدفع ثمن جرائم النظام الذي جند أبناءهم وحافظ على فقر قراهم. وبعد أن أطاحت هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة بالحكومة القديمة، ظهر في سوريا مصطلح جديد شائع: “فلول”. ويعني “بقايا”، ويُستخدم للإشارة إلى أي شخص عمل مع النظام، أو لا يزال متعاطفًا معه.
قال أحدهم: “يقولون إن الجميع فلول. إذا كان هناك أحد هنا كذلك، فليأخذوه. عانينا كثيرًا خلال حكم النظام اقتصاديًا، وفقدنا الكثير ممن أُجبروا على الانضمام للجيش. كان بعضنا يأمل أن تكون هذه نهاية عهد وحشي، لكن ما شهدناه هو في الواقع أسوأ.“
ارتُكبت أسوأ مجزرة في الرصافة في منزل رابع فوق القرية، بحسب السكان المحليين. قُتلت امرأتان وأربعة أطفال. لا أحد يعرف السبب، لكن بعضهم يظن أن السبب أن أحد الأطفال، وهو صبي يبلغ من العمر تسع سنوات، كان اسمه بشار. كان يزور أبناء عمومته ذلك اليوم، وقُتل الأشقاء الثلاثة: زين (٣ سنوات)، جواد (٤ سنوات)، ويحيى (١٠ سنوات)، مع والدتهم وجدّتهم.
كانت لحية الجد البيضاء قد اصفرّت بسبب النيكوتين. يوم الجمعة، قبل الخامسة مساءً بقليل، خرج ليحضر المزيد من الحطب للنار. أوقفوه وجعلوه يقف عند باب المنزل. قال إنه سمع إطلاق النار داخل المنزل، لكنه في البداية لم يدرك ما يعنيه ذلك. “لم أصدق أنهم سيقتلون الأطفال فعلاً.“ ظلت الجثث في غرفة الاستقبال لمدة ثلاثة أيام قبل أن يتمكن من دفنها.
“مكان الجريمة ما زال كما هو مصطبغاً بالدماء. لم نلمس شيئًا. كنا نأمل أيضًا أن تأتي المنظمات الدولية، لكن لم يأت أحد.”
بدلاً من ذلك، أغلق جهاز الأمن العام القرية لأيام. لم يُسمح للخوذ البيضاء أو الهلال الأحمر السوري بالمساعدة في الدفن، فدفنت العائلات أقاربها دون أي فحص للجثث، أو مواقع القتل. استغرق الأمر ما يقرب من ثلاثة أشهر حتى زارت لجنة تحقيق حكومية.

عدالة المنتصر
يروج قادة الأمن العام المحليون والضباط السياسيون في الحكومة الجديدة لسردية جديدة: أن عمليات القتل مفبركة. وبعد أسبوعين من المجازر، زار فريق ”دروب سايت“ مركز الشرطة الرئيس في مصياف، حيث غادرت دورية الأمن قبل أن يُنصب لها كمين فوق قرية الرصافة، الحادث الذي أشعل العنف في السادس من آ ذار\ مارس. كان هذا مركز الشرطة نفسه الذي ذكر السكان المحليون بأن فصائل مسلحة اجتمعت فيه مع الأمن العام قبل أن تسير في قوافل إلى الرصافة في الساعات والأيام التالية. تفاجأتُ حين رحّب بي المسؤولون لإجراء مقابلة. عزام أبو عدي، نائب مدير الأمن العام، خلع درعه الواقي ووضع بندقيته ومسدسه جانبًا قبل الجلوس للحديث. بدأت بسؤاله عن الكمين.
قال: “نفدت منا الذخيرة، فطلبنا تعزيزات من حماة ومصياف. أرسلوا لنا عربات مدرعة وجاءوا لأخذنا.”
وأوضح أن التعزيزات التي جاءت لمساعدته ورجاله كانت من الحكومة. “كان الجيش فقط والأمن العام، لا فصائل. لم يعد هناك ما يسمى فصائل، نحن الآن الجيش فقط.”
أكدت عليه: “إذًا كل من جاء كان تحت سيطرة الأمن العام؟”
رد: “نعم، بالطبع. فقدنا شهداء وأصيب بعضنا. قتل واحد وجُرح اثنان.”
حاول أبو عدي إنهاء المقابلة، لكنني أوضحت مرة أخرى أن جميع التعزيزات التي مرت كانت تحت سيطرة الأمن العام، وليس فقط تلك التي وصلت إلى موقع الكمين نفسه. لم نكن قد تحدثنا بعد عن عمليات القتل في الرصافة.
ابتسم أبو عدي، وأثار الموضوع بنفسه: “أفهم ما تلمحين إليه. تريدين أن تتحدثي عن الرصافة. لقد مررنا بالكثير؛ لم نولد بالأمس.”
ثم شرح أن فلول النظام وعصاباته المرتبطة به، المعروفة في سوريا بالشبيحة، هم من ارتكبوا المجازر ثم ألقوا اللوم على الدولة. حسب روايته، بعد أن نصبوا كمينًا لدورية الأمن العام على الطريق فوق القرية، تمكن الشبيحة من الالتفاف والنزول إلى الرصافة لإثارة الفوضى والخوف بين السكان.
“كان الشبيحة يستخدمون أسماءنا ويقتلون الناس. يرتدون زي الأمن العام ويقتلون الناس.”
“لم يقبلوا أنهم فقدوا البلد؛ كانت محاولة انقلاب. أراد أنصار النظام السابق زعزعة السلام والأمن في المنطقة. لم يقبلوا أن الناس بدأوا يؤيدون الدولة الجديدة. فبدأوا يرتدون ملابسنا ويقتلون باسمنا.”
أصر أبو عدي على أن السكان يصدقون هذا. لكن من بين العشرات الذين أجرى معهم ”دروب سايت” مقابلات، عبّر الجميع عن شعور بالخيبة والخوف من السلطات الجديدة. قال أحدهم: “الجميع يخافون على عائلاتهم. لا أحد يلجأ إليهم من أجل العدالة لأن الدولة هي الجانية.”
تعرّف شخص آخر على رجل شارك في العنف. “كان يرتدي علم المملكة العربية السعودية على ذراعه، لكنه الآن يتجول مرتديًا علم الثورة على ذراعه وزي الأمن العام، يعتذر للناس، قائلاً: هذا لم يكن نحن، كانت فصائل خارجة عن السيطرة وغير خاضعة للإشراف. نجد هذا سخيفًا ومهينًا.”
في جميع أنحاء سوريا، فقد آلاف العلويين وظائفهم، لأنهم خدموا في الجيش أو تم طردهم من مناصبهم في الخدمة المدنية. الراحة الحذرة التي عبر عنها كثيرون عند انتقال السلطة بسلاسة نسبية تحولت إلى عدم ثقة عميقة. يريد السوريون من الطوائف كلها رؤية العدالة، ليس فقط من أجل الجرائم التي ارتكبها أعضاء نظام الأسد، بل أيضًا التي ارتكبتها الفصائل المسلحة التي انتشرت بعد أن تمخضت الثورة عن حرب، وبعض هذه الفصائل الآن أعضاء في الحكومة الجديدة. يخشون أن ما سيحصلون عليه هو “عدالة المنتصر.”
بعد ستة أشهر من استلامها السلطة، عينت القيادة لجنة للعدالة الانتقالية؛ رئيسها هو ابن عم وزير العدل.
في مصياف، بعد أسبوع من مجازر الساحل، أقيمت فعالية لإحياء ذكرى بعض الاحتجاجات الأولى لانتفاضة عام ٢٠١١. وقف أفرادٌ من الأمن العام مدججين بالسلاح على المنصة، يغنون أغاني ثورية إلى جانب الحشد. وقفت طالبة صيدلة شابة، بضفيرتين، مع بعض أصدقائها من الكلية. “جئتُ للاحتفال بذكرى الثورة رغم أنها لم تنتهِ بعد، ولإحياء ذكرى المدنيين الذين سقطوا هذا الأسبوع. وأضافت أن الثورة لن تكتمل إلا عندما يتوقف قتل الأبرياء. “في البداية كانت الثورة من أجل إنهاء الظلم، وطالما أن هذا الظلم مستمر، فإن الثورة لم تنتصر.”

حول المشروعية في مراسيم العدالة الانتقالية السورية


حول المشروعية في مراسيم العدالة الانتقالية السورية


شكّل سقوط النظام السوري لحظة انعتاق سياسي كبيرة؛ لقد كان بمثابة مرآة عاكسة لانهيارٍ طويل الأمد في معنى الدولة ومفهوم الجماعة. انكشفت البلاد على تيهٍ سياسي لم يصنعه الحدث وحده، بل راكمته سنوات القمع، حتى بات غياب السياسة هو السياسة، وغياب العقد هو قاعدة العيش. انحسرت مشاغل السوريين، بعد زوال القبضة المركزية، إلى تفاصيل عابرة، بعيداً عن صياغة مشروع وطني جامع. راحوا يتقاذفون التهم كمن يتنازع على ظل وطن منهار: “أنتم من دمّر”، “نحن من خُذل”. ومع كل تبادل للاتهام، كانت فكرة الـ”نحن” الوطنية تتآكل، ويصعد من تحتها طيف الطائفة، والعشيرة، والجهة، والنجاة الفردية.

وكلّ ذلك كان نتيجة لطبيعة الدولة التي حكمتهم، والتي لم تشكّل يوماً عقداً جامعاً، بل كانت منظومة أمنية محكومة بمنطق الشكّ والسيطرة. في صيغتها العميقة، لم تُبنَ الدولة السورية على المواطنة، كما رأينا، بل على الإذعان: صمتٌ مقابل الأمان، طاعةٌ مقابل البقاء، وذاكرة معلّقة مقابل النجاة. وما كان يُروّج له كهوية وطنية، لم يكن أكثر من قناع هشّ، يخفي تحته نظام فرز اجتماعي قائماً على الولاء وتوزيع الخوف.

في هذا السياق، بدا أن النظام السوري السابق لم يطبق نظرية “هوبز”، بل انقلب عليها. فهوبز تخيّل العقد كوسيلة لخروج الإنسان من حالة الطبيعة، من الخوف المطلق إلى سلطة تحفظ الحياة. أما في سورية، فكانت السلطة هي من يُدير الخوف، ويُعيد إنتاجه، ويُحوّله إلى نظام حكم. تحوّل العقد من أداة لدرء الفوضى إلى وسيلة لتأبيدها، ومن أفق لتنظيم الجماعة إلى شبكة تُخضِع المجتمع باسم حفظ الدولة. وإذا كان “هوبز” قد افترض أن السيادة هدفها الحياة، فقد جعلها النظام أداة لحصارها. 

وحين انفجرت الثورة السورية (مارس / آذار 2011)، لم يكن الناس يثورون ضد عقد اجتماعي هشّ، بل يطالبون بكتابته لأول مرة. إلا أن غياب هذا العقد، الذي كان مستتراً بقوة القمع، ظهر فجأة كفجوة لا تسد. يوم سقط نظام الأسد لم تنهض بدائل سياسية، بل تصدّعت البلاد على وقع الولاءات القديمة، وتحوّل الغياب إلى تشظٍّ في كل الاتجاهات. لم تسقط دولة، بل سقط معها التصوّر عن إمكانية الاجتماع نفسه.

في هذا الفراغ المفتوح على كل الاحتمالات، جاءت المراسيم الانتقالية كإشارات لبداية ما يُفترض أنه مسار عدالة ومصالحة وطنية. لكنها، وقد فُرضت من أعلى ومن خارج أي تعاقد مجتمعي حقيقي، سرعان ما بدت محكومة بمنطق الانتقاء، أكثر من سعيها إلى تحقيق عدالة شاملة. وهنا تتبدّى الإشكالية الأعمق: هل يمكن لعدالة انتقالية يشوبها عيب الانتقاء، أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد؟ أم أنها، بهذا العيب البنيوي، تتحوّل إلى أداة ناعمة لإعادة تدوير عقد الطاعة القديم، وإلباسه لغة قانونية خالية من الروح؟

من الناحية الشكلية، بدت هذه المراسيم كمحاولة للاعتراف بمرحلة ما بعد الانهيار، وكإشارة رمزية إلى نية معالجة إرث الانتهاكات. لكنها، في جوهرها، لم تكن أكثر من محاولة لإدارة الفراغ لا لملئه، ولم تأتِ في إطار تعاقدي حقيقي أو برؤية جامعة. لقد كُتبت من خارج المجتمع، وبقيت أسيرة لما تسمح به البُنية الجديدة، لا لما تتطلبه الحاجة التأسيسية لإعادة بناء المعنى الوطني المشترك.

مرسوم “هيئة العدالة الانتقالية” (رقم 19 لعام 2025) وُلد بلا صلاحيات تنفيذية واضحة، ولا ضمانات استقلال عن مراكز القوى الجديدة. أما مرسوم “هيئة المفقودين” (رقم 20)، فقد اكتفى بتسجيل البيانات الإدارية، دون التزام فعلي بكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا أو محاسبة الجناة. غابت في هذه المراسيم آليات المشاركة، والإقرار بمسؤولية الدولة السابقة، وخارطة الطريق التي يمكن أن تعيد الاعتبار للعدالة كمطلب وطني لا كهيكل إداري.

وما يزيد هذا الغموض أخلاقياً وخطورة سياسية، هو أن هذه المراسيم تجاهلت ضحايا فاعلين آخرين، كالذين سقطوا على يد تنظيم داعش، أو اختفوا في مناطق خارجة عن سيطرة النظام. هذا الإقصاء ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يشكّل بذرة تفكك إضافية: فعندما تُقصى جماعات بأكملها من مسار العدالة، ويُترك ألمها في الظل، فإنها لا تندمج في مشروع الدولة، بل تتكتل خارجها. تتكوّن حينها ذاكرة مظلومية موازية، قابلة للاستثمار في منطق الثأر أو الانعزال، أو حتى الرفض التام لفكرة التعايش تحت مظلة عقد لم يعترف بها، ولم يحتسبها كطرف فيه.

إن تجاهل هذه الشرائح من الضحايا لا يعمّق الانقسام فحسب، بل يُهدد كل إمكانية لبناء وطن يضم الجميع. العدالة الانتقائية لا تصالح أحداً، بل تُراكم مشاعر الغبن، وتحوّلها إلى قنابل اجتماعية مؤجلة. فالعدالة، كي تؤسس لعقد جديد، يجب أن تكون شاملة، لا في إجراءاتها فقط، بل في رؤيتها لسوريا كوطن تعددي، جُرحه موحّد، وإن اختلفت الأيدي التي أصابته.

لكن خطورة الانتقاء لا تقف عند حدود من تم إسقاطهم من سجل الضحايا، بل تمتد إلى الفاعلين الرماديين الذين ظلّوا عالقين بين خانة الجاني والمجني عليه. هؤلاء الذين لم يطلقوا النار، لكنهم سكتوا حين أُطلق، أو شاركوا في إدارة الحياة اليومية تحت سلطات أمر واقع، أو غلّفوا الصمت بالخوف، والتواطؤ بالحكمة، والنجاة بالبراغماتية. لم تكن خياراتهم بالضرورة خيانة، لكنها كانت فعلاً سياسياً من نوعٍ مختلف، لا يعترف به خطاب العدالة الكلاسيكي.

يغدو اختزال العدالة في المحاكم والقوانين ضرباً من السطحية. في سورية، كانت الجريمة متغلغلة في النسيج السياسي والاجتماعي، لا فقط في غرف التحقيق. لذا فإن أي مشروع للعدالة في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن يتجاوز التعويضات والمحاسبة، ليمسّ الجرح الأعمق: أزمة الثقة، وتفكك العقد الاجتماعي، وغياب المساحة المشتركة التي يمكن أن تلمّ شتات السوريين. إنّ مواجهة النظام السابق لا تبدأ وتنتهي في المحاكم، بل في قاعات الذاكرة، في الحقول التي مات فيها الأبرياء بصمت، في الحارات التي تحوّلت إلى خطوط تماس، وفي بيوت الناجين الذين لم يجدوا من يسمعهم. لهذا، لا يكفي أن تصدر مراسيم “تنظيمية” لتكون لنا عدالة، بل نحتاج إلى شجاعة ثقافية لطرح السؤال المؤلم: “من نحن بعد كل هذا الألم؟ وما الذي يجعل منا شعباً قادراً على العيش معاً من جديد؟”

وإن كانت العدالة الانتقالية تتموضع غالباً في أروقة المحاكم، فإن العدالة التصالحية تُبنى في المجتمع، بين الناس، بالاعتراف والمواجهة وإشراك أهالي الضحايا أنفسهم. من دون ذلك، لا يمكن لمجتمع أن يُشفى، ولا أن يطوي صفحة الماضي دون الوقوع في منطق الثأر أو الإنكار. على الأقل، لا بد من طرح رمزي من هنا تأتي الحاجة إلى مساحات رمزية-أخلاقية”، مستوحاة من تجربة “الغاشاشا” تلك المحاكم الشعبية التي سمحت للقاتل والناجي بالجلوس في المكان ذاته في رواندا، ولكن بما يتناسب مع السياق السوري. ليست هذه محاكم جنائية، بل فضاءات تُحاكم فيها الذاكرة الصامتة.

إن ما تبقّى من العقد الاجتماعي في سورية ليس سوى أطلال شرعية لم تُبنَ قط، و إرث ثقيل من الخضوع المغلّف بلغة الدولة. ومع ذلك، لا تزال إمكانات العقد قائمة، وإن كانت مشروطة. فالعقد، ليس نموذجاً مستورَداً من التجربة الأوروبية، إنه ديناميكية تفاوضية تُبنى بتراكم الاعتراف، وبنبذ العنف، وبتطوير شرعية مكتسبة لا مفروضة. الشرط الأول لذلك هو الانتقال من منطق القسر إلى منطق التعاقد؛ من احتكار السياسة إلى تعميمها كحيز عمومي مفتوح. وهذا لا يتم عبر نصوص فوقية، بل بإعادة هندسة الثقافة السياسية ذاتها، لتكون ثقافة الاختلاف والمصلحة العامة، لا ثقافة الاصطفاف والارتهان.

كما تبرز العدالة الانتقالية كحقلٍ حاسم في هذا التحوّل: فهي مسار لتسوية انتهاكات الماضي، ولحظة تأسيس ثقافي وأخلاقي تُختبر فيها قدرة المجتمع على مغادرة ثقافة العنف نحو ثقافة التفاوض. فإن بقيت العدالة انتقائية، تُدار بالأدوات نفسها التي صنعت القهر، فإنها لا تفتح أفقاً جديداً، بل تُعيد إنتاج ما كان، بلغة أكثر نعومة. أما إذا تحوّلت إلى أفق تفاوضي فعلي، يُعيد توزيع الاعتراف ويكسر صمت الضحايا، فإنها قد تشكّل نقطة انطلاق لعقد اجتماعي حقيقي، ينهض على توازن الذاكرة والمسؤولية المشتركة.

في مجتمعٍ لم تُمارس فيه السياسة إلا كقسر، ولم تُبْنَ فيه الدولة إلا على إخماد الصوت، لا يكون سؤال العدالة سؤالاً تقنياً، بل سؤالاً على صورة العقد نفسه: هل نريد أن نُبنى كجماعة سياسية حقيقية، أم نعيد تمثيل الطاعة تحت مسميات جديدة؟ العدالة، إذاً، ليست ما يسبق العقد، ولا ما يليه، بل هي محكّه الأول، واختباره الأشد وضوحاً.

هشاشة الحالة الوطنية السورية

هشاشة الحالة الوطنية السورية

” لم يعد يجمعنا بهم إلا اللغة ويمكننا الاستغناء عنها بتعلم لغة جديدة جيلا بعد جيل،” هذا ما كتبه مثقف معروف على صفحته على الفيس بوك وما لبث أن حذفه لتناقض وقسوة التعليقات.

هذا القول يطرح قضية في منتهى الأهمية هي مسألة الانتماء والوطنية التي برزت من تداعيات وعقابيل الحرب السورية، خاصة بعد سقوط النظام البائد. قضية إشكالية قوّضت كل الشعارات التي كان يتغنى بها السوريون، تجلىّ ذلك بالدعوات التي انطلقت مؤخراً من مكونات ومناطق مختلفة في المجتمع السوري؛ من الأكراد والعلويين والدروز، تلك الدعوات التي توّجهت إلى دول وقوى دولية مختلفة بمضمون واحد تقريباً ورؤية جديدة للناحية الوطنية، إضافة إلى ما طرحه مؤيدو السلطة الجديدة من الطائفة السنية من توجه إسلامي يتخطى الوطنية. 

هذه الدعوات لم تكن جديدة، فقد سبقتها دعوات مماثلة أطلقها أقطاب المعارضة لنظام الأسد منذ عام 2011، طالبت بنفس ما تطالب به الدعوات الآن؛ وكررتها على مدى سنوات الحرب ، كأن الأمر مجرد تبادل أدوار على ضوء تبدّل المواقع سياسياً وعسكرياً، فما كان يطالب به فريق المعارضة في بداية الأزمة وأثنائها حتى قبل سقوط نظام الأسد، صار يطالب به الفريق الآخر الذي صار في موقع المعارضة، رغم أنها معارضة ذات طابع مختلف، لا برنامج سياسي لها حتى الآن، معارضة رد الفعل لا أكثر.   

الدعوات الأخيرة التي بيّنت هشاشة الحالة الوطنية السورية؛ انطلقت من مكونات المجتمع السوري، الطائفية والإثنية، ما يسمى الأقليات، تركزت على المطالبة بالفيدرالية كأسلوب لإدارة البلد، كما طالبت بالتدخل الدولي؛ إن كان على شكل حماية دولية وفق القانون الدولي، بقرار من مجلس الأمن، أو حماية دول معينة بغض النظر عن القانون الدولي، كما هو الوضع بالنسبة للأكراد الواقعين تحت حماية الأمريكيين و قوات التحالف الدولي، والدروز الذين ادعت إسرائيل حمايتهم، بينما العلويين لا يزالون يكررون دعواتهم، دون أن يستجيب لهم أحد حتى الآن.  

رغم مطالبتها بالفيدرالية تؤكّد تلك الدعوات حرصها على وحدة سورية، لكنها وحدة تختلف عما كانت عليه؛ هي اتحاد فيدرالي بين أقاليم ذات إدارة ذاتية. لا يمكن إغفال أسباب هذه الدعوات وخلفيتها؛ التي تمثلّت بطروحات وشعارات استفزازية أطلقتها القوى التي سيطرت على السلطة والتي تمثّل الأكثرية طائفياً، وبالخوف من التعسّف والتهجير والقتل، خاصة بعد ما حدث مؤخراً من مذابح و تهجير في الساحل السوري وأماكن تواجد العلويين في الداخل، وأحداث العنف التي نشبت في جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء. 

 هذه الدعوات لا تقتصر على ما يدعى “الأقليات” ففي المقابل انطلقت دعوات لا تقل خطورة من الناحية الوطنية، نادت بها مجموعة من الأكثرية المتمثلة بالطائفة السنيّة، التي خرجت بمقولة عودة الأمويين، فدمشق برأيهم عادت لأصلها، دمشق الأقدم من الأمويين بآلاف السنين، حملت تلك الدعوة في طياتها شوفينية وتعالياً واضحاً وصل إلى حد التمييز العرقي والطائفي والتنمر وتمثّل في مقولة “الأمويون أصلهم ذهب” التي أتت على شكل أغنية أصبحت وكأنها نشيداً وطنياً وشعاراً لهذه الفئة من الشعب السوري. 

في هذا الطرح إسقاط لكل ما هو وطني سوري واستحضار لخلافات قديمة سالفة وحساسيات تاريخية لا فائدة من طرحها، فالوطنية السورية الجامعة أشمل من أن تنسب لطيف واحد أو لمرحلة تاريخية بعينها. 

يلتقي مع هذه الدعوة، خطاب السلطة الجديدة الذي أغفل ذكر مصطلح الوطن أو الوطنية في كل مفاصله وعلى كل المستويات، كما تجنّب مقاربة القضايا الوطنية كالجولان المحتل، واقتصر على التأكيد على وحدة سوريا، دون أن يعمل على تفكيك خوف وحذر المكونات المختلفة من توجهه الإسلامي المتشدد وراديكاليته المعروفة، عزّز ذلك بتصرفات وإجراءات كان لها أثر سلبي مما أعطى الدعوات للحماية الدولية والفيدرالية دفعاً وزخماً إضافياً.

لو استعرضنا ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، والتعليقات والتفاعلات لتأكدنا أن هذه الدعوات لم تأت مخالفة للمزاج الشعبي لتلك المكونات، حتى لو أخذنا بالحسبان ما يسمى بالذباب الالكتروني. قرأنا منشورات كثيرة وتعليقات تؤيد ذلك وتؤكد عليه مثل: “إلى اللقاء في جغرافية أخرى،” و “لم يعد يجمعنا بلد واحد، إنها كذبة طويلة،” و “لا يمكن أن أكون في بلد واحد مع من يعتبرني كافراً.”  وفي سياق التداول الشفوي كان الأمر واضحاً ويُعبّر عنه بصراحة ووضوح بمقولات مثل “لم يعد يجمعنا بهم شيئاً،” و”سوريا صارت من الماضي،” و “سوريا الله يرحمها.. بح،” و”بقاؤنا وحفظ رقابنا أهم من بقاء سوريا موحدة”…. 

ذهبت بعض الدعوات إلى ما هو أبعد من الفيدرالية، التقسيم بقيام دول منفصلة، مستحضرين سوابق تاريخية لقيام دول في سوريا على أساس ديني أو عرقي، مرددين أن سوريا في تاريخها لم تكن موحدة كما هي عليه الآن إلا في بداية العهد الأموي و بعد الاستقلال استمراراً حتى الآن. 

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً تحريضياً باستحضارها السابقة التاريخية القريبة لتقسيم سوريا تحت الانتداب الفرنسي، فنشرت خرائط دويلات ذلك التقسيم ووثائق بأختام تلك الدويلات. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل رأينا تصورات متعددة لخرائط الدويلات المزمع إقامتها جراء التقسيم، بعضها نسب إلى البنتاغون وبعضها الآخر إلى دول لديها مصالح في سورية، بينما نسبت خرائط مختلفة لمراكز أبحاث ودراسات. سوّقت تلك الخرائط بطريقة يبدو فيها أن الأمر بات وشيكاً وأن المسألة مسألة وقت لا أكثر، ولا مناص من ذلك. 

طرحت أسماء دول عديدة في سياق تلك الدعوات: روسيا، فرنسا، تركيا، وحتى إسرائيل، التي استهجن الكثيرون التوجه إليها، لكننا لو عدنا بذاكرتنا إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي، حين دخلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، ولاقاها الكثير من الجنوبيون بالترحاب وبنثر الأرز والياسمين والورد عليها لبطل الاستغراب، وقد كان لهم أسبابهم بذلك حيث عانوا ما عانوه من الفصائل الفلسطينية التي كانت منتشرة في الجنوب، وهو ما جعلهم يهللون لمن سيخلصهم منها، الجنوبيون نفسهم صاروا فيما بعد ألد أعداء إسرائيل.

الحالة الأخطر التي بدت فيها الوطنية السورية في الحضيض، تجلّت في التهليل للضربات الإسرائيلية على سورية، والتي دمرّت كل مقدرات السلاح السوري، وطالت مؤسسات علمية  بحثية ومدنية كالأحوال الشخصية والهجرة والجوازات وغيرها.

هنا رأينا أيضاً تبادل أدوار غريب، فحين كانت إسرائيل تضرب مقدرات الجيش المنحل، هلّل لها مؤيدو السلطة الجديدة، وحين بدأت تشن غارات على أماكن تمركز فصائل تابعة للسلطة الجديدة هلّل لها بقية المكونات… 

على مدى ثمانين عاماً تغنّى السوريون بوطنيتهم بطريقة أقرب للشوفينية، لا بل بقوميتهم العربية واعتبروا دمشق قلب العروبة النابض، مرددين شعارات: سورية مهد الحضارة، أم الأبجدية و غيرها… لكل إنسان وطنان؛ وطنه الأم و سوريا… أـذكى ذلك وعززّه حكم البعث الذي كان يغالي في المناداة بالقومية العربية والوطنية السورية لدرجة يمكن اعتبارها ميزة تجعل السوريين فوق شعوب أهل الأرض جميعاّ، علينا أن نتذكر الأغاني والشعارات التي كانت تسوّق ذلك عاطفياً: “أنا سوري يا نيالي،” و”سمعت الشمس تهمس همس صباح الخير سوريا،” إضافة إلى المسلسلات والأفلام التي ينتصر فيها السوريون دائماً.

هل كان ذلك وهماً؟ أم أن صدمة التغيرات الأخيرة أدت إلى ردود أفعال طالت المسألة الوطنية، وهي رود أفعال مؤقتة؟ 

في الحالتين تبدو سوريا الآن وطنا يحتاج إلى إعادة بناء.