حريق اللاذقية المُؤَدْلج ونظريات المؤامرة

حريق اللاذقية المُؤَدْلج ونظريات المؤامرة

”إن العالم الذي نعتقد أننا نعرفه يتغيّر تحت أقدامنا لأننا قمنا بتغييره. نحن ندخل مرحلة المناخ المجهول.“
جون فايلانت

حين ينعدم اليقين، ويُوظَّف الخطاب الإعلامي الرسمي ليخدم رواية محدّدة بدلاً من أن يكون مصدراً للمعلومة الدقيقة، غالبًا ما تأتي نظريات المؤامرة بأسلحتها من الشائعات وتسدّ الفراغ، وتنتشر كمثل النار في الهشيم محمّلة بشحنات عاطفية، وتُعيد تشكيل فهم الناس للأحداث. والسبب هو أنها تتوافق مع طرق التفكير السائدة، وتخدم الانتماءات الإيديولوجية. نشهد هذا على أوضح وجهٍ في الجوّ السوري حيث تتواصل الاتهامات والاتهامات المضادة حول أسباب حريق اللاذقية، وترسم صورة مشوهة له وهو يلتهم الرئة الخضراء لسورية.
من الأجدى أن نقرأ حريق اللاذقية في سياق التغير المناخي، لا بمعزل عنه، وأظن أن كتاب الصحافي الكندي جون فايلانت ”طقس النار: على الخطوط الأولى لعالم يشتعل“ يقدّم رؤية عميقة لفهم هذا النوع من الكوارث. يذهب فايلانت إلى أننا دخلنا عصراً جديداً لم تعد فيه الحرائق ظواهر طبيعية مألوفة كما عهدناها، بل تغذيها قوى مناخية. فمع ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الهواء، واشتداد الرياح، يتشكل الجو المثالي للاشتعال. ذلك أن النظام المناخي بات يحتوي على قدر غير مسبوق من الطاقة الحرارية، ومع الاحترار العالمي تتعرض الغابات للجفاف بوتيرة متسارعة، وتتحول النباتات إلى وقود هش سهل الالتهاب. لكن الحرارة، كما يشير فايلانت، ليست سوى طرف واحد في المعادلة، فالرطوبة المنخفضة تمثل عاملاً خفياً لكنه بالغ التأثير. إذ حتى عندما لا يبدو سطح الأرض جافًا، قد يكون الهواء نفسه شديد الجفاف، ما يؤدي إلى سحب الرطوبة من الأشجار والتربة والأعشاب. وبهذه الشروط، يتكوّن ما يُعرف لدى رجال الإطفاء بـ ”الوقود المتفجر“، حيث تكفي شرارة صغيرة لإشعال حريق لا تمكن السيطرة عليه. أما الرياح فهي العنصر الأخطر في رأيه، ولقد قدم وصفاً شعرياً لحريق فورت ماكموري في كندا قائلاً إن النار لم تكن تشتعل فحسب بل تتحرك بسرعة وكأنها مُطَاردة. فالرياح لم تكن تدفع الحريق فحسب بل تغذّيه. يشير فايلانت أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الحرائق صارت قادرة على صناعة طقسها الخاص. ففي ظل الحرارة الشديدة يمكن لأعمدة الدخان والهواء الصاعد أن ينتجوا سحباً تُطلق برقاً ورياحاً عنيفة كالعواصف الرعدية فيتحول الحريق إلى نظام ذاتي التغذية. يطلق فاليانت على هـذا الطقس الجديد اسم طقس الحرائق الـذي يعكس تحولاً في سلوك الحرائق لأن العواصف الرعدية باتت تصل دون مطر وتشعل الأراضي الجافة.

حرائق مضيئة ومؤامرات لا تحتاج إلى نظرية

ثمة حرائق سابقة حدثت في مناطق أخرى من العالم يوضحُ الجدلُ الـذي دار حولها كيف تؤثر الإيديولوجيا والانقسامات السياسية في الروايات المتداولة حول أسبابها: أثناء حرائق ولاية أوريغون الأمريكية عام ٢٠٢٠، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم لا أساس لها من الصحة بأن نشطاء مناهضين للفاشية ومتطرفين يمينيين أشعلوا الحرائق عمداً. انتشرت الشائعات بسرعة وتدفقت على مراكز الطوارئ اتصالات من مواطنين تحدثوا عن اعتقالات لم تجْر. وعلى الرغم من نفي الشرطة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي لهذه المزاعم، إلا أن كثيرين واصلوا تصديق أن الحرائق نجمت عن مؤامرة سياسية منظمة. لكن كل ما فعلته هذه الاتهامات هي أنها حاولت تقويض الخطاب البيئي حول الاحتباس الحراري، ورسّخت المعلومات المضللة، وأثرت في الطريقة التي فسّر بها الناس الأزمة.

يكشف لنا الإعلام الاجتماعي أننا لم نعد بحاجة إلى منطق أو أدلة تدعم ما نقوله أو نسوقه على أنه الحقيقة والسبب هو أننا دخلنا في ما دعتْه الفيلسوفة السياسية الأمريكية نانسي روزنبلوم مرحلة المؤامرات التي لا تحتاج إلى نظرية. في جوّ كهذا تصبح المزاعم العاطفية، حتى وإن كانت غير صحيحة، بدائل مؤقتة حيث يفتقر الناس لليقين. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من المستحيل تقريبًا احتواء نظريات المؤامرة، إذ تتم تغذيتها بمحتوى يعزز القناعات المسبقة، الأمر الذي ينتج حلقات مغلقة تتكرر فيها الأكاذيب حتى تبدو حقيقية. يشبه هذا ما يجري في الواقع السوري حيث تُشْحَن بطاريات الاتهامات بكهرباء طائفية تصرف أنظارنا عن الأسباب البيئية للكوارث الطبيعية. في جو مشحون كهـذا تغيب التفسيرات العلمية، ويُغطّى موضوع التغير المناخي بحجابٍ إيديولوجي يخفيه، ويُصوَّر الأمر على أنه صراع بين سلطة تحاولُ تأمين الاستقرار وفلولٍ يحاولون زعزعته من طريق إشعال الحرائق بدعمٍ وتمويل من جهات خارجية تتربّص بالنظام الجديد. فيما يشيع البعض الآخر أن ما يجري محاولة لتهجير سكان هذه المناطق من أجل مشاريع اقتصادية قادمة.

تدخلت الإيديولوجيا في حريق اللاذقية، وتعددت حول أسبابه روايات تلائم مصلحة كل طرف. وبصرف النظر عن قصة هذا أو ذاك، تكشفت النار عن وضع مأساوي سوري ينذر بمخاطر جمة تهدد الأفق المتوسطي. ورغم هذا الخطر الداهم لم تحدث فزعةٌ رسمية لإطفاء الحريق كالفزعة التي حدثت لإخماد تمرد الفلول وارتكاب المجازر ضد المدنيين العلويين في بيوتهم. ولم تحدث فزعة عربية أو دولية فورية لاحتواء الكارثة وإنقاذ المساحات التي احترقت.

عالم جديد

يقول الصحافي الكندي جون فاليانت إن العالم الذي كنّا نعيش فيه ونطمئن إلى ثقافته قد تهاوى، وولد مكانه عالم جديد تتربّع على عرشه النيران. يقترح استبدال مصطلح “الإنسان العاقل” بـ”الإنسان الناري”، وهو اسم مشتق من ولائنا للاحتراق واعتمادنا عليه. فنحن، في نظره، كائنات نارية، لأن النار هي محرّك حياتنا وقوتنا العظمى. لكن المفارقة أن هذا الاعتماد الكبير على الاحتراق جعل العالم أكثر قابلية للاشتعال من أي وقت مضى في تاريخ البشرية. وفي هذا العالم القابل للاشتعال، لا يمكن حصر حريق اللاذقية – الذي قضى على أكثر من ١٦ ألف هكتار من الرئة الخضراء لسورية – ضمن حدود التأويل الإيديولوجي، أو تلوينه بلون الانقسامات والاستقطابات التي نعيشها. فالنار التي التهمت غابات الساحل لا تسأل عن هوية من تضرهم، بل تحرق بيئة السوريين جميعًا، وتحدث آثارًا بعيدة المدى تهدد حياتهم ومستقبل أبنائهم. ومع اشتداد النيران، يكتشف السوريون الحريصون على بلادهم مرجعية جديدة تتشكل من رماد الحرائق يصنعها أبطال متطوعون من مختلف الطوائف، يقفون على الخطوط الأولى للحريق في جبال اللاذقية، بإمكانات محدودة وعزيمة لا تلين. هؤلاء، وليس المرجعيات الطائفية العابرة للحدود، القادمة من قُم أو من نجد، هم من يستحقون أن يكونوا نواة لوعي وطني جديد، وركيزة لبناء سورية على أسس تتجاوز الطائفية والانقسام.

هل ستحل التجمعات المدنية مكان الأحزاب السياسية في سوريا الجديدة؟ 

هل ستحل التجمعات المدنية مكان الأحزاب السياسية في سوريا الجديدة؟ 

بعد سنوات طويلة من غياب الحياة السياسية في سوريا، خلال حكم نظام الأسد البائد، تشهد الساحة السورية اليوم ولادة العديد من التيارات والتجمعات والمبادرات، التي حاولت ومازالت تحاول أن تدخل المشهد السياسي وتضع موطئ قدم لها في طريق بناء سوريا. ولكن، على الرغم من أهميتها ومحاولة بعضها أن يحل محل الأحزاب السياسية، يبقى المشهد السياسي في سوريا مفتقداً لوجود تلك الأحزاب، في ظل غياب أي قانون خاص لتنظيم عملها وطبيعة نشاطها، إذ أن معظم  التيارات والتجمعات التي تأسست بعد سقوط النظام كانت ذات صبغة مدنية ومجتمعية، ورغم اقتراب بعضها قليلاً من المجال السياسي إلا أنها تبقى بعيدة عن نهج وأدبيات وممارسات الأحزاب السياسية.  

وبالنظر إلى طبيعة نشاط تلك التجمعات والتيارات سنجد أنها بمعظمها تتبنى أفكاراً وطنية عامة حول المواطنة والتعددية والعدالة وبناء دولة القانون، دون أن يكون لها أية أيديولوجية خاصة أو مشاريع سياسية تفصيلية ومؤثرة أو حتى رؤية وآليات سياسية ناجعة أو خطة عمل واضحة، إذ تتشابه في أفكارها وأهدافها وطبيعة نشاطاتها، التي تنحصر في قيامها بعددٍ من الأنشطة والفعاليات (التي يغلب عليها الطابع المدني والثقافي والإجتماعي) وعقد بعض اللقاءات وجلسات الحوار، وإصدار البيانات حول القضايا والأحداث العامة ورفع بعض الشعارات التي تحمل مطالب وطنية عامة، إلى جانب تنظيم بعض الوقفات التضامنية والاحتجاجية، بغضّ النظر عن مدى تأثيرها الفعلي في الشارع. وقد تأسس بعد سقوط النظام عدد كبير من المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية التي حاولت أن تملأ الفراغ السياسي في البلاد، وسنكتفي هنا بالحديث عن مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع، التجمع المدني في جرمانا، التيار المدني الديمقراطي وتجمع سوريا الديمقراطية. 

مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع: بحسب ما جاء في تعريفها: “تهدف هذه المبادرة إلى تحقيق رؤيةٍ وطنية تُجسّد تطلعات الشعب السوري في الحرية، الكرامة، والعدالة، وتُعبّر عن إيماننا الراسخ بدور المجتمع المدني كمحرك أساسي للتغيير الإيجابي”. وقد نظَّمت المبادرة، التي تضم أكثر من 200 عضو، عدداً من جلسات الحوار مع بعض السياسيين والحقوقيين، ومن بينها: جلسة حوار مع الكاتب والباحث حازم نهار بعنوان: المؤتمر الوطني السوري: الضرورة، الآليات، والتحديات. جلسة حوار حول العدالة والصفح في سوريا اليوم، معالكاتب والباحث ياسين الحاج صالح والمحامي والدكتور عبد الحي السيد. جلسة حوار مع أخصائي الطب النفسي الدكتور جلال نوفل،بعنوان: قضايا المحررين والمفقودين وذويهم من وجهة نظر نفسية واجتماعية وإعلامية، وجلسة حوار حول الإعلان الدستوري مع الدكتور في القانون الدولي والباحث القانوني والدستوري إبراهيم دراجي. كما شاركت المبادرة في عدد من الوقفات التضامنية والاحتجاجية، ومن بينها: وقفة تضامنية مع أهالي المعتقلين والمغيبين في ساحة المرجة بدمشق، نظّمتها رابطة عائلات قيصر. وقفة احتجاجية في ساحة الحجاز، بالتعاون مع التجمع المدني في جرمانا، للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية.ووقفة احتجاجية ضد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية والأراضي الفلسطينية. وإلى جانب ذلك شاركت المبادرة في مؤتمر الحوار السوري حول العدالة والحقيقة، الذي عُقد في دمشق/ فندق الشام، في الشهر الأول من العام الحالي، كما نظَّمت المبادرة، بالتعاون مع وحدة تمكين المجتمع المدني، ورشة تدريبية لثلاثة أيام حول مفهوم المواطنة، مبادئها وقيمها والقضايا المرتبطة بها.   

التجمع المدني في جرمانا:  بحسب ما جاء في بيانه، يطمح التجمع بأن تكون سوريا وطناً ديموقراطياً تعددياً يصون كرامة الناس وحياتهم، يحكمه الدستور الجامع، ويسوده القانون والقضاء المستقل، وتتقدمه مبادئ المواطنة من حرية ومسؤولية ومساواة وتشاركية وقيم المواطنة العديدة. 

ويضم التجمع أكثر من 200 عضو، من سياسيين وحقوقيين وفنانين ومثقفين ونشطاء مجتمع مدني. ومن أبرز النشاطات التي قام بها: المشاركة بالوقفة التضامنية في ساحة المرجة دعماً لذوي المعتقلين، استجابة للدعوة التي أطلقتها رابطة عائلات قيصر. تنظيم وقفة أمام محطة الحجاز للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية. تنظيم وقفة تشاركية لدعم استحقاق المؤتمر الوطني العام أمام محطة الحجاز بالتشبيك مع الرابطة المدنية الشبابية السورية ورابطة المحامين السوريين الأحرار. المشاركة في وقفة احتجاجية ضد قرارات الفصل التعسفية بحق آلاف الموظفين. المشاركة في اعتصام مدينة دوما تنديداً بتصريحات نتنياهو ضد التقسيم وضد الطائفية. وإلى جانب ذلك أقام التجمع عدداً من الجلسات الحوارية ومنها: جلسة مع الكاتب والباحث السياسي د.حازم نهار، بعنوان “المؤتمر الوطني السوري العام/ الأهمية – الهدف – التحديات”   وجلسة مع الدكتور عمر شحرور، رئيس حزب العدالة والتنمية السوري، بعنوان: “حزب العدالة والتنمية السوري: المبادئ _ الأهداف _ الرؤية السياسية للمرحلة الانتقالية، وللمستقبل السوري”.  

التيار المدني الديمقراطي:  بحسب ما جاء في تعريفه: نرى نحن في التيار المدني الديمقراطي أن الدولة المدنية الديمقراطية، هي دولة الكل الاجتماعي، التي تنبثق سلطتها عن الشعب، بانتخابات حرة ونزيهة، تشارك فيها كل الأحزاب والتيارات والتجمعات السياسية المستقلة والمنظمات المدنية والاجتماعية والثقافية والنقابات والهيئات الاقتصادية والأفراد، التي تعتمد مبدأ المواطنة المتساوية أساساً لها، بحيث يرى فيها كل المواطنين الأحرار وطنهم السياسي.

وجاء في تعريفه أيضاً:  يعمل التيار المدني الديمقراطي بوسائل سلمية سياسية، من أجل التغيير المدني الديمقراطي الشامل، الذي يعيد صياغة أوضاعنا الداخلية على أسس و مبادئ مدنية ديمقراطية، تجمع في وحدة جدلية، لا تنفصم عراها بين الوطني والديمقراطي، أي بين تحقيق السيادة والتحرر من جهة، وبين الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي، من جهة أخرى .

ويرى التيار أن جوهر التغيير المدني الديمقراطي الشامل هو “أن يصبح الشعب مشاركاً حقيقياً في صنع القرارات، التي تمسه”، من خلال “تفعيل دور أحزابه وتياراته وتجمعاته السياسية ونقاباته ومنظماته واتحاداته وروابطه المستقلة، وضمان حرية الصحافة والرأي والتعبير والنشر والحق في التنظيم والتظاهر والإضراب السلميين واستقلال القضاء وفصل السلطات وتطبيق القانون على الحاكم والمحكوم بالتساوي، ومكافحة الفساد كبيره وصغيره، والتوزيع العادل للثروة والدخل”.

تجمع سوريا الديموقراطية: بحسب ما جاء في بيانه التأسيسي: “تداعى في مدينة اللاذقية مناضلون وفاعلون وشخصيات وطنيّة، وتوافقوا على إطلاق مبادرة باسم تجمع سوريا الديمقراطيّة مفتوحة لجميع السوريين، وللتنسيق مع مبادرات مماثلة، ومع كلّ القوى والهيئات والنقابات التي نتوافق معها”.

ومن أهداف التجمع:  المساهمة الفاعلة في حماية السلم الأهلي والمرافق العامة مع كل من يساهم في ذلك. العمل الجاد من أجل مؤتمر حواري وطني سوري، ومتابعة عملية الانتقال الديمقراطي. العمل الفوري الجاد على توحيد وتنسيق جميع الجهود الرامية إلى خلاص سوريا من أي احتمال لعودة الاستبداد، وسيرها على طريق الحريات والحقوق الكاملة غير المنقوصة. الدفاع عن مصالح الطبقات والفئات الشعبية الاقتصادية والسياسية وحقوقها بالتنسيق مع نقاباتها واتحاداتها المختلفة المستقلة القائمة أو المزمع إقامتها في المستقبل القريب والبعيد. والتنسيق مع مختلف الاتحادات الثقافية والأدبية والفكرية وسواها، الحريصة على إبراز وجه سوريا الحضاري.

ما بعد وقفة المرجة  

خلال المجازر والانتهاكات التي وقعت بحق أبناء الطائفة العلوية، نظَّم عدد من التيارات والتجمعات المدنية والشخصيات الثقافية والسياسية وقفة في ساحة المرجة للتضامن مع ضحايا المجازر ومع شهداء الأمن العام، الذين قضوا بهجمات فلول النظام، وللمطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم. وخلال الوقفة اصطدم المشاركون، الذين كانوا بمعظمهم شخصيات معارضة للنظام السابق ومحسوبة على الثورة، مع بعض الأصوات المعارضة التي أطلقت شعارات طائفية واقتحمت الوقفة لتقف بوجههم وتتهمهم بأنهم عملاء وفلول، ليتطور الأمر إلى عراك بالأيدي ولإطلاق النار بالهواء من قبل عناصر الأمن العام لتفريق المشاركين. ونتيجة لما حصل صُدم معظم المشاركين وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة وتراجع حماس ونشاط الكثير منهم وتسلل الخوف إلى قلوبهم، بعد أن أعادهم المشهد إلى زمن النظام البائد وطريقة تعامله مع المظاهرات التي كانت تطالب بالحرية، وهو ما أدى إلى تراجع زخم النزول إلى الشارع بشكل كبير، ليقتصر الأمر على بعض الوقفات الخجولة، وعلى بعض الأنشطة المدنية والاحتفالية التي يتعلق معظمها بذاكرة الثورة، وهو ما بدا واضحاً خلال أحداث جرمانا وصحنايا والسويداء، التي وقعت بعد التسجيل المسيء للنبي الكريم محمد، فرغم رغبة الكثير من النشطاء المدنيين بتنظيم وقفات احتجاجية ضد ما حدث بحق أبناء الطائفة الدرزية، لم يسجل الشارع أي وقفات احتجاجية أو تضامنية تذكر، وذلك نتيجة تخوفهم الواضح من ردة فعل مشابهة لما حدث خلال وقفة المرجة، في حل تم النزول إلى الشارع. 

في غياب الأحزاب السياسية  

رغم أهمية تلك المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية، تبقى الحاجة لوجود أحزاب سياسية ضرورة ملحة لتحقيق أهداف الثورة السورية  التي نادت بالحرية والديمقراطية، إذ ينتظر الكثير من السوريين إصدار قانون الأحزاب الذي سيتيح لهم إمكانية تشكيل أحزاب سياسية جديدة تُعبِّر عن أفكارهم وتطلعاتهم السياسية. وترى معظم النخب السياسية والثقافية أن غياب الأحزاب السياسية في سوريا وتهميشها وإقصائها سيشكل تهديداً لشكل الدولة الديمقراطية المستقبلي ويعرقل عملية التحول الديمقراطي ويغلق الطريق أمام إمكانية الإصلاح والتغيير المنشودين من قبل السوريين، فمن المعروف أن غياب الأحزاب يعني غياب الديمقراطية، حيث يساهم وجودها في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية في المجتمع ونشر الوعي والفكر السياسي والإرتقاء بهما، وتكريس مفهوم الدولة الديمقراطية الحديثة التي يُعتبر وجود الأحزاب السياسية أحد مرتكزاتها ودعائمها. كما أن وجود الأحزاب يُشكل ضغطا مباشراً على الحكومة ومراكز صنع القرار ومؤسسات الدولة لكي تنهض بمسؤولياتها وواجباتها على أكمل وجه، كما تساهم الأحزاب أيضاً في تشكيل الرأي العام وتحريضه من أجل النهوض بواقع البلاد وتسليط الضوء على أخطاء وممارسات السلطة والوقوف بوجهها في حال حادت عن برنامجها السياسي ونكثت بالوعود التي وعدت الشعب بتنفيذها.

سورية:”عدالة انتقالية” لا انتقائية ولا انتقامية

سورية:”عدالة انتقالية” لا انتقائية ولا انتقامية

واقعٌ مريرٌ يعيشه السوريون اليوم، بعد تزايد المخاوف من استمرار التوتر وتجدّد اندلاع المزيد من أعمال العنف والقتل، وتغييب العدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة من كل أطراف النزاع السوري الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بحقّ السوريين على مدار السنوات الأربع عشرة الماضية، الأمر الذي يهدّد السلم الأهلي، ويقوض أيّ فرصة لبناء سلام مستدام في البلاد، في حال لم يحقّق مبدأ العدالة للجميع، وتواصلت الانتهاكات والتجاوزات وعمليات القتل خارج نطاق القانون، وعدم مضي صنّاع القرار في سورية الجديدة نحو بناء دولة قائمة على العدالة وسيادة القانون، ووضع حدٍّ لثقافة الإفلات من العقاب المتجذرة، والتعامل بمسؤولية تاريخية مع الإرث الثقيل للنزاع الدموي، واختيار مسار العدالة الانتقالية المدروس والمتوازن والشامل، الذي يعتبر شرطاً أساسياً وجوهرياً لبناء دولة مستقرّة وديمقراطية تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس اللجنة العليا للسلم الأهلي، حسن صوفان، في العاشر من الشهر الجاري، في دمشق، كان في مجمله مخيباً لآمال الناجين وأهالي الضحايا والمفقودين، لا بل لكل السوريين الذين تضرّروا وضحوا خلال سنوات الثورة (2011 -2024). 

كما أثارت تصريحات صوفان خلال المؤتمر موجة من الاستياء المجتمعي جراء تعامل السلطات الجديدة مع شخصيات مثيرة للجدل، ومتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة، وعودتها لتتصدر المشهد السوري الحالي، أمثال فادي صقر، يطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى المصالحة دون ضمان تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة، خصوصاً في ظل وجود تقارير تشير إلى وجود نحو 125 ألف معتقل لدى وزارة الداخلية، بالإضافة إلى 450 ألف موقوف من أتباع نظام بشار الأسد البائد، جميعهم دون محاكمات أو إجراءات عدالة انتقالية واضحة.

وبحسب مراقبين حقوقيين فإنّ هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية حول التوازن بين المصالحة والعدالة، إذ لا يمكن تحقيق سلم أهلي مستدام دون معالجة مظالم الماضي بشكلٍ عادل ومنصف.

أمام مفترق الطرق المفصلي الذي تمرّ به سورية في هذه المرحلة الانتقالية، يجد السوريون أنفسهم في مواجهة أسئلة صعبة؛ عن معنى ودروب وشروط العدالة الانتقالية تحقيقاً لمسار السلم الأهلي المستدام ببلد في طور نهضة جديدة، بعد نحو ستة عقود من الحكم الاستبدادي البعثي في ظل عائلة الأسد، وهي الأسئلة التي نحاول تفكيكها في هذا المقال، بعد ستة أشهر على هروب بشار الأسد إلى موسكو، في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، لا سيّما بعد إصدار رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 17 مايو/ أيار الماضي، المرسوم رقم (20) لعام 2025، الذي ينصّ على تشكيل هيئة مستقلّة تحت مسمّى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، تزامناً مع صدور مرسوم رئاسي آخر يقضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين”، تكلّف “بالبحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم”.

لقد كان أحد أبرز أهداف مطالبة السوريين بتشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، هو ضمان تحقيق السلم الأهلي على المستوى البعيد بين أبناء الشعب الواحد، عبر تحقيق المحاسبة والعدالة للناجين ولأهالي الضحايا والمفقودين بما يوقف عمليات الانتقام التي بدأت تتصاعد كثيراً خاصّة في محافظة حمص ومناطق الساحل السوري.

إنّ الوصول إلى إنصاف الناجين وأهالي الضحايا والمفقودين، وبالتالي تحقيق العدالة المنشودة في سورية الجديدة الماضية إلى الأمام نحو مستقبل ديمقراطي آمن، لا يمكن أن يكون، بحسب الأكاديمي السوري الدكتور رضوان زيادة (المدير التنفيذي لـ”المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية” في واشنطن، والباحث الزائر في “مركز كار لحقوق الإنسان” في جامعة هارفارد)، إلّا عبر إطلاق مسار رسمي يشمل الكشف عن مصير المختفين قسراً عبر البحث عن مصيرهم، وضمان تحقيق العدالة لهم عبر التعاون مع وزارة العدل لتأسيس ما تسمّى “المحكمة السورية الخاصّة بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية”، وتأسيس معادل وطني للمؤسّسات الدولية التي تشكّلت بعد بداية الثورة، مثل “لجنة التحقيق الدولية المستقلّة”، و”الآلية الدولية المحايدة الخاصّة بالمساءلة الجنائية”، و”المؤسّسة المستقلّة المعنية بالمفقودين”، وكلتا الآليتين شكّلتهما الجمعية العامّة للأمم المتّحدة. ولذلك يجب أن تتشكّل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” نظيراً وطنياً يستطيع التعامل مع هذه الآليات، وتحقيق العدالة بالنسبة إلى كثير من أسر الضحايا في ما يتعلّق بتقدير التعويضات الضرورية الخاصّة لهم، وضمان مسؤولية نظام بشار الأسد عن ارتكاب هذه الجرائم، وتحقيق المصالحة الوطنية هدفاً بعيداً عبر تجنّب مبدأ الإدانة العامّة لطائفة بعينها، وإنّما تقديم المسؤولين الفرادى المسؤولين عن ارتكاب الجرائم للعدالة، وهو ما يفتح الباب لتحقيق المصالحة الوطنية وضمان السلم الأهلي” (1).

الناشط الحقوقي في مجال حقوق الإنسان والمُساءلة والعدالة الانتقالية، مصطفى حايد، الذي عمل سابقاً كاستشاري دولي مع منظّمة “هيومن رايتس ووتش” ومكتب المستشار الخاصّ المعني بمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية، يعرّف مصطلح “العدالة الانتقالية”، بالقول إنّه “مصطلحٌ هجين، حديثُ العهد، يشيرُ إلى عملية متكاملة وشاملة تهدف إلى تحقيق العدالة خلال فترات التحوّل الكبيرة في البلدان. كما هو الحال في سوريا، التحوّل من (سوريا الأسد) إلى (سوريا للجميع)” (2)

تُعدّ المصالحة الوطنية الحقيقية هدفاً رئيساً وأساسياً للعدالة الانتقالية، لكنّها لا تتحقّق تلقائياً بمجرّد انتهاء النزاع. إنّها عملية معقّدة ومتعدّدة الأبعاد تتطلّب بناء الثقة، والاعتراف العلني بمعاناة الضحايا، وتقديم المسؤولين للمحاسبة العادلة، وإصلاح المؤسّسات التي سمحت بالانتهاكات، خاصّة بعد أن بدأنا نشهد بالفعل حالات متزايدة من الانتقام الشخصي ضدّ أشخاص محسوبين على نظام بشار الأسد البائد، وإن استمرار هذه الظاهرة وتوسّعها يضع العملية الانتقالية برمّتها على محك خطير. 

من هنا تبرز الأهمّية القصوى للتحرّك السريع والمنهجي والشامل لإيجاد إطار مؤسّسي للعدالة الانتقالية، يستجيب لتطلّعات الناجين وأهالي الضحايا المشروعة في تحقيق العدالة وإنصافهم وحفظ حقوقهم، لحماية المجتمع من قيام البعض بأعمال انتقامية خارج إطار القانون، والانزلاق نحو حلقة جديدة من العنف المدمّر.

وعلى الرغم من أنّ الإعلان الدستوري المؤقّت، الذي وقّعه الرئيس الشرع، في 13 مارس/ آذار 2025، والذي يحدّد مدّة المرحلة الانتقالية في البلاد بخمس سنوات، يلزم الحكومة السورية بتهيئة الأرضية لتحقيق العدالة الانتقالية، باعتماد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا، لتحديد سبل المساءلة، والحقّ في معرفة الحقيقة، وإنصاف للضحايا والناجين، من خلال المادتين 48 و49، إلّا أنّه (أيّ الإعلان الدستوري) – وفقاً لخبراء حقوقيين سوريين مختصّين -، يفتقر إلى وضوح التفصيل التنفيذي والضمانات المؤسّسية، إذ لم يحدّد اختصاصات الهيئة وصلاحياتها، ولا خطوات إلغاء القوانين الاستثنائية وإبطال الأحكام الجائرة. كما لم يُشر إلى حقوق الضحايا في جبر الضرر، وغاب عنه النصّ الصريح المتعلّق بإصلاح المؤسّسات الأمنية والقضائية، التي تشكّل أحد الأركان الأساسية للعدالة الانتقالية.

بحسب هؤلاء الحقوقيين، فإنّ المادتين 48 و49 وإن كانتا تشكلان “إعلان نوايا قوي”، لكنّهما تحتاجان إلى تشريعات تنفيذية تكملهما، وتفصّل الإجراءات، وتبني المؤسّسات، وتحمي الحقوق، وفي المقدّمة منها جبر الضرر، الذي يلزم بالضرورة إنشاء “صندوق وطني لتعويض الضحايا” كل الضحايا من كل أطراف النزاع السوري، في الفترة ما بين اندلاع الثورة في 11/03/2011 وسقوط نظام الأسد في 08/12/2024، تُخصّص له نسبة من الموارد العامّة والمساعدات الدولية وأصول النظام السابق المجمّدة.

يؤكّد الخبراء الحقوقيون والقانونيون السوريون، أنّه لا تمكن معالجة ملف المفقودين والمختفين قسراً بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية، وسياسية، واجتماعية تتجاوز الأثر الفردي للمفقود لتشمل البنية المجتمعية بكاملها. 

انطلاقاً من هذا المنظور، فإنّ ذلك يتطلّب معالجة كافة الملفات، وفي المقدّمة منها ملف المفقودين، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً ضمن سجل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها النزاع المسلح منذ عام 2011، شريطة أن تكون تلك المعالجة في سياق مقاربة شاملة ترتبط بالكشف عن الحقيقة، والمساءلة ومحاسبة الجناة ومرتكبي الانتهاكات، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي، والتوصل إلى نتائج ملموسة لصون السلم الأهلي وإعادة الأمل بتحقيق العدالة للناجين وللضحايا.

ومنذ صدور المرسومين الرئاسيين تنوّعت الآراء حولهما بين متفائل وبين منتظر لنتائج تشكيل اللجان المنبثقة عن الهيئتين، وآخر يطالب بضرورة إشراك أهالي المفقودين والمتضرّرين والمجتمع المدني والمنظّمات الحقوقية التي عملت منذ سنوات على مسار العدالة الانتقالية. ورابع ينتقد فصل مسمّى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” عن “الهيئة الوطنية للمفقودين”. 

تنوّع تلك الآراء رافقه شعور بالإحباط ساد بين السوريين، لاقتصار المرسوم الرئاسي القاضي بتشكيل هيئة العدالة الانتقالية على جرائم نظام الأسد المخلوع واستبعاد كافة أطراف النزاع السوري، وهو ما يُعدّ اجتزاءً لحقوق ضحايا الأطراف الأخرى التي شاركت في النزاع سواء كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، وغيرها من القوى المسلحة على الأرض السورية.

إحصائيات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” كشفت حجماً هائلاً من المآسي ومعاناة السوريين في السنوات الأربع عشرة الماضية (2011 – 2024)، فوفقاً لبيانات الشبكة فإنّ 231 ألف مدني قضوا خلال النزاع، غالبيتهم (202 ألف) على يد قوات النظام، و15,393 شخصاً توفوا تحت التعذيب. إضافة إلى ما لا يقل عن 177 ألف شخص لا يزالون في عداد المختفين قسراً على يد مختلف أطراف النزاع. 

كما تشير قاعدة البيانات، إلى أنّ هناك أكثر من 16,200 من مرتكبي الانتهاكات الذين جرى تحديد هويتهم، منهم 6,724 من (القوات الرسمية) و9,476 من (القوات المُعاونة/الرديفة). هذا بالإضافة إلى استخدام أسلحة محرّمة دولياً بشكلٍ ممنهج، حيث ألقى الطيران الحربي (التابع للجيش السوري والحليف الروسي) ما لا يقل عن 81,916 برميلاً متفجراً، ونفّذ 217 هجوماً كيميائياً، و252 هجوماً بذخائر عنقودية. وقد أدّت هذه الانتهاكات الممنهجة إلى تشريد قرابة 14 مليون سوري – أيّ ما يعادل نصف السكان – بين نازح داخلي ولاجئ في دول الجوار والعالم، بعد التدمير الممنهج للبنية التحتية، وهو ما أدّى إلى تمزيق النسيج الديموغرافي للمدن والقرى السورية، وخلق واقع جديد من الاستقطاب الحادّ والفرز السكّاني على أسس سياسية وطائفية وإثنية متعدّدة.

انطلاقاً من الواقع المأساوي المشار إليه آنفاً، فإنّه لا يمكن معالجة ملف المفقودين والمختفين قسراً والمتضرّرين وعائلاتهم بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية، وسياسية، واجتماعية تتجاوز الأثر الفردي للمفقود لتشمل البنية المجتمعية بكاملها. لذا، تتطلّب معالجته مقاربة شاملة ترتبط بالكشف عن الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي. ذلك أنّ غياب آليات العدالة المؤسّسية والمنظّمة يؤدّي حتماً إلى تنامي ظاهرة “العدالة الشعبية” أو “محاكم الشارع” الفردية والجماعية، التي غالباً ما تكون عشوائية وانتقامية وتفتقر للضمانات القانونية الأساسية، وهو ما يُسهم في إنتاج موجات جديدة من العنف الانتقامي، الأمر الذي يهدّد الاستقرار المجتمعي ويزيد من تجذر الضغائن، ويُصعِّب مسار المصالحة مستقبلاً، ويُعقد إمكانيات الوصول إلى السلم الأهلي، والبدء بعملية حوار وطني شامل حول الماضي وكيفية التعامل معه بشكلٍ بنّاء.

وكانت هيئات ومنظّمات حقوقية سورية قد وثّقت منذ الأيام الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، محاولات من بعض الأطراف لتدمير وثائق وأدلة خاصّة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت بشكلٍ ممنهج ضدّ المدنيين السوريين منذ عام 2011، في مقرّات الفروع الأمنية ومؤسّسات الدولة. وكذلك فرار العديد من المتورّطين الرئيسيين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك مجرمي حرب بارزين، إلى خارج البلاد وإفلاتهم من المساءلة القانونية. وكلما تأخر إنشاء آلية واضحة وفعالة للمساءلة الجنائية ازدادت فرص هروب المزيد من المتورّطين، ما يهدّد بشكلٍ مباشر بضياع فرصة العدالة الحقيقية للضحايا.

لم يكن انهيار نظام الأسد وهروبه إلى موسكو، بعد ما يزيد عن أربع عشرة سنةً من اندلاع الثورة في سورية، وما رافقها من نزاع دموي خلّف مآسٍ ومعاناة كبيرة لملايين السوريين وجراحاً عميقة في نسيج المجتمع، لم يكن مجرّد تحوّل سياسي، بل إنّه نقطة تحوّل فارقة في التاريخ السوري المعاصر تستدعي وضع البلاد على طريق التعافي والاستقرار، وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة الجديدة والمجتمع بكل أطيافه وشرائحه وطوائفه على أسس واضحة وجلية من العدالة والمساءلة والكرامة.

ومنذ الأيام الأولى التي تلت انهيار النظام برزت قضية العدالة الانتقالية بوصفها من أعقد الاستحقاقات التي لا يمكن القفز فوقها أو تأجيلها. وقد عكست المطالب الشعبية المتزايدة، خصوصاً من أهالي الضحايا والمخفيين قسراً وضحايا المجازر الجديدة، حالة من الترقب والقلق إزاء شكل العدالة الممكنة في المرحلة القادمة، وجدّية السلطة الجديدة في مقاربة هذا الملف الحساس من منظور الحاجة إلى عدالة لا تقتصر على العقاب والمحاسبة، بل تمتدّ لتشمل الإصلاح المؤسّسي، والمصالحة المجتمعية، وجبر الضرر، بما يحقّق توازناً حقيقياً بين استحقاقات السلم الأهلي ومتطلّبات المساءلة، لا سيما بعد سلسلة من الحوادث الدموية في عدد من المناطق السورية، والتي وصفتها جهات حكومية بـ “تصرفات فردية”، ولكنّ هذه الحوادث كانت دافعاً رئيساً باتّجاه المسارعة بتحقيق العدالة الانتقالية، ومن أولى الخطوات في تحقيق العدالة الانتقالية المرجوة كان السعي لإنشاء هيئة وطنية مستقلّة للعدالة الانتقالية، توازن ما بين موجبات العدالة وٌنصاف الناجين وردِّ المظالم إلى ذوي الضحايا وجبر الضرر عنهم بما يضمن المصالحة المجتمعية وحفظ السلم الأهلي، دون التفريط بحقوق أحد من كل الأطراف وليس من طرف واحد، كون الهدف الرئيسي هو تحقيق وتكريس عدالة انتقالية حقيقية وليس عدالة انتقائية أو انتقامية، إلى جانب تعزيز قيمة وثقافة المساءلة بدلاً عن ثقافة الإفلات من العقاب في المجتمع السوري الجديد، في ظل الانقسامات التي تعانيها سورية اليوم، خصوصاً في المناطق ذات الانقسامات الطائفية والعرقية مثل حمص وحلب والساحل والشمال الشرقي السوري.

رئيس “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، الدكتور فضل عبد الغني، يرى أنّ “مجرّد النصّ الدستوري، رغم أهمّيته البالغة، لا يكفي وحده لضمان فعالية هيئة العدالة الانتقالية. فالترسيخ الدستوري يحتاج إلى آلية تنفيذية تضمن أن تكون الهيئة مستقلّة وتمثيلية وفعالة. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل يتم إنشاء الهيئة بمرسوم تنفيذي، أم من خلال قانون يصدر عن المجلس التشريعي؟” يؤكّد عبد الغني، أنّ “سنّ قانون أساسي للعدالة الانتقالية عبر المجلس التشريعي، وليس بمرسوم تنفيذي، يمثّل ضرورة حيوية لضمان شرعية وفعالية هيئة العدالة الانتقالية في سورية. وتستند هذه الأفضلية إلى مفهوم “كرامة التشريع”، أيّ أنّ القوانين الصادرة عن هيئة تشريعية منتخبة ومتعدّدة الأطراف تكتسب سلطة أخلاقية متميّزة تتجاوز مجرّد الإلزام القانوني الرسمي”. ذلك أنّ العدالة الانتقالية الفعالة في سورية “تتطلّب الالتزام بثلاثة مبادئ مركزية: الاستقلالية، والشفافية، والملكية الوطنية. ويعزّز المسار التشريعي هذه المبادئ جوهرياً” (3).
رؤية “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” حول تأسيس هيئة العدالة الانتقالية في سورية، تقترح إطاراً تنظيمياً للهيئة عبر بنية مؤسّسية متعدّدة المستويات، مصمّمة لتحقيق التوازن بين مركزية التنسيق ومرونة التكيف مع الخصوصيات المحلّية. هذه البنية الهرمية المتكاملة تعكس المرونة الهيكلية التي تمزج بين الإجراءات الموحدة والاستجابة التكيفية للسياقات المتغيّرة. ويتولّى قيادة هذه الهيئة مجلس إدارة يتكوّن من خبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا. على أن تقوم معايير اختيار أعضاء الهيئة على مقاربة تدمج الكفاءة، والتمثيل العادل، والاستقلال السياسي، بما يعالج تحدّي الموازنة الدقيقة بين متطلّبات التمثيل والحياد والفعالية.
وقد حدّدت رؤية الشبكة عن مسار العدالة الانتقالية في البلاد ست فئات مركزية لهذه العملية: “منظّمات المجتمع المدني، الضحايا، الجهات السياسية، المجتمعات المحلّية، النساء والشباب، والداعمين الدوليين”. ويتّسق هذا التصميم مع رسم خريطة الجهات المعنية، أيّ التحديد المنهجي للفئات التي تُعدّ مشاركتها ضرورية لضمان المشروعية الاجتماعية والسياسية للعملية. وتؤكّد الرؤية أنّ “لجميع الضحايا الحقّ في رفع دعاوى قضائية ضدّ المسؤولين المباشرين عن معاناتهم، بغض النظر عن رتبهم أو مناصبهم”.
إنّ تأجيل تطبيق آليات العدالة الانتقالية يعرّض المجتمع السوري لمخاطر متعدّدة ومتشعبة، أبرزها ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب التي سادت لعقود طويلة من حكم عائلة الأسد، مما يقوّض بشكلٍ خطير الثقة في شرعية المؤسّسات الجديدة ويبعث برسالة مدمّرة مفادها أنّ ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لا يستتبع مساءلة حقيقية. بينما ما يحتاجه المجتمع السوري اليوم هو وضع أسس متينة للعدالة الانتقالية، والتركيز على جبر الضرر وإصلاح المؤسّسات التي تورّطت في الانتهاكات، خاصّة المؤسّسات القضائية والأمنية والعسكرية، وإرساء قواعد عادلة وشاملة للمصالحة المستدامة في خضم هذه الفترة الحرجة والفاصلة.

***

هوامش:

  • رضوان زيادة، مقال بعنوان: “أهمّية إطلاق هيئة العدالة الانتقالية في سورية اليوم”، موقع “تلفزيون سورية”، تاريخ النشر: 09/05/2025.
  • مصطفى حايد، مقال بعنوان: ” لماذا يختلف التعاطي مع العدالة خلال فترات التحولات الكبرى؟”، موقع “الجمهورية”، تاريخ النشر: 27/05/2025.
  • فضل عبد الغني، مقال بعنوان: “مسار العدالة الانتقالية في سورية… الرؤية والتطبيق”، صحيفة “العربي الجديد”، ملحق “سورية الجديدة”، تاريخ النشر: 20/03/2025.
هل سيحصل ضحايا مجازر الساحل السوري على العدالة؟

هل سيحصل ضحايا مجازر الساحل السوري على العدالة؟

إعداد: هيدي بيت- صحافية أمريكية مستقلة
Heidi Pett
ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا
مقدمة
في يوم الأحد الماضي، دخل رجل إلى كنيسة مار الياس في دمشق أثناء القداس، وفتح النار، ثم فجّر نفسه بحزام ناسف، ما أدى إلى مقتل ٢٢ شخصًا وإصابة أكثر من٥٠ آخرين.
كان الرئيس أحمد الشرع قد وعد بحماية الأقليات في سوريا عند توليه السلطة. ومنذ ذلك الحين، تم إحباط عدد من مخططات تنظيم الدولة الإسلامية لاستهداف الأقليات، بما في ذلك محاولة اغتيال يُقال إنها استهدفت الشرع نفسه. لكن التنظيم ليس الجهة الوحيدة التي تستهدف الأقليات الدينية والإثنية في سوريا: إذ يشير شهود عيان إلى المجازر الجماعية التي ارتُكبت بحق مدنيين علويين على يد ميليشيات تابعة لحكومة الشرع نفسها.
قبل ثلاثة أشهر، وتحديدًا بين السادس والعاشر من آذار| مارس، وقعت مجزرة في الساحل السوري وُصفت بأنها تضاهي في حجمها هجوم الغوطة الكيميائي عام ٢٠١٣ في عهد الأسد. وتُقدَّر أعداد القتلى في مجزرة آذار بما يزيد عن ١٥٠٠ شخص.
بدأت الأحداث بانتفاضة قام بها عناصر تابعين لنظام الأسد السابق، تلتْها حملة قمع أعنف وأكثر تنظيمًا نفّذتها ميليشيات مرتبطة بالحكومة السورية الحالية. تتناقض هذه المجزرة مع الصورة التي يحاول الشرع تصديرها إلى العالم بهدف دفع الولايات المتحدة والدول الغربية إلى تخفيف العقوبات الخانقة المفروضة على سوريا. وعد الشرع بفتح تحقيق مستقل في أعمال العنف، إلا أن نتائج هذا التحقيق تأخرت ولم تُنشر بعد، وربما قد لا تُنشر أبدًا. وبعد وقت قصير من ارتكاب المجزرة، زارت الصحفية هايدي بيت بلدة الرصافة، حيث جرى اقتياد رجال عزّل من منازلهم وإعدامهم بشكل منهجي. كما قُتل أربعة أطفال وامرأتان. وفي مقابلة حديثة، لم يقدم مسؤول في الحكومة السورية انطباعًا بأن الجناة سيُحاسبون. قال لبيت: ”إن المشهد معقد جدًا؛ هناك أطراف كثيرة متورطة.” وأشار إلى احتمال وجود دور روسي في الانتفاضة الأولى، لكنه لم يُفْصح عن التفاصيل: “هناك أدلة، لكنني لن أناقشها.”
وعندما سُئل عن قتل المدنيين على يد مقاتلين موالين للحكومة السورية، تهرّب من الإجابة وأشار إلى تورط فلول موالية للأسد. وقال: “سمعنا من الناجين أن بعضهم تعرّض للتهديد قبل السادس من آذار\مارس للضغط عليهم للمشاركة في أحداث التمرّد التي بدأت في ذلك اليوم.”
كشفت المقابلات التي أجرتْها بيت مع سكان الرصافة، عن فظائع تفوق الوصف. وبينما ينشغل العالم بالحرب الإسرائيلية على إيران، لا يزال أولئك الذين قُتل أقاربهم في الأيام الأولى من حكم الشرع الجديد يبحثون عن عدالة قد لا تُمنح لهم.

نص التحقيق

“يلعن روحك”، يرتفع صوتُ شخصٍ من خلف الكاميرا. يُطلق رجلٌ يقف إلى جانبه النار على جسد رجل أعزل ممدد على الأرض، يرتدي بنطالًا رياضيًا مخططًا. يطلق الرصاص مرة بعد أخرى: اثنتين، ثلاثًا، حتى إحدى عشرة مرة. يقول الصوت: “خنزير”، بينما يركله شخص ثالث ليسقطه عن حافة مرتفعة. يتهاوى الجسد ميتاً إلى أسفل، تاركًا خلفه بقعة حمراء على الأسمنت.
الرجل الذي قُتل، حيدر بسام أسعد، عمره ٣٠ عامًا. كان يعمل حطابًا في قرية الرصافة في سوريا، ويدرّ دخلاً يتراوح بين ١٥ و٣٠ ألف ليرة سورية (ما يعادل حوالي جنيهين إسترلينيين) يوميًا لعائلته المكونة من زوجته وطفلين. إنه واحد من أكثر من ألف مدني قُتلوا خلال عطلة نهاية أسبوع شهدت عنفًا طائفيًا شديدًا في آذار الماضي. وكحال معظمهم، كان علويًا، ينتمي إلى الطائفة نفسها التي ينتمي إليها الديكتاتور السوري المخلوع بشار الأسد. في عهد النظام السابق. كانت عائلة الأسد تعيّن علويين لشغل مناصب عليا في أجهزة الأمن المسؤولة عن القمع الوحشي للشعب، ما عمّق الانقسامات الطائفية. وعندما فرّ الأسد، غادر العديد من هؤلاء الضباط الكبار البلاد أيضًا. أما من لم يتمكّنوا من المغادرة، فقد لجأوا إلى قرى في جبال الساحل السوري واختفوا عن الأنظار. وفي السادس من آذار\ مارس، شنّت مجموعات مسلحة موالية للنظام القديم سلسلة هجمات منسقة على قوات الأمن الجديدة في البلاد. وأدى التمرد الفاشل إلى موجة عنفٍ انتقامي ضد المدنيين. في الأحياء والقرى العلوية، في مدن الساحل وجباله، تجول مقاتلون وعناصر مسلحة لأيام، ونهبوا وأحرقوا وأعدموا مدنيين دون محاكمة.
تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان، وتصريحات مبكرة للرئيس السوري أحمد الشرع، إلى تورط مجموعات مسلحة متحالفة مع الحكومة، دُمجت لاحقًا ضمن القوات العسكرية والأمنية الجديدة. ووجدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن “الفصائل المحلية والتنظيمات الإسلامية الأجنبية، التي تخضع رسميًا لوزارة الدفاع، لعبت الدور الأبرز في ارتكاب هذه الانتهاكات.” ووفقًا لصحيفة ”نيويورك تايمز“، اعترف مسؤول حكومي بأن “بعض جنود الحكومة المنتشرين لاستعادة النظام شاركوا أيضًا في عمليات القتل.”
في أعقاب الهجمات مباشرة، قال الشرع في حديث لوكالة رويترز إنه سيحاسب المسؤولين، وأضاف أن الحكومة “لن تقبل أن يُسفك الدم ظلماً. ولن يمرّ أحد دون عقاب أو محاسبة، حتى بين أقرب الناس إلينا”، في إشارة واضحة إلى أن مجموعات مسلحة كانت أساسية في توليه السلطة تورطت في العنف.
وفي ٣ نيسان\ أبريل، صدر تقرير أولي عن منظمة العفو الدولية نُسب فيه القتل إلى “ميليشيات متحالفة مع الحكومة“، ودعا إلى التحقيق في تلك الجرائم باعتبارها جرائم حرب بحق الأقلية العلوية. ثم غيّرت القيادة السورية الجديدة موقفها، حيث قال عضو في وزارة الداخلية إن تقرير منظمة العفو الدولي متحيز، وأنه يجب انتظار نتائج لجنة التحقيق الحكومية، التي كان من المقرر أن تُصدر تقريرها في ٩ نيسان\ أبريل، لكن التقرير تأجّل إلى يوليو بعد أن طلبت اللجنة مزيدًا من الوقت. في البداية، واجهت فرق اللجنة صعوبة في كسب ثقة المجتمع العلوي. وبعد شهر من المجازر، جمعت اللجنة أقل من مئة إفادة. وبعد انضمام سبع نساء علويات لإجراء المقابلات وتدوين الملاحظات، جُمع الآن أكثر من ١١٠٠ شهادة من ضحايا وشهود، وتمت زيارة ٤٢ موقعًا.
قال عضو في اللجنة – طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالحديث علنًا قبل انتهاء التقرير – لموقع “دروب سايت” إنهم لم يقرروا بعد ما إذا كان التقرير سيُنشر للعامة. وإذا تم ذلك، فمن غير المرجّح أن تُذكر أسماء مجموعات مسلحة، أو أشخاص محددين، على الرغم من الالتزامات السابقة بذلك. وأضاف: “منذ البداية، كان وجود قائمة بالمشتبه بهم أحد الأهداف الرئيسة للجنة. لدينا قائمة بأشخاص يشتبه في تورطهم في الانتهاكات، لكن القائمة لا تزال قيد الدراسة والنقاش. هناك حاجة إلى تحقيق إضافي لتحديد ما إذا كانت تلك فصائل أم أفرادًا.”
رفض الإدلاء بتفاصيل عن تلك الفصائل أو الأفراد، وقال مصدران على دراية بأعضاء اللجنة إن هناك ضغوطًا لعدم ذكر أسماء الجناة لتجنب تأجيج التوترات. وأكد عضو اللجنة على استقلالية الهيئة، وأنهم التقوا وتحدثوا بحرية مع مستويات متعددة من الحكومة، وأن عملهم لم يتعرض لأي تدخل. ورغم وجود نقاش بين أعضائها حول إنشاء محكمة خاصة، أشار إلى أن دور القضاء السوري هو تسمية المسؤولين وملاحقتهم قضائيًا. وتجدر الإشارة إلى أن الدستور السوري المؤقت يمنح الرئيس أحمد الشرع السلطة الحصرية لتعيين جميع أعضاء المحكمة العليا.
في الأشهر الستة التي تلت تولي الشرع السلطة في كانون الأول\ ديسمبر، سعى إلى طمأنة السوريين والمجتمع الدولي بأن جماعته، هيئة تحرير الشام، وتحالف الفصائل المسلحة الأخرى التي خاضت القتال وصولًا إلى دمشق، قد تخلت عن جذورها المتطرفة. كانت هيئة تحرير الشام وغيرها من التنظيمات مدرجة على قوائم الإرهاب، وخاضعة لعقوبات دولية، لكنها أعلنت رسميًا حلّها وأُدرجت تحت سلطة الجيش الوطني الجديد. وللحصول على الدعم الدولي ورفع العقوبات، عمل الشرع على إقناع العالم بأن حكومته ملتزمة ببناء سوريا للجميع. لكن المجازر وجهت ضربة قوية لهذه الصورة.

كمين أدى إلى مجزرة بحق المدنيين
كان فيديو مقتل حيدر بسام أسعد واحدًا من العديد من مقاطع الفيديو التي صورها مقاتلون ونُشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي حينها. زار فريق “دروب سايت” الرصافة في منتصف آذار\مارس، بعد أسبوعين من مقتل حيدر. وكما ظهر في الفيديو، لا تزال بقعة الدم على الطريق واضحة. في الواقع، كانت هناك عدة بقع دماء كبيرة على الأسمنت الباهت. وبينما شرح شاب من القرية أن ثلاثة آخرين قُتلوا هنا، خرجت امرأة من مبنى قريب. كان زوجها من بين من أُطلقت عليهم النار على هذا الطريق. قالت: “أخذوه من المنزل وكنت أصيح وأخبرهم أنه مريض، لكنهم أطلقوا عليه النار في الشارع.” وبدأت تبكي. “لدي أربع بنات، كيف سأربيهن؟”
تركت بقع الدماء في الرصافة أثرها على الطرقات، ولطّخت أرضية روضة الأطفال، وتسرّبت إلى أثاث غرفة جلوس إحدى العائلات التي قُتل فيها أربعة أطفال دون سن العاشرة برصاص مسلحين. لا يخلو أي بيت في هذه القرية، التي تضم حوالي ثلاثة آلاف نسمة، وتقع في وادٍ صغير على سفوح جبال الساحل السوري من أثر مأساوي.
بلغت الحصيلة المروعة في الرصافة ٦٣ قتيلًا، من بينهم أطفال أربعة وامرأتان. كما أصيب ١٨ ناجيًا بجروح نارية. تعرض٧٥ منزلًا من أصل ٣٠٠ في القرية للنهب أو الحرق. فقد ٢٠٠ رأس من الماشية. وسُرقت ٣٥ سيارة و٧٠ دراجة نارية. كما دُمرت خزانات المياه وألواح الطاقة الشمسية. ارتُكبت المجزرة في يوم كان من المقرر أن يتم فيه توصيل غاز الطهي إلى القرية، حيث سُرقت الإمدادات كلها مع أسطوانات الغاز وأموال السكان.
بدأ العنف الذي أدى إلى هذا الدمار والبؤس بكمين، ضمن سلسلة هجمات شهدتها المنطقة مساء الخميس ٦ آذار\مارس. نصبت خلية من المسلحين الموالين للأسد كمينًا على بُعد حوالي ٥ كيلومترات (٣ أميال) من الجبل على الطريق بين الرصافة وقرية السنديانة المجاورة. لا تزال بقايا حاجز تفتيش قديم للنظام موجودة عند نقطة ضيقة من الطريق. وفي الساعة العاشرة مساءً، اقتربت دورية روتينية لقوات الأمن الحكومية الجديدة. قال عزام أبو عدي، نائب مدير المنطقة: “عندما وصلنا إلى نقطة تفتيش كانت تابعة للنظام القديم، توقفت سيارة بيك أب وأطلقت النار علينا مرتين. كان الهدف جذبنا إلى كمين أكبر في وادٍ ضيق وعميق، تحيط به ثلاثة تلال. حاصرونا وبدأوا بإطلاق النار علينا بقذائف آر بي جي ورشاشات وبنادق روسية.” وأضاف أن القتال استمر حتى وصول التعزيزات حوالي الرابعة صباحًا. وقعت عشرات الحوادث المماثلة حيث هاجم مسلحون موالون للأسد نقاط تفتيش ودوريات ومراكز شرطة في الساحل ومدن اللاذقية وطرطوس وبانياس. وقالت الحكومة إن أكثر من مئتي عنصر من قوات الأمن الجديدة قُتلوا. تدفقت آلاف التعزيزات من أنحاء البلاد إلى المنطقة. استجاب الأمن العام، وهو الفرع الرئيس للشرطة السورية الجديدة، والفصائل المسلحة التي تم دمجها حديثًا في الجيش، وكذلك أفراد متفرقون، ولبى الجميع دعوات التعبئة العامة التي انتشرت عبر قنوات الحكومة الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المساجد. كان أحد الطرق الرئيسة يمر عبر بلدة مصياف قبل أن يمتد إلى الرصافة. شاهد عدد من سكان مصياف أن الفصائل المسلحة اجتمعت ونسقت مع قوات الأمن الرسمية في مركز شرطة البلدة قبل انطلاق قوافلها نحو الجبال. وقال شاهد عيان: ”كان الذين جاءوا لدعمهم يرتدون ملابس مدنية، لكن مع ستر واقية محشوة بالذخيرة. كان عدد منهم يرتدي زي الأمن العام، ويقفون مع بعضهم، ويتبادلون التحيات. رأيت العديد من السيارات؛ ميليشيات تحمل أنواع الأسلحة كلها متجهة على ذلك الطريق إلى الجبل.”
تبعد الرصافة عشر دقائق فقط بالسيارة عن مصياف. وفي الساعة السابعة والنصف يوم الجمعة، في بيت على الطريق الرئيس، سمعتْ امرأة طلقات نارية، فاختبأت مع أطفالها في الغرفة الخلفية. خلع رجال مسلحون قفل الباب الأمامي. قالت: “اتجه زوجي إلى الباب فوجد الأمن العام وبعض الفصائل في الخارج.”
خمنتْ أن بعضهم كان من المقاتلين الأجانب بناءً على مظهرهم، وارتدائهم جلابية طويلة مرتبطة عادةً بمصر أو السودان، والتي تبناها الجهاديون الدوليون. أضافت: “لا أعرف بالضبط من كانت تلك الفصائل، لكن بعضهم كانت له لحية طويلة ويرتدي جلابية”، وهو لباس نادر الظهور في سوريا قبل أن ينضم مقاتلون إسلاميون أجانب إلى الحرب الأهلية.

“أجبرونا على النزول إلى الطريق والاستلقاء على الأرض، أهانونا وأطلقوا النار بين أرجلنا.” في النهاية، تم اقتيادها مع بناتها الأربع إلى داخل البيت مع والديها وأختها وأبناء أختها الذين كانوا يعيشون في المنزل المجاور. أبقوا زوجها وابنها المراهق في الخارج. وعلى مدار يومي الجمعة والسبت، زارت عدة فصائل مسلحة المنزل، وهددت العائلة ووصفت أفرادها بـ“االعلويين الخنازير”. قالت: “بقوا في القرية يومين ونهبوا كل شيء: الذهب والهواتف المحمولة.” وهددوها هي وأختها بالاغتصاب، وطالبوا بأموالهما وزوجيهما. كما أخذت مجموعة أتت لاحقاً والدها البالغ من العمر ٦٠ عامًا، وأطلقت عليه ثلاث رصاصات في رجليه، وتركته ينزف ويصرخ في الشارع لمدة سبع ساعات. لم تستطع العائلة الخروج لمساعدته، لكن مجموعات جديدة من المسلحين تجمعت بسبب الصوت. “كانت الفصائل تأتي إلى المنزل وتسأل: من فعل هذا؟ وكانوا ينكرون”.
ذكرت هي وسكان آخرون لا تجمعهم صلة قربى بالأسرة مجموعتين مسؤولتين عن المجزرة: أحرار الشام في إدلب، وجيش الإسلام، وهو فصيل مسلح تشكل قرب دمشق خلال الحرب السورية وانتقل مقاتلوه إلى إدلب في صفقة عام ٢٠١٨ مع النظام. أضافت أن آخرين كانوا يرتدون عصائب حمراء تميز القوات الخاصة التابعة لهيئة تحرير الشام، والتي يغلب عليها المقاتلون الأجانب. كانت العائلة تسأل كل مجموعة جديدة من المسلحين عند الباب عن هويتهم، “وكان كل واحد يقول شيئًا مختلفًا.” استمر هذا الأمر لأيام. قالت: “يوم الأحد، قالوا يمكنكم أن تخرجوا لتروا ما فعلناه.” فتحت الباب المتحرك المؤدي إلى الشرفة المطلة على الطريق وأشارت إلى بقعة من العشب بجانب الجدار الأمامي للمنزل: “هناك. هذا هو المكان الذي أطلقوا فيه النار على ابني.” ارتجف صوتها ثم ارتفع. “كان عمره ١٥ سنة فقط.”
كان جسد زوجها يستلقي قريبًا. لقد خدم، مثل كثير من أفراد الطائفة العلوية، في الجيش تحت حكم الأسد لكنه سلم أسلحته وبطاقته العسكرية للسلطات الجديدة. قالت إن كل الرجال في عائلتها فعلوا الأمر نفسه، أو لم يخدموا أصلاً. قُتل والدها وثلاثة من إخوته. أضافت أن كل الرجال في الرصافة الذين خدموا في الشرطة أو الجيش سلموا أسلحتهم، لذلك لم يكن هناك قتال بين القوات السابقة والمسلحين داخل القرية. عندما انهارت الحكومة أمام تقدم هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة في كانون الأول\ديسمبر، فوجئ كثير من العلويين في البلاد وشعروا بالامتنان لأن سقوط حكم عائلة الأسد الذي دام ٥٤ عامًا كان نسبيًا بلا دماء.
“لو كنا نعلم أن هذا سيحدث، لما سلمنا أسلحتنا حتى يكون لدينا شيء ندافع به عن أنفسنا وشرفنا، لكنهم خانوا ثقتنا.”
تعتقد أنه تم قتل الرجال غير المسلحين والمدنيين في الرصافة انتقامًا للكمين الذي نصبه مسلحون موالون للأسد على الطريق. ” لم يستطع الأمن العام والفصائل، والجيش الوصول، إلى هناك فانتقموا من الناس هنا.”
بدلاً من ذلك، ابتداءً من صباح الجمعة، انتشرت مجموعات من المقاتلين السوريين والأجانب في أنحاء الرصافة. جابوا المنازل من باب إلى آخر، وسحبوا الفتيان والرجال إلى الشارع وأطلقوا النار عليهم. في المجمل، تحدث موقع “دروب سايت” إلى أكثر من اثني عشر شخصًا شهدوا وصول فصائل مسلحة متعددة، واتصالها بأفراد من الأمن العام الجديد أثناء مرورها في الرصافة. ووصف رجل يسكن بالقرب من مدخل القرية صف المركبات الداخلة إلى الرصافة قائلاً: “أولًا، ليلة الخميس، كان الأمن العام وفصائل أخرى في نفس الموكب”. ومع بدء عمليات القتل الجماعي صباح الجمعة، خرج الوضع عن السيطرة تمامًا؛ لم يعد واضحًا من ينتمي إلى من، أو من يقاتل إلى جانب من لكن شيئاً واحداً كان واضحًا وهو أن: “الأمن العام فرض الحصار على المدينة، ولم تغادر الفصائل حتى فعلوا ذلك.” وفي حوالي الساعة الثامنة صباح يوم الجمعة، جاء مسلحون إلى منزل صغير وسط القرية حيث كان يعيش علي (اسم مستعار) مع أبنائه الأربعة.
قال علي: “جاءوا وأخذوا هواتفنا المحمولة وقالوا إنهم سيعيدون ضبطها. ثم جاء عشرون رجلًا لأخذ أبنائي من المنزل.”

كان جميع أبناء علي قد خدموا في الجيش، وهو أمر شائع في المنطقة. وبينما ازدهرت عائلات علوية بارزة في ظل شبكات رعاية نظام الأسد، عانت القرى من ركود اقتصادي متعمد، فكان الجيش في كثير من الأحيان الوظيفة الوحيدة المتاحة. كان أبناء علي قد أنهوا خدمتهم العسكرية عند سقوط النظام، وكانت عملية التسوية مع السلطات الجديدة تتطلب منهم تسليم أسلحتهم وأوراقهم العسكرية. أصيب أحدهم بجروح أثناء خدمته؛ كان هناك عكازان العكازات مسنودان إلى فرشة على أحد الجدران. لم تكن هناك سجادات على الأرضية الخرسانية، فقط مجموعة من الكراسي البلاستيكية، ومقعد تعلوه أكواب من المتة، وهو شاي أعشاب شائع في معظم منازل العلويين. قال علي: “جاءت مجموعات وفصائل مختلفة من عشر إلى خمس عشرة مرة يومي الجمعة والسبت، بعضها كان يرتدي الأسود بالكامل مع عصابة رأس بيضاء وسوداء. كانوا سوريين. وآخرون كانوا يرتدون زي الجيش السوري الذي اعتدنا رؤيته. وكان هناك آخرون بزي عسكري مختلط، بعضهم أجانب رغم أنني لم أستطع تحديد لهجتهم.”
حُبس الأب المسن وبعض الأقارب الأصغر سنًا في غرفة واحدة لمدة يومين، بينما احتل المقاتلون الغرفة الأخرى وتجوّلوا في الخارج. كانوا يدخلون أحيانًا ويأخذون أي شيء له قيمة، بما في ذلك البطارية الصغيرة التي تستخدمها العديد من العائلات السورية لتشغيل الأضواء خلال انقطاعات الكهرباء المتكررة، وحتى أوراق الرجال وبطاقات الهوية المدنية المؤقتة التي منحهم إياها النظام الجديد. قال علي: “لا يمكنك التحرك من دون هوية أو المرور عبر نقاط التفتيش. لذلك، حتى لو أردنا المرور الآن من دون هوية، يمكنهم اعتقالنا.”
في ظهر السبت، طلب المسلحون الذين استولوا على منزله من علي أن يحضر لهم المزيد من الحطب للنار. وجد أبناءه الأربعة قتلى في حظيرة الحيوانات والجدار مثقوب بالرصاص.
عندما سُئلوا إن حدث أي قتال داخل القرية، أجاب علي وأقاربه على الفور: “كلا، كلا، كلا. قالوا إنهم جاءوا للبحث عن أسلحة، لكن أبنائي قُتلوا حفاة القدمين. لقد تصرفوا بعجرفة معنا وعاملونا باحتقار. قتلوا أشخاصًا لا يملكون شيئًا. في بعض المنازل، لم يكن حتى هناك كرسي لتجلس عليه.”
جلس أب آخر على الأرض في المنزل المجاور، أحكم إغلاق سترته من البرد وسرد قصته: جاء عشرة رجال إلى بابه صباح ذلك الجمعة. “أخذت المجموعة الأولى ابنيّ الاثنين. ثم جاءت مجموعة أخرى؛ أعادوا ابني الأصغر لأنه طفل.”
أضاف الأب أن هذه المجموعة كانت أكثر انضباطًا، وحتى لطيفة. “الفصيل الذي أعاد الصغير سأل: ‘ماذا تريد؟’ فقلت: “أريد ابني الآخر.”
بعد فترة قصيرة، تلقى الأب عدة مكالمات من هاتف ابنه الأكبر. كان يتوسل للمسلحين ليطلقوا سراحه. قالوا آخر مرة أنهم أرسلوه إلى حافظ الأسد وانتزعوا قلبه. قالوا لي اذهب وابحث عنه قبل أن تأكله الكلاب. وجدناه ميتًا في أحد الأزقة الجانبية للطريق الرئيسي. أصيب بثلاث رصاصات في صدره.”
أخرج الأب من جيب سترته منديلًا مجعدًا ليُظهر الرصاصات الثلاث التي تم إخراجها من جسد ابنه. رسم خطًا أسفل صدره وبدأ بالبكاء. “رأيت ما فعلوه، لقد انتزعوا قلبه من صدره.”
قال: “أعدنا الجثة تحت زخ الرصاص. قال الجميع إن الأمر خطير، لكنه ابني، وكان عليّ أن أحضره.”
حفر هو وجاره خمسة قبور في الحقل بين منزليهما بأيديهم.
قال الأب: “يدّعون أن هذه القرية موالية للنظام، لكن انظر إلى الظروف هنا، الأمر لا يُعقل.”
باستثناء عدد قليل من المنازل الكبيرة على الطريق الرئيسي، كانت منازل الرصافة مبنية من كتل خرسانية غير معزولة جيدًا من البرد أو الحرارة. يعمل رجالها كحطابين، أو في الحقول الصغيرة حول منازلهم في قاع الوادي الضيق. وبسبب انعدام فرص العمل، تطوع كثير منهم في الجيش، بعضهم شارك في القتال وآخرون عملوا في المخازن والدعم اللوجستي. أكد سكان القرية أنهم لم يعرفوا شيئًا عن كمين النظام، وأشاروا إلى مذبحة رجالهم كدليل: لو كانوا يعلمون بشيء، لكانوا تركوا منازلهم واختبأوا بدلاً من انتظار القرع على الباب وإطلاق النار على رؤوسهم.

قال أحدهم: “لقد استهدفونا لأن القرية علوية. إنه عقاب جماعي. لا يتبعون أي قواعد. إذا كان أحدهم مجرمًا، تعاقب المجرم لا المجتمع كله.”
منذ سقوط النظام، يطالب السوريون بأمرين: الخبز والعدالة الانتقالية. ويربط كثيرون بشكل مباشر بين غياب المساءلة عن الفظائع في عهد الأسد وانفجار العنف في الساحل. بسبب عدم محاسبة مرتكبي الجرائم، يشعر كثير من العلويين أن طائفتهم بأكملها تدفع ثمن جرائم النظام الذي جند أبناءهم وحافظ على فقر قراهم. وبعد أن أطاحت هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة بالحكومة القديمة، ظهر في سوريا مصطلح جديد شائع: “فلول”. ويعني “بقايا”، ويُستخدم للإشارة إلى أي شخص عمل مع النظام، أو لا يزال متعاطفًا معه.
قال أحدهم: “يقولون إن الجميع فلول. إذا كان هناك أحد هنا كذلك، فليأخذوه. عانينا كثيرًا خلال حكم النظام اقتصاديًا، وفقدنا الكثير ممن أُجبروا على الانضمام للجيش. كان بعضنا يأمل أن تكون هذه نهاية عهد وحشي، لكن ما شهدناه هو في الواقع أسوأ.“
ارتُكبت أسوأ مجزرة في الرصافة في منزل رابع فوق القرية، بحسب السكان المحليين. قُتلت امرأتان وأربعة أطفال. لا أحد يعرف السبب، لكن بعضهم يظن أن السبب أن أحد الأطفال، وهو صبي يبلغ من العمر تسع سنوات، كان اسمه بشار. كان يزور أبناء عمومته ذلك اليوم، وقُتل الأشقاء الثلاثة: زين (٣ سنوات)، جواد (٤ سنوات)، ويحيى (١٠ سنوات)، مع والدتهم وجدّتهم.
كانت لحية الجد البيضاء قد اصفرّت بسبب النيكوتين. يوم الجمعة، قبل الخامسة مساءً بقليل، خرج ليحضر المزيد من الحطب للنار. أوقفوه وجعلوه يقف عند باب المنزل. قال إنه سمع إطلاق النار داخل المنزل، لكنه في البداية لم يدرك ما يعنيه ذلك. “لم أصدق أنهم سيقتلون الأطفال فعلاً.“ ظلت الجثث في غرفة الاستقبال لمدة ثلاثة أيام قبل أن يتمكن من دفنها.
“مكان الجريمة ما زال كما هو مصطبغاً بالدماء. لم نلمس شيئًا. كنا نأمل أيضًا أن تأتي المنظمات الدولية، لكن لم يأت أحد.”
بدلاً من ذلك، أغلق جهاز الأمن العام القرية لأيام. لم يُسمح للخوذ البيضاء أو الهلال الأحمر السوري بالمساعدة في الدفن، فدفنت العائلات أقاربها دون أي فحص للجثث، أو مواقع القتل. استغرق الأمر ما يقرب من ثلاثة أشهر حتى زارت لجنة تحقيق حكومية.

عدالة المنتصر
يروج قادة الأمن العام المحليون والضباط السياسيون في الحكومة الجديدة لسردية جديدة: أن عمليات القتل مفبركة. وبعد أسبوعين من المجازر، زار فريق ”دروب سايت“ مركز الشرطة الرئيس في مصياف، حيث غادرت دورية الأمن قبل أن يُنصب لها كمين فوق قرية الرصافة، الحادث الذي أشعل العنف في السادس من آ ذار\ مارس. كان هذا مركز الشرطة نفسه الذي ذكر السكان المحليون بأن فصائل مسلحة اجتمعت فيه مع الأمن العام قبل أن تسير في قوافل إلى الرصافة في الساعات والأيام التالية. تفاجأتُ حين رحّب بي المسؤولون لإجراء مقابلة. عزام أبو عدي، نائب مدير الأمن العام، خلع درعه الواقي ووضع بندقيته ومسدسه جانبًا قبل الجلوس للحديث. بدأت بسؤاله عن الكمين.
قال: “نفدت منا الذخيرة، فطلبنا تعزيزات من حماة ومصياف. أرسلوا لنا عربات مدرعة وجاءوا لأخذنا.”
وأوضح أن التعزيزات التي جاءت لمساعدته ورجاله كانت من الحكومة. “كان الجيش فقط والأمن العام، لا فصائل. لم يعد هناك ما يسمى فصائل، نحن الآن الجيش فقط.”
أكدت عليه: “إذًا كل من جاء كان تحت سيطرة الأمن العام؟”
رد: “نعم، بالطبع. فقدنا شهداء وأصيب بعضنا. قتل واحد وجُرح اثنان.”
حاول أبو عدي إنهاء المقابلة، لكنني أوضحت مرة أخرى أن جميع التعزيزات التي مرت كانت تحت سيطرة الأمن العام، وليس فقط تلك التي وصلت إلى موقع الكمين نفسه. لم نكن قد تحدثنا بعد عن عمليات القتل في الرصافة.
ابتسم أبو عدي، وأثار الموضوع بنفسه: “أفهم ما تلمحين إليه. تريدين أن تتحدثي عن الرصافة. لقد مررنا بالكثير؛ لم نولد بالأمس.”
ثم شرح أن فلول النظام وعصاباته المرتبطة به، المعروفة في سوريا بالشبيحة، هم من ارتكبوا المجازر ثم ألقوا اللوم على الدولة. حسب روايته، بعد أن نصبوا كمينًا لدورية الأمن العام على الطريق فوق القرية، تمكن الشبيحة من الالتفاف والنزول إلى الرصافة لإثارة الفوضى والخوف بين السكان.
“كان الشبيحة يستخدمون أسماءنا ويقتلون الناس. يرتدون زي الأمن العام ويقتلون الناس.”
“لم يقبلوا أنهم فقدوا البلد؛ كانت محاولة انقلاب. أراد أنصار النظام السابق زعزعة السلام والأمن في المنطقة. لم يقبلوا أن الناس بدأوا يؤيدون الدولة الجديدة. فبدأوا يرتدون ملابسنا ويقتلون باسمنا.”
أصر أبو عدي على أن السكان يصدقون هذا. لكن من بين العشرات الذين أجرى معهم ”دروب سايت” مقابلات، عبّر الجميع عن شعور بالخيبة والخوف من السلطات الجديدة. قال أحدهم: “الجميع يخافون على عائلاتهم. لا أحد يلجأ إليهم من أجل العدالة لأن الدولة هي الجانية.”
تعرّف شخص آخر على رجل شارك في العنف. “كان يرتدي علم المملكة العربية السعودية على ذراعه، لكنه الآن يتجول مرتديًا علم الثورة على ذراعه وزي الأمن العام، يعتذر للناس، قائلاً: هذا لم يكن نحن، كانت فصائل خارجة عن السيطرة وغير خاضعة للإشراف. نجد هذا سخيفًا ومهينًا.”
في جميع أنحاء سوريا، فقد آلاف العلويين وظائفهم، لأنهم خدموا في الجيش أو تم طردهم من مناصبهم في الخدمة المدنية. الراحة الحذرة التي عبر عنها كثيرون عند انتقال السلطة بسلاسة نسبية تحولت إلى عدم ثقة عميقة. يريد السوريون من الطوائف كلها رؤية العدالة، ليس فقط من أجل الجرائم التي ارتكبها أعضاء نظام الأسد، بل أيضًا التي ارتكبتها الفصائل المسلحة التي انتشرت بعد أن تمخضت الثورة عن حرب، وبعض هذه الفصائل الآن أعضاء في الحكومة الجديدة. يخشون أن ما سيحصلون عليه هو “عدالة المنتصر.”
بعد ستة أشهر من استلامها السلطة، عينت القيادة لجنة للعدالة الانتقالية؛ رئيسها هو ابن عم وزير العدل.
في مصياف، بعد أسبوع من مجازر الساحل، أقيمت فعالية لإحياء ذكرى بعض الاحتجاجات الأولى لانتفاضة عام ٢٠١١. وقف أفرادٌ من الأمن العام مدججين بالسلاح على المنصة، يغنون أغاني ثورية إلى جانب الحشد. وقفت طالبة صيدلة شابة، بضفيرتين، مع بعض أصدقائها من الكلية. “جئتُ للاحتفال بذكرى الثورة رغم أنها لم تنتهِ بعد، ولإحياء ذكرى المدنيين الذين سقطوا هذا الأسبوع. وأضافت أن الثورة لن تكتمل إلا عندما يتوقف قتل الأبرياء. “في البداية كانت الثورة من أجل إنهاء الظلم، وطالما أن هذا الظلم مستمر، فإن الثورة لم تنتصر.”

حول المشروعية في مراسيم العدالة الانتقالية السورية


حول المشروعية في مراسيم العدالة الانتقالية السورية


شكّل سقوط النظام السوري لحظة انعتاق سياسي كبيرة؛ لقد كان بمثابة مرآة عاكسة لانهيارٍ طويل الأمد في معنى الدولة ومفهوم الجماعة. انكشفت البلاد على تيهٍ سياسي لم يصنعه الحدث وحده، بل راكمته سنوات القمع، حتى بات غياب السياسة هو السياسة، وغياب العقد هو قاعدة العيش. انحسرت مشاغل السوريين، بعد زوال القبضة المركزية، إلى تفاصيل عابرة، بعيداً عن صياغة مشروع وطني جامع. راحوا يتقاذفون التهم كمن يتنازع على ظل وطن منهار: “أنتم من دمّر”، “نحن من خُذل”. ومع كل تبادل للاتهام، كانت فكرة الـ”نحن” الوطنية تتآكل، ويصعد من تحتها طيف الطائفة، والعشيرة، والجهة، والنجاة الفردية.

وكلّ ذلك كان نتيجة لطبيعة الدولة التي حكمتهم، والتي لم تشكّل يوماً عقداً جامعاً، بل كانت منظومة أمنية محكومة بمنطق الشكّ والسيطرة. في صيغتها العميقة، لم تُبنَ الدولة السورية على المواطنة، كما رأينا، بل على الإذعان: صمتٌ مقابل الأمان، طاعةٌ مقابل البقاء، وذاكرة معلّقة مقابل النجاة. وما كان يُروّج له كهوية وطنية، لم يكن أكثر من قناع هشّ، يخفي تحته نظام فرز اجتماعي قائماً على الولاء وتوزيع الخوف.

في هذا السياق، بدا أن النظام السوري السابق لم يطبق نظرية “هوبز”، بل انقلب عليها. فهوبز تخيّل العقد كوسيلة لخروج الإنسان من حالة الطبيعة، من الخوف المطلق إلى سلطة تحفظ الحياة. أما في سورية، فكانت السلطة هي من يُدير الخوف، ويُعيد إنتاجه، ويُحوّله إلى نظام حكم. تحوّل العقد من أداة لدرء الفوضى إلى وسيلة لتأبيدها، ومن أفق لتنظيم الجماعة إلى شبكة تُخضِع المجتمع باسم حفظ الدولة. وإذا كان “هوبز” قد افترض أن السيادة هدفها الحياة، فقد جعلها النظام أداة لحصارها. 

وحين انفجرت الثورة السورية (مارس / آذار 2011)، لم يكن الناس يثورون ضد عقد اجتماعي هشّ، بل يطالبون بكتابته لأول مرة. إلا أن غياب هذا العقد، الذي كان مستتراً بقوة القمع، ظهر فجأة كفجوة لا تسد. يوم سقط نظام الأسد لم تنهض بدائل سياسية، بل تصدّعت البلاد على وقع الولاءات القديمة، وتحوّل الغياب إلى تشظٍّ في كل الاتجاهات. لم تسقط دولة، بل سقط معها التصوّر عن إمكانية الاجتماع نفسه.

في هذا الفراغ المفتوح على كل الاحتمالات، جاءت المراسيم الانتقالية كإشارات لبداية ما يُفترض أنه مسار عدالة ومصالحة وطنية. لكنها، وقد فُرضت من أعلى ومن خارج أي تعاقد مجتمعي حقيقي، سرعان ما بدت محكومة بمنطق الانتقاء، أكثر من سعيها إلى تحقيق عدالة شاملة. وهنا تتبدّى الإشكالية الأعمق: هل يمكن لعدالة انتقالية يشوبها عيب الانتقاء، أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد؟ أم أنها، بهذا العيب البنيوي، تتحوّل إلى أداة ناعمة لإعادة تدوير عقد الطاعة القديم، وإلباسه لغة قانونية خالية من الروح؟

من الناحية الشكلية، بدت هذه المراسيم كمحاولة للاعتراف بمرحلة ما بعد الانهيار، وكإشارة رمزية إلى نية معالجة إرث الانتهاكات. لكنها، في جوهرها، لم تكن أكثر من محاولة لإدارة الفراغ لا لملئه، ولم تأتِ في إطار تعاقدي حقيقي أو برؤية جامعة. لقد كُتبت من خارج المجتمع، وبقيت أسيرة لما تسمح به البُنية الجديدة، لا لما تتطلبه الحاجة التأسيسية لإعادة بناء المعنى الوطني المشترك.

مرسوم “هيئة العدالة الانتقالية” (رقم 19 لعام 2025) وُلد بلا صلاحيات تنفيذية واضحة، ولا ضمانات استقلال عن مراكز القوى الجديدة. أما مرسوم “هيئة المفقودين” (رقم 20)، فقد اكتفى بتسجيل البيانات الإدارية، دون التزام فعلي بكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا أو محاسبة الجناة. غابت في هذه المراسيم آليات المشاركة، والإقرار بمسؤولية الدولة السابقة، وخارطة الطريق التي يمكن أن تعيد الاعتبار للعدالة كمطلب وطني لا كهيكل إداري.

وما يزيد هذا الغموض أخلاقياً وخطورة سياسية، هو أن هذه المراسيم تجاهلت ضحايا فاعلين آخرين، كالذين سقطوا على يد تنظيم داعش، أو اختفوا في مناطق خارجة عن سيطرة النظام. هذا الإقصاء ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يشكّل بذرة تفكك إضافية: فعندما تُقصى جماعات بأكملها من مسار العدالة، ويُترك ألمها في الظل، فإنها لا تندمج في مشروع الدولة، بل تتكتل خارجها. تتكوّن حينها ذاكرة مظلومية موازية، قابلة للاستثمار في منطق الثأر أو الانعزال، أو حتى الرفض التام لفكرة التعايش تحت مظلة عقد لم يعترف بها، ولم يحتسبها كطرف فيه.

إن تجاهل هذه الشرائح من الضحايا لا يعمّق الانقسام فحسب، بل يُهدد كل إمكانية لبناء وطن يضم الجميع. العدالة الانتقائية لا تصالح أحداً، بل تُراكم مشاعر الغبن، وتحوّلها إلى قنابل اجتماعية مؤجلة. فالعدالة، كي تؤسس لعقد جديد، يجب أن تكون شاملة، لا في إجراءاتها فقط، بل في رؤيتها لسوريا كوطن تعددي، جُرحه موحّد، وإن اختلفت الأيدي التي أصابته.

لكن خطورة الانتقاء لا تقف عند حدود من تم إسقاطهم من سجل الضحايا، بل تمتد إلى الفاعلين الرماديين الذين ظلّوا عالقين بين خانة الجاني والمجني عليه. هؤلاء الذين لم يطلقوا النار، لكنهم سكتوا حين أُطلق، أو شاركوا في إدارة الحياة اليومية تحت سلطات أمر واقع، أو غلّفوا الصمت بالخوف، والتواطؤ بالحكمة، والنجاة بالبراغماتية. لم تكن خياراتهم بالضرورة خيانة، لكنها كانت فعلاً سياسياً من نوعٍ مختلف، لا يعترف به خطاب العدالة الكلاسيكي.

يغدو اختزال العدالة في المحاكم والقوانين ضرباً من السطحية. في سورية، كانت الجريمة متغلغلة في النسيج السياسي والاجتماعي، لا فقط في غرف التحقيق. لذا فإن أي مشروع للعدالة في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن يتجاوز التعويضات والمحاسبة، ليمسّ الجرح الأعمق: أزمة الثقة، وتفكك العقد الاجتماعي، وغياب المساحة المشتركة التي يمكن أن تلمّ شتات السوريين. إنّ مواجهة النظام السابق لا تبدأ وتنتهي في المحاكم، بل في قاعات الذاكرة، في الحقول التي مات فيها الأبرياء بصمت، في الحارات التي تحوّلت إلى خطوط تماس، وفي بيوت الناجين الذين لم يجدوا من يسمعهم. لهذا، لا يكفي أن تصدر مراسيم “تنظيمية” لتكون لنا عدالة، بل نحتاج إلى شجاعة ثقافية لطرح السؤال المؤلم: “من نحن بعد كل هذا الألم؟ وما الذي يجعل منا شعباً قادراً على العيش معاً من جديد؟”

وإن كانت العدالة الانتقالية تتموضع غالباً في أروقة المحاكم، فإن العدالة التصالحية تُبنى في المجتمع، بين الناس، بالاعتراف والمواجهة وإشراك أهالي الضحايا أنفسهم. من دون ذلك، لا يمكن لمجتمع أن يُشفى، ولا أن يطوي صفحة الماضي دون الوقوع في منطق الثأر أو الإنكار. على الأقل، لا بد من طرح رمزي من هنا تأتي الحاجة إلى مساحات رمزية-أخلاقية”، مستوحاة من تجربة “الغاشاشا” تلك المحاكم الشعبية التي سمحت للقاتل والناجي بالجلوس في المكان ذاته في رواندا، ولكن بما يتناسب مع السياق السوري. ليست هذه محاكم جنائية، بل فضاءات تُحاكم فيها الذاكرة الصامتة.

إن ما تبقّى من العقد الاجتماعي في سورية ليس سوى أطلال شرعية لم تُبنَ قط، و إرث ثقيل من الخضوع المغلّف بلغة الدولة. ومع ذلك، لا تزال إمكانات العقد قائمة، وإن كانت مشروطة. فالعقد، ليس نموذجاً مستورَداً من التجربة الأوروبية، إنه ديناميكية تفاوضية تُبنى بتراكم الاعتراف، وبنبذ العنف، وبتطوير شرعية مكتسبة لا مفروضة. الشرط الأول لذلك هو الانتقال من منطق القسر إلى منطق التعاقد؛ من احتكار السياسة إلى تعميمها كحيز عمومي مفتوح. وهذا لا يتم عبر نصوص فوقية، بل بإعادة هندسة الثقافة السياسية ذاتها، لتكون ثقافة الاختلاف والمصلحة العامة، لا ثقافة الاصطفاف والارتهان.

كما تبرز العدالة الانتقالية كحقلٍ حاسم في هذا التحوّل: فهي مسار لتسوية انتهاكات الماضي، ولحظة تأسيس ثقافي وأخلاقي تُختبر فيها قدرة المجتمع على مغادرة ثقافة العنف نحو ثقافة التفاوض. فإن بقيت العدالة انتقائية، تُدار بالأدوات نفسها التي صنعت القهر، فإنها لا تفتح أفقاً جديداً، بل تُعيد إنتاج ما كان، بلغة أكثر نعومة. أما إذا تحوّلت إلى أفق تفاوضي فعلي، يُعيد توزيع الاعتراف ويكسر صمت الضحايا، فإنها قد تشكّل نقطة انطلاق لعقد اجتماعي حقيقي، ينهض على توازن الذاكرة والمسؤولية المشتركة.

في مجتمعٍ لم تُمارس فيه السياسة إلا كقسر، ولم تُبْنَ فيه الدولة إلا على إخماد الصوت، لا يكون سؤال العدالة سؤالاً تقنياً، بل سؤالاً على صورة العقد نفسه: هل نريد أن نُبنى كجماعة سياسية حقيقية، أم نعيد تمثيل الطاعة تحت مسميات جديدة؟ العدالة، إذاً، ليست ما يسبق العقد، ولا ما يليه، بل هي محكّه الأول، واختباره الأشد وضوحاً.

من سوريا إلى برلين: سرديات الحياة والموت في كتابات هنادي زرقة

من سوريا إلى برلين: سرديات الحياة والموت في كتابات هنادي زرقة

صدر للشاعرة السورية هنادي زرقة هذا العام كتابين في فترة متقاربة عن دار أثر وهما ديوان شعر بعنوان “مثل قلب على مدخل البيت” والثاني بعنوان “ماذا تعرف أنت عن الحرب”. 

جمعت زرقة في كتابها الثاني مقالات كانت قد كتبتها خلال الحرب السورية بعين الشاعرة الحساسة والواعية والمراقبة التي بقيت في البلد إلى فترة قريبة، ولم يمنعها وجودها في قرية من قرى الساحل البعيدة عن الأحداث المباشرة من الاقتراب من الهم العام والمشاركة به ورصد تشعبات وخيوط المقتلة السورية في المحافظات البعيدة والقريبة، وعبر ما يصل إلى مدينتها من مهجرين وضحايا.

تنتقل زرقة من العام إلى الخاص وبالعكس، حتى يتشابكان ويطغى أحياناً أحدهما على الآخر ثم العكس في توليفة قريبة من قلب القارئ وإحساسه ومنتقلة بين هذا وذاك وبين المعلومة العامة المتنوعة بين الفكري والسياسي والجغرافي لتصنع في كل مقال لوحة متكاملة يستطيع القارئ من خلالها تكوين فكرة واضحة عن حدث معين في خريطة البلاد. 

مسلطة الضوء على تحولات الصراع في سوريا والحرب الدائرة فيها عبر أعوام طويلة قبل سقوط نظام الأسد، كان فيها الناس يتداولون عبارة: (الله يفرجها على العباد) وكأنهم كانوا ينتظرون فرجاً إلهياً للخلاص. بينما بقي الحذر حاضراً بينهم. ومن الرقة المدينة المهملة تاريخياً والتي انتفضت على النظام فعوقبت بتركها لقمة سائغة أمام داعش والتطرف المسلح فعانت من هجرة أبنائها بصمت، إلى حلب وطرطوس وغيرها. وكيف صارت الهجرة هاجس الشباب على تنوعهم وصار مستغرباً أن يبقى أحد في البلد. تتساءل هنادي: هل السفر خيانة؟ وحين يكون الثمن هو الحياة هل سيكون الخلاص الفردي خيانة؟ بينما تتحول البلاد إلى مقبرة والبقاء يعني الشروط الدنيا للحياة وترى في مكان آخر أن “البلاد جثة محمولة على الأكتاف وما من مقبرة تدفن بالمجان سوى مقبرة التطرف”.

قد يقول من يقرأ هذه السطور إنه التشاؤم لكنها هواجس كل سوري، وفي السياق تعود زرقة لتحليل الحالة السورية فتحمّل النخب مسؤولية التقصير في توجيه الحراك منذ البداية والاكتفاء بالمراقبة مما تركه عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية والدينية، فأطال عمر النظام ومعاناة البشر، وتذكر كيف منحت صيحات المناداة بالتدخل الدولي والعسكري المبررات للنظام البائد الذهاب بالعنف إلى الآخر، أما عن دفع الأثمان فنرى العائلات المهجرة تنتظر سلال الإغاثة التي اجتمع المهجرون عليها من كل الأطراف تحديداً النساء منهم في باحة كنيسة ورغم الحذر والتخوف من الآخر انتهى بهن الأمر إلى تبادل رواية المأساة حتى البكاء و كأنه نداء إنساني يوحدهم تجاه المتاجرين بالدم السوري، لم تكن جهة الإغاثة تابعة لأي طرف لكن العاملين فيها كانوا من كل طوائف سورية.

كان الساحل حافلاً بصور الضحايا والنعوات والعاهات الناجمة عن إصابات الحرب وأطفال المهجرين الذين حاولوا البحث عن بيئة آمنة، حتى بات يعاني من كثافة سكانية هائلة.

تقول زرقة: “الساحل يحكمه الخوف” لعله الخوف الناجم عن تلك المشاعر المتناقضة ولعله الخوف من المستقبل بالتركة الصعبة التي حملها. وهو ما ظهر للأسف بعد سقوط النظام. 

 تميل هنادي أحياناً للإسهاب في سرد الذكريات الشخصية والعائلية وإعادة تقييمها وتأثير الآخرين على شخصيتها موازية بين مرض والدتها بالزهايمر ومرض البلاد التي صار بينها وبين أبنائها غربة كبيرة. وتحدثنا عن صديقتها مها جديد التي عملت بالإغاثة وما قدمته لسوريا، الجميل في حديث زرقة عنها أنها لا تتجه إلى الرثاء رغم كل ما تركته صديقتها من ألم بغيابها بل تحدثنا عن أعمالها وقيمتها الإنسانية وعن أفعالها.

في الجزء الذي تنشغل فيه بالهم العام والمعاناة الاقتصادية اليومية للبشر يظهر ذلك التردد الذي شغل كل السوريين، وهو البقاء في البلاد ورغم تأكيدها أنه حالة طبيعية كالتنفس لكن ذلك كان بمثابة إشارة لفوات البديل فالطبيعية تغدو حالة غير عادلة في عمق الصراع.

تسافر هنادي زرقة أخيراً إلى ألمانيا، تقول: “لا يموت الغرباء بالسرطان أو احتشاء القلب بل يقتلهم الحنين وتفتك بهم الذكريات”، وهو ما ينقلنا إلى ديوانها ” مثل قلب على مدخل البيت ” الذي نوهنا لصدوره في البداية. يأخذنا العنوان إلى قصيدة قلب ينبح وحيداً، فالبلاد التي تحترق تحيل الحريق إلى دواخلنا حتى أنها تنوي أن تترك قلبها على مدخل البيت مربوطاً مثل كلب يحرسه ويشيخ، وحين توضب ثيابها وتضع النفتالين لتحفظها تتساءل هل ينفع ذلك مع الذكريات، وتسارع إلى الرغبة برمي كل شيء واقتناء ذكريات جديدة.

تتابع هنادي في ديوانها ذلك الاشتباك بين العام والخاص، العام الذي تبدل بسفرها وانتقالها إلى برلين لكنه بقي يمارس تلك الثنائية مع الخاص وتمكيناً للتجربة الذاتية حيث الحيز الأكبر في الديوان والذي يبدأ بقصيدة تفصيلية لملامح وجهها في المرآة كأنها تقرأ لوحة محايدة، وتعطيها دلالات عديدة، تتأملها راجية أن تنال في النهاية ضحكة في زمن الموت وكأنها تقول كم هي عزيزة تلك السعادة.

لتتابع فيما بعد عرض تاريخ عائلي للألم من فقدان الأب إلى الفقر الذي فرد جناحيه على العائلة بعد موته ومعاناة الأم في بلاد لا ترحم ولا تنتبه إلى آلام سكانها.

تعترف زرقة أن الشعر أعاد ولادتها، الولادة من رحم الشعر هي التي تختارها وهي التي تستحق الاحتفاء، حين كتبت أول قصيدة أهدت نفسها قالب حلوى واحتفلت بميلادها الجديد. اختيار ميلادها بمثابة الاستقلالية المؤكدة والتي تتابعها فيما بعد حين تؤكد أن الحياة تعلمنا الاعتناء بأنفسنا كأمهاتها لنكمل نقص الحنان فيها في إشارة أخرى إلى مرض الزهايمر الذي قلب الأدوار بينها وبين أمها.

  تشغل قصائد زرقة الوحدة بشكل كبير وإن كانت حاضرة في البلاد فقد تضاعفت بعد سفرها على ما يبدو فالوحدة التي نطلبها في مرحلة من الحياة تتحول إلى عبء مؤلم لا فكاك منه، وبينما يعمد الآخرون إلى تربية الحيوانات لاحتمال الوحدة تعمد هي إلى الاستعانة بقلبها كحيوان أليف، أو بديل الطفل الذي لم تنجبه، إنه دليل ذلك الاحتواء الذاتي وبلسمة الجراح ذاتياً كتعبير أصيل عن الوحدة الحقيقية. 

الوحدة التي تستدعي الذكريات والبكاء والضجر والتي لا يداويها حتى الحب. 

تحافظ زرقة على قصيدتها بذات التوهج وفي اختيار النهاية التي تكون على هيئة نقلة نوعية مفاجئة من العام إلى الخاص أو العكس لتجعل القارئ يتلمس ذاته، مع تلك الشفافية المنسابة إلى الأعماق، والفرادة بمحاكاتها.

الزمن شاغل حقيقي في قصيدة هنادي لكنه يتعدى هاجس السن إلى إحصاء الخيبات والمرارات وموت الأصدقاء الذين يشكلونها كما فرانكشتاين، وحين يتساقطون يتركونها غريبة في بلاد هدمتها الحرب.

تقول في قصيدة طحالب تنمو على القلب :

“لماذا تركت الحصان وحيداً؟

كي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”

أشرد بالعبارات هل تعرف البيوت سكانها الأصليين؟

أراقب الجدران المتهالكة

قطرات المطر وهي تتسلل بين الشقوق

القطط التي تقعي أمام الباب كما لو أنه مهجور

العشب النابت في الممرات 

رائحة الرطوبة 

الطحالب تنمو على الجدران

وأصوات عويل يصم أذني.

كيف لك ان تفعل ذلك؟

أنا الحصان الذي تركوه كي يحرس البيت من الموت

الحصان الذي سيموت وحيداً

هنادي زرقة شاعرة سورية لها بصمتها الخاصة وصوتها المميز لها في الشعر: “الزهايمر” ، “الحياة هادئة في الفيترين”، “رأيت غيمة شاحبة سمعت مطراً أسود”، وترجمت أعمالها لعدة لغات كالدانمركية والألمانية والفرنسية، وكتبت في السفير والأخبار والآداب وموقع أوان وغيرها.