by رانيا كرباج | Jun 16, 2026 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
تُبنى الأُمَمُ على أساسِ تعميقِ الهويّة، فتنفتحُ على الجذور، وتوسّعها وتشملُ كلَّ المكوّنات على جغرافيّتها، ومن ثمّ الاحتفاء بها. تضعُ الشعوبُ هويّتَها على صدرِها كوسامِ استحقاق؛ إنّها إرثُ الأجداد، والعتبةُ التي ستنطلقُ منها نحو المستقبل، لكن في المقابل، الهوية الحقيقيّةُ، ليست إرثًا مقدّسًا لا يمكن المساس به. فهي تعيدُ خلقَ نفسِها باستمرار على أساسِ الحوار. الحوارُ مع الماضي يهدفُ إلى الهدمِ كما إلى البناء: هدمِ الميّت والبناءِ على ما هو حيّ. كما أنّ هذا الحوار لا يمكن أن يتمّ بمعزلٍ عن الآخر؛ لا بدّ من الحوار، والانفتاح على هويّاتٍ مختلفةٍ، كي نفهمَ ونعيدَ خلقَ أنفسِنا.
أمّا تشويهُ هويّةِ شعبٍ ما، فقد يكون تمهيدًا لاستعمارِه، ثقافيًّا أوعسكريًّا. الاستعمارُ الثقافي قد يكون أشدّ خطرًا من الاستعمار القائم على الوجود العسكري، فلمَ على المستعِمرِ أن يرسلَ جيوشَهُ، طالما أنّهُ قادرٌ على خلقِ شعبٍ خاضعٍ باستخدامِ وسائلَ ناعمة؟ يتمّ هذا التشويه عن طريقِ تجريدِ الشعوبِ من جذورِها، فتفقدُ معنى الحاضر كما تفقدُ بوصلةَ المستقبل. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ يتمّ تجريدها من كرامتِها، وصولًا ربّما إلى تجويعِها، كي تتحوّل إلى قطعانٍ تائهةٍ تسهلُ قيادتُها إلى الحقدِ والحروب.
و إذا كان الفنّ أداةَ وعي، فهو بالتالي إحدى أدواتِ بناء وصناعة الهويّة. يحملُ الفنُّ الأصيل الماضي على ظهرِه، ويُبدعُ المستقبل. من خلالِه نستطيعُ أن نقرأَ ذاتَنا الممتدّةَ عبر الزمن، كما من خلالِه نوسّعُ الرؤيا كي نتحرّر. في الحقيقة، العلاقةُ بين هويّةِ شعبٍ ما وفنونِه هي علاقةٌ جدليّة؛ متى فقدها فقدَ ذاتَه.
تفقدُ الشعوبُ ذاتَها عندما تتحجّرُ في الماضي، فتتحوّل فنونُها إلى تكرارٍ فاقدٍ للحيويّة، كما تفقدُ ذاتَها عندما تصبحُ تابعةً لغيرها، فتكفُّ فنونُها عن البحثِ، وتوليدِ، وتجديدِ الهويّة، لتُعيدَ إنتاجَ الآخر واستنساخَه. لستُ أبالغ إن قلتُ: إنّ إخصاءَ الشعوب يتطلّبُ إخصاءَ فنونِها، والعكسُ صحيح. هذا الإخصاءُ هو فعلٌ خارجي، كما هو فعلٌ داخلي؛ فقد يسيرُ شعبٌ إلى الجهلِ والتبعيّة بكاملِ إرادتِه، أو يُساقُ إلى هذا المستنقع عبر قوى خارجيّة.
يقدّم الطبيبُ الفرنسيّ وعالمُ الاجتماع والمتخصّصُ في الأنثروبولوجيا، غوستاف لوبون، مجموعةً من المؤلّفات، ربّما أهمّها “سيكولوجية الجماهير”. يسلّط لوبون الضوء على علم نفس الجماهير، هذا العلم الذي يُعتبَر سلاحًا ذا حدّين؛ فهو من ناحية قد يزيدُ مساحةَ الوعي لدى الفرد ويمنعُه من الانخراط في فوضى ولامعقوليّة الجماعة، ومن ناحيةٍ أخرى يُلهمُ الدكتاتوريّات والفاشيّات والمتحكّمينَ بالشعوب، إذ يقدّم لهم أساليبَ وألاعيبَ السيطرة على الجموع. ربّما وسائلُ التواصل الاجتماعي، وما وفّرته من منصّاتٍ تستطيعُ أن تصلَ إلى عقلِ المستخدم كلمةً وصوتًا وصورةً، هي الأداةُ الأشدّ تأثيرًا والأقدرُ على تسخير علم نفس الجماهير من أجل تَسييسِ وتَسييرِ الشعوب.
ألا يتّضحُ يومًا بعد يوم أنّ مفهوم العولمة يحمل بين طيّاتِه مشروعَ هيمنة؟ حيث تفقدُ السياساتُ المحليّة تأثيرَها وسلطتَها، مقابل السياسات العالميّة وما يطبخُه لنا “رعاةُ”، أو بالأحرى طغاةُ العالم. ربّما يقومُ مشروعُ الدولة على صناعة وبناء هويّةٍ وطنيّة، أمّا مشروع الهيمنة على العالم فيقتضي نزعَ مفهوم الهويّة من جذورِه، والقضاءَ على الفكر الوطني في سبيل فكرٍ عولمي، سيحوّل الجماهير إلى قطعانٍ مستهلِكةٍ، تائهةٍ، وحكّامُهم إلى مهرّجين.
يستخفّ لوبون بعقلِ الجماهير، وليس بقوّتِها؛ إذ يعتبرُها غوغائيّةً، ماضويّةً، غيرَ واقعيّة، تحرّكُها الغرائزُ البدائيّة. تثورُ وتغضبُ وتدمّر، لكنّها في النهاية تعودُ لتركنَ إلى الماضي. الجماهيرُ برأيه محافظةٌ، لا بل رجعيّة، على الرغمِ ممّا يبدو عليها من ثورة.
أمّا الفنونُ والآداب، وعلى اعتبارِها تنطلقُ من موهبةٍ وتجربةٍ ذاتيّةٍ جوهرُها الوعي، فقد تكون أدواتِ مقاومة، كما قد تكون بوصلةً توجّهُ الجماهيرَ الغاضبة، وتهذّبُها، وتحدُّ من غوغائيّتِها. نستطيعُ أن نقول: إنّ الفنَّ هو عدوُّ الطغاة والمستبدّين في العالم، أمّا الغوغاءُ فقد تكون أداتَهم. هل يجب بالتالي إخصاءُ الفنون والآداب كي تتحوّل إلى خادمٍ هي الأخرى؟ أعتقد أنّه مشروعٌ محلّيّ أخذه على عاتقه طغاةُ الداخل، كما أنّه مشروعٌ عالميّ، عولمي، يهدفُ إلى تحييدِ الفنون والآداب، على اعتبارها قد تكون بقعةَ ضوءٍ أو وعي، تشوّشُ على مشروع الهيمنة.
عندما نقول إخصاءَ الفنون والآداب، فهذا يعني تسطيحَها، وإفراغَها من الثيمةِ الأهمّ في الصيرورة الإبداعيّة، ألا وهي الثقافة التي تؤدّي إلى بناء الفكر الحرّ. لا بدّ للفنّان أو الكاتب أن يكون صاحبَ فكرٍ حرٍّ، كي تتحوّل موهبتُه إلى أداة وعي، وبالتالي تحرّر. أمّا إفراغُ الفن من الفكر، فسوف يؤدّي إلى تحوّل الفنانين إلى ببّغاوات يؤدّون الدور الذي يُطلب منهم، بعيدًا عن الصيرورة التي تؤدّي إلى بناءِ الهويّة. بحسبِ إدوارد سعيد، فإنّ المثقّف هو من يتمتّع بموهبةٍ خاصّة تمكّنه من حمل رسالةٍ ما، أو تمثيل وجهة نظرٍ ما، أو موقفٍ ما، أو فلسفةٍ ما، أو رأيٍ ما، وتجسيد ذلك والإفصاح عنه لمجتمعٍ ما.
فيما يخصّ بناء الهويّة السورية مثلاً، يتم منذُ السقوط تم تداول مصطلح “سوريا الجديدة”، كإشارة إلى مرحلةٍ من المفترض أن تكون أكثر عدالةً وحرّيّة لكلّ السوريين. المصطلح يحمل بين طيّاتِه مشروعَ بناء هويّة جديدة، تقوم على قطيعةٍ مع الماضي على اعتباره صنيعةَ النظام البائد. هناك تخبّطٌ واضح فيما يخصّ سؤال الهويّة السوريّة، وهو ما يُربك الواقع السوريّ اليوم ويقسّمه، كما أنّه يمهّد الأرضَ من أجل مزيدٍ من العنف والدم. ربما من حقّ وواجب الشعوب بعد الصراعات الطويلة، والحروب الأهليّة أن تعيد النظر في ذاتِها، وأن تعيد بناء هويّتِها، لكن في الحقيقة، مفهوم الهويّة يقوم على إعادة فهم التاريخ والانطلاق منه من أجل خلق حاضر جديد. ربّما الأفضل أن نقول “سوريا المُتجدّدة”، فعندما نتحدّث عن سوريا، إنّما نتحدّث عن حضارة ممتدّة لآلاف السنين، لا يمكن اختصارها بعائلة حكمت فترةً من الزمن، كما لا يمكن إلباسها هويّة مفصّلة على مقاس مصالح القوى المسيطرة على المشهد.
أمّا الثقافة التي من المُفترض أن تكون أداتَنا في هذه المرحلة الحَرِجة، ألم تدخل، ومنذ اندلاع الثورة، الصراعَ هي الأخرى؟ من خلالِ حملات التَخوينٍ وبالتالي الإقصاء، التي يقودُها غالبًا المثقّفون ضدّ بعضهم البعض، وتشعلُ نيرانَها الجماهيرُ الغاضبة، تقوم هذه الحملات تحت شعاراتٍ أخلاقيّة، لكنّها في العمق جزءٌ من الخراب المُمنهج الذي غزا البلاد؛ هنا يتمّ قتل الثقافة عن طريق تخوينِها، ومن ثمّ تسليمها إلى الغوغاء كي يقطّعونها إربًا إربا.
by سالي علي | Jun 12, 2026 | News - EN, Reports - EN, العربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
لا تبدو سوريا اليوم كبلدٍ يتجه نحو الاستقرار بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً لا تشبه البلدان المنهارة التي فقدت كلّ أشكال الحياة العامة. هي تقف في منطقة رمادية شديدة التعقيد، تتجاور فيها محاولات إعادة بناء الدولة مع تصاعد الشكوك حول قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية: إنتاج الشعور بالأمان.
خلال الأشهر الأخيرة، بدا وكأنّ السوريين يتابعون سلسلة لا تنتهي من الوقائع المتناثرة: حوادث أمنية، جرائم قتل وخطف، توترات محلية، حملات مقاطعة، سجالات طائفية، وخطابات متبادلة يغلب الخوف عليها أكثر مما يغلب النقاش. لكن قراءة هذه الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة قد تحجب عنا ظاهرة أعمق آخذة في التشكل داخل المجتمع السوري؛ ظاهرة لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض، بل بكيفية فهم الناس لما يحدث، وكيف يعيدون بناء علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
لقد اعتاد السوريون لعقود طويلة على شكلٍ محدد من الخوف. كان الخوف مركزياً، تصنعه الدولة وتديره وتحتكره. لم يكن المواطن مضطراً إلى تفسير مصادر التهديد بنفسه، لأنّ الدولة، بكل ما لها وما عليها، كانت تحتكر تعريف الخطر وتحديد مصادره ووسائل التعامل معه. أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً. فلم يعد الخوف مركزياً، إنما موزعاً على المجتمع نفسه. لم تعد هناك رواية واحدة للتهديد، إنما عشرات الروايات المتنافسة. ولم يعد السوريون يعيشون داخل خوف واحد، بل داخل مجموعة من المخاوف المتجاورة التي تنتجها الجماعات والأفراد ووسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أسرع بكثير مما تنتجه الوقائع نفسها. لهذا يمكن القول إنّ سوريا تدخل تدريجياً مرحلة جديدة يمكن تسميتها بخصخصة الخوف.
لا يعني ذلك أنّ الدولة اختفت أو أنّ المؤسسات لم تعد موجودة، بل يعني أنّ الخوف لم يعد ينتظر تفسيراً رسمياً كي يتشكل. بات كل فرد أو جماعة أو بيئة اجتماعية تنتج تفسيرها الخاص للمخاطر المحيطة بها، وتبني على أساسه مواقفها السياسية والاجتماعية. وهنا لا يصبح الخوف مجرد شعور عابر، إنما يتحول إلى إطار كامل لفهم الواقع.
من يحتكر الخوف إذاً؟
في العلوم السياسية، تحتكر الدولة الحديثة حق استخدام القوة، لكنها تحتكر أيضاً وظيفة أكثر أهمية: إنتاج الشعور العام بالأمان. حين يثق المواطن بأنّ القانون سيحميه، لا يعود مضطراً للبحث عن حماية بديلة. وحين يثق بأنّ العدالة ستأخذ مجراها، لا يشعر بالحاجة إلى الاحتماء بالطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الجماعة السياسية. لكن حين تتراجع هذه الثقة، يبدأ المجتمع بإنتاج منظوماته الأمنية الخاصة. وهنا لا يعود الخوف شعوراً فردياً، بل يتحول إلى هوية سياسية.
العلوي لا يخاف من حادثة محددة بقدر ما يخشى فكرة الانتقام الجماعي. والسني لا يخاف من شخص بعينه بقدر ما يخشى عودة أشكال جديدة من الاستبداد. والمسيحي يخشى التهميش وفقدان الحضور. والدرزي يخاف من فرض إرادات خارج بيئته المحلية. والكردي يخاف من الإقصاء السياسي أو الثقافي. وحتى المواطن الذي لا ينتمي إلى أيّ خطاب سياسي واضح بات يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الخصوم السياسيين.
هذه المخاوف ليست أوهاماً بالضرورة، كما أنها ليست حقائق مطلقة. لكنها أصبحت العدسة التي يقرأ السوريون من خلالها كلّ حدث يقع أمامهم. وهذا ما يجعل أيّ حادثة فردية قابلة للتحول إلى دليل على صحة الخوف المسبق. فالعقل الخائف لا يتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها إشارات تؤكد ما كان يعتقده أصلاً. وهنا تنتقل السياسة من إدارة الوقائع إلى إدارة المخاوف. والأخطر أنّ الخوف لم يعد مجرد شعور اجتماعي، بل أصبح مادة متداولة في المجال العام. على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض المنابر السياسية والإعلامية، نشأ ما يشبه “سوق المخاوف”. كل طرف يعرض بضاعته الخاصة من الهواجس والتهديدات، وكل حادثة جديدة تتحول إلى فرصة لإثبات أن الخطر الذي حذر منه كان حقيقياً. وبدلاً من أن تتنافس القوى المختلفة على إنتاج الثقة، بات كثير منها يتنافس على إدارة القلق وتوجيهه واستثماره.
حين تصبح المخاوف أقوى من الوقائع
هنا تبرز أهمية الفيلسوف كارل بوبر ومبدأ “القابلية للتكذيب”. كان بوبر يرى أنّ الفكرة الجيدة ليست تلك التي تستطيع تفسير كل شيء، بل تلك التي يمكن اختبارها وإثبات خطئها إذا تعارضت مع الواقع. أما الفكرة التي تفسر كل شيء فهي في الحقيقة لا تفسر شيئاً، لأنها تحوّل نفسها إلى عقيدة مغلقة لا تسمح بمراجعة ذاتها.
هذه الفكرة تبدو لي شديدة الصلة بما يجري في سوريا اليوم. فكثير من السوريين باتوا يمتلكون فرضيات جاهزة عن المستقبل وعن الآخرين وعن المجتمع نفسه. إذا وقعت جريمة، اعتبرها البعض دليلاً على انهيار الدولة. وإذا حدث توتر محلي، اعتبره آخرون دليلاً على اقتراب حرب أهلية. وإذا وقع اعتداء على فرد من جماعة معينة، تحول فوراً إلى إثبات لصحة مخاوف جماعته بأكملها. لكن السؤال الذي يغيب غالباً هو: ما الذي يمكن أن يدحض هذه الفرضيات؟ وما الحدث الذي قد يدفع أصحابها إلى إعادة النظر فيها؟
إذا كانت كل حادثة تؤكد القناعة المسبقة، وإذا كانت كل واقعة جديدة تُفسَّر ضمن الرواية نفسها، فإننا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام منظومة مغلقة من المخاوف. وعند هذه النقطة يصبح الخوف أشبه بعدسة معتمة. فهو لا يساعد على فهم الواقع، بل يعيد تشكيله وفقاً لما نخشاه. وتصبح الأخبار والأحداث والوقائع مجرد مواد خام تُستخدم لتغذية السردية القائمة مسبقاً. هنا تحديداً تكمن خطورة خصخصة الخوف، لأنها لا تجعل الناس خائفين فقط، بل تجعلهم أسرى تفسيرات لا تقبل المراجعة.
من الخوف إلى إعادة تشكيل المجتمع
التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة. ففي لبنان، لم يبدأ التفكك الحقيقي عندما اختلف اللبنانيون حول السياسة، بل عندما فقدت الدولة قدرتها على لعب دور المرجع الأمني المشترك. وعندما انتقلت الثقة من المؤسسات إلى الجماعات، تحوّلت المخاوف المتبادلة إلى حقائق سياسية قائمة بذاتها. لم يعد الناس يسألون ما إذا كان الخطر حقيقياً أم لا، بل أصبحوا يتصرفون انطلاقاً من افتراض أنه موجود سلفاً.
المشهد العراقي بعد عام 2003 سار في اتجاه مشابه. فالأزمة لم تكن في التنوع الاجتماعي أو المذهبي بحد ذاته، بل في اقتناع قطاعات واسعة من المجتمع بأنّ الجماعة باتت أكثر قدرة على توفير الحماية من الدولة نفسها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القناعة إلى واقع سياسي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع معاً.
التحول الأخطر لا يحدث عندما يزداد الخوف، بل عندما يصبح الخوف منظماً. عندما يبدأ الناس بتشكيل خياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساسه. وعندما تتحول الطائفة أو المنطقة أو الجماعة إلى بديل نفسي عن الدولة. من هذه الزاوية، لا تبدو القضية السورية اليوم أزمة تعايش بين المكونات بقدر ما تبدو أزمة ثقة في الجهة التي يفترض أن تدير هذا التعايش. فالخوف لا يملأ الفراغ وحده، بل يملأ الفراغ الذي تتركه الثقة حين تغادر.
الحلقة المغلقة للخوف
تكمن المفارقة في أنّ معظم السوريين، وعلى اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يعتقدون أنهم يتصرفون بدافع الحذر. وهذا أمر مفهوم في مجتمع خرج من حرب طويلة وموجعة. لكن المجتمعات لا تتشكل فقط بما يخشاه أفرادها، بل أيضاً بالطريقة التي يتصرفون بها نتيجة هذا الخوف. فالخوف من الآخر قد يدفع إلى الانكفاء عنه. والانكفاء يولد مزيداً من الجهل المتبادل. والجهل ينتج مخاوف جديدة. ثم تعود هذه المخاوف لتبرر مزيداً من الانكفاء والعزلة. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مغلقة يصبح فيها الخوف منتجاً للخوف، لا مجرد استجابة له.
في هذه الحالة لا يعود الخطر الحقيقي هو الحادثة نفسها، بل الأثر التراكمي الذي تتركه في الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تُبنى فقط عبر المؤسسات والقوانين، بل عبر الثقة اليومية التي تسمح للناس بالعيش معاً رغم اختلافاتهم. وحين تتآكل هذه الثقة، يبدأ الخوف بالعمل كقوة سياسية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل السلوك العام والعلاقات الاجتماعية وحتى التصورات المتعلقة بالمستقبل.
فما الذي يجب مراقبته؟
ربما يخطئ كثيرون عندما يراقبون عدد الحوادث الأمنية أو حجم السجالات على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن مؤشرات المستقبل. المؤشر الأهم ليس عدد الحوادث، بل الطريقة التي يفسرها الناس بها. هل ما زال السوري يرى نفسه مواطناً تعرّض لخطر عابر؟ أم بات يرى نفسه عضواً في جماعة مستهدفة على الدوام؟ هل ما زال يعتقد بأن الحل يجب أن يأتي من القانون؟ أم أصبح مقتنعاً بأنّ الحماية لا تأتي إلا من الجماعة؟ وهل ما زالت الدولة تُنظر إليها باعتبارها المرجع النهائي للحقوق والواجبات؟ أم أنها بدأت تفقد هذه المكانة لصالح شبكات الانتماء الأصغر؟
هنا تحديداً يتحدد اتجاه البلاد. ليس في عدد المنشورات الغاضبة، ولا في عدد البيانات السياسية، بل في الإجابة اليومية الصامتة التي يقدمها السوريون لهذه الأسئلة.
ونصل في الختام إلى أنّ المشكلة الكبرى في سوريا اليوم قد لا تكون حجم الخوف المنتشر بين الناس، بل الطريقة التي يُدار بها هذا الخوف ويُعاد إنتاجه. فالمجتمعات تستطيع العيش مع اختلافاتها، وتستطيع تجاوز جراحها، بل وحتى إعادة بناء نفسها بعد الحروب. لكن المهمة تصبح أكثر صعوبة عندما يتحول الخوف إلى مؤسسة غير معلنة، وعندما تصبح كل جماعة مسؤولة عن إنتاج روايتها الخاصة للتهديد، وحين تتراجع الثقة المشتركة لمصلحة مخاوف متجاورة لا يجمع بينها سوى القلق. حينها لا يعود السؤال: من يخاف ممن؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت كلّ جماعة سورية تمتلك اليوم خوفها الخاص، فمن يمتلك بعدُ القدرة على إنتاج الثقة المشتركة؟
by دعد ديب | Jun 1, 2026 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
ثمة شيء مشترك بين الموت عطشاً والموت غرقاً بأن الضحية دائما هو الإنسان السوري البسيط الفقير والمهمش، فعلى مدى ثمان وثلاثين عاماً من الجفاف تناقص منسوب نهر الفرات إلى حد كبير مما أثر على المعدل العام للزراعات التي يعتمد عليها أغلب سكان دير الزور والرقة، حيث كانت نسبة المياه المتدفقة للأراضي السورية لا تتجاوز 200 متر مكعب رغم أن النسبة المتفق عليها مع الحكومة التركية تبلغ 500 متر مكعب وقبل إنشاء سد الفرات وسد تشرين كانت الأضرار كثيرة ومتعددة نتيجة الفيضان الموسمي للنهر أهمها تدمير المحاصيل الزراعية الموسمية.
نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 على المشاركة العادلة والمعقولة (المادة 5): يحق لكل دولة من دول المجرى المائي الاستفادة من مياهه داخل إقليمها بطريقة منصفة وتراعي مصالح الدول الأخرى وكذلك الالتزام بعدم إلحاق الضرر (المادة 7): تُلزم الاتفاقية الدول باتخاذ كافة التدابير المناسبة لمنع التسبب في “ضرر ذي شأن” للدول الأخرى التي تتشارك معها نفس المجرى المائي والإخطار بالتدابير المزمعة كما تفرض الاتفاقية على الدول تبادل المعلومات وإخطار الدول الأخرى بأي مشاريع أو إجراءات قد يكون لها تأثير سلبي على المجرى المائي قبل تنفيذها، إما لجهة التعاون وتبادل البيانات (المادة 9): تلتزم الدول بتبادل البيانات والمعلومات بانتظام بشأن حالة المجرى المائي. الاتفاقية التي وافقت سورية عليها ورفضتها تركيا وتتابعت الاتفاقيات بعدها المجحفة بحق سوريا وخاصة اتفاقية أضنة عام 1998.
تتباين الأسباب والاتهامات المتبادلة المسببة للكارثة البيئية المتعلقة باندفاع مياه نهر الفرات واجتياحها لحياة وأرزاق الناس في الرقة ودير الزور بعد عقود من الجفاف استقر فيها الناس على سرير النهر وبنيت مطاعم واستراحات وزراعات عليه، ولسنين طوال بقيت تركيا تحتجز مياه النهر غير عابئة بانهيار القطاع الزراعي في البلد إلا أن موجة الأمطار الكثيفة في المواسم الماضية جعلت منسوب سدودها والمياه المحتجزة في أعلى طاقة لها مما أجبرها على الإفراج عن المياه باتجاه سورية التي أنهكتها حرب عطلت الحياة بأكملها، لذا كان من الطبيعي أن لا تكون مستعدة لهكذا إجراء.
يقال إن تركيا أعلنت قبل أسبوع أنها ستفتح بوابات سد أتاتورك وأنها ستفتح المياه إلى مجرى النهر في سورية ولكن هل هذا كاف ؟؟
وإذا كان الأمر صحيحاً فالسؤال هنا لماذا لم تتخذ الإجراءات الكافية لمواجهة الكارثة؟! هل لضعف الإمكانية التقنية والعلمية للتصدي لمشكلة من هذا النوع أم نتيجة الإهمال والتراخي في حل المشكلات العاجلة؟ ولكن أضعف الإيمان إنذار السكان بالخطر المحدق قبل وقت مناسب.
في العودة إلى بدايات قيام السد على نهر الفرات الذي كان يفيض سنوياً ويؤدي إلى انجراف التربة الزراعية الخصبة وانقطاع طرق النقل والتجارة بين القرى بالإضافة لغرق القرى الطينية والمنازل التقليدية ونفوق أعداد كبيرة من المواشي وانتشار الأمراض والأوبئة المرتبطة بالمياه الراكدة.
ورغم اعتراض البعض على ما عرف بأراضي الغمر التي غطت أراضي الفلاحين لم يتم تعويضهم بما يعادلها فيما بعد إضافة إلى المناطق الأثرية الهامة التي غمرتها البحيرة والقرى الصغيرة التي غطتها المياه، وهنا إشكالية التساؤل الأخلاقي أيها الأهم ماضي البلاد والأسلوب العادل والتقليدي للزراعة أم مستقبلها ومستقبل الوطن، هذا إذا افترضنا النوايا الحسنة للتخطيط والبناء المستقبلي للاقتصاد الزراعي في البلد.
وعليه تم إنشاء سد الفرات في سوريا خلال سبعينيات القرن العشرين وقد بلغت الطاقة التخزينية الكبيرة للبحيرة القائمة على السد 14 مليار متر مكعب، ساهمت بتنظيم تدفق مياه نهر الفرات ودعم مشاريع الري والزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية والحماية من الفيضانات الموسمية المدمرة.
ولكن خلال العقود الأخيرة ونتيجة السياسات التركية وغياب شراكة حقيقية في إدارة نهر مشترك، انخفض المنسوب التخزيني للنهر مما أثر في إنتاج الطاقة الكهربائية بشكل كبير وخاصة نتيجة الخلل الذي أصاب السد نتيجة خروج أربع عنفات من أصل ثمانية عن الخدمة أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الرقة. واليوم يفيض النهر بشكل غير مسبوق ومفاجئ وللمرة الأولى تفتح أربع بوابات مفيض لم تفتح منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
ينبع نهر الفرات من تركيا على مساحة 1070 كيلومتراً ويمر بالأراضي السورية عبر أكثر من 600 كيلومتر وبعدها يدخل في الأراضي العراقية، مما منح تركيا إمكانية لتحكم قبضتها على المياه المنحدرة من أراضيها لبناء سدود ضخمة عليها وخاصة سد أتاتورك الذي قاربت طاقته التخزينية 48 مليار متر مكعب ويعتبر خامس سد على مستوى العالم وعليه تتحكم تركيا بكل قطرة مياه متجهة جنوباً.
بدأ العمل بسد الفرات عام 1968 ولكن بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 عمل على أن تكنى البحيرة القائمة عليه باسمه، و نتيجة الجفاف الكبير الذي أصاب المنطقة خلال مدة طويلة تسببت بانحسار المياه عن سرير السد تمدد السكان ببناء البيوت والمطاعم والمنتزهات ومنشآت في تلك المنطقة مما جعل فيضان النهر بهذه الطريقة كارثة بيئية من الطراز الأول، ولا يمكن تسميته فيضاناً بل اجتياح وتدفق غير مسبوق للمياه نتيجة سبب معروف، إذ قيل أن ارتفاع النهر الجديد قارب أكثر من مترين فوق معدله الطبيعي وتوقف عدد كبير من محطات المياه نتيجة وصول المياه إليها، بالإضافة لفقدان إمكانية التواصل والعبور والنجاة نتيجة نسف الجسور المشادة نتيجة النزاعات السياسيةالماضية.
عند العجز التقني والإداري عن مواجهة كارثة بحق البشر والبيئة ماذا نفعل ومالعمل وهل نبقى واقفين، طالب الكثيرون بطلب إعلان منطقة الفيضان بدير الزور والرقة منطقة منكوبة كي يتسنى للدول الصديقة مد العون لإنقاذ ما تبقى لأن الكارثة مستمرة وما من نفير عام لدرء المزيد من انعكاسات الكارثة.
مشاريع كثيرة بعد سقوط النظام بإعادة بناء جسر دير الزور المعلق وخاصة بعد تبرعات كثيفة من رجال الأعمال ولكنها بقيت حبراً على ورق لم ينفذ منها شيء. المشكلة بعقل من لا يستطيع تحديد الأولويات المهمة بالنسبة لحياة الناس ومن لا يستطيع استقراء الآتي.
أيام عيد والناس بحالة الفرح وأهلنا في الدير والرقة يشيعون أطفالهم الذين قضوا غرقاً مشهد أليم وموجع، ويحلو للبعض أن يتشفى من مصائب الغرق والفيضان وتتم الشماتة بمن لم يساندوا كوارث الآخرين ويعزوها لمواقف سياسية، لكنهم ينسون أنهم بذلك يزيدوا بتعميق جراحات البلد المثخنة، وأن الكارثة ستنعكس على الجميع، ولا حياة لبلد إلا بتضافر جهود جميع أبنائه وتجاوز الخلافات والعمل من أجل المصلحة العامة.
by وداد سلوم | May 13, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.
وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.
والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.
خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟
من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.
الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.
نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.
يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.
تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.
وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.
تقارير متناقضة عن الخطف
صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.
لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.
هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.
نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.
بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.
by دعد ديب | Apr 15, 2026 | Cost of War - EN, Culture - EN, News - EN, Reports - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم “نزوح”، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز الفيلم جائزة الجمهور Armani Beauty Audience Award ضمن قسم “أوريزونتي إكسترا” (Orizzonti Extra)في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2022، كما نال جائزة تلفزيون ARTE في مهرجان كان السينمائي، وحصل السيناريو على جائزة باومي من برلين، وجائزة سورفوند ضمن ورشة سينيفونداسيون.
يوحي عنوان الفيلم بمضمونه، إذ يضيء على واقع مشحون تعيشه أسرة محاصرة في أحد أحياء مدينة دمشق، لم يبق في المكان سواها مع عدد قليل من الجيران الذين يتهيؤون للهروب من المنطقة وسط أصوات الهاون والمتفجرات.
يصرّ ربّ الأسرة على البقاء في البيت، رغم القذائف التي أصابت البناء وأحدثت فيه فجوات متعددة تتسرّب منها الرياح ومياه الأمطار. وهو يتوجّس من فكرة أن يصبح لاجئاً أو نازحاً يستجدي المكان واللقمة عند الآخرين، وهو الذي يرى نفسه ابن عزّ ومجد، ويشعر، كرجل، أنه يمتلك القوة والقدرة على إعادة بناء منزله وترميمه من جديد وحماية أسرته. ومن هنا يأتي إصراره على الثبات وعدم الرحيل.
وسط أصوات القذائف وانهيارات الأبنية، تظهر من خلال فجوات البناء قصة حب شفيفة ورقيقة بين الابنة زينة، التي جسّدتها هالة الزين، وابن الجيران عامر، الذي أدّى دوره نزار العاني، في استعراض رومانسي لمهارات التصوير. تتخيّل زينة نفسها وسط النجوم، متأرجحة بين مجموعات الدب الأكبر والدب الأصغر والثريا، حين تسقط من الفوهة التي فتحتها القذائف إلى سرير نومها، في إشارة إلى أن الحياة لا تزال تتّسع لقصة حب فطرية مهما عظمت الخطوب وتوالت الأقدار الظالمة.
يحاكي المشهد الأساسي في الفيلم ما عاشه السوريون جميعاً خلال أربعة عشر عاماً، سواء في النزوح الداخلي أو الخارجي، وما يعنيه ذلك من إحساس عميق بالمهانة نتيجة الحاجة إلى غرباء يساعدونهم على تدبّر أمورهم الحياتية. وهنا تأتي صرخة سامر المصري في دور الأب: “نازح أنا؟ يقولوا عني نازح؟”، في استهجان صريح لما يعنيه البعد عن المكان والبيت، ذلك الذي يصفه غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”بأنه كينونة الإنسان الأولى، وركنه في العالم، ومركزه الروحي للألفة والحماية.
لكن مع فقدان الحاجات الأساسية من ماء وكهرباء ومؤونة، والحصول عليها بشق الأنفس، ينشأ صراع حول البقاء في المكان والاستمرار في العيش بهذه الطريقة. ويتفجّر هذا الصراع بين الأب والأم حين يبدأ الأب بالتفكير في تزويج طفلته من أحد المقاتلين، بعد أن جاءه سمسار الحي ليقنعه بأن هذا هو الحل الأمثل بحجة تأمين حمايتها قبل اقتحام الجيش للمكان. وهنا يغدو الحوار بين الزوجين نافذة على الذاكرة، تستدعي الواقع الاجتماعي والبيئة التي تعيش فيها الأسرة، وتاريخها في تزويج البنات وإرسالهن إلى المجهول، مروراً بزواج الأم نفسها في سن مبكرة، من دون أن يُتاح لها التفكير في قرارها أو مستقبلها. هذا التراكم من المشكلات الاجتماعية يدفع الأم إلى اتخاذ قرار الهروب والتمرّد على سلطة الأب، ومغادرة المكان مع بقية المغادرين.
تغادر الأم وابنتها عبر حطام المدينة التي تشظّت معالمها، في صورة تعكس الضريبة الباهظة من الشقاء التي تقع على النساء والأطفال في الحروب والصراعات بالدرجة الأولى. ويكتسب المحتوى البصري للمكان، بما فيه من منازل مهدّمة وشوارع فقدت تضاريسها واتجاهاتها، صفة وثائقية وعفوية، تجسّد الخلفية الصامتة للمعاناة والألم في رحلة ضياع بين الأنقاض. ثم تلتقيان بالعشرات من الأهالي الراغبين في الخروج والهروب من الأماكن المتفجرة، وسط حوار يتضمّن انتقاداً ضمنياً لمن يحملون السلاح، بوصفهم يريدون السكان دروعاً بشرية يحتمون بها.
أما الزوج، الذي تُرك وحيداً، فيصاب بهستيريا وصراع داخلي عنيف. فهو يريد البقاء في بيته، وألا تتعرض عائلته لذلّ النزوح، وأن يكون الحامي لأسرته، لكن سخرية الأقدار تجعله يفقد أسرته ويغدو وحيداً. ونراه يطارد آثارهم من مكان إلى آخر، إلى أن يصل إليهم وهم يستقلّون إحدى السيارات الموعودين فيها بالأمان، وبالوصول إلى البحر، بما يحمله من رمزية الاتساع والعمق بوصفه حلاً مأمولاً، رغم آلاف الضحايا الذين ابتلعتهم الأمواج في موجات الهروب المتتالية من جحيم الواقع. وتأخذ مطاردته للسيارة طابعاً درامياً مشوّقاً يحبس الأنفاس، إلى أن تحسم الفتاة الأمر بصراخها كي تتوقف الحافلة، وتهرع راكضة إلى أبيها في لقطة بالغة الحميمية، وسط تعنّت الأم وإصرارها على موقفها، إلى أن يعلن الأب استسلامه، وأنه سينزح معهم ويرافقهم، وأن مصيره سيبقى مرتبطاً بهم دائماً.
ومن مفارقات القدر أن يصل الإنسان السوري إلى قناعة بأن النزوح عن بيته وحارته هو الحلّ المرحّب به، بل الحلّ الذي يحفظ له حياته وكيانه، رغم أن الجميع، في الداخل والخارج، حكومةً ومعارضةً، يرفعون شعارات حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم وسلامتهم. لكن المدنيين، في نهاية المطاف، هم الشريحة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والصدام والاقتتال.
تهدي المخرجة سؤدد كنعان الفيلم إلى جميع السوريين، من بقي منهم ومن هاجر، إذ إن الجميع تحت نير المعاناة، والجميع دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وقد رأت أن إبقاء النهاية مفتوحة يعكس أن الوضع ما زال قائماً، وأن الحرب لم تنتهِ، وأن واقع اللجوء ما يزال مستمراً. كما أن النهاية المفتوحة، بشكل عام، تجعل المتلقي شريكاً في تخيّل ما ستؤول إليه الأحداث، وفق أفكاره وتصوراته، بما يضيف غنى وثراء إلى العمل.
طبعاً، فكرة الفيلم نبيلة ووجدانية، بوصفه شاهداً على زمن نتمنى ألا يعود. ولعل الواقع كان أكثر وحشية وألماً مما رأيناه، إذ عبّر الفيلم، بطريقة بسيطة وعادية، عن واقع معروف ومعاش، لكنه يبقى صوتاً في وجه استباحة الإنسان المهدور والمكشوف للحرب والتهجير والدمار.
by حسين خليفة | Apr 11, 2026 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, Roundtables - EN, العربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم “اكتظاظاً” بالأحزاب والسياسيين والزعماء و”القادة الملهمين”، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين العرب: “أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ويعتقد 50 في المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد 10 في المائة على الأقل أنهم آلهة”. (1)
لمحات من تاريخ العمل الحزبي في سوريا
شهدت سوريا ولادة إرهاصات لأشكال من الأحزاب السياسية “جمعيات” مع أفول حقبة الاحتلال العثماني للشرق، وكانت استجابة لطموح الشعوب المحكومة بالاحتلال إلى الاستقلال وبناء دولها القومية، بالتزامن مع نشوب الحرب العالمية الأولى، وشهوة الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب للاستيلاء على تركة “الرجل المريض”.
وفي زمن الانتداب الفرنسي (1920 ـ 1946)، تأسست أحزاب وحركات عديدة، ربما كان أولها الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان الذي تأسس عام 1924، ثم تأسست الكتلة الوطنية عام 1928 من ائتلاف مجموعة من رجال السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة السوريين الذين جمعهم الإيمان بوحدة سوريا واستقلالها.
وانشق عن الكتلة الوطنية لاحقاً تشكيل سُمّي “حزب الشعب”، ليحتكر الحزبان، إلى حد كبير، الحياة السياسية والبرلمانية في سوريا آنذاك، رغم وجود نشاط واضح للشيوعيين والقوميين السوريين، “تأسس الحزب القومي السوري عام 1932″، إضافة إلى حزب البعث الذي تأسس غداة الاستقلال عام 1946.
الربيع الحزبي القصير
استمرت الحالة الحزبية في سوريا بهذا الشكل، إلى حد كبير، حتى أثناء فترة الانقلابات خلال الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ونشطت أكثر فأكثر خلال الفترة اليتيمة التي شهدت حياة برلمانية حقيقية مستقرة بين عامي (1954 ـ 1958)، حتى جاءت الوحدة السورية المصرية التي قضت على الحياة السياسية في سوريا.
امتد شلل الحياة السياسية، رغم الفشل الذريع لتجربة الوحدة القسرية في أيلول من عام 1961، وقيام حكومة أعادت تفعيل الحياة السياسية، لكن سرعان ما انقض البعثيون على السلطة في انقلاب 8 آذار 1963، وأعادوا تأسيس النظام الأمني الشمولي. ورغم تعدد الحركات والانقلابات، إلا أن الإطار العام بقي تفرداً للبعث بالسلطة، ثم تفرد فرد وعائلة بالسلطة منذ عام 1970، حين تمكن حافظ الأسد من الانقلاب على خصومه، رفاق الأمس، وتأسيس نظام أمني صارم ومغلق ودموي أبقاه على رأس السلطة مع عائلته وحاشية ضيقة من المنتفعين من الفساد الذي رافق الاستبداد، كما هي العادة، حتى موته عام 2000.
وكان حافظ الأسد قد هيأ استلام السلطة لابنه بشار الأسد، الذي حكم بالعنجهية ذاتها، مع تميزه عن أبيه بقلة الخبرة وضعف الشخصية وأمراض مزمنة أخرى، حتى سقوط نظامه في 8 كانون الأول عام 2024.
زمن الهيئة
سقوط نظام بشار، والقدوم السريع لقوات هيئة تحرير الشام من إدلب إلى دمشق خلال 11 يوماً، وإعلانها أبا محمد الجولاني (الرئيس الحالي أحمد الشرع) رئيساً للفترة الانتقالية التي حُددت بخمس سنوات، ومن خلال الملامح الأولى لـ”الحوار الوطني” و”الإعلان الدستوري” و”مجلس الشعب”، بدا للمراقبين أن هناك توجهاً نحو التفرد في إقرار مستقبل البلاد، بتغييب أي دور للأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية التي كانت في صفوف المعارضة لنظام الأسدين.
إضافة إلى تعيين قيادات النقابات والاتحادات المهنية وتحويلها، بالتالي، إلى أجهزة تنفيذية تابعة للسلطة. وكذلك مجلس الشعب، الذي لم يكتمل بعد بانتظار تعيين الثلث الخاص بالرئيس الانتقالي، بعد انتخاب الثلثين الآخرين من لجان شكَّلتها السلطة الانتقالية.
إضافة إلى التسامح مع لغة تحريضية ضد الأقليات، وتنفيذ مجازر مروعة في الساحل السوري في آذار 2025، وفي السويداء بتموز من العام ذاته.
الآن تبدو الصورة البانورامية للحالة الحزبية والنشاط الحزبي والسياسي قاتمة في سوريا بسبب عدم صدور قانون أحزاب جديد أولاً، علماً أن آخر قانون أحزاب أصدره بشار الأسد، في تلبية شكلية لمطالب الثورة السورية، لم يشرع سوى لأحزاب صغيرة مسيطر عليها أمنياً، وتكاد تكون وهمية، إضافة، طبعاً، إلى أحزاب ما سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، وهو تحالف أنشأه حافظ الأسد عام 1972 من الأحزاب الرئيسية المعروفة في البلد، عدا الإخوان المسلمين والحزب القومي السوري، وهي: “الحزب الشيوعي السوري، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الاشتراكيين العرب، حزب الوحدويين الاشتراكيين، وحزب البعث كقائد للدولة والمجتمع والجبهة أيضاً”. ولاحقاً حدثت انقسامات عدة في أحزاب الجبهة، وتم ضم الأحزاب الجديدة المنقسمة عن أحزاب الجبهة إليها، إضافة إلى الحزب القومي السوري، ليصبح عدد الأحزاب تسعة أحزاب.
ويبدو من نهج السلطة الانتقالية، في الجانب السياسي والإداري، اعتمادها كلياً على كوادر هيئة تحرير الشام العاملين في صفوف هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، وهو ما يُعرف في سوريا بمشايخ الهيئة، حيث يدير معظم الوزارات والمؤسسات شيخ أعلى من الوزير أو المدير العام.
ومعلوم أن تأسيس جبهة النصرة كان بعيد اندلاع الثورة السورية، كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، نهاية عام 2012، إذ قام أبو بكر البغدادي، أمير التنظيم في العراق، بإرسال أبي محمد الجولاني مع بضعة قياديين سوريين وأجانب إلى سوريا لإقامة فرع لتنظيم القاعدة فيها تحت اسم “جبهة نصرة أهل الشام” عام 2012.
في تموز عام 2016، تم تغيير اسم تنظيم جبهة النصرة إلى “فتح الشام”، في محاولة للالتفاف على العقوبات الدولية وعلى تصنيف جبهة النصرة كـ”تنظيم إرهابي”. وكان ذلك التغيير تمهيداً للانفصال عن تنظيم القاعدة أيضاً، ولم يدم الاسم طويلاً، إذ سرعان ما أُعلن تأسيس هيئة تحرير الشام بعد دمج فصائل إسلامية عدة مع التنظيم عام 2017.
هذه نبذة موجزة عن الحزب الحاكم فعلياً في سوريا الآن، رغم الإعلان عن حل الهيئة بعد وصول قواتها إلى دمشق، لكن تشكيل ما يسمى بالإدارة السياسية، وهي الحاكم الفعلي لسوريا، يذكرنا إلى حد بعيد بالقيادة القطرية لحزب البعث، في ظل وجود عضو من هذه الإدارة في كل محافظة وفي الوزارات الهامة لتسيير الأمور.
الآن، ما هي الحالة الحزبية في سوريا في ظل عدم وجود قانون أحزاب، ولا قانون إعلام، ولا صحافة حرة بمعنى الكلمة؟
أحزاب تعمل بحذر وتنتظر قانوناً
قمنا بلقاء قياديين في حزبين موجودين على الساحة لسبر رؤيتهما حول الحالة الحزبية في سوريا الجديدة.
عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد تحدث لنا عن الوضع الحالي للحزب قائلاً: “هناك حالة انتظار بالنسبة لنا كنشاط سياسي، ونحاول متابعة حد أدنى من النشاط السياسي والإعلامي، مع حرصنا على عدم استفزاز السلطة.
لقد رفض الحزب الشيوعي السوري الموحد قرار حل الأحزاب، وتابع نشاطه السياسي بأشكال أقل علنية، ويساهم اليوم مع غيره من الأحزاب وهيئات المجتمع المدني في تجمعات سياسية واجتماعية ترفع شعارات وطنية، كاستعادة السيادة السورية، ووحدة الأرض والشعب، ورفض التقسيم، والنضال لاستعادة كل شبر من الأرض السورية التي يحتلها الكيان الصهيوني، ومن أجل الديمقراطية عبر دستور ديمقراطي يعترف بحقوق المواطنة والحقوق السياسية لجميع السوريين بغض النظر عن الجنس والدين والمعتقد والإثنية.”
وحول تعامل السلطة مع الحزب حتى الآن قال: “لم نشهد تصعيداً ضد الحزب حتى اليوم.”
وفي مقال له منشور في صحيفة خليجية زودنا به، يبين القيادي الشيوعي ذاته موقف حزبه، الذي كان عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية في عهد النظام السابق، نقتطف منه: “المنتصرون في سِفر الثورات العالمية على مدى التاريخ، اكتشفوا في أحيان كثيرة أنهم كانوا أضاحي، والمنهزمون خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك بعد أن بدّلوا زيّهم، وتبددت الأحلام الوردية كسحابة صيف، أما شعارات الحرية والعدل والمساواة، فاختنقت في الحناجر، وتحولت إلى “بوسْتَرات” ملوّنة تزين جدران مخافر الشرطة وغرف الاعتقال والتعذيب.”
ويضيف: “ورغم الغموض الذي اتسمت به الصفقات الإقليمية والدولية التي أطاحت بنظام “الأسد” وأدّت إلى سيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في سورية، فقد تساوى التفاؤل والخوف والقلق في صبغ ردود أفعال المواطنين السوريين تجاه التغيير الحاصل في البلاد، فقد تفاءل الكثيرون بسبب انهيار سلطة الحزب الواحد الذي هيمن على سورية منذ نحو ستّة عقود، وكان كثيرون يعتقدون أن ذلك أمرٌ مستحيل، بسبب القبضة العسكرية والأمنية للنظام المنهار، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد تخوف الكثيرون أيضاً من الآتي الجديد بسبب خلفيته الجهادية ذات اللون الواحد، وانتابهم القلق حول مستقبل بلادهم بعد أن عانوا طويلاً من التفرد.”
وحول رأي حزبه بالإجراءات والخطوات التي اتخذتها السلطة الجديدة، أضاف القيادي الشيوعي في مقاله:
“لقد أظهرت مؤشرات عدة خلال فترة قصيرة، بعد أن عُيّن السيد “الشرع” رئيساً للبلاد، بموجب قرار الإدارة العسكرية “لهيئة تحرير الشام”، ومن خلال أول الاستحقاقات، وهو مؤتمر الحوار الوطني، أن اللون الواحد سيطغى على جميع الاستحقاقات اللاحقة، وأن شعار “من يحرّر يقرّر” الذي رفعه بعض قيادات “الهيئة” تحوّل إلى سلوك عملي، رغم تناقضه مع طموحات السوريين إلى سورية الجديدة الموحدة، فكان حواراً مع الذات لا مع الآخر المتنوّع والمختلف، وخرج بتوصيات مسبقة الصنع بصيغ عامة لا تضمن توحيد الأطياف السورية، ولا تضع الإطار الديمقراطي التعددي الذي يمنع إعادة إنتاج التفرّد والاستئثار والاستبداد.
أما المؤشر الثاني، فكانت أحداث الساحل السوري، التي تحولت إلى “مقتلة” أعادت إلى الأذهان التحريض والتجييش الديني والطائفي، واستخدام المراكز الدينية ومشاعر المتدينين لاضطهاد الطائفة العلوية، بزعم أنها حاضنة رموز النظام المنهار. هذه “المقتلة” التي أدّت إلى استشهاد آلاف المدنيين الأبرياء من جهة، والتخوف من استمرارها في مناطق أخرى، وبأشكال أخرى من جهة ثانية، علماً أن هذه الطائفة كانت، خلال عقود تسلط النظام المنهار، من أكثر الأطياف تضرراً، باستثناء قلّة منها استغلت نفوذها لتلبية مصالحها الضيقة المعادية لمصالح الوطن والشعب.
ثم جاء المؤشر الثالث، وهو إصدار الإعلان الدستوري الذي صاغته لجنة اللون الواحد، والذي لم ينص صراحة على تبنّي الديمقراطية التي ناضل السوريون من أجلها، والذي افتقد إلى الضمانات الواضحة لبناء سورية الجديدة الديمقراطية.. المدنية.. التشاركية، ليكتمل المشهد المتسم باللون الواحد، الذي سيراه السوريون في الأيام القادمة.”
السيد عمر المختار ونوس، القيادي في الحزب الدستوري السوري “حدس”، تحدث عن تجربة الحزب مع السلطة الجديدة قائلاً: “نحن في الحزب الدستوري السوري نرى أن المشهد الحزبي بعد سقوط نظام الأسد يعيش حالة فراغ قانوني وسياسي خطير. فحلّ الأحزاب بقرار فوقي، من دون أن يُستكمل ذلك بإطار قانوني بديل ينظّم العمل الحزبي، أوجد واقعاً ضبابياً يقيّد التعددية ويعيد إنتاج منطق السلطة المؤقتة غير الخاضعة للمساءلة.
غياب قانون أحزاب واضح، يستند إلى معايير دستورية ديمقراطية، يعني عملياً تعطيل أحد أهم مقومات الحياة السياسية السليمة، ويجعل النشاط الحزبي عرضة للاجتهاد الأمني أو الإداري، بدل أن يكون حقاً سياسياً مكفولاً.
من وجهة نظرنا، لا يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي أو عن بناء دولة قانون، في ظل غياب تشريع يضمن حرية التنظيم السياسي والتنافس السلمي على أساس البرامج لا الولاءات.”
وجواباً على سؤالنا حول تعامل السلطة الجديدة مع نشاط الحزب وفعالياته، قال: “الحزب الدستوري السوري لم يكن يوماً حزباً مرخّصاً في ظل نظام الأسد، لأنه لم يعترف بشرعية ذلك النظام، ولا بشرعية قوانينه القمعية. وبالتالي فإن موقفنا من السلطة الجديدة ينطلق من المبدأ ذاته: نحن لا نطلب اعترافاً من سلطة أمر واقع، بل نطالب بحقوق دستورية وسياسية وطنية ومواطنية، كان يمكن لمؤتمر حوار وطني حقيقي أن يفضي إلى تثبيتها في عقد اجتماعي، لتصبح هي ذاتها مضمون الوثيقة الدستورية، وقد رأينا كيف أدى تجاوز هذا الحوار إلى تعقيد المشهد الوطني.
السلطة المؤقتة/ الانتقالية/ الأمر الواقع تريد إبقاء الحياة السياسية في منطقة رمادية، لتستكمل تمكين نفسها في الحكم، وهناك الكثير من المقدمات الواضحة بالنسبة لنا في منهج السلطة الحالية، التي تجعلنا على يقين تام بأنها لا تريد نظام حكم يقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية.”
وحول تعامل السلطة مع بعض الفعاليات التي يقيمها الحزب في الداخل السوري، وفيما إذا كان الحزب يطلب موافقة من السلطة على تلك الفعاليات، قال السيد ونوس: “ليس هناك أي حوار بيننا وبين السلطة، ولا نقدم أي طلبات للموافقة على أنشطتنا، ونرفض من حيث المبدأ منطق “الاستئذان السياسي” الذي كان سائداً في عهد النظام السابق. وفي الوقت ذاته، نؤكد أن الحل لا يكون بالفوضى، بل بإصدار قانون أحزاب عصري، واضح، وشفاف، يحدّد الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية.
باختصار، مشكلتنا ليست تقنية مع جهة بعينها، بل سياسية مع غياب الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظّم الحياة العامة، ويمنع تحوّل أي سلطة مؤقتة إلى بديل استبدادي جديد.”
المستقبل واحتمالاته
من خلال تجارب ممارسة السياسة في ظل النظام السابق والنظام الحالي، يمكن القول إنه في العهود البعثية تم إلغاء الحياة السياسية و”تعقيمها” لتصبح على مقاس النظام ورؤاه السياسية والفكرية، وقد أسس حافظ الأسد لنمط خاص في الممارسة السياسية بأن جرّ الأحزاب الرئيسية اليسارية والقومية في البلد إلى تحالف غير متكافئ سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، جعله يتحكم تماماً بهذه الأحزاب كحزب قائد أولاً، وعبر إعطاء بعض الامتيازات لقياداتها ثانياً، لتتحول إلى جزء من النظام السياسي وتتماهى مع البعث حتى تصل إلى التطابق بالنسبة لغالبية الأحزاب.
أما الأحزاب التي بقيت خارج هذه الجبهة، فكان حافظ الأسد، بحنكته السياسية، يمسك بخيوط الممارسة السياسية، فيقوم، متى ما أراد، بقمع أي حزب أو حركة بحجة عدم شرعيته، وقد ضعفت هذه الأحزاب مع الزمن بعد حملات الاعتقال بحق قياداتها وأعضائها ومناصريها، وأهمها الإخوان المسلمون، والحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، وحزب العمل الشيوعي، والأحزاب الكردية التي اتبعت السلطة تجاهها سياسة غض النظر مع عدم الاعتراف بها والضغط الأمني المستمر عليها.
وقد كانت أحزاب الجبهة هي الوحيدة المعترف بوجودها شرعياً، ويُترك لها الهامش الذي يحدده هو وأجهزته الأمنية بسياسة غض النظر دون الاعتراف بها، أو السماح لها بالعمل علناً. بل إن جريدة الحزب الشيوعي مثلاً لم تكن تباع في الأكشاك رغم مطالبات الحزب المتكررة بذلك حتى مجيء بشار الأسد وسماحه بذلك، رغم أنها في الواقع بالكاد تميزها عن صحف السلطة وملحقاتها الأمنية.
بل إن أملاك هذه الأحزاب وأبنيتها وسياراتها لم تكن توضع باسم الحزب، بل باسم قياداتها “الأمين العام غالباً”، بسبب عدم وجود قانون للأحزاب حتى قيام الثورة السورية عام 2011، حيث أصدر بشار الأسد قانوناً للأحزاب، ورُخِّصت بموجبه أحزاب عدة، معظمها، إن لم نقل كلها، خرجت من داخل فروع المخابرات ومضبوطة حركتها تماماً، ولذلك بقيت مهمشة ومجهولة من الشارع ودخلت طي النسيان بعد سقوط النظام، إلا القليل منها.
بعد صدور قانون للأحزاب عام 2012، صار بإمكان الأحزاب المعترف بها بموجب هذا القانون تملّك مقراتها وأملاكها باسم الحزب، والمفارقة هنا أن كثيراً من أحزاب الجبهة أبقت عليها باسم الأمين العام الذي يختصر الحزب في شخصه، كما هي الحال عند الحليف الكبير.
الآن، تقف الأحزاب القديمة، أو من بقي منها على قيد الحياة، في موقف انتظار الآتي، حيث لا قانون للأحزاب ينظم عملها ويقونن وجودها، مع صدور قرار عن “مؤتمر النصر” بحل أحزاب الجبهة ومصادرة ممتلكاتها.
بالتالي، يسود الخوف والحذر من اعتماد المزاج الشخصي أو العقائدي في التعامل معها، إذ تستطيع السلطة التصرف كما تشاء حيالها، فنلاحظ أن ممارسة السياسة خافتة وفي حدودها الدنيا. وهناك أحزاب وحركات، خصوصاً الأحزاب التي كانت معارضة لنظام الأسد وساهمت بقسطها في الثورة السورية، في طورها السلمي على الأقل، وخسرت قيادات وكوادر لها في المعتقلات، تقوم بفعاليات واجتماعات “غير مرخصة طبعاً”، لكن لا تعترض السلطة عليها حتى الآن، على الأقل.
وقد شهدت مقاهي دمشق “الروضة والكمال خصوصاً” أكثر من اجتماع موسع لأحزاب وحركات “حزب العمل الشيوعي، تحالف تماسك لأحزاب وحركات يسارية، حزب الإرادة الشعبية بقيادة د. قدري جميل… إلخ”، وندوات فكرية لشخصيات فكرية وسياسية معارضة.
ويقرأ كثير من المتابعين هذا الأمر على أنه يعود لسببين أساسيين: الأول، عدم تشكيلها أي خطر على السلطة بسبب ضعف الأحزاب الموروث من الحقبة السابقة وسنوات الدكتاتورية الطويلة، والثاني، أن السلطة في مرحلة التمكين، ويمكن أن تغض النظر عن هذه النشاطات مؤقتاً حتى تتمكن وتبدأ بضبط الحراك السياسي وتطويعه تماماً.
ويبدو التفاؤل ضعيفاً بصدور قانون أحزاب عصري ومتوازن، بالقياس مع طريقة تعاطي السلطة الجديدة مع بقية الاستحقاقات الديمقراطية التي ذكرناها، وخصوصاً مجلس الشعب.
هوامش
1- مقال “بصراحة” للأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة “الأهرام”، 27 أكتوبر 1961.