by عايدة جاويش | Aug 25, 2026 | Culture - EN, Poetry - EN, Reviews - EN, بالعربية, Articles - EN
الجسد لغة للوجود
قليلات هنّ الشاعرات اللواتي استطعن أن يحوّلن الجسد من موضوع للكتابة إلى وسيلة للتفكير في الإنسان. في شعر سنية صالح لا يظهر الجسد الأنثوي بوصفه رمزًا للجمال أو موضوعًا للرغبة، بل بوصفه ذاكرة تحمل آثار التهميش، والحب، والأمومة، والمرض، والموت. ومن خلاله امتزجت سيرتها بالقصيدة، وتحوّل ألمها الشخصي إلى سؤال يتجاوز حدود التجربة الفردية.
لم تكتب سنية صالح عن المرأة من موقع الدفاع عنها، بل كتبت من داخل تجربتها؛ من المكان الذي يتقاطع فيه ضعف الجسد مع الرغبة في الحرية، والخسارة مع الرغبة في الاستمرار. لذلك لم يبقَ الجسد في شعرها مجرد موضوع، بل أصبح العين التي ترى بها العالم، والجلد الذي تلمس به الأشياء.
من الجسد بدأت قصيدتها، لا لتروي سيرته، بل لتتلمس فيه معنى الوجود؛ في ألمه، ورغبته، وهشاشته، وفي ما يتركه الزمن عليه من آثار.
الجسد الذي وُلد في الهامش
لم يبدأ إحساس سنية صالح بالتهميش مع الكتابة أو المرض، بل ارتبط بلحظة ميلادها نفسها. ففي إحدى شهاداتها تقول إنها جاءت إلى العالم بعد وفاة شقيقها الذكر الوحيد: «وُلدتُ لأبوين عائدين من دفن ابنهما الذكر الوحيد، وكأنني جئت لأسدَّ فراغًا لا يُسدّ».
تكشف هذه العبارة عن بداية مبكرة في تشكّل وعي سنية بأنوثتها؛ فقد جاء حضورها إلى العالم في لحظة كان فيها غياب الابن الذكر هو الحدث الأثقل، وكأن وجودها ارتبط منذ البداية بفراغ لم يكن بإمكانها أن تملأه.
ومن هنا لم يكن التهميش عند سنية موقفًا اجتماعيًا طرأ عليها لاحقًا، بل خبرة مبكرة ارتبطت بموقعها كأنثى داخل الأسرة. غير أنها لم تحوّل هذه الخبرة إلى خطاب للدفاع عن نفسها، بل إلى سؤال أعمق عن ذاتها وحقها في أن تعرّف نفسها بنفسها.
أعباء الجسد
عاشت سنية صالح سنوات طويلة وهي تواجه أعباء الأسرة والمرض ومتطلبات الحياة، في الوقت الذي كان فيه الشاعر محمد الماغوط يرسّخ مكانته في المشهد الأدبي العربي. وهنا لا تعود المسألة مجرد علاقة زوجية، بل تصبح سؤالًا عن العمل الذي تقوم به المرأة خلف حياة المبدع، والذي لا يدخل عادةً في حساب الإنجاز الأدبي.
لم يكن الماغوط غافلًا عن دور زوجته، بل اعترف به بعد رحيلها في واحدة من أكثر كلماته إيلامًا، حين كتب:
«منذ ثلاثين سنة وأنتِ تحملينني على
ظهرك كالجندي الجريح، وأنا لم أستطع أن أحملكِ بضع خطوات إلى قبرك».
هذه العبارة ليست اعتذارًا شخصيًا فحسب، بل اعترافًا متأخرًا بحجم الجهد الخفي الذي بذلته سنية؛ ذلك الجهد الذي لم يظهر في السيرة الأدبية ولم تسجله كتب النقد، رغم أنه، في تقديري، كان أحد العوامل الأهم في استمرار محمد الماغوط وإتاحة المساحة التي واصل فيها إبداعه.
غير أن أهمية تجربة سنية صالح لا تكمن في أنها ضحّت من أجل شاعر كبير، بل في أنها لم تسمح لهذه التضحية بأن تلغي صوتها. فقد ظل شعرها محتفظًا باستقلاله ورؤيته الخاصة، ولم يتحول إلى صدى لتجربة الماغوط أو امتداد لها. كانت تكتب من جرحها الشخصي ومن أسئلتها الوجودية، لا لتثبت حضورها في ظل شاعر آخر، بل لتبني حضورًا يخصها؛ حضورًا لا يحتاج إلى أحد كي يبرره.
صوت الجسد
إذا كشفت سيرة سنية صالح عن أشكال التهميش التي يمكن أن تحاصر المرأة، فإن شعرها كشف الكيفية التي أعادت بها تحويل تلك التجربة إلى رؤية شعرية. فما عاشته لم يبقَ مجرد سيرة شخصية، بل أصبح مادة للقصيدة، ومن خلال شعرها بدأ الجسد يستعيد صوته بعد أن ظل طويلًا موضوعًا تُسقط عليه نظرات الآخرين وأحكامهم.
لا يظهر الجسد في شعر سنية صالح بوصفه مساحة للجمال أو الإغواء، كما درجت عليه صور كثيرة في التراث الشعري العربي، وإنما بوصفه موضعًا تتقاطع فيه الذاكرة والألم والحرية. حين قالت: «جسد النساء مظلم وحزين… فليكن الليل آخر المطاف».
إنها لا تصف حالة نفسية عابرة، ولا ترسم صورة تشاؤمية للمرأة، بل تمنح الجسد وظيفة رمزية جديدة. فالظلمة هنا ليست ظلمة الجسد، وإنما ظلمة التجارب التي تراكمت فوقه، والحزن ليس صفة بيولوجية، بل أثرُ تاريخٍ طويل من الصمت والإقصاء. لا تقف سنية صالح عند حدود تشخيص الألم، بل جعلت امتلاك الصوت بدايةً للتحرر منه. ففي ديوان «ذكر الورد» كتبت:
«حاذري أن تنسي أنك ذاهبة
لتصرخي وترفضي
لا لتنحني».
لا يبدو الصراخ هنا فعلًا احتجاجيًا عابرًا، وإنما إعلانًا عن استعادة الذات. فالصوت، في عالم سنية صالح، ليس وسيلة للتعبير فحسب، بل شرطًا من شروط الوجود؛ لأن الإنسان الذي يُحرم من الكلام يُحرم، في الوقت نفسه، من حقه في تعريف نفسه.
الجسد العابر إلى المستقبل
تصالحت سنية صالح مع جسدها عبر القصيدة، فأخرجته من حدود التجربة الفردية إلى معنى إنساني أوسع. لم يعد الجسد مجرد موضع للألم أو وسيلة للاحتجاج، بل أصبح وسيطًا تنتقل عبره خبرة النساء من جيل إلى آخر. ومن هنا تكتسب الأمومة في شعرها معناها الأعمق؛ فهي لا تنظر إليها بوصفها وظيفة بيولوجية أو دورًا اجتماعيًا يكتمل به تعريف المرأة، بل بوصفها علاقة إنسانية تحمل ذاكرة طويلة من الألم والصمود، وتنتقل من الأم إلى الابنة، لا لتثقلها بما مضى، بل لتمنحها معرفة تساعدها على العبور. في قصيدتها «مليون امرأة هي أمك» تخاطب سنية ابنتها قائلة:
«شدّي جذعك إلى جذعي
أدخلي عظامك في نفق عظامي
ثم اسحبي
ما تبقى من جسدك واعبري».
تبدو الصورة قاسية للوهلة الأولى، لكنها ليست احتفاءً بالألم، بل بالقدرة على تجاوزه. فجسد المرأة لا يورّث الجراح، بل يورّث القدرة على احتمالها وتجاوزها. والعظام هنا ليست علامة على الضعف، بل دليل على قوة تشكّلت في مواجهة الألم.
موت الجسد
في سنواتها الأخيرة، دخل الجسد في شعر سنية صالح مرحلة جديدة. فبعد أن حمل ذاكرة التهميش، وأعباء الحياة، وخبرة الأمومة، وجد نفسه في مواجهة المرض. غير أن هذه المواجهة لم تدفعها إلى كتابة مراثي الذات، بل جعلتها أكثر اقترابًا من هشاشة الجسد وحدوده، ومن السؤال عما يبقى للإنسان حين يواجه احتمال الفناء.
عندما أُصيبت بالسرطان، لم تتعامل مع المرض بوصفه هزيمة شخصية، ولم تجعل القصيدة سجلًا للألم الجسدي وحده، بل حوّلته إلى تجربة تتقاطع فيها هشاشة الإنسان مع قدرته على الحلم.
من غرفتها في المستشفى بفرنسا، كتبت قصيدتها «اللؤلؤة»:
«أيتها اللؤلؤة،
نمتِ في جوفي عصورًا
استمعتِ إلى ضجيج الأحشاء
وهدير الدماء
ريثما يُنهي التاريخ حزنه».
هنا لا يظهر المرض بوصفه حدثًا طبيًا فحسب، بل يتحول إلى رحلة داخل أعماق الذات. فاللؤلؤة التي تكوّنت في الجسد ونمت في جوفه تصبح صورةً للقصيدة نفسها؛ شيءٌ يتكوّن في الداخل، وسط الألم، ثم يخرج منه إلى اللغة. ومن هذه النقطة يصبح الموت جزءًا من التجربة الشعرية، لا خاتمةً لها.
لم يكن الموت، في عالم سنية صالح الشعري، نقيضًا للحياة بقدر ما كان امتدادًا للأسئلة التي شغلتها منذ بداياتها. فقد ظل الإنسان، في نظرها، قادرًا على الاحتفاظ بحريته الداخلية حتى في اللحظات التي يعجز فيها عن تغيير واقعه. ولهذا كتبت عبارتها المعروفة:
«أعجز عن تغيير العالم
لكني أحتفظ بحرية الحلم».
وهكذا ظل الجسد، في تجربة سنية صالح، حاضرًا في محطات التهميش والحب والأمومة والمرض؛ لكنه لم يبقَ مجرد جسد يتلقى ما يحدث له. بل حوّلته الشاعرة، في كل مرة، إلى مادة للمعرفة والكتابة، وإلى مساحة تختبر فيها حدود الإنسان وقدرته على تحويل الهشاشة إلى قوة شعرية.
by وداد سلوم | Apr 2, 2026 | Culture - EN, Poetry - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو.
تحوي المجموعة قصائد منتقاة من دواوين سابقة للشاعرة نبي، وهي: (ظهيرة حب ظهيرة حرب) و**(الموت كما لو كان خردة)** و**(كسور غير مرئية)**.
تأتي أهمية هذا الفوز ليس فقط من عراقة الجائزة ومكانتها المرموقة بين الجوائز، إذ تأسست عام 1981، ونالها شعراء عالميون، منهم ألدا ميريني وشيموس هيني، الشاعر الإيرلندي الحائز على جائزة نوبل عام 1995، فوداد هي أول شاعرة عربية تنال هذه الجائزة، التي ستكون تذكرة عبور إلى القارئ الأوروبي، ناقلة إليه صوت شاعرة نطقت بمعاناة الإنسان السوري في حربه الطويلة داخل بلاده، وحالته في المنفى بعد رحلة اللجوء، وعلى درب الحنين الذي يقضّ لياليه في بلاد الغربة، إلى بيت دمّرته الحرب وإلى حياة سابقة تحمل الجذور في الدم والجسد والروح، وإلى مدن تشبهه حتى في دمارها. وداد نبي (1985) شاعرة من كوباني (عين العرب)، عاشت في حلب، وقد عرفها القارئ السوري قبل العالم بعبارتها الشعرية التي كُتبت على الجدران كشعارات، ورافقت السوريين في أيامهم العصيبة: (أحبها تلك البلاد حتى في خرابها الأخير).
ما يوحي بذلك الحنين المتأصل انتماءً روحياً، وهو ما يجده القارئ في أغلب قصائد الديوان، إذ تتلمس تلك المشاعر والأحاسيس الحارة التي تقلب كيان الإنسان وتضعه على حافة امتحان البقاء في كل حين، وفي مواجهة الفقد. فقد أصبح الموت رفيقاً، ينغرس في تفاصيل حياة السوري الذي حمل معه إلى المكان الجديد، المنفى، تفاصيل مكانه القديم لتعيش معه، توقظه ليلاً وتئنّ في سريره وتحت جلده. وحيث يطالبه العالم أن يكون قوياً بينما كل شيء يحطمه، هكذا تصبح كل القصائد كطيور تطير باتجاه الجنوب حيث الوطن، وكل المدن الغريبة بجمالها ورونقها تجعل ألم الفقد والغربة لا يُحتمل، وتقود القلب إلى الحنين الممضّ. وكل التفاصيل اليومية التي يمارسها المرء بتلقائية تقود ذهن الشاعرة إلى الاشتياق الموجع لمن تركتهم هناك في البلاد، وخاصة الأم التي لا يُحتمل غيابها، فتحريك القهوة تراه شبيهاً بتحريك الستائر كلمسة أخيرة قبل الرحيل، ويظهر الشعر كملاذ أخير، وتعويض عن كل الخراب الحاصل في العالم، فهو الحامي من كل الخراب، ليبقى الخيار الذي تلجأ إليه بينما العالم يمضي وتنشغل الكائنات بأعمالها الصغيرة.
” ربما يكون الشعر
تعويضاً عن الخراب
الذي سيحل بالأرض
حين يموت الشعراء جميعاً
رأيته ببكاء عاشق
حينما اهالوا التراب على قبري.”
أو أن يتحول الشعر إلى تعويذة من الموت لزمن قادم:
“جرح واحد لا أدونه
إنما أخبئه كحرز لموتي القادم:
جرح الشعر الخالد.”
وفي ظل كل المعاناة التي تفرضها الحرب ورحلة اللجوء والغربة، لا تنسى نبي المعاناة المزدوجة للنساء السوريات وتلتصق بها، حيث تتضاعف المعاناة في حالة الحرب. فللنساء، كما تقول نبي، ذاكرة انتقائية تحتفظ بالمشاهد المشبعة بالألم، وتصبح المرأة السورية شبيهة المدن التي نالها القصف والتدمير. توازي الشاعرة بين جراح الحب في روح المرأة وجراح الحرب في جسد حلب، مدينتها، كما لو كانت المرأة مدينة حطمتها الحرب.
“الحب كدمات زرقاء على الجسد
كما لو كان جسد حلب في الحرب.”
تعيد وداد الصوت الأنثوي في الشعر إلى الصدارة، فتلمس ذاك الأنين القديم الذي يختزنه صوت النساء، وتحضر الأمومة والحب وموروث الصمت لدى الأمهات، الذي يعيد إنتاج آلامهن عبر الأجيال. ويحضر الجسد، الذي تراه وداد يوازي البر وسط المحيط، الذي يمنح أسباب الحياة، حيث أقام الإنسان وبنى حضارته، كما يمنح جسد المرأة انطلاق حياة جديدة، وكأنه قارة تضاف إلى قارات العالم، وهو ما يشير إليه عنوان المجموعة.
“جسدك قارة بأكملها
قارة ببحار ومحيطات /جبال ووديان /ولا يمكن لأحد ان يهتف أنا مالك هذه القارة
جسدك قارة من البرتقال في ذاكرة الزمن.”
تنطلق نبي إلى فضاء الأنثى وآفاقه الرحبة، التي يقنصها الواقع الظالم ويأسرها بقيوده، فتحدثنا حيناً عن تلك المرأة التي تشبه صورة أمها، المرأة الماهرة بتمرير القسوة، تلك المهارة التي صارت بالجينات الموروثة لدى النساء جيلاً بعد جيل، وعن تلك المرأة القوية حيناً آخر، التي تكسر معايير المجتمع لتكون حرة ونداً للآخر، رغم مخاطر الصدام التي تواجهها في كل خطوة. تقرأ وداد كيف ينظر الآخر لها في أعماقه ولا شعوره.
هكذا تنطق نبي بصوت النساء المهمشات والمكسورات واللواتي يعانين من سوء الفهم، ولا يطلبن الكثير، بل جلّ ما يطلبنه أشياء بسيطة كالحب والأمومة والطمأنينة والأمان في الشراكة، تقول:
“ركضن وراء رجال لم يفهموا يوماً لماذا تركض امرأة مشتهاة كالكرز وراء شيء بسيط كالحب.”
النساء اللواتي سيبقين كأثر لا يمكن نسيانه وإن اختفى الحب.
لكنها أيضاً تنطق بصوت المرأة الواعية بدورها وقدرتها على الفعل، وبجسدها وكينونتها، فتقدم النموذج المختلف والخارج عن القواعد كلها، عبر المرأة الكردية التي تجاوزت كل الاعتبارات لتنخرط بالعمل المسلح، فتتوجه بتحية إلى المقاتلة أرين ميركان التي نفذت عملية انتحارية في بلدتها عين العرب، واستشهدت في عام 2014، في قصيدة بعنوان “حين نرجم قلوبنا بحجارة كوباني”، تتحدث فيها عن قريتها ومعاناة الأكراد عبر تاريخ طويل من الاضطهاد.
أغلب قصائد المجموعة طويلة، تقود القارئ إلى لذة التفاصيل ومتعة القراءة، ومتصاعدة في التعبير عن الذات الإنسانية في حالاتها المتعددة وآلامها، وخاصة الأنثوية. كما تميل الجمل إلى الطول والسطر المتصل، فتحتفظ بقدرة على تأثيث فضاء القصيدة بالوصف والإشباع العاطفي والبساطة، رغم عمق التناول. لا تغلق وداد نبي على نفسها الانتماء الجندري أو القومي، بل تتسع لتشبك ذلك مع الهم السوري في أوسع أوجهه، كما في قصيدتها “احذروا الهواء في الغوطة الشرقية”، ذلك النداء الذي مات على شفاه ضحايا غاز السارين.
وهو ما أشارت إليه لجنة التحكيم برئاسة الشاعر ميكيلي برانكالي، إذ أشادت بقدرة قصائد وداد نبي على تجسيد جراح المأساة السورية، وطرح أسئلة وجودية حول الفقد والذاكرة والعلاقات الإنسانية في ظل الخراب.
by رانيا كرباج | Mar 24, 2026 | Culture - EN, Poetry - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
لم أنجُ بعدُ من الموت
قدمٌ هناكَ
و قدمٌ هنا…
لم أنجُ من دمي المَقهور
عقدٌ من الحربِ
يسبحُ بينَ كرياتي الحمراء
و عقدٌ من الغرورِ
يخنقُ
كلماتي البيضاء
لم أنجُ كذلكَ من الحياة
مازلتُ عالقةً بمصيدةِ عينَيك
مثل فراشةٍ ترفرفُ إلى حَتفِها
شغفٌ هناكَ
و شغفٌ هنا…
لا و لم أنجُ من
هديلِ اليمامات
و رقصةِ الضوءِ على جسدِ الظلال
من مدّي و جزري على شواطئ
القصيدةِ
مثلَ موجةٍ تطاردُ الخيال…
كلّما مرَّ طيفكَ
قلتُ ها هو
و كلّما خذلتني الأرضُ
أسندتُ رأسي إلى كتفِ السماء!
و تلكَ الأحلامُ التي نسجتُها
على غيمتي
ما تزالُ متمسّكةً بعُنقي كما الأطفال
و تلكَ التي كبّرتُها
ما تزالُ تهرولُ و ألاحقُها
لم أنجُ منّي
من جسدي المترنّحِ
مثلَ بندولِ ساعةٍ عتيقةٍ
دقّةٌ هناكَ
و دقّةٌ هنا…
من شغفي يغفو و يستَفيق
من قصةِ الفينيقِ
حينَ يطوّقُني السَّواد
من رغبتي العميقةِ
في أن أتحوّل إلى رَماد
حائرةٌ بين قمرَين
عينٌ على البياضِ
و أخرى على الليلِ الكُحلي
خائفةٌ بين قدرَين
لا
لا أريدُ أن أغمضَ عينَيَّ عن المشهد
من نافذةِ غرفتي
أسمعُ سمفونيةَ الغيمات
على شُرفتي تحومُ بضعُ نحلاتٍ
يلفحُني نسيمٌ
معطرٌ بصوتِ أبي…
ثمّ تهبُّ الحربُ فجأة
أغلقُ النوافذَ و الأبوابَ
و أفتحُ حواسي على مصاريِعها
لا
لا أريدُ كذلكَ أن أغمضَ عينَيّ
على الرغمِ من فداحةَ المشهد!
by علي جازو | Dec 12, 2025 | Culture - EN, Poetry - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
في ديوانها الجديد “مثل قلب على مدخل بيت” (دار أثر، 2025) تقدّم الشاعرة السورية هنادي زرقه شعرًا في حالته الأولى: شعرًا خامًا، يولد في البدء والمباشرة، ويستمد مادته وأنفاسه من سيرة الذات وأيامها المعاشة. الشعر هنا، نداء وجداني، محاورة النفس وتكثيرها بالتذكر والحنين والظنون والأحلام والشكوك والمخاوف، بما هو مستقر في قاع النفس ملتصق بها ولا يغادرها.
تجربة فعلية
تأتي الكلمات والعبارات من التجربة الفعلية، من الحياة المعاشة كما هي، من الإحساس الأوليّ، من الانطباع الفطري والآنيّ، مما هو خاطرة ويوميات، مما يشبه قصاً قصيراً، سرداً أقرب إلى مقاطع من سيرة. هو ذا شعر لا يتكل على عدة من خارجه. شعر قادم من الداخل الذي هو حياة متحولة وذكرى حياة. شعرٌ كهذا لا يجد فرقاً بين الحياة والكلمات، وهو على الأرجح يُلحم الاثنين يُطعّمهما ليغدُوا جديداً واحداً. شعرٌ يستنبت نفسه، يسقيها وينتظر إثمارها. لنقل إنه يُثمر من أي جهة طالما كانت معاشة ومختبرة. يأتي من الألم لكنه يتخطاه. شعرٌ هو بمكان ما يتنزه مع كلاب الوحدة.
تكتب هنادي كما تتحدث مع أصدقائها، كما تفكر وتشعر، كما تمشي وتشير، كما ترى وتتذكر. لا مسافة بين ما نتكلمه وما نكتبه. الفكر والشعر والسيرة والرؤية والتذكر أمر واحد، قصيدة. التأليف والترتيب الفنيان يأتيان على وقع ما نعيش وما عشناه. هنا نجد مثالاً أليفاً للشعر، مثالاً لا يأتي من الرمز أو التصعيد الجمالي أو التسامي الذاتي من خلال اللغة بما هي جوهر شعري ربما يبتعد عن مصدره وأصله. هنادي لا تبتعد عن المصدر “الأهلي” للشعر، عن التذكار العائلي والطفولي، عن نفسها كما كانت وكما هي الآن.
يأتي الشعر من الكلام المسموع والمقروء، مما قد تفتت وتناثر وهاجر، من الرحلة وركام التنقل والسفر والإقامة الجديدة. مصدر الشعر هنا ليس الكتب وحسب ولا القراءة فقط. كلمات الكَلام هي ما تصنع القصيدة، الكلمات بما هي حاجة وبما هي منهل وبما هي ناقل ورسالة ورجاء واستنطاق للصمت والعزلة والحيرة. لكن الشاعرة أيضاً تتكلم إلى نفسها، أو تسمع صوتها الذي لا تجد له مقابلاً في وجه آخر. الشعر والكلام هنا حاجة قبل أن يكون تأليفاً.
تأملات في اللحظة العادية
يتميز ديوان “مثل قلب على مدخل البيت” بلغةٍ حيةٍ قريبة، تنبثق من التجربة الشعورية المباشرة، مما يشبه ما نتداوله من كلمات وعبارات لا من التنظير أو الزخرفة اللفظية. الشعر ان ترى وتقول ما تراه. لا تجد هنادي في الكلام المتناقل، قد لا يكون بالضرورة كلامها هي نفسه، والحدث العادي ورؤية الأشياء اليومية ما يبعدها عن الشعر. على العكس هي تجد في اللحظة العادية والمتكررة ما يستدعي التأمل وما يجلب الانتباه. لا بلاغة استعراضية ولا تغريب. فهي لغة بسيطة، لكنها عميقة المنشأ الحسي إذ تعتمد على التفاعل الفوري مع اللحظة، فتسجّل الانفعال كما هو، دون أقنعةٍ أو تصنّعٍ. ليست البساطة شحّاً لغوياً، بل هي هنا اختيارٌ فني وتكثيف حسي، ما يجعل الكلمة تعبّر بصوت الفرد الذي ربما لم تبق غير الكلمات تصوّره وتحميه، تتحول إلى خلق ثان وثوب جديد.
الكتابة في هذا الديوان أقرب ما تكون إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث تتحول القصيدة إلى لقطةٍ حيّةٍ، تلتقط تفاصيل الواقع المحيط. الكلمات هنا ليست رموزًا غامضة، بل هي صور ملموسة، تُمكِّن القارئ من رؤية المشهد وسماعه ولمسه.
هذه اللغة، بما تحمله من لمسٍ حسيٍّ ورجاءٍ دافئٍ وشكوى مريرةٍ، تُعبّر عن عمق التجربة الإنسانية التي تعيشها الشاعرة. فهي تجمع بين الأمل الصعب والإيمان الأصعب، بين الحلم والخيبة، وتنسج من هذه التناقضات نسيجًا شعريًا متماسكًا. لا مكان في هذا الديوان للمجاز الفضفاض أو الغموض المفتعل؛ فالمَجاز هنا ينبع من حرارة الشعور لا من صنعة البلاغة. وهكذا يصبح الديوان شهادةً على صدق القول الشعري وقدرته على الإمساك بجوهر الحياة في لحظتها الآنية.
تدوُّن هنادي كلمات قَصائدها كما تأتيها. هذا قد يعني أنها تكتب على السماع على ضوء الصدى، على نوعٍ من اليُسْر والتبسيط، على ما يتردد ويَتواتر في ذهنها. لكنها أيضاً تكتب وتنهل من معجم مرئي أمامها. من هذا المكان الجديد المتاح والمعاش والمفتوح أمام ناظريها. هي إذاً تسمع وترى وفي الآن تمزج المرئي بالمسموع في بنية واحدة في مقاطع صوتية قصيرة ومتتابعة.
نضارة اللاشكل
ليس ثمة شكلٌ واحد أو نموذجٌ شكليٌّ يتكرّر. فكل قصيدة، إذ تُكتب وتنمو، تبلغ خاتمتها من دون قيدٍ مسبق أو شرطٍ شكليٍّ مفترض. وقد يوحي ذلك للقارئ بأن هنادي تنطلق من اللاشكل، أو بأن البنية النهائية للقصيدة ليست ذات أولوية. الأهم هنا هو القول والكتابة وإيجاد المعنى؛ الأهم هو هذا الحوار الداخلي والنداء الذاتي، وإخراجهما إلى نور الكتابة ونهار القصيدة.
يحضر في هذا الديوان العالمان المكاني والنفسي جنبًا إلى جنب، الذاكرة والحاضر. نرى الأمكنة القديمة والجديدة تتجاوَرُ كأنها وجوهٌ مختلفة للذات نفسها. ما هو نفسيٌ قرينٌ لما هو زمنيّ، أحدهما يشكل الآخَر ويُدخله في نسيجه ومحتواه. الدقائق مشاعر وحالات، الساعات والشهور مراحل وتحولات. برلين، على وجه الخصوص، تتجسد حضورًا كثيفًا، ليست مجرد مدينة، ليست انتقالاً جغرافياً، بل كيانٌ شعوريٌّ نابض: مدينة الكلاب والعزلة والأشجار الكثيرة، اللغات التي لا تتحول أو تقدر ان تكون لغة واحدة متاحة ومفهومة حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشاراتٍ عن الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة ووحدة وتخبطاً كما في قصيدة “حيوان أليف يدخن” إذ نقرأ “تجلسين على الشرفة لتدخّني. التدخين، في برلين، ممنوع داخل المنازل! تنصاعين مثل حيوان أليف. يخرج سنجاب من ثقب في أسفل الشجرة. سنجاب متردد. يقف. يحك قدمه ثم أنفه. يصعد. ينزل. يواصل الصعود والنزول اعتباطاً من غير هدف واضح. أو هكذا يبدو. يسقط على الشرفة المقابلة. يقف حائراً لا يعلم أي اتجاه يسلك إلى الثقب-البيت. ساعة بأكملها، تراقبين السنجاب في ضياعه. تبرد القهوة. تنطفئ السيجارة، فيما سنجاب الوحدة يحفر ثقباً في روحك/ تحاولين الولوج منه إلى بيتك هناك”.
سجل حياة
الشاعرة تكتب سجلّ حياتها الشعري، الحياة بما هي معاش يومي ومكابدة مزدوجة، مكابدة المعنى ولغة المعنى. ثمة الواجب وثمة صورته الماثلة والثقيلة، ثمة الجديد الطارئ والقديم الذي يرفض أن يتقادم ويبتعد ويندثر. ثمة النموذج المفترض، وثمة غواية اللا نموذج. هنا الحاضر البرليني وهناك والماضي السوري. لكن القصيدة غير قادرة على النجاة من ماضيها وماضي بلد الشاعرة. هي عالقة بين زمنين مُقسَّمة، دون أن تنتمي الى اي منهما على نحو كلي وناجز. السؤال الشعري سؤال في الانتماء والهوية يطوف حول الذاكرة، الحنين لا يكفيه جواباً والنسيان لا يشفيه. لا أحد يمد طوق النجاة، لا سند ينقذ الشاعر والشعر نفسه. القصيدة هي هذا التوهان هذا التأرجح المَرَضي، الانتقال غير المستقر بين زمنين وفكرتين. لكن هنادي تنقل هذه الاسئلة الحياتية والأدبية من عالم الفكر المجرد الى التجربة الفردية المحسوسة، وربما يكون الفرد هنا معياراً تُقاس به وعليه الحوادث ومعانيها.
لا بوصفه تذكّراً للأحداث، بل بوصفه تأمّلًا في الشعر نفسه، في كونه طريقة حياة لا مجرّد كتابة. الشعر عندها مواز للحياة، نسخة عنها، بل شرطها وسرها ودافعها الأول، فهو الدليل في التيه، والاختبار المرير في مواجهة معنى ينسف الإيمان الشخصي. إنه اعتراف وكتمان في آنٍ واحد، تردّدٌ دائم بين التذكّر والنسيان، بين الرغبة والندم. يبلغ الشعر هنا مرتبة النشيد الشفاهي، فهو خطابٌ وحوارٌ ونداء. الكلمة ليست غاية، بل تفصيلٌ للنداء نفسه، حياكةٌ للقول حول التجربة.
إن مجموعة قصائد “مثل قلب على مدخل البيت” ليست مجرد نصوص ذاتية، بل رحلة في الوعي الحسي والشعور الحرّ، رحلة تثبت أن الشعر، حين يكون صادقاً، ووليد تجربة وترحال يصبح شكلاً من أشكال العيش، ووسيلةً لمحاورة الذات مع وحدتها. الشعر هو هذا القِران المستولد من عزلات متراكمة، هذا التزاوج، هذه النجوى وهذا الإسرار بالدعاء “إلهي.. إلهي/لا أريد أن أكون غزالة أو فيلاً/ أعد لي جديلتي/وعيني الواسعتين/وفمي الكبير/وضحكة واحدة/ تخلخل هذا الموت الجاثم فوق صدري”.
by علي جازو | Aug 25, 2025 | Culture - EN, Poetry - EN, Reviews - EN, بالعربية, Articles - EN
القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”
يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.
في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.
القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.
قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.
الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.
by مفيد عيسى أحمد | Aug 21, 2025 | Culture - EN, Poetry - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
تطوّر المنجز الإبداعي الشعري في الشكل وأداة التوصيل وأغراض الشعر، على ضوء متغيرات عصر النهضة، هذا ما عمل عليه الدكتور “إياس حسن” في كتابه ” النهضة والشعر ” الذي صدر عن دار “أرواد” للطباعة والنشر؛ عام 2025.
أتبع العنوان الرئيس بعنوان شارح هو “أثر النهضة العربية في الشعر العربي” وحدد مجال البحث الذي تضمنه الكتاب في الصفحة الداخلية للعنوان ببندين هما: نشوء المجموعة الشعرية وتطوّر بيئة الشعر التواصلية وظهور المنهج النقدي.
خصّص الباحث الفصل الأول لنشوء المجموعة الشعرية وقدّم لذلك بالتعريف بالمجموعة الشعرية؛ وتناول المواضيع التالية:
ظهور المجموعات الشعرية
يرى الباحث أنه كان للإرساليات الدينية القادمة من الغرب، وللنهضة التي شملت نواحي الحياة كلها أثر جليّ في ظهور المجموعة الشعرية. هذا الشكل الجديد المادي من حوامل الشعر، كذلك يعيد الباحث التطور الذي حدث على نظم الشعر وتجميعه إلى ظهور الجمعيات الثقافية كجمعية شمس البر التي أعلن عنها عام 1868 وجمعية زهرة الآداب التي أعلن عنها عام 1869 إضافة إلى تأثير انتشار الطباعة التي أدت إلى ظهور المكتبات كمكتبة بطرس الأمريكاني التي افتتحت عام 1876 والمكتبة الظاهرية التي افتتحت عام 1879. تأثير آخر كانت له أهمية كبرى هو الاستشراق الذي ساهم في نشر التراث العربي وإن كان بنظرة مغايرة للمعتاد التقليدي الذي تناوله كموروث ثابت جامد يقترب من الكامل لا يجوز تناوله بالنقد.
أثر الكتاب المطبوع كحامل مادي جديد:
تغيّرت وسيلة التواصل الشعري بالخروج من الحالة الشفاهية التي كانت تقوم على المنشد الراوي، إلى وسيلة جديدة تمثلت بالكتاب كحامل مادي، وبذلك انتقلت الوصاية على النص من المنشد إلى الناسخ في حالة الكتابة، الوراقة، ثم الناشر في حالة الطباعة.
تبدّلت هذه الوصاية بعد ذلك، فعملية تجميع القصائد، صار الشاعر يقوم بها، بينما كان سابقاً أصدقاؤه أو المهتمون يتكفلون بهذا العمل. هذا ما فعله أحمد شوقي في ديوانه “الشوقيات”.
لكن سلطة الشاعر ظلت ناقصة؛ فمراجع الديوان أو الناشر ظلّ يغيّر في عناوين القصائد وترتيبها، كما فعل أحمد الخوفي في ديوان أحمد شوقي، توضّح ذلك بعد ظهور الديوان المطبوع، والذي اقتضى عنواناً للديوان ومكاناً خاصاً لهذا العنوان، كذلك ظهر الغلاف وصار عتبة للديوان بتطوّر شكله وإخراجه، بدل أن كان مجرد حافظ مادي في المخطوطات.
تطوّر العنوان وعلاقته بالحامل المادي:
يتناول الباحث التطورات التي مرّ بها العنوان، في خضّم تطورات أخرى شملت المنتج والحامل الشعري، بيّن أن العنوان لم يكن مفرداً على الغلاف، بل كان يسبقه تعريف بجنس الكتاب والكاتب، مثل “كتاب كذا ” و “ديوان فلان”، ويورد مثلاً لذلك ديوان (ناصيف اليازجي) الأول الذي نشره عام 1852 وعلى غلافه نبذة عن الديوان.
ظهر بعد ذلك العنوان الترويجي لكنه لم يكن مستقلاً مثل ” نفحة الريحان ” مالبثت مسألة التعريف بجنس الكتاب أن أخذت سمة عامة كما في ديوان (خليل الخوري) المعنون “زهر الربى في شعر الصبا” والذي نشر عام 1857 وقد سبق هذا العنوان كلمة “كتاب” لكن (الخوري) تخلى عن التعريف بجنس الكتاب في ديوانه التالي واقتصر على عنوان ترويجي هو ” العصر الجديد”.
تابع الباحث تطوّر العنوان حتى صار جزءاً من العملية الإبداعية وذلك بفعل عوامل منها الطباعة وانتشــار الصــحف والمجلات، كجريدة (الوقائع) التي صدرت في القاهرة عام 1828، وجريدة (حديقة الأخبار) التي صدرت في بيروت عام 1858، وجرائد ومجلات أخرى.
يربط الباحث بين ظهور الصحافة وانتشارها وظهور عناوين جديدة للمجموعات والدواوين الشعرية؛ مركزاً على الدواوين التي صدرت في سورية ومصر وذلك كون المنطقتين تشكلان وحدة ثقافية بتجارب مشتركة متقاربة.
تطور النص الشعري في الشكل والأسلوب:
يعزي الباحث للصحافة تأثيراً هاماً على النص الشعري؛ هو تجديد أسلوب الكتابة بالابتعاد عن الإنشاء، فقد بدأت النصوص الشعرية تتخلّى عن السجع والبديع، وهذا ما أوجد الحاجة لعلامات الترقيم لتدّل أين تنتهي الجملة ولضرورتها في إيصال المعنى، جرى استعمالها في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مما دفع “أحمد زكي باشاستة” لوضع دليل بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” وقد صدر عن المطبعة الأميرية في مصر.
تحوّل آخر للمجموعات الشعرية والقصائد؛ هو التحقيب الذي يدّل على زمن إنشاء القصائد، وزمن نشر الديوان، والتحقيب كما ذكر الباحث-أتى بصيغ مختلفة قد يكون بالترقيم الذي يدّل على تسلسل إصدار المجموعات، أو الإشارة إلى مرحلة من العمر مثل ” أشعار الصبا” أو “عبرات الشباب”.
يذكر الباحث أنّ جماعة “الديوان” اعتمدوا صيغة أخرى للتحقيب وهي المواربة، وفيها يشار إلى زمن إنشاء القصيدة بالإيحاء أو الدلالة كاستخدام تسلسل زمني (الفجر، الصباح، الظهيرة.) مثل “أنداء الفجر” لـ “أحمد زكي أبو شادي “.
الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان: التطوّر الموازي في بيئة الشعر التواصلية وظهور النقد المنهجي.
استعرض الباحث في هذا الفصل روافع الشعر الذين كانوا يروّجون له ويشرحونه على مدى تاريخه، ثم تطرّق إلى ظهور الرواة في العصر الأموي والعباسي، لنصل إلى عصر النهضة حيث ظهرت الدواوين والمجموعات، وعلى إثرها ظهر المقرظون الذين كانوا يقومون بالتراجم وتقريظ العمل بما يقوم مقام المقدمة فيما بعد.
أغراض جديدة للشعر ومقدمات بدل التقريظ:
يقارب الباحث النص الشعري من ناحية الذائقة، فالذائقة التي كان يعبّر عنها بالتقريظ لم تستمر أمام التغيرات الكثيرة التي شملت العلاقات الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، إثر الإصلاحات العثمانية، والتي أدت إلى انتهاء حكم العائلات وبروز دور المؤسسات، فمع هذه التغيرات تغيرت وحل محل التقريظ التقويم الموضوعي الذي شكّل إرهاصاً للمقدمة.
المقاربة الأخرى أتت لموضوع الشعر وغرضه، فالتغيّر الأهم والذي كان من المفترض أن يعطى مساحة أكبر في البحث، هو تغيّر مواضيع الشعر وأغراضه، حيث بدأت القصائد تدور حول مواضيع غير مطروقة شعرياً، بدأ ذلك على يد “خليل الخوري” و”سامي البارودي”، هذه المواضيع رتبت ظهور المقدمات بمحتواها الجديد الذي علب عليه مناقشة ماهية الشعر ومفهومه.
موصلات أخرى للشعر:
يعود الباحث إلى ما حسبناه أغفله سابقاً، حيث يتناول مجالات أخرى لتوصيل المنتج الشعري، مجالات تقليدية كانت معروفة تاريخياً منها “الأغورا” عند اليونان، و “الفوروم عند الرومان، والأسواق عند العرب، إلى أن يصل إلى حلقات المساجد التي كانت تعقد في المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية، كحلقة الشيخ “طاهر الجزائري” في دمشق.
ونتيجة للإصلاحات التي أقرتها السلطات العثمانية عامي 1839 و1856 والتي منحت الأقليات بعض حقوقها؛ ظهرت الجمعيات العلمية، ثم المجالس التي أخذت لنفسها خطاً تنويرياً.
كذلك لعبت المقاهي دوراً هاماً في التوصيل الثقافي والشعري، ثم ظهرت مجالس البيوت التي اضطلعت بها الطبقة العليا، كمجلس الأميرة نازلي فاضل ومجلس محمود باشا البارودي، أعقب ذلك ظهور الصالونات الأدبية كصالون “مريانا مراش” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في حلب، وصالون “ألكسندرا الخوري؛ أفرينوه” في أواخر القرن التاسع عشر في مصر. الصالون الأشهر كان صالون مي زيادة التي أعلنت عن مولد صالونها عام 1913.
ظهرت بعد ذلك الجمعيات والروابط الأدبية التي لعبت دوراً هاماً في النقاش والسجال حول الشعر كنتيجة لعملية التطّور والتحوّل الذي كانت تحدث، هذا السجال والنقاش شكّل أساساً للنقد المنهجي.
الكتاب تضمن بحثاً هماً وجديداً ربط بين النهضة بمفاعليها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين تطور الحامل والموصل الشعري على صعيد العنوان والتبويب، المواضيع والأغراض الشعرية؛ لكنه لم يأخذ بالاعتبار تطوّر المنجز الإبداعي الشعري العربي من الناحية الفنية إلاّ لماماً، ربما لأن ذلك لم يكن موضوع وغاية البحث، التي حددها الباحث في الخاتمة بقوله “كانت غاية هذا البحث تقصّي العوامل التي ساهمت في ظهور المجموعة الشعرية بصفتها ظاهرة تاريخية.”