by طارق علي | Dec 13, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, Roundtables - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات قصر المهاجرين.
في ذلك العام، قرّر الأسد إزاحة ابن خاله رامي مخلوف تمامًا عن المشهد الاقتصادي، في خطوة واحدة ومفاجئة، أعقبها عزله الكامل عن أي نشاط اقتصادي أو تجاري، ومصادرة أصول أمواله وشركاته وتجميدها، وهي التي كانت تُعدّ بالمئات. كان رامي مخلوف وريث عائلة مخلوف الإقطاعية تاريخيًا، والمنحدرة من قرية بستان الباشا في قضاء جبلة بريف اللاذقية. وإضافة إلى هذه التركة الكبيرة، ورث عن والده محمد مخلوف (خال بشار الأسد) إدارة الاقتصاد السوري بكل مفاصله وتفصيلاته وعقوده واحتكاراته.
أحد الذين عملوا ضمن الدائرة الضيقة لرامي مخلوف، ويقيم اليوم في دبي، قال لـ«صالون سوريا»، مفضّلًا عدم الكشف عن اسمه، إن «رامي مخلوف لم يكن رجلًا نشأ من العدم؛ فقد شارك في تربيته والده وحافظ الأسد معًا. ومع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000، انتقلت مفاتيح السلطة السياسية إلى الأسد الابن، فيما آلت مفاتيح السلطة الاقتصادية إلى مخلوف الابن. ولم يُمنح رامي حينها امتيازات أو تفضيلات تميّزه عن بقية التجّار السوريين أو المستثمرين الأجانب، بل مُنح الاقتصاد السوري كاملًا، دون نقصان ولو بمقدار ذرّة، ليصبح هو من يوزّع فتات الكعكة على بقية التجّار».
وأضاف المصدر: «كان مطلوبًا من مخلوف، بالضرورة، أن يترك استثمارات صغرى وغير حيوية لغيره، حتى وإن بلغت قيمتها مليارات الدولارات، لكنها لم تكن تُشكّل شيئًا يُذكر في موازين الربح والخسارة لديه. هكذا صار واحدًا من أقوى رجال الاقتصاد في العالم العربي، ومنافسًا محتملًا لأثرياء العالم. غير أن السلطة، بوصفها سلطة تُطوّع ذراعًا ماليًا خارج مؤسساتها لسدّ فراغاتها، ووفق فكرٍ عصبيٍّ وتعصّبيّ، لم تكن تسمح، حتى في آخر لحظاتها، بالكشف عن ملاءتها المالية، باستثناء الإعلان السنوي عن الموازنة العامة».
تلك الموازنة، التي أشار إليها المصدر نفسه، كانت موضع شكّ دائم، إذ بقي النفط خارجها لعقود طويلة، ليُسوَّق جانبيًا تحت مسمّى «مكتب النفط» في رئاسة الوزراء. وكان عبد الرؤوف الكسم ومحمود الزعبي، رئيسا الحكومات السورية بين عامي 1980 و2000، من أبرز من أتقنوا إدارة هذا الملف.
في عهد بشار الأسد، كان أكثر ذكاءً في إدارة ملف النفط، وأكثر غباءً فيما عداه، وفق توصيف أشخاص عملوا معه. فقد أعلن عن كميات الإنتاج السنوي، وما يُخصّص للاستهلاك الداخلي، وما يُصدَّر إلى الخارج، غير أنّ الواقع بقي على حاله: عائلتا مخلوف–الأسد تديران القطاع وفق منطق الربح الفردي، دون أن يجرؤ أي سوري على السؤال. ولأجل تطوير القطاع، أُدخلت شركات أجنبية، لكنّ السلطة استحوذت على الحصص الأوسع منها، فيما كان رجال الدولة، في قصورهم، شركاء حتى في «حصة الطير من صيده».
بداية الانهيار الداخلي
في صيف عام 2019، وتحديدًا في شهر آب/أغسطس، وضعت السلطات السورية يدها على جمعية «البستان» الخيرية، العائدة بملكيتها إلى رامي مخلوف، والتي كانت تتبع لها قوة عسكرية كبيرة تُعرف باسم «قوات البستان». وصدر قرار متزامن بحلّ الجمعية والقوة التابعة لها، وصرف عشرات الآلاف من مقاتليها.
وفي نهاية العام نفسه، صدر قرار بالحجز على جميع أموال مخلوف وزوجته وأولاده، بتهم تتعلق بالتهرّب الضريبي والتربّح خلال الحرب. كما طالت العقوبات المحلية أصول أمواله وكيانات شركاته في الخارج.
ومع بداية عام 2020، فُتح ملف شركة «سيرياتيل»، أكبر وأضخم شركة تُدرّ عوائد مالية عالية تصبّ في حسابي السلطة ورامي مخلوف معًا. وعمليًا، تُعدّ «سيرياتيل» واحدة من شركتي الاتصالات الوحيدتين في سوريا: الأولى مستحوذ عليها بالكامل، والثانية، بشكلٍ أو بآخر، تعود ملكيتها إلى السلطة أيضًا. في هذا السياق، كان مخلوف عرّاب قطاع الاتصالات، ومع فقدان السلطة المركزية سيطرتها على منابع النفط والغاز الرئيسية في شمال شرق سوريا بعد عام 2011، إضافة إلى معارك حقول تدمر مع تنظيم «داعش»، باتت عوائد الاتصالات الباهظة تشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ«بترول البلد»، كما يُوصف في البلدان التي لا تمتلك موارد نفطية وتعتمد على قطاعات أخرى لتعويض أرباحه المفترضة.
في 30 نيسان/أبريل من العام نفسه، قرّر مخلوف الخروج إلى العلن عبر فيديو مطوّل، شرح فيه للمرة الأولى ملابسات ما جرى. ومن مكان إقامته الإلزامية، وعبر سلسلة مقاطع مصوّرة متعاقبة ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ مخلوف برفع سقف خطابه، كاشفًا الأسرار والخبايا، ومخاطبًا ابن عمته بلسان العاتب، قبل أن يتحوّل خطابه لاحقًا إلى هجومٍ صريح، بعد أن فقد أي أمل في استعادة ما كان يراه حقّه وجنى عمره وتعبه، ولا سيما بعد أن جرى «تشليحه» من كل شيء تقريبًا.
خلف الكواليس
لم يكن الخلاف بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليقع، نظريًا، تحت أي ظرف. فقد شكّلا، لسنوات طويلة، جناحين للسلطة: أحدهما للسياسة، والآخر لضمان ديمومة الاقتصاد المُنقِذ، ولو في حدوده الدنيا. غير أنّ شيئًا ما تبدّل في لحظة مفصلية، حين طالب بشار الأسد رامي مخلوف بمبلغٍ مالي ضخم لتسديد ديون واستحقاقات وضرائب شخصية. هذا الطلب لم يلتفت إليه السوريون جيدًا في حينه، لكنّ الدائرة المقرّبة من مخلوف شرحته لاحقًا بتفصيل، ولا سيما بعد سقوط النظام.
وبحسب تلك الدائرة، فإن رفض مخلوف الدفع، انطلاقًا من اعتقاده بأن الدولة قائمة أساسًا على أكتافه، أشعل شرارة الصراع. ولم تكن تلك الحرب، في جوهرها، بين نسيبين كما بدا ظاهرًا، بل كانت أعمق من ذلك بكثير. فقد أكّدت مصادر مقرّبة من مركز القرار آنذاك، ما صار واضحًا لاحقًا، من أنّ أسماء الأسد، المحسوبة بشدّة على الجانب الروسي، رتّبت كل شيء لإقصاء مخلوف جانبًا، والاستيلاء على ممتلكاته، وعلى الأرباح القادمة من مختلف القطاعات والشركات والاتفاقيات.
ورغم أنّ الإعلان الدستوري الجديد يجرّم المديح في آل الأسد، لم يكن واضحًا ما إذا كان رامي مخلوف مشمولًا به، ولا سيما في ظل تسريبات صحافية تحدّثت مؤخرًا عن لقاء جمع أحد أشقاء الشرع بمخلوف خارج سوريا، لبحث إجراء وساطة تسوية لا تزال شديدة التعقيد. وتُحاول تركيا رعاية هذه الوساطة، فيما يسعى الشرع إلى التهرّب منها، خشية نقمة الشارع على حكمه.
المهم في كل ذلك أن التاريخ لا ينسى. فلا يختلف اثنان على أنّ مخلوف كان داهية في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه لصًا وناهبًا ورجل مافيا. لكنه فعل ما لم يفعله غيره بالطريقة ذاتها؛ إذ رهن جمعيته الخيرية «البستان» لإجراء عمليات جراحية وغيرها، مهما تعاظمت تكلفتها، لكل محتاج، ومن أي طائفة كان.
يقول الدكتور ماهر حمّور، الذي عمل ضمن مجموعة مخلوف وكان مطّلعًا على هذه الملفات، لـ«صالون سوريا»: «بمعزل عن قِصر ذاكرة الشعوب، فإن الجمعية بالفعل أجرت عشرات وربما مئات آلاف العمليات للمحتاجين من مختلف الانتماءات. إلى جانب ذلك، كانت تتكفّل بتوزيع حصص مالية وغذائية شهرية للمحتاجين ولكل من يقصدها. وبهذا تحقّق المثل القائل: “كان يعطي من الجمل أذنه”. لكنه، على الأقل، كان يعطي؛ يسرق كثيرًا ويعطي قليلًا. أما بقية رجالات الأسد، فكانوا يسرقون كثيرًا ثم كثيرًا».
ويضيف حمّور: «مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ من يعرف بشار الأسد عن قرب كان يدرك أنّه ربما واحد من أبخل قادة التاريخ، هو وزوجته، وقد عرفتهما عن قرب. وبالعودة إلى مخلوف، ومساعداته ومنحه، فإنه، في الوقت نفسه، قضى على الاقتصاد الحر، وتسبّب في هجرة آلاف الصناعيين والتجّار والمستثمرين. كانت أرباحه تعنيه على صعيده الخاص لا على صعيد تطوير البلد. ومن هذه الزاوية، يرى كثير من السوريين أنّ الجمعية كانت غطاءً لقول كلمة “شكرًا” له، فيما ترحّم آخرون عليه بعد إبعاده عن المشهد».
صاحبة التاج
منذ زواج أسماء الأخرس، الفتاة الحمصية التي كانت تعمل في أحد المصارف في بريطانيا، من وريث الحكم الأسدي في سوريا، نظرت إلى نفسها بوصفها صاحبة التاج والملك. لم تتعامل يومًا مع البلاد كجمهورية، بل كإقطاعيةٍ ملكية.
ومع مرور السنوات، ازدادت قدرتها على التأثير في زوجها وسلوكه، وبدأت تنشط في قطاعات إغاثية وتنموية كبرى، ليتصدّر اسمها واجهة الأخبار، حتى مُنحت قسرًا لقب «سيدة الياسمين». غير أنّ لقبها في المجالس السورية الضيّقة كان «سيدة الصبّار»، بحسب ما قالت رقية الأحمد، التي عملت في إحدى مؤسسات أسماء خلال الحرب، لـ«صالون سوريا».
عمليًا، لعبت أسماء الدور الأكبر والحاسم في توجيه الضربة القاضية لرامي مخلوف. ولم تكن تلك الضربة ارتجالية تُدخل البلاد في فراغٍ اقتصادي تاريخي، بل جاءت ثمرة إعدادٍ سابق، سبق الخلاف برمّته، وتهيئةٍ لما بعده. ومع إخراج مخلوف من المشهد على نحوٍ فوري، عرف السوريون بوجود مكتب داخل القصر يُعرف باسم «المكتب السري»، وهو عمليًا «المكتب الاقتصادي» الذي أُنيطت به مهمة الحلول مكان مخلوف، ولكن هذه المرة لتركيز الثروات كلّها في اتجاهٍ واحد: القصر الرئاسي.
أدار هذا المكتب أحد المقرّبين من أسماء الأسد، وهو يسار إبراهيم، إلى جانب أربعة آخرين، من بينهم فارس كلاس، المدير العام السابق للأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء، ورجل الأعمال المعروف خضر علي طاهر، الشهير بـ«أبو علي خضر». بدأ الأخير حياته بائعًا للدجاج، لتصنع منه الحرب وأسماء لاحقًا اسمًا اقتصاديًا موازيًا لمخلوف، متدرّجًا عبر شبكة العلاقات والمعارف وصولًا إلى دائرة القرار، من دون امتلاكه أدنى مقوّمات الذكاء الاقتصادي–الاستراتيجي، إذ اقتصر دوره على الحصاد والابتلاع والجباية، وهي نقطة قوّته الوحيدة.
كان «أبو علي خضر» أقوى ذراع في مكتب يسار إبراهيم، فأُنيطت به إدارة المعابر، وجمارك السيارات، والتبغ والدخان، والهواتف الخلوية، والمشروبات الكحولية، والمواد الغذائية، فضلًا عن ابتزاز التجّار وإدارة الملفات الجمركية عمومًا. وقد قاد ذلك إلى عملية إعادة تسعير شاملة، كانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير.
لماذا قصمته؟ يجيب الأستاذ السابق في كلية الاقتصاد نجيب سليمان قائلًا: «لأن إزاحة مخلوف بين عامي 2019 و2020، وولادة المكتب السري، تزامنتا مع جائحة كورونا وسريان تطبيق “قانون قيصر”. ومع غياب الرؤية التنموية وخطط المعالجة وضرورة العمل على التعافي المبكر، اجتمعت هذه العوامل كسيارةٍ تسير بسرعة هائلة لتقود أكثر من 90 في المئة من السوريين إلى ما دون خط الفقر»، بحسب تأكيدات الأمم المتحدة.
أسماء تحكم وتدمّر
سارت أسماء الأسد على نهج زوجها ووالده، وعلى خطى الأنظمة الشمولية عمومًا. فلطالما اختارت رجالها من المطيعين وأصحاب الولاءات المثبتة، مقابل تأمين الحماية لهم وإسنادهم والسماح لهم بالاستفادة الجزئية. وهذه الاستفادة، على محدوديتها، أتاحت لبعض رجالاتها جمع مئات ملايين الدولارات وأكثر. والسؤال الذي ظلّ يتردّد بين السوريين: كم كان في سوريا من مال، فيما الشعب لا يجد رغيف خبز؟
بعد الأحداث التي وقعت بين عامي 2020 و2024، وما خلّفته من تأثير بنيوي عميق جرّاء تفكيك «الاقتصاد العميق» للدولة، واعتماد منطق التجربة بدل الرؤية، بدأ بشار الأسد يفقد، شيئًا فشيئًا، أهليته الشرعية في الشارع، وحتى بين مناصريه ومواليه شعبيًا وطائفيًا. فالناس الذين اقتنعوا، يومًا، بأن البلاد تتعرّض لمؤامرة، وأن الوقوف إلى جانبه ضرورة وطنية، باتوا يرون بوضوح أنّه لم يعد مكترثًا بأحوالهم.
وقد أتاح توقّف حرب الجبهات عمليًا، وفق مساري أستانا وسوتشي عام 2018، فرصةً مثالية للبناء والإنعاش. غير أنّ المقارنة التي عقدها الناس لاحقًا كانت فادحة: إذ يرون أن «هيئة تحرير الشام» استغلّت الفترة بين 2018 و2024 في التجهيز والتدريب والتحضير للحظة الحاسمة، بينما قضى الأسد على مواليه وجيشه، وأدخلهم في متاهة غير مسبوقة من الجوع والحرمان والتضييق، وصارع حلفاءه، ورفض مصالحة خصومه، وتعامل مع نفسه بوصفه زعيمًا منتصرًا بكل المقاييس.
ومع مرور الوقت، بات واضحًا أن اهتماماته، هو وزوجته، انحصرت في جني المال، المال وفقط. ويرى السوريون في ذلك العلامة الفارقة والنهائية التي مهّدت لسقوط النظام القمعي بعد سنوات طويلة.
ديوك الحي
تحدّث كثير من السوريين، علويين وسنّة، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، لـ«صالون سوريا» عمّا فعلته بهم أسماء الأسد وزوجها والسلطة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024. ففي تلك السنوات، كان الأمن العسكري وأمن الدولة مكلّفين بضرب أي مصلحة تجارية، صغيرة كانت أم كبيرة، بأساليب أقرب إلى عمل العصابات: اعتقال أصحابها، وفرض فديات مالية لإطلاق سراحهم، وصلت أحيانًا إلى مليارات الليرات السورية، فضلًا عن احتجاز نحو 150 تاجرًا من دون تهمة في فرع المداهمة «السرية 215 أمن عسكري – دمشق»، بغرض الابتزاز، وذلك في الربع الأخير من عام 2023.
الصادم في تلك الوقائع أنّ عمليات الاعتقال والابتزاز جرت، وفق مصادر مطّلعة، من دون علم أسماء الأسد أو زوجها. فقد نُفّذت بتشاركٍ مباشر بين «أبو علي خضر» واللواء أسامة صيوح، رئيس الفرع. هذا الأمر استدعى لاحقًا نقمةً عارمة من القصر تجاه الطرفين، بعدما تبيّن أنهما شرعا يعملان لحسابهما الخاص في الظل. وعلى إثر ذلك، صودرت أموال «أبو علي خضر» وطُبّقت عليه إجراءات عزل وعقوبات مشابهة لتلك التي فُرضت سابقًا على رامي مخلوف، فيما أُودِع اللواء أسامة السجن، قبل أن يهرب ليلة «التحرير» إلى لبنان، حيث يقيم حاليًا.
«أنا أو أحرق البلد»
في الصحافة، ثمّة حيّزٌ يسمح بالتوثيق لا بالتدخّل أو الإملاء. وخلال سنوات طويلة من الحرب، امتلك بشار الأسد قاعدة شعبية واسعة داخل سوريا، كانت المسيرات المليونية تعبّر عنها أحيانًا، كما عكستها أعداد القوات العاملة والمتطوّعة، وآراء شريحة من السوريين التي رأت فيه ضمانةً وصمّام أمان. وكان ذلك كلّه، في حينه، جزءًا من حق التعبير المكفول.
غير أنّ هؤلاء أنفسهم، اليوم، ينظرون إليه – بحسب تعبيرهم – بوصفه «لصًا هاربًا بخيرات سوريا»، تركهم بلا سند أو حماية، فيما كان قادرًا، في أي لحظة، على المغادرة. ويرى كثيرون أنّ هذه القناعة لم تولد لحظة السقوط، بل بدأت تتشكّل قبل ذلك بوقت طويل.
يتساءل مناصرون سابقون للأسد عمّا إذا كان قد هرب في نهاية المطاف تحقيقًا لشعار «أنا أو أحرق البلد». ولماذا لم يسلك مسار القرار الدولي 2254 الصادر عام 2015، والذي بقي متاحًا أمامه حتى لحظة رحيله؟ ولماذا لم يكن أكثر شجاعة ووطنية في الأشهر والسنوات الأخيرة، حين كان بوسعه نقل السلطة، أو التفاوض، أو حماية من وقفوا إلى جانبه، أو الانخراط في تسويات إقليمية، أو التوقّف عن استعداء شريحة واسعة من السوريين المعارضين له؟
قبيل هروبه، كان في متناول يده الكثير ممّا لم يفعله: الجلوس إلى طاولة تفاوض، حماية حلفائه، الانفتاح على المسارات الإقليمية، والتخفيف من كلفة العداء الداخلي. غير أنّ ذلك لم يحدث.
خلاصة القول، كما يراها كثير من السوريين اليوم، أنّ ما ظهر من بشار الأسد وزوجته لم يكن سوى أنانية ديكتاتور ترك خلفه مجتمعًا ممزّقًا، يتقاذفه الفقر، والانتقام، والتهجير، والاضطهاد، والأحقاد، والرغبة الجماعية في الهجرة ومغادرة الوطن.
وكما قال أحد سكّان طرطوس لـ«صالون سوريا»:
«بشار وزوجته كانا يصلحان، في أفضل الأحوال، لإدارة حديقة ملاهٍ. ومع ذلك، فاحتمال فشلهما كان كبيرًا، لأنهما كانا سيسرقانها، ولن يدفعا ليرة واحدة في تطويرها أو حماية عمّالها. وهذا تمامًا ما فعلاه، هما ورجالاتهما، في سوريا».
by عامر فياض | Dec 4, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
بعد تحول الثورة السورية إلى حربٍ دمّرت البلاد وقتلت مئات الآلاف، غادر جزءٌ كبير من السوريين المنتمين للثورة البلاد، طلباً للنجاة وبحثاً عن حياة جديدة، فيما آثر جزء آخر البقاء لاعتبارات عديدة. وطوال سنوات الحرب أثارت العلاقة بين جزء كبير من سوريي الداخل والخارج جدلاً كبيراً، كان يتفاقم في كل حدثٍ أو مناسبة، ليتم تبادل الاتهامات وتوزيع أدوار الوطنية. اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد البائد، وعودة كثير من السوريين المحسوبين على الثورة إلى البلاد، خلال الأشهر الماضية، عاد الجدل مجدداً، رغم فرحة معظم سوريي الداخل بعودتهم.
سياحة ثورية
يرى جزء من السوريين الذين لم يغادروا البلاد طوال سنوات الحرب، أن معظم من عادوا، بعد سقوط النظام البائد، أتوا كزائرين يدفعهم الحنين والاشتياق، وليسوا كأبناء وطنٍ، يرغبون في المساهمة في بناء سوريا التي حلموا بها ورفعوا لأجلها شعارات الثورة في عام 2011. كما أصيب جزء آخر بخيبة أمل بعد عودة بعض المعارضين البارزين في الثورة، إذ اكتفوا بزياراتٍ استعراضية لأبرز معالم العاصمة، كانت أقرب إلى “السياحة الثورية”، وكان هدفها الظهور الإعلامي والتقاط الصور، فيما اقتصرت معظم نشاطاتهم على الجلوس في المقاهي، التي اكتظت بالنشطاء المدنيين والسياسيين العائدين، كمقهى الروضة. وبدل أن يحاولوا الاقتراب من الحياة الحقيقية التي يعيشها الشعب السوري ليروا جزءًا من معاناته ويحاولوا أن يشاركوه ببعضها، كانوا يعيشون حياةً مترفة لا تشبه حياة أغلب السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذ أقام الكثير منهم في الفنادق أو البيوت الفاخرة ضمن الأحياء الراقية.
“كانت سعادتي لا توصف بعودة صديقي الذي لم أره منذ نحو عشر سنوات، كنت مستعداً لاستقباله في بيتي، خلال زيارته لدمشق، لنستعيد التفاصيل والذكريات التي جمعتنا في السابق، لكنني فوجئتُ بأنه قد حجز في أحد الفنادق ليقيم فيها طوال فترة زيارته، وعند لقائي به شعرت أنني أمام شخصٍ آخر، لا يشعر بشيءٍ من معاناتنا وأوجاعنا”. هكذا يصف الفنان التشكيلي طارق (46 عام) لقاءه بصديقه العائد من أوروبا، مضيفاً: “ورغم أنني كنت عاطلاً عن العمل، نتيجة الواقع المؤلم الذي تعيشه البلاد، وبالكاد أجد ثمن علبة سجائر، لم يُبد صديقي أي تضامن أو تعاطف معي، على الرغم من أن المبلغ الذي أنفقه في إحدى سهرات البار كان يكفيني ثمن طعامٍ لأسبوع، والمبلغ الذي كان يدفعه كإيجار يومي لغرفتة في الفندق يعادل إيجار بيتي المتواضع لشهر. كل ذلك جعلني أشعر بشرخٍ كبير في علاقتي معه، وبالمقابل مازالت علاقتي بأصدقائي، الذين لم يغادروا سوريا طوال الحرب، تزداد عمقاً، إذ كنا وما نزال سنداً لبعضنا، نحفّز بعضنا على التطور والإنجاز، ونتقاسم الفرح والحزن وما في جيوبنا من نقود”.
ذاكرة جديدة وانتماء جديد
طوال سنوات الحرب، كان معظم المنتمين للثورة من الذين لم يغادروا البلاد، لا يخرجون من محافظاتهم أو حتى مدنهم وقراهم إلا فيما ندر، بقوا محاصرين بذكريات الثورة، يستذكرون تفاصيلها الجميلة فيما بينهم، وبقيت أحلام بعضهم تتعلق بواقع البلاد وسقوط نظام الأسد وتحسن الواقع المعيشي والاقتصادي، وبالمقابل كثير ممن غادروا البلاد أصبح لديهم حياة جديدة وأحلام مختلفة وبعيدة عن الواقع السوري، بل تعودوا على نمط مختلف من العلاقات الاجتماعية، التي يغلب عليها الطابع الأوروبي، وتحول بعضهم إلى شخصيات غريبة، لا تشعر بأي حنينٍ إلى البلاد وما فيها، ولا تُشبه ما كانت عليه خلال الثورة.
تحدثنا المدرّسة رشا (45 عام) عن لقائها بعددٍ من أصدقائها الذين عادوا إلى سوريا، بعد غيابهم عنها لسنوات: “بعد عودتهم تفاجأت (أنا وأصدقائي الذين لم يغادروا البلاد) بهم وتفاجؤوا بنا. كنا ننتظر منهم الكثير ونطالبهم بأن يكونوا مثلنا، لكننا اكتشفنا أنهم تغيّروا بشكلٍ جذري، أصبح لديهم حياة بعيدة عن نمط حياتنا. ببساطة هم لم يعيشوا خوفنا وظروفنا المعيشية الصعبة، إذ كنا طوال السنوات الماضية نضيّع أيامنا ونحن نلهث خلف لقمة العيش، ونقاوم الموت بشتى السبل ونبذل كل طاقتنا لنتكيَّف ونتأقلم مع ظروف الحرب ونحافظ على شيءٍ من توازننا العقلي والنفسي”. وتضيف: “كنا فقط ننتظر منهم شيئاً من العزاء والمواساة، وأن يلاقونا بلهفةٍ واشتياق أو على الأقل بنوعٍ من الحنين إلى ماضينا المشترك، لكننا، وللأسف، اكتشفنا أننا وحدنا من يحتفظ بذكريات الماضي، الذي تجاوزوه وصنعوا بدلاً عنه ذاكرة جديدة، فباتوا ينظرون إلى ذكرياتنا المشتركة كنوع من الفلكلور، بل بات ذكر ذلك الماضي بالنسبة لهم غير مُحبّبٍ، ربما لأنه يُشكل لهم عبئاً وحساسية تتعلق بخروجهم من البلاد”.
من جهته يرى الموظف والناشط السياسي عمار (40 عام) أن جزءًا كبيراً ممن عادوا إلى سوريا قد تغير انتماؤهم الوطني وأصبح لديهم بطاقات أمان، كونهم يحملون جنسياتٍ أخرى أو إقاماتٍ تخوّلهم العودة إلى بلدانهم البديلة متى شاؤوا، لذا “تجدهم يتحدثون من برجهم العاجي وبكثيرٍ من المثالية والطوباوية، ولديهم الكثير من الوقت لكي ينظرّوا ويتثاقفوا، ويقدموا لنا الاقتراحات حول آليات بناء الأوطان وتطوير الإنسان، دون أن ينظروا عن قرب إلى الواقع الاقتصادي والسياسي والأمني الحقيقي للبلاد الممزّقة، والتي بإمكانهم مغادرتها بمجرد نفاذ ما يملكونه من أموال، بينما نحن لا نملك أي خيارٍ للخروج منها في حال اخترنا ذلك، وليس لدينا أي انتماءٍ إلا إليها” بحسب عمار الذي يضيف: “بعض أصدقائي الذين عادوا كانوا يتذمرون من كل شيء يرونه، يتذمرون من الازدحام في الشوارع وتراكم القمامة حول الحاويات، ومن انقطاع الكهرباء والماء، وفوق ذلك كانوا ينظرون إلينا بفوقيةٍ وتعالٍ، ويتحدثون طوال الوقت عن الفوارق بين بلادنا وبلدان إقامتهم في أوروبا وغيرها، ويذكروننا بأننا نعيش في بلادٍ متخلّفة ومُعدمة، بعيدة عن التطور ولا تصلح للحياة البشرية، وكأنهم بذلك يبررون قرار خروجهم منها ويرون فيه انتصاراً، ويتهموننا، نحن الذين آثرنا البقاء لأسباب وطنية، بالغباء لأننا لم نغادر البلاد”.
تصدر المشهد السياسي وتولي المناصب
يرى جزء كبير من المعارضين والمنتمين للثورة، ممن لم يغادروا البلاد، أنهم، ورغم ما عانوه من خطر الموت والاعتقال، ورغم الثمن الكبير الذي دفعوه نتيجة بقائهم، لم يُنصفوا كما يجب بعد سقوط النظام البائد، بل تم إقصاؤهم عن المشهد السياسي والثقافي، وهو ما يؤكده الناشط المدني تمّام (44عام) حيث يقول: “معظم الذين عادوا بعد السقوط تصدروا المشهد الثقافي والسياسي، فور عودتهم، وكأنهم فاتحون، أقاموا في العاصمة ليبقوا على مقربة من الأنشطة والفعاليات الثقافية، وعلى تماس مباشر مع وسائل الإعلام، وراحوا يعقدون الندوات والاجتماعات لكي يسرقوا الأضواء، بينما كان بعضنا عاجزًا عن تدبير تكاليف المواصلات لكي يذهب إلى الفعاليات والمحاضرات، بل كنا أحياناً نستدين النقود لكي نؤمن ثمن المواصلات”. ويضيف” جزء كبير من معارضة الفنادق الذين أساؤوا لأهداف الثورة ونهبوا الكثير من الأموال باسمها، عادوا كالأبطال لينظّروا على الشعب الذي صمد طوال سنوات الحرب في أسوأ شروط الحياة، ويقدموا له محاضرات عن المواطنة والعدالة، وليثبتوا وجودهم على الأرض ويحصلوا على المناصب السياسية والثقافية”.
وحول تولي المناصب والحصول على فرص العمل يقول : “جزء كبير من المعارضين البارزين ارتموا بأحضان السلطة فور عودتهم وراحوا يتملقونها، ليحصلوا على المناصب، ناسين أنهم كانوا ثواراً ومعارضين للسلطة السابقة. وإلى جانب ذلك، ثمة جزء ممن استغلوا الثورة لسنوات، وعاشوا على مكتسباتها، وعملوا مع المنظمات المشبوهة، حتى صار هدف بعضهم هو الحصول على التمويل فقط، عادوا بعد السقوط ليقتنصوا فرص العمل مع وسائل الإعلام والمنظمات الممولة أو قاموا بالحصول على تمويلات من مصادر مختلفة لإقامة بعض الورشات الشكلية، حول المواطنة والعمل المدني، وتنظيم بعض الفعاليات الاحتفالية، ليحققوا بذلك مزيداً من الدخل دون أي جهدٍ فاعل يذكر، بينما نحن الذين عملنا طوال الحرب كمتطوعين في الإغاثة والعمل الإنساني، مازلنا نعيش في ظروف معيشية واقتصادية متردية”.
على الرغم من الآراء السابقة لا يمكننا أن ننسى بأن جزءاَ كبيراً ممن خرجوا من سوريا خلال الحرب أُجبروا على ذلك نتيجة معارضتهم الشرسة للنظام، ونتيجة تدمير بيوتهم وموت أقاربهم، وتعرضهم للتهديد المباشر بالقتل، وخشيتهم من الاعتقال، كما أنهم دفعوا ثمناً كبيراً نتيجة خروجهم، فعاشوا لسنوات في المنافي وحُرِموا من رؤية أحبتهم وعائلاتهم ومن إمكانية زيارة بلادهم، بل حرموا حتى من وداع من فارق الحياة من أحبتهم، كما حُرم جزء كبير منهم من حقوقهم المدنية وتمت مصادرة أملاكهم من قبل النظام البائد، لذا يشعر بعض هؤلاء بأنهم الثوار الحقيقيون وأصحاب الانتصار الحقيقي، ولهم الأحقية بتصدر المشهد السياسي والثقافي وتولي المناصب والحصول على فرص العمل.
by وداد سلوم | Oct 3, 2025 | Culture - EN, News - EN, Reports - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Uncategorized, Articles - EN
بديكور بسيط ومساحة صغيرة من المسرح الكبير استطاع الأخوان ملص أن يستحوذا على مشاعرنا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فاستنفرت دموعنا على ضفاف الضحكات واختلط الضحك بالبكاء وكأننا نختزن منذ سنوات هذه المشاعر التي ما إن وضعت أمامنا المرآة حتى رأينا عري ألمنا الفاضح، وكيف تتشابك لحظات ضعفنا وخيباتنا وتختلط ضحكاتنا بالدماء، وكم من قسوة تسترت بها ملامحنا لنستمر.
حدث ذلك في العرض الذي قدماه على خشبة مسرح دار الثقافة في حمص بعنوان ” كل عار وأنتم بخير” وكانا قد تجولا به في المدن السورية بعد أن منع من العرض في وقت سابق، إثر منشور لهما على صفحتهما في الفيسبوك قبل أن تتراجع وزارة الثقافة عن ذلك في بيان لها تعتبر فيه أن ما حدث ليس أكثر من سوء تفاهم. ومع الأخذ والرد بين الأخوين ملص والوزارة كان تشويقنا يتزايد لرؤية العمل والحكم عليه خاصة أن صدى أعمالهما في أوربا قد سبقهما إذ حصل فيلمهما ” البحث عن عباس كيارستامي” على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان هوليود إنترناشيونال وفيلمهما “أيام الكرز” على جائزة الجمهور في مهرجان البوسنة، وكانا قد ترشحا قبل ذلك لموسوعة غينيس عن فئة أصغر مسرح في العالم عام 2009، بينما يشهد لهما خروجهما ضد نظام الطاغية بشار منذ بداية الحراك السلمي في سورية.
ببساطة الحوار واللباس وتلك التلقائية لامس الممثلان الوحيدان على الخشبة في عرضهما هذا ومجابهاتهما فيه الألم السوري الذي سار بعيداً في الزمن رغم أوهامنا بأمل الخلاص. فالعرض لم يحدد زماناً أو مكاناً بل كان قطعة من الزمن السوري المحمل بالوجع تدور أحداثه في بقعة من الجغرافيا السورية. عبر اجتماع شخصين تربطهما صداقة للاحتفال بالعيد رغم أنهما متناقضا الهوى والاتجاه: فأحدهما جندي في الجيش السوري والآخر مثقف مضطهد في سجون النظام قضى أكثر عمره في المعتقل وخرج مكسوراً، انسحبت خيبته على حياته كلها فحتى على صعيد الحب لم يمتلك الجرأة في التعبير عن مشاعره لفتاة أحلامه واكتفى باجترار الخيبة والألم وكلمات الحب في رسالة كتبها ولم يرسلها.
أما الجندي فقد تضخم لديه مفهوم البطولة حتى لم يعد يعرف سوى التغني ببطولة لم تحدث تحت سيطرة مفهوم كان يربيه النظام في عقول الناس ضمن منظومته ليكون من السهل استخدامهم متى شاء.
يحاول الجندي الذي لا يملك سوى وقت قصير جر صديقه المتثاقل للفرح بالعيد في رغبة لتجاوز الواقع الضاغط بما يحمله إرث سنوات متتالية من الحرب، لينتهي الاحتفال إلى مواجهات متكررة ثم إلى مشادة كلامية قاسية، يقوما فيها بتعرية أحدهما للآخر، فيهاجم الجندي المثقف ويتهمه بالجبن والتخاذل والاستسلام حتى على الصعيد الشخصي في إحجامه عن مصارحة المرأة التي يحبها بمشاعره طوال سنين كرمز عطالة عن الفعل، و يهدده بالقتل إن لم يتجاوز نفسه ويمتلك الشجاعة لمصارحة الحبيبة عبر الهاتف بمشاعره التي اختزنها خمسين عاماً، في مشهد درامي متصاعد استنفر أحاسيس الجمهور وجعله يصفق ويبكي معه. إذ كان كل منا يرى في جبنه هذا جزءاً منه ولحظة هاربة من الزمن الذي يريد ويتمنى استعادته ولو تحت التهديد.
كان أداء الأخوين ملص يسحب المتفرج إلى خشبة المسرح وكأنه يتماهى مع الممثل ويشارك في الأداء إذ يشاهد صورته تتألم وتتمزق.
ومع استمرار الأداء المتميز في لحظة يتصاعد فيها المشهد إلى التحول فيتبادل الأخوان الأدوار في حركة سريعة لافتة تسجل لهما، ليصبح الجندي عجوزاً مصاباً بحرب لا يعرف سببها ولا يعرف إن كان قد انتصر فيها أم هزم يتنمر عليه المثقف الجديد وقد غدا شاباً يمثل جيلاً جديداً منتصراً، ويضعه أمام المرآة ليشهد خرافة البطولة المزعومة ووهمها بينما مضى عمره في عجلة النظام ولم يمتلك الجرأة لمصارحة حبيبته بمشاعره خاصة بعد انتهائه للعطب الجسدي والنفسي ، ثم يهدده بالقتل إن لم يقم بمصارحتها بمشاعره وأحلامه بها وبيئته التي دفعته إلى الانجرار إلى عجلة النظام :” نحنا أفقر بيت بالضيعة يا حلا”.
استخدم الأخوان ملص في حوارهما طوال العرض، إشارات وعبارات تعيد المتلقي إلى مجابهات سورية مستمرة وحديثة العهد أي بعد سقوط النظام لكنهما أخذا المتلقي إلى زاوية من المشهد ليدرك أن كلا الشخصيتين ضحية ورغم تناقضهما في الموقع يتشابهان في المعاناة والأثمان المدفوعة وأن تلك المعاناة التي أكلت عمرهما جعلتهما بحاجة الواحد للآخر وتحسسهما لآلام بعضهما أيقظ بينهما مشاعر مختلطة بين الألم والمعاناة والرغبة بالعيش المشترك في سلام يتوقان إليه، فحين يقرران الانتحار كحل لكل هذه المواجهات ونبش الآلام بالاتفاق على قتل أحدهما للآخر، وبعد بروفات عديدة يفشلان في التنفيذ في مشهد مؤثر جداً، لقد وجدا أن الموت ليس رغبتهما الحقيقية.
لعل التوأمة البيولوجية للأخوين بما حملته من شبه بينهما واضح المعالم، كانت الحامل الذي لا لبس فيه لفكرة الشعب الواحد الذي مهما اختلفت مواقف أفراده وخياراتهم يبقى لهم جذر واحد يحكمه الانتماء لهذه البقعة من الأرض والجغرافيا، وبالشراكة كحالة لا يحق لطرف سلب الآخر وجوده فيها.
حمل النص المسرحي الإشارة إلى الألم السوري المستمر، منذ خمسين عاماً دون أن يجد براً ليرسو، كما حمل رسالة النبوءة بأنه لن يتوقف إلا عبر الشراكة الحقيقية والجلوس على الطاولة نفسها كرسالة موجهة لكل سوري. وبهذا فقد أعادا للمسرح دوره الحقيقي في تحقيق التواصل والإضاءة على لب القضية لتكوين رؤية جامعة تستنهض روح التشارك لواجهة الخراب العام.
تميزت حركة الممثلين بالسرعة والانتقال السلس من الكوميديا إلى التراجيديا وبراعة الأداء المتناسبة مع بيئة العمل والموسيقا وبالانسجام والتلقائية التي أوصلت العمل للمتلقي وانتزعت إعجابه، وكان اختيارهما للأغاني موفقاً لتطعيم العمل بالمواقف الكوميدية التي تواصلت من الحوار إلى حركة الجسد. فاستحوذا على تفاعل الجمهور وتصفيقه الطويل.
أعادا خلال ذلك للمسرح دوره الحقيقي منذ البوستر الذي كتب عليه “لأن المسرح فعل مقاومة حقيقي” في واقع ليس خافياً فيه تراجع العمل المسرحي بشكل عام وضحالة المهرجانات التي كانت تقام في الآونة الأخيرة.
يذكر أن مسرحية “كل عار وأنتم بخير” نالت في 30 آب 2025 جائزتين ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة في الأردن وهما جائزة أفضل ممثل مناصفة بين أحمد ومحمد ملص وجائزة أفضل نص مسرحي للأخوين ملص.
by عمر الشيخ | Sep 15, 2025 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
شكّلت زيارةُ وزيرِ الخارجيةِ السوريّ أسعدَ الشيباني إلى أثينا ما هو أبعدُ من إجراءٍ بروتوكوليٍّ عابر؛ بل هي اختبارٌ مبكّرٌ لتموضعِ سوريّة الجديدةِ في شرقِ المتوسّط، ولقدرةِ أثينا ونيقوسيا على تأطيرِ هذا التموضعِ ضمنَ الحساباتِ الأوروبيّةِ الأوسع. وخلفَ اللغةِ الملساءِ للدبلوماسيّةِ برزت عناوينُ صلبةٌ: قانونُ البحارِ وترسيمُ الحدودِ، إدارةُ الهجرةِ، حمايةُ الأقليّات -وفي مقدّمها المسيحيّون- وبناءُ المؤسّساتِ بوصفِه مدخلاً إلى اعترافٍ عمليّ. كما طُرِح إنشاءُ إطارٍ ثلاثيٍّ يونانيٍّ–قبرصيٍّ–سوريٍّ على هامشِ اجتماعاتِ الأممِ المتّحدةِ في سبتمبر/أيلول 2025، ويُرجَّحُ أن الزيارةَ رسمتْ خطوطاً حمراءَ لأيّ تفاوضٍ سوريٍّ–تركيٍّ معزولٍ محتملٍ حول البحر.
اليونان
بداية من منظور أثينا، تبدو الزيارة فرصة لإعادة وصل ما انقطع مع دمشق، لكن بشروط واضحة لا لبس فيها. أولها مرجعية القانون الدولي عموماً وقانون البحار خصوصاً؛ أي رسالة مباشرة بأن أي صيغة لترسيم بحري سوري–تركي على غرار “المذكرة التركية–الليبية” ستُعامل كخطٍ أحمر لأنها تمسّ حقوقاً سيادية لليونان ولقبرص وتعيد خلط خرائط شرق المتوسط خارج قواعد الشرعية. ثانيها المطالبة بحوكمة شاملة غير إقصائية من قِبل الإدارة الانتقالية السورية، بما يطمئن أوروبا إلى أن دمشق الجديدة لا تعيد إنتاج أنماط الاستبعاد القديمة، ويُفهم في آنٍ واحد كإشارة سياسية إلى أنقرة بأن أثينا ترفض تحويل سورية إلى امتداد مباشر لنفوذها. ثالثها رفع حماية الأقليات، والمسيحية خصوصاً، من حيز التعاطف الأخلاقي إلى بندٍ مُعلَن في المعادلة: استمرار الدعم الأوروبي وممراته المالية–الفنية مشروطٌ بسلوك انتقالي لا يهدد حياة وحقوق الجماعات الدينية والإثنية.
ولا تتوقف المقاربة اليونانية عند الخطاب؛ بل تُترجم إلى أدوات عمل: لجانٌ فنية لملف الهجرة، وخبراتٌ في بناء المؤسسات، أي لغة “الاعتراف العملي” من دون شيكٍ سياسي على بياض. بهذا المعنى تعرض أثينا أن تكون بوابة عبور دمشق إلى أوروبا، شرط ألا تُجازف الأخيرة بمصالح اليونان وقبرص أو بإطار الشرعية الدولية.
قبرص
وإذا كانت أثينا قد حدّدت إطار الإدماج المشروط تحت سقف القانون، فإن نيقوسيا تمسك بخيطٍ موازٍ أقلّ ضجيجاً وأكثر براغماتية؛ تُبقي قبرص نبرتها منخفضة لكنها لا تُخفي مصلحتها المباشرة في استقرار سورية، إذ تقوم مقاربتها على ثلاثية واضحة: أولاً، الحدود البحرية وموارد الطاقة، حيث إن أي اتفاق سوري–تركي يتجاهل حقوق قبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة يُعدّ التفافاً على مواقفها في البحر، ما يستدعي تثبيت قبرص طرفاً أصيلاً في أي هندسة إقليمية جديدة تمسّ سورية؛ ثانياً، الهجرة والأمن الداخلي، فالجزيرة في الخطوط الأمامية لمسارات العبور، والتعاون الفني مع دمشق -وعبرها مع أثينا- ينقل الملف من “صداعٍ مزمن” إلى برنامج عملٍ قابلٍ للقياس؛ ثالثاً، إعادة دمج سورية دولياً، إذ تميل قبرص مؤسسياً إلى صيغٍ ثلاثية مع اليونان (ومع مصر/ إسرائيل في ترتيبات أخرى)، وإدخال دمشق في إطارٍ مشابه يُدوّر حضورها ضمن شبكاتٍ شرعية ويقلّص هامش المقايضات الثنائية السورية – التركية على حساب الجزيرة؛ وبكلماتٍ أخرى، فإن الرهان القبرصي هو تطبيعٌ مشروط لدمشق داخل منصّات شرق المتوسط يجعل نيقوسيا شريكاً في الصياغة لا متلقّياً للنتائج، على نحوٍ يُتمّم المقاربة اليونانية بدل أن يتعارض معها.
سورية
بالنسبة إلى حكومة دمشق الانتقالية التي يقودها اليوم أحمد الشرع، فإن طرق باب أثينا يحمل أربع رسائل متوازية: أوّلاً، تنويع المنافذ بالخروج من ثنائية أنقرة/ موسكو نحو قناةٍ أوروبية تديرها اليونان وقبرص تَعِدُ بشرعيةٍ ومواردَ، لكن بثمنٍ سياسيٍّ معلوم: احترام القانون الدولي، والتهدئة البحرية، وإشاراتٌ عمليّة لحماية الأقليات. ثانياً، طمأنة الغرب عبر وضع ملفّ المسيحيين وسائر الأقليات في الواجهة لا كتنازلٍ مجاني، بل كأوراق طمأنة لازمة لتخفيف التحفظات الأوروبية وفتح أبواب تعاونٍ فنّي ومالي. ثالثاً، غموضٌ بنّاء حيال تركيا بإبقاء الباب موارباً أمام مفاوضاتٍ حول البحر والشمال السوري لرفع سقف المكاسب من الطرفين -أوروبا عبر أثينا ونيقوسيا، وتركيا عبر القنوات الأمنية والاقتصادية- مع إدراكٍ أن خطوةً خاطئة مع أنقرة قد تُطيح بما تعرضه أوروبا. رابعاً، المؤسسية عبر خطابٍ يتحدّث عن “بناء مؤسسات” و”لجان للهجرة” و”قنوات مع بطريركية أنطاكية”، بما يشي برغبةٍ في ترسيم انتقالٍ منضبط يبدّد هواجس الانفلات.
أوروبا
تنظر أوروبا إلى اليونان كمفوّض طبيعي لفتح قناة اختبار مع دمشق. الأولويات الأوروبية واضحة: منع موجات لجوء جديدة، خفض التوترات البحرية، إبقاء ملف الطاقة ضمن قواعد اتفاقية قانون البحار (UNCLOS)، وتحييد مساحات نفوذ تركية منفلتة في شرق المتوسط. وعليه تُرسم معادلة بسيطة: دعمٌ مشروطٌ بسلوك سوري منضبط. تعرض أثينا القيام بدور الضامن السياسي والمُصفّي الفني لهذا الدعم، على أن تمتنع دمشق عن مقايضات بحرية مع أنقرة على حساب اليونان وقبرص.
ماذا قال كل طرف… وماذا قصد؟
حين شدّدت أثينا على “القانون الدولي للبحار” لم تكن تُلقي درساً نظرياً؛ بل سمّت الخطر مباشرة: أيّ ترسيمٍ بحريٍّ سوري–تركي خارج إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وبما ينتقص من حقوق الجزر ومن المنطقة الاقتصاديّة الخالصة القبرصيّة (EEZ). وحين تحدّثت عن “حُكمٍ شامل” فهي تربطُ الاعترافَ والتمويلَ الأوروبيَّيْن لسوريّة بإشراك الأقليّات وخفض منسوب الإقصاء والعنف. أمّا إبرازُ ملفّ المسيحيّين وسائر الأقليّات فحوّلته من قضيّةٍ إنسانيّةٍ إلى شرطٍ سياسيٍّ مُعلن لأيّ مسار تطبيعٍ مع دمشق. وأخيراً، طرحُ اللجان الفنيّة للهجرة هو اختيارٌ واقعيّ لبدء تعاونٍ عمليّ قابلٍ للقياس يسبقُ التطبيعَ السياسيَّ الشامل، بوصفه إجراءً من إجراءات بناء الثقة (CBMs).
الإطار الثلاثي: آلية ضبط التفاهمات الثنائية
الحديث عن اجتماع ثلاثي يوناني–قبرصي–سوري في نيويورك ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل أداة عملية لضبط الإيقاع الإقليمي. مؤسسياً، يحقق ثلاث فوائد متقاطعة: لليونان، تقييد هامش دمشق في أي مقايضة بحرية مع أنقرة عبر إدخال قبرص طرفاً أصيلاً؛ لقبرص، تحصين ملف منطقتها الاقتصادية الخالصة ونقل الهجرة من عبء مزمن إلى برنامج تعاون منظم؛ ولسورية، مظلة شرعية غير صدامية مع أوروبا وخيار بديل عن اصطفاف أحادي مع تركيا. بكلمات أخرى، الإطار الثلاثي أداة سياسية لإدارة المخاوف المتبادلة، لا مجرد صورة جماعية.
على مستوى المسارات الواقعية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: الأول، مذكرة بحرية سورية–تركية تستدعي رداً يونانياً–قبرصياً–أوروبياً قاسياً سياسياً ومالياً وقانونياً وتغلق عملياً بوابة أثينا، مع تداعيات تتجاوز البحر إلى ملفات الهجرة والطاقة والمؤسسية؛ الثاني، انخراط منضبط تمضي فيه دمشق تدريجياً في تعاون فني للهجرة مع إشارات محسوبة لحماية الأقليات وامتناع عن خطوات بحرية استفزازية وفتح قنوات قانونية حول الطاقة، بما يفضي إلى دعم أوروبي مبرمج وعودة متدرجة إلى منصات شرق المتوسط؛ الثالث، توازن حاد تلعب فيه دمشق على الحبلين، تفاوض أنقرة بحساب وتحافظ على خيط أثينا–نيقوسيا، ما يطيل أمد الغموض المفيد لكنه يعلق أي دعم أوروبي على الاختبار التالي.
اختبار نيويورك
إذا انعقد اللقاء الثلاثي في نيويورك فسيكون الاختبار الأول لتحويل لغة البيانات إلى هندسة سياسية قابلة للاستمرار. مؤشرات المتابعة واضحة: تشكيل اللجان الفنية للهجرة وجدول عملها، أي تصريحات سورية حول قانون البحار، مستوى التواصل المؤسسي مع بطريركية أنطاكية، وخريطة الطريق القبرصية لدمج سورية في معادلة شرق المتوسط بلا صدام مع أوروبا. المعادلة بسيطة ومعقدة معاً: كلما اقتربت دمشق من قواعد القانون والتهدئة والاشتمال، اتسعت أمامها أبواب أثينا ونيقوسيا وبروكسل؛ وكلما انجرفت نحو صفقات بحرية وارتجالات أمنية عابرة، انغلقت تلك الأبواب سريعاً. الزيارة فتحت النافذة؛ أمّا العبور فمرهونٌ بواقعية رسائل الشيباني وبقدرة أثينا ونيقوسيا على تحويل الفرصة إلى إطارٍ مُلزِم.
by طارق علي | Aug 31, 2025 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
أقرت الإدارة السورية المؤقتة عبر قنواتها الاقتصادية السيادية وعلى رأسها المصرف المركزي اعتماد سياسة نقدية جديدة من شأنها بحسب المخطط المعلن أن تعالج ما أمكن من الخضّات المالية التي عانت وتعاني منها سوريا. ووفقاً لهذه السياسة سيتم استبدال الكتلة النقدية المتداولة بين أيدي الناس اليوم بفئات أخرى يحذف منها صفران، لتصبح الألف على سبيل المثال عشر ليرات، والمئة تصير ليرة واحدة. وهذا الإجراء ليس حكراً على بلد كسوريا، فقد سبقتها دول كثيرة، ومنها تركيا وفنزويلا، لاتباع هكذا سياسة تحت تأثير التضخم والمشاكل الاقتصادية. بعضها نجح في مخططه وأنقذ عملته، وبعضها الآخر كرّس مشكلة التضخم وانتقل من كارثة اقتصادية لأخرى أكثر فداحةً، كبعض الدول في إفريقيا.
آلية الاعتماد النقدي
سوريا اليوم تنوي طباعة ست فئات جديدة من العملة، ومن أجل ذلك ستشكل لجنتين استراتيجية وتشغيلية لمتابعة الملف، وقد حصلنا على معلومات موثّقة من المصرف المركزي بأنّ العملة الجديدة سيصعب تزويرها ضمن موثوقية حماية أمنية عليا، ولن تحوي على صور أشخاص، وسيتم اعتماد طباعتها لدى جهات “موثوقة.” ووفقاً لمصدر المعلومات من داخل المصرف إنّ الطباعة بهذا الشكل ستهدف إلى تخفيف معاناة المواطنين من التعامل مع كميات كبيرة من الأموال المنقولة سواء لشراء الاحتياجات اليومية ولأغراض البيع والشراء العامة. ولن يؤثر هذا الإجراء النقدي بأي شكل حقيقي على قيمة الليرة ذاتها وقوتها الشرائية، فالمليون هي المليون، ولكن بفارق التسمية وتعداد الأصفار. وباختصار فإن استبدال الكتلة النقدية لا يعني زيادتها في التداول والأسواق، بل يعني فقط تبديل ما هو متداول حالياً. فعلى سبيل المثال، مبلغ مئة ألف ليرة سورية اليوم يعادل نحو 10 دولارات أمريكية، وعند التداول قد يكون عبارة عن رزمة من مئتي ورقة من فئة 500 ليرة، أو مئة ورقة من فئة ألف ليرة، أو 50 ورقة من فئة ألفي ليرة، ومن هنا جاءت سياسة حذف الأصفار لتسهيل التعامل اليومي المباشر.
المراحل الثلاث
وحول طرح العملة الجديدة “الليرة” فإنّ ذلك سيكون على ثلاث مراحل، تبدأ بتداول تدريجي إلى جانب الفئات الحالية المتداولة، ثم سحب الفئات المتداولة سابقة، ومن ثمّ حصر التبديل عبر المصرف المركزي، بالتزامن مع حملات توعية إعلامية واقتصادية لأهمية الخطوة المتخذة وتبعاتها والتي يفترض أن يبدأ تطبيقها قريباً، (من المتوقع أن يكون ذلك مع حلول الذكرى الأولى لانتصار الثورة في الثامن من ديسمبر القادم).
ورغم ذلك ثمّة ما هو أهم بكثير من العملية تلك كلّها، وهي الأشياء التي يحاول المسؤولون عدم تبنيها أو الإعلان عنها بشكل مباشر والتركيز عليها وهذا جانب أساسي من المصداقية، وهنا يجب التوقف عند الجملة التي قيلت لنا في “المصرف المركزي” وهي إنّ الطباعة ستتم عند جهات “موثوقة،” فمن هي تلك الجهات، وما هو رأي الخبراء والأكاديميين بذلك؟
مجازفة استراتيجية
بات من المؤكد أنّ سلطات دمشق ستطبع العملة الجديدة لدى شركة “غوزناك” الروسية، فإذا اتجهت السلطة الانتقالية فعلاً إلى إعادة طباعة العملة السورية في روسيا عبر تلك الشركة المملوكة للدولة الروسية، فإنّ هذه الخطوة تعتبر انزلاقاً خطيراً، ليس بسبب دلالات الانفتاح على موسكو، فهذا موضوع له سياق آخر ومحددات مختلفة، لكن الأمر يتعلق بالشركة الروسية نفسها، فـ “غوزناك” واقعة تحت العقوبات الأمريكية، وسجلّها مثقل بالتورط في طباعة مليارات من الأوراق النقدية لصالح سلطات الشرق الليبي، وقد أُثير حولها الكثير من الجدل لاعتبارها أقرب إلى عملة موازية تفتقر إلى الشرعية، بحسب متخصصين.
كما أنّ الانعكاس السياسي لهذه الخطوة سيكون بالغ الخطورة، إذ ستعزز صورة السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى رؤية اقتصادية متكاملة، وتضعها في مواجهة اعتراضات دولية وربما إجراءات عقابية جديدة، بحكم تعاملها مع مؤسسة خاضعة للعقوبات الأمريكية. وبدلاً من أن تشكّل لحظة بناء للثقة، ستُقرأ هذه الخطوة كإعادة إنتاج لآليات سلطات الأمر الواقع، ما يضعف موقع السلطة الانتقالية في الداخل والخارج.
مخاوف اقتصادية
طباعة العملة بحسب مصرفيين وأكاديميين تحدثنا معهم بتلك الطريقة وما سيترتب عليها من آثار وأضرار قد يدل على عدم نضوج اقتصادي يتيح للدولة الوليدة التحرك ضمنه. يشرح الباحث الأكاديمي الدكتور مالك الحافظ بصورة مفندة آليات التحرك الاقتصادي الذي ستقدم عليه السلطات السورية بادئاً من موضوع طباعة العملات في روسيا إذ يرى أنّ بحث السلطة الانتقالية عن حل سريع لأزمة فقدان الثقة بالعملة الوطنية، وعن محاولة إعادة تقديم “رمز نقدي” يوحي بوجود سياسة نقدية جديدة. لكن في الجوهر، لا جدوى حقيقية من هذه الطباعة إذا لم تُرفَق بخطة اقتصادية شاملة، لأنها لن تعالج أصل الأزمة المتمثل في التضخم، والانهيار المالي، وتآكل الثقة بالسوق. ويكمل: “بالتالي فإنّ جدوى طباعة عملة جديدة عبر شركة روسية ليست في جوهرها اقتصادية بحتة، فهي انعكاس لأزمة سلطة انتقالية تبحث عن أدوات سريعة تمنحها مظهراً بأنها تتحكم بالمشهد المالي. فالطباعة هنا تُقاس بكونها محاولة لإظهار أن السلطة قادرة على إنتاج نقد جديد وإدارة دورة المال، حتى لو كان ذلك في إطار هشّ ومن دون قاعدة اقتصادية صلبة. في الواقع، ما يُقرأ من هذه الخطوة أن السلطة تعطي أولوية للرمزية السياسية أكثر من المعالجة الاقتصادية، إذ تريد أن تُثبت أنها تمسك بزمام الملفات السيادية الكبرى، ولو شكلياً، وأنها ليست مجرد إدارة مؤقتة بلا أدوات”. وفيما يتعلق يحذف الأصفار يضيف الدكتور مالك الحافظ: “هذا الإجراء يهدف بالأساس إلى إعادة صياغة صورة العملة في وعي الناس، أي تقديم نسخة (مبسطة) توحي بالاستقرار وتُسهل التعاملات اليومية. لكنه لا يحل أصل المشكلة، فالقدرة الشرائية لن تتغير، والتضخم لن يتوقف. الأصفار يمكن أن تعود سريعاً إذا لم يكن هناك انضباط مالي وإطار اقتصادي متماسك. لذلك، يمكن القول إن جدوى حذف الأصفار محصورة في الجانب النفسي والتواصلي، لكنه في غياب رؤية أوسع سيُقرأ كإعلان غير مباشر عن فشل العملة السابقة، أكثر مما سيُقرأ كخطوة إصلاحية”.
الانعكاس المباشر
وحول انعكاس أمر الطباعة الجديدة على سوريا يرى الباحث مالك الحافظ أنّ الانعكاسات الاقتصادية لطباعة عملة جديدة في هذه المرحلة لن تكون حيادية، بل ستكشف سريعاً عن هشاشة البنية المالية والاقتصادية. في المدى القصير قد تُضخ سيولة في السوق وتُسهَّل التعاملات النقدية، ما يعطي انطباعاً أولياً بوجود قدرة على ضبط المشهد المالي. ويحذر: “لكن هذا الانطباع سرعان ما سيتبدد إذا لم يكن هناك إطار استقرار نقدي يحدد حجم الكتلة الجديدة ويضبط مسار العجز والإنفاق. فالعملة لا تكتسب قيمتها من الورق المطبوع وإنما من الثقة بالاقتصاد وبقدرة السلطة على إدارة التوازن بين الإيرادات والنفقات. إذا تم طبع العملة من دون ضوابط أو من دون وجود خطة لتعقيم السيولة الزائدة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تضخماً متسارعاً وانهياراً إضافياً في سعر الصرف”.
ويوضح الحافظ المخاطر المحتملة: “من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة، إذا جاءت منفردة ومن دون إصلاحات موازية، إلى تسارع التضخم وتراجع قيمة العملة مقابل العملات الأجنبية. وحين يفقد الناس الثقة بالنقد الوطني، يتوسع اللجوء إلى بدائل كالعملة الصعبة أو حتى المقايضة، وهو ما يضعف دور الدولة في إدارة الدورة الاقتصادية. الأخطر أن الأسواق قد تفسر الطباعة الجديدة كدليل على عجز السلطة الانتقالية عن تأمين موارد حقيقية، ما يعمّق الشكوك ويزيد من حالة الهروب نحو الدولار. بمعنى آخر، الأثر الفعلي لهذه الخطوة سيكون تعزيز صورة أزمة الاقتصاد السوري لا التخفيف منها، لأن الطباعة ستبدو أشبه بمحاولة إسعاف شكلي لمرض مزمن، بينما الواقع يتطلب خطة اقتصادية متكاملة تعالج جذور التدهور وتعيد بناء الثقة قبل أي حديث عن إصدار نقد جديد”.
بين الطباعة لسوريا وليبيا
يعتقد الحافظ أنّ التعامل مع شركة روسية خاضعة لعقوبات دولية يفتح الباب على أزمة أكبر من مجرد طباعة نقد. فهو يضع العملة الجديدة، منذ لحظة صدورها، في موقع الشبهة أمام الأسواق الدولية والمؤسسات المالية. السلطة الانتقالية، التي تعاني أصلاً من نقص الشرعية ومن ضعف الثقة، ستجد نفسها متهمة بأنها اختارت طريقاً محفوفاً بالمخاطر يعرّضها لعقوبات إضافية، أو على الأقل لعزلة مالية أشد. هنا لا يعود النقاش حول جودة الورق أو تصميم العملة، بل حول شرعية الإصدار نفسه، وما إذا كان سيُعامل كعملة وطنية معترف بها أم كأداة نقدية مرتبطة بكيان مؤقت يخالف قواعد الامتثال المالي العالمي. وحول هذه النقطة يوضح الدكتور مالك الحافظ أنّه: “إذا نظرنا إلى تجربة ليبيا، فإن المثال يوضح خطورة الانزلاق. طباعة عملة عبر “غوزناك” هناك لم تساهم في حل الأزمة، بل خلقت ازدواجية نقدية وأثارت نزاعات حول شرعية الأوراق المتداولة. السوق الليبي تعامل مع النقد الجديد كأداة لتكريس الانقسام، وأصبح الاقتصاد أكثر تشتتاً، فيما تراجعت قدرة أي طرف على فرض سياسة نقدية موحدة. إعادة إنتاج هذا السيناريو في سوريا تعني عملياً أن العملة الوطنية ستفقد ما تبقى لها من رمزية”.
الموقف الدولي
تباينت آراء أكثر من متخصص في العلوم الاقتصادية حول طباعة عملة جديدة، البعض أشاد بالفكرة إن تمّ تطبيقها وفق رؤية مسبقة حقيقية وقائمة على نواة علمية ثابتة لضمان عدم تكرار هفوات وأخطاء وتجارب دول أخرى كانت تظن أنّ الخلاص بحذف الأصفار، لتجد أنفسها محتاجة ملايين الملايين من جديد لشراء قطعة بسكويت. فيما قال اقتصاديون آخرون إنّ شؤوناً من هذا النوع هي سيادية خالصة ولا تحتمل التأويل والتجريب والاعتماد على نصائح غير الخبراء، ومن بين أصحاب هذا الرأي المتخصص في العلوم المصرفية أحمد سويفان، إذ يرى المعاجلة في طرق الباب الروسي تعطي انطباعاً عن عدم التمكن من الوصول إلى دولٍ أخرى. فبالعموم اختيار شركة معاقبة من أصل شركات عديدة هو بمثابة رسالة انتحار للخارج الذي كان يراقب بهدوء السلطات الجديدة.
من خيار اقتصادي إلى عبء دبلوماسي
يمكن الاستخلاص إلى أنّ إقدام السلطة الانتقالية على طباعة عملة جديدة في روسيا، خصوصاً عبر مؤسسة معاقبة، سيضعف صورتها الرسمية على أكثر من مستوى. على الصعيد البروتوكولي، ستبدو كحكومة عاجزة عن الوصول إلى شركاء محايدين أو مقبولين دولياً، الأمر الذي يضعها في خانة “سلطة أمر واقع” أكثر من كونها سلطة انتقالية مسؤولة عن إعادة بناء الثقة مع الخارج. هذه الخطوة سترسل إشارة سلبية إلى العواصم الكبرى وإلى المؤسسات المالية الدولية مفادها أن الحكومة السورية المؤقتة لا تملك القدرة على احترام قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، وأنها مستعدة للجوء إلى أي مسار، حتى لو كلّفها ذلك عزلتها.
أما على الصعيد المالي، فإن هذا الخيار يضعف احتمالات أي تعاون مستقبلي مع بنوك دولية أو مانحين، لأن التعامل مع عملة مطبوعة لدى جهة معاقبة سيجعلها غير مرغوبة في أنظمة الدفع العالمية، ما يعرقل أي عملية إعادة إدماج لسوريا في النظام المالي الدولي. وفي الداخل، ستظهر السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى الرؤية الاقتصادية الرشيدة، ما يعزز الانطباع بأنها لا تدير مرحلة انتقالية من أجل الإصلاح، بل من أجل البقاء السياسي. النتيجة النهائية ستكون إضعاف موقع سوريا الرسمي في علاقاتها مع العالم، وتحويل خطوة كان يُفترض أن تكون إدارية إلى عبء دبلوماسي ومالي جديد.
by رانيا كرباج | Aug 23, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
ألا تدخل حروب اليوم حصانَها الطروادي الجميل عبرَ بوابةِ مفاهيمنا المشوّهة؟ ربّما تشويه المفاهيم أو بالأحرى تسطيحَها هو السِمة الأهم لعصرنا، مع أن البشرية سلكت من أجلِ بلورتِها وتقويمِها الطريقَ المُنهك للألمِ و التجربة، لكنّ السياسة العالمية اليوم تميلُ إلى تزيين انحرافاتِها بشعاراتٍ برّاقةٍ، ففي مجتمعاتٍ ودولٍ بُنيَـت على أسُس الديمقراطية والعدالة والحريات الشخصية، لا بدّ من أن تُقنعَ الجماهير، بينما مجتمعاتُنا التي لا تزالُ تتخبّط بين موروثِها الديني والمُنجز الحضاري الغربي، يسهُلُ كذلك اختراقُها، طالما أنّها تردّدُ مفاهيمَ لم تُعِدْ فيها النظر.
فيما يخصّ الموروث الديني، ربّما كانت الرسالات السماوية، ثمرة تطوّر فكري وتجربة روحية، قدّمت مفاهيم وقيماً سامية للبشرية، لكنّ تسييسَها وتسخيرَها من أجل تسيير القطيع البشري والتحكّم به، أدى إلى وقوعِها في فخّ الجمود، وسوء التفسير، والتأويل بما يخدم مصالح الرعاة، و ليس بما يخدم الفهم والفكر والتجربة الروحية. فتحوّل الكلام المقدّس الذي كان من المفترض، كي يظلّ حيّاً، أن ينمو ويعمل، إلى حجارةٍ ميّتة، نحتاجُ إلى إزاحتِها عن صدورِنا كي نتحرّر، أو ربّما، وتلكَ المهمّة الأصعب، أن نعيد له دبيبَ الحياة عبر إعادتِه إلى المنابع العذبة، ليس من بابِ التشبّث بالسلف، بل من بابِ البناء على ما هو حيٌّ لدى أسلافنا.
من المعروف أن الثقافة الغربية الحديثة قامت في جزءٍ كبيرٍ منها، على إعادة قراءة موروثها الديني المسيحي اليهودي، ونقدِه، ورفضهِ، ورَميهِ، إلى أن توصّلت إلى بناء مجتمعاتها على أسسٍ علمانيةٍ تحملُ قيمَ التعايش والتآخي والعدالة الاجتماعية والحريّة الفردية، إلى ما هنالك من المفاهيم التي بنى عليها الغربُ نهضتَهُ، لكنّ النيوليبرالية، وما بعد الحداثة، واقتصاد السوق، حرفوا البوصلة وسطّحوا المفاهيمَ واستهلكَوها بحيث تخدم سياستهُ التي تقومُ على الربح بشتى الوسائل المُمكنة، المجتمعات العربية عرفت كذلك نهضة فكرية أخرجتها من ركودها الذي سبّبته مراحل الحرب والاستعمار، إلا أنّها سرعان ما ارتكست إلى الموروث الديني واتّهمت كل فكر نهضوي بالخيانة والتغريب.
ربّما كانت الحرية عبرَ التاريخ من أكثرِ المفاهيمِ ضبابيّةً، فمن ناحية تمّت شيطنتَها، ومن ناحيةٍ أخرى اشتعلت من أجلها، وباسمها الحروبُ والثورات، في الواقع السوري مثلاً هناكَ جدلٌ مُحتدمٌ منذ اندلاعِ الثورة حول مفهوم الحريّة، لقد خاضَ الثوّار حربهم كي يتحرّروا، بينما يعتقد البعض أنّهم جلبوا الدمار والتدخلات الخارجية إلى البلاد، بين هذا وذاك نشبت حربٌ لم تصل بمفهوم الحرية، حتى بعد التحرير، إلى برٍّ آمنٍ يبشّر السوريين بمستقبلٍ أفضل.
بالعودة إلى المفهوم الغربي، تعدّ الحرية من الركائز الأساسية للفكر السياسي والاجتماعي ،لقد طوّرها عبر قرونٍ من الفلسفةِ والثورات، إذ تقوم الدولة في الغرب على احترام الحريّات الفردية، من حرية التعبير والرأي، وصولاً إلى حريّة المُعتقد، والدين والعمل والحركة، كما تقومُ على احترام الحريّات السياسية، والتي تعني مشاركة الأفراد في الحكم واتخاذ القرار عبر حقّ التصويت، وتشكيل الأحزاب، وصولاً إلى حرية المعارضة السلميّة، يذهب الفيلسوف الألماني المثالي هيجل، صاحب الفكر المرتبط بالتقليد الأفلاطوني اليوناني، إلى أنّ الحرية مرتبطة بالوعي، وعي الإنسان لذاته و تجاوزه لرغباتِه الغريزية كي يصبح عقلاً حرّاً مسؤولاً، كما يعتقد هيجل أنّ الحرية لا تتحقّق إلا من خلال الدولة، التي من المفترض أن تكونَ تجلّياً للعقلِ الحرّ، يربط هيجل الحرية بمسار تطوّر الوعي الإنساني عبر التاريخ، كما يرفض الفكرة السلبية للحرية، التي تقوم على رفض القيود الخارجية على الفرد فحسب، و يؤكد على مفهوم الحرية الايجابية، التي هي القدرة على تطوير وتحقيق الذات.
أمّا الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي يعدّ مُلهم ما بعد الحداثة، فقد رفض المثالية الأفلاطونية والمسيحية والأديان، وأعلن “موتَ الإله”، يعتقد نيتشه بالتحرّر الجذري من كلّ القيود، الدينية، والأخلاقية، والإجتماعية، إنّه يؤمن بإرادة القوة، وبالإنسان الأعلى القادر على تجاوز القطيع من أجل إبداعِ قيمهِ و معاييره الخاصة.
أمّا من وجهة نظر الفكر الديني المسيحي، والإسلامي، الذي ولدَ على أرضنا، فتربط المسيحية بين مفهومَي الحقّ و الحرية، إذ تقول الآية على لسان المسيح “تعرفونَ الحقّ و الحقّ يحرّركم”، كما تربط الحقّ بشخص السيد المسيح الذي أتى إلى العالم ليحرّرنا ” أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة” ، تعتقد المسيحية أنّ حياة المؤمن هي طريقُ جلجلةٍ من أجلِ التحرّر، التحرّر هنا بمعنى التحرّر من الشيطان، الذي إن تمكّن وسيطرَ على حياتِنا سيُحيلها إلى جهنّم، الخطيئةُ في المسيحية هي إذن النيرُ المؤلمُ والعبوديةُ الحقيقيّة، هناكَ مقولةٌ جوهريّةٌ لبطرس الرسول “كأحرار، و ليس كالذين الحريةُ عندهم سترةٌ للشرّ، بل كعبيدٍ لله” هناك بالتالي فرق بين الحرية كقيمةٍ إنسانيةٍ عليا و بين ما يرتكب باسمِها من حروبٍ وصراعات.
يتشابه المفهوم الإسلامي مع المفهوم المسيحي من حيث ربطهِ لحرية المرء بتحرّره من كل ما هو دنيوي من أجل عبادةِ الله وحده، كذلك بربطه مفهوم الحقّ بالربّ الذي هو الفيصل بين الهدى و الضلال، تقول الآية ( وقُلِ الحقُّ من ربّكمْ فمن شاءَ فَليؤمِن ومَن شاءَ فليكفرْ)، طريقُ الحقّ إذن هو طريقٌ الايمان بالله ، المؤمن في الإسلام مأمورٌ كذلك بإقامةِ القسط، الذي يعني نفي العدوان ورفضه، ونيل كلّ ذي حقًّ حقّه، العدلُ في الإسلام بالتالي قيمة مُطلقة و شرط من شروط الايمان القويم ( يا أيّها الذينَ آمنوا كُونوا قَوّامينَ بالقسطِ شهداءَ لله وَلَو على أنفُسِكمْ.. ).
إذا كان الفكر الديني هو ثقافة أجدادنا التي لن نتمكّن من القفز فوقها، فإنّ الثقافة في جوهرِها،هي بحثٌ وتجدّدٌ، يقوم على القدرة المستمرة على مواجهةِ ذاتنا، الفردية والجماعية، من أجلِ نقدِها وإعادة تشكيلها، وهذا لا يحصل إلا عبر الكثير من الألمِ والخسارة، المعضلة أنّ هناكَ من يفضّل أن يبقى رازحاً تحتَ ثقلِ الخسارة على أن يعيدَ النظرَ في ذاته، فتلكَ لحظةٌ تصيبهُ بمقتل، لذا يكتفي بتزيين الواقع المُهترئ بشعاراتٍ وانتصاراتٍ وهمية، أما وفي أقصى درجات التطرّف، هناكَ من يفضّل أن يرتكب جريمة على خوضِ هذه المواجهة مع ذاته، فإمّا يقتل الآخر الذي لا يشبهه، أو ينتحر، فيفجّر نفسهُ ومن حولَه.
بالعودة إلى الواقع السوري، لقد غدا واضحاً أنّ التحرّر من نظام ظالمٍ هو خطوة لازمة، ولكنّها غير كافية ، فالحرية طريقٌ طويل ومرتبط في كل مرحلة بقدرتنا على توسيع رقعةِ وعينا وإعادة صياغة ذاتنا، و بالتالي فهمنا و مفاهيمنا، يرفض السوريونَ اليوم مع كلّ الخسارة والدم والألم التي تكبّدوها خلال أربعة عشرة عامٍ من الاقتتال، إعادة النظر في ذاتهم من أجلِ الوقوفِ على برّ أقرب إلى الحقيقة، له أن ينقلهم إلى بناء دولةِ المواطنة و الحريّة التي ناضلوا من أجلها.
وإذا كنا نحن أرضَ الديانات السماوية التي طالما ربطت بين مفهومَي الحقّ والحرية، ألا يجبُ علينا أن ندركَ أن كرةَ الحقد التي تتدحرجُ على أرضنا مرتبطة بالقفزِ فوق عتبةِ العدالة الانتقالية؟ يحتاجُ الشعب السوري إلى تلكَ العدالة كي يشكّل سرديّة واقعيّة عن أربعةَ عشر عامٍاً من الاقتتال، يُحاسبُ من خلالها الجلادين وتتحمّل الأطرافُ المتصارعة مسؤوليّتَها عن المقتلة، الحقّ وحده ما سيحرّرالشعب السوري من الحقدِ والاحتقان، تلكَ أولى و أهمّ الخطا نحو الحرية.
أمّا تجييش المجموعات العرقية والطائفية على بعضها، فهو حصانُ طروادة الجديد اليوم ، يعبرُ عبرَ الحسّ الوطني المُهترئ لدى بعض السوريين، مُشعلاً حرباً جديدةً قد يطولُ أمدها، لقد نسيَ البعض أنّ الوحدة كانت حلم أبناءِ المنطقة بكافة طوائفهم، ويعملون اليوم بيادق لدى مشروع التفتيت، طبعاً ليس بريئاً الخارج من الاستثمار في انقساماتِنا الداخلية من أجلِ خلق سوريا الضعيفة المُشتّتة التي عمل طويلاً من أجلها، كما ليس بريئاً مشروع بناء دولة على أساس طائفي،إقصائي، في حين تُبنى الدول على أساسِ المساواة في المواطَنة.
أخيراً فإنّ تمزيق الوطنية كإحساس، والمواطَنة كمفهوم، ليس مرتبطاً بالمعضلة السورية فحسب، إنّهُ سياسة عالمية، إذ تقوم النيوليبرالية الغربية وما بعد الحداثة على تَسييل المفاهيم بما يخدم اقتصاد السوق، المواطنة السائلة هي أحد سمات مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث يجري تحطيم مفهوم الدولة القومية في سبيل انتماء عالمي، عَولمي، لا يعترف بالأرض والجذور واللغة والتاريخ والجغرافية، إنما بسوقٍ عالميةٍ، يتم فيها تَسيير القطيع البشري عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مصالح الرعاة، ورؤيتهم لكرةٍ أرضيةٍ يجلسون على عرشها ويتصرّفون كآلهة.