بواسطة نور قهوه جي | أغسطس 10, 2026 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
جلست في مقرّ شبكة (مدنيّة- MADANIY) في بيت فارحي، الكائن في حي الأمين الدمشقي، أتأمل الشعار اللفظي (السلوجان) الذي تبنته: «مدنيّة في سوريا… نستعيد بلدنا، فضاءاتنا، وأحقيتنا السّياسية»، وعلى الفور رحت أفكر، بعد أن أصبح الكلام ممكناً: من يصل صوته إلى المجال العام؟ ومن يمتلك القدرة على تمثيل المجتمع ورواية قصته؟ وهل استعدنا فضاءاتنا كلّها حقاً؟ وهل يواجه السوريون اليوم تحدي حماية «فضاءاتهم المُستعادة»؟
عادةً، يُنظر إلى استعادة حرية التعبير في الفضاء العام بوصفها الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية… في المجتمعات التي تخرج من حقبة طويلة من الاستبداد، كما هو الحال في سوريا. وينطلق مفهوم الفضاء العام عند يورغن هابرماس (1929- 2026) من كونه فضاءً يسمح للمواطنين بتداول الأفكار بحرية بعيداً عن هيمنة السلطة، إلا أن هذا التصور يواجه اليوم تحدياً جديداً؛ إذ تتزامن مرحلة إعادة بناء المجال العام مع ثورة رقمية أعادت تشكيل طرائق إنتاج المعرفة وتداولها. فلم تعد الثقافة تُصنع داخل المؤسسات التقليدية وحدها، ولم تعد الدولة الفاعل الأكثر قدرة على ضبط المجال العام، حيث برزت المنصات الرقمية بوصفها فضاءات جديدة لإنتاج الخطاب الثقافي، وأخذت الخوارزميات تؤدي دوراً خفياً كشريك في تشكيل هذا الخطاب، وإعادة ترتيب أولوياته، وتحديد مساحة انتشاره، ومنح بعض الأصوات حضوراً أوسع من غيرها.
وتكمن المفارقة الأبرز في أن الخوارزمية لا تكتب قصيدة، ولا تنجز دراسة فكرية، لكنها تشارك، بطريقة غير مباشرة، في تحديد ما يقرأه الناس، وما يناقشونه، وما يترسخ في ذاكرتهم بوصفه صورةً عن المجتمع وثقافته.
وبهذا يتغيّر حضور السلطة الثقافية من الرقابة والمنع كما في السابق، لتمارس جزءاً من تأثيرها عبر الانتقاء، وإدارة الانتباه، وإعادة توزيع فرص الظهور، وهو ما أشار إليه ميشيل فوكو (1926- 1984) عندما وصف السلطة بأنها شبكة تنتج المعرفة وتحدد شروط ظهورها أكثر من كونها جهازاً للقمع المباشر. وإن كانت مرحلة إعادة بناء المجال العام في سوريا تقتضي إعادة النظر في المؤسسات والقوانين وأشكال المشاركة، فإنها تستوجب أيضاً إعادة التفكير في الجهة التي تمتلك القدرة على تعريف الثقافة السورية، وتمثيلها، ونشرها، وتقديمها إلى السوريين وإلى العالم.
إعادة بناء المجال العام… وإعادة توزيع السلطة الثقافية
تشكّل الواقع الثقافي طويلاً في سوريا، في عهد الاستبداد، داخل فضاءات تضبطها الدولة ومؤسساتها، سواء عبر التعليم أم الإعلام أم من خلال الإشراف المباشر على المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية، وعبر الحدود التي كانت ترسمها الرقابة لما يمكن قوله أو نشره أو حتى تداوله. وعلى الرغم من أن هذه البنية لم تنجح يوماً في احتكار الثقافة بالكامل، فإنها أسهمت في رسم ملامح المجال العام، وحددت، إلى حد بعيد، من يتحدث باسم الثقافة، ومن يمتلك شرعية تمثيل الشأن الثقافي السوري.
أما اليوم فيبدو الحال مختلفاً؛ إذ لا يوجد احتكار لجهة واحدة، لكننا أمام تقاسم لسلطة التمثيل بين الدولة والمنصات والخوارزميات والمؤثرين والمانحين والجمهور نفسه. وهنا يتجلى أمران يستحقان المناقشة: الأول يتعلق بإعادة بناء المجال العام الذي لم تعد السلطة متمركزة فيه في مؤسسة واحدة، ولم تعد المعركة تدور فيه حول حق الكلام فقط؛ إذ أتاحت البيئة الرقمية مجالاً غير مألوف سابقاً لتعدد الأصوات، وأصبح كل فرد قادراً على أن يكتب ويحلل، وينتج المعرفة، ويشارك في تشكيل الصورة التي يقدّمها المجتمع عن نفسه. وهذا التحول لا يعني اختفاء السلطة، بل يعني انتقالها إلى نمط أكثر تعقيداً يتعلق بحق الوصول، والتمثيل، وحق تشكيل الصورة التي ستبقى عالقة في الذاكرة الجمعية.
والثاني هو ظهور منظومة رقمية أخذت تحدد أي الأصوات أصبح أكثر تأثيراً، وأيها سيبقى مهمشاً. وهذه النقلة الرقمية ليست نقلة تقنية فقط بقدر ما هي ثقافية؛ تمس جوهر العلاقة بين المعرفة والمجتمع، وبين المنتج الثقافي وجمهوره، وتنقل شرعية الحضور الثقافي من المؤسسات الثقافية إلى المنصات الرقمية، بحيث يصبح الوصول إلى الجمهور خاضعاً، لا للمعايير الثقافية بقدر ما يخضع لمنطق التفاعل واقتصاد الانتباه.
وقد تنبهت السلطة الجديدة، التي تولت دفة الحكم بعد سقوط النظام، إلى هذا التحول مبكراً؛ فسارعت، منذ عامها الأول، إلى محاكاة آليات السيطرة الحديثة عبر استقطاب المؤثرين وصنّاع المحتوى (البلوغرز). ولم يقف الأمر عند كسب الولاء الافتراضي؛ إذ أتبعت ذلك بسلسلة من إجراءات المأسسة، فشرّعت مدونة سلوك تضبط العمل الصحفي والإعلامي، وفعّلت أنظمة مكافحة الجريمة الإلكترونية لترسيم حدود الفضاء الرقمي الجديد.
وبذلك، لم يعد رأس المال الثقافي وحده كافياً لاكتساب الشرعية في سوريا اليوم، بل بات رأس المال الرقمي، وأعداد المتابعين، ومعدلات التفاعل عناصر حاسمة تدخل في صياغة المكانة الثقافية للأفكار والأفراد على حد سواء، وبالتالي للدولة، وهو ما يتوافق مع أطروحة بيير بورديو (1930- 2002) حول أشكال رأس المال المتشابكة.
الخوارزمية وسلطة تمثيل المشهد الثقافي
يصف مانويل كاستليس (1942) المجتمع الرقمي بأنه مجتمع شبكات تنتقل فيه السلطة عبر تدفقات المعلومات أكثر مما تنتقل عبر المؤسسات، وهو ما يبدو جلياً في الحالة السورية اليوم؛ فلا تشارك الخوارزمية في تشكيل المشهد الثقافي في المجال الرقمي فحسب، بل تحدد أيضاً أي الموضوعات ستبقى في واجهة النقاش العام، مما يفرض إعادة التفكير في مفهوم التأثير الثقافي. فالمقال الرصين، أو الدراسة الأكاديمية، أو العمل الأدبي أو الفني لم يعد ينافس أعمالاً من النوع ذاته فقط، بل أصبح ينافس أيضاً سيلاً متواصلاً من الصور والمقاطع القصيرة (الريلز) والمحتوى السريع الذي صُمم ليحظى بأكبر قدر من التفاعل في أقل وقت ممكن. وبهذا غدا إنتاج المعرفة مرتبطاً ببيئة لا تكافئ دائماً العمق أو القيمة بقدر ما تكافئ ما يجذب الانتباه.
وهنا نحن في مواجهة سلطة غير مرئية تمنح، وبصورة غير مباشرة، شرعية التمثيل؛ فكلما تكرر ظهور خطاب معين، أو صورة بعينها، أو سردية محددة، ازدادت قابليتها لأن تُستقبل بوصفها التعبير الأكثر حضوراً عن المجتمع، وإن كانت لا تمثل حقيقة واقعه. ولعلّ مظاهر الأسلمة التي تُصدّر اليوم بوصفها صورةً لمجتمع سوري من لون واحد، «أكثرية» تتماهى فيها المكونات الأخرى وتضمحل بوصفها «أقلية»، واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك.
من يمثّل الثقافة السورية في الفضاء الرقمي؟
إن كانت الثقافة هي الطريقة التي يروي بها المجتمع ذاته، فالسؤال المهم الذي يفرض نفسه في الحالة السورية هو: من يمثّل هذه الثقافة في الفضاء الرقمي؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية مضاعفة نابعة من واقع مجتمع يسعى إلى إعادة بناء فضائه العام، ويحتاج إلى فسحة تتجاور فيها السرديات المختلفة، وتتعايش فيها التجارب المتنوعة، لا إلى فضاء يعيد اختزال هذا التنوع في روايات أكثر قابلية للانتشار، أو مقاطع (ريلز) ساخرة من مشاهد قتل، أو مؤثرين أصبحوا مراجع في النقاش السياسي، أو سيل من التفاعلات بـ«أضحكني» تجاه قضايا كبرى بهدف تسخيفها أو تهميشها.
إن التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم هو بناء بيئة رقمية تضمن عدالة الظهور وعدالة التمثيل، لا استعادة حرية التعبير فقط. فالديمقراطية الثقافية لا تتحقق بمجرد تعدد الأصوات، وإنما عندما تمتلك هذه الأصوات فرصاً متكافئة للوصول إلى المجال العام والتأثير فيه. وفي هذا السياق يبرز السؤال الحقيقي: من يقرر أي ثقافة يراها السوريون أولاً؟ وما الدور المأمول اليوم من مؤسسات الدولة الجديدة في تفعيل دورها الثقافي والوطني في مواجهة هيمنة الخوارزميات؟ وكيف يمكن لهذه المؤسسات الناشئة أن تستعيد دورها حاضناً للمشهد الثقافي السوري بتعدديته وزخمه، بدلاً من الانزلاق نحو أدوات الرقابة والضبط الرقمي الناعم؟
بواسطة عمر الشيخ | أغسطس 1, 2026 | News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
تواجه قبرص تحديات خطيرة في المرحلة الأخيرة من مسار انضمامها المحتمل إلى منطقة شنغن؛ أبرزها الأمن القومي، والطاقة، والهجرة، والصراع المفتوح في الشرق الأوسط”. بهذه الكلمات يختصر دبلوماسي رفيع المشهد الذي تتحرك فيه الدولة القبرصية، وهي تراقب، من موقعها في أقصى شرق الاتحاد الأوروبي، تحولات إقليمية لم تعد تتيح لها الفصل بين الهجرة والأمن والسياسة الخارجية.
قطعت قبرص شوطاً متقدماً في استكمال المتطلبات التقنية اللازمة للانضمام إلى منطقة شنغن، من دون أن يعني ذلك أن عضويتها حُسمت. وكانت المفوضية الأوروبية تستعد، في حزيران/يونيو 2026، لتقديم تقريرها بشأن جاهزية الجزيرة، فيما بقي القرار السياسي النهائي من اختصاص مجلس الاتحاد الأوروبي.
ترى نيقوسيا أن الانضمام سيعزز أمنها ويثبت حضورها داخل البنية الأوروبية، لكن وضع الجزيرة المقسمة، ووجود خط لوقف إطلاق النار لا تسيطر الحكومة على حدوده الشمالية، يجعلان المسألة أبعد من استكمال إجراءات تقنية. فالأمن، في التصور الذي قدمته الرئاسة القبرصية للاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من عام 2026 بات يشمل إضافة إلى الدفاع وحماية الحدود؛ الطاقة والبنى التحتية، والتهديدات الهجينة، والهجرة، والاستعداد للأزمات المحتملة في الجوار الشرق أوسطي. ولهذا وضعت قبرص تطبيق الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، وتشديد آليات العودة، والتعاون مع دول المنشأ والعبور، بين أولوياتها الأوروبية.
أوروبا تعيد ترتيب أولوياتها
المراقب للوضع الداخلي في قبرص، سوف يتلمس كيف تتحرك السياسة القبرصية في لحظة أوروبية تغير فيها ترتيب الأولويات. فالحرب الروسية على أوكرانيا أصبحت اختباراً لقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها، ولمستقبل اعتمادها على المظلة العسكرية والأمنية الأميركية.
وزادت عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية من حالة عدم اليقين. فالضغوط الموجهة إلى الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي، واستخدام الرسوم الجمركية في الخلافات السياسية والتجارية، والشكوك المتعلقة بمستقبل العلاقات عبر الأطلسي، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تقديم الدفاع والأمن الاقتصادي وحماية الحدود. ولم تختفِ المساعدات الإنسانية من الموازنات الأوروبية، لكن البيئة السياسية أصبحت أكثر تقبلاً لتمويل الحماية والردع وبرامج العودة، وأقل استعداداً للتعامل مع الهجرة من بوابة الاستقبال وحدها.
في شرق المتوسط تبدو الصورة أكثر تشابكاً. فقد أبقت الحرب الإسرائيلية على جبهات متعددة، وعدم الاستقرار في لبنان، والتحولات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، قبرص أمام احتمال انتقال سريع لتداعيات الأزمات عبر البحر. فالجزيرة قريبة من الساحلين السوري واللبناني، وتؤدي في الوقت نفسه دور منصة أوروبية للإجلاء والإغاثة والتعاون الأمني. وكل تصعيد في جوارها يحمل احتمال انطلاق قوارب جديدة، إلى جانب أخطار قد تطول منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والبنية العسكرية.
وسط هذه التحولات، أعاد سقوط نظام الأسد فتح السؤال المتعلق بمستقبل السوريين في أوروبا: هل ما زالت الحماية التي مُنحت لهم بسبب الحرب والنظام السابق ضرورية بالدرجة ذاتها، أم بات ممكناً نقل أعداد متزايدة منهم من نظام اللجوء إلى برامج العودة؟
جزيرة صغيرة وذاكرة انقسام
يحضر العامل الديموغرافي بقوة في النقاش القبرصي. فمنذ سنوات، يقول مسؤولون إن الجزيرة استقبلت، قياساً إلى عدد سكانها، أعداداً من طالبي اللجوء تفوق قدرة مؤسساتها وخدماتها. غير أن الرقم المتداول، ومفاده أن طالبي اللجوء تجاوزوا أربعة في المئة من السكان، لا يتعلق بالسوريين وحدهم، ولا يمثل نسبة اللاجئين المعترف بهم. وقد استُخدم في تصريحات رسمية منذ عام 2019 للإشارة إلى مجموع طالبي اللجوء مقارنة بسكان المناطق الواقعة تحت سيطرة جمهورية قبرص.
اكتسب هذا الرقم، مع مرور الوقت، معنى يتجاوز الضغط على الخدمات. فقبرص دولة صغيرة تعيش انقساماً مستمراً منذ الغزو التركي عام 1974، ولا تسيطر حكومتها المعترف بها دولياً على شمال الجزيرة. ولهذا تظهر الهجرة القادمة عبر المناطق الشمالية أو السواحل القريبة، في الخطاب الأمني المحافظ، عاملاً قد يؤثر في التوازن السكاني والاجتماعي، وليس عبئاً إضافياً على مراكز الاستقبال فحسب.
ويقدم مسؤول أمني رفيع، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، قراءة أكثر حدة. فهو يرى أن تركيا تستخدم الهجرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وسيلة ضغط على أوروبا وجمهورية قبرص، وأن ارتفاع أعداد القادمين من مجتمعات مسلمة يثير حساسية إضافية في جزيرة ذات غالبية يونانية أرثوذكسية وتاريخ طويل من الصراع مع أنقرة.
يعكس هذا التقدير طريقة تفكير حاضرة في خلفية بعض القرارات الأمنية، حيث تُقرأ الهجرة في ضوء تاريخ الجزيرة وانقسامها، إلى جانب القوانين والاتفاقيات المنظمة للجوء. وسبق للسلطات القبرصية أن تحدثت عن استخدام الهجرة أداةً للضغط عند وصفها انتقال أشخاص من تركيا إلى الشطر الشمالي، ثم عبورهم المنطقة العازلة نحو الأراضي الخاضعة لسيطرة الجمهورية. وتزداد حساسية المسألة مع تقدم مسار الانضمام إلى شنغن، إذ ستصبح حماية الحدود القبرصية، وفق التصور الأوروبي، جزءاً من حماية المجال المشترك.
عندما جُمّدت الطلبات السورية
بدأ التحول المباشر في سياسة قبرص تجاه السوريين في نيسان/أبريل 2024، عقب وصول أعداد كبيرة من القوارب القادمة من لبنان. فمنذ مطلع ذلك العام وحتى الرابع من نيسان/أبريل، وصل إلى قبرص 2,140 شخصاً، مقابل 78 شخصاً خلال الفترة ذاتها من العام السابق. وفي أسبوع واحد، وصلت قوارب تقل مئات الأشخاص، كان معظمهم من السوريين.
في الثالث عشر من نيسان/أبريل، أعلن الرئيس نيكوس خريستودوليديس تعليق دراسة طلبات اللجوء الجديدة المقدمة من السوريين. لم يكن القرار رفضاً جماعياً، لكنه أبقى أصحاب الطلبات في انتظار غير محدد، وحمل رسالة ردع إلى الراغبين في الانطلاق من السواحل اللبنانية.
وفي الوقت نفسه، تحركت نيقوسيا لدفع الاتحاد الأوروبي إلى مساعدة لبنان على ضبط سواحله ومنع انطلاق القوارب. كما طالبت بإعادة تقييم الأوضاع داخل سوريا، ودراسة إمكان اعتبار بعض مناطقها آمنة. كانت الحكومة القبرصية تسعى إلى مواجهة حركة الهجرة قبل وصولها إلى الجزيرة، وإلى بناء أساس قانوني يسمح بعودة من وصلوا إليها في مراحل سابقة.
أدى تجميد دراسة الملفات إلى تراكم أكثر من أربعة عشر ألف طلب سوري بحلول منتصف عام 2024. وكشف تقرير صادر عن مفوضة الإدارة وحماية حقوق الإنسان في قبرص أن بعض السوريين انتظروا مدة وصلت إلى خمس سنوات قبل البت في طلباتهم. ودعت المفوضة دائرة اللجوء إلى تحسين تواصلها مع المتقدمين، والالتزام بالمهل والإجراءات القانونية.
وضعت سنوات الانتظار طالب اللجوء في مساحة قانونية غامضة؛ يعمل ضمن قطاعات محددة، من دون أن يعرف إن كان سيتمكن من الاستقرار، أو جمع شمل أسرته، أو الانتقال إلى دولة أخرى، أو العودة إلى سوريا من دون خسارة ما استطاع بناءه خلال إقامته.
سقوط الأسد وفتح باب المراجعة
عندما سقط نظام الأسد في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2024، خرج سوريون في قبرص للاحتفال، كما حدث في بلدان أخرى تضم جاليات سورية. وشاهد المجتمع القبرصي احتفالاتهم، لكن الفرح بسقوط النظام لم يؤدِ إلى موقف سوري موحد من العودة.
رأى بعض السوريين أن السبب الأساسي الذي دفعهم إلى مغادرة بلادهم قد انتهى، بينما آثر آخرون انتظار اتضاح طبيعة السلطة الجديدة، ومستوى الأمن في مناطقهم، وإمكان الحصول على السكن والعمل والتعليم. في المقابل، بدأت سياسات الهجرة القبرصية تجاه السوريين تزداد تشدداً.
خلال الأيام الأولى، سحب نحو 110 سوريين طلباتهم أو تنازلوا عن الحماية الفرعية، ثم أخذ العدد بالارتفاع. وبحلول نهاية عام 2025، قالت الحكومة إن 4,081 سورياً عادوا إلى بلادهم. وفي تموز/يوليو 2026، أعلن نائب وزير الهجرة نيكولاس يوانيديس أن أكثر من 5,200 سوري سحبوا طلبات لجوئهم أو تنازلوا عن وضع الحماية منذ سقوط النظام.
يعكس الرقم سرعة التحول، إذ خرج آلاف السوريين من نظام اللجوء القبرصي خلال أقل من عامين، بالتزامن مع بدء رفض عدد من الطلبات التي بقيت معلقة. وفي حزيران/يونيو 2026، أعلنت الحكومة رفض أكثر من 1,500 طلب سوري، وقالت إن نحو عشرين ألف سوري ما زالوا في قبرص ضمن أوضاع قانونية تشمل طلب اللجوء والحماية الفرعية. وترى السلطات أن تبدل السلطة في دمشق وتغير الظروف العامة أتاحا إعادة تقييم الحاجة إلى الحماية.
حين دخل العنف في النقاش العام
لم يكن سقوط النظام السوري العامل الوحيد الذي دفع السياسة القبرصية نحو الأمن والإبعاد. فقد ساهمت حوادث جنائية تورط فيها سوريون في تغيير نبرة النقاش العام.
شهدت ليماسول في كانون الثاني/يناير 2026 شجاراً جماعياً شارك فيه عدد من السوريين. أوقفت الشرطة اثني عشر شخصاً، ثم أعلنت، في شباط/فبراير، ترحيل عشرة منهم إلى سوريا. ولم تبقَ القضية بذلك محصورة في الإجراءات الجنائية، بل دخل الإبعاد ضمن التدابير الإدارية التي أعقبت الواقعة.
وفي الثامن من تموز/يوليو 2026، وقع اشتباك أكثر عنفاً في خيسوفاغو، شارك فيه، بحسب الشرطة ووسائل الإعلام المحلية، ما بين خمسة عشر وعشرين سورياً. استُخدمت خلاله قضبان ومطارق وأدوات أخرى. وأفادت التحقيقات الأولية بأن مركبة حاولت صدم أفراد من المجموعة المقابلة، قبل أن ترتطم بجزء من أحد المنازل. أُصيب عدد من الأشخاص، وأُلقي القبض على مشتبه بهم، وانتقلت الحادثة سريعاً من نطاق التحقيق الجنائي إلى السجال السياسي.
وبعد أيام، نقلت الصحافة القبرصية أن دائرة اللجوء سحبت، أو شرعت في سحب، الحماية من 95 أجنبياً على خلفية أنشطة جنائية، بينهم ثمانون سورياً. وأظهر الإعلان اتجاهاً أكثر وضوحاً في التعامل مع الجرائم التي يرتكبها مستفيدون من الحماية، إذ قد يعاد فتح الملف القانوني للشخص وصولاً إلى محاولة إبعاده.
تركت هذه الوقائع أثراً سلبياً لدى شريحة من المجتمع القبرصي. وأظهر استطلاع نُشر في شباط/فبراير 2026 أن 86 في المئة من المشاركين يشعرون بالقلق حيال الهجرة التي وصفها الاستطلاع بأنها غير خاضعة للسيطرة. ويوضح الرقم طبيعة البيئة التي تعمل ضمنها الحكومة، مع تزايد المطالبة بخفض أعداد الوافدين، وتسريع دراسة الملفات، ومغادرة من لا يملك أساساً قانونياً للإقامة.
داخل البرلمان، ربطت قوى من اليمين الهجرة بالجريمة والسلامة العامة، فيما تبنى حزب “إيلام” اليميني خطاباً أكثر تشدداً، وقدم الهجرة باعتبارها خطراً وجودياً. وفي المقابل، حذرت قوى سياسية وحقوقية من تعميم مسؤولية الجرائم الفردية على جماعات بأكملها، وذكّرت بحاجة الاقتصاد القبرصي إلى آلاف العمال الأجانب، وبينهم سوريون يعملون في قطاعات البناء والمطاعم والخدمات.
العودة الطوعية بين الأسرة والعمل
في صيف عام 2025، أطلقت الحكومة القبرصية أول برنامج مخصص لمساعدة الأسر السورية على العودة. وسمح البرنامج لأحد الوالدين بالبقاء في قبرص والعمل بصورة قانونية، في حين يعود الزوج الآخر والأطفال إلى سوريا، مع حصولهم على دعم مالي وتذاكر سفر.
وقالت الحكومة إن فكرة البرنامج استندت إلى محادثات مع سوريين أبدوا رغبتهم في العودة، لكنهم كانوا يخشون خسارة الدخل الذي تعتمد عليه أسرهم. وشارك نحو تسعمئة شخص في النسخة الأولى من الخطة، فيما أعلنت السلطات أنها لم تسجل عودة أي منهم إلى قبرص بعد سفره.
وفي التاسع من حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة الهجرة نسخة موسعة من البرنامج. يحصل الزوج أو الزوجة العائد إلى سوريا على ألفي يورو، ويخصص مبلغ قدره ألف وخمسمئة يورو لكل طفل عائد، إضافة إلى ألف يورو للأسرة التي كانت تتمتع بالحماية الدولية. ويُسمح لشخص بالغ واحد من أفراد الأسرة بالبقاء في قبرص، بموجب تصريح خاص يتيح له العمل حتى 31 آب/أغسطس 2028.
وتتطلب المشاركة في البرنامج سحب طلب اللجوء أو التنازل عن الحماية. وبذلك يرتبط الدعم المالي بانتقال قانوني كامل؛ إذ تتخلى الأسرة عن وضعها السابق، فيما ينتقل الشخص الذي يبقى إلى وضع العامل الأجنبي المؤقت.
وشارك ممثلون عن أصحاب العمل وقطاع البناء في المؤتمر الذي أُعلن خلاله البرنامج. وتعكس مشاركتهم رغبة قبرص في تقليص عدد المستفيدين من الحماية، مع الاحتفاظ بجزء من العمال السوريين الذين تحتاج إليهم السوق. وفي معظم الحالات، تعود الزوجة والأطفال، بينما يبقى الزوج للعمل وتحويل المال إلى أسرته. وهكذا يجمع البرنامج بين العودة المنظمة والهجرة القانونية ومتطلبات الاقتصاد القبرصي.
سنوات الانتظار الثقيلة
يفكر بعض السوريين في العودة من دون أن يعتقدوا أن سوريا أصبحت مستقرة بصورة كاملة، لكنهم يرون أن سنوات الانتظار في قبرص لم تفتح أمامهم طريقاً واضحاً للمستقبل.
وكانت مجموعة تحمل اسم “سوريون في قبرص” قد قالت، في رسالة نشرتها الصحافة مطلع عام 2025، إن سوريين قدموا طلباتهم منذ عام 2019 وظلوا ينتظرون قرارات بشأنها، في وقت كانت فيه طلبات جنسيات أخرى تُدرس خلال أشهر. ويتقاطع ذلك مع تقرير مفوضة الإدارة الذي وثق حالات استمر انتظارها خمس سنوات.
بالنسبة إلى هؤلاء، قد تتيح العودة الخروج من حالة الإقامة المعلقة، والعمل المحدود، والعجز عن التخطيط لجمع الأسرة أو تعليم الأطفال أو الانتقال إلى وضع قانوني أكثر استقراراً.
“مضت أربع سنوات وأنا أنتظر ورقة تقول لي إن كنت سأبقى أو سأغادر. عملت طوال هذه الفترة، لكنني لم أستطع بناء حياة حقيقية أو إحضار أسرتي. بعد سقوط النظام، صرت أفكر أن العودة، على صعوبتها، قد تكون أفضل من انتظار لا أعرف متى ينتهي”، يقول سوري مقيم في قبرص لمعد التقرير.
تضع هذه الشهادة معنى الطوعية في سياقه العملي. فالقرار يُتخذ بإرادة صاحبه ومن دون ترحيل قسري، لكنه يتأثر أحياناً بسنوات من القلق وغياب اليقين. وعندما تتاح مساعدة مالية لشخص انتظر أربعة أو خمسة أعوام، بالتزامن مع استئناف دراسة الطلبات وصدور قرارات بالرفض والعودة، تلتقي الرغبة في الرجوع مع الحاجة إلى إنهاء انتظار طال أكثر مما كان متوقعاً.
ويظل نجاح العودة مرتبطاً بوعي صاحب القرار بظروفها، وبقدرة الأسرة على الاستفادة من البرنامج في استعادة قدر من الاستقرار داخل بلدها.
مستقبل أكثر وضوحاً
لا تتضمن الوثائق القبرصية قراراً بإعادة جميع السوريين، ولا تسمح القوانين الأوروبية باتخاذ قرار جماعي من هذا النوع. غير أن الاتجاه السياسي أصبح أكثر وضوحاً، مع اقتراب مرحلة التعامل مع السوريين باعتبارهم جماعة تستحق الحماية الفرعية استناداً إلى الوضع العام في بلدهم من نهايتها.
وسيتعين على السوري، بصورة متزايدة، إثبات وجود خطر شخصي يبرر استمرار حمايته. أما من لا يستطيع إثبات ذلك، فستضيق أمامه الخيارات لتشمل العودة بمساعدة مالية، أو الحصول على تصريح عمل مستقل عندما تكون هناك حاجة اقتصادية إليه، أو مواجهة قرار بالمغادرة بعد استنفاد طرق الطعن المتاحة.
أتاح سقوط النظام للحكومة القبرصية ظرفاً سياسياً وقانونياً لتنظيم عودة السوريين الذين لم تعد أسباب الحماية قائمة في حالاتهم. ومع تقدم الجزيرة في مسار الانضمام إلى شنغن، بات خفض أعداد الوافدين وتسريع العودة جزءاً من الأدلة التي تقدمها نيقوسيا إلى شركائها الأوروبيين لإظهار قدرتها على حماية الحدود الخارجية للاتحاد.
أصبح مستقبل الوجود السوري في قبرص أكثر تحديداً مما كان عليه قبل عامين، وإن لم يُحسم بالطريقة ذاتها للجميع. وما تراجع فعلياً هو الاعتقاد بأن مرور الوقت وحده سيحول اللجوء المؤقت إلى إقامة مستقرة. ففي قبرص اليوم، يحتاج البقاء إلى أساس قانوني يتجدد، ويرتبط العمل بتصريح تمنحه الدولة وفق حاجتها، بينما صارت العودة خياراً حاضراً في السياسة التي يعاد من خلالها ترتيب أوضاع آلاف السوريين.
وبالنسبة إلى من انتهت الأسباب التي حالت دون رجوعهم، أو وجدوا في البرنامج فرصة للعودة مع الحفاظ على مصدر دخل لأسرهم، قد تمثل العودة الطوعية بداية عملية لاستعادة حياتهم داخل سوريا، بعيداً عن انتظار مفتوح لم يعد يقدم لهم إجابات واضحة.
بواسطة سالي علي | يوليو 26, 2026 | Cost of War, Culture, News, Reports, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
في مسرحية “في انتظار غودو“، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب “صمويل بيكيت” مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة. وحين يطول الانتظار، لا يعود الإنسان يسأل متى سيتغير الواقع، بل يتكيف مع فكرة أنّ المستقبل قد لا يصل أبداً كما تخيله. وربما لهذا تبدو سوريا اليوم أمام تحدٍ يتجاوز انتهاء المعارك. فمع انحسار المواجهات العسكرية، والحديث المتزايد عن رفع العقوبات، وعودة الشركات، وخطط إعادة الإعمار، ما يزال كثير من السوريين ينظرون إلى الغد بحذر. ليست المشكلة أنهم لا يرون مؤشرات التحسن، بل أنهم لم يعودوا يثقون بسهولة بأنّ الزمن سيواصل السير في الاتجاه نفسه. فالحرب لا تترك وراءها مدناً مهدمة فقط، بل تترك علاقة مضطربة مع المستقبل، يصبح معها الاستقرار احتمالاً أكثر منه يقيناً.
تشيرُ تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ الاقتصاد السوري انكمش إلى أقل من نصفِ حجمه مقارنة بما قبل عام 2011، ومع ذلك فإنّ الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تفسر وحدها المزاج العام. فالاقتصاد يمكن أن يبدأ بالتعافي بمجرد عودة النشاط والإنتاج، أما الإنسان فلا يتعافى بالسرعة نفسها، لأنّ ما تضرر خلال سنوات الحرب لم يكن الدخل وحده، بل الإحساس بأنّ الغد يمكن التخطيط له. كما تؤكد دراسات المجتمعات الخارجة من النزاعات أن آثار الحرب تستمرُ طويلًا بعد توقف القتال. فوقف إطلاق النار لا يعيد تلقائياً أنماط الحياة السابقة، ولا يعيد الثقة بالمؤسسات أو القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وتشير تقديرات البنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة إلى أنّ التعافي الاقتصادي كثيرًا ما يسبق التعافي الاجتماعي، لأنّ الأسواق تستطيع استئناف نشاطها بدافع الحاجة، بينما يحتاج الشعور بالأمان إلى تجارب متكررة تثبت أنّ الاستقرار أصبح قاعدة لا استثناء.
لعلّ أشد ما تفعله الحرب قسوة أنها تغيّر علاقة الإنسان بالزمن. ففي الظروف الطبيعية، يبني الناس حياتهم على افتراض بسيط: أنّ الغد سيكون امتداداً لليوم. أما في سنوات النزاع فيصبح هذا الافتراض نفسه محل شك. يتراجع التفكير البعيد، وتغدو الأولوية للنجاة من الأسبوع المقبل، أو حتى من اليوم التالي. ومع مرور الوقت لا يبقى هذا السلوك مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى عادة ذهنية تستمر حتى بعد زوالِ أسبابها.
في أحد مقاهي دمشق، كان الحديث يدور حول مشروعٍ صغير يخطط أحد الأصدقاء لإطلاقه. استمع الجميع باهتمام، ثم قال أحدهم بعد لحظة صمت: “استنى شوي، خلي الأمور تثبت”. لم يناقش جدوى المشروع ولا مصادر تمويله، بل علّق القرار كله على الزمن. وكأنّ المشكلة لم تعد في الفكرة، بل في السؤال الأعمق: هل يمكن الوثوق بأنّ الغد لن ينقلب فجأة على اليوم؟ لهذا في الأحاديث اليومية تتكرر عبارات مثل: “لسه بكير” و”خلينا ننتظر”، و”ما حدا بيعرف شو بصير”. قد تبدو كلمات عابرة، لكنها تعكس طريقة كاملة في قراءة الواقع. فالحرب علمت الناس أنّ الخطط قد تنهار بين ليلة وضحاها، وأنّ النجاح الحقيقي كان في القدرة على تعديل المسار بسرعة، لا في الالتزام بخطة طويلة. وما كان يوماً استجابة عقلانية لسنوات الفوضى قد يتحول اليوم إلى عائق أمام أيّ بداية جديدة.
الأمر هنا لا يتعلق بالتشاؤم بقدر ما يتعلق بالذاكرة. فالذاكرة لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تحفظ أيضاً الإيقاع الذي عاشت عليه. سنوات الانقطاع المتكرر، في العمل والدخل والخدمات وحتى في المكان، تجعل الحذر يبدو أكثر حكمة من التفاؤل، لأنّ التجربة علمت أصحابها أنّ الاستقرار قد يكون مؤقتاً. وهكذا يصبح الزمن نفسه موضع اختبار دائم، ويغدو الانتظار خياراً يبدو أكثر أماناً من المبادرة. وهذه ليست خصوصية سورية. ففي البوسنة والهرسك، بدأت الأسواق وإعادة الإعمار تستعيدُ نشاطها بعد اتفاق دايتون بوتيرة أسرع من استعادة العلاقات الاجتماعية عافيتها، إذ احتاجت المجتمعات المحلية سنوات حتى تتجاوز آثار الانقسام. وفي رواندا، لم يكن النمو الاقتصادي بعد عام 1994 كافي لطي صفحة الإبادة الجماعية، بل رافقته جهود طويلة للمصالحة والعدالة المجتمعية، لأنّ إعادة بناء الإنسان استغرقت زمناً أطول من إعادة بناء الاقتصاد. وحتى في لبنان، ظل منطق الحذر حاضراً في السياسة والاقتصاد بعد انتهاء الحرب الأهلية وكأنّ الماضي بقي يقيس احتمالات المستقبل.
ومن هنا يمكن لنا فهم مفارقة الاستثمار. فكثيراً ما يُنظر إليه باعتباره أموالاً تبحث عن فرص، لكنهُ رهان على الزمن في جوهره . المستثمر لا يشتري الحاضر، بل يشتري ما يتوقع أن يكون عليه الغد. ولهذا لا تكفي الحوافز أو التصريحات لجذب رؤوس الأموال، إذا بقيت القواعد متقلبة، أو ظل المستقبل غامضاً. فكلما انخفضت القدرة على التنبؤ، ارتفعت كلفة القرار حتى لو بدت الفرص الاقتصادية واعدة. والأمر نفسه ينطبق على الناس. شراء منزل، أو افتتاح مشروع، أو العودة من اللجوء، أو حتى اتخاذ قرار بالزواج والإنجاب، ليست قرارات اقتصادية فحسب، بل رهانات على أنّ المستقبل سيكون أكثر استقراراً من الحاضر. ولذلك فإنّ إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء الإحساس بأنّ الزمن عاد يسير بصورة طبيعية.
الحرب، إذاً؛ قد تنتهي بوصفها حدثاً عسكرياً وسياسياً لكنها لن تنتهي في وجدان الناس بالسرعة نفسها. واستعادة الحياة لا تتحقق بمجرد توقف القتال، إنما حين يصبح الأمن اليومي واقعاً وتستقر المؤسسات على قواعد واضحة، وتستعيد الخدمات والاقتصاد قدرتها على منح الناس ما هو أثمن من الدخل؛ القدرة على التخطيط.
في نهاية “في انتظار غودو“؛ يقرر الرجلان أن يغادرا، لكنهما لا يتحركان. ليست المشكلة أنهما لا يعرفان الطريق، بل أنّ الانتظار أصبح عالمهما الوحيد. وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب؛ أن لا يتحول الحذر الذي كان ضرورة للبقاء، إلى أسلوبٍ دائم في الحياة. سوريا الجديدة لن تُقاس بعدد الأبنية التي ستُشيَّد، ولا بحجم الاستثمارات التي ستدخلها، بل باليوم الذي يتوقف فيه السوري عن انتظارِ استقرار الغد، لأنهُ أصبح يعيش استقرار اليوم. عندها فقط يمكن القول إنّ الحرب انتهت حقاً، ليس في الخرائط العسكرية وحدها بل في الزمن الذي يحمله الناس داخلهم.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | يوليو 20, 2026 | Cost of War, Culture, بالعربية, تقارير, مقالات
يُقال إن رئيس اتحاد الكتّاب العرب الأسبق، الدكتور حسين جمعة، لم يكن يعترف بقصيدة النثر ولا يعدّها شعراً؛ فالشعر عنده كان ما نُظم على بحور الخليل فقط.
كان ذلك مجرد رأي، ورغم أنه كان يترأس مؤسسة ثقافية، فإنه لم يعمل على إقصاء من يكتبون قصيدة النثر، ولم يحارب هذا الجنس الأدبي الذي أثار نقاشات وتجاذبات كثيرة على مدى عقود.
ولم يكن هذا الرأي حكراً على الدكتور حسين جمعة، بل كان رأي كثيرين من أقطاب القصيدة التقليدية. وقد سبقه إليه الشاعر نديم محمد، الذي اتسم نتاجه بتجديد الصورة الشعرية. ورغم ذلك، عندما قرأ له الشاعر خير الله علي نصاً من قصيدة نثرية، قال: «هذا كلام أدبي جميل، لكن لا تقل لي إنه شعر».
القصيدة التقليدية والحديثة، سواء أكانت تفعيلة أم نثرية، والرواية والقصة، والفن التشكيلي والسينما، والدراما والمسرح، إضافة إلى الموروث المتراكم تاريخياً، كلها تشكّل مشتركاً ثقافياً إبداعياً لا ينتمي إلى فئة دون أخرى. لكن، في الفترة الأخيرة، ومع ما حدث في سورية، يبدو أن هذا المشترك أصابه الانقسام كما أصاب معظم فعاليات المجتمع السوري. ولم يقم هذا الانقسام على أساس نقدي أو إبداعي، بل على أسس أخرى.
اصطفاف ثقافي بمضمون سياسي
أوردنا ما سبق مثالاً على اختلاف الرأي في مسألة إبداعية نجم عنها نقاش وجدال امتدا لعقود، لكنهما لم يؤديا إلى اصطفاف كالذي نراه اليوم في الواقع السوري، والذي يبدو متماشياً مع الاصطفافات الأخرى.
يعكس الراهن الثقافي السوري الواقعين السياسي والاجتماعي، وهذا أمر معروف في هذا الشرق منذ زمن طويل، في ظل العلاقة المعروفة بين المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، والنشاط والفعاليات الثقافية من جهة أخرى.
كانت التغييرات التي اعترت هذا الواقع واضحة تماماً، سواء من حيث الفعاليات أو من خلال سمات الخطاب الثقافي المعتمد، الذي ينحو نحو الأصولية بما يوحي بأنه موازٍ للأصوليات الأخرى.
من المعتاد أن تعمد السلطة السياسية إلى فرض ثقافتها التي تؤسس لأيديولوجيتها وترفدها، وتصبح هذه الثقافة في علاقة تفاعلية مع مكونات السلطة. وهذا ما نراه بوضوح في سورية الآن، إذ يفرض ذلك على الثقافة المقابلة والمناقضة لها صبغة سياسية قد لا تكون تسعى إليها، ويضعها في موقع المعارضة ثقافياً وسياسياً.
ولا بد لهذا الاصطفاف من أن يفرض توتراً ثقافياً ذا أطياف سياسية واجتماعية، قد يصل إلى درجة رفض الآخر ثقافياً، والتقليل من شأن مبدعين معروفين، وإهمال المنجز الإبداعي على أساس التوافق أو عدمه، ووفق معايير تتجاوز الشللية المعروفة.
إقصاء إبداعي وثقافي
أسرّ لي مدير مركز ثقافي بأن هناك أسماء لمبدعين وكتّاب ممنوعين من اعتلاء منابر وزارة الثقافة بمختلف مؤسساتها. وأضاف أن هذا المنع قام على أساس علاقة مفترضة بالسلطة السابقة، تُفهم على أنها تأييد لها. كما أن هناك من لا يندرج ضمن هذا التصنيف، لكن ما يقدّمه من مادة ثقافية لا ينسجم مع توجهات وزارة الثقافة الجديدة.
ويؤكد ذلك غياب كثير من الأسماء التي كانت تساهم في الحراك الثقافي السوري، وبروز أسماء أخرى غير معروفة، وليس لديها منجز ثقافي معروف أو ذو قيمة قياساً بمن جرى تغييبهم. والسمة الغالبة على منجز هؤلاء هي التقليدية والالتزام بالكلاسيكية الشعرية بنمطها الأقرب إلى العصرين الأموي والعباسي، سواء من ناحية القاموس اللغوي أو المعالجة الشعرية لحالات سالفة تناولتها كثير من القصائد والنصوص.
ولا يقتصر ذلك على وزارة الثقافة، بل يتجاوزها إلى وزارة الإعلام ومؤسساتها، ولا سيما القنوات الإعلامية الوطنية، حيث يجري التركيز على أسماء معينة وجوانب إبداعية محددة، مع استثناءات قليلة. وينطبق الأمر أيضاً على قنوات أخرى مناصرة للسلطة، مثل تلفزيون سورية، الذي يبث برنامجاً عن الشعر يقتصر على الشعر الخليلي وعلى أسماء تنتمي إلى طيف واحد تقريباً.
في المقابل، هناك انكفاء طوعي لكثير من المبدعين والمثقفين الذين كانوا ينشطون في الفضاء الثقافي السوري، وابتعاد عن المشاركة والحضور في المؤسسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية. ونلمس ذلك في ابتعادهم عن نشاطات المراكز الثقافية واتحاد الكتّاب العرب بفروعه الموزعة في المحافظات والمناطق السورية، وكذلك في غيابهم عن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ولجوئهم إلى المقاهي الثقافية لإقامة نشاطاتهم، رغم ضيق هذه المقاهي وعدم ملاءمتها لمثل هذه الأنشطة من حيث المساحة والتصميم والطابع العام.
ولم يقتصر الإقصاء والانكفاء على النتاج الكتابي وحده، بل وصلا إلى فعاليات أخرى كالدراما. فقد عمدت نقابة الفنانين إلى إبعاد عدد من الفنانين الذين اتُّهموا بممالأة النظام السابق، بينما انكفأ فنانون آخرون واحتجبوا، وغادر بعضهم البلاد.
ثقافة واحدة أم ثقافات؟
يطرح السجال المحتدم على الساحة السورية حول شخصيات وأحداث تاريخية وقضايا ثقافية تساؤلاً مهماً: هل هناك ثقافة واحدة في سورية أم ثقافات متعددة؟
من الطبيعي أن يكون هناك تنوع ثقافي في بلد يقوم على التعدد الإثني، إذ يختلف الموروث الثقافي من فئة إلى أخرى. لكن يمكن لهذا التنوع أن يساهم ويتضافر ضمن نطاق ثقافة وطنية جامعة، وهو ما كنا نظن أنه موجود في سورية، إلى أن كشف الواقع السوري الجديد عن جدال حاد حول قضايا كنا نظن أن الاتفاق عليها والنظرة إليها قد أصبحا من المسلمات.
فقد أُعيد طرح قضايا مزمنة طُرحت منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، حين انطلقت «النهضة العربية»، التي يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، مثل قضية إسلامية الدولة أم قوميتها ووطنيتها. لكن الفارق أن هذه القضايا لم تُطرح على أساس فكري تحرري وفي سياق نقاش وطني، بل في إطار إقصائي تعصبي ومتشنج.
كذلك عاد السجال والجدال حول شخصيات تاريخية، مثل صلاح الدين الأيوبي، وحول أحداث ومناسبات مثل عيد الشهداء وحرب تشرين عام 1973.
وعلى صعيد آخر، هناك نزوع إلى طمس رموز ثقافية ووطنية، من خلال استبدال تسميات منشآت وشوارع وهيئات بتسميات جديدة مرتبطة بشخصيات دينية تاريخية. ومن ذلك استبدال اسم ساحة العباسيين باسم «ساحة الزبير بن العوام»، في سياق خطة تهدف إلى تسمية بعض الميادين بأسماء المبشرين بالجنة، أو بتواريخ مناسبات لها صلة بالسلطة الجديدة.
ومن الأمثلة أيضاً استبدال اسم شارع «عبد المنعم رياض» باسم «18 نيسان»، وتغيير اسم جامعة تشرين إلى جامعة اللاذقية، واسم حديقة «6 تشرين» إلى «حديقة المشروع». علماً أن التسميات المستبدلة تُعد جزءاً من المشترك الثقافي والوطني، ولا تخص فئة بعينها.
ولا بد من الإشارة إلى أن استبدال تسميات مثل «الباسل» و«البعث» و«8 آذار» و«17 نيسان» أمر محق وضروري، شريطة أن تكون التسميات الجديدة ذات طابع وطني عام.
وثمة إجراء آخر يتصل بالجانب الثقافي، وإن كانت أهدافه تتجاوز ذلك، يتمثل في التغيير الذي طرأ على المناهج الدراسية، من خلال حذف أحداث وشخصيات واعتماد أخرى بما يلائم التوجه السياسي الجديد، بصرف النظر عن الأهمية الوطنية والتاريخية للأحداث المحذوفة، وعن مصداقية الشخصيات المستبعدة.
وقد أثار ذلك استفزازاً ثقافياً واجتماعياً لدى من نشأوا على احترام هذه الشخصيات وتقديرها، وشكّلت لهم تلك الأحداث مصدر فخر وطني وشخصي بحكم الانتماء.
وكانت النتيجة نشوء تباينات عمودية في الحالة الثقافية السورية، بعدما كانت التباينات أفقية تعود إلى الاختلاف في الرأي، لا في الموروث والتوجه والهدف والرؤية.
إن تقويض المشترك الثقافي الوطني هو ما أدى إلى هذه الحالة، إضافة إلى تبني أصناف معينة من النتاج الثقافي، وتسفيه أصناف أخرى وإسقاط القيمة عنها، فضلاً عن طمس معالم، وتغييب شخصيات وقامات ثقافية، واستحضار أخرى على أسس مختلفة، إلى حد باتت معه الثقافة السورية تبدو كأنها ثقافات متعايشة تارة، ومتعارضة تارة أخرى، لا ثقافة واحدة.
بواسطة سالي موسى | يوليو 9, 2026 | News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
في لحظةٍ وثّقت عجز الزعامات الطرابلسية عن إدارة واقع مدينتها وتمثيل وجعها، دخل موكب وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، أو (أبو عائشة) كما ناداه بعض الطرابلسيين، فبدا حضوره كضوءٍ كاشفٍ سلّط على تلك الزعامات ما حاولت طويلًا إخفاءه. وكانت زيارة الشيباني تحمل رمزيةً سياسيةً أكبر من منصبه: رمزًا لسقوط النظام السوري السابق، ولصعود سلطة جديدة، ولانتصارٍ شعر قسم من المدينة أنه يعنيه مباشرة، فاحتفوا به وحمّلوه مطالبهم: (أمانة ملف الشيخ الأسير). كانت العبارة إعلانًا صريحًا عن انهيار الثقة بالوسيط السياسي المحلي، وعن مدينةٍ بات أهلها يبحثون خارج حدود الدولة وخارج زعاماتهم التقليدية عمّن يحمل قضيتهم، أو يوهمهم بإمكان حملها.
قد يحمل الاحتفاء الطرابلسي بأسعد الشيباني السلطات السورية الجديدة إلى فخّ (عنجر طرابلسية). فعنجر كانت، في زمن الوصاية، صيغةً للحكم: مركزًا سوريًا موازيًا للدولة اللبنانية، يقصده أصحاب المطالب لأنهم يعرفون أن الطريق إلى الضابط السوري أقصر وأكثر فاعليةً من الطريق إلى النائب أو الوزير اللبناني. وبالتالي، قد لا تكون طرابلس عنجر جديدة في صورة مقرّ أمني أو غرفة ضباط، وقد لا تحتاج إلى دبابة أو جهاز مخابرات. يكفي أن يصبح المسؤول السوري مرجعًا لمطالب المدينة، وأن يشعر أهلها بأن الوصول إليه أجدى من الوصول إلى ممثليهم ودولتهم. عندها يتغيّر شكل النفوذ، لكن منطقه يبقى واحدًا: مرجعية سورية تتقدّم كلما تراجعت الدولة اللبنانية.
وهنا يكمن امتحان حكام سوريا الجدد. فالقطيعة مع نظام الأسد تكون أيضًا برفض وراثة موقعه بوصفه صاحب الكلمة داخل لبنان. وإذا كانت عنجر القديمة قد فُرضت بالقوة والخوف، فقد تولد عنجر الجديدة من الترحيب والحاجة والفراغ السياسي، فتنتقل كاريزما الشيباني من الإعجاب بالشخص إلى التعامل معه كمرجع قادر على التدخل والحل.
غير أن هذا الانتقال يتعارض مع منطق الدولة الحديثة كما صاغه عالم الاجتماع ماكس ويبر، والقائم على السلطة القانونية–العقلانية، حيث تُحلّ القضايا عبر مؤسسات محددة الصلاحيات، وقواعد عامة، وإجراءات لا تتبدل بتبدّل الأشخاص، لا عبر المكانة الشخصية أو العلاقة المباشرة مع صاحب النفوذ. فحين يُطلب من وزير سوري أن يتولى قضيةً لبنانيةً داخلية، تكون الكاريزما قد بدأت تتقدّم على المؤسسة، ويكون الشخص قد اكتسب وظيفةً لا يمنحه إياها منصبه الرسمي.
لكن الكاريزما، بحسب ويبر، لا تبقى استثنائيةً إلى الأبد؛ فهي إما أن تتلاشى، وإما أن تخضع لما يمكن تسميته “روتين الكاريزما”، أي تحويلها إلى قواعد ومؤسسات مستقرة. ومن هنا يبرز السؤال: هل ستعمل سوريا الجديدة على عقلنة الرأسمال الكاريزماتيكي الذي راكمه ممثلوها، وإخضاعه لمنطق الدولة والعلاقات الرسمية بين بلدين؟ أم ستعيد تشكيله بما ينسجم مع خلفيتها السياسية الجديدة، فتنتج نفوذًا أقل خشونةً من الوصاية القديمة، لكنه يقوم مجددًا على تجاوز المؤسسات اللبنانية؟
المشكلة، إذًا، ليست في كاريزما الشيباني السياسية، إنما في المجال الذي تُمارس فيه هذه الكاريزما. فإذا جرى احتواؤها داخل مؤسسات الدولة السورية واستخدامها لبناء شرعية قانونية داخلية، كانت جزءًا من انتقال سياسي نحو الدولة الحديثة. أما إذا امتدت إلى لبنان لتتحول إلى قناة لمعالجة قضاياه الداخلية، فإنها تكون قد خرجت من مسار العقلنة، ودخلت في إنتاج مرجعية موازية قد تمهّد لعنجر جديدة في لبنان.
وليس الشمال اللبناني غريبًا عن أن يتحوّل إلى ميدانٍ تُختبر فيه قدرة الدولة على إدارة أمنها من دون المرجعية السورية. فبعد نحو عامين على خروج الجيش السوري السابق من لبنان، اندلعت معركة نهر البارد عام 2007 بين الجيش اللبناني وتنظيم (فتح الإسلام)، الذي انشقّ عن (فتح الانتفاضة) الموالية لدمشق. يومها اتهمت حكومة فؤاد السنيورة الاستخبارات السورية بالوقوف خلف التنظيم، فيما نفت دمشق و(فتح الإسلام) ذلك.
لكن، بصرف النظر عن الجهة التي حرّكت الشرارة، مثّلت نهر البارد أول امتحان عسكري كبير للدولة اللبنانية بعد انسحاب الجيش السوري: هل يستطيع الجيش اللبناني حسم مواجهة بهذا الحجم من دون المظلة الأمنية السورية التي ادّعت دمشق طويلًا أن لبنان لا يستطيع الاستغناء عنها؟ وقد انتهت المعركة بعد أشهر بانتصار الجيش على (فتح الإسلام)، لكنها خلّفت المخيم مدمّرًا، وعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين مهجّرين.
من هنا، لا يبدو حمل ملف أحمد الأسير إلى الشيباني جزءاً منفصلاً عن تاريخ الشمال. فالمنطقة التي خاضت فيها الدولة اللبنانية امتحان استقلالها الأمني عن دمشق، تعود اليوم لتضع إحدى أكثر قضاياها القضائية والأمنية حساسيةً في يد مسؤول سوري. وإذا كانت معركة نهر البارد قد طرحت سؤالًا عن قدرة الجيش اللبناني على العمل من دون الجيش السوري، فإن ملف الأسير يطرح اليوم سؤالًا مشابهًا بصيغة سياسية: هل تستطيع الدولة اللبنانية معالجة أزماتها من دون أن تستدعي، طوعًا أو عجزًا، مرجعيةً سوريةً جديدة؟
وإذا اختارت دمشق أن ترعى اسم أحمد الأسير ضمن ملف (السجناء الإسلاميين)، فلن يُقرأ موقفها إلا بوصفه منحًا لغطاء سياسي لشخص ارتبط اسمه بالاعتداء على الجيش اللبناني في أحداث عبرا. فالأسير أُدين على خلفية مواجهة مسلحة قُتل فيها ثمانية عشر عسكريًا لبنانيًا وجُرح العشرات، وليس موقوفًا بسبب موقفه من نظام الأسد. ولذلك، فإن تبنّي قضيته من جانب سلطة سورية سيضع دمشق الجديدة في مواجهة مباشرة مع ذاكرة المؤسسة العسكرية اللبنانية وعائلات ضحاياها.
وثكنة محمد زغيب، بما شهدته عقب المعركة من عمليات توقيف وتحقيق واستجواب، خير شاهدٍ على أن ملف أحمد الأسير كان قضيةً أمنيةً ارتبطت بمواجهة مسلحة مع الجيش اللبناني، لا قضية رأي سياسي. لهذا، فإن رعاية دمشق لاسمه ستتجاوز التدخل في القضاء اللبناني إلى ما هو أكثر حساسية: الظهور بمظهر الراعي السياسي لمن حمل السلاح في وجه المؤسسة العسكرية التي يُفترض أن يشكّل احترامها أساس العلاقة بين الدولتين.
لا ينبغي لطرابلس أن تبقى بوابةً تعبر منها الأنظمة إلى لبنان كلما ضعفت الدولة أو اشتعلت الأزمات في سوريا. لقد دفعت المدينة ثمن هذه الوظيفة طويلًا، إذ كان كل توتر في سوريا يجد صداه في أحيائها، ويتحوّل جبل محسن وباب التبانة إلى خطّي تماس لحرب لم يصنعها أهلهما. فجبل محسن لم يكن خصمًا طبيعيًا لطرابلس، كما لم تكن التبانة خزانًا دائمًا للمقاتلين؛ بل جرى تحويل الحرمان المشترك إلى صراع بالوكالة، واستخدام الانقسام المذهبي لإبقاء المدينة مفتوحة أمام النفوذ الخارجي.
ولا يجوز أن تتحول طرابلس، كلما غضب أهلها أو شعروا بالتهميش، إلى مدينة يتم إرضاؤها بتسوية أمنية أو بإخراج اسم من السجن؛ مرةً باسم شادي المولوي، ومرةً باسم أحمد الأسير. فالمدينة تُنصف بإنماء متوازن، وعدالة واحدة، ودولة تستعيد ثقة أبنائها من دون أن تساوم على أمنها أو على دم جنودها.لذلك، على الدولة اللبنانية أن تمنع اليوم الحاجة إلى (عنجر طرابلسية). ويكون ذلك بفرض سلطتها القانونية على المنطقة، وبحسم الملفات القضائية داخل مؤسساتها، وبإنماء متوازن يوفّر لأهالي طرابلس وعكار والشمال فرصًا حقيقية، فلا يبقى الطريق إلى خربة الأكراد وشبكات تهريب البضائع عبر الحدود أقرب إلى الشاب من الطريق إلى وظيفة تحفظ كرامته.
فخربة الأكراد خير شاهدٍ على منطقة تركتها الدولة خارج اقتصادها الشرعي، ثم عادت لتتعامل معها بوصفها مشكلةً أمنية. فالسيادة تُحمى بجعل أهل المنطقة قادرين على الاستغناء عن اقتصاد التهريب، وعن الوسطاء والزعامات والمرجعيات الخارجية. أما إذا استمر الفراغ، فقد تبدأ العودة السورية اليوم بلائحة سجناء تُرفع إلى مسؤول سوري، وغدًا بلائحة وزراء يُطلب رضاه عنهم.
بواسطة أيمن النعيمي | يوليو 6, 2026 | News, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
في القامشلي، لم تُثنِ الأزمة القلبية المفاجئة رجلاً عن معاودة الاحتجاج؛ فبعد ساعات من نقله إلى المستشفى إثر وعكة داهمته وهو يتحدث عن ضيق العيش، عاد في اليوم التالي ليتابع الوقفة من مقعد سيارته. يختصر هذا المشهد مزاجاً سورياً جديداً في عام 2026: شعبٌ أنهكه الفقر، ويرفض في الوقت نفسه أن يصمت. منذ مطلع العام، رصد صحافيون وباحثون نحو ثمانين وقفة احتجاجية خلال ثلاثة أشهر، بمعدل واحدة كل يوم تقريباً، امتدت من دمشق وحلب إلى دير الزور والرقة والحسكة والسويداء ودرعا. تعلّمت البلاد، بعد نصف قرن من الصمت المفروض، أن تنزل إلى الشارع من جديد.
هذا الغضب نهران يجريان معاً. الأول معيشيّ اقتصاديّ: رفعت الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع تعرفة الكهرباء بنحو 800 في المئة، وحدّدت سعر طنّ القمح عند نحو 330 دولاراً، بينما تجاوزت كلفة إنتاجه خمسمئة دولار، وقلّصت رغيف الخبز وزناً وعدداً. خرج المزارعون في الرقة ودير الزور تحت شعار “سنابل الكرامة”، وأضرب عمّال “زينوبيا” و”مدار” في ريف دمشق، فانتزعوا زيادات وتأميناً صحياً، واعتصم متقاعدو الجزيرة إلى أن أعلنوا “تجمّع المتقاعدين”. وطالبت ممرضات بمساواتهنّ بالأطباء في الأجر، واحتجّ مفصولون من القطاع العام على تسريح بلا معايير. يضاف إلى المعيشة نزاع الأرض: تظاهر متضررو المرسوم 66 في دمشق خوفاً من مشروع “ماروتا سيتي”، ورفض أهالي الرقة هدم منازل نحو ثلاثة آلاف عائلة بذريعة الإعمار، في مقابل مشاريع فاخرة كـ”يعفور 963” تبدأ أسعار شققها من ثلاثمئة ألف دولار. وهكذا تتحول إعادة الإعمار إلى استثمار للأثرياء، لا إلى حلّ لأزمة سكن الغالبية. ورافق ذلك تقشّف قاسٍ، إذ خفّض “برنامج الأغذية العالمي” مساعداته إلى النصف وأنهى دعم الخبز، فتعمّق انعدام الأمن الغذائي لدى الفئات الأشدّ هشاشة.
أما النهر الثاني فحقوقيّ. انطلق “اعتصام الكرامة” في دير الزور منتصف حزيران/يونيو، مطالباً بمحاسبة المتورطين في جرائم النظام المخلوع، ورافضاً “تعويم” رموزه العائدين بلا حساب عبر “تسويات” أثارت حفيظة الشارع. سرعان ما بلغ الحراك إدلب وحلب وتدمر، وانزلق في مواضع نحو العنف حين حاول محتجون مهاجمة أحياء ذات غالبية علوية، كالمزة 86، فتدخّل الأمن العام لتطويقها. وفي السويداء، تتكرر الوقفات للمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين والإفراج عن المعتقلين. وفي دمشق، فضّت قوى الأمن اعتصام “قانون وكرامة” الذي نادى بدولة القانون ومكافحة الفساد، لتتقاطع مطالب المعيشة والعدالة في ميدان واحد يتّسع من لقمة العيش إلى الحق والذاكرة.
ما الذي يغذّي هذين النهرين؟ في العمق، أزمة بنيوية. ترث البلاد دولة محطّمة، تُقدَّر كلفة إعمارها بمئتي مليار دولار ونيّف، ويعيش أكثر من ثمانين في المئة من سكانها تحت خط الفقر، ويعمل ثلاثة أرباعهم في اقتصاد غير رسمي بلا حماية. ومن هنا، يصطدم التحرير الاقتصادي، حين يجري من دون شبكة أمان للفئات الهشّة، بتطلعات شعب انتظر ثمرة سريعة لسقوط الأسد. تنضاف إلى ذلك عثرة العدالة الانتقالية: غياب مجلس منتخب أخّر إقرار قانون ناظم، وعجز مالي يكبح “جبر الضرر”، وأرشيف أمني هائل يحتاج إلى فرز، في حين يبلغ عدد المطلوبين نحو ستة عشر ألفاً، لم يُوقَف منهم سوى الثلث. ويزيد الطين بلّة مشهد حفلات التبرّع للإعمار التي تحوّلت إلى منصّات لأصحاب الملايين، فتزرع بذور رأسمالية محتكرة قبل أن تقوم للدولة قائمة. وليس مستغرباً أن يرى ثلثا السوريين، وفق استطلاعات محلية، أنّ جهود الحكومة الاقتصادية غير كافية. ولعلّ أخطر ما في هذه الموجة أنها بلا أيديولوجيا أو قيادة؛ إنها غضب موزّع أفقياً على قضايا متفرقة، وهو ما يجعل احتواءها أيسر واستئصالها أعسر في آن.
كيف تتصرف الحكومة؟ تتعامل مع الاحتجاج بقدر من التسامح، وتتراجع أحياناً عن قراراتها؛ إذ رفع المرسوم 120 سعر القمح قليلاً بعد الاعتصامات، وأبدى الأمن العام مهنية في حماية بعض الوقفات، وهو تحوّل نوعي قياساً بنصف قرن من القمع. غير أنّ هذا التسامح يظل هشّاً. فالقرارات الكبرى تُتّخذ من دون تشاور، وتفتقر الموازنة إلى الشفافية، ويمنح تعميم “ترخيص التظاهر” السلطة حقّ المنع، عوض الاكتفاء بالإخطار الذي كفله الإعلان الدستوري. حتى إنّ أدوات من زمن الأسد ما زالت تُستعمَل، كقانون الجرائم المعلوماتية الذي اعتُقل بموجبه الناشط حسّان عكّاد خمسة أيام لمطالبته بشفافية تبرعات الإعمار. وتحت ضغط الشارع وحده، بدأت في نيسان/أبريل محاكمات لرموز كعاطف نجيب ووسيم الأسد والمفتي السابق أحمد حسّون، فيما كشفت الداخلية عن نحو ستة آلاف موقوف؛ وهي خطوة تبقى دون سقف تطلعات ذوي الضحايا.
على صعيد آخر، يتحرك المجتمع المدني والمحلي على استحياء. عادت الإضرابات والتنظيم الذاتي بعد سنوات القهر، فانتخب عمّال “زينوبيا” لجنة إضراب تفاوض باسمهم، وأصدرت مجالس المصالحات ووجهاء إدلب بيانات ترفض عودة “الشبيحة” وتؤكد أنّ العدالة مكانها القضاء لا الشارع. على أنّ هذه الطاقة تصطدم بحدودها: احتجاجات محصورة جغرافياً، بلا تنسيق بين المحافظات، ومن دون أحزاب جماهيرية أو نقابات مستقلة تحوّل المطالب المتناثرة إلى برنامج إصلاح. ومن ثمّ يبقى الحراك أسير لحظته، عاجزاً عن التراكم. ويحتدم بين السوريين سؤال مشروع: هل الشارع أداة مناسبة للتعبير، أم آخر ما يملكه من أُقصي من دوائر القرار؟ يرى ناشطون وحقوقيون أنّ بقاء الحراك سلمياً ومطلبياً علامة نضج، شرط أن يلقى آذاناً صاغية تحوّله إلى فرصة لبناء الثقة، بدلاً من أن يصير تهديداً إضافياً لبلد أنهكته الحروب.
ما الحلول الممكنة؟ تبدأ من إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها تشاركاً لا احتكاراً. تقتضي المرحلة شفافية حقيقية في الموازنة، وتشاوراً مسبقاً قبل القرارات الاقتصادية الكبرى، وحماية واضحة للاحتجاج السلمي باعتباره قناة مشروعة لا تهديداً، وشبكة أمان اجتماعية ترافق أيّ رفع للأسعار، صوناً للإصلاح من أن يصير وقوداً لأزمة جديدة. وتحتاج العدالة الانتقالية إلى جدول زمني معلن، ومؤسسات مستقلة، وإشراك لذوي الضحايا، مع تمييز صارم بين المحاسبة الفردية القائمة على القانون والانتقام الجماعي الذي يصنع ضحايا جدداً؛ فشعار “نصر لا ثأر فيه” لا يستقيم من دون محاسبة فعلية. ولا يقلّ أهمية بناء أرشيف وطني يحفظ الأدلة والذاكرة، وإطلاق حرية التنظيم النقابي كي يدافع العاملون عن مصالحهم بأنفسهم. فإعادة بناء الاقتصاد، في خاتمة المطاف، لا تنفصل عن إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه.
وهنا يتّضح شكل سوريا المأمول: دولة قانون ومؤسسات، تشاركية لا إقصائية، توزّع ثمار الإعمار على عموم الناس لا على حفنة من رجال الأعمال الذين حوّلوا حفلات التبرّع إلى منصّات لنفوذهم. دولة تُنصف الضحية وتحمي المتّهم من العقاب الجماعي، وتصون حقّ الأقليات في العيش الآمن، مثلما تصون حقّ المظلوم في المحاسبة.
نعود إلى رجل القامشلي الذي احتجّ من مقعد سيارته. في إصراره درس ونذير: صار الشارع آخر القنوات المتاحة لشعب يشعر أنّه مستبعَد من دوائر القرار، والأخطر ليس انهياراً مدوّياً، إنما تآكل بطيء للثقة إذا ظلّت المطالب بلا آذان صاغية. أمام دمشق فرصة نادرة لتحويل هذا الغضب من تهديد إلى مدخل لبناء الثقة. فإمّا أن يُصغى إلى الوقفات اليوم، وإمّا أن تتحول، كما حذّرت أصوات سورية كثيرة، إلى انفجار يشبه انفجار عام 2011.