by أسامة إسبر | Jul 15, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
”إن العالم الذي نعتقد أننا نعرفه يتغيّر تحت أقدامنا لأننا قمنا بتغييره. نحن ندخل مرحلة المناخ المجهول.“
جون فايلانت
حين ينعدم اليقين، ويُوظَّف الخطاب الإعلامي الرسمي ليخدم رواية محدّدة بدلاً من أن يكون مصدراً للمعلومة الدقيقة، غالبًا ما تأتي نظريات المؤامرة بأسلحتها من الشائعات وتسدّ الفراغ، وتنتشر كمثل النار في الهشيم محمّلة بشحنات عاطفية، وتُعيد تشكيل فهم الناس للأحداث. والسبب هو أنها تتوافق مع طرق التفكير السائدة، وتخدم الانتماءات الإيديولوجية. نشهد هذا على أوضح وجهٍ في الجوّ السوري حيث تتواصل الاتهامات والاتهامات المضادة حول أسباب حريق اللاذقية، وترسم صورة مشوهة له وهو يلتهم الرئة الخضراء لسورية.
من الأجدى أن نقرأ حريق اللاذقية في سياق التغير المناخي، لا بمعزل عنه، وأظن أن كتاب الصحافي الكندي جون فايلانت ”طقس النار: على الخطوط الأولى لعالم يشتعل“ يقدّم رؤية عميقة لفهم هذا النوع من الكوارث. يذهب فايلانت إلى أننا دخلنا عصراً جديداً لم تعد فيه الحرائق ظواهر طبيعية مألوفة كما عهدناها، بل تغذيها قوى مناخية. فمع ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الهواء، واشتداد الرياح، يتشكل الجو المثالي للاشتعال. ذلك أن النظام المناخي بات يحتوي على قدر غير مسبوق من الطاقة الحرارية، ومع الاحترار العالمي تتعرض الغابات للجفاف بوتيرة متسارعة، وتتحول النباتات إلى وقود هش سهل الالتهاب. لكن الحرارة، كما يشير فايلانت، ليست سوى طرف واحد في المعادلة، فالرطوبة المنخفضة تمثل عاملاً خفياً لكنه بالغ التأثير. إذ حتى عندما لا يبدو سطح الأرض جافًا، قد يكون الهواء نفسه شديد الجفاف، ما يؤدي إلى سحب الرطوبة من الأشجار والتربة والأعشاب. وبهذه الشروط، يتكوّن ما يُعرف لدى رجال الإطفاء بـ ”الوقود المتفجر“، حيث تكفي شرارة صغيرة لإشعال حريق لا تمكن السيطرة عليه. أما الرياح فهي العنصر الأخطر في رأيه، ولقد قدم وصفاً شعرياً لحريق فورت ماكموري في كندا قائلاً إن النار لم تكن تشتعل فحسب بل تتحرك بسرعة وكأنها مُطَاردة. فالرياح لم تكن تدفع الحريق فحسب بل تغذّيه. يشير فايلانت أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الحرائق صارت قادرة على صناعة طقسها الخاص. ففي ظل الحرارة الشديدة يمكن لأعمدة الدخان والهواء الصاعد أن ينتجوا سحباً تُطلق برقاً ورياحاً عنيفة كالعواصف الرعدية فيتحول الحريق إلى نظام ذاتي التغذية. يطلق فاليانت على هـذا الطقس الجديد اسم طقس الحرائق الـذي يعكس تحولاً في سلوك الحرائق لأن العواصف الرعدية باتت تصل دون مطر وتشعل الأراضي الجافة.
حرائق مضيئة ومؤامرات لا تحتاج إلى نظرية
ثمة حرائق سابقة حدثت في مناطق أخرى من العالم يوضحُ الجدلُ الـذي دار حولها كيف تؤثر الإيديولوجيا والانقسامات السياسية في الروايات المتداولة حول أسبابها: أثناء حرائق ولاية أوريغون الأمريكية عام ٢٠٢٠، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم لا أساس لها من الصحة بأن نشطاء مناهضين للفاشية ومتطرفين يمينيين أشعلوا الحرائق عمداً. انتشرت الشائعات بسرعة وتدفقت على مراكز الطوارئ اتصالات من مواطنين تحدثوا عن اعتقالات لم تجْر. وعلى الرغم من نفي الشرطة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي لهذه المزاعم، إلا أن كثيرين واصلوا تصديق أن الحرائق نجمت عن مؤامرة سياسية منظمة. لكن كل ما فعلته هذه الاتهامات هي أنها حاولت تقويض الخطاب البيئي حول الاحتباس الحراري، ورسّخت المعلومات المضللة، وأثرت في الطريقة التي فسّر بها الناس الأزمة.
يكشف لنا الإعلام الاجتماعي أننا لم نعد بحاجة إلى منطق أو أدلة تدعم ما نقوله أو نسوقه على أنه الحقيقة والسبب هو أننا دخلنا في ما دعتْه الفيلسوفة السياسية الأمريكية نانسي روزنبلوم مرحلة المؤامرات التي لا تحتاج إلى نظرية. في جوّ كهذا تصبح المزاعم العاطفية، حتى وإن كانت غير صحيحة، بدائل مؤقتة حيث يفتقر الناس لليقين. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من المستحيل تقريبًا احتواء نظريات المؤامرة، إذ تتم تغذيتها بمحتوى يعزز القناعات المسبقة، الأمر الذي ينتج حلقات مغلقة تتكرر فيها الأكاذيب حتى تبدو حقيقية. يشبه هذا ما يجري في الواقع السوري حيث تُشْحَن بطاريات الاتهامات بكهرباء طائفية تصرف أنظارنا عن الأسباب البيئية للكوارث الطبيعية. في جو مشحون كهـذا تغيب التفسيرات العلمية، ويُغطّى موضوع التغير المناخي بحجابٍ إيديولوجي يخفيه، ويُصوَّر الأمر على أنه صراع بين سلطة تحاولُ تأمين الاستقرار وفلولٍ يحاولون زعزعته من طريق إشعال الحرائق بدعمٍ وتمويل من جهات خارجية تتربّص بالنظام الجديد. فيما يشيع البعض الآخر أن ما يجري محاولة لتهجير سكان هذه المناطق من أجل مشاريع اقتصادية قادمة.
تدخلت الإيديولوجيا في حريق اللاذقية، وتعددت حول أسبابه روايات تلائم مصلحة كل طرف. وبصرف النظر عن قصة هذا أو ذاك، تكشفت النار عن وضع مأساوي سوري ينذر بمخاطر جمة تهدد الأفق المتوسطي. ورغم هذا الخطر الداهم لم تحدث فزعةٌ رسمية لإطفاء الحريق كالفزعة التي حدثت لإخماد تمرد الفلول وارتكاب المجازر ضد المدنيين العلويين في بيوتهم. ولم تحدث فزعة عربية أو دولية فورية لاحتواء الكارثة وإنقاذ المساحات التي احترقت.
عالم جديد
يقول الصحافي الكندي جون فاليانت إن العالم الذي كنّا نعيش فيه ونطمئن إلى ثقافته قد تهاوى، وولد مكانه عالم جديد تتربّع على عرشه النيران. يقترح استبدال مصطلح “الإنسان العاقل” بـ”الإنسان الناري”، وهو اسم مشتق من ولائنا للاحتراق واعتمادنا عليه. فنحن، في نظره، كائنات نارية، لأن النار هي محرّك حياتنا وقوتنا العظمى. لكن المفارقة أن هذا الاعتماد الكبير على الاحتراق جعل العالم أكثر قابلية للاشتعال من أي وقت مضى في تاريخ البشرية. وفي هذا العالم القابل للاشتعال، لا يمكن حصر حريق اللاذقية – الذي قضى على أكثر من ١٦ ألف هكتار من الرئة الخضراء لسورية – ضمن حدود التأويل الإيديولوجي، أو تلوينه بلون الانقسامات والاستقطابات التي نعيشها. فالنار التي التهمت غابات الساحل لا تسأل عن هوية من تضرهم، بل تحرق بيئة السوريين جميعًا، وتحدث آثارًا بعيدة المدى تهدد حياتهم ومستقبل أبنائهم. ومع اشتداد النيران، يكتشف السوريون الحريصون على بلادهم مرجعية جديدة تتشكل من رماد الحرائق يصنعها أبطال متطوعون من مختلف الطوائف، يقفون على الخطوط الأولى للحريق في جبال اللاذقية، بإمكانات محدودة وعزيمة لا تلين. هؤلاء، وليس المرجعيات الطائفية العابرة للحدود، القادمة من قُم أو من نجد، هم من يستحقون أن يكونوا نواة لوعي وطني جديد، وركيزة لبناء سورية على أسس تتجاوز الطائفية والانقسام.
by عامر فياض | Jul 9, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
بعد سنوات طويلة من غياب الحياة السياسية في سوريا، خلال حكم نظام الأسد البائد، تشهد الساحة السورية اليوم ولادة العديد من التيارات والتجمعات والمبادرات، التي حاولت ومازالت تحاول أن تدخل المشهد السياسي وتضع موطئ قدم لها في طريق بناء سوريا. ولكن، على الرغم من أهميتها ومحاولة بعضها أن يحل محل الأحزاب السياسية، يبقى المشهد السياسي في سوريا مفتقداً لوجود تلك الأحزاب، في ظل غياب أي قانون خاص لتنظيم عملها وطبيعة نشاطها، إذ أن معظم التيارات والتجمعات التي تأسست بعد سقوط النظام كانت ذات صبغة مدنية ومجتمعية، ورغم اقتراب بعضها قليلاً من المجال السياسي إلا أنها تبقى بعيدة عن نهج وأدبيات وممارسات الأحزاب السياسية.
وبالنظر إلى طبيعة نشاط تلك التجمعات والتيارات سنجد أنها بمعظمها تتبنى أفكاراً وطنية عامة حول المواطنة والتعددية والعدالة وبناء دولة القانون، دون أن يكون لها أية أيديولوجية خاصة أو مشاريع سياسية تفصيلية ومؤثرة أو حتى رؤية وآليات سياسية ناجعة أو خطة عمل واضحة، إذ تتشابه في أفكارها وأهدافها وطبيعة نشاطاتها، التي تنحصر في قيامها بعددٍ من الأنشطة والفعاليات (التي يغلب عليها الطابع المدني والثقافي والإجتماعي) وعقد بعض اللقاءات وجلسات الحوار، وإصدار البيانات حول القضايا والأحداث العامة ورفع بعض الشعارات التي تحمل مطالب وطنية عامة، إلى جانب تنظيم بعض الوقفات التضامنية والاحتجاجية، بغضّ النظر عن مدى تأثيرها الفعلي في الشارع. وقد تأسس بعد سقوط النظام عدد كبير من المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية التي حاولت أن تملأ الفراغ السياسي في البلاد، وسنكتفي هنا بالحديث عن مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع، التجمع المدني في جرمانا، التيار المدني الديمقراطي وتجمع سوريا الديمقراطية.
مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع: بحسب ما جاء في تعريفها: “تهدف هذه المبادرة إلى تحقيق رؤيةٍ وطنية تُجسّد تطلعات الشعب السوري في الحرية، الكرامة، والعدالة، وتُعبّر عن إيماننا الراسخ بدور المجتمع المدني كمحرك أساسي للتغيير الإيجابي”. وقد نظَّمت المبادرة، التي تضم أكثر من 200 عضو، عدداً من جلسات الحوار مع بعض السياسيين والحقوقيين، ومن بينها: جلسة حوار مع الكاتب والباحث حازم نهار بعنوان: المؤتمر الوطني السوري: الضرورة، الآليات، والتحديات. جلسة حوار حول العدالة والصفح في سوريا اليوم، معالكاتب والباحث ياسين الحاج صالح والمحامي والدكتور عبد الحي السيد. جلسة حوار مع أخصائي الطب النفسي الدكتور جلال نوفل،بعنوان: قضايا المحررين والمفقودين وذويهم من وجهة نظر نفسية واجتماعية وإعلامية، وجلسة حوار حول الإعلان الدستوري مع الدكتور في القانون الدولي والباحث القانوني والدستوري إبراهيم دراجي. كما شاركت المبادرة في عدد من الوقفات التضامنية والاحتجاجية، ومن بينها: وقفة تضامنية مع أهالي المعتقلين والمغيبين في ساحة المرجة بدمشق، نظّمتها رابطة عائلات قيصر. وقفة احتجاجية في ساحة الحجاز، بالتعاون مع التجمع المدني في جرمانا، للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية.ووقفة احتجاجية ضد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية والأراضي الفلسطينية. وإلى جانب ذلك شاركت المبادرة في مؤتمر الحوار السوري حول العدالة والحقيقة، الذي عُقد في دمشق/ فندق الشام، في الشهر الأول من العام الحالي، كما نظَّمت المبادرة، بالتعاون مع وحدة تمكين المجتمع المدني، ورشة تدريبية لثلاثة أيام حول مفهوم المواطنة، مبادئها وقيمها والقضايا المرتبطة بها.
التجمع المدني في جرمانا: بحسب ما جاء في بيانه، يطمح التجمع بأن تكون سوريا وطناً ديموقراطياً تعددياً يصون كرامة الناس وحياتهم، يحكمه الدستور الجامع، ويسوده القانون والقضاء المستقل، وتتقدمه مبادئ المواطنة من حرية ومسؤولية ومساواة وتشاركية وقيم المواطنة العديدة.
ويضم التجمع أكثر من 200 عضو، من سياسيين وحقوقيين وفنانين ومثقفين ونشطاء مجتمع مدني. ومن أبرز النشاطات التي قام بها: المشاركة بالوقفة التضامنية في ساحة المرجة دعماً لذوي المعتقلين، استجابة للدعوة التي أطلقتها رابطة عائلات قيصر. تنظيم وقفة أمام محطة الحجاز للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية. تنظيم وقفة تشاركية لدعم استحقاق المؤتمر الوطني العام أمام محطة الحجاز بالتشبيك مع الرابطة المدنية الشبابية السورية ورابطة المحامين السوريين الأحرار. المشاركة في وقفة احتجاجية ضد قرارات الفصل التعسفية بحق آلاف الموظفين. المشاركة في اعتصام مدينة دوما تنديداً بتصريحات نتنياهو ضد التقسيم وضد الطائفية. وإلى جانب ذلك أقام التجمع عدداً من الجلسات الحوارية ومنها: جلسة مع الكاتب والباحث السياسي د.حازم نهار، بعنوان “المؤتمر الوطني السوري العام/ الأهمية – الهدف – التحديات” وجلسة مع الدكتور عمر شحرور، رئيس حزب العدالة والتنمية السوري، بعنوان: “حزب العدالة والتنمية السوري: المبادئ _ الأهداف _ الرؤية السياسية للمرحلة الانتقالية، وللمستقبل السوري”.
التيار المدني الديمقراطي: بحسب ما جاء في تعريفه: نرى نحن في التيار المدني الديمقراطي أن الدولة المدنية الديمقراطية، هي دولة الكل الاجتماعي، التي تنبثق سلطتها عن الشعب، بانتخابات حرة ونزيهة، تشارك فيها كل الأحزاب والتيارات والتجمعات السياسية المستقلة والمنظمات المدنية والاجتماعية والثقافية والنقابات والهيئات الاقتصادية والأفراد، التي تعتمد مبدأ المواطنة المتساوية أساساً لها، بحيث يرى فيها كل المواطنين الأحرار وطنهم السياسي.
وجاء في تعريفه أيضاً: يعمل التيار المدني الديمقراطي بوسائل سلمية سياسية، من أجل التغيير المدني الديمقراطي الشامل، الذي يعيد صياغة أوضاعنا الداخلية على أسس و مبادئ مدنية ديمقراطية، تجمع في وحدة جدلية، لا تنفصم عراها بين الوطني والديمقراطي، أي بين تحقيق السيادة والتحرر من جهة، وبين الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي، من جهة أخرى .
ويرى التيار أن جوهر التغيير المدني الديمقراطي الشامل هو “أن يصبح الشعب مشاركاً حقيقياً في صنع القرارات، التي تمسه”، من خلال “تفعيل دور أحزابه وتياراته وتجمعاته السياسية ونقاباته ومنظماته واتحاداته وروابطه المستقلة، وضمان حرية الصحافة والرأي والتعبير والنشر والحق في التنظيم والتظاهر والإضراب السلميين واستقلال القضاء وفصل السلطات وتطبيق القانون على الحاكم والمحكوم بالتساوي، ومكافحة الفساد كبيره وصغيره، والتوزيع العادل للثروة والدخل”.
تجمع سوريا الديموقراطية: بحسب ما جاء في بيانه التأسيسي: “تداعى في مدينة اللاذقية مناضلون وفاعلون وشخصيات وطنيّة، وتوافقوا على إطلاق مبادرة باسم تجمع سوريا الديمقراطيّة مفتوحة لجميع السوريين، وللتنسيق مع مبادرات مماثلة، ومع كلّ القوى والهيئات والنقابات التي نتوافق معها”.
ومن أهداف التجمع: المساهمة الفاعلة في حماية السلم الأهلي والمرافق العامة مع كل من يساهم في ذلك. العمل الجاد من أجل مؤتمر حواري وطني سوري، ومتابعة عملية الانتقال الديمقراطي. العمل الفوري الجاد على توحيد وتنسيق جميع الجهود الرامية إلى خلاص سوريا من أي احتمال لعودة الاستبداد، وسيرها على طريق الحريات والحقوق الكاملة غير المنقوصة. الدفاع عن مصالح الطبقات والفئات الشعبية الاقتصادية والسياسية وحقوقها بالتنسيق مع نقاباتها واتحاداتها المختلفة المستقلة القائمة أو المزمع إقامتها في المستقبل القريب والبعيد. والتنسيق مع مختلف الاتحادات الثقافية والأدبية والفكرية وسواها، الحريصة على إبراز وجه سوريا الحضاري.
ما بعد وقفة المرجة
خلال المجازر والانتهاكات التي وقعت بحق أبناء الطائفة العلوية، نظَّم عدد من التيارات والتجمعات المدنية والشخصيات الثقافية والسياسية وقفة في ساحة المرجة للتضامن مع ضحايا المجازر ومع شهداء الأمن العام، الذين قضوا بهجمات فلول النظام، وللمطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم. وخلال الوقفة اصطدم المشاركون، الذين كانوا بمعظمهم شخصيات معارضة للنظام السابق ومحسوبة على الثورة، مع بعض الأصوات المعارضة التي أطلقت شعارات طائفية واقتحمت الوقفة لتقف بوجههم وتتهمهم بأنهم عملاء وفلول، ليتطور الأمر إلى عراك بالأيدي ولإطلاق النار بالهواء من قبل عناصر الأمن العام لتفريق المشاركين. ونتيجة لما حصل صُدم معظم المشاركين وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة وتراجع حماس ونشاط الكثير منهم وتسلل الخوف إلى قلوبهم، بعد أن أعادهم المشهد إلى زمن النظام البائد وطريقة تعامله مع المظاهرات التي كانت تطالب بالحرية، وهو ما أدى إلى تراجع زخم النزول إلى الشارع بشكل كبير، ليقتصر الأمر على بعض الوقفات الخجولة، وعلى بعض الأنشطة المدنية والاحتفالية التي يتعلق معظمها بذاكرة الثورة، وهو ما بدا واضحاً خلال أحداث جرمانا وصحنايا والسويداء، التي وقعت بعد التسجيل المسيء للنبي الكريم محمد، فرغم رغبة الكثير من النشطاء المدنيين بتنظيم وقفات احتجاجية ضد ما حدث بحق أبناء الطائفة الدرزية، لم يسجل الشارع أي وقفات احتجاجية أو تضامنية تذكر، وذلك نتيجة تخوفهم الواضح من ردة فعل مشابهة لما حدث خلال وقفة المرجة، في حل تم النزول إلى الشارع.
في غياب الأحزاب السياسية
رغم أهمية تلك المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية، تبقى الحاجة لوجود أحزاب سياسية ضرورة ملحة لتحقيق أهداف الثورة السورية التي نادت بالحرية والديمقراطية، إذ ينتظر الكثير من السوريين إصدار قانون الأحزاب الذي سيتيح لهم إمكانية تشكيل أحزاب سياسية جديدة تُعبِّر عن أفكارهم وتطلعاتهم السياسية. وترى معظم النخب السياسية والثقافية أن غياب الأحزاب السياسية في سوريا وتهميشها وإقصائها سيشكل تهديداً لشكل الدولة الديمقراطية المستقبلي ويعرقل عملية التحول الديمقراطي ويغلق الطريق أمام إمكانية الإصلاح والتغيير المنشودين من قبل السوريين، فمن المعروف أن غياب الأحزاب يعني غياب الديمقراطية، حيث يساهم وجودها في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية في المجتمع ونشر الوعي والفكر السياسي والإرتقاء بهما، وتكريس مفهوم الدولة الديمقراطية الحديثة التي يُعتبر وجود الأحزاب السياسية أحد مرتكزاتها ودعائمها. كما أن وجود الأحزاب يُشكل ضغطا مباشراً على الحكومة ومراكز صنع القرار ومؤسسات الدولة لكي تنهض بمسؤولياتها وواجباتها على أكمل وجه، كما تساهم الأحزاب أيضاً في تشكيل الرأي العام وتحريضه من أجل النهوض بواقع البلاد وتسليط الضوء على أخطاء وممارسات السلطة والوقوف بوجهها في حال حادت عن برنامجها السياسي ونكثت بالوعود التي وعدت الشعب بتنفيذها.
by عمر الشيخ | Jul 4, 2025 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
قد يُغري بعض السوريين الظن بأن النفوذ الروسي قد تراجع مع سقوط نظام الأسد، وأن الحاضنة الشعبية التي تشكلت رفضاً للتدخلات الأجنبية كفيلة بتحصين المستقبل السوري من أي ارتداد. لكن هذا التصور يتجاهل قاعدة راسخة في سياسات القوى الكبرى: لا تُغادر الساحات بهدوء، ولا تُسلّم بالهزيمة دون إعادة تموضع. النظام الروسي، القائم على سردية قومية واستبدادية، لا يرى في الانسحاب المعلن إلا اعترافاً لا يُغتفر بالضعف، وهو ما لا تسمح به عقيدته.
في الكواليس، ظل التنسيق الأمني بين موسكو وحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع قائماً منذ اليوم الأول لانطلاق “عملية ردع العدوان”، وفقاً لمعلومات الاستخبارات التركية حتى اليوم. هذا الاستمرار يُظهر رغبة روسية في الاحتفاظ بموقع فاعل داخل الخريطة السورية، ليس عبر القواعد العسكرية وحدها، بل من خلال القنوات الاستخباراتية العميقة. وقد عكس اللقاء الأخير الذي جرى في العاصمة الأذربيجانية باكو بين رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي ومسؤول أمني سوري هذا التوجه، حيث طُرحت، بحسب التسريبات، مسألة العناصر الجهادية الأجنبية، مع ضغط روسي واضح لتشديد الضبط الأمني داخل سورية، منعًا لتسلل هؤلاء إلى الداخل الروسي أو إلى دول آسيا الوسطى.
اللافت أن هذا التنسيق لم ينقطع رغم تبدّل الرؤوس السياسية في دمشق. بل ثمة مؤشرات على أن العلاقة بين الجانبين تدخل مرحلة جديدة: أقل صخباً، لكنها أكثر تقييداً. فبينما تتحدث موسكو عن “ضمان الأمن المشترك” و”احترام سيادة سورية”، يلوّح الشرع بخطاب مزدوج: يُثني على دعم موسكو التاريخي، لكنه يطالب – للمرة الأولى منذ عقدين – بعلاقات متكافئة لا وصاية فيها.
من هنا، لا بد للسوريين من التعاطي مع المرحلة الانتقالية بعين اليقظة. فالاطمئنان إلى أن ما تحقق شعبياً سيمرّ بسلاسة، دون مقاومة أو انتكاسات، قد يكون أقصر الطرق إلى الانتكاس ذاته. النفوذ لا يعود عبر الدبابات فقط، بل يجد طريقه عبر إعادة تدوير الوجوه، وشراء الولاءات، وتغذية الانقسامات. وهناك دوماً أطراف، داخل سورية وخارجها، مستعدة لفتح الأبواب من جديد أمام مشاريع الهيمنة القديمة، بدوافع تتراوح بين المصلحة والنوستالجيا المرضية لنظام القوة.
تتبدّى ملامح هذا الخطر اليوم في مشاهد متفرقة، لكن مترابطة في عمقها: دعم مؤتمرات تُروّج لتقسيم سورية تحت عناوين الفيدرالية الزائفة، وفعاليات تنسج سرديات متعالية عن الضحايا، تصنع تدرجاً في الألم الوطني، وتُعيد تدوير لغة المنتصر المهزوم. ما تكشفه هذه الديناميات هو أن المعركة على سورية لم تُحسم بعد، وأن الجغرافيا السياسية لما بعد الأسد لا تزال هشّة ومفتوحة على الاختراق.
الأخطر من ذلك أن جمهور الحاضنة القديمة – الذي ظنه البعض قد تبخّر – قد أُيقظ من سباته مع عودة شائعات إعادة تأهيل ماهر الأسد. هؤلاء لم يتلاشوا؛ بل انكمشوا، وراقبوا بصمت. وهم لم يتخلّوا عن النظام لأنه قاتل، بل لأنه خسر. ولاءهم لم يكن للمبادئ، بل للقوة والقدرة على البقاء. وهذه الطبقة الرمادية، إذا لم يتم تفكيك بنيتها النفسية والاجتماعية بخطاب سياسي ذكي، قادرة على إعادة إنتاج النظام بأشكال جديدة، أكثر دهاء وربما أكثر قبولاً في الداخل والخارج.
في هذا السياق الانتقالي، دخلت موسكو بدورها مرحلة ارتباك استراتيجي. فالرئيس أحمد الشرع – الذي بدأ عهده بخطاب سيادي متماسك – لم يمنح موسكو ما اعتادت عليه: لا تبعية مباشرة، ولا ضوءاً أخضر لمواقع نفوذ ثابتة. هذا ما يفسّر التصريحات المتوترة التي صدرت من بعض المسؤولين الروس، وأبرزها تصريح السفير الروسي في بغداد لقناة عراقية، حين قال: “مسألة مصير بشار الأسد لم تُناقش، وهو أمر غير وارد”. لا يُقرأ هذا التصريح بوصفه موقفاً، بل كقناعٍ للحرج؛ محاولة لطمس سؤال الخسارة أكثر من كونه تأكيدًا على تحالف دائم.
وبينما اكتفى الكرملين بالمراوغة أمام المتغيرات في دمشق، أرسل الرئيس فلاديمير بوتين رسالة تهنئة إلى أحمد الشرع بمناسبة توليه السلطة، حينئذ. الرسالة لم تُنشر نصاً، وجرى الاكتفاء بتصريح مقتضب من المتحدث باسم الكرملين وصفها بأنها “تهنئة رسمية”. لكن التسريبات التي رافقتها عن حديث حول “استمرار التعاون” و”مكافحة الإرهاب” و”احترام خيارات الشعب السوري” بدت كأنها تعكس محاولة روسية للحفاظ على موطئ قدم، دون التورّط في مشهد قد يُحمِّلها مسؤولية الفشل السوري الكامل.
اللافت أن حكومة الشرع لم تُصدر أي رد رسمي على الرسالة، وهو صمتٌ مدروس لا يخلو من الرسائل. فقد أراد الشرع أن يترك الباب مفتوحاً، دون أن يقدّم لموسكو أوراق التطمين المجانية. وهنا تبرز المعادلة الجديدة: دمشق لم تعد ساحة خالية لمراكز النفوذ، بل حقل ألغام سياسي، يتطلّب مهارة عالية في التوازن، لا سيما حين يتعلّق الأمر بالقوة الروسية التي ما تزال تحاول إنكار لحظة السقوط.
على أن التطور الأكثر دلالة جاء من بوتين نفسه، حين أعاد التأكيد في تصريح حديث على أن التدخل الروسي في سورية كان لمنع تمدد الإرهاب، مضيفاً بعبارة مموّهة لكنها لافتة أن المعارضة السورية “قد تعلّمت خلال عقد من الصراع كيف تدير شؤونها وتحافظ على أمنها الداخلي”.
تصريح قد يبدو عابراً، لكنه يحمل في طياته تحولًا نوعياً في سردية الكرملين: من شيطنة المعارضة باعتبارها تهديداً وجودياً، إلى الإقرار، الضمني، بأنها أصبحت طرفاً قادراً على ضبط البلاد، بعد أن أنهكها الاقتتال متعدد الأطراف، من جيش الأسد إلى فصائل الثورة المتناحرة، ومن التدخلات الإيرانية إلى الغارات الإسرائيلية والضغوط الغربية.
هذا التحول لا يعني أن موسكو تبنّت شرعية حكومة الشرع، بل إنها تحاول صياغة موضع جديد لها داخل المعادلة الناشئة، انطلاقًا من مبدأ روسي تقليدي: إذا احترق الميدان، تفاوض على الرماد.
ورماد النظام السوري، الذي كان شريكاً استراتيجياً لموسكو، يتداخل اليوم مع رماد المشروع الروسي نفسه في شرق المتوسط، حيث التمدد التركي، والاندفاعة الأوروبية، وتراجع الاهتمام الأمريكي، يفرضان على موسكو إعادة نظر جذرية في أدواتها ومواقعها.
من هنا، تتعدد السيناريوهات أمام روسيا:
- الاعتراف الضمني بحكومة الشرع، من دون إعلان القطيعة مع شخصيات موالية لبشار الأسد، مع الإبقاء على صِلات عبر شخصيات تكنوقراط أو أمنيين قدامى.
- الانكفاء السياسي والعسكري النسبي، مقابل التموضع كقوة استثمارية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، حيث الدولة السورية الجديدة أكثر هشاشة، وأشد عطشاً إلى الخارج.
- اللعب على التناقضات الداخلية داخل حكومة الشرع أو بين الفصائل، لتغذية انقسامات تفتح باباً خلفيًا للنفوذ الروسي غير الرسمي.
- تفعيل أدواتها الإقليمية: مجموعات عراقية، لبنانية، أو سورية تدين لها بالولاء، كي تبقى ممسكة بخيوط المشهد دون أن تتصدر واجهته.
في كل هذه السيناريوهات، تسعى روسيا إلى الحفاظ على سرديتها الكبرى: أنها لم تُهزم، بل غيرت أدواتها فقط.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن تفهم دمشق الجديدة – حكومةً ومجتمعاً – أن هذه السردية تُصاغ الآن بهدوء، تحت قشرة الرماد، وأن إهمال مواجهتها قد يفتح الباب أمام عودة بطيئة، ماكرة، ولكن فعّالة.
فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يُلهم المتربصين بإعادة إنتاجه. والنفوذ، كما خبرناه في العقد الماضي، لا يأتي فقط على ظهر الدبابات؛ بل يتسلل إلى الاجتماعات الوزارية، وصفقات الإعمار، وتحالفات الطاقة، وابتسامات الدبلوماسيين.
يبقى السؤال الأخير: ماذا تعني الهزيمة إن لم تُعلَن؟ وماذا لو أُعيد تسويقها كـ”حكمة إعادة تموضع”؟
بقاء روسيا في سورية ليس قَدَراً. إنه احتمال. واحتمال يمكن كسره، بشرط ألا ننسى من أشعل النار أول مرة، وألا نُخدع بوهم أن الرماد قد برد.فالرماد، كما علمتنا التجربة السورية، لا يحتاج إلا نسمة خفية ليشتعل مجدداً.
by فريق الترجمة في صالون سوريا | Jul 2, 2025 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, مترجم, Articles - EN
إعداد: ماغي مايكل – وكالة رويترز
ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا
انتُزع قلب الشاب من صدره ووُضع فوق جثته. كان اسمه رقم ٥٦ في قائمة مكتوبة بخط اليد تضم٦٠ قتيلًا، من بينهم أبناء عمومته وجيرانه وستة أطفال على الأقل من قريتهم الساحلية السورية. اتصل الرجال الذين قتلوا سليمان رشيد سعد، البالغ من العمر ٢٥ عامًا، بوالده من هاتف الضحية وتحدوه أن يحضر الجثة. كانت الجثة بجوار صالون حلاقة. كان صدره مشقوقاً ومفتوحًا. انتزعوا قلبه ووضعوه فوق صدره، كما قال والده، رشيد سعد. حدث هذا عصر يوم الثامن من آذار\ مارس في قرية الرصافة. لم تتوقف المجازر ضد العلويين هنا. كانت مذبحة سليمان رشيد سعد جزءًا من موجة قتل شنها مقاتلون سنة في المناطق العلوية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط السوري، في الفترة الممتدة بين السابع والتاسع من آذار\مارس. جاءت هذه الأعمال العنيفة ردًا على تمرد بدأ قبل يوم واحد، قام به ضباط سابقون موالون للرئيس المخلوع بشار الأسد، أدى إلى مقتل ٢٠٠ عنصر من قوات الأمن. وكشفت تحقيقات أعدّتها وكالة رويترز كيف وقعت المجازر، محددةً سلسلة القيادة التي تربط المهاجمين مباشرةً برجال يخدمون إلى جانب قادة سوريا الجدد في دمشق. ووجدت رويترز أن نحو ١٥٠٠ علوي سوري قُتلوا، في حين فُقد العشرات. وكشف التحقيق عن٤٠ موقعاً مختلفاً وقعت فيها عمليات قتل انتقامية، وهجمات عشوائية، ونهب استهدفت الأقلية الدينية التي طالما ارتبطت بحكومة الأسد السابقة.
مجازر الساحل السوري
كشفت أيام القتل عن الاستقطاب العميق في سوريا الذي لم تتجاوزه حكومتها الجديدة بعد، بين من دعموا الأسد، ضمنيًا أو فعليًا، ومن أملوا في نجاح الثورة ضده في نهاية المطاف. ويشعر الكثيرون في سوريا بالاستياء من العلويين، الذين تمتعوا بنفوذ غير متناسب داخل الجيش والحكومة خلال حكم الأسد الذي استمر عقدين.
توصلت رويترز إلى نتائجها في وقت ترفع فيه إدارة ترامب تدريجيًا العقوبات المفروضة على سوريا التي تعود إلى عهد الأسد. ويُعدّ هذا التقارب محرجًا لواشنطن: فالحكومة السورية الجديدة يقودها فصيل إسلامي منحل، كان يُعرف سابقًا باسم هيئة تحرير الشام، وأطلق عليه سابقًا اسم فرع تنظيم القاعدة في سوريا، والمعروف باسم جبهة النصرة. كانت المجموعة، التي قادها سابقًا الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، خاضعة لعقوبات الأمم المتحدة منذ عام ٢٠١٤. وأصبح الشرع، وهو مسلم سني مثل غالبية السوريين، رئيسًا في كانون الثاني\ يناير بعد أن قاد هجومًا مفاجئًا بلغ ذروته بانهيار حكومة الأسد والاستيلاء على دمشق.
اكتشفت رويترز أن ما لا يقل عن اثني عشر فصيلاً خاضعاً لقيادة الحكومة الجديدة، بما في ذلك فصائل أجنبية، شاركت في عمليات القتل التي وقعت في آذار\مارس. ويخضع ما يقرب من نصف هذه الفصائل لعقوبات دولية منذ سنوات بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل والخطف والاعتداءات الجنسية. ولم ترد الحكومة السورية(وزارة الدفاع ومكتب الرئيس) على ملخص مفصل لنتائج هذا التقرير، أو على أسئلة ذات صلة من رويترز حول دور القوات الحكومية في المجازر. وفي مقابلة مع رويترز بعد أيام قليلة من عمليات القتل، ندد الشرع بالعنف باعتباره تهديداً لمهمته في توحيد البلاد. وتعهد بمعاقبة المسؤولين، بمن فيهم أعضاء الحكومة، إذا لزم الأمر. وقال: “لقد قاتلنا دفاعاً عن المظلومين، ولن نقبل أن تُراق أي دماء ظلماً، أو أن تمر دون عقاب أو محاسبة، حتى بين أقرب الناس إلينا”.
كان من بين الوحدات التي كشفت رويترز تورطها جهاز الأمن العام التابع للحكومة، الذي كان جهازها الرئيس لإنفاذ القانون أيام إدارة هيئة تحرير الشام لإدلب، والذي أصبح الآن جزءًا من وزارة الداخلية؛ ووحدات سابقة تابعة لهيئة تحرير الشام، مثل الوحدة ٤٠٠، ولواء عثمان. كما تورطت ميليشيات سنية كانت قد انضمت لتوها إلى صفوف الحكومة، بما في ذلك لواء السلطان سليمان شاه وفرقة حمزة، اللتان فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليهما لدورهما في عمليات القتل. لم يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على وحدات هيئة تحرير الشام السابقة. ولم تصدر الولايات المتحدة أي عقوبات على عمليات القتل. وأمر الرئيس الشرع بتشكيل لجنة للتحقيق في أعمال العنف والقيام بوساطات من أجل “السلم الأهلي“. وصرح ياسر فرحان، المتحدث باسم اللجنة، بأن الرئيس سيتلقى نتائج التحقيقات في غضون أسبوعين، حيث تعمل اللجنة حاليًا على تحليل المعلومات ثم كتابة تقريرها النهائي بناءً على شهادات ومعلومات جُمعت من أكثر من ألف شخص، علاوة على إحاطات من مسؤولين واستجوابات للمعتقلين. ونصح رويترز بعدم نشر نتائجها قبل صدور التقرير. قال: “لا يمكننا تقديم أي ردود قبل استكمال هذه العملية حرصًا على نزاهة الحقيقة”. وأضاف: “أتوقع أن تجدوا النتائج مفيدة، وأنها تكشف الحقيقة“. لكن رويترز وجدت أن عمليات القتل مستمرة حتى يومنا هذا.وقالت الحكومة السورية الجديدة إنها تخشى فقدان السيطرة على الساحل أمام انتفاضة مؤيدي الأسد. وأصدرت أوامر قاطعة في السادس من آذار\مارس بسحق محاولة انقلاب قامت بها “فلول” النظام، وفقًا لستة مقاتلين وقادة وثلاثة مسؤولين حكوميين.
كان العديد من الرجال الذين تلقوا الأوامر يرتدون الزي الحكومي منذ بضعة أشهر فقط، ويعتنقون تأويلاً للإسلام السني معروفاً بوحشيته. وفسّر البعض في ذلك اليوم بحماس كلمة “فلول” على أنها تعني جميع العلويين، وهم أقلية من مليوني شخص يُحمّلهم الكثيرون في سوريا مسؤولية جرائم عائلة الأسد.
صرّح أحمد الشامي، أحد مسؤولي الحكومة الجديدة ومحافظ طرطوس، لرويترز بأن العلويين ليسوا مُستهدفين. وأقرّ بـ ”انتهاكات“ ضد المدنيين العلويين، وقدر عدد القتلى في طرطوس بنحو ٣٥٠ شخصًا، وهو ما توافق مع ما توصلت إليه رويترز أيضًا. ولم تنشر الحكومة هذا الرقم قط. وأردف المحافظ: “الطائفة العلوية ليست مُدرجة على أي قائمة سوداء أو حمراء أو خضراء. إنها ليست مُجرّمة وليست مُستهدفة بالانتقام. لقد واجه العلويون الظلم تمامًا مثل بقية الشعب السوري عمومًا” في عهد الأسد. ”إن الطائفة بحاجة إلى الأمان. إنه واجبنا كحكومة، وسنعمل على تحقيقه“. وردًا على طلب للتعليق على نتائج رويترز، أشار أنور العوني، المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، إلى أن الاتحاد أدان “الجرائم المروعة المرتكبة ضد المدنيين، من جميع الأطراف”، لكنه لم يُفصح عن سبب عدم فرض عقوبات على وحدات هيئة تحرير الشام السابقة أيضًا. ولم يستجب المتحدثون باسم وزارتي الخارجية والخزانة الأمريكيتين لطلبات التعليق.
يُقدر أن مئات الآلاف من السوريين قُتلوا منذ عام ٢٠١١، عندما تحول قمع الأسد للاحتجاجات إلى حرب أهلية. ولاحق أي معارض مشتبه به. لكن السنة، الذين شكلوا أبرز الجماعات المسلحة المصطفة ضد الأسد، استُهدفوا بشكل غير متناسب.
تحدثت رويترز مع أكثر من ٢٠٠ عائلة من عائلات الضحايا خلال زيارات لمواقع المجازر وعبر الهاتف، ومع ٤٠ مسؤولًا أمنيًا ومقاتلًا وقائدًا ومحققاً ووسيطاً عينتهم الحكومة. كما راجعت رويترز رسائل من دردشة تيليجرام أنشأها مسؤول في وزارة الدفاع لتنسيق رد الحكومة على الانتفاضة المؤيدة للأسد. وفحص صحافيو وكالة الأنباء عشرات مقاطع الفيديو، وحصلوا على لقطات من كاميرات المراقبة، وراجعوا قوائم مكتوبة بخط اليد بأسماء الضحايا.
حمل بعض المهاجمين الذين ردّوا على انتفاضة آذار\مارس قوائم بأسماء رجال كانوا سيستهدفونهم، وبينهم أعضاء سابقون في ميليشيات الأسد صدر عفو مؤقت عنهم من الحكومة الجديدة. وظهرت لاحقًا عائلات بأكملها تحمل هذه الألقاب على قوائم القتلى التي كتبها شيوخ القرى بخط اليد. ووصف العديد من الناجين كيف تم التمثيل بجثث أحبائهم.
تجمع المقاتلون، وكثير منهم ملثمون، في معقل الحكومة الجديدة في إدلب وحمص وحلب ودمشق. وعندما انطلقت القوافل المدرعة إلى غرب سوريا، ارتفعت صيحات الميليشيات ”يا سنة، يا سنة“ في الليل مصحوبة بشعارات مقنّعة تدعو الناس إلى ”ذبح العلويين“، وفقًا لمقاطع فيديو تحققت منها رويترز. وأظهرت العديد من مقاطع الفيديو مقاتلين يُذلّون رجالًا علويين، ويجبرونهم على الزحف والعواء كالكلاب. وأظهرت لقطات أخرى، بعضها قام المقاتلون بتصويره بأنفسهم، أكواماً من الجثث الملطخة بالدماء. من بين القتلى عائلات بأكملها، بما في ذلك نساء وأطفال وكبار سن ومعاقون في عشرات القرى والأحياء ذات الأغلبية العلوية. وفي أحد الأحياء، كان هناك ٤٠ من النساء بين القتلى ال ٢٥٣ امرأة. وفي قرية أخرى، كان هناك ١٠ أطفال من أصل ٣٠ قتيلاً. في حالة واحدة على الأقل، أُخليت بلدة علوية بأكملها بين عشية وضحاها تقريبًا، وحل سنّة مكان مئات من سكانها. وكان أول سؤال طرحه المقاتلون الوافدون على السكان معبرًا، وفقًا لأكثر من ٢٠٠ شاهد وناجٍ: “هل أنت سني أم علوي؟“
الانتفاضة
كان عبيدة شلي وشقيقه التوأم أصغر أفراد عائلة سنية مكونة من تسعة فتيان وبنات من إدلب، وهي مدينة تقع في شمال غرب سوريا، وفقًا لشقيقتهما الكبرى ياسمين. سافر التوأمان إلى ليبيا كمرتزقة وقبل عامين انضما إلى جهاز إنفاذ القانون التابع لهيئة تحرير الشام والمعروف باسم جهاز الأمن العام في إدلب، حيث كانت الهيئة تدير إدارتها الموازية. هكذا وجد شلي نفسه، في الثالثة والعشرين من عمره، يرتدي زي جهاز الأمن العام الأسود ويحرس نقطة تفتيش قرب بلدة بانياس، وفقًا لياسمين ورسائل واتساب صوتية أرسلها لها، والتي اطلعت عليها رويترز. مع غروب الشمس تقريباً يوم ٦ آذار\مارس، تعرضت نقطة التفتيش ومواقع أخرى لجهاز الأمن العام في محافظتي اللاذقية وطرطوس لهجوم، وقُتل العشرات من عناصر الأمن. ووفقًا للحكومة الجديدة وسكان المنطقتين، كان المهاجمون بقيادة ضباط لا يزالون موالين للأسد. وانضم إلى الضباط شباب فقدوا سبل عيشهم عندما طردت الحكومة الجديدة آلاف الموظفين العلويين وفككت جهاز الأمن التابع للأسد، وفقًا لمقابلات مع السكان. وصف أحد قادة المجتمع المحلي الانتفاضة بأنها قرار عفوي من أشخاص يائسين.
أرسل شلي رسالة صوتية لأخته حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً ليخبرها أن نصف الرجال من حوله قد ماتوا. بدا هادئًا ومستسلمًا لمصيره.
وقالت: “قال إنه يساعد في إيجاد طرق لإخراج جثث الرجال”. سألته لماذا لم يهرب. فأجاب: لا مفر. علمت ياسمين بمقتل شقيقها بعد ساعتين. كما شنت القوات الموالية للأسد هجمات في بانياس، أكبر مدن طرطوس. واستولت على الطريق الرئيسي والمستشفى، وهاجمت مقر الأمن التابع للحكومة الجديدة، وفقًا لأبو البحر، وهو مسؤول أمني متمركز في بانياس كان يقضي تلك الليلة في إدلب. ولم تتمكن رويترز من التحقق من روايته بشكل مستقل. وقال الشرع إن ٢٠٠ من عناصر الأمن قُتلوا في الانتفاضة، لكن الحكومة لم تُصدر أسماءً أو إحصاءً مُحدّثًا. ولم تُجب وزارة الدفاع على أسئلة رويترز حول العدد المُحدّث للقوات التي قُتلت، أو دور القوات التابعة للحكومة في مجازر العلويين.
فرض الاتحاد الأوروبي في ٢٣ يونيو/حزيران عقوبات على ثلاثة ضباط موالين للأسد، قائلاً إنهم مسؤولون عن قيادة ميليشيات “أججت التوترات الطائفية وحرضت على العنف“. وقال حمزة العلي، ضابط جهاز الأمن العام المسؤول عن بلدة القدموس، الواقعة على بُعد حوالي٣٠ كيلومترًا إلى الشرق، إن أنصار الزعيم المخلوع “أرادوا القيام بانقلاب وإعلان منطقة حكم ذاتي على طول الساحل“. ودعت وزارة الدفاع إلى تعزيزات من جميع الفصائل التي انضمت مؤخرًا إلى قوات الرئيس الشرع. وترددت دعوات الجهاد عبر مكبرات الصوت في المساجد في جميع أنحاء البلاد. وصرح محمد الجاسم، قائد لواء السلطان سليمان شاه، لرويترز بأنه نُقل إلى مستشفى في تركيا لأسباب صحية عندما اندلع القتال. ولم تتمكن رويترز من تأكيد مكان الجاسم أثناء المجازر. ونفى أن يكون لرجاله أي دور في أعمال العنف. وأضاف إنه سرعان ما أُضيف إلى مجموعة دردشة يقودها مسؤول كبير في وزارة الدفاع، قال إنه يعرفه فقط باسم أبو أحد الحموي. وأبو أحد الحموي هو الاسم المستعار لحسن عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الدفاع. أُمر لواء الجاسم، المعروف أيضًا باسم العمشات، بإعادة فتح الطريق الساحلي السريع إم ١ الرابط بين اللاذقية وجبلة. وقال إن ميليشياته اتخذت مواقع خارج مدينة جبلة.
مع استمرار مجازر العلويين، صرّح المتحدث باسم وزارة الدفاع، عبد الغني، علنًا بأن العملية على الساحل تسير وفق ما هو مخطط لها بهدف الحفاظ على السيطرة على المنطقة و”تضييق الخناق على فلول النظام البائد”، وفقًا لوكالة الأنباء الحكومية. ووراء الكواليس، كان عبد الغني يُدير دردشة تيليجرام لقادة الميليشيات والقادة العسكريين الذين نسقوا رد الحكومة على الانتفاضة المؤيدة للأسد، وفقًا لعشرات الرسائل النصية والصوتية المتبادلة بينه وبين قائد كبير من فصيل آخر. كان اسم المستخدم على تيليجرام هو عبد الغني، وأبو أحد هو اسمه الحركي. تواصلت رويترز معه مباشرةً على تيليجرام عبر هذا الاسم. قال لرويترز إن اللجنة المُحققة في عمليات القتل استجوبته، لكنه رفض الإدلاء بمزيد من التعليقات. وأشارت الرسائل إلى مواقع القوات وتحركاتها، بما في ذلك رسالة من عبد الغني عند الجسر المؤدي إلى قرية المُختارية، حيث كانت تُرتكب المجازر.
قال ننار حواتش، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، إن عمليات القتل قوّضت شرعية الحكومة الجديدة لدى السوريين، وخاصةً الأقليات. وأضاف حواتش: “إن نشر وحدات معروفة بعدائها للمجتمعات التي تعتبرها خصومًا، ولها سجل حافل بالانتهاكات، أدى إلى نتائج متوقعة. لقد فشلوا في الوفاء بواجبهم الأساسي في الحماية“. وفي إشارة إلى ضعف سيطرة الحكومة على مقاتليها، واجهت الفصائل المندمجة حديثًا بعضها البعض في شوارع القرى في بعض الأحيان، وفقًا لشهود عيان في ثلاثة مواقع مختلفة، وصفوا جميعًا رؤية أحد الجانبين يحاول حماية المدنيين المذهولين من رجال يرتدون الزي العسكري يحاولون قتلهم.
٧ آذار\مارس
٥٧٨ قتيلاً، ٢٦ جريحاً
يمتد الطريق السريع إم ٤ من البحر الأبيض المتوسط إلى الداخل. ويمتد الطريق إم ١ جنوبًا، موازيًا للساحل قبل أن ينحرف شرقًا قرب لبنان. كانت المجازر التي بدأت قبل فجر السابع من آذار\ مارس قد وقعت في الغالب على هذين الشريانين. العديد من البلدات عبارة عن مجتمعات زراعية، حيث بساتين الحمضيات تغص بالليمون والبرتقال في آذار\مارس، وحقول الخضراوات التي تنمو بغزارة على مدار العام في مناخ البحر الأبيض المتوسط. وتعرضت قرية المختارية، أول قرية على الطريق السريع إم ٤ الذي يربط إدلب واللاذقية، للهجوم حوالي الساعة السادسة صباحًا. وقال ثمانية شهود عيان لرويترز إن مجموعات من الرجال، بينهم كثيرون يرتدون زي جهاز الأمن العام، حطموا الأبواب لإخراج الرجال، ما أجبر بعضهم على الزحف وسحب آخرين بعيدًا. واستمر إطلاق النار حوالي ساعة. بعد انتهاء المجزرة، قُتل ١٥٧ شخصًا – أي ما يقرب من ربع سكان المختارية، وفقًا لقائمة أعدها أحد زعماء المجتمع المحلي، وتحققت منها رويترز مع عدد من السكان الناجين. كان من بينهم ٢٨ فردًا من عائلة عبد الله؛ و١٤ فردًا من عائلة درويش؛ و١١ فردًا من عائلة الجهني، وفقًا للقوائم التي جمعها الناجون وزعماء المجتمع المحلي.وقالت امرأة فقدت والدها وإخوتها: “كانت الرصاصات تنهمر علينا يا أختي. لم نكن نعرف إلى أين نذهب وكيف نهرب“. شاركت امرأة أخرى فقدت ١٧ من أقاربها لقطة من مقطع فيديو تحققت منه رويترز. أشارت إلى كومة من الجثث على الشاشة وقالت: “هذه عائلتي“. وتتبعت سهمًا على الشاشة نحو رجل ميت يرتدي سترة باهتة وأرسلته إلى رويترز: “هذا زوجي”.
قال السكان إنه بسبب عدم وجود رجال لقطاف الموسم، تعفنت أشجار البرتقال. كانت القرى التي شهدت أكبر عدد من عمليات القتل هي تلك التي ينتمي سكانها إلى مجموعة فرعية من العلويين تُسمى الكلازية، وفقًا لعلي ملحم، مؤسس مجموعة السلم المدني السوري، وهي منظمة توثق الانتهاكات وتتوسط في النزاعات. وقال ملحم وأحد الوجهاء العلويين إن عائلة الأسد كانت من العلويين الكلازية، وكذلك العديد من كبار مسؤولي الأمن التابعين للديكتاتور. ومن الأماكن المرتبطة بطائفة الكلازية قرية صنوبر، وهي مجتمع زراعي يبلغ عدد سكانه حوالي خمس عشر ألف نسمة تنتشر منازلهم بين حقول الخضراوات. وقال ثلاثة قرويين لرويترز إن قوة النخبة التابعة لهيئة تحرير الشام، والمعروفة باسم الوحدة ٤٠٠، جاءت إلى الصنوبر في كانون الأول\ ديسمبر، ووعدت بأن تُترك المدينة في سلام تحت القيادة الجديدة. ووصفوا الحياة بأنها متوترة، لكنها محتملة. وفي وقت مبكر من يوم ٧ آذار\ مارس، تجمع رجال الوحدة ٤٠٠ ومئات التعزيزات وبدأوا في القتل. وفي المجمل، ووفقًا لسبعة عشر شاهدًا، شنت تسع فصائل منفصلة هجمات. وأفاد شاب إنه رأى مقاتلي الوحدة ٤٠٠ يطلقون النار أثناء دخولهم منزله. قُتل أحد عشر شخصاً من أقاربه. نجا هو بالاختباء في خزان في الطابق العلوي. ومن بين الفصائل الأخرى التي هاجمت لواء السلطان سليمان شاه، وفقًا للناجين الذين تعرفوا على شارات اللواء. برز اللواء كميليشيا مدعومة من تركيا خلال الحرب الأهلية، وهو خاضع لعقوبات أمريكية منذ عام ٢٠٢٣، واتهمته وزارة الخزانة الأمريكية بـ “المضايقة والاختطاف وغيرها من الانتهاكات”. وقال الجاسم لرويترز إن هذه الادعاءات “مختلقة” ووصف رجاله بأنهم على درجة عالية من الانضباط.ولم يرد المتحدثون باسم جهاز الأمن العام ووزارة الدفاع، التي تشرف على الوحدة ٤٠٠، على أسئلة حول الهجمات. ولم ترد تركيا، عندما طُلب منها التعليق على دور السلطان سليمان شاه والميليشيات الأخرى المدعومة من تركيا في عمليات القتل. لم تُصدر الحكومة التركية أي ردّ علني على عقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على الميليشيات في مايو/أيار. وثمة فيديو سيلفي من الصنوبر، يصور فيه مقاتل يرتدي زيًا عسكريًا جثثًا ويعلن: “سليمان شاه هزم فلول النظام السابق. الله أكبر والحمد لله“. ثم تنتقل الكاميرا إلى ١١ رجلاً أعزل بملابس مدنية، جثثهم ملقاة على إحدى أخصب الأراضي السورية، وقد غطتها الدماء. من بين القتلى المصورين فني دراجات نارية، وطالبان، ومزارعان، وشرطي مُعفى عنه، وفقًا لأقارب المتوفين الذين عرّفوا عنهم بالاسم.
نفى الجاسم، قائد فرقة السلطان سليمان شاه، مسؤولية رجاله عن عمليات القتل في أي من القرى التي دخلوها. وقال لرويترز: “بصفتي قائد وحدة عسكرية، أعلم أن أي أمر يجب إطاعته بالكامل. تُنفذ الأوامر حرفيًا، لا أكثر ولا أقل”.
في نيسان\أبريل، نفت الميليشيا – التي أُعيدت تسميتها آنذاك باسم الفرقة ٦٢ في الجيش السوري أن يكون الرجل الذي صوّر الفيديو علاقة له بفرقة السلطان سليمان شاه، واتهمته بانتحال شخصية مقاتل “لتشويه سمعة الفرقة وتشويه سجلها”. لم تتمكن رويترز من التأكد من هوية الرجل أو انتمائه بشكل مستقل. وعرّفت مجموعة أخرى نفسها على أنها مقاتلون في ميليشيا جيش الإسلام. نشر المسؤول الإعلامي في جيش الإسلام صورًا على فيسبوك لمقاتلين متجهين إلى الساحل في٧ آذار\مارس. كما نشر نسخة من وثيقة عفو زعم أنها عُثر عليها مع جثة شرطي من عهد الأسد، مشيرةً إلى أن القتيل قد نكث بالتعهد الذي وقّعه بعدم حمل السلاح ضد الحكومة الجديدة. وكتب حمزة بيرقدار، المسؤول الإعلامي، قائلاً: “لا أمان ولا استقرار في بلدنا إلا بتطهيرها منهم”. وحصد المنشور ١٦٠ إعجابًا. وقالت امرأة من الصنوبر لرويترز إن المقاتلين استولوا على غرفة معيشتها. وسألها أحدهم: “هل تعرفين من نحن؟” فأجابت: “أنتم الجيش!“ وأضافت: “لا، قالوا لها. نحن جهاديون من جيش الإسلام. جئنا لنعلمكم الإسلام”.
لم يستجب المسؤول الإعلامي بيرقدار وجيش الإسلام لطلبات التعليق على أعمال العنف.
وفي المجمل، قُتل ٢٣٦ من سكان الصنوبر، وفقًا لقوائم راجعتها رويترز وتحققت منها مع العديد من السكان. كان معظمهم شبانًا، تتراوح أعمارهم بين١٦ و٤٠ عامًا. وكان من بين المصابين امرأة حامل أجهضت لكنها نجت من جروحها الناجمة عن طلقات نارية. وقالت إحدى الأمهات الشابات إن زوجها كان عند جاره عندما حُطم بابها. صعد المسلحون إلى الطابق العلوي وبدأوا بتحطيم الأثاث بحثًا عنه. قالت إن المجموعة غادرت وحل محلها فصيل آخر. ثم جاء فصيل ثالث، احتضن قائده أطفالها ووعدهم بالنجاة. أطلق فصيل رابع النار على المبنى. وصلت مجموعة خامسة من المقاتلين، يرتدون عصابات رأس خضراء، برفقة مترجم. لم يكونوا يتحدثون العربية، فلم تتعرف على لغتهم.قالت: “جاء ثلاثة مسلحين ووجهوا بنادقهم إلى رأسي”. قالوا لها: “أنتم خنازير علوية. تستحقون ما يحدث لكم. إذا بكيتم، سنقتلكم بالرصاص، وستكون جثتكم فوق الجثث الأخرى”.
قالت إنها طوال الوقت كانت تحاول عبثًا الوصول إلى زوجها. بعد غروب الشمس، خرجت المرأة فوجدته ملقى على الأرض، مصابًا برصاصات في عينيه وقلبه. قال شهود عيان إن المقاتلين سرقوا طعام الإفطار في رمضان، واحتفلوا في الخارج بينما كانت النساء المذعورات ينظرن من النوافذ. أظهرت صورة من الصنوبر، أكدها علويان ناجيان من البلدة، رسالة مكتوبة بخط اليد على جدار أحد المنازل: ”خبرناكم كونو أقليات قمتو صرتو نوادر”.
٨ آذار\ مارس
٨٢٨ قتيلًا، ١٠ مواقع
بلغ عدد أول مجموعة من المسلحين الذين وصلوا يوم السبت إلى بلدة الرصافة حوالي اثني عشر شخصًا. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحًا بقليل. كان بعضهم يرتدي زيًا عسكريًا أسود وأحذية رياضية. وكان السكان محاصرين في الداخل منذ اليوم السابق، عندما أقام موكب حكومي مؤلف من حوالي خمسين مركبة ودبابة، مواقع حول القرية، وقطع الكهرباء وبدأ بإطلاق النار، أحيانًا على الناس وأحيانًا عشوائيًا.
الآن، يوم السبت، بدت هذه المجموعة الجديدة من المقاتلين غير راضية عندما ألقت نظرة خاطفة على منزل عائلة سعد. قالت غادة علي: “أمروا الأولاد بالاستلقاء على الأرض، وهو ما فعلوه. ثم جرّوهم إلى الخارج”. كانت عاجزةً حين شاهدتهم يدوسون على جثة صالح، أصغر أبنائها، البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، وكان مُلقىً على الأرض. قالت: “أمروهم بالعواء كالكلاب أثناء تصويرهم”. بعد برهة، أرسلوا صالح إلى والدته، ثم سألها أحد المقاتلين عن سبب بكائها. أجابت: “أريد أولادي”. قالت لها: “أعدنا إليكِ واحدًا”. أما بالنسبة لابنها الأكبر، سليمان رشيد، البالغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، فقد قالوا إنه ربما سيعود قريبًا. بدلًا من ذلك، تلقى والده رشيد سعد مكالمة هاتفية. قالوا له: “قتلناه وانتزعنا قلبه. تعالَ واحصل على ابنك قبل أن تأكله الكلاب“. أخذ سعد وشقيقه، اللذان فقدا أربعة أبناء في ذلك اليوم، بطانيات وطلبا من صالح المساعدة. قال سعد إنهم حملوا الجثث الخمس إلى منازلهم، ودفنوها النساء في الحديقة. قال أحد الوجهاء إن المهاجمين عرّفوا عن أنفسهم بأنهم من فصائل حمزة، والسلطان سليمان شاه، وجيش العزة. ورفض ممثلو حمزة وجيش العزة التعليق على أعمال العنف في البلدة. ونفى الجاسم وجود رجاله في الرصافة.
في المجمل، قُتل ستون علويًا في الرصافة، وفقًا لقوائم اطلعت عليها رويترز. وكان أصغرهم طفلًا في الرابعة من عمره. وكما حدث في الصنوبر، قال الناجون إن المهاجمين تركوا رسالة على الجدران: “مرّ رجال السنة من هنا. جئنا لنسفك دماءكم“.
قرب الساحل، شعر سكان قرية قرفيص باليأس. يعود اسم البلدة إلى اسم الشيخ المدفون في المقام ذي القبة البيضاء في مركزها أحمد قرفيص، وهو شخصية دينية علوية مبجلة. تمركزت قوات من لواء عثمان، إلى جانب الوحدة ٤٠٠، في القرية بعد سقوط الأسد، وفقًا لناجين اثنين وشخص له أقارب هناك. يوم الجمعة، ومع انتشار أنباء المجازر في المنطقة، اختار القرويون أربعة من الوجهاء للتوسط مع مقاتلي لواء عثمان. جلسوا في نصف دائرة على شرفة مزرعة خارج قرفيص، وحاول القرويون إقناع المقاتلين بأن البلدة لا تؤوي أي مؤيدين للأسد، وأنه لا داعي لهم للبقاء والقتال. قال شخص مطلع على المحادثات: “أصروا على البقاء، لأنهم قالوا إن هناك خطة جاهزة”. دوى صوت أسلحة آلية ومدافع مضادة للطائرات في البعيد. غادر المقاتلون والوسطاء المزرعة عائدين إلى القرية. وبينما كانوا يتحدثون، قُتل ستة رجال بالرصاص هناك، وتناثرت جثثهم في ساحة الضريح وعلى درجه، وفقًا لشاهدين. لم تستجب وزارة الدفاع، التي تشرف بشكل مباشر على لواء عثمان والوحدة ٤٠٠، لطلبات التعليق على عمليات القتل في الرصافة وقرفيص.قال أحد الشهود: “لم يكن أيٌّ من هؤلاء الرجال يحمل سلاحًا، ولم يكن أيٌّ منهم منتميًا للجيش السابق. كان أحدهم مختلًا عقليًا“. وقال الشاهد الآخر، الذي كان من بين المصابين، إن حوالي ٥٠ مصليًا تعرضوا للضرب داخل المرقد.ومع ذلك، شعروا وكأنهم ربما نجوا من الموت الجماعي الذي سمعوا عنه في مكان آخر. وقال الشهود إنهم أدركوا صباح السبت أنهم كانوا مخطئين. وصل موكب جديد من ٨٠ مركبة. أطلق أحدهم النار في الهواء مرة واحدة، ثم، كما لو كانوا ينتظرون إشارة، فتح أفراد الميليشيا النار. وبلغ إجمالي عدد القتلى ٢٣ شخصًا على مدار يومين، وفقًا لصور القتلى التي اطلعت عليها رويترز. واستمرت أعمال النهب بينما كانت قرفيص في حدادها، كما قال الشاهد الذي تعرض للضرب داخل المرقد. وقال الرجل إن شقيقه قُتل وإن أحد رجال الوحدة ٤٠٠ أخبره أن البكاء ممنوع، وأن القرية يجب أن تكون شاكرة لمجرد السماح لها بدفن موتاها.
قال الرجل: “لم أستطع البكاء”. “لم أملك الشجاعة للبكاء.”
٩ آذار\مارس
٧٤ قتيلاً،٤ مواقع
بحلول يوم الأحد، كانت عمليات القتل المسعورة قد خفت حدتها. حان وقت دفن الموتى، بخوف وفي سرية تامة في كثير من الأحيان. ولمدة ٤٨ ساعة أو أكثر، وقفت نساء علويات ثكالى يحرسن جثث الآباء والإخوة والأزواج والأبناء. لم تكتشف العديد من العائلات حجم العنف إلا عندما خرجت إلى شوارع تفوح منها رائحة الموت، أو حاولت إبعاد الكلاب التي كانت تمزق الجثث. وفي بانياس، بالقرب من المكان الذي أشعل فيه هجوم قوات الأسد على الحاجز عمليات القتل الانتقامية، كان هناك ٢٥٣ جثة لدفنها، وفقًا لقوائم القتلى التي أُرسلت إلى رويترز. وفي بلدة جبلة، بلغ عدد القتلى ٧٧ علويًا، وفقًا لـ٣٠ فردًا من أفراد الأسرة. استُهدفت البلدة من قِبل الوحدة ٤٠٠ ولواء عثمان، إلى جانب السلطان سليمان شاه وحمزة والحزب الإسلامي التركستاني، المكون من الأويغور ومقاتلين أجانب آخرين، وفقًا لستة شهود ومسؤول أمني واحد في جبلة. وقال قائد سليمان شاه، الجاسم، إن رجاله دخلوا جبلة وغادروا لأنهم رأوا “انتهاكات كثيرة” ولم يرغبوا في تحمل مسؤولية عمليات قتل لم يقوموا بها. لم يُجب ممثلو القوات الأخرى على الأسئلة. وأظهرت محادثة تيليجرام أن المتحدث باسم وزارة الدفاع، عبد الغني، قد أُبلغ عن “انتهاكات” في جبلة. وكان رده في المحادثة: “جزاكم الله خيرًا“. وقال العديد من الناجين، وخاصة في بانياس، إن لديهم جيرانًا سنة هرّبوهم إلى بر الأمان أو حاولوا حمايتهم. وفي جبلة، تدخلت جارة سنية للمساعدة في إخلاء زوج رشا غصن المصاب بجروح قاتلة، رغم اعتراضات عنصرين من جهاز الأمن العام. بمساعدة جارتها، وافقت سيارة إسعاف على نقل زوج غصن إلى اللاذقية، لكن الأطباء هناك لم يتمكنوا من إنعاشه. وقالت غصن، وهي تقف بجانب الجثة في المشرحة المكتظة، إن ضابطًا في جهاز الأمن العام مسؤولاً عن سجلات الوفيات رفض إصدار وثيقة لشخص علوي. وتتذكر قائلةً: “قال: كافر!” ثم ابتعد. ارتجفت ساقاها ويداها وهي تروي محنتها. وكما هو الحال مع معظم ضحايا المجزرة، لا تزال شهادة وفاة زوج غصن مفقودة.
العواقب
أُخليت العديد من القرى والأحياء العلوية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة بعد الهجمات، وخيم سكانها بالآلاف في قاعدة روسية قريبة خوفًا من مجازر جديدة. ولا يزال استهداف العلويين مستمرًا حتى يومنا هذا. ففي الفترة الواقعة ما بين ١٠ أيار\مايو و٤ حزيران\يونيو، قُتل ٢٠ علويًا رميًا بالرصاص في محافظتي اللاذقية وحماة، وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان. ولم تُحدد هوية الجناة. وأبلغت السلطات الأمم المتحدة باعتقال العشرات من الجناة المزعومين، وفقًا لباولو سيرجيو بينيرو، رئيس لجنة سوريا التابعة للمنظمة الدولية، في تقريره المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في ٢٧ حزيران\يونيو. ومع ذلك، لم تُوجّه اتهامات لأحد في وفيات العلويين التي وقعت في آذار\مارس. ولم تُعلن الحكومة بعد عن عدد القتلى، وقالت الأمم المتحدة إن عدد القتلى الذي أعلنته والبالغ ١١١ قتيلًا أقل من العدد الحقيقي. وفي كانون الأول\ديسمبر، وقبل ثلاثة أشهر من عمليات القتل في المناطق الساحلية، أصدر الرئيس الشرع سلسلة من الترقيات سعياً لتوحيد الجيش. ومن بين الذين رُقّوا، قائد جيش الإسلام، وقائد السلطان سليمان شاه، الجاسم، الذي ارتقى إلى رتبة عميد بقيادة وحدة رسمية في الجيش السوري. ورُقّي قائد الوحدة ٤٠٠، أبو الخير تفتناز، في كانون الأول\ديسمبر إلى رتبة عميد، ثم رُقّي مرة أخرى في حزيران\يونيو، وهو الآن برتبة لواء، وفقاً لبيانات وزارة الدفاع. وتولى مسؤولية محافظتي اللاذقية وطرطوس، وفقاً لأحد مقاتلي الوحدة ٤٠٠. ورُقّي سيف بولاد أبو بكر، قائد فرقة حمزة المدعومة من تركيا، إلى رتبة عميد بعد عمليات القتل، وفقاً لحسابه على تويتر. أما الحزب الإسلامي التركستاني، وهو ميليشيا تضمّ عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب، والذي كشفت رويترز عن تورط مقاتليه في العديد من الهجمات، فقد دُمِج بالكامل في الجيش في أيار\مايو. كان قائدها من بين الذين رُقّوا في ديسمبر. في ٣٠ أيار\مايو، أصدرت وزارة الدفاع مدونة سلوك تحظر الإساءة إلى المدنيين، والتمييز ضدهم، وإساءة استخدام السلطة. ولم تُعلّق الوزارة على الترقيات أو على الصلات المزعومة بين وحدات القادة وعمليات القتل.
يُعدّ استهداف المدنيين عمدًا جريمةً بموجب القانون الإنساني الدولي، ويُعتبر الضباط الذين يفشلون في منع هذه الهجمات أو معاقبة مرتكبيها مسؤولين بموجب مبدأ مسؤولية القيادة.
تُمثّل قرية أرزة تذكيرًا قاتمًا بدائرة الانتقام التي لم تُعالجها الحكومة بعد. استخدم الأسد أرزة كنقطة انطلاق لمهاجمة المجتمعات المتمردة، مثل قرية خطاب المجاورة عام ٢٠١٣. وكان قليلٌ من العشائر أكثر تأييدًا للأسد من آل سليمان. كانوا يُشكّلون ربع الميليشيا الموالية للأسد والبالغ عددها ٩٠ فردًا من أرزة، والتي اشتهرت بمداهمة خطاب قبل أكثر من عقد لاعتقال المتمردين. وفي ٧ آذار\مارس، قاد رجال من خطاب هجومًا على أرزة أسفر عن مقتل ٢٣ شخصًا، بينهم أفراد من عشيرة السليمان، ودفع سكان البلدة المتبقين البالغ عددهم ١٢٠٠ نسمة إلى الفرار، وفقًا لأربعة سكان سابقين ومقطعي فيديو تحققت منهما رويترز. قال الشهود الأربعة لرويترز إن رجال خطاب أحضروا الضحايا إلى الساحة الرئيسية وسألوا قائدهم، أبو جابر الخطابي: “ما رأيك يا شيخ؟”. قالوا إنه إذا ردّ “الله أكبر” – وهو ما كان يفعله في كل حالة تقريبًا – تُطلق النار على الضحية. وقال الخطابي لرويترز: “جميعهم مجرمون. إنها أشبه بالعدالة الإلهية المطلقة. كما شرّدتمونا، سنشردكم، وكما قتلتمونا، ستُقتلون”.
عندما سُئل عن دوره في عمليات القتل ذلك اليوم، أقرّ بأنه كان في أرزة، لكنه نفى إصدار أوامر بالقتل. استولى المهاجمون على المنازل المهجورة. وقال الخطابي إن أرزة لم تعد موجودة. ونشر على فيسبوك صورة للافتة القرية الجديدة: “خطاب الجديدة“.
إحصاء القتلى
كشف تحقيق أجرته رويترز تفاصيل مجازر ٧-٩ آذار\مارس التي استهدفت العلويين السوريين على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، متتبعًا سلسلة قيادية تمتد من المهاجمين مباشرةً إلى رجال يخدمون إلى جانب قادة سوريا الجدد في دمشق. وخلص التحقيق إلى مقتل ١٤٧٩ علويًا سوريًا واختفاء العشرات في٤٠ موقعًا مختلفًا شهدوا عمليات قتل انتقامية، وهجمات، ونهبًا ضد الأقلية الدينية، المرتبطة بحكومة الأسد. وأحصت رويترز القتلى من خلال جمع قوائم محلية بأسماء الضحايا، العديد منها مكتوب بخط اليد، من قادة المجتمع المحلي وعائلاتهم. كما جمع القرويون صورًا وتفاصيل شخصية عن الضحايا. وفي كل قائمة، مكتوبة باللغة العربية، قارنت رويترز الأسماء مع نشطاء إما في القرية المعنية، أو يديرون صفحات على فيسبوك، أو في الشتات، ولديهم أقارب في المناطق التي تعرضت للهجوم.
المختارية: ساعة من القتل و١٥٧ قتيلاً
تظهر الشروح على قوائم القتلى بعضًا من قتلى قرية المختارية البالغ عددهم ١٥٧ قتيلاً. إجمالاً، قُتل ما يقرب من ربع سكان القرية. وفقدت بعض العائلات كل ذكر بالغ تقريبًا، وتركت جثث القتلى المثقوبة بالرصاص في الشوارع لتنقلها العائلات وتدفنها في مقابر جماعية.
من كل موقع مجزرة، جمعت رويترز أيضًا صورًا للضحايا، وصورًا ومواقع مقابر جماعية. في ١١ آذار\مارس، قالت الأمم المتحدة إنها أحصت ١١١ حالة وفاة، لكنها أقرت بأن العدد أقل من العدد الحقيقي. ولم تُحدّث إحصاءاتها عن القتلى منذ ذلك الحين. وأظهر أحدث إحصاء من الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مجموعة مراقبة مستقلة، مقتل ١٦٦٢ شخصًا. وأضافت أن ١٢١٧ شخصًا من هذا العدد الإجمالي قُتلوا على يد القوات الحكومية والجماعات المسلحة، بينما قُتل ٤٤٥ على يد مقاتلين موالين للأسد. ومن بين الـ٤٤٥، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن حوالي النصف من المدنيين والنصف الآخر من القوات الحكومية. ولم توضح الشبكة السورية لحقوق الإنسان كيف تأكدت من هوية الجناة. ولم تتمكن رويترز من تأكيد عدد القتلى العلويين الذين قتلهم الموالون للأسد، أو عدد القتلى من القوات الحكومية، وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان. وفي ١٧ آذار\مارس، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو منظمة مجتمع مدني أخرى، إنه أحصى ١٥٥٧ قتيلاً مدنياً، لكنه لم يُفصّل كيفية التوصل إلى هذا الرقم. كما أحصى المرصد ٢٧٣ قتيلاً من القوات الحكومية و٢٥٩ من المسلحين العلويين التابعين للقوات الموالية للأسد. وصرح الرئيس الشرع بمقتل٢٠٠ من القوات الحكومية. ولم تُصدر الحكومة إحصاءً للقتلى من المدنيين العلويين.
الفصائل التي تقف وراء عمليات القتل
في ٢٩ كانون الثاني\يناير، اجتمع أحمد الشرع وأكثر من ١٢ قائدًا آخراً من الفصائل المسلحة التي وحدت صفوفها للإطاحة ببشار الأسد في القصر الرئاسي بدمشق، في استعراض للوحدة بين رجال قاتلوا بعضهم بعضًا تقريبًا بقدر ما قاتلوا الأسد. عُيّن الشرع رئيسًا، وألغى الدستور، وحلَّ جيش حكومة الأسد وأجهزتها الأمنية. وقال: “شمس سوريا الجديدة تشرق”.
حصل كل قائد على فرقة عسكرية ورتبة، وتعهدوا بدمج فصائلهم في الجيش السوري الجديد. نظريًا، حلّ الشرع ميليشياته، المعروفة سابقًا باسم هيئة تحرير الشام، والتي كانت تُعرف سابقًا باسم فرع تنظيم القاعدة في سوريا، والمعروف باسم جبهة النصرة.
كانت الانتفاضة المؤيدة للأسد في أوائل آذار\مارس في المناطق الساحلية السورية أول اختبار لهذه الوحدة الهشة.بعد ساعات قليلة من بدء التمرد، استدعت الحكومة الجديدة تعزيزات لدحر انتفاضة فلول نظام الأسد، المعروفة بـ”الفلول”. وتدفقت عشرات الآلاف من المركبات والمقاتلين والأسلحة على الساحل. وقسمت وزارة الدفاع الساحل إلى قطاعات، ووضعتها تحت قيادة مسؤول رفيع المستوى لتنسيق التحركات والمواقع، وفقًا لثلاثة مصادر أمنية، من بينها محمد الجاسم، قائد لواء السلطان سليمان شاه، المعروف أيضًا باسم العمشات.
تورطت خمس مجموعات رئيسة في عمليات القتل الجماعي في البلدات والأحياء العلوية، والتي تعرض العديد منها لقصف من قبل مجموعات متعددة على مدار ثلاثة أيام:
وحدات هيئة تحرير الشام
تشمل الوحدة ٤٠٠، ولواء عثمان، وهيئتها الرئيسة لإنفاذ القانون، والمعروفة باسم جهاز الأمن العام. وقد اكتشفت رويترز تورطهم في ١٠ مواقع على الأقل، حيث قُتل ما يقرب من ٩٠٠ شخص.
قبل سقوط الأسد، كان جهاز الأمن العام هو الذراع الرئيس لإنفاذ القانون لهيئة تحرير الشام في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرتها. وهو الآن جزء من وزارة الداخلية السورية. في عام ٢٠٢٠، وصفت الأمم المتحدة تقارير “مقلقة للغاية” عن عمليات إعدام وانتهاكات على أيدي سلطات إنفاذ القانون التابعة لهيئة تحرير الشام. وثقت هيومن رايتس ووتش كيف قتلت هيئة تحرير الشام، المعروفة آنذاك باسم جبهة النصرة، ١٤٩ علويًا في عمليات إعدام بإجراءات موجزة في اللاذقية عام ٢٠١٣. وورد ذكر الوحدة ٤٠٠ في عدد قليل من المنشورات على الإنترنت، ولا يوجد أي منها من حسابات حكومية سورية رسمية. نُشر العديد منها في أوائل كانون الأول\ديسمبر، باستخدام لغة متطابقة، حيث تم نشر مقاتلي الوحدة ٤٠٠ في غرب سوريا. تصف المنشورات الوحدة ٤٠٠ بأنها “من أقوى الوحدات” في هيئة تحرير الشام، حيث تلقت “تدريبًا عالي المستوى ومجهزة بأحدث الأسلحة“. نُقلت الوحدة ٤٠٠ إلى المناطق الساحلية بعد سقوط الأسد، وفقًا لشهود عيان متعددين وأحد أفراد الوحدة. وقال مصدر استخباراتي أجنبي إن الوحدة أقامت مقرها في الأكاديمية البحرية السورية السابقة، ولا تخضع إلا لأعلى مستويات وزارة الدفاع.
الميليشيات المدعومة من تركيا
على مدار العقد الماضي، شنت تركيا عمليات توغل عسكرية في سوريا، ودعمت المتمردين هناك لمعارضة كل من الأسد والقوات الكردية التي تعتبرها تهديدًا. كانت هذه الفصائل جزءًا من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، وهو ثاني أكبر تحالف معارض في سوريا. ولفصائل الجيش الوطني السوري سجل حافل بعمليات الاختطاف والعنف الجنسي والنهب على نطاق واسع، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى. ومن بين الجماعات التي دعمتها تركيا خلال الحرب الأهلية لواء السلطان سليمان شاه وفرقة حمزة. وفي عمليات قتل العلويين، كشفت رويترز عن تورط هاتين الجماعتين في ثمانية مواقع مختلفة على الأقل، قُتل فيها ما يقرب من٧٠٠ شخص.وكتب أحد عناصر الميليشيات التابعة لفرقة السلطان سليمان شاه على صفحته على فيسبوك: “أطفئوا الكاميرات. اقتلوا كل ذكر. دماؤهم قذرة كالخنازير”.
الفصائل السنية
تشمل هذه الفصائل قوات جيش الإسلام، وجيش الأحرار، وجيش العزة المناهضة للأسد. وقد كشفت رويترز عن تواجدها في أربعة مواقع على الأقل، قُتل فيها ما يقرب من ٣٥٠ شخصًا. وفي عام ٢٠١٣، أسر جيش الإسلام عددًا من النساء والرجال العلويين، ووضعهم في أقفاص معدنية كبيرة لاستخدامهم كدروع بشرية في وجه الغارات الجوية السورية والروسية في دمشق. كما تُحمّل جماعات حقوق الإنسان الجماعة مسؤولية اختفاء نشطاء بارزين خلال الثورة.
مقاتلون أجانب
من بينهم الحزب الإسلامي التركستاني، والأوزبك، والشيشان، وبعض المقاتلين العرب في ستة مواقع، حيث وجدت رويترز أن ما يقرب من ٥٠٠ شخص قُتلوا.
مدنيون سُنة مسلحون
دفعت المرارة الطائفية الناجمة عن سنوات من الحرب الأهلية وانتهاكات الأسد الناس إلى مهاجمة قرى وأحياء مجاورة يسكنها العلويون. ووجدت رويترز أن الموقعين الرئيسيين لهذه المجازر الانتقامية هما قرية أرزة ومدينة بانياس، حيث قُتل ما مجموعه ٣٠٠ شخص.
ملاحظة المحرر: تم تحديث عدد ضحايا العنف في تقرير إحصاء القتلى في الفقرة ٦ ليعكس المعلومات الجديدة من الشبكة السورية لحقوق الإنسان المقدمة بعد النشر.
تقرير: ماغي مايكل. تقرير إضافي: فراس دالاتي. تحقق من الفيديو: بولا جرزانكا، إليانور والي، وإيناكي مالفيدو. تصميم: كاثرين تاي. تحرير الصور: سيمون نيومان. تحرير الفيديو: إيما جيلي، ميلان بافيتشيك، وهولي مورثا. تحرير: لوري هينانت.
by سالي موسى | Jun 12, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
شكّل سقوط النظام السوري لحظة انعتاق سياسي كبيرة؛ لقد كان بمثابة مرآة عاكسة لانهيارٍ طويل الأمد في معنى الدولة ومفهوم الجماعة. انكشفت البلاد على تيهٍ سياسي لم يصنعه الحدث وحده، بل راكمته سنوات القمع، حتى بات غياب السياسة هو السياسة، وغياب العقد هو قاعدة العيش. انحسرت مشاغل السوريين، بعد زوال القبضة المركزية، إلى تفاصيل عابرة، بعيداً عن صياغة مشروع وطني جامع. راحوا يتقاذفون التهم كمن يتنازع على ظل وطن منهار: “أنتم من دمّر”، “نحن من خُذل”. ومع كل تبادل للاتهام، كانت فكرة الـ”نحن” الوطنية تتآكل، ويصعد من تحتها طيف الطائفة، والعشيرة، والجهة، والنجاة الفردية.
وكلّ ذلك كان نتيجة لطبيعة الدولة التي حكمتهم، والتي لم تشكّل يوماً عقداً جامعاً، بل كانت منظومة أمنية محكومة بمنطق الشكّ والسيطرة. في صيغتها العميقة، لم تُبنَ الدولة السورية على المواطنة، كما رأينا، بل على الإذعان: صمتٌ مقابل الأمان، طاعةٌ مقابل البقاء، وذاكرة معلّقة مقابل النجاة. وما كان يُروّج له كهوية وطنية، لم يكن أكثر من قناع هشّ، يخفي تحته نظام فرز اجتماعي قائماً على الولاء وتوزيع الخوف.
في هذا السياق، بدا أن النظام السوري السابق لم يطبق نظرية “هوبز”، بل انقلب عليها. فهوبز تخيّل العقد كوسيلة لخروج الإنسان من حالة الطبيعة، من الخوف المطلق إلى سلطة تحفظ الحياة. أما في سورية، فكانت السلطة هي من يُدير الخوف، ويُعيد إنتاجه، ويُحوّله إلى نظام حكم. تحوّل العقد من أداة لدرء الفوضى إلى وسيلة لتأبيدها، ومن أفق لتنظيم الجماعة إلى شبكة تُخضِع المجتمع باسم حفظ الدولة. وإذا كان “هوبز” قد افترض أن السيادة هدفها الحياة، فقد جعلها النظام أداة لحصارها.
وحين انفجرت الثورة السورية (مارس / آذار 2011)، لم يكن الناس يثورون ضد عقد اجتماعي هشّ، بل يطالبون بكتابته لأول مرة. إلا أن غياب هذا العقد، الذي كان مستتراً بقوة القمع، ظهر فجأة كفجوة لا تسد. يوم سقط نظام الأسد لم تنهض بدائل سياسية، بل تصدّعت البلاد على وقع الولاءات القديمة، وتحوّل الغياب إلى تشظٍّ في كل الاتجاهات. لم تسقط دولة، بل سقط معها التصوّر عن إمكانية الاجتماع نفسه.
في هذا الفراغ المفتوح على كل الاحتمالات، جاءت المراسيم الانتقالية كإشارات لبداية ما يُفترض أنه مسار عدالة ومصالحة وطنية. لكنها، وقد فُرضت من أعلى ومن خارج أي تعاقد مجتمعي حقيقي، سرعان ما بدت محكومة بمنطق الانتقاء، أكثر من سعيها إلى تحقيق عدالة شاملة. وهنا تتبدّى الإشكالية الأعمق: هل يمكن لعدالة انتقالية يشوبها عيب الانتقاء، أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد؟ أم أنها، بهذا العيب البنيوي، تتحوّل إلى أداة ناعمة لإعادة تدوير عقد الطاعة القديم، وإلباسه لغة قانونية خالية من الروح؟
من الناحية الشكلية، بدت هذه المراسيم كمحاولة للاعتراف بمرحلة ما بعد الانهيار، وكإشارة رمزية إلى نية معالجة إرث الانتهاكات. لكنها، في جوهرها، لم تكن أكثر من محاولة لإدارة الفراغ لا لملئه، ولم تأتِ في إطار تعاقدي حقيقي أو برؤية جامعة. لقد كُتبت من خارج المجتمع، وبقيت أسيرة لما تسمح به البُنية الجديدة، لا لما تتطلبه الحاجة التأسيسية لإعادة بناء المعنى الوطني المشترك.
مرسوم “هيئة العدالة الانتقالية” (رقم 19 لعام 2025) وُلد بلا صلاحيات تنفيذية واضحة، ولا ضمانات استقلال عن مراكز القوى الجديدة. أما مرسوم “هيئة المفقودين” (رقم 20)، فقد اكتفى بتسجيل البيانات الإدارية، دون التزام فعلي بكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا أو محاسبة الجناة. غابت في هذه المراسيم آليات المشاركة، والإقرار بمسؤولية الدولة السابقة، وخارطة الطريق التي يمكن أن تعيد الاعتبار للعدالة كمطلب وطني لا كهيكل إداري.
وما يزيد هذا الغموض أخلاقياً وخطورة سياسية، هو أن هذه المراسيم تجاهلت ضحايا فاعلين آخرين، كالذين سقطوا على يد تنظيم داعش، أو اختفوا في مناطق خارجة عن سيطرة النظام. هذا الإقصاء ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يشكّل بذرة تفكك إضافية: فعندما تُقصى جماعات بأكملها من مسار العدالة، ويُترك ألمها في الظل، فإنها لا تندمج في مشروع الدولة، بل تتكتل خارجها. تتكوّن حينها ذاكرة مظلومية موازية، قابلة للاستثمار في منطق الثأر أو الانعزال، أو حتى الرفض التام لفكرة التعايش تحت مظلة عقد لم يعترف بها، ولم يحتسبها كطرف فيه.
إن تجاهل هذه الشرائح من الضحايا لا يعمّق الانقسام فحسب، بل يُهدد كل إمكانية لبناء وطن يضم الجميع. العدالة الانتقائية لا تصالح أحداً، بل تُراكم مشاعر الغبن، وتحوّلها إلى قنابل اجتماعية مؤجلة. فالعدالة، كي تؤسس لعقد جديد، يجب أن تكون شاملة، لا في إجراءاتها فقط، بل في رؤيتها لسوريا كوطن تعددي، جُرحه موحّد، وإن اختلفت الأيدي التي أصابته.
لكن خطورة الانتقاء لا تقف عند حدود من تم إسقاطهم من سجل الضحايا، بل تمتد إلى الفاعلين الرماديين الذين ظلّوا عالقين بين خانة الجاني والمجني عليه. هؤلاء الذين لم يطلقوا النار، لكنهم سكتوا حين أُطلق، أو شاركوا في إدارة الحياة اليومية تحت سلطات أمر واقع، أو غلّفوا الصمت بالخوف، والتواطؤ بالحكمة، والنجاة بالبراغماتية. لم تكن خياراتهم بالضرورة خيانة، لكنها كانت فعلاً سياسياً من نوعٍ مختلف، لا يعترف به خطاب العدالة الكلاسيكي.
يغدو اختزال العدالة في المحاكم والقوانين ضرباً من السطحية. في سورية، كانت الجريمة متغلغلة في النسيج السياسي والاجتماعي، لا فقط في غرف التحقيق. لذا فإن أي مشروع للعدالة في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن يتجاوز التعويضات والمحاسبة، ليمسّ الجرح الأعمق: أزمة الثقة، وتفكك العقد الاجتماعي، وغياب المساحة المشتركة التي يمكن أن تلمّ شتات السوريين. إنّ مواجهة النظام السابق لا تبدأ وتنتهي في المحاكم، بل في قاعات الذاكرة، في الحقول التي مات فيها الأبرياء بصمت، في الحارات التي تحوّلت إلى خطوط تماس، وفي بيوت الناجين الذين لم يجدوا من يسمعهم. لهذا، لا يكفي أن تصدر مراسيم “تنظيمية” لتكون لنا عدالة، بل نحتاج إلى شجاعة ثقافية لطرح السؤال المؤلم: “من نحن بعد كل هذا الألم؟ وما الذي يجعل منا شعباً قادراً على العيش معاً من جديد؟”
وإن كانت العدالة الانتقالية تتموضع غالباً في أروقة المحاكم، فإن العدالة التصالحية تُبنى في المجتمع، بين الناس، بالاعتراف والمواجهة وإشراك أهالي الضحايا أنفسهم. من دون ذلك، لا يمكن لمجتمع أن يُشفى، ولا أن يطوي صفحة الماضي دون الوقوع في منطق الثأر أو الإنكار. على الأقل، لا بد من طرح رمزي من هنا تأتي الحاجة إلى مساحات رمزية-أخلاقية”، مستوحاة من تجربة “الغاشاشا” تلك المحاكم الشعبية التي سمحت للقاتل والناجي بالجلوس في المكان ذاته في رواندا، ولكن بما يتناسب مع السياق السوري. ليست هذه محاكم جنائية، بل فضاءات تُحاكم فيها الذاكرة الصامتة.
إن ما تبقّى من العقد الاجتماعي في سورية ليس سوى أطلال شرعية لم تُبنَ قط، و إرث ثقيل من الخضوع المغلّف بلغة الدولة. ومع ذلك، لا تزال إمكانات العقد قائمة، وإن كانت مشروطة. فالعقد، ليس نموذجاً مستورَداً من التجربة الأوروبية، إنه ديناميكية تفاوضية تُبنى بتراكم الاعتراف، وبنبذ العنف، وبتطوير شرعية مكتسبة لا مفروضة. الشرط الأول لذلك هو الانتقال من منطق القسر إلى منطق التعاقد؛ من احتكار السياسة إلى تعميمها كحيز عمومي مفتوح. وهذا لا يتم عبر نصوص فوقية، بل بإعادة هندسة الثقافة السياسية ذاتها، لتكون ثقافة الاختلاف والمصلحة العامة، لا ثقافة الاصطفاف والارتهان.
كما تبرز العدالة الانتقالية كحقلٍ حاسم في هذا التحوّل: فهي مسار لتسوية انتهاكات الماضي، ولحظة تأسيس ثقافي وأخلاقي تُختبر فيها قدرة المجتمع على مغادرة ثقافة العنف نحو ثقافة التفاوض. فإن بقيت العدالة انتقائية، تُدار بالأدوات نفسها التي صنعت القهر، فإنها لا تفتح أفقاً جديداً، بل تُعيد إنتاج ما كان، بلغة أكثر نعومة. أما إذا تحوّلت إلى أفق تفاوضي فعلي، يُعيد توزيع الاعتراف ويكسر صمت الضحايا، فإنها قد تشكّل نقطة انطلاق لعقد اجتماعي حقيقي، ينهض على توازن الذاكرة والمسؤولية المشتركة.
في مجتمعٍ لم تُمارس فيه السياسة إلا كقسر، ولم تُبْنَ فيه الدولة إلا على إخماد الصوت، لا يكون سؤال العدالة سؤالاً تقنياً، بل سؤالاً على صورة العقد نفسه: هل نريد أن نُبنى كجماعة سياسية حقيقية، أم نعيد تمثيل الطاعة تحت مسميات جديدة؟ العدالة، إذاً، ليست ما يسبق العقد، ولا ما يليه، بل هي محكّه الأول، واختباره الأشد وضوحاً.
by عمر الشيخ | Jun 4, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
خلّفت الحقبة الأسديّة حُطاماً ثقافيّاً ولغويّاً ثقيلاً، إذ وجد السوريون أنفسهم محاصرين داخل منظومة خطابية مشوّهة، نشأت على مدى عقود من هندسة المعاني وتزييف المفاهيم. لم تكن اللّغة مجرّد وسيلة للتعبير، بل تحوّلت إلى أداة ضبط وهيمنة، تجاوزت دورها الطبيعي، لتُعاد صياغة مفاهيم مثل “الحريّة” و”المقاومة” وتُدمج قسراً في منظومة الإخضاع.
شعار “المقاومة”، مثلاً، ظل مرفوعاً في كلّ خطاب سياسي أو إعلامي رسمي، لكنه لم يرتبط قطّ بمسار حقيقي لاستعادة الأرض أو السيادة. لقد أصبح غطاءً أيديولوجياً لتغلغل الميليشيات الإيرانية في البنية السورية، ولإضفاء الشرعية على مصادرة ممتلكات النّاس وتوسيع نطاق التدخلات الأمنية والعسكرية في المجتمع. هكذا، تحوّل العنف المفرط ضدّ المطالبين بالحرية إلى مكوّن عضوي في سرديّة الدولة.
في المدارس، كانت مفردة “حرية” تُلقَّن للأطفال كلّ صباح كجزء من الشعارات البعثيّة، فيما كان الخوف يحكم الحياة المدرسية، ويشلّ قدرة التلاميذ على التفكير النقدي أو التعبير المستقل. وفي الإعلام الرسمي، ساد قاموس شعاراتي مغلق: “الصّمود”، “التصدي”، “المؤامرة الكونيّة”… كلّها صيغ لغوية خُلقت لا لكشف الواقع، بل لحجبه. ومع الوقت، لم تعد اللّغة أداة تفكير، غدت سياجاً ذهنياً يُحاصر الوعي ويمنع نشوء أي بديل سردي.
حتى في القضاء، تحوّل الخطاب إلى أداة قمع، فالمصطلحات نفسها -“وهن نفسية الأمة”، “إضعاف الشعور القومي”- كانت تُستخدم كذرائع جاهزة لإدانة المعارضين والناشطين الحقوقيين. هذه العبارات الفضفاضة شكلت امتداداً مباشراً للخطاب الأمني، ارتدى عباءة القانون ليمنح شرعية لأحكام جائرة تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبّد بحق السوريين.
في الإعلام الرسمي، تبنّى نظام الأسد، خطاباً تخوينياً ممنهجاً تجاه كل من خالفه، مستخدماً عبارات تُسقط المعارضين من موقع المواطَنة إلى موضع الشبهة والعمالة. وُصف المعارضون، وخصوصاً من بقوا داخل البلاد، بأنهم “يضعفون الروح الوطنية” أو “يخدمون أجندات خارجية”، وهي تعبيرات تحوّلت إلى أدوات ترهيب، صاغت مساحة عامة مخنوقة، صارت فيها كلّ كلمة محسوبة، وكلّ نية عرضة للتأويل.
هكذا، تسللت لغة التخوين إلى المخيلة العامة، واستقرت في لاوعي الجماعة كأداة رقابة داخلية. فحتى التعبير العابر عن تعاطف مع الثورة أو نقدٍ لمظاهر الفساد، كان كفيلاً بتحويل صاحبه إلى مشتبه به. لقد تحوّل الخوف من الكلمة إلى سياسة يومية، وجعل من بيئة العمل والمحيط الاجتماعي مصيدة دائمة، تُنصَب لمن يخرج عن القاموس الرسمي. لم تكن هذه حالة أمنية فحسب، بل منظومة خطابية متكاملة تنزع الشرعية عن أي اختلاف.
في المقابل، أُفرغت مفاهيم “الوطنية” و”المقاومة” من مضامينها الحقيقية، وأُعيد تدويرها لخدمة منطق السلطة. بدا نظام الأسد وكأنه يحتكر حق تعريف الوطنية، كما يحتكر حلفاؤه، وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني، حق النطق باسم “المقاومة”. هذا الحزب الذي تأسس في سياق الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، تحوّل تدريجياً إلى أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، وشارك عملياً في قمع السوريين تحت راية تلك “المقاومة” التي جُرّدت من معناها التحرري.
لم يكن اغتيال حسن نصر الله، أمين عام حزب الله، نهاية مسار سياسي فحسب، بل لحظة انهيار لخطاب بُني طويلاً على خديعة مزدوجة: خديعة تمثيل المقاومة، وخديعة تأبيد السلاح بذريعة الدفاع عن الوطن. لقد احتكر الحزب حتى نيات المقاومة، وقرنها برؤية إيرانية فوق وطنية، لا تعبّر عن تطلعات اللبنانيين، بل عن استراتيجيات محورٍ يستخدم مفردات الصراع كذخيرة سياسية.
امتدت المأساة السورية من نظام قمعي أسقط البلاد في أزمات متلاحقة، إلى ما هو أعمق وأخطر: إلى الذهنية التي زرعها داخل المجتمع ومؤسساته، والتي ما تزال تواصل إعادة إنتاج نفسها بمرونة مثيرة للقلق. ذهنية تقوم على الشخصنة والولاء والمحسوبية، وقد تسللت حتى إلى مساحات التغيير، فعطّلت تشكّل خطاب بديل يعكس، بصدق، تطلعات السوريين.
في كثير من الحالات، تتخذ شعارات التغيير طابعاً شكلياً، ويجري استنساخ أدوات الخطاب القديم: من المبالغة التعبوية، إلى تحويل النقد إلى خيانة، وانتهاءً بتضييع البوصلة في معارك جانبية تستنزف الطاقات من دون إنتاج لغة سياسية جديدة. في المؤسسات العامة، وخصوصاً في الإعلام، ما تزال هذه الذهنية حاضرة بوضوح. ورغم توقف البث الرسمي للتلفزيون السوري لفترة طويلة، وعودته عبر بث تجربي لـ “الإخبارية السورية” بمحاولات خجولة للنهوض بإعلام احترافي لا يزال يتطلّب زمناً طويلاً، فإن كثيرين ممن احتفظوا بمواقعهم من الحقبة السابقة ما زالوا يتعاملون مع هذه المؤسسات بوصفها مساحات نفوذ شخصي وولاء سياسي، لا منصات لخدمة الجمهور أو لبناء إعلام مستقل.
المنطق نفسه يتكرر: أي منصب يصبح أداة لترسيخ السيطرة وتصفية الحسابات، بدلاً من أن يكون مسؤولية عامة أو فرصة لتطوير العمل. حتى لغة التخوين لم تغادر المشهد، بل أعيد تدويرها داخل الأطر “المجددة”، تُستعمل بالعبارات نفسها تقريباً التي استخدمها النظام ضد معارضيه، لكنها توجَّه اليوم ضد كل من يطمح إلى تجديد أو انفتاح.
استمرار هذه الثقافة يعني بقاء مؤسسات الدولة رهينة لتوجهات أيديولوجية قديمة، لا علاقة لها بمتطلبات المرحلة الانتقالية ولا بتطلعات الناس. وإذا أراد السوريون تجاوز هذا الركود، فعليهم أن يبدأوا من الجذر: تفكيك هذه الذهنية داخل المؤسسات وضمن الخطاب العام ذاته، ذلك الذي يُفترض أن يعيد بناء العلاقة بين الناس والدولة، على أساس جديد ومنطِق مغاير.
إنها أزمةٌ نفسية أيضاً، لا سياسية فقط. وما كشفته إشاعة عودة ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، من حجم التفاعل الإيجابي في أوساط معينة، يعكس قابلية بعض الشرائح الاجتماعية لإعادة تدوير النظام ذاته، لا لضعف الذاكرة فقط، بل لأن أدوات الهيمنة الثقافية القديمة لم تُفكَّك بعد. لقد تَكرّس في المخيال الشعبي نوعٌ من الحنين المضاد للثورة، لا بفعل القناعة، بل نتيجة التآكل الطويل لمعاني التغيير، وسقوط نماذج البديل في فخ الخطاب نفسه الذي أرادت تجاوزه.
لكي نحرر أنفسنا، علينا أن نحرر اللّغة أولاً. يجب أن نفكك الخطاب القديم ونُزيل عنه طابع القداسة الذي جُمِّل به لعقود. علينا أن نُعيد النظر بجرأة في الدساتير التي وُضعت لتقييد الحريّة، وفي القوانين التي شُرعت لتكون أداةً في يد السلطة على حساب حقوق الإنسان وكرامته. لا يمكننا أن نسعى نحو صياغة مستقبلٍ عادل إذا لم نفهم آليات الظلم التي قيدتنا في الماضي. إن إزاحة الحرس القديم لنظام الأسد من مؤسسات الدولة تُعد خطوة ضرورية لبناء سورية الجديدة. يجب تفكيك الشبكات التي ما زالت تعمل في الظل داخل مؤسسات مثل مبنى التلفزيون السوري، الذي يعج بالمخبرين وعملاء النظام. هؤلاء الأشخاص ليسوا فقط بقايا نظام الاستبداد، بل إنهم أداةٌ استخدمها النظام لإيصال زملائهم إلى المعتقلات أو دفعهم نحو النفي خارج البلاد هؤلاء كشفتهم لغتهم العنيفة في التعبير عن ذاتهم كما شاهدنا في أحد منتديات الإعلام بعد سقوط النظام، وسط دمشق عبر سلوك “التشبيح” لمذيعة سابقة في قناة الإخبارية السورية، والتي كانت أبرز أقنية النظام السابق في تشويه الثورة السورية.
التغيير السياسي الحقيقي في سورية يبدأ بإعادة صياغة الخطاب العام ليعكس تطلعات الشعب للحرية والكرامة. المبادرات الإعلامية المستقلة، مثل منصات التوثيق الحقوقية، أثبتت أن السوريين قادرون على تجاوز خطاب النظام التقليدي الذي كان يقوم على التخوين والانقسام. هذه المبادرات تمثل خطوة عملية نحو خلق بديل يعبر عن معاناة السوريين بموضوعية. ولتحقيق المزيد من التقدم، يجب تعزيز هذه المنصات بدعم تقني ومادي لتوسيع نطاقها، مع التركيز على تدريب كوادر جديدة تمتلك أدوات التعبير المهني والحقوقي. كذلك، يمكن تطوير مشاريع تعليمية تهدف إلى رفع وعي الأفراد بحقوقهم السياسية والاجتماعية، مما يُمكّنهم من المشاركة الفاعلة في صياغة مستقبلهم.
على المستوى القانوني، ينبغي الضغط لإلغاء القوانين التي تُجرّم التعبير الحر، والعمل على إصدار تشريعات تضمن حرية الإعلام والتعبير عن الرأي، كخطوة أولى في استعادة الثقة بين المواطن والدولة. التحدي الأكبر في سورية هو تفكيك الثقافة البعثية التي كرست الولاءات الشخصية والمحسوبية داخل المؤسسات. لتحقيق ذلك، يجب إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية على أسس الكفاءة والشفافية، مع استبدال المسؤولين المرتبطين بالولاءات القديمة بكفاءات مستقلة.
على المستوى الثقافي، ينبغي إطلاق برامج تعزز قيم المواطنة والحقوق، مثل ورش عمل مجتمعية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. إصلاح التعليم والإعلام ليعكسا قيم الحرية والعدالة، إلى جانب إصدار قوانين تحمي حرية التعبير وتكافح الفساد، هي خطوات أساسية لرسم مستقبل جديد.
لا تكفي الثقة في توجهات القيادة الجديدة والتي ربّما تلعب دوراً محورياً، نظراً للتحرك البطيء الذي تنتهجه ولأن هذه الثقة تتطلب برنامجاً واضحاً يضمن المحاسبة والشفافية ويعزز التنوع في اختيار القيادات. على القيادة أن تدرك أن استبدال القيادات الكبيرة في البلاد لا يكفي، بل يجب تقديم نموذج إداري جديد يقطع مع الماضي ويؤسس لدولة المؤسسات الديموقراطية، لقد كشفتهم لغتهم البعثية ولم يعد بالإمكان الاعتماد عليهم أبداً.
هل يمكننا قراءة التاريخ بعين متجردة؟ وكيف يمكننا فهم الحاضر بعقلية تحليلية بعيداً عن الانحيازات؟ الأهم من ذلك، كيف نصنع مستقبلاً يتقاطع مع طموحات الشعب السوري المتنوع؟ هذه الأسئلة ليست مجرد استفسارات، بل دعوات ملحة للعمل والتفكير النقدي. في هذا السياق، يجب النظر بتمعن إلى طبيعة اللغة التي يستخدمها السوريون لفهم متغيرات الدولة في ظل الثورة. فالمسألة، رغم بدايتها اليوم، ستخضع للنقد والتطوير، لكنها لاحقاً قد تتحول إلى انعكاس لاستمرارية نمط الدولة القديمة، ما لم يتم تفكيكها جذرياً. الانتقال إلى مفردات جديدة تعبّر بصدق عن المرحلة الراهنة يتطلب التخلص تدريجياً من ركائز الدولة التي لا تزال تحمل ذهنية الماضي، سواء كانت أساسية أو ثانوية. هذه الركائز، بألفاظها وأدواتها، تعكس تصوراً مسبقاً للمستقبل وتمنع التفكير خارج إطار الدولة الشمولية والقبضة الأمنية. لم يعد اليوم بمقدور أحد تهديد السلطة بنفس أدوات النظام الساقط، كاستخدام المخابرات كوسيلة قمع، لكن التخلص من هذه الذهنية يتطلب تحولاً جذرياً في الفكر والممارسة على المستويين الفردي والمؤسسي.