by وداد سلوم | May 13, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.
وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.
والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.
خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟
من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.
الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.
نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.
يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.
تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.
وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.
تقارير متناقضة عن الخطف
صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.
لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.
هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.
نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.
بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.
by عماد الدين موسى | Apr 25, 2026 | Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
يسعى الكاتب السوري علي نضال تفاحة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والواقع عبر أدوات فنية تتجاوز النماذج الكلاسيكية، مستنداً إلى تفكيك البنى السردية الجاهزة والانفتاح على أشكال كتابية تمزج التأمل الفلسفي بالتجريب اللغوي، في سياق تفاعلٍ واعٍ مع التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة العربية.
تعكس نصوصه حساسية عالية تجاه الأسئلة الوجودية والتغيّرات الاجتماعية والتوترات الثقافية، إضافةً إلى مساءلة المسكوت عنه والاقتراب من مناطق شائكة في التجربة الإنسانية، عبر لغة مكثفة تعمل على الصورة، بما يمنح كتابته طابعاً خاصاً في المشهد الروائي المعاصر.
يتحوّل السرد في روايته “هلوسات شرق أوسطية”، الصادرة عن دار مرفأ في بيروت (2025)، إلى أداة كشف داخلي تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، إذ تقوم الرواية على بنية مركبة تتداخل فيها مستويات الزمن وتتجاور فيها الذوات الساردة، ما يخلق فضاءً نصياً كثيفاً يتطلب قراءة متأنية لتتبّع تحولات المعنى ضمن هذا النسيج المتوتر.
تتحرّك أحداث الرواية ضمن سياق شرق أوسطي مأزوم، حيث تتقاطع التحولات السياسية مع التجارب الفردية، ويتحوّل الواقع إلى سلسلة من الانكسارات المتلاحقة. تبرز في هذا الإطار، شخصية “جود المنتظر” بوصفها محوراً أساسياً، تبدأ تجربته داخل السجن حيث يبطؤ الزمن وينكفئ الوعي على الذات، ثم ينتقل إلى فضاء آخر بعد الإفراج عنه، فيجد نفسه، أمام مشهد سياسي متحوّل يفتح احتمالات جديدة.
تتقاطع مسارات شخصيات أخرى مثل “جمان المصلوب” و”لمياء البتول”، فتتوزع الحكاية بين هذه الأصوات، ما يشكل صورة متعددة الأبعاد. تمثل جمان خطاباً عاطفياً مكثفاً قائم على التماهي والتخييل، بينما تقدم لمياء مساراً مختلفاً يرتكز على التجربة الجسدية والتحولات النفسية الناتجة عنها، ما يمنح الرواية طابعاً فسيفسائياً، حيث تتكامل الحكايات في تشكيل المعنى العام.
جماليات السرد وتعدد الأصوات
تعتمد الرواية تقنية تعدد الأصوات، إذ تتناوب الشخصيات على سرد تجاربها، ما يخلق تنوعاً في زوايا الرؤية، ويرتبط هذا التعدد ببنية نصية قائمة على التشظي، ضمن شبكة من الأصوات المتجاورة والمتداخلة. حيثُ يتم الانتقال بين هذه الأصوات بانسيابية، مع احتفاظ كل صوت بخصوصيته اللغوية والنفسية؛ يميل جود إلى لغة تأملية تتداخل فيها المرجعيات الدينية مع التجربة الشخصية، بينما تتسم لغة جمان بكثافة عاطفية تميل إلى التكرار والتوكيد، وتأتي لغة لمياء محمّلة بالتفاصيل الحسية مع حضور واضح للبعد الجسدي.
يعزز هذا التنوع اللغوي ثراء النص ويمنحه قدرة على تمثيل مستويات متعددة من التجربة الإنسانية. يكتفي السرد هنا بتشكيل الأحداث عبر إعادة ترتيبها داخل بنية لغوية متوترة.
يحتل المكان موقعاً مركزياً في الرواية، إذ يتوزع بين فضاءات متعددة لكل منها دلالته الخاصة؛ يمثل السجن نقطة البداية حيث الانغلاق والعزلة والتكرار الزمني، مؤثراً في الشخصية وطريقة إدراكها لما يأتي بعده.
بعد الخروج، تتسع الجغرافيا لتشمل المدينة التي تظهر بمظهر مزدوج، يجمع بين الحيوية الظاهرية والتوتر الداخلي؛ الشوارع والمؤسسات والبيوت.. جميعها تشكّل خلفية تتحرك ضمنها الشخصيات، مع احتفاظ كل فضاء بخصوصيته.
يحمل البيت، خاصة في تجربة لمياء، دلالة مرتبطة بالذاكرة، حيث تتداخل فيه لحظات الحميمية مع الإحساس بالفقد، مانحاً المكان بعداً نفسياً ويجعله جزءاً من البنية الداخلية للشخصية. بهذا، يصبح المكان عنصراً دلالياً يشارك في بناء المعنى عبر علاقته بالشخصيات والأحداث.
الشخصيات وخصوصيتها
تُبنى الشخصيات في الرواية وفق منطق داخلي دقيق، حيث تحمل كل شخصية مجموعة تناقضات تشكّل هويتها. يظهر جود كشخصية مركبة تجمع بين البعد الديني والتجربة السياسية والوعي النقدي. فيما تقدم جمان نموذجاً مختلفاً، حيث يرتكز بناؤها على البعد العاطفي، مع حضور قوي للتخييل، يتجاوز خطابها الواقعي، ويتجه نحو تشكيل صورة مثالية، تقوم على التماهي مع موضوع الحب. بينما تتركز تجربة لمياء حول البعد الجسدي والتحولات التي تطرأ عليها. مقدّمة قراءة مختلفة للعلاقات الإنسانية وتأثير البعد الحسي في تشكيل القرارات.
يظهر الجسد في الرواية بوصفه عنصراً أساسياً في تشكيل التجربة؛ في مسار لمياء، يتخذ الجسد موقعاً مركزياً، حيث يتحول إلى محور لفهم الذات، وإعادة ترتيب الأولويات.
يرتبط حضور الجسد بالسياق والتحولات التي تمر بها الشخصية، إذ يتحول إلى وسيلة للتعامل مع الفقد وغياب الاستقرار، ما يطرح أسئلة عن العلاقة بين الجسد والهوية، وبين الرغبة والقرار.
تقول لمياء في أحد المقاطع: “أنا لمياء صاحبة الستة والعشرين ربيعًا، والتي كان جسدها قبل ذلك مجرد قوام جميل المظهر، وعلاقتها به سطحية جداً. عشتُ فيه، ومعه، ولم أعرفه جيداً. والآن أندم على تلك اللحظات، وأفرح أنني اكتشفته قبل أن أخسره”.
يفتح الاعتراف في المقطع السابق أفقاً واسعاً لقراءة الجسد بوصفه معرفة مؤجّلة، وتجربة تكتمل عبر الفقد، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة لفهم الذات ومعبر لإدراك هشاشة العلاقات الإنسانية.
تمضي الرواية في تفكيك الخطاب الأخلاقي، واضعة القارئ أمام أسئلة حادة تتصل بالرغبة والوفاء والخيانة والاحتياج، عبر لغة صريحة متوترة تنطوي على قدر عالٍ من الجرأة.
اللغة وتوتر التعبير
تتميز لغة الرواية بكثافة واسعة، حيث تتداخل المستويات التعبيرية ويكتسب السردية بعداً تصويرياً، مع ميل إلى التكثيف واستخدام التكرار لتعزيز الإيقاع. يعكس هذا التوتر طبيعة الموضوع ويتيح التعبير عن واقع متشظٍّ بلغة قادرة على احتواء هذا التشظي.
تتحرك الرواية بين الواقع والتخييل، إذ تتداخل الأحداث الواقعية مع عناصر أقرب إلى الهذيان، ما يقدم رؤية مختلفة للواقع تقوم على إعادة تشكيله من داخل الوعي.
تتحول الهلوسة إلى أداة سردية تمنح النص بعداً تأويلياً متعدد المستويات، فيما تلعب الذاكرة دوراً مركزياً في إعادة تشكيل الحاضر وفهم الذات، محدثة حركة زمنية غير خطية تتجاور فيها الأزمنة داخل النص.
تعتمد “هلوسات شرق أوسطية” على تفكيك البنية التقليدية واستبدالها ببنية مفتوحة تقوم على التعدد، مانحة نص غنى دلالياً وقدرة على تمثيل واقع شرق أوسطي معقد، مع إنتاج المعنى من داخل حالة الاضطراب المستمرة.
by أيمن النعيمي | Mar 29, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز واستثمارات دولية. يهدف هذا التقرير إلى تقديم رؤية تحليلية متكاملة لواقع قطاع الكهرباء في سوريا، متتبعاً مساره من مرحلة ما قبل الحرب، مروراً بسنوات النزاع التي شهدت تدميراً ممنهجاً، وصولاً إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام، التي تطرح أسئلة كبرى حول إعادة الهيكلة، والانفتاح على الاستثمارات، وتطبيق نماذج جديدة قد تغير وجه القطاع إلى الأبد.
في مستهل الحديث عن أزمة الكهرباء السورية، ينبغي العودة إلى جذور المشكلة التي لا تعود فقط إلى سنوات الحرب، بل تمتد إلى عقود من الإهمال الممنهج وسوء الإدارة الذي طال القطاع قبل عام 2011. خلال تلك الفترة، عانى قطاع الكهرباء من ضعف مزمن في الاستثمارات، وغياب الصيانة الدورية للمحطات القائمة، وتأخر في تنفيذ مشاريع التوسع رغم النمو السكاني المتزايد والطلب المتصاعد على الطاقة.
ظل القطاع يعاني من عجز هيكلي حتى قبل الحرب؛ ففي عام 2010، بلغ إنتاج سوريا من الكهرباء حوالي 6500 ميغاواط، بينما قُدّرت الحاجة الفعلية بأكثر من 8600 ميغاواط، مما يعني وجود فجوة تقترب من 2100 ميغاواط كان يتم سدها جزئياً عبر الاستيراد. وكانت معظم محطات التوليد التي تعمل بالنفط الثقيل (الفيول) والغاز الطبيعي تعاني من كفاءة منخفضة، وتزايدت ساعات التقنين في فصل الصيف مع ارتفاع الطلب بسبب التكييف والتبريد.
وهذا يعني أن القطاع كان هشاً منذ البداية، حيث اعتمدت سوريا على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي” لتشغيل جزء كبير من محطاتها الحرارية. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، توقفت إمدادات الغاز المصري، ليكشف ذلك عن التبعية الخطيرة التي ارتبط بها القطاع، وعن ضعف التخطيط الاستراتيجي الذي فشل في تأمين بدائل محلية أو إقليمية مستقرة.
وناهيك عن ذلك، فإن نظام الدعم الحكومي للكهرباء كان سيفاً ذا حدين؛ فبينما كانت التعرفة منخفضة بشكل كبير (حوالي 10 ليرات سورية للكيلوواط ساعة في بعض الشرائح)، كانت الخسائر تتضاعف في المؤسسة العامة للكهرباء التي لم تتمكن من تغطية تكاليف الإنتاج أو الاستثمار في تطوير الشبكة. وهكذا، دخل القطاع مرحلة الحرب وهو يعاني من تراكمات إدارية ومالية وتقنية جعلته أكثر عرضة للانهيار.
استهداف البنية التحتية وانهيار القطاع
على المستوى الإجرائي، شهدت سنوات النزاع المسلح تحولاً كارثياً في واقع قطاع الكهرباء، إذ تحولت البنية التحتية التي كانت تعاني أصلاً إلى هدف ممنهج في الحرب التي اشتعلت في البلاد. وبطبيعة الحال، تعرضت محطات التوليد الرئيسية لأضرار جسيمة؛ فمحطة حلب الحرارية، التي كانت تنتج 1100 ميغاواط، دُمّرت بالكامل تقريباً، فيما لحقت أضرار كبيرة بمحطة دير علي، ومحطة الزارة، ومحطة جندر، وغيرها من المرافق الحيوية.
ورغم ذلك، لم يقتصر الدمار على محطات التوليد فقط، بل طال شبكات النقل والتوزيع، حيث سُرقت أبراج الضغط العالي والكابلات الأرضية في عمليات منظمة، وتعرضت خطوط الربط بين المحافظات للتخريب المتعمد. إلا أنه، وعلى الرغم من حجم الدمار، فإن سياسة النظام السابق في استخدام الكهرباء كسلاح حرب كانت أكثر إيلاماً، حيث حُرمت مناطق كاملة من الخدمة لسنوات (مثل الغوطة الشرقية وحلب الشرقية)، بينما فضّلت الحكومة المناطق الموالية لها في التغذية.
انخفضت ساعات التغذية في معظم المناطق إلى ساعتين أو ثلاث يومياً، في أحسن الأحوال، وتراجع الإنتاج من نحو 9500 ميغاواط قبل الحرب إلى حوالي 1500 ميغاواط فقط، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي والزراعي، ودفع المواطنين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي كانت تعمل بالديزل المدعوم أولاً ثم غير المدعوم لاحقاً، وسط تكاليف باهظة أفقرت الأسر ودمّرت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
وخلاصة القول، إن الحرب لم تكن مجرد نكبة إضافية لقطاع الكهرباء، بل كانت تتويجاً لعقود من الإهمال، واستغلالاً ممنهجاً للبنية التحتية كأداة للضغط والإخضاع، مما جعل الخروج من هذه الأزمة معقداً ويحتاج إلى إرادة سياسية واستثمارات ضخمة.
القرارات الجديدة والتحولات السياسية
مثّل سقوط النظام في أواخر عام 2024 نقطة تحول في ملف الكهرباء، حيث واجهت الإدارة الجديدة تحدياً هائلاً يتمثل في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار لشبكة منهكة ومحطات مدمرة. علاوة على ذلك، شهدت المرحلة الانتقالية تحولاً نوعياً في السياسة الخارجية، حيث انفتحت سوريا على الدول العربية المجاورة والغرب، وبدأت قنوات الاتصال مع المؤسسات المالية الدولية والشركات الكبرى.
أعلنت الحكومة الانتقالية عن حزمة قرارات أولية تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع، كان أبرزها رفع تعرفة الكهرباء بشكل غير مسبوق في تشرين الأول 2025، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من عشرات الليرات إلى 600 ليرة للشريحة الأولى (حتى 300 كيلوواط/دورة)، وإلى 1400 ليرة لما يزيد على ذلك، فيما حُددت تعرفة القطاع الصناعي والتجاري بـ1700 ليرة للكيلوواط. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذا القرار أثار جدلاً واسعاً، إذ اعتبرته الحكومة خطوة أولى نحو تصحيح التشوهات السعرية وتقليل العجز، بينما رأى فيه كثير من المواطنين عبئاً إضافياً في ظل انهيار القدرة الشرائية.
وفي المقابل، تزامن رفع التعرفة مع تحسن ملموس في ساعات التغذية في دمشق وبعض المدن الكبرى، حيث وصلت إلى 12-18 ساعة يومياً، وهو ما فسره المسؤولون بأنه نتيجة لاتفاقيات استيراد الغاز والربط الكهربائي مع الدول المجاورة. لكن يبقى السؤال: هل هذا التحسن مؤقت أم بداية لنهضة حقيقية في القطاع؟
على المستوى النظري، يمكن القول إن المشهد الحالي للمناقصات والتحالفات في قطاع الكهرباء السوري يعكس تنافساً إقليمياً ودولياً محتدماً على الفوز بعقود إعادة الإعمار، حيث تتقاطع مصالح قطر وتركيا والسعودية وأميركا والصين في سوريا.
الصفقة الأكبر والأكثر طموحاً هي تلك التي قادتها شركة “أورباكون” القطرية (UCC) بقيمة 7 مليارات دولار، والتي تشمل بناء 4 محطات غازية تعمل بتقنية الدورة المركبة باستطاعة 4000 ميغاواط، ومحطات طاقة شمسية باستطاعة 1000 ميغاواط، موزعة في دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي. وقد وُصفت هذه الصفقة بأنها الأكبر في تاريخ سوريا، ومن المتوقع أن توفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة.
دخلت الشركات الأميركية والأوروبية على خط الاهتمام أيضاً؛ فشركة “شيفرون” تدرس استثمارات في حقول الغاز البحرية، وشركة “سيمنز” الألمانية تتفاوض لإعادة تأهيل محطة دير علي، وشركة “أنسالدو” الإيطالية تعمل على صيانة وحدات في محطة جندر بتمويل ياباني ونرويجي. وتأسيساً على ذلك، قدّم البنك الدولي منحة بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات الفرعية، في إشارة إلى عودة المؤسسات المالية الدولية إلى سوريا بعد غياب طويل.
من الضروري أن نشير هنا إلى التنافس السعودي التركي القطري في هذا الملف، ففي الوقت الذي تتصدر فيه الشركات القطرية والتركية المشاريع الكبرى، وقّعت السعودية عقوداً مهمة في مجال الطاقة الشمسية والاتصالات (مشروع SilkLink) وتأسيس شركة طيران جديدة، ما يعكس رغبة الرياض في تعزيز وجودها الاقتصادي في سوريا ما بعد الأسد.
يبرز ملف الغاز بوصفه الشريان الحقيقي لقطاع الكهرباء في سوريا، حيث تعتمد معظم المحطات الحرارية على الغاز الطبيعي في التشغيل. كان النظام السابق يعتمد بشكل رئيسي على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي”، لكن الإمدادات توقفت مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، ليحل محلها الغاز الإيراني الذي كان يتم ضخه عبر خطوط غير رسمية في ظل عقوبات دولية خانقة.
المشهد اليوم يختلف جذرياً؛ فسوريا تستورد الغاز من أذربيجان (بتمويل قطري) بكميات تصل إلى 3.4 مليون متر مكعب يومياً، ومن الأردن (بكميات تصل إلى 4 ملايين متر مكعب يومياً)، التي تستورد بدورها الغاز من إسرائيل، مما أثار جدلاً حول المصدر الحقيقي للغاز. وتأسيساً على ذلك، وقّعت سوريا مذكرات تفاهم مع مصر لاستئناف ضخ الغاز عبر خط الغاز العربي، ما قد يعيد إحياء المشروع الذي توقف عام 2011، ويعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي كدولة عبور للغاز بين الشرق والغرب.
وهذا يدل على أن سوريا يمكن أن تصبح معبراً استراتيجياً للغاز، خاصة إذا ما تم ربط حقول الغاز في قطر وإيران والعراق بالأسواق الأوروبية عبر أراضيها، وهو ما يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية لخطوط النقل (التي يبلغ طولها مئات الكيلومترات) وضمان الاستقرار السياسي.
سعر الكيلوواط وسياسة الدعم والدولرة
أصبحت فاتورة الكهرباء محور نقاش حاد بين الحكومة والمواطنين، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من أقل من سنت أميركي إلى أكثر من 5 سنتات للشريحة الأولى (المدعومة بنسبة 60% وفقاً للحكومة)، وإلى 12 سنتاً لما يزيد على 300 كيلوواط. وتفسيراً لذلك، قالت وزارة الطاقة إن هذه الزيادة تأتي في إطار إصلاح القطاع وتحقيق الاستدامة المالية، مشيرة إلى أن تكلفة الإنتاج الفعلية تصل إلى 14 سنتاً للكيلوواط.
ولذلك ينبغي التوقف عند فكرة “الدولرة” التي تتردد في النقاشات الخاصة بإعادة هيكلة القطاع، حيث يرى بعض الخبراء أن ربط أسعار الكهرباء بالدولار الأميركي هو السبيل الوحيد لاستقطاب المستثمرين الأجانب وتأمين استقرار الإيرادات للمشغلين في ظل تدهور قيمة الليرة السورية. وتمتلك هذه الفكرة مبرراتها الاقتصادية (الحماية من مخاطر تقلبات سعر الصرف، وجذب الاستثمارات الكبرى)، لكنها تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية وسياسية هائلة، أبرزها استبعاد شريحة كبيرة من المواطنين من الخدمة، وزيادة الفجوة الطبقية، وإطالة أمد الأزمة الإنسانية.
من الضروري أن تكون سياسة التسعير متوازنة، بحيث تجمع بين تشجيع الاستثمار وحماية الفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي موجه (بدلاً من دعم الأسعار) وشرائح استهلاك مرنة تتناسب مع متوسط الدخل.
وهذا يدل على أن ملف الخصخصة هو الأكثر حساسية في قطاع الكهرباء، حيث سبق أن جُرّبت نماذج محدودة في عهد النظام السابق، كعقود التشغيل والصيانة مع شركات أجنبية (مثل شركة “أنسالدو” الإيطالية و”ميتكا” اليونانية) التي لم تُكتمل بسبب العقوبات والحرب. وتأسيساً على ذلك، تُطرح اليوم نماذج جديدة، أبرزها نموذج BOO (بناء-تملك-تشغيل) الذي تعاقدت بموجبه الحكومة مع تحالف “أورباكون” القطري، حيث تمتلك الشركة المشاريع بشكل دائم، مقابل نموذج BOT (بناء-تشغيل-تحويل) الذي يضمن عودة الملكية للدولة بعد فترة محددة.
ولذلك ينبغي التوقف ملياً أمام مخاطر الخصخصة غير المدروسة، التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار (لتغطية تكاليف الاستثمار والأرباح)، واستبعاد الفقراء من الخدمة، وبروز احتكارات جديدة، وغياب الشفافية في العقود. ومن الضروري أن ترافق أي عملية خصخصة ثلاث ضمانات أساسية:
- أولاً: هيئة تنظيم مستقلة ذات صلاحيات حقيقية لتحديد التعرفة ومراقبة الجودة.
- ثانياً: عقود شفافة تُنشر كاملة وتخضع لرقابة المجتمع المدني والبرلمان (عند تشكيله).
- ثالثاً: استمرار الدعم للفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي، وليس عبر دعم الأسعار الذي يهدر المال العام.
والخلاصة أن الخصخصة ليست حلاً سحرياً، بل هي أداة يمكن أن تحقق نتائج إيجابية إذا ما صاحبها إصلاح مؤسسي حقيقي ورقابة فعالة.
التوجه نحو الطاقة النظيفة
لا بد من التركيز على توجه استراتيجي قد يكون المخرج الوحيد لأزمة الكهرباء في سوريا: الطاقة النظيفة. فسوريا بلد مشمس معظم أيام السنة، بمتوسط إشعاع شمسي يصل إلى 3000 ساعة سنوياً، وتتمتع بمواقع مناسبة لطاقة الرياح في مناطق مثل القنيطرة وجبل الزاوية والساحل، مما يجعلها مرشحة لأن تكون سوقاً واعداً للطاقة المتجددة.
ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح ثلاث مسارات متوازية:
- محطات شمسية كبرى (IPP) بشراكة مع القطاع الخاص الدولي، مثل المشروع الذي أعلنت عنه شركة “أورباكون” بقدرة 1000 ميغاواط، ومشاريع أخرى مع شركات سعودية (أكوا باور) وأميركية.
- دعم مشاريع الطاقة الشمسية المنزلية والصناعية عبر نظام “صافي القياس” (Net Metering)، الذي يسمح ببيع الفائض من الكهرباء المنتجة إلى الشبكة الوطنية، مع تقديم قروض ميسرة وتخفيضات جمركية على الألواح والبطاريات.
- استغلال طاقة الرياح، حيث وقّعت وزارة الطاقة مذكرة تفاهم مع شركة محلية (MARV Energy) لإنشاء مشروع بقدرة 700 ميغاواط، وهو ما يمكن أن يكون نواة لقطاع رياح متطور.
ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة يحقق فوائد جمّة: تقليل الاعتماد على الوقود المستورد (وتوفير العملة الصعبة)، وتخفيف العجز الكهربائي (بما أن المحطات الشمسية والريحية يمكن إنشاؤها في أشهر مقارنة بسنوات لمحطات الغاز)، وخلق فرص عمل، والمساهمة في مواجهة التغير المناخي. لكن هذا يتطلب تحديث القوانين، وتأهيل شبكات النقل لاستيعاب الطاقات المتقطعة، وتطوير كوادر وطنية قادرة على التشغيل والصيانة.
إن الموقع الجغرافي الفريد لسوريا يمنحها فرصة استثنائية لتكون معبراً إقليمياً للطاقة، حيث تقع على البحر المتوسط، وتشكل حلقة وصل بين حقول الغاز في الشرق (قطر، إيران، العراق) والأسواق الأوروبية. وكان “خط الغاز العربي” (الذي يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان وتركيا) أول مشروع لتحويل سوريا إلى دولة عبور، لكنه توقف عام 2011.
إن إعادة إحياء هذا المشروع، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي مع تركيا والأردن والعراق، يمكن أن يحوّل سوريا إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة، حيث تحصل على إيرادات كبيرة من رسوم العبور، وتساهم في تعزيز الأمن الطاقي لدول المنطقة. ومن الضروري أن يكون هذا الملف حاضراً في استراتيجية الحكومة الانتقالية، بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، لتأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل البنية التحتية للغاز والكهرباء، وضمان الشفافية في إدارة هذه المشاريع الحيوية.
يمكن القول إن قطاع الكهرباء في سوريا يواجه تحديات جسيمة، تتراوح بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، والحاجة إلى استثمارات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، وإلى إرادة سياسية حقيقية لتجاوز سياسات الماضي (المركزية الفاسدة، واستخدام الخدمات كأدوات للضغط السياسي). لكن يبقى التساؤل المطروح حول ما إذا كانت الإدارة الجديدة قادرة على تحويل الفرص التاريخية المتاحة إلى واقع ملموس.
مستقبل الكهرباء في سوريا يتوقف على مدى نجاحها في بناء نموذج جديد قائم على الشفافية، والتنوع في مصادر الطاقة (مزيج متوازن من الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة)، واستقطاب الاستثمارات الحقيقية (لا مجرد مذكرات تفاهم)، وإصلاح المؤسسات العامة بما يضمن الكفاءة والمساءلة. وتأسيساً على ذلك، يمكن لسوريا أن تستعيد دورها التاريخي كمعبر إقليمي للطاقة، وأن توفر كهرباء مستقرة وبأسعار عادلة لشعبها، وأن تصبح نموذجاً للتعافي في منطقة تعاني من أزمات متشابكة.
إن الرهان اليوم ليس فقط على الميغاواط الجديدة التي ستُضاف إلى الشبكة، بل على نوعية الإدارة التي ستتولى هذا القطاع الحيوي، وعلى مدى التزام الحكومة بمبادئ الحوكمة الرشيدة، وعلى قدرة المجتمع السوري على الضغط من أجل خدمة عادلة ومستدامة. فالكهرباء، في النهاية، ليست مجرد خدمة عامة، بل هي مقياس حقيقي لمدى نجاح الدولة في بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والكرامة.
by رانيا كرباج | Mar 24, 2026 | Culture - EN, Poetry - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
لم أنجُ بعدُ من الموت
قدمٌ هناكَ
و قدمٌ هنا…
لم أنجُ من دمي المَقهور
عقدٌ من الحربِ
يسبحُ بينَ كرياتي الحمراء
و عقدٌ من الغرورِ
يخنقُ
كلماتي البيضاء
لم أنجُ كذلكَ من الحياة
مازلتُ عالقةً بمصيدةِ عينَيك
مثل فراشةٍ ترفرفُ إلى حَتفِها
شغفٌ هناكَ
و شغفٌ هنا…
لا و لم أنجُ من
هديلِ اليمامات
و رقصةِ الضوءِ على جسدِ الظلال
من مدّي و جزري على شواطئ
القصيدةِ
مثلَ موجةٍ تطاردُ الخيال…
كلّما مرَّ طيفكَ
قلتُ ها هو
و كلّما خذلتني الأرضُ
أسندتُ رأسي إلى كتفِ السماء!
و تلكَ الأحلامُ التي نسجتُها
على غيمتي
ما تزالُ متمسّكةً بعُنقي كما الأطفال
و تلكَ التي كبّرتُها
ما تزالُ تهرولُ و ألاحقُها
لم أنجُ منّي
من جسدي المترنّحِ
مثلَ بندولِ ساعةٍ عتيقةٍ
دقّةٌ هناكَ
و دقّةٌ هنا…
من شغفي يغفو و يستَفيق
من قصةِ الفينيقِ
حينَ يطوّقُني السَّواد
من رغبتي العميقةِ
في أن أتحوّل إلى رَماد
حائرةٌ بين قمرَين
عينٌ على البياضِ
و أخرى على الليلِ الكُحلي
خائفةٌ بين قدرَين
لا
لا أريدُ أن أغمضَ عينَيَّ عن المشهد
من نافذةِ غرفتي
أسمعُ سمفونيةَ الغيمات
على شُرفتي تحومُ بضعُ نحلاتٍ
يلفحُني نسيمٌ
معطرٌ بصوتِ أبي…
ثمّ تهبُّ الحربُ فجأة
أغلقُ النوافذَ و الأبوابَ
و أفتحُ حواسي على مصاريِعها
لا
لا أريدُ كذلكَ أن أغمضَ عينَيّ
على الرغمِ من فداحةَ المشهد!
by عماد الدين موسى | Mar 21, 2026 | Culture - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
تنتمي الكاتبة السورية نجاة عبد الصمد إلى جيل من الساردين الذين دفعهم القلق المعرفي إلى تفكيك البنى الاجتماعية، والتطرّق إلى مواضيع تخصّ حياة الفئات المهمّشة، وخصوصاً المرأة في البيئات التقليدية.
وقد أصدرت عدداً من الأعمال اللافتة في الرواية والسيرة والسرد، رسّخت من خلالها أسلوبها الخاص القائم على لغة حسّاسة، تأملية، ومحمّلة بأسئلة الانتماء وتناقضاته.
وبالتزامن مع صدور روايتها الجديدة “أيتام الجبال”، كان هذا الحوار:
– في روايتكِ الأحدث “أيتام الجبال”، يطلّ الجبل كرمزٍ للهامش والعزلة والانتماء في آنٍ واحد. ما الذي دفعكِ إلى الكتابة من هذا المكان؟
أنا أكتب عمّا يشغلني ويشاغب في رأسي. لا أظنّ أن الأمر آتٍ من عزلة الجبال، أو حتى من جلالها أو غموضها أو أنفتها، بقدر ما هو صوتٌ من داخلي، لا أملك تعبيراً يفسّره بما يكفي. فقط أحسّ به، أسمعه، أشمّه، يناديني فأستسلم إليه. والأمر ينطبق على “أيتام الجبال” وكل ما سبقها. ربما هي قوة تأثير هذه الكينونة الجغرافية التي وُلدتُ ونشأتُ عند أكتافها، فاستوطنت وجداني، ولا بدّ أن تحضر في طبيعة الأفكار وتركيبة الحكايات. لو كنتُ ابنة شاطئ بحري أو جارة نهر، لما غاب البحر أو النهر عمّا سأكتب.
– هل تشعرين أنّ انتماءكِ إلى بيئة درزية محافظة جعل الكتابة بالنسبة لكِ ضرورة وجودية أكثر من كونها خياراً فنياً؟
بالتأكيد لا. الكتابة ضرورة وجودية لكلّ من أصابه مسُّها، خارج كل انتماء. قد يتدخّل انتمائي في اختيار حكايتي أو أفكاري أو خلاصاتي، وهنا أقول: نعم. تُسهم البيئة في اختيار موضوعات الكتابة عموماً، إنما سيقدّمها كلٌّ من أبناء هذه البيئة برؤى مختلفة، انطلاقاً من المخزون الثقافي والتجربة الفردية لكلّ منهم. هنا يكمن الفرق.
– إلى أي مدى يمكن اعتبار “أيتام الجبال” كتابة عن الذات المقنّعة؟
لا أظنّ أنّ ثمة رواية تخلو كلياً من ذات كاتبها، كما أنها، على التوازي، حوارٌ موصولٌ مع قارئها في أي مكانٍ في العالم، قريباً أو بعيداً عن جغرافيا الكاتب أو بيئته. من هنا، قد تظهر ذات الروائي في عمله الأدبي مقنّعة، أو صريحة، أو بين بين، بنصف لثام. الرواية الجيدة تُربك قارئها، وتورّطه في التأمل والتحليل والمقارنات، وفي إسقاطات كثيرة غير حاسمة: هل يقرأ سيرة كاتبها نفسه، الذي يتخفّى خلف اسم هذا البطل أو البطلة؟ أم يقرأ عن أحدٍ ما يعرفه القارئ في الحياة بما يكفي ليحكم: إنه جاري فلان مثلاً، بلحمه وشحمه، من أين نطّ ليحطّ هنا على الورق؟ وأكثر من هذا، قد يُفاجأ القارئ بأنه يقرأ محاكاةً لسيرته الشخصية في روايةٍ لكاتبٍ من قارّةٍ أخرى.
– البطلة “سبيل” تسافر من السويداء إلى موسكو، لكنها تظلّ أسيرة انتماء ثقيل. هل أردتِ من خلال هذا السفر الجغرافي أن تعبّري عن رحلة أخرى في الداخل؟
السفر انتقالٌ واقعيّ في الجغرافيا، نقلةٌ تكتمل بالوصول إلى وجهة المقصد، بينما رحلات النفس سائرةٌ بلا انتهاء، وسؤال الانتماء واحدٌ منها. مجرّد الانشغال بمفهوم الانتماء يولّد أسئلة كثيرة تتفرّع عنه. بعضنا يلجأ إلى الفخر به، أو تقبّله كما هو، ويعطّل تفكيره ليحمي نفسه من كلفة الأسئلة العميقة، وهؤلاء يلبثون في أمكنتهم جامدين متحجّرين. التفكير خزّان الأسئلة. معه يولد الشعور بثقل الانتماء أو خفته، بضيقه أو بسعته. ويتبعه احتجاج، قد يبدأ خافتاً ثم يشتدّ، ويتحوّل إلى سلوك ليس بالضرورة صحيحاً، يتراوح بين الضياع والتمرّد. إلى أين يفضي هذا التمرّد؟ إلى أذى الذات بالنقمة من دون تحديد هدف واضح، أم إلى ابتكار طرق للتعامل معه، وخلخلة تلك الحياة المستقرة حدّ نسفها والقفز من فوق أسوار المحيط؟ هذا ما فعلته سبيل. رحلة الداخل أفضت بها إلى قرار تغيير الجغرافيا، على أن ترحل عن مكانها وهي عارفة لماذا تفعل. كانت تنجز رحلة الداخل. كنتُ أكتب و”سبيل” تجلس فوق رأسي، أنا كاتبتها، وتدرّبني على فهم هذه المراحل. كانت معلمتي وأنا تلميذتها.
– في الرواية تتبدّى الغربة كحالة روحية أكثر من كونها تجربة جغرافية. كيف تفهمين الاغتراب في سياق مجتمع مغلق مثل مجتمع الجبل؟
هي فعلاً كذلك، والنقلة الجغرافية هنا إحدى تمارين الانفكاك من ثقلها. ثم إنّ الاغتراب ليس قرين المجتمعات المغلقة وحدها. ربما على العكس، تحمي المجتمعات المغلقة نفسها عادةً بتوطيد علاقاتها الاجتماعية، وبإعلاء شأن العائلة أو العشيرة وسواها لتجعل منها قوقعة آمنة، ما يفتقد إليه أفراد المجتمعات الخليطة وغير المتجانسة في المدن والعواصم. الشعور بالاغتراب حالة روحية يتنامى الإحساس بها طرداً مع ارتفاع منسوب وعي الفرد، من أي مجتمع كان.
– يتجلّى الأب في الرواية كظلّ ثقيل، يحضر بالغياب أكثر مما يحضر بالفعل. هل هو رمز للسلطة الأبوية، أم للغضب المقدّس الذي يطارد الأنثى الخارجة عن القطيع؟
“حسن” والد “سبيل” هو الشخصية الأكثر جدلاً من بين شخوص “أيتام الجبال”، وأعتقد أنّ رمزيته تتعدّى ما ذكرتَ في سؤالك. من مكاني أراه بطلاً لا يقلّ عن ابنته سبيل، التي قدّمته من منظورها هي، فيما لم تكن صداماته معها سوى واحدة من عدة جبهات من كل صوب، وعليه أن يقدّم نفسه كما ينبغي لرجل أن يظهر في تلك البيئة: مقموعاً وقامعاً معاً. من جهة يطيع الله وأولي الأمر، وعلى المقلب الآخر يسيّر أسرته بالصرامة المطلوبة ليضمن لها أساسيات البقاء والعيش أيضاً كما يراها هو. وفي الوقت ذاته، يتعارك حسن مع نفسه المنطوية على قناعات ورؤى داخلية أكثر انفتاحاً مما يُظهر. تلك أزمة إنساننا المحكوم ممّن هم أقوى منه، والحاكم لمن هم أضعف منه، ليظهر قمع النساء كأحد تفصيلاته، لا كهدف بحدّ ذاته، من دون أن يعي أنه بسلوكه هذا يعيد تدوير الظلم بصيغة أخرى. حسبه أنه فهم، ولو متأخراً جداً، أنه كان يحارب على الجبهة الخطأ.
– أن تكتبي من داخل الطائفة الدرزية هو مغامرة، وربما مخاطرة. كيف واجهتِ حساسية الكشف عن المسكوت عنه داخل بيئة تتجنّب البوح؟
وهل الكتابة كلّها سوى مغامرة ممتدة، استكشافٌ واكتشاف، ومخاطرة لا منتهية؟ هي مواجهتي الخاصة لنفسي، قبل بيئتي أو محيطي أو مجتمعي. وهي السبب في أنّ كتابة الرواية استغرقت 13 عاماً، منذ بدايات فصولها حتى ولدت. خلالها كنت أدرّب نفسي على قول ما أريد، كاملاً غير منقوص، وأن أضيء على الظلم المعتّم عليه، لا أن أنشغل بمدح الضياء. وحين أعود إلى قراءته، إما أن أكون راضيةً عنه، وأنه هو أنا، هذا رأيي من دون خوف ولا مواربة ولا محاباة، أو يكون عليّ نسفه. لا نحتاج أدباً لا يأتي بجديد. يكفي رفوف المكتبات ما تثقل به منه. تلك كانت رحلة عراكي مع نفسي: أن الأدب الحقيقي يُمتع بقراءته. أما أفكاره، فليس عليها أن تطمئن القارئ، من داخل هذه البيئة أم من خارجها، بتقديم ما يريحه، بل عليها أن تحكّ، أن تصرخ، أن تُزعج، وأن تقلقل اليقينيّات. تلك هي رسالة الأدب!
– هل تعتبرين “أيتام الجبال” تمريناً في المصالحة مع الانتماء، أم في التمرّد عليه؟
نعم، هي تمرين، بل تمارين، يتخلّلها الكثير من الحذف والإضافات وتدوير الزوايا. لا تأتي المصالحة مع الانتماء إلا بعد رحلة وعي طويلة وممتدة، وسيكون التمرّد بالتأكيد أحد مراحلها، وليس بالضرورة أن تفضي هذه الرحلة إلى مصالحة كلية. الفرق في أدوات هذا التمرّد، وفي رسم خطة لإنجازه. التمرّد ثورة، ولا تقوم الثورة إلا على قضية، وعلى خطة لإنجازها. في رحلة التمرّد المدروس، سوف يتكشف لنا أنّ القطيعة الكلية مع الانتماء مستحيلة، إنما سندرك خلالها ما الذي علينا أن نتشبّث به أو نتخلّى عنه.
– في الرواية تظهر النساء ككائنات صامتة يحمّلن التاريخ كله في صمتهن. هل يمكن القول إنك تكتبين من أجل إعطاء صوتٍ لهؤلاء النساء؟
ليست كل النساء كائنات صامتة في “أيتام الجبال”. مهجة وسبيل مثالان على عكس ذلك، وهما في الوقت نفسه يؤكدان واقع الحال. ندرة النساء القابضات على مصائرهن تؤكّد أن أصوات البقية مستلبة، في حين أنّ هؤلاء غير المرئيات يصنعن، بفطرتهن، أساسيات الحياة من إنجاب وطبخ وتنظيف وتربية أطفال واحتواء للأسرة وتدبير لمشكلاتها. حين تتغلغل الرواية في تفاصيل حيوات هؤلاء النساء، فهي تمارس طبيعتها، ليس فقط في حمل أصوات هؤلاء النساء، وكل المهمّشين، من عزلتهنّ إلى فضاء الحياة الرحب، بل أيضاً في إدخالها إلى عقل القارئ، وإجباره على إمعان النظر، وعلى التفكير، وعلى صحوة ضميره، على الأقل ليعيد إليهن الاعتبار الإنساني، ومن ثمّ الاعتراف بدورهن في حياته شخصياً وفي فضائهن العام.
– اللغة في الرواية بطيئة، متأملة، تشبه الصعود في طريق جبلي. كيف تعملين على بناء هذا الإيقاع البطيء في الجملة السردية؟
للمتلقي أن يحدّد إن كان الإيقاع بطيئاً أم لا. أنا شخصياً لا أظنّ أنّ إيقاع اللغة في “أيتام الجبال” بطيء. لقد تقصّدتُ أن أجعله مهرولاً، لاهثاً، كما أنفاس سبيل وهي تروي. هو تماماً كما أسميتَه أنت: الصعود في طريق جبلي. أنت لن تسلم من اللهاث، وأنت مضطرّ إلى بذل جهد لمتابعة الصعود، ومضطرّ إلى الاحتساب من وعورة هذا الطريق. وفي الوقت ذاته، لن تستطيع إغماض عينيك عن كثافة الجمال على جنباته.
– لغة الرواية تميل إلى الشعرية المكثفة. هل تنطلقين من الحسّ اللغوي أم من الصورة؟
أستعين بقول محمود درويش: “أنا لغتي، لغتي أنا”. الكتابة عالمي. وهي عندي، في أحد وجوهها، مغازلة مع اللغة. هذا ما أعيشه. أبني كلماتي كما لو أنها لوحة كثيفة ودقيقة. لا تمنحني المفردة، أو الجملة، نفسها إلا بعد طول تفكير.
– كيف تلقيتِ ردود الفعل الأولى حول الرواية، خاصة أنها تلامس مناطق حساسة في الوعي الجمعي للطائفة والمجتمع؟
هنا لا بدّ من التوقف عند مصادفة فريدة، هي تزامن صدور الرواية مع المذبحة المفاجئة والهائلة التي ارتكبتها السلطة السورية المؤقتة بحق الدروز فقط لأنهم دروز. وفي حين استغرقت كتابة هذه الرواية مني، كما ذكرتُ أعلاه، ثلاثة عشر عاماً، فقد جاءت تلك المذبحة بعد أسبوعين فقط من صدورها. وقد قرأتُ مرة، ولا أتذكّر القائل: “لا واقع سوى الصدفة”. من هنا قد يبدو الأمر، في ظاهره، مصادفة، وقد يكون نبوءة لا تولد إلا بعد اكتمال دواعيها.
في كتابة “أيتام الجبال”، كنتُ أمدّ يديّ باتجاهين: واحد إلى داخل مجتمعنا الدرزي لنعيد التفكير في بنيانه، والثاني إلى الآخر، أية جماعة كانت، ممّن لا يعرفون الكثير عن مجتمع الدروز، أو وصلت إليهم عنه بعض الخرافات المؤذية المصنوعة عن قصد لإذكاء الخوف منه وشيطنته. وأدرك أن محتوى الرواية قد يثير هجوماً على صاحبتها من داخل مجتمعها ومن خارجه.
حتى اليوم، وبعد خمسة أشهر على صدورها، يشتدّ إيماني بدور الأدب، الجمالي والفكري معاً. معظم المراجعات التي وصلتني من القرّاء، والمقالات الكثيرة التي كُتبت عنها، تتوقف كثيراً عند جماليات الفن السردي، على التوازي مع التأكيد على كمّ المعلومات عن الديانة الدرزية، كعقيدة وعبادات، التي لم يسبق أن وردت بهذا القدر من التفصيل في النتاج الروائي، إضافة إلى قضايا أساسية تتضمنها “أيتام الجبال” أيضاً، منها سؤال الهوية والانتماء والاغتراب الروحي، وقضايا تعليم النساء وعمالة الأطفال، وغيرها.
– هل ترين أن الرواية قادرة على تفكيك ذاكرة جماعية مغلقة مثل ذاكرة الجبل؟
الرواية الجيدة، بنتاجها الجمعي، أي مجموع أعمال كاتبها ونتاج باقي مبدعيها، قادرة على كل شيء، كل شيء.
– لو عدتِ إلى الطفلة التي كانت ترعى البقرة وتحلم بالتعليم كما في الرواية، ماذا تقولين لها اليوم بعد صدور “أيتام الجبال”؟
احلمي، اجتهدي، قاتلي من أجل حلمك، على أن تتعلمي فنون القتال وأدواته.. ثم تشبّثي بحلمك حتى حين تصبحين في الخمسين، الستين، السبعين، المئة.. فـ”الحلم جنين الواقع”، على رأي مولانا الحلّاج.