by علي جازو | Oct 6, 2025 | News - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
إلى الآن لا يعرف أحد، سواء من المختصين بالقانون الدستوري أو الفاعلين السياسيين، أي شكل سياسي للسلطة يحكم سوريا في الحقيقة والممارسة، وما هو النظام السياسي والقانوني الذي ستستقر البلاد عليه في المستقبل.
بات من المعروف والمتداول أن سوريا تمرّ في مرحلة انتقالية معقدة ومرتبكة، حيث سُلّمت السلطة للرئيس المؤقت أحمد الشرع، بعد توافق دولي وإقليمي غامض ومفاجئ في الثامن من كانون الأول 2024، وقد يعني هذا، بحسب رأي المرء المحايد، بارقة أمل وثقة بالمستقبل عقب زوال شبح الأسد والبعث، أو يرتبط حيناً بالإنكار والخوف، بسبب ممارسات هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً المصنفة إرهابية). والأغلب على الظن أن الخشية على مستقبل سوريا هي الراجحة، لا سيما بعدما جرى في الساحل السوري والسويداء جنوبي سوريا، من قتل للمدنيين العزل وحرق للبيوت وخطف على الهوية الطائفية، وعمليات اغتصابات موثقة، تبرأت منها سلطة دمشق، ووعدت بالمحاسبة والتعويض على أهالي الضحايا ممن فقدوا أبناءهم وأحرقت منازلهم ونهبت ممتلكاتهم!
لاشيء تحقق من الوعود. وهذا مؤشر واضح وحاسم أن الكلام في مكان والفعل في مكان آخر.أي أننا في فصام سياسي، فسوريا اليوم تعيش واقعاً سياسياً معقداً، مع انقسامات مجتمعية هائلة، مع تعدد في السلطات والهويات السياسية، ما يجعلها دولة منقسمة سياسياً رغم أنها ظاهرياً “واحدة” على الخريطة فقط. الوحدة السورية التي لطالما تمدح وترجح على غيرها من أشكال الدولة والسلطة، ليست سوى تسلط الحكم في دمشق على باقي سوريا. أي أن الوحدة هنا في جوهرها ليست سوى غطاء لحكم شمولي شديد المركزية وقابلية نهمة لاستعمال العنف في حل المشكلات السياسية، وهو نموذج جرى اختباره وباء بالفشل وإفقار السوريين وإذلالهم.
المرحلة الانتقالية
يرى البعض أن مصطلح “المرحلة الانتقالية” لا ينطبق على الحالة السورية لأسباب مختلفة. على الرغم من سلطة الرئيس الفضفاضة، فلن تُحكم سوريا بمراسيم بعد تشكيل البرلمان الجديد، بل من خلال هيئة تشريعية تسنّ القوانين. هكذا يفترض من الناحية النظرية الصرف.
في الحقيقة إن الكثير من التسميات خالية من معناها الموجب، وقد جرى تداولها من دون نقد وتمحيص. فالإعلان الدستوري مثلاً فُرض فرضاً، وعد أساساً لما يليه من تشريعات مؤقتة. والأمر نفسه ينطبق على “المرحلة الانتقالية” و”البرلمان” و”الهيئة الناخبة”. ما يجري على الأرض هو غير ما تعنيه هذه المصطلحات القانونية والدستورية. هكذا نكون أمام وجهين لحكم سلطة الأمر الواقع في سوريا. من جهة هناك الميليشيات والفصائل التابعة لوزارة الدفاع السورية أي النمط العسكري للحكم بالتهديد والوعيد والترهيب، ومع مثل هكذا نمط حاكم فعلياً تتحول كلمات وتعابير مثل البرلمان والمرحلة الانتقالية إلى كليشيه ودعاية إعلامية لا غير. ومن جهة أخرى هناك الكلام في القانون والدستور والبرلمان، وهو ليس سوى كلام نظري خال من المضمون الفعلي.
المرحلة الانتقالية، إذا كان الوصف صحيحاً، حتى الآن تعتبر فاشلة بسبب غياب سلطة انتقالية ذات مصداقية وموحدة، وبسبب الانقسام السياسي والجغرافي. اللجنة الدستورية الدولية تعطلت وجمدت وانتهى دورها. اللاجئون والمهجرون محرومون من أي تمثيل فعلي، بينما تغيب العدالة الانتقالية والمحاسبة القانونية.
فشل الانتقال يعمق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي مما يبقي البلاد رهينة العنف والفوضى.
الفجوة بين الكلمات والمعاني
والفجوة بين الكلمات ومعانيها عادة سورية متأصلة، فحزب البعث على مدى أكثر من ستين عاماً كان أحد المبدعين المتميزين في تجويف الكلام وإخلائه من فحواه. ويعود الأمر إلى أن سوريا كلها دولة نظرية رُكّبت تركيباً من دون أخذ رأي من يحيا داخلها. دولة تقام على التجريد السياسي من الممارسة والنقاش والفعل العضوي. ما هو حي وملموس لا يتحول إلى سياسة، وما هو سياسي يبقى مغلقاً ومحتكراً من فئة محددة، يبقى سرياً ومجهولاً. وإن اجتمعت السياسة المجردة والنظرية مع الممارسة الحية والفعلية لا نكون إلا في مواجهة سيدها القتل والكراهية. العنف المحض والعاري والقاسي هو الوجه الفعلي لتنظير لا يرى في المجتمع سوى أتباع ومؤيدين وفي الرافضين سوى من ينبغي تأديبهم أي إباحة قتلهم أو إجبارهم على الخضوع والسكوت. السياسة في محصلتها على النمط السوري الحاكم لا تفضي سوى إلى أمرين، إلى الصمت أو الموت. والحقيقة أن الصمت شكل من أشكال الموت، إذ المرء في جوهره أمام خيارين إما الكلام أو الموت.
شروط الحكم الديمقراطي
بعد أكثر من خمسين عاماً من ديكتاتورية الأسدين الأب والأبن وبعد و14 عامًا من الحرب المدمرة، لا تزال الشروط الأساسية لانتخابات ديمقراطية غائبة، ولا إشارة توحي بأن الحال سيتغير قريباً. لذلك، لن يُنتخب البرلمان الجديد، المؤلف من 210 أعضاء، انتخابًا مباشرًا، بل انتخابًا غير مباشر للثلثين، أو تعيينًا من قبل الرئيس للثلث الباقي.
السلطة الحاكمة هي التي أقرت هذا النموذج، من دون مشاورة أحد إلا مؤيديها.
لن تشارك الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي (الحسكة والرقة) وكذلك نصف دير الزور والجنوب الشرقي الذي يسيطر عليه الدروز (محافظة السويداء)؛ وسيتم تخصيص العدد المقابل من المقاعد لممثلي هاتين المنطقتين (من هم ومن عيّنهم!) .
وهذا يعني فيما يعنيه أن قرابة ٣٠ بالمئة ممن يحق لهم التصويت لن يشاركوا في الانتخابات، عدا ملايين السوريين في دول الشتات كلبنان وتركيا والأردن وألمانيا ودول أخرى. مع ذلك، يُبدي بعض السوريين ارتياحهم لـ”الانتخابات البرلمانية”، بينما يُبدي آخرون تشككهم، فيما يرفض آخرون العملية والحكومة الانتقالية برمتها.
ولضمان أن تتجه العملية الانتقالية نحو الديمقراطية، لا أن تبقى استبدادية ومركزية، نحتاج إلى قانون للأحزاب السياسية يُمكّن جميع السوريين من المشاركة السياسية، و اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية بقيادة مظلوم عبدي في الشمال الشرقي، ومع الحرس الوطني الدرزي بقيادة حكمت الهجري في الجنوب. ولتحقيق ذلك، يجب أخذ مطالب اللامركزية والحكم الفيدرالي على محمل الجد فزيادة سلطات المحافظات سيوحّد البلاد أكثر من أن يمزقها، وهي التي ما زال شبح التقسيم يهيمن على مستقبلها.
بالطبع، لن يكون البرلمان الجديد مستقلًا تمامًا، لكنه سيكون مخلصًا وتابعاً للرئيس. وهذه علامة واضحة أن البرلمان المنتخب شكليّ ولن يكون سوى واجهة تشريعية لحكم الرئيس الذي احتكر كل السلطات.
خلاصة
تتجه سوريا إذن الى حكم الفرد الواحد، إلى نظام سياسي لا يختلف في جوهره عن نظام الأسد وحكم البعث السابق الذي أوصل سوريا إلى ما وصلت إليه.
كائناً ما كان الحال، وما ستفرز عنه الانتخابات الشكلية، فإن وجه سوريا الجديد منهك ومخيف، طالما رأينا نصف الوجه مسبقاً وقد غمره الدم والندم على مستقبل بانت ملامحه الأولى المخيفة والمخزية.
by عمر الشيخ | Sep 15, 2025 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
شكّلت زيارةُ وزيرِ الخارجيةِ السوريّ أسعدَ الشيباني إلى أثينا ما هو أبعدُ من إجراءٍ بروتوكوليٍّ عابر؛ بل هي اختبارٌ مبكّرٌ لتموضعِ سوريّة الجديدةِ في شرقِ المتوسّط، ولقدرةِ أثينا ونيقوسيا على تأطيرِ هذا التموضعِ ضمنَ الحساباتِ الأوروبيّةِ الأوسع. وخلفَ اللغةِ الملساءِ للدبلوماسيّةِ برزت عناوينُ صلبةٌ: قانونُ البحارِ وترسيمُ الحدودِ، إدارةُ الهجرةِ، حمايةُ الأقليّات -وفي مقدّمها المسيحيّون- وبناءُ المؤسّساتِ بوصفِه مدخلاً إلى اعترافٍ عمليّ. كما طُرِح إنشاءُ إطارٍ ثلاثيٍّ يونانيٍّ–قبرصيٍّ–سوريٍّ على هامشِ اجتماعاتِ الأممِ المتّحدةِ في سبتمبر/أيلول 2025، ويُرجَّحُ أن الزيارةَ رسمتْ خطوطاً حمراءَ لأيّ تفاوضٍ سوريٍّ–تركيٍّ معزولٍ محتملٍ حول البحر.
اليونان
بداية من منظور أثينا، تبدو الزيارة فرصة لإعادة وصل ما انقطع مع دمشق، لكن بشروط واضحة لا لبس فيها. أولها مرجعية القانون الدولي عموماً وقانون البحار خصوصاً؛ أي رسالة مباشرة بأن أي صيغة لترسيم بحري سوري–تركي على غرار “المذكرة التركية–الليبية” ستُعامل كخطٍ أحمر لأنها تمسّ حقوقاً سيادية لليونان ولقبرص وتعيد خلط خرائط شرق المتوسط خارج قواعد الشرعية. ثانيها المطالبة بحوكمة شاملة غير إقصائية من قِبل الإدارة الانتقالية السورية، بما يطمئن أوروبا إلى أن دمشق الجديدة لا تعيد إنتاج أنماط الاستبعاد القديمة، ويُفهم في آنٍ واحد كإشارة سياسية إلى أنقرة بأن أثينا ترفض تحويل سورية إلى امتداد مباشر لنفوذها. ثالثها رفع حماية الأقليات، والمسيحية خصوصاً، من حيز التعاطف الأخلاقي إلى بندٍ مُعلَن في المعادلة: استمرار الدعم الأوروبي وممراته المالية–الفنية مشروطٌ بسلوك انتقالي لا يهدد حياة وحقوق الجماعات الدينية والإثنية.
ولا تتوقف المقاربة اليونانية عند الخطاب؛ بل تُترجم إلى أدوات عمل: لجانٌ فنية لملف الهجرة، وخبراتٌ في بناء المؤسسات، أي لغة “الاعتراف العملي” من دون شيكٍ سياسي على بياض. بهذا المعنى تعرض أثينا أن تكون بوابة عبور دمشق إلى أوروبا، شرط ألا تُجازف الأخيرة بمصالح اليونان وقبرص أو بإطار الشرعية الدولية.
قبرص
وإذا كانت أثينا قد حدّدت إطار الإدماج المشروط تحت سقف القانون، فإن نيقوسيا تمسك بخيطٍ موازٍ أقلّ ضجيجاً وأكثر براغماتية؛ تُبقي قبرص نبرتها منخفضة لكنها لا تُخفي مصلحتها المباشرة في استقرار سورية، إذ تقوم مقاربتها على ثلاثية واضحة: أولاً، الحدود البحرية وموارد الطاقة، حيث إن أي اتفاق سوري–تركي يتجاهل حقوق قبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة يُعدّ التفافاً على مواقفها في البحر، ما يستدعي تثبيت قبرص طرفاً أصيلاً في أي هندسة إقليمية جديدة تمسّ سورية؛ ثانياً، الهجرة والأمن الداخلي، فالجزيرة في الخطوط الأمامية لمسارات العبور، والتعاون الفني مع دمشق -وعبرها مع أثينا- ينقل الملف من “صداعٍ مزمن” إلى برنامج عملٍ قابلٍ للقياس؛ ثالثاً، إعادة دمج سورية دولياً، إذ تميل قبرص مؤسسياً إلى صيغٍ ثلاثية مع اليونان (ومع مصر/ إسرائيل في ترتيبات أخرى)، وإدخال دمشق في إطارٍ مشابه يُدوّر حضورها ضمن شبكاتٍ شرعية ويقلّص هامش المقايضات الثنائية السورية – التركية على حساب الجزيرة؛ وبكلماتٍ أخرى، فإن الرهان القبرصي هو تطبيعٌ مشروط لدمشق داخل منصّات شرق المتوسط يجعل نيقوسيا شريكاً في الصياغة لا متلقّياً للنتائج، على نحوٍ يُتمّم المقاربة اليونانية بدل أن يتعارض معها.
سورية
بالنسبة إلى حكومة دمشق الانتقالية التي يقودها اليوم أحمد الشرع، فإن طرق باب أثينا يحمل أربع رسائل متوازية: أوّلاً، تنويع المنافذ بالخروج من ثنائية أنقرة/ موسكو نحو قناةٍ أوروبية تديرها اليونان وقبرص تَعِدُ بشرعيةٍ ومواردَ، لكن بثمنٍ سياسيٍّ معلوم: احترام القانون الدولي، والتهدئة البحرية، وإشاراتٌ عمليّة لحماية الأقليات. ثانياً، طمأنة الغرب عبر وضع ملفّ المسيحيين وسائر الأقليات في الواجهة لا كتنازلٍ مجاني، بل كأوراق طمأنة لازمة لتخفيف التحفظات الأوروبية وفتح أبواب تعاونٍ فنّي ومالي. ثالثاً، غموضٌ بنّاء حيال تركيا بإبقاء الباب موارباً أمام مفاوضاتٍ حول البحر والشمال السوري لرفع سقف المكاسب من الطرفين -أوروبا عبر أثينا ونيقوسيا، وتركيا عبر القنوات الأمنية والاقتصادية- مع إدراكٍ أن خطوةً خاطئة مع أنقرة قد تُطيح بما تعرضه أوروبا. رابعاً، المؤسسية عبر خطابٍ يتحدّث عن “بناء مؤسسات” و”لجان للهجرة” و”قنوات مع بطريركية أنطاكية”، بما يشي برغبةٍ في ترسيم انتقالٍ منضبط يبدّد هواجس الانفلات.
أوروبا
تنظر أوروبا إلى اليونان كمفوّض طبيعي لفتح قناة اختبار مع دمشق. الأولويات الأوروبية واضحة: منع موجات لجوء جديدة، خفض التوترات البحرية، إبقاء ملف الطاقة ضمن قواعد اتفاقية قانون البحار (UNCLOS)، وتحييد مساحات نفوذ تركية منفلتة في شرق المتوسط. وعليه تُرسم معادلة بسيطة: دعمٌ مشروطٌ بسلوك سوري منضبط. تعرض أثينا القيام بدور الضامن السياسي والمُصفّي الفني لهذا الدعم، على أن تمتنع دمشق عن مقايضات بحرية مع أنقرة على حساب اليونان وقبرص.
ماذا قال كل طرف… وماذا قصد؟
حين شدّدت أثينا على “القانون الدولي للبحار” لم تكن تُلقي درساً نظرياً؛ بل سمّت الخطر مباشرة: أيّ ترسيمٍ بحريٍّ سوري–تركي خارج إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وبما ينتقص من حقوق الجزر ومن المنطقة الاقتصاديّة الخالصة القبرصيّة (EEZ). وحين تحدّثت عن “حُكمٍ شامل” فهي تربطُ الاعترافَ والتمويلَ الأوروبيَّيْن لسوريّة بإشراك الأقليّات وخفض منسوب الإقصاء والعنف. أمّا إبرازُ ملفّ المسيحيّين وسائر الأقليّات فحوّلته من قضيّةٍ إنسانيّةٍ إلى شرطٍ سياسيٍّ مُعلن لأيّ مسار تطبيعٍ مع دمشق. وأخيراً، طرحُ اللجان الفنيّة للهجرة هو اختيارٌ واقعيّ لبدء تعاونٍ عمليّ قابلٍ للقياس يسبقُ التطبيعَ السياسيَّ الشامل، بوصفه إجراءً من إجراءات بناء الثقة (CBMs).
الإطار الثلاثي: آلية ضبط التفاهمات الثنائية
الحديث عن اجتماع ثلاثي يوناني–قبرصي–سوري في نيويورك ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل أداة عملية لضبط الإيقاع الإقليمي. مؤسسياً، يحقق ثلاث فوائد متقاطعة: لليونان، تقييد هامش دمشق في أي مقايضة بحرية مع أنقرة عبر إدخال قبرص طرفاً أصيلاً؛ لقبرص، تحصين ملف منطقتها الاقتصادية الخالصة ونقل الهجرة من عبء مزمن إلى برنامج تعاون منظم؛ ولسورية، مظلة شرعية غير صدامية مع أوروبا وخيار بديل عن اصطفاف أحادي مع تركيا. بكلمات أخرى، الإطار الثلاثي أداة سياسية لإدارة المخاوف المتبادلة، لا مجرد صورة جماعية.
على مستوى المسارات الواقعية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: الأول، مذكرة بحرية سورية–تركية تستدعي رداً يونانياً–قبرصياً–أوروبياً قاسياً سياسياً ومالياً وقانونياً وتغلق عملياً بوابة أثينا، مع تداعيات تتجاوز البحر إلى ملفات الهجرة والطاقة والمؤسسية؛ الثاني، انخراط منضبط تمضي فيه دمشق تدريجياً في تعاون فني للهجرة مع إشارات محسوبة لحماية الأقليات وامتناع عن خطوات بحرية استفزازية وفتح قنوات قانونية حول الطاقة، بما يفضي إلى دعم أوروبي مبرمج وعودة متدرجة إلى منصات شرق المتوسط؛ الثالث، توازن حاد تلعب فيه دمشق على الحبلين، تفاوض أنقرة بحساب وتحافظ على خيط أثينا–نيقوسيا، ما يطيل أمد الغموض المفيد لكنه يعلق أي دعم أوروبي على الاختبار التالي.
اختبار نيويورك
إذا انعقد اللقاء الثلاثي في نيويورك فسيكون الاختبار الأول لتحويل لغة البيانات إلى هندسة سياسية قابلة للاستمرار. مؤشرات المتابعة واضحة: تشكيل اللجان الفنية للهجرة وجدول عملها، أي تصريحات سورية حول قانون البحار، مستوى التواصل المؤسسي مع بطريركية أنطاكية، وخريطة الطريق القبرصية لدمج سورية في معادلة شرق المتوسط بلا صدام مع أوروبا. المعادلة بسيطة ومعقدة معاً: كلما اقتربت دمشق من قواعد القانون والتهدئة والاشتمال، اتسعت أمامها أبواب أثينا ونيقوسيا وبروكسل؛ وكلما انجرفت نحو صفقات بحرية وارتجالات أمنية عابرة، انغلقت تلك الأبواب سريعاً. الزيارة فتحت النافذة؛ أمّا العبور فمرهونٌ بواقعية رسائل الشيباني وبقدرة أثينا ونيقوسيا على تحويل الفرصة إلى إطارٍ مُلزِم.
by وداد سلوم | Aug 17, 2025 | العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
ارتبط الشرف في مجتمعاتنا العربية بالأنثى وصار معيار شرف الرجل هو التزام الأنثى التي تصله بها رابطة الدم بما يفرضه المجتمع وعاداته وتقاليده عليها وما زالت جرائم الشرف تنتشر في مجتمعنا وتعتبر رمزاً لغسل العار، سواء أكانت المرأة هي السبب أو حتى كانت ضحية. وتعرف جرائم الشرف حسب هيومن راتس بأنها :” أعمال العنف التي يرتكبها أفراد الأسرة من الذكور ضد أفراد الأسرة من الإناث باعتبارهن قد جلبن العار إلى الأسرة”. ويدخل تحت هذا البند، الخروج عن إرادة الأهل في اختيار الزوج، أو عند الشك بقيامها بسلوك أو تصرف مخزي أو تعرضها لاعتداء جنسي. وبينما انهارت مجموعة القيم الأخلاقية بالتزامن مع التدهور السياسي الحاصل، بقي المجتمع حرفياً في مواقفه من مفهوم الشرف وكأنه يلجأ بذلك للتعويض عن الانهيار الأخلاقي العام وارتكاب المزيد من جرائم الشرف التي يخففها القانون وغالباً ما تتم قبل التأكد من سلوك المرأة المشين بينما ينجو الرجل الشريك أو المعتدي غالباً . فكثير من النساء تم إثبات عفتهن والتي تتلخص بالمحافظة على غشاء البكارة بعد أن قتلن. كما في حادثة قتل الفتاة ليليان أبو سرحان على يد والدها في مدينة السويداء في كانون الثاني الماضي والتي أثبتت التقارير الطبية عذريتها بعد قتلها.
وتعتبر الإهانة الكبرى لأي رجل أن يتم شتمه بنساء عائلته أو التعرض لهن بألفاظ مسيئة أو السب بالأعضاء الجنسية النسوية وقد يجر ذلك إلى جريمة حقيقية.
ولهذا عمدت الأنظمة الديكتاتورية إلى إلصاق التهم الأخلاقية بالسجينات والناشطات السياسيات ليتم نبذهن مع أفكارهن من قبل المجتمع وإنكارهن من قبل الأهل وأقرب المقربين. يقول غياث الجندي الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان والمستشار لدى جمعيات حقوقية دولية عن إلحاق تهمة الدعارة بالناشطات: “تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة في دول عربية عديدة من أجل تشويه سمعة ناشطات ومعارضات، وأحيانا قتلهن، مع تحميل المسؤولية للأب أو الأخ أو الزوج، على أساس أن الجريمة كانت غسلا للعار”.
هل المقصود بخطف النساء إلحاق العار بجماعة أو طائفة معينة؟
قضية خطف النساء في سوريا لم يعد بالإمكان إنكارها ولا التستر عليها ورغم أنها قد تكون بدأت رغبة بالثأر، لكنها الآن تخطت ذلك، لتظهر كفعل إجرامي ممنهج ينال النساء ويندرج تحت استباحة الأعراض بعد أن تمت استباحة الحياة. بات القتل سهلاً ومبرراً كردة فعل كما حدث في جرائم الساحل والسويداء وحوادث قتل متفرقة في المدن الأخرى أو الاعتداء على أشخاص وانتهاك كراماتهم والأشياء الرمزية التي تخصهم، وترافق مع ظهور طريقة تفكير بدائية تم النكوص إليها تدعم سلوكيات من عصور سالفة وتدعو إلى الاستقواء ضد الآخر وخاصة نسائه.
يقودنا هذا كله إلى تساؤل: ألا يتعدى ما يجري من أعمال الخطف حالة الانتقام الفردي إلى الاذلال الجماعي للنيل من مجموعة أو طائفة خاصة بعد تصوير كل امرأة تختطف على انها قد ذهبت بإرادتها أي أنها خارجة عن المعيار الأخلاقي العام مع ما تتعرض له من اعتداءات؟
تدعم ذلك الأصوات التي تعج بها صفحات التواصل الاجتماعي والتي تنكر الخطف وترمي التهم على النساء وتبرير اختفائهن بعلاقات غير شرعية ويأتي ضمنها تصريح أنس عيروط عضو لجنة السلم الأهلي وهو يقسم قائلاً:” والله لا توجد أي حادثة خطف للنساء في الساحل والحادثة التي سمعنا بها كانت مزورة ومفتراة”. يبدو هذا الانكار اللامسؤول مكشوف إعلامياً واجتماعياً وهو فصام صارخ بين المسؤولية الاجتماعية والإنكار غير المثبت لما يحدث ولحقوق الضحايا من النساء المغيبات قسراً والصامتات خوفاً.
ومن هنا تبدو خطورة عمليات الخطف هذه التي تحدث دون توقف بما تحمله من إحداث شرخ جديد في النسيج السوري وهو الإذلال الموجه والإهانة بتدنيس الشرف.
وقد يسبب هذا فقدان الثقة ورفع جدار بين الأقليات والدولة القائمة الملزمة بحماية كل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم فالعائدات من الخطف كن يصرحن أن السيارة التي حملتهن لم يتم توقيفها على أي حاجز للأمن العام .وفي تقرير منظمة اللوبي النسوي السوري أن أهل إحدى الفتيات قمن بتسليم الأمن رقم هاتف المختطف الذي يتواصل مع الأهل لكن لم يسفر ذلك عن تلقي أي معلومات بشأن الفتاة .
يتم الخطف عبر القوة أو استخدام التخدير برش مادة في وجه المرأة المقصودة حسب ما صرحت به إحدى النساء. ويتوافق هذا مع تقرير منظمة العفو الدولية الذي يقول إن حالات الخطف تتم في وضح النهار ويقابلها التقاعس من قبل أجهزة الدولة وإلقاء اللوم على الضحايا وعائلاتهم والاتهام بالاهمال وسوء التعامل مما يدل على تجاهل منهجي للأدلة القاطعة.
ويشير تقرير اللوبي النسوي السوري إلى مؤشرات موثوقة على أن بعض المختطفات قد تعرضن للزواج بالإكراه أو الاستغلال أو الاحتجاز في ظل ظروف تهدد السلامة والكرامة ” كما تؤكد الشهادات والأدلة الموثقة فهناك حالة تزويج لفتيات قاصرات تم اختطافهن وهناك إشارات استفهام كثيرة حول بعض القضايا (كقضية مي سلوم) مثلاً أو الفتيات اللواتي يعلن زواجهن بعد الخطف مع طلب الطلاق من أزواجهن.
لا يمكن تفسير هذا إلا في سياق الاتجار بالنساء ومهمة السلطة القائمة إيقاف ذلك. فما يحدث يجب أن يسبب إحراجاً حقيقياً لها دولياً ومحلياً وتحدياً داخليا حقيقياً.
ومع استمرار حالات الخطف في الساحل تم مؤخراً تسجيل حالات اختطاف جماعية لنساء من السويداء وأكد ناشطون أن العدد يتجاوز ال80 ويبدو لقاء مراسل محطة تلفزيونية مع شباب مسلحين يقومون بنقل نساء درزيات في سيارتهم بدعوى الحماية فاضحاً ومريباً فالشخص الذي يقتادهن قام بتوثيق مشاركته بإعدام ميداني لمجموعة من الشباب الدروز العزل وهو ما تؤكده الناشطة سوسن أبو رسلان قائلة أن العديد من المختطفات ظهرن أمام الإعلام برفقة عناصر مسلحة ولا يعرف حتى الآن مصيرهن.
عصابات تستغل التفكك الاجتماعي
لا يمكن أن نتغافل عن حوادث في دمشق وحلب ففي نيسان الماضي تم خطف امرأتين في ريف حلب من قبل جماعة تعمل بتجارة المخدرات وللأسف فقد تم قتل الفتاتين من قبل أهلهما بعد الإفراج عنهما بدافع غسل العار.
كما تم دفع الفدية في حالات خطف أخرى ولم تتم إعادة النساء مما يؤكد دخول عصابات أيضاً تعمل على استغلال الوضع لأهداف متنوعة لا أحد يعرف حدودها تبدأ من طلب الفدية إلى الاتجار بالنساء أو الأعضاء أو المخدرات.
هكذا تدفع النساء الأثمان من حياتهن ومن وجودهن الإنساني، و الموقف تجاه قضية المختطفات إنسانياً على المحك ويجب عدم الاستهانة بخطره على النسيج السوري، سواء أكان حالات انتقامية أم أعمال عصابات تمتهن الأفعال الخارجة عن القانون، فالدفاع عن كل إنسان هو واجب السلطة والدفاع عن كل امرأة هو واجب كل شخص بغض النظر عن انتمائها الطائفي أو السياسي ولنتوقف عن الإنكار والاهتمام الحقيقي بكل قصة لأنها تمس قيمنا الإنسانية.
by أوس يعقوب | Aug 10, 2025 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
كتاب “اِنسَ اسمك- مازن الحُمادة، طريق المختفي” (Oublie ton nom – Mazen el Hamada, itinéraire d’un disparu)، للمخرجة والكاتبة والصحافية الاستقصائية الفرنسية، “غارانس لوكان” (Garance Le Caisne)، الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2022، هو كتابها الثاني بعد إصدارها لكتاب “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية” باللغة الفرنسية في عام 2015، والذي تروي فيه قصّة المصوّر العسكري السوري “قيصر” الذي التقط آلاف الصور الفوتوغرافية التي تفضح جرائم نظام بشار الأسد البائد، والذي تُرجم إلى العربية، وصدر عن دار “ميسلون للثقافة والترجمة والنشر” عام 2018.
في يونيو/ حزيران 2024، صدرت الترجمة العربية لكتاب “اِنسَ اسمك..” بعنوان “لم يعُد معنا: سيرة مُغيَّب“، عن “دار الجديد” البيروتية، وفيه تقدّم “لوكان” قصّة مازن كما رواها لها خلال عامي 2017 و2018، والتي تحكي مأساة التعذيب في أقبية سجون نظام الرئيس المخلوع الهارب بشار الأسد، وفوضى الحياة الجديدة التي طال انتظارها وحلمها.
- ذكريات المعتقل الناجي، والشاهد والشهيد
بعد عِلم “لوكان” بتردّي حالة مازن النفسية ورفضه الخضوع للعلاج جمّدت مشروع الكتاب، واحتفظت به ثلاثة أعوام، حتى إذا ما علمت من أخيه أنّه لم يعد موجوداً، أفرجت عن الكتاب بعد أن استأذن عائلة الحُمادة لالتزامها الأخلاقي، ولرغبة منها أن لا تموت قصّة مازن الشُّجاع، إذ تقول إنّها في اللقاءات كانت تشعر كأنّها تلمّ شظاياه بيديها “بينما كانت مدينته تُقصَف قصفاً يفوق الخيال”، وفقاً لشهادة أخيه.
قضى مازن (مواليد عام 1977) تحت التعذيب، قبل سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو بأسبوع واحد، إذ عُثر على جُثّته في “مستشفى حرستا الوطني” بريف دمشق، وعليها آثار تعذيب انتقامي وحشي، فالكدمات وآثار التعذيب التي ظهرت على جسده كانت كافية لرسم صورة التعذيب الذي تعرّض له، وكانت عودته إلى دمشق في شهر فبراير/ شباط 2020. وعند وصوله إلى دمشق أدرك خطأه. وكانت عبارة “ادعوا لي” آخر الكلمات التي سُمعت من مازن.
استندت “لوكان” في تأليفها للكتاب الذي نستعرضه في هذه المقالة، إلى عدّة مقابلات أجرتها مع مازن عندما كان في أوروبا؛ في باريس، وفي شقة مازن في قرية هيلغوم الهولندية، وفي مزرعة قديمة في ريف النورماندي، قبل عودته إلى دمشق عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، يوم 22 فبراير/ شباط 2020، وتغييبه بعد يومين، إثر اعتقاله من قِبل المخابرات الجوّية في دمشق، ثم قتله تحت التعذيب عمداً، عشية سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024.
في عام 2015، كان اللقاء الأوّل بين الصحافية الفرنسية ومازن الحُمادة، الذي يتحدر من أسرة كبيرة في دير الزور تعمل في الزراعة وتربية الماشية، والذي كان يعمل قبل الثورة كفنّي لدى إحدى شركات النفط العاملة في محافظته شمال شرق سوريا، والذي انتظم في ثورة شعبه السلمية، واعتقلته الأجهزة الأمنية في نظام الأسد أربع مرّات، وكان الاعتقال الأخير (في سجن المخابرات الجوّية بدمشق) هو الأصعب، إذ مكث فيه ما يزيد على عام ونصف العام (بين 2012- 2014) تعرّض خلالها لأشدّ أنواع التعذيب التي تركت آثارها المدمّرة على صحته الجسدية والنفسية، وكان شاهداً على العديد من ممارسات النظام الوحشية بحقّ آلاف المعتقلين السياسيين والثوّار.
في ذلك اللقاء الأوّل بين “لوكان” ومازن، وافق المعتقل الناجي-حينها، والشاهد والشهيد في نهاية المطاف، على الإدلاء بشهادته حول كتابها الأوّل “عملية قيصر في قلب آلة الموت السورية”، بحسب ما تروي “لوكان”، لافتة إلى أنّ مشروع كتابها معه وحوله بدأ في عامي 2017 و2018، عندما بدأت جلسات استماعها إليه، وهو يروي ذكريات وجعه التي عايشها في سجون نظام الأسد، مستعينةً بصديقتها الشاعرة السورية الفرنسية عائشة أرناؤوط كوسيط ترجمة بينها وبينه.
- إعادة بناء الصوت للوجوه المنسية
جاء الكتاب في 190 صفحة موزعة على أربعين فصلاً، جاء كل فصل منه في شكل ثنائية كتابية متناغمة تتضمّن حديث مازن وسرده لذكرياته، ثم تعقيبات وإضافات من المؤلّفة عليها.
ووفقاً لما كتب الناشر على الغلاف الخارجي الأخير للكتاب، فإنّه “حينَ تيقّنتْ غارانس لوكان أنّ مازن الحُمادة، الذي أمضتْ معه ساعاتٍ طويلةً تصغي فيها إلى قصّة سجنه وتعذيبه ولجوئهِ لن يعود، قرّرت إنشاء كلامه كتاباً.
خانته عدالة الغرب، ففضّل العودة إلى سوريا بلدِ المطامير والإهانةِ وهو يحلُمُ بدير الزور والفرات وبدولةٍ عادلةٍ لا تفترسُ أبناءَها. وصلَ إلى مطار دمشق واختفى. صحيحٌ أنّ التِّنِّينَ لا يرتوي من دماء أبنائهِ، بيدَ أنّ شقائق النّعمان عنيدةٌ كالرّبيع.”
يُقدّم الكتاب شهادة إنسانية قاسية ومؤلمة عن الاعتقال السياسي والتعذيب في “سوريا الأسد”. أما أبرز المحاور التي تناولتها “لوكان” فهي: نشأة مازن في دير الزور، وانتماؤه لعائلة كبيرة من 18 أخاً وأختاً، وتجربة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام، خاصّة في سجن المخابرات الجوّية بين 2012 و2014، والمنفى واللجوء في أوروبا، ومحاولاته إيصال صوت المعتقلين عبر جولاته الإعلامية في بعض المدن الأوروبية والأميركية، والخذلان الدولي وصراعه النفسي بعد تجاهل العالم لمعاناة السوريين، وأخيراً عودته الصادمة إلى دمشق وتغييبه مجدّداً في الشهر الثاني من عام 2020. ولعل أهم ما يميّز عمل “لوكان” هذا هو: الطرح الإنساني العميق إذ تُركّز على الإنسان لا الحدث السياسي، واللغة الأدبية التوثيقية حيث تمزج بين السرد والتحليل والشهادة، والتأريخ للحدث السوري من الداخل بتقديمها الثورة من خلال وجوهها المنسية. إضافة إلى التحرير الحيادي فلا نرى “لوكان” تُعلّق بل تُنصت وتُعيد بناء الصوت، ناهيك عن الرمزية النفسية بتجسيدها كيف يتحوّل الألم إلى ذاكرة مقاومة.
مازن، بقامته النحيلة كما لو أنّ معاناته ابتلعته، وبكتفيه البارزتين، ويديه الطويلتين كثيرتا الحركة، وخديه الأجوفين، ونظراته الخالية من الأمل، “قطع وعداً على نفسه بأن يشهد”، تقول “لوكان”، وتضيف: “بالإضافة إلى الإيذاء الجسدي، شهد مازن على تدمير الأرواح. كلماته التي تم جمعها على مدى عدّة أشهر، أصبحت مفكّكة بشكلٍ متزايد وكشفت الحيرة التي سقط فيها بسبب استحالة سماعه من قبل القادة الغربيين الذين كان ينبغي عليهم القبض على المجرمين. تعكس عزلة مازن شهادات الناجين من معسكرات الاعتقال وشهادات الناجين من الإبادة الجماعية”.
تناولت “لوكان” في فصول الكتاب نشأة مازن، وذكريات الطفولة في مسقط رأسه دير الزور، ومعايشته للثورة السورية، وذكريات الوجع والآلام في سجون نظام الأسد، التي قضى فيها في الاعتقال قبل الأخير ، مدّة 18 شهراً تقريباً، وبعد الإفراج عنه خلال الربع الأوّل من العام 2014، قرّر مغادرة السجن السوري الكبير عبر قوارب الموت، وكله عزيمة وإصرار على رواية عذابات ووجع أبناء وبنات شعبه الثائر ضدّ ظلم نظام “الدولة المتوحشة” على حدِّ وصف الباحث والكاتب الفرنسي “ميشيل سوار”، الذي لقي حتفه في سوريا إعداماً عام 1986، وبقي رفاته محتجزاً لمدة عشرين عاماً، لا لشيء إلّا لأنّه فضح نظام حافظ الأسد الدموي.
- طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا
بعد إطلاق سراح مازن عام 2014، واضطراره لمغادرة سوريا، وبعد عبوره البحر الأبيض المتوسط، انتهى به المطاف في هولندا، “البلد الذي ستذكره قنواته بنضارة نهر الفرات في طفولته. سيصبح أحد السوريين القلائل الذين يندّدون علانية بالتعذيب الذي تعرّض له في سجون نظام الأسد” بحسب ما ورد في تقديم الكتاب.
تنقل “لوكان” عن مازن قوله: “أنا عينة من أبناء البلد وسأحدّثكم عما حصل: طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا. فقط لأنّنا طالبنا بالحرّية، قتلونا واعتقلونا وعذبونا وذبحونا. قصفونا بكل أنواع الأسلحة، البراميل المتفجرة، الصواريخ، الفوسفور… وبكل شيء يمكنكم تخيله”. يضيف متسائلاً: “ماذا كان سيحدث لو طالبنا أيضاً بثروات البلد! أضحك ولكن كما تعلمون، لقد دمّروا ذاكرتنا. دمّروا طفولتنا وذكرياتنا وأحلامنا. حتى أنّهم هدموا الجسر المعلّق فوق نهر الفرات. لقد حاولوا محو الإنسان بداخلنا وأخلاقنا ومبادئ عالمنا، وأرادوا دفعنا نحو التطرّف، وقذفوا بنا إلى البحار”.
ويتابع قائلاً: “عشت بدايات الثورة؛ السجن، الحرب. كنت مطلوباً من قبل الأسد و(داعش) والفصائل المتطرّفة، وفي إحدى الأمسيات، التقيت بإخوتي الأكبر سناً وأبلغتهم أنّ وضعي قد أصبح صعباً، وقد حان وقت الرحيل”.
تواصل “لوكان” سرد أوجاع مازن وما خلفه نظام الأسد الوحشي في نفسه الهشة من رعب وترهيب، فتنقل على لسانه: “نحتاج إلى متخصّص يمكنه فتح رؤوسنا وتفكيك أدمغتنا ورؤية ما بالداخل، والتحقّق من الروابط وجعل كل شيء على ما يرام. شخص قادر على الترتيب والتنظيف. يجب إزالة البراميل والصواريخ والمواد الكيماوية والتعذيب والسجن وإزالة ما حدث على مدى السنوات السبع الماضية وسنتين في الاعتقال. يجب إزالة 70 بالمئة من هذه الذاكرة. عندما وصلت إلى أوروبا، لم يكن الأمر كما لو أنّني لم أرَ شيئاً، فأنا أعلم بأوجاع أولئك الذين عانوا. لم يكن هناك تلفاز في زنزانتي، لذا فإنّ شهادتي للعالم هي جزء ضئيل مما عشناه في السجن. أن تتكلم وتسمع ليس كما ترى، والنظر إلى الوراء يكسرني. يجب أن أعيش، لكنّ العيش صعب أيضاً، فعندما أكون وحدي تعود بي الذكريات إلى هناك..”.
تتوقّف “لوكان” مطولاً عند وحشية نظام الأسد وكيف غرق في ذُعره من السوريين المنتفضين ضدّ حكمه الفاسد والمستبدّ، فلم يتردّد باستخدام كل أساليب ووسائل التعذيب اللاإنسانية لقمع الثوّار. وتنقل في متن الكتاب عن مازن قصصاً لا تصدق عن القمع والتعذيب اللاإنساني الذي مارسه جلادو الطاغية بحقّه من اليوم الأوّل لدخوله إلى السجن منذ المرّة الأولى، وتعرُّضه للضرب قبل الاستجواب والاستمرار به حتى يقوم بالاعتراف بما يريده السجانون، أما الإنكار فليس لصالحه إذ سيفقد القُدرة على التحمُّل ويعترف بأي شيء يريده سجانه. ومن الضرب والشبح (التعليق من اليدين حتى يشعر السجين المشبوح أنّها ستنقطع، أو تُخلع من الأكتاف)، وحين يصرُخ من الألم يسدّون فمهُ بالحذاء، إلى الضرب بماسورة المياه والاغتصاب بالعصا، والتعذيب بشدّ مشبك معدني على العضو الذكري، والحبس في زنزانة قذرة حتى تتقيّح الجُروح، ثم الحبس في زنزانة حُشر فيها 180 شخصاً، بينما لا تتّسع لخمسين شخصاً، حتى يصبح الاختناق وارداً، والموت يومياً حيث يُكلّف السجناء بنقل جُثث من يموت منهم ويرمونها خارجاً.
يواصل مازن حديثه إلى “لوكان” عن أساليب التعذيب الأخرى التي تفنّن السجانون في استخدامها لتعذيب نفوس وأجساد المعتقلين من الثائرين ضدّ حكم عائلة الأسد، كـ إطفاء السجائر في الساقين، والصّعق بالكهرباء بعد سكب الماء البارد على جسد السجين، وتعذيب الأبرياء للضغط على ذويهم لتسليم نفسهم، كحكاية الشاب من داريا الذي حرقوا وجهه ويديه للضغط على والده، ويروي أيضاً حادثة إعدام الضباط الذين انشقّوا عن جيش النظام وحُبسوا معهم في “سجن المزة” ثم اختفوا.
يتذكّر مازن في أحاديثه واللقاءات الطويلة مع “لوكان” ذكرياته المؤلمة، وكيف أنّ النظام “دمّر ذاكرتهم”: بستان العائلة، الخبز المُعدّ على التنّور فوق سطح المنزل، مخبأ الكتب الممنوعة، المظاهرات الأولى، وبالطبع الحياة… ابتُلعت جميعها في الزنازين المكتظة حيث اُحتجز مازن مع اثنين من أبناء أخته.
وتخبرنا “لوكان”، كيف بدأ وعي مازن السياسي يتشكّل من خلال المكتبتين الموجودتين في منزله، واللتين تضمّان روايات وكتباً سياسية، وذلك بالإضافة إلى زاوية سرية في حائط حديقة المنزل، أين حفرت العائلة كوة وخبأت فيها مجموعة من الكتب التي كانت من المحرّمات في ظل الحكم الديكتاتوري العسكري الشمولي للأسدين الأب والابن.
وفي السياق، تحدّثنا عن بلدته “الموحسن” التابعة لمحافظة دير الزور، والتي دخل إليها الفكر الشيوعي منذ عام 1947، على يد المدرّس مدّاح الصايغ، حتى عُرفت بـ”موسكو الصُّغرى”، وهي موطن عائلة الحُمادة.
- عودة إلى دمشق اكتنفها الغموض
كان مازن يقول: “أُريد العودة إلى بلادي، لقد اكتشفتُ العالم وأكاذيبه ورأيت… أُريد العودة إلى سوريا للدفاع عن بلادي”، لقد أصبح حُرّاً في هولندا لكنّه مقيّد بالذكريات والواجب. وفي اتّصال أخير للناشطة السورية ميسون بيرقدار معه في بيروت، قال لها: “سأضحّي بنفسي لوضع حدّ لحمّام الدّم، هذا كل ما في الأمر”. وبعدها تواصل مع نتالي لاريسون، مديرة البرنامج الإنساني في “الجمعية السورية للمهمّات الطارئة”، قائلاً: “صلّوا من أجلي”.
اكتنف الغموض عودة مازن في 22 فبراير/ شباط 2020 إلى دمشق، وبدون سابق إنذار، الأمر الذي فتح باب الشكوك واسعاً لدى الناشطين السوريين بخاصّة المقرّبين منه، إذ ليس من المعقول والمنطقي أن ينجو أحد من سجون نظام الأسد ثم يعود إليها بإرادته. لا سيّما وأنّ مازن كان قد حصل على لجوء في هولندا قبل أن يتردّد بكثرة إلى ألمانيا قبيل عودته المثيرة للجدل إلى سوريا.
يصف أحد أقربائه المقيمين في هولندا ما حصل مع مازن بأنّه “اختطاف”، مرجّحاً أن تكون عودته تمت بمكيدة أعدّتها سفارة نظام الأسد في برلين. ونفى ما تم تداوله عن عودته بشكل طوعي بسبب تردّي أحواله المادّية والنفسية.
وأفاد قريب مازن بأنّه تواصل مع أشخاص شاهدوا الأخير في مطار برلين قبيل وقت قصير من عودته إلى دمشق برفقة سيدة موالية ومقرّبة من سفارة النظام بألمانيا. وحين سألوه إن كان ذاهباً إلى دمشق، أجاب بالنفي وقال لهم بأنّه ذاهب إلى بيروت، لتردّ السيدة التي بجانبه قائلة: “بل إلى دمشق”.
في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، شيع آلاف السوريين مازن الحُمادة، الذي لم يمهله القدر أسبوعاً واحداً فقط قبل سقوط حكم آل الأسد لينعم بالحرّية التي طالما حلم بها، وسيسجّل التاريخ أنّه رحل ولم ولن يبقى لنا من أثره سوى صدى صوته الحرّ وكلماته التي ستبقى توجعنا كسوريين نلنا حرّيتنا بفضل نضالات مازن وأمثاله من الضحايا والناجين: “لقد دمّروا ذاكرتنا بيد أني أستمدُّ قوّتي من ذاكرة وجعي”.
مؤلّفة الكتاب في سطور:
“غارانس لوكان”، مخرجة وكاتبة وصحافية استقصائية فرنسية مستقلة، تعمل في المجلة الأسبوعية الفرنسية “لو جورنال دو ديمانش” (Le Journal du Dimanche)، وفي المجلة الإخبارية “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur) منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. عندما كانت تعيش في القاهرة قامت بتغطية القضايا السياسية في الشرق الأوسط والاحتجاجات والانتفاضات والثورات في العالم العربي. قامت بتغطية الثورة السورية بشكل خاص منذ عام 2011 وكتبت مقالات عن طب الطوارئ في الصراع السوري.
حظي كتابها الوثائقي “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية”، باعتراف دولي بعد ترجمته إلى لغات عديدة بينها الإنكليزية والألمانية والإيطالية. وحصلت “لوكان” عنه على جائزة “غيشويستر شول للأدب” في ألمانيا عام 2016. وفي مدينة هونج كونج على ساحل الصين الجنوبي، صُنف ضمن أفضل الكتب التي تتناول حقوق الإنسان.
في عام ۲۰۲۲ حقّقت “لوكان” ككاتبة ومساعدة في الإخراج، بالتعاون المخرج ستيفان مالتير، فيلماً وثائقياً بعنوان “أرواح ضائعة” (Les âmes perdues)، الذي يعرض العذابات التي تعرّض لها الشعب السوري من قبل سلطات نظام الأسد كما يسلط الفيلم الضوء على ضحايا قيصر بالإضافة إلى تناوله قضية المخفي قسرياً مازن الحُمادة، كذلك يتحدّث الفيلم أيضاً عن الجريمة التي ارتكبتها أجهزة المخابرات السورية بحقّ الفرنسي من أصل سوري مازن دباغ وابنه باتريك. وهو إنتاج فرنسي- ألماني.
by عمر الشيخ | Jul 4, 2025 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
قد يُغري بعض السوريين الظن بأن النفوذ الروسي قد تراجع مع سقوط نظام الأسد، وأن الحاضنة الشعبية التي تشكلت رفضاً للتدخلات الأجنبية كفيلة بتحصين المستقبل السوري من أي ارتداد. لكن هذا التصور يتجاهل قاعدة راسخة في سياسات القوى الكبرى: لا تُغادر الساحات بهدوء، ولا تُسلّم بالهزيمة دون إعادة تموضع. النظام الروسي، القائم على سردية قومية واستبدادية، لا يرى في الانسحاب المعلن إلا اعترافاً لا يُغتفر بالضعف، وهو ما لا تسمح به عقيدته.
في الكواليس، ظل التنسيق الأمني بين موسكو وحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع قائماً منذ اليوم الأول لانطلاق “عملية ردع العدوان”، وفقاً لمعلومات الاستخبارات التركية حتى اليوم. هذا الاستمرار يُظهر رغبة روسية في الاحتفاظ بموقع فاعل داخل الخريطة السورية، ليس عبر القواعد العسكرية وحدها، بل من خلال القنوات الاستخباراتية العميقة. وقد عكس اللقاء الأخير الذي جرى في العاصمة الأذربيجانية باكو بين رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي ومسؤول أمني سوري هذا التوجه، حيث طُرحت، بحسب التسريبات، مسألة العناصر الجهادية الأجنبية، مع ضغط روسي واضح لتشديد الضبط الأمني داخل سورية، منعًا لتسلل هؤلاء إلى الداخل الروسي أو إلى دول آسيا الوسطى.
اللافت أن هذا التنسيق لم ينقطع رغم تبدّل الرؤوس السياسية في دمشق. بل ثمة مؤشرات على أن العلاقة بين الجانبين تدخل مرحلة جديدة: أقل صخباً، لكنها أكثر تقييداً. فبينما تتحدث موسكو عن “ضمان الأمن المشترك” و”احترام سيادة سورية”، يلوّح الشرع بخطاب مزدوج: يُثني على دعم موسكو التاريخي، لكنه يطالب – للمرة الأولى منذ عقدين – بعلاقات متكافئة لا وصاية فيها.
من هنا، لا بد للسوريين من التعاطي مع المرحلة الانتقالية بعين اليقظة. فالاطمئنان إلى أن ما تحقق شعبياً سيمرّ بسلاسة، دون مقاومة أو انتكاسات، قد يكون أقصر الطرق إلى الانتكاس ذاته. النفوذ لا يعود عبر الدبابات فقط، بل يجد طريقه عبر إعادة تدوير الوجوه، وشراء الولاءات، وتغذية الانقسامات. وهناك دوماً أطراف، داخل سورية وخارجها، مستعدة لفتح الأبواب من جديد أمام مشاريع الهيمنة القديمة، بدوافع تتراوح بين المصلحة والنوستالجيا المرضية لنظام القوة.
تتبدّى ملامح هذا الخطر اليوم في مشاهد متفرقة، لكن مترابطة في عمقها: دعم مؤتمرات تُروّج لتقسيم سورية تحت عناوين الفيدرالية الزائفة، وفعاليات تنسج سرديات متعالية عن الضحايا، تصنع تدرجاً في الألم الوطني، وتُعيد تدوير لغة المنتصر المهزوم. ما تكشفه هذه الديناميات هو أن المعركة على سورية لم تُحسم بعد، وأن الجغرافيا السياسية لما بعد الأسد لا تزال هشّة ومفتوحة على الاختراق.
الأخطر من ذلك أن جمهور الحاضنة القديمة – الذي ظنه البعض قد تبخّر – قد أُيقظ من سباته مع عودة شائعات إعادة تأهيل ماهر الأسد. هؤلاء لم يتلاشوا؛ بل انكمشوا، وراقبوا بصمت. وهم لم يتخلّوا عن النظام لأنه قاتل، بل لأنه خسر. ولاءهم لم يكن للمبادئ، بل للقوة والقدرة على البقاء. وهذه الطبقة الرمادية، إذا لم يتم تفكيك بنيتها النفسية والاجتماعية بخطاب سياسي ذكي، قادرة على إعادة إنتاج النظام بأشكال جديدة، أكثر دهاء وربما أكثر قبولاً في الداخل والخارج.
في هذا السياق الانتقالي، دخلت موسكو بدورها مرحلة ارتباك استراتيجي. فالرئيس أحمد الشرع – الذي بدأ عهده بخطاب سيادي متماسك – لم يمنح موسكو ما اعتادت عليه: لا تبعية مباشرة، ولا ضوءاً أخضر لمواقع نفوذ ثابتة. هذا ما يفسّر التصريحات المتوترة التي صدرت من بعض المسؤولين الروس، وأبرزها تصريح السفير الروسي في بغداد لقناة عراقية، حين قال: “مسألة مصير بشار الأسد لم تُناقش، وهو أمر غير وارد”. لا يُقرأ هذا التصريح بوصفه موقفاً، بل كقناعٍ للحرج؛ محاولة لطمس سؤال الخسارة أكثر من كونه تأكيدًا على تحالف دائم.
وبينما اكتفى الكرملين بالمراوغة أمام المتغيرات في دمشق، أرسل الرئيس فلاديمير بوتين رسالة تهنئة إلى أحمد الشرع بمناسبة توليه السلطة، حينئذ. الرسالة لم تُنشر نصاً، وجرى الاكتفاء بتصريح مقتضب من المتحدث باسم الكرملين وصفها بأنها “تهنئة رسمية”. لكن التسريبات التي رافقتها عن حديث حول “استمرار التعاون” و”مكافحة الإرهاب” و”احترام خيارات الشعب السوري” بدت كأنها تعكس محاولة روسية للحفاظ على موطئ قدم، دون التورّط في مشهد قد يُحمِّلها مسؤولية الفشل السوري الكامل.
اللافت أن حكومة الشرع لم تُصدر أي رد رسمي على الرسالة، وهو صمتٌ مدروس لا يخلو من الرسائل. فقد أراد الشرع أن يترك الباب مفتوحاً، دون أن يقدّم لموسكو أوراق التطمين المجانية. وهنا تبرز المعادلة الجديدة: دمشق لم تعد ساحة خالية لمراكز النفوذ، بل حقل ألغام سياسي، يتطلّب مهارة عالية في التوازن، لا سيما حين يتعلّق الأمر بالقوة الروسية التي ما تزال تحاول إنكار لحظة السقوط.
على أن التطور الأكثر دلالة جاء من بوتين نفسه، حين أعاد التأكيد في تصريح حديث على أن التدخل الروسي في سورية كان لمنع تمدد الإرهاب، مضيفاً بعبارة مموّهة لكنها لافتة أن المعارضة السورية “قد تعلّمت خلال عقد من الصراع كيف تدير شؤونها وتحافظ على أمنها الداخلي”.
تصريح قد يبدو عابراً، لكنه يحمل في طياته تحولًا نوعياً في سردية الكرملين: من شيطنة المعارضة باعتبارها تهديداً وجودياً، إلى الإقرار، الضمني، بأنها أصبحت طرفاً قادراً على ضبط البلاد، بعد أن أنهكها الاقتتال متعدد الأطراف، من جيش الأسد إلى فصائل الثورة المتناحرة، ومن التدخلات الإيرانية إلى الغارات الإسرائيلية والضغوط الغربية.
هذا التحول لا يعني أن موسكو تبنّت شرعية حكومة الشرع، بل إنها تحاول صياغة موضع جديد لها داخل المعادلة الناشئة، انطلاقًا من مبدأ روسي تقليدي: إذا احترق الميدان، تفاوض على الرماد.
ورماد النظام السوري، الذي كان شريكاً استراتيجياً لموسكو، يتداخل اليوم مع رماد المشروع الروسي نفسه في شرق المتوسط، حيث التمدد التركي، والاندفاعة الأوروبية، وتراجع الاهتمام الأمريكي، يفرضان على موسكو إعادة نظر جذرية في أدواتها ومواقعها.
من هنا، تتعدد السيناريوهات أمام روسيا:
- الاعتراف الضمني بحكومة الشرع، من دون إعلان القطيعة مع شخصيات موالية لبشار الأسد، مع الإبقاء على صِلات عبر شخصيات تكنوقراط أو أمنيين قدامى.
- الانكفاء السياسي والعسكري النسبي، مقابل التموضع كقوة استثمارية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، حيث الدولة السورية الجديدة أكثر هشاشة، وأشد عطشاً إلى الخارج.
- اللعب على التناقضات الداخلية داخل حكومة الشرع أو بين الفصائل، لتغذية انقسامات تفتح باباً خلفيًا للنفوذ الروسي غير الرسمي.
- تفعيل أدواتها الإقليمية: مجموعات عراقية، لبنانية، أو سورية تدين لها بالولاء، كي تبقى ممسكة بخيوط المشهد دون أن تتصدر واجهته.
في كل هذه السيناريوهات، تسعى روسيا إلى الحفاظ على سرديتها الكبرى: أنها لم تُهزم، بل غيرت أدواتها فقط.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن تفهم دمشق الجديدة – حكومةً ومجتمعاً – أن هذه السردية تُصاغ الآن بهدوء، تحت قشرة الرماد، وأن إهمال مواجهتها قد يفتح الباب أمام عودة بطيئة، ماكرة، ولكن فعّالة.
فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يُلهم المتربصين بإعادة إنتاجه. والنفوذ، كما خبرناه في العقد الماضي، لا يأتي فقط على ظهر الدبابات؛ بل يتسلل إلى الاجتماعات الوزارية، وصفقات الإعمار، وتحالفات الطاقة، وابتسامات الدبلوماسيين.
يبقى السؤال الأخير: ماذا تعني الهزيمة إن لم تُعلَن؟ وماذا لو أُعيد تسويقها كـ”حكمة إعادة تموضع”؟
بقاء روسيا في سورية ليس قَدَراً. إنه احتمال. واحتمال يمكن كسره، بشرط ألا ننسى من أشعل النار أول مرة، وألا نُخدع بوهم أن الرماد قد برد.فالرماد، كما علمتنا التجربة السورية، لا يحتاج إلا نسمة خفية ليشتعل مجدداً.