سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

لا تبدو سوريا اليوم كبلدٍ يتجه نحو الاستقرار بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً لا تشبه البلدان المنهارة التي فقدت كلّ أشكال الحياة العامة. هي تقف في منطقة رمادية شديدة التعقيد، تتجاور فيها محاولات إعادة بناء الدولة مع تصاعد الشكوك حول قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية: إنتاج الشعور بالأمان.

خلال الأشهر الأخيرة، بدا وكأنّ السوريين يتابعون سلسلة لا تنتهي من الوقائع المتناثرة: حوادث أمنية، جرائم قتل وخطف، توترات محلية، حملات مقاطعة، سجالات طائفية، وخطابات متبادلة يغلب الخوف عليها أكثر مما يغلب النقاش. لكن قراءة هذه الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة قد تحجب عنا ظاهرة أعمق آخذة في التشكل داخل المجتمع السوري؛ ظاهرة لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض، بل بكيفية فهم الناس لما يحدث، وكيف يعيدون بناء علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

لقد اعتاد السوريون لعقود طويلة على شكلٍ محدد من الخوف. كان الخوف مركزياً، تصنعه الدولة وتديره وتحتكره. لم يكن المواطن مضطراً إلى تفسير مصادر التهديد بنفسه، لأنّ الدولة، بكل ما لها وما عليها، كانت تحتكر تعريف الخطر وتحديد مصادره ووسائل التعامل معه. أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً. فلم يعد الخوف مركزياً، إنما موزعاً على المجتمع نفسه. لم تعد هناك رواية واحدة للتهديد، إنما عشرات الروايات المتنافسة. ولم يعد السوريون يعيشون داخل خوف واحد، بل داخل مجموعة من المخاوف المتجاورة التي تنتجها الجماعات والأفراد ووسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أسرع بكثير مما تنتجه الوقائع نفسها. لهذا يمكن القول إنّ سوريا تدخل تدريجياً مرحلة جديدة يمكن تسميتها بخصخصة الخوف.

لا يعني ذلك أنّ الدولة اختفت أو أنّ المؤسسات لم تعد موجودة، بل يعني أنّ الخوف لم يعد ينتظر تفسيراً رسمياً كي يتشكل. بات كل فرد أو جماعة أو بيئة اجتماعية تنتج تفسيرها الخاص للمخاطر المحيطة بها، وتبني على أساسه مواقفها السياسية والاجتماعية. وهنا لا يصبح الخوف مجرد شعور عابر، إنما يتحول إلى إطار كامل لفهم الواقع.

من يحتكر الخوف إذاً؟

في العلوم السياسية، تحتكر الدولة الحديثة حق استخدام القوة، لكنها تحتكر أيضاً وظيفة أكثر أهمية: إنتاج الشعور العام بالأمان. حين يثق المواطن بأنّ القانون سيحميه، لا يعود مضطراً للبحث عن حماية بديلة. وحين يثق بأنّ العدالة ستأخذ مجراها، لا يشعر بالحاجة إلى الاحتماء بالطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الجماعة السياسية. لكن حين تتراجع هذه الثقة، يبدأ المجتمع بإنتاج منظوماته الأمنية الخاصة. وهنا لا يعود الخوف شعوراً فردياً، بل يتحول إلى هوية سياسية.

العلوي لا يخاف من حادثة محددة بقدر ما يخشى فكرة الانتقام الجماعي. والسني لا يخاف من شخص بعينه بقدر ما يخشى عودة أشكال جديدة من الاستبداد. والمسيحي يخشى التهميش وفقدان الحضور. والدرزي يخاف من فرض إرادات خارج بيئته المحلية. والكردي يخاف من الإقصاء السياسي أو الثقافي. وحتى المواطن الذي لا ينتمي إلى أيّ خطاب سياسي واضح بات يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الخصوم السياسيين.

هذه المخاوف ليست أوهاماً بالضرورة، كما أنها ليست حقائق مطلقة. لكنها أصبحت العدسة التي يقرأ السوريون من خلالها كلّ حدث يقع أمامهم. وهذا ما يجعل أيّ حادثة فردية قابلة للتحول إلى دليل على صحة الخوف المسبق. فالعقل الخائف لا يتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها إشارات تؤكد ما كان يعتقده أصلاً. وهنا تنتقل السياسة من إدارة الوقائع إلى إدارة المخاوف. والأخطر أنّ الخوف لم يعد مجرد شعور اجتماعي، بل أصبح مادة متداولة في المجال العام. على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض المنابر السياسية والإعلامية، نشأ ما يشبه “سوق المخاوف”. كل طرف يعرض بضاعته الخاصة من الهواجس والتهديدات، وكل حادثة جديدة تتحول إلى فرصة لإثبات أن الخطر الذي حذر منه كان حقيقياً. وبدلاً من أن تتنافس القوى المختلفة على إنتاج الثقة، بات كثير منها يتنافس على إدارة القلق وتوجيهه واستثماره.

حين تصبح المخاوف أقوى من الوقائع

هنا تبرز أهمية الفيلسوف كارل بوبر ومبدأ “القابلية للتكذيب”. كان بوبر يرى أنّ الفكرة الجيدة ليست تلك التي تستطيع تفسير كل شيء، بل تلك التي يمكن اختبارها وإثبات خطئها إذا تعارضت مع الواقع. أما الفكرة التي تفسر كل شيء فهي في الحقيقة لا تفسر شيئاً، لأنها تحوّل نفسها إلى عقيدة مغلقة لا تسمح بمراجعة ذاتها.

هذه الفكرة تبدو لي شديدة الصلة بما يجري في سوريا اليوم. فكثير من السوريين باتوا يمتلكون فرضيات جاهزة عن المستقبل وعن الآخرين وعن المجتمع نفسه. إذا وقعت جريمة، اعتبرها البعض دليلاً على انهيار الدولة. وإذا حدث توتر محلي، اعتبره آخرون دليلاً على اقتراب حرب أهلية. وإذا وقع اعتداء على فرد من جماعة معينة، تحول فوراً إلى إثبات لصحة مخاوف جماعته بأكملها. لكن السؤال الذي يغيب غالباً هو: ما الذي يمكن أن يدحض هذه الفرضيات؟ وما الحدث الذي قد يدفع أصحابها إلى إعادة النظر فيها؟

إذا كانت كل حادثة تؤكد القناعة المسبقة، وإذا كانت كل واقعة جديدة تُفسَّر ضمن الرواية نفسها، فإننا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام منظومة مغلقة من المخاوف. وعند هذه النقطة يصبح الخوف أشبه بعدسة معتمة. فهو لا يساعد على فهم الواقع، بل يعيد تشكيله وفقاً لما نخشاه. وتصبح الأخبار والأحداث والوقائع مجرد مواد خام تُستخدم لتغذية السردية القائمة مسبقاً. هنا تحديداً تكمن خطورة خصخصة الخوف، لأنها لا تجعل الناس خائفين فقط، بل تجعلهم أسرى تفسيرات لا تقبل المراجعة.

من الخوف إلى إعادة تشكيل المجتمع

التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة. ففي لبنان، لم يبدأ التفكك الحقيقي عندما اختلف اللبنانيون حول السياسة، بل عندما فقدت الدولة قدرتها على لعب دور المرجع الأمني المشترك. وعندما انتقلت الثقة من المؤسسات إلى الجماعات، تحوّلت المخاوف المتبادلة إلى حقائق سياسية قائمة بذاتها. لم يعد الناس يسألون ما إذا كان الخطر حقيقياً أم لا، بل أصبحوا يتصرفون انطلاقاً من افتراض أنه موجود سلفاً.

المشهد العراقي بعد عام 2003 سار في اتجاه مشابه. فالأزمة لم تكن في التنوع الاجتماعي أو المذهبي بحد ذاته، بل في اقتناع قطاعات واسعة من المجتمع بأنّ الجماعة باتت أكثر قدرة على توفير الحماية من الدولة نفسها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القناعة إلى واقع سياسي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع معاً.

التحول الأخطر لا يحدث عندما يزداد الخوف، بل عندما يصبح الخوف منظماً. عندما يبدأ الناس بتشكيل خياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساسه. وعندما تتحول الطائفة أو المنطقة أو الجماعة إلى بديل نفسي عن الدولة. من هذه الزاوية، لا تبدو القضية السورية اليوم أزمة تعايش بين المكونات بقدر ما تبدو أزمة ثقة في الجهة التي يفترض أن تدير هذا التعايش. فالخوف لا يملأ الفراغ وحده، بل يملأ الفراغ الذي تتركه الثقة حين تغادر.

الحلقة المغلقة للخوف

تكمن المفارقة في أنّ معظم السوريين، وعلى اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يعتقدون أنهم يتصرفون بدافع الحذر. وهذا أمر مفهوم في مجتمع خرج من حرب طويلة وموجعة. لكن المجتمعات لا تتشكل فقط بما يخشاه أفرادها، بل أيضاً بالطريقة التي يتصرفون بها نتيجة هذا الخوف. فالخوف من الآخر قد يدفع إلى الانكفاء عنه. والانكفاء يولد مزيداً من الجهل المتبادل. والجهل ينتج مخاوف جديدة. ثم تعود هذه المخاوف لتبرر مزيداً من الانكفاء والعزلة. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مغلقة يصبح فيها الخوف منتجاً للخوف، لا مجرد استجابة له.

في هذه الحالة لا يعود الخطر الحقيقي هو الحادثة نفسها، بل الأثر التراكمي الذي تتركه في الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تُبنى فقط عبر المؤسسات والقوانين، بل عبر الثقة اليومية التي تسمح للناس بالعيش معاً رغم اختلافاتهم. وحين تتآكل هذه الثقة، يبدأ الخوف بالعمل كقوة سياسية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل السلوك العام والعلاقات الاجتماعية وحتى التصورات المتعلقة بالمستقبل.

فما الذي يجب مراقبته؟

ربما يخطئ كثيرون عندما يراقبون عدد الحوادث الأمنية أو حجم السجالات على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن مؤشرات المستقبل. المؤشر الأهم ليس عدد الحوادث، بل الطريقة التي يفسرها الناس بها. هل ما زال السوري يرى نفسه مواطناً تعرّض لخطر عابر؟ أم بات يرى نفسه عضواً في جماعة مستهدفة على الدوام؟ هل ما زال يعتقد بأن الحل يجب أن يأتي من القانون؟ أم أصبح مقتنعاً بأنّ الحماية لا تأتي إلا من الجماعة؟ وهل ما زالت الدولة تُنظر إليها باعتبارها المرجع النهائي للحقوق والواجبات؟ أم أنها بدأت تفقد هذه المكانة لصالح شبكات الانتماء الأصغر؟

هنا تحديداً يتحدد اتجاه البلاد. ليس في عدد المنشورات الغاضبة، ولا في عدد البيانات السياسية، بل في الإجابة اليومية الصامتة التي يقدمها السوريون لهذه الأسئلة.

ونصل في الختام إلى أنّ المشكلة الكبرى في سوريا اليوم قد لا تكون حجم الخوف المنتشر بين الناس، بل الطريقة التي يُدار بها هذا الخوف ويُعاد إنتاجه. فالمجتمعات تستطيع العيش مع اختلافاتها، وتستطيع تجاوز جراحها، بل وحتى إعادة بناء نفسها بعد الحروب. لكن المهمة تصبح أكثر صعوبة عندما يتحول الخوف إلى مؤسسة غير معلنة، وعندما تصبح كل جماعة مسؤولة عن إنتاج روايتها الخاصة للتهديد، وحين تتراجع الثقة المشتركة لمصلحة مخاوف متجاورة لا يجمع بينها سوى القلق. حينها لا يعود السؤال: من يخاف ممن؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت كلّ جماعة سورية تمتلك اليوم خوفها الخاص، فمن يمتلك بعدُ القدرة على إنتاج الثقة المشتركة؟

بين الجفاف والفيضان تتداعى البلاد

بين الجفاف والفيضان تتداعى البلاد

ثمة شيء مشترك بين الموت عطشاً والموت غرقاً بأن الضحية دائما هو الإنسان السوري البسيط الفقير والمهمش، فعلى مدى ثمان وثلاثين عاماً من الجفاف تناقص منسوب نهر الفرات إلى حد كبير مما أثر على المعدل العام للزراعات التي يعتمد عليها أغلب سكان دير الزور والرقة، حيث كانت نسبة المياه المتدفقة للأراضي السورية لا تتجاوز 200 متر مكعب رغم أن النسبة المتفق عليها مع الحكومة التركية تبلغ 500 متر مكعب وقبل إنشاء  سد الفرات وسد تشرين كانت الأضرار كثيرة ومتعددة نتيجة الفيضان الموسمي للنهر أهمها تدمير المحاصيل الزراعية الموسمية.

نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 على المشاركة العادلة والمعقولة (المادة 5): يحق لكل دولة من دول المجرى المائي الاستفادة من مياهه داخل إقليمها بطريقة منصفة وتراعي مصالح الدول الأخرى وكذلك الالتزام بعدم إلحاق الضرر (المادة 7): تُلزم الاتفاقية الدول باتخاذ كافة التدابير المناسبة لمنع التسبب في “ضرر ذي شأن” للدول الأخرى التي تتشارك معها نفس المجرى المائي والإخطار بالتدابير المزمعة كما تفرض الاتفاقية على الدول تبادل المعلومات وإخطار الدول الأخرى بأي مشاريع أو إجراءات قد يكون لها تأثير سلبي على المجرى المائي قبل تنفيذها، إما لجهة التعاون وتبادل البيانات (المادة 9): تلتزم الدول بتبادل البيانات والمعلومات بانتظام بشأن حالة المجرى المائي. الاتفاقية التي وافقت سورية عليها ورفضتها تركيا وتتابعت الاتفاقيات بعدها المجحفة بحق سوريا وخاصة اتفاقية أضنة عام 1998.

تتباين الأسباب والاتهامات المتبادلة المسببة للكارثة البيئية المتعلقة باندفاع مياه نهر الفرات واجتياحها لحياة وأرزاق الناس في الرقة ودير الزور بعد عقود من الجفاف استقر فيها الناس على سرير النهر وبنيت مطاعم واستراحات وزراعات عليه، ولسنين طوال بقيت تركيا تحتجز مياه النهر غير عابئة بانهيار القطاع الزراعي في البلد إلا أن موجة الأمطار الكثيفة في المواسم الماضية جعلت منسوب سدودها والمياه المحتجزة في أعلى طاقة لها مما أجبرها على الإفراج عن المياه باتجاه سورية التي أنهكتها حرب عطلت الحياة بأكملها، لذا كان من الطبيعي أن لا تكون مستعدة لهكذا إجراء. 

يقال إن تركيا أعلنت قبل أسبوع أنها ستفتح بوابات سد أتاتورك وأنها ستفتح المياه إلى مجرى النهر في سورية ولكن هل هذا كاف ؟؟

وإذا كان الأمر صحيحاً فالسؤال هنا لماذا لم تتخذ الإجراءات الكافية لمواجهة الكارثة؟! هل لضعف الإمكانية التقنية والعلمية للتصدي لمشكلة من هذا النوع أم نتيجة الإهمال والتراخي في حل المشكلات العاجلة؟ ولكن أضعف الإيمان إنذار السكان بالخطر المحدق قبل وقت مناسب.

في العودة إلى بدايات قيام السد على نهر الفرات الذي كان يفيض سنوياً ويؤدي إلى انجراف التربة الزراعية الخصبة وانقطاع طرق النقل والتجارة بين القرى بالإضافة لغرق القرى الطينية والمنازل التقليدية ونفوق أعداد كبيرة من المواشي وانتشار الأمراض والأوبئة المرتبطة بالمياه الراكدة.

ورغم اعتراض البعض على ما عرف بأراضي الغمر التي غطت أراضي الفلاحين لم يتم تعويضهم بما يعادلها فيما بعد إضافة إلى المناطق الأثرية الهامة التي غمرتها البحيرة والقرى الصغيرة التي غطتها المياه، وهنا إشكالية التساؤل الأخلاقي أيها الأهم ماضي البلاد والأسلوب العادل والتقليدي للزراعة أم مستقبلها ومستقبل الوطن، هذا إذا افترضنا النوايا الحسنة للتخطيط والبناء المستقبلي للاقتصاد الزراعي في البلد. 

وعليه تم إنشاء سد الفرات في سوريا خلال سبعينيات القرن العشرين وقد بلغت الطاقة التخزينية الكبيرة للبحيرة القائمة على السد 14 مليار متر مكعب، ساهمت بتنظيم تدفق مياه نهر الفرات ودعم مشاريع الري والزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية والحماية من الفيضانات الموسمية المدمرة. 

ولكن خلال العقود الأخيرة ونتيجة السياسات التركية وغياب شراكة حقيقية في إدارة نهر مشترك، انخفض المنسوب التخزيني للنهر مما أثر في إنتاج الطاقة الكهربائية بشكل كبير وخاصة نتيجة الخلل الذي أصاب السد نتيجة خروج أربع عنفات من أصل ثمانية عن الخدمة أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الرقة. واليوم يفيض النهر بشكل غير مسبوق ومفاجئ وللمرة الأولى تفتح أربع بوابات مفيض لم تفتح منذ أكثر من ثلاثين عاماً. 

ينبع نهر الفرات من تركيا على مساحة 1070 كيلومتراً ويمر بالأراضي السورية عبر أكثر من 600 كيلومتر وبعدها يدخل في الأراضي العراقية، مما منح تركيا إمكانية لتحكم قبضتها على المياه المنحدرة من أراضيها لبناء سدود ضخمة عليها وخاصة سد أتاتورك الذي قاربت طاقته التخزينية 48 مليار متر مكعب ويعتبر خامس سد على مستوى العالم وعليه تتحكم تركيا بكل قطرة مياه متجهة جنوباً.

بدأ العمل بسد الفرات عام 1968 ولكن بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 عمل على  أن تكنى البحيرة القائمة عليه باسمه، و نتيجة الجفاف الكبير الذي أصاب المنطقة خلال مدة طويلة  تسببت بانحسار المياه عن سرير السد تمدد السكان ببناء البيوت والمطاعم والمنتزهات ومنشآت في تلك المنطقة مما جعل فيضان النهر بهذه الطريقة كارثة بيئية من الطراز الأول، ولا يمكن تسميته فيضاناً بل اجتياح وتدفق غير مسبوق للمياه نتيجة سبب معروف، إذ قيل أن ارتفاع النهر الجديد قارب أكثر من مترين فوق معدله الطبيعي وتوقف عدد كبير من محطات المياه نتيجة وصول المياه إليها، بالإضافة لفقدان إمكانية التواصل والعبور والنجاة  نتيجة نسف الجسور المشادة نتيجة النزاعات السياسيةالماضية.

  عند العجز التقني والإداري عن مواجهة كارثة بحق البشر والبيئة ماذا نفعل ومالعمل وهل نبقى واقفين، طالب الكثيرون بطلب إعلان منطقة الفيضان بدير الزور والرقة منطقة منكوبة كي يتسنى للدول الصديقة مد العون لإنقاذ ما تبقى لأن الكارثة مستمرة وما من نفير عام لدرء المزيد من انعكاسات الكارثة. 

مشاريع كثيرة بعد سقوط النظام بإعادة بناء جسر دير الزور المعلق وخاصة بعد تبرعات كثيفة من رجال الأعمال ولكنها بقيت حبراً على ورق لم ينفذ منها شيء. المشكلة بعقل من لا يستطيع تحديد الأولويات المهمة بالنسبة لحياة الناس ومن لا يستطيع استقراء الآتي.

 أيام عيد والناس بحالة الفرح وأهلنا في الدير والرقة يشيعون أطفالهم الذين قضوا غرقاً مشهد أليم وموجع، ويحلو للبعض أن يتشفى من مصائب الغرق والفيضان وتتم الشماتة بمن لم يساندوا كوارث الآخرين ويعزوها لمواقف سياسية، لكنهم ينسون أنهم بذلك يزيدوا بتعميق جراحات البلد المثخنة، وأن الكارثة ستنعكس على الجميع، ولا حياة لبلد إلا بتضافر جهود جميع أبنائه وتجاوز الخلافات والعمل من أجل المصلحة العامة. 

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة والأكاديمية الأمريكية من أصول إيرانية ريبيكا شريعة طالقاني، وهي أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك، مقاربة جديدة في دراسة “أدب السجون السوري”، تستند إلى الكتابة الأكاديمية من خلال توظيف دراسات أدب السجون وحقوق الإنسان. ورغم هذه المقاربة، يظل الكتاب في متناول شريحة واسعة من جمهور القرّاء؛ إذ لا يهدف إلى تقديم سردية تاريخية عن السجون السورية، ولا إلى أرشفة مسار الحركات الحقوقية في البلاد، ولا إلى توثيق شامل للاعتقالات والتعذيب والانتهاكات. وإن كان يطلّ على جوانب من هذه السياقات أثناء القراءة، فإن الغاية الأساسية للعمل تتجلّى في تعريف القارئ بما اصطلح عليه “أدب السجون السوري”، ومضامينه المتعلقة بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، فضلاً عن تتبّع تطوّر أشكاله الإبداعية وتنوّع تعبيراته عبر الزمن.

تعقد طالقاني، في سياق دراستها، مقارنة بين أدب السجون في سورية وتجارب مشابهة في العالم، مثل تجربة المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، والروائي والناقد الحداثي السعودي عبد الرحمن منيف، كاشفة عن طابع خاص بالسجون السورية يتّسم بوحشية متفرّدة، تجعل من كل كلمة تُكتب من داخلها أو عنها عملاً بطولياً وأخلاقياً ومقاوماً.

وقد جاءت دراستها متجاوزة التوثيق إلى تحليل الأدب المُنتج داخل السجون أو حولها بوصفه ممارسة مقاومة، وأداة للنجاة الرمزية، وشكلاً من أشكال العدالة التأويلية.

صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء

صدر الكتاب العام المنصرم عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة، ضمن “سلسلة ترجمان”، ويقع في 312 صفحة، شاملاً تقديم المترجم، ومقدّمة، وخاتمة، ومراجع، وفهرساً عاماً، إضافة إلى قائمة رسوم وصور توضيحية.

يوضّح الناشر، في تعريفه بهذا الكتاب، أنه يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة العربية، لما ينطوي عليه من تداخل عميق بين الأدب وحقوق الإنسان، وبين التجربة الفردية والهمّ الجمعي؛ إذ لا يكتفي بمجرد توثيق معاناة المعتقلين السوريين، بل يسمو بهذه المعاناة إلى مقام الكتابة الأخلاقية والجمالية، ويمنحها بعداً إنسانياً عصياً على المحو، ونافذاً إلى الوجدان.

اختارت طالقاني، وهي تدرس أدب السجون السوري، النظر إليه بوصفه أحد العناصر الرئيسة في ثقافة المعارضين السياسيين السوريين، لا سيّما تلك التي أرسى دعائمها المعارضون العلمانيون اليساريون والمعارضون الإسلاميون منذ سبعينيات القرن العشرين، والتي شكّلت ركناً مهمّاً من أركان الثورة السورية التي انطلقت في منتصف آذار/ مارس 2011.

تقول طالقاني، في حوار معها عن اشتغالها على هذه الدراسة: “حاولت استخدام التعريف الممكن الأوسع والأكثر شمولية: أدب السجون هو أي نص تمّت كتابته عن، أو في، أو خلال تجربة الاعتقال، كما حاولت الإشارة إلى أن أي تعريف، بما في ذلك التعريف الأوسع الذي أستخدمه، هو إشكالي ويحتمل النقاش والجدل”. وتضيف: “ركّزت في بحثي الخاص بصورة رئيسية على أعمال كتبها المعتقلون عن الاعتقال، سواء أكانت أعمالاً روائية خيالية أو غير خيالية أو شعرية أو مسرحية”(1).

تمتدّ المرحلة الزمنية للأعمال التي تناولتها المؤلّفة من مرحلة توطيد حافظ الأسد نظامه الديكتاتوري، ثم توريثه لابنه بشار، وصولاً إلى الثورة السورية عام 2011، والحرب التي شنّتها قوات النظام البائد على الحاضنة الشعبية للثورة، والصراع المسلّح الذي أشعلته، وحتى عام 2020.

ومن الأعمال التي تناولتها في الكتاب رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، و**“من تدمر إلى هارفارد”** لبراء السراج، وغيرهما، باعتبارها نماذج حيّة من هذا الإبداع في وجه القمع. وتلفت إلى أنه حتى قبل عام 2011، كتب معتقلون أعمالاً كاملة، مثل عماد شيحة الذي ألّف ثلاث روايات خلال اعتقاله، وظلّ بعضها سرياً حتى وجد طريقه إلى النشر. وترى، في هذا السياق، أن الكتابة تتحوّل من مجرد توثيق فردي إلى دفاع عن الذاكرة، وإلى صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء، ويُصرّ على تثبيت معاني العدالة والكرامة.

إن الفكرة المركزية التي تنهض عليها هذه الدراسة هي الربط بين “أدب السجون” وخطاب حقوق الإنسان، بما يشمله من منظومات وقوانين ورموز.

وانطلاقاً من هذه الفكرة، ترى طالقاني أن نصوص هذا الأدب تقدّم مشاهد اعتراف سردية لا تُظهر فداحة المعاناة التي يكابدها المعتقلون فحسب، بل ترتبط، في الوقت نفسه، بخطاب حقوق الإنسان العالمي، بما يحوّل هذه النصوص إلى أدوات وعي سياسي وأخلاقي.

وانطلاقاً أيضاً من أن مؤلّفات أدب السجون في العالم العربي، وأكثر عموماً في الشرق الأوسط، قد تُنتج بالفعل سجلاً بديلاً عن السرد الرسمي للدولة، التي لا تأتي على ذكر انتهاكات حقوق الإنسان الموجودة فعلاً، فإن هذه المؤلّفات الأدبية تشكّل جزءاً من السجل التاريخي، إضافة إلى كونها أعمالاً إبداعية.

وجاء تناول المؤلّفة لمفهوم “بويطيقا الاعتراف” لتدرسه فنياً وأسلوبياً، وتربطه بمفهوم الاعتراف السياسي الذي يُعَدّ من الركائز الأساسية في خطاب حقوق الإنسان الحديث، خصوصاً في القرن العشرين.

ولا شك أن اعتماد طالقاني مصطلح “البويطيقا” في عنوان الكتاب لم يكن ترفاً لغوياً محضاً، بل هو استدعاء واعٍ لمفهوم نقدي ذي جذور فلسفية وجمالية عميقة؛ لأن الكتاب يعالج النصوص الأدبية ووثائق حقوق الإنسان بوصفها مادة فنية ومعرفية، ويستقصي الكيفية التي تُحدث بها هذه النصوص أثرها الجمالي والحقوقي في آن.

و“البويطيقا” كلمة يونانية ارتبطت باسم الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي عنون بها كتابه الشهير “فن الشعر”. وعُرفت بالفرنسية Poétiqueوبالإنكليزية Poetics، وكلتاهما متحدرة من الكلمة اللاتينية Poetica المشتقة من الكلمة الإغريقية Poietikos، لتحمل في هذه اللغات كلها معاني تتصل بصناعة الشعر ونظريته وفنونه.

وقد تنوّعت ترجمة كلمة “البويطيقا” وتجلياتها في ثقافتنا العربية، فوردت بصيغ شتى: نظرية الشعر، وفن الشعر، وصناعة الشعر، وقواعده، وصوغ اللغة الشعرية، والإنشائية، والبنية الشعرية، والشاعرية، والشعريات، وغير ذلك، ما يعكس ثراء هذا المصطلح وتشعّب دلالاته في الحقول الأدبية والنقدية.

دراسة “أدب السجون بوصفه نوعاً أدبياً

قسّمت المؤلّفة الكتاب إلى ستة فصول، مستعرضة من خلالها تطوّرات “أدب السجون السوري” في ضوء “التحوّل التجريبي” في الأدب العربي الحديث، ومبيّنة كيفية تجاوز هذا الأدب الوظيفة التوثيقية إلى فضاء أدبي وجداني يتفاعل مع الأسئلة الجمالية والوجودية الكبرى.

وتتناول، في الفصل الأول من الكتاب، مسألة تصنيف “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً قائماً بذاته، مشدّدة على أهمية النظر إليه من زاوية سياسية، على الرغم مما يحيط بهذا التصنيف من إشكالات نظرية. ثم تتوسّع بعد ذلك في عرض المناقشات الدائرة بين الكتّاب والباحثين حول اعتبار “أدب السجون” جنساً أو نوعاً أدبياً، مستعرضة المسارات المختلفة لنظرية النوع الأدبي في سياق دراستها. وعلى الرغم من إدراكها ما يكتنف هذا التصنيف من معضلات وحدود، فإنها ترى في استخدام مصطلح “أدب السجون” ضرورة سياسية لا غنى عنها.

انطلاقاً من هذا الفهم، يُدرَس “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً محدد المعالم، وقد طغى على مقاربته في النقد الأدبي العربي، غالباً، البعد التوثيقي والجنوح إلى النزعات التوفيقية التي تحاكي أحياناً أسلوب تقارير حقوق الإنسان، ما يحجب الأبعاد الجمالية والإنشائية الكامنة فيه. وتلفت إلى أن هذا الأدب لا يقتصر على الرواية والمذكرات، بل يمتد ليشمل أجناساً أدبية أخرى، كالقصة القصيرة والشعر والمسرح أيضاً، ما يجعل تعدّده الفني يُغني مضمونه، ويمنح قضاياه تراكماً تعبيرياً متجدداً.

وتفتتح طالقاني الفصل الثاني بقصة كتابة أطفال درعا على جدران مدرستهم عبارات مناهضة لنظام بشار الأسد في آذار/ مارس 2011، واعتقال أجهزة الأمن لهم وتعذيبهم وسجنهم، بوصفها لحظة انطلاق الثورة السورية، ومن ثم تحوّلها سريعاً إلى رمز لها، رابطة هذه القصة بموضوعات الاعتراف والضعف والتعاطف التي وجدتها في الأدب السوري عن السجون والاعتقال.

تقول عن هذا: “كتبتُ الفصل الأصلي كجزء من أطروحتي عن الضعف والاعتراف والتعاطف في القصص القصيرة للكاتب الراحل غسان جباعي والقاص إبراهيم صموئيل في 2008-2009، وذلك قبل اندلاع الثورة السورية في 2011”. وتضيف: “كان من الأشياء التي برزت في بعض القصص لكلا المؤلفين التركيز على تأثير الاعتقال في عائلات المعتقلين، بمن فيهم، وبشكل خاص، الأطفال. وردّ كذلك في قصصهما تركيز كبير على الكرامة الإنسانية، وغالباً على الإنسانية المتصدعة أو المختلة في مواجهة الوحشية اللاإنسانية أو المنحرفة”.

وتتابع قائلة: “أجد أن هذا التأكيد مهم ومؤثر. عندما عزمت على إعادة كتابة الفصل، كنت بالطبع قد قرأت وسمعت عن قصة الأطفال في درعا، لكن كانت أيضاً أزمة اللاجئين في أوجها، حيث تم نشر صورة الطفل الكردي آلان في جميع وسائل الإعلام الدولية. وفي الوقت نفسه أيضاً، كنت أقرأ عن حقوق الأطفال، وأفكر في أنهم الفئة الأكثر ضعفاً ضمن الكائنات البشرية. بالطبع، كل البشر ضعفاء، لكن هناك مستوى آخر من الضعف/الهشاشة vulnerability يتعلق بالأطفال، وهو مفهوم مختلف عن الضعف weakness في اللغة الإنكليزية. كنت أفكر وأقرأ عن مفهوم ومعضلة الاعتراف في كل من الأدب وحقوق الإنسان مدة طويلة. وهكذا، في الأساس، رأيت تأثير قصة أطفال درعا على أنها موازية لبعض أشكال الاعتراف في أدب السجون، وحاولت تضمين ذلك في الفصل. يبقى الاعتراف، بمستوياته المختلفة، أحد الجوانب الإشكالية لنظريات حقوق الإنسان، وفي الواقع، في النظام الدولي لقانون حقوق الإنسان، وهو أيضاً جزء متأصل في السرديات الأدبية. حاولت، خلال قراءتي للقصص القصيرة ونصوص أخرى، إظهار كيف تعلّمنا هذه الأعمال الأدبية عن معضلات الاعتراف، أو عدم الاعتراف، وكيف يرتبط الاعتراف بالضعف والعاطفة”(2).

ولتوضيح هذه المقاربة، استندت المؤلّفة إلى نظريات كل من الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر، والبريطاني بريان تورنر، وتيرانس كيف، مقدّمة من خلال ذلك مفهوم “بويطيقا الاعتراف” بوصفه تجلياً لفشل النظام الحقوقي التقليدي، ومحاولة لتشكيل وعي عاطفي جديد لدى القرّاء. وهي تفترض أن التحوّل السريع الذي جعل من قصص أطفال درعا رمزاً للانتفاضة السورية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوعات الاعتراف والهشاشة والتعاطف، وهي موضوعات تتجلّى بوضوح في القصص القصيرة لكتّاب مثل الكاتبة المغيّبة سميرة خليل وغسان جباعي، وكذلك في مسرحية الكاتب الراحل وديع اسمندر.

وانطلاقاً من دراسات الاعتراف في النظرية النقدية ونظرية حقوق الإنسان، بما في ذلك أعمال بتلر وتورنر وكيف، ترى المؤلّفة أن “بويطيقا الاعتراف” في “أدب السجون السوري” تستحضر أشكالاً بديلة من الهشاشة، قد تعكس خطاب حقوق الإنسان التقليدي أو تتجاوزه أحياناً لتقع خارجه، مشكّلة بذلك إمكانيات جديدة للكتابة ولإعادة تمثيل المعاناة.

أما معالجة تمثيلات التعذيب كما تتبدّى في الأدب وتقارير حقوق الإنسان، فكانت محور الفصل الثالث، وفيه أجرت طالقاني مقارنة دقيقة بين صوت الضحية المغيّب في التقارير الحقوقية، والذات المتكلمة والناطقة بوجعها في النصوص الأدبية، كما في كتابات الشاعر فرج بيرقدار والروائية حسيبة عبد الرحمن.

وانطلاقاً من المناقشة التي قدّمها الفصل الثاني حول مفهومي الهشاشة والاعتراف، تُتابع المؤلّفة في هذا الفصل تحليل تلك المفارقة، مقدّمة قراءة مقارنة لطريقة تصوير التعذيب في “أدب السجون السوري” وفي الخطاب الحقوقي التقليدي. وهي تُظهر، من خلال أعمال منها قصائد فرج بيرقدار وكتابات حسيبة عبد الرحمن ومصطفى خليفة ومالك داغستاني وسواهم، أن تجربة التعذيب تتجلّى في النصوص الأدبية بطرائق تتخطّى ما توفّره تقارير حقوق الإنسان، سواء من حيث العمق الإنساني أو الأثر السردي.

وتعتمد طالقاني في هذا الفصل على هذه الأعمال الأدبية لتبحث في إمكانيات تمثيل التعذيب بصورة تتسم بالحميمية السردية، وإعادة تأكيد مركزية صوت المعتقل بوصفه ذاتاً ناطقة، لا مجرد موضوع حقوقي أو رقم في وثيقة، بل بوصفه كياناً حياً يتحدث عن ألمه ويعيد بناء صورته من رماد القهر.

محو ذاكرة العنف.. من أشكال مقاومة المعتقلين

تتناول الباحثة الأمريكية، في الفصل الرابع من كتابها، تمثيل الزمان والمكان في “أدب السجون السوري” وتقارير حقوق الإنسان، مشيرة إلى كيفية معالجة هذا الموضوع في أعمال مثل مذكرات “خمس دقائق وحسب” للكاتبة هبة الدباغ، ورواية “من تدمر إلى هارفارد” للكاتبة براء السراج. وتنطلق من مناقشة قول المفكر والكاتب والمعتقل السابق ياسين الحاج صالح إن السجن “نمط من أنماط الحياة” لآلاف السوريين، لتحلّل كيفية تمثيل الزمان والمكان، مستندة إلى الدراسات الحديثة في جغرافيا السجون، مثل أعمال دومينيك مويران ومايكل فيلدر.

وتستعرض طالقاني، في هذا السياق، أعمالاً أدبية أخرى مثل مذكرات هبة الدباغ، ومجموعة فرج بيرقدار الشعرية “حمامة مطلقة الجناحين”، لتبيّن أن “أدب السجون السوري” يعيد إنتاج الجغرافيا العاطفية التي يعيشها المعتقلون من خلال تجاربهم الحقيقية.

وتخصّص المؤلّفة الفصل الخامس لسجن تدمر، لما يمثّله من موقع رمزي للقسوة، محلّلة اللجوء إلى السريالية في بعض الأعمال الأدبية، ولافتة إلى أن هذه السريالية هي شكل من أشكال المقاومة لمحاولة محو ذاكرة العنف التي تعرّض لها المعتقلون في هذا السجن. وترى أنه، من خلال أعمال مثل رواية “القوقعة”، فإن الكتابات عن سجن تدمر تنتج أشكالاً من المراقبة تكذّب الرواية الرسمية التي تنكر ارتكاب النظام لعقود طويلة انتهاكات لحقوق الإنسان. كما تفقد اللغة هنا قدرتها على التعبير عن التجربة القاسية، فيلجأ الكتّاب إلى النزعة السريالية لتمثيل أشكال القسوة والمعاناة الإنسانية في السجن.

في الفصل السادس والأخير، تناولت طالقاني الكتابات التي تمزج السرد الذاتي بالتخييل ما بعد الحداثي، والمتأثرة بالمنفى، ما يجعل أدب السجون امتداداً لكتابة المنفى والمقاومة المزدوجة، من خلال التحليل العلمي لمؤلّفات ما بعد الحداثة التي تبتعد عن تقنيات السرد التقليدية لكتّاب مثل باتريسيا واو ومارك كوري وآخرين. ويناقش الفصل انتشار الميول الذاتية والخيالية، حيث يعكس هذا التوجّه تساؤلاً نقدياً عن قدرة السرد على التعبير عن تجربة السجن بشفافية، على النقيض من تقارير حقوق الإنسان. وتبيّن المؤلّفة أن هذا النوع من السرد يرتبط بحالات النفي والإبعاد التي عاناها المعارضون السياسيون قبل ثورة الحرية والكرامة عام 2011 وبعدها. وهكذا، توضّح أن بعض مؤلّفات أدب السجون تتماهى مع الكتابة عن المنفى، معتبرة إياها جزءاً من تجربة المقاومة المزدوجة.

وتختم الباحثة الأمريكية دراستها بتأمّل دور الإنتاج البصري في توثيق الاعتقال والثورة، من خلال أعمال “أبو نضارة”(3)، وفيلم “سُلَيمى”(4)، وغير ذلك.

كما تناولت طالقاني بالدرس أعمال المخرج السينمائي محمد ملص، مثل “سلّم إلى دمشق” و**“باب المقام”**، التي تجسّد ثنائية الاعتقال والثورة، وتربط بين قمع الماضي وجراح الحاضر. وكذلك فيلم “المريض السوري”، الذي نتابع فيه قصة طبيب فقد مريضه المعتقل، ليُعتقل هو لاحقاً، وهو من إنتاج مجموعة “أبو نضارة”، وغيرها من الأعمال البصرية التي، بحسب طالقاني، تعيد التفكير في حقوق الإنسان بوصفه مفهوماً مرناً، وتقدّم السرد البصري وسيلة مقاومة تُكمل الأدب، وتمنح الصوت لأولئك الذين صودرت ذاكرتهم.

أخيراً، يمكننا القول إن هذا الكتاب يُعَدّ إسهاماً نقدياً بالغ الأهمية، يعيد الاعتبار لصوت المعتقلين السياسيين السوريين بوصفه ذاتاً كاتبة لا مجرد ضحية. وهو يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة السورية والعربية، لما يكشفه عن قدرة الكلمة والصورة على مواجهة الاستبداد، ويطرح أفقاً جديداً لتأمّل مفهومي العدالة والكرامة، مؤسساً لوعي أدبي لا يفصل بين الجمال والدلالة، ولا بين الفن والحقيقة.

يُشار إلى أن ريبيكا شريعة طالقاني أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك. وهي تركّز في دراساتها على المقاومة السياسية والإنتاج الثقافي في الشرق الأوسط، وتنشر مقالاتها ومراجعاتها وترجماتها في مجلات أكاديمية مهمة، منها: “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط”، و**“مجلة الأدب العربي”، و“مجلة كلمات بلا حدود”**. وتشارك طالقاني حالياً في تحرير “مجلة الأدب المقارن والثقافة” CLC Web، وقد حرّرت مع أليكسا فيرات كتاباً بعنوان “أجيال المعارضة: المثقفون والإنتاج الثقافي والدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، الصادر عام 2020.

هوامش:

  1. حوار مع الباحثة الأمريكية ريبيكا شريعة طالقاني، أجرته الزهراء سهيل الطشم، مجلة “رواق ميسلون”، العدد 87، تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.
  2. المصدر السابق.
  3. تأسست مجموعة “أبو نضارة” قبيل الثورة السورية، وقدّمت نفسها من خلال ما سمّته “سينما الطوارئ”، وسعت إلى اختراق ضجيج الإعلام بألسنة الضحايا الحقيقيين.
  4. “سُلَيمى” فيلم من الرسوم المتحركة، أُطلق رسمياً في 29/5/2015، ويشكّل الجزء الثاني من ثلاثية الصوت التي تعمل عليها حركة “استيقظت”، وهي حركة نسائية سورية تعرّف نفسها بأنها “تحكي قصصاً حقيقية، من وجهة نظر نساء في المجتمع السوري”.
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا عن مخالفتها للإعلان الدستوري، الصادر عقب سقوط الأسد، والذي نصت  المادة الثانية عشرة منه على أن الدولة “تحمي حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتكفل حقوق المواطنين والحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية”.

علو سقف الخطاب الديني  

في الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، ظهرت بعض مظاهر ما يسمى بـ”الدعوات الدينية” في عددٍ من الأماكن العامة في سوريا، وقد اتخذت طرقاً وأشكالاً مختلفة، من بينها: توزيع ملصقاتٍ تدعو النساء والرجال لارتداء اللباس المُحتشم، وظهور بعض المنقبات في الشوارع لينصحن النساء بضرورة ارتداء الباس الشرعي، وانتشار مجموعاتٍ دعوية، عبر سياراتٍ، مُجهَّزة بمكبرات الصوت، تجوب شوارع دمشق، بما فيها الأحياء المسيحية، لتبثَّ خطباَ ودعوات، تدعو الناس إلى اعتناق الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وقد أثارت “السيارات الدعوية“، التي كانت تنظر إلى الناس وكأنهم كُفَّار بحاجة إلى الهداية، جدلًا واستنكاراً واسعاً بين مختلف الطوائف في دمشق، خاصة عندما قام بعض سكان منطقة الدويلعة باعتراض إحدى السيارات، التي وقفت أمام كنيسة مار إلياس، وطردها من المنطقة، ما أدى إلى حدوث حالة من التوتر والغضب الشعبي. 

ورغم إقرار الحكومة بأن تلك “الدعوات” هي تصرّفات فردية، لا تتبع لأي تنظيم واضحٍ أو جهة رسمية، إلإ أنها لم تُبادر لمنعها ومحاسبة القائمين عليها، على الرغم من تكرارها، كما أنها لم تصدر أي بيانٍ رسمي يوضِّح موقفها صراحة من انتشار مثل هذه الأنشطة الدعوية، التي رآها البعض محاولة لفرض نهجٍ ديني وإيديولوجي في مرحلة مفصلية وحسّاسة من تاريخ البلاد. 

 وخلال شهر رمضان لهذا العام، ظهرت الكثير من حالات الاعتراض على “الإفطار العلني”، وذهبت بعض الآراء إلى تحريمه وتجريمه، بحجة مخالفته لـ”الآداب العامة”، في بلدٍ يمتاز بالتنوع الديني والثقافي. ففي ريف دمشق، أصدرت بلدية التل قرارًا ، لاقى جدلاً واسعاً، يقضي بفصل جميع عمال فرن حرنة الآلي، بتهمة “الإجهار بالإفطار”، متذرعةً بأن القرار جاء بعد ورود شكاوى من بعض أهالي المنطقة بحق العمال، الذين تعمدوا التدخين وشرب القهوة أمام المواطنين، في منافذ بيع الخبز خلال أوقات الصيام. 

وفي مدينة حمص، انتشر مقطع فيديو لصانع محتوى، يتنقل بين بعض مقاهي شارع العشاق، وهو يقوم بتصوير عددٍ من الأشخاص المُفطرين، ويُظهرهم وكأنهم مخالفون للقانون وينبغي مساءلتهم وفضحهم على الملأ، معترضاً على من أعطاهم الحق في الإفطار والجهر به، وعلى من سمح للمقهى بالعمل خلال وقت الصيام. وقد رأى كثيرون أن هذا السلوك، الذي أثار غضباً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، هو انتهاك صارخ للحريات الشخصية، وتعدي على خصوصية الجالسين في المقهى، ويتجاوز مسألة الاعتراض الشخصي إلى التشهير والتحريض. فيما رأى آخرون أنه مؤشّرٌ مخيفٌ على ولادة مناخٍ اجتماعي وثقافي غريب عن طبيعة المجتمع السوري، قد يأخذ البلاد نحو مزيدٍ من الانغلاق والتضييق على الحياة المدنية، ويفتح أسئلة كثيرة تتعلق بمدى حدود التدخل في حياة الآخرين ومن يمتلك حق محاسبتهم.  

تقييد بيع المشروبات الكحولية 

 أصدرت محافظة دمشق  منتصف آذار الماضي، قراراً يمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي في مدينة دمشق، ويَحصُر بيعها ضمن المحلات المرخَّصة، في ثلاث مناطق تقطنها غالبية مسيحية: باب توما، القصاع وباب شرقي. كما اشترط القرار أن تبعد تلك المحلات مسافة 75 متراً عن الجوامع والكنائس والمدارس والمقابر، ومسافة 20 متراً عن مراكز الشرطة والدوائر الحكومية. وقد بررت المحافظة سبب القرار بأنه جاء تلبية لشكاوى المجتمع المحلي، وأنه يهدف إلى “الحد من الظواهر المخلّة بالآداب العامة”.

القرار الذي أثار مزيداً من المخاوف المُتعلّقة بالمساس بالحريات الشخصية، قوبل بموجةٍ من الاستهجان والسخط والانتقادات اللاذعة، من قبل شريحة واسعة من السوريين، بما فيهم وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، التي احتجت على القرار من خلال منشور عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، جاء فيه: “المسيحيون في سوريا هم سكانها الأصليون، ومناطقنا ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك. لم نكن يوماً سكارى ولكننا سكارى في محبة سوريا والانتماء إليها”.  

وعقب القرار تجمّع مئات السوريين، من مختلف المكونات، في اعتصام صامت، في باب توما، رفعوا فيه لافتات ترفض القرار، الذي اعتبروه اعتداءً على الحريات العامة والشخصية، ويسعى لتكريس الطائفية وتفريق الشعب بدلاً من جمعه، كونه “يُكفِّر” مناطق محددة ويسيء لتاريخها وثقافتها، ويعمل على تغيير هوية المدينة، التي لطالما كانت تمتاز بالتنوع الاجتماعي والثقافي، وتستوعب جميع الناس على اختلاف ثقافاتهم.

وما أثار مخاوف بعض السوريين، أكثر من القرار ذاته، هو خروج مجموعة مظاهرات في عدد من المحافظات، رداً على اعتصام باب توما، واستجابة لحملة “حظر أم الخبائث”، التي أطلقها مجموعة من الناشطين دعماً لقرار منع الكحول،  وقد نادت المظاهراتبمجموعة شعارت يغلب عليها الطابع الديني، ومن بينها: “ما بدنا سكرجية”، “حرية إسلامية”، “الشعب يريد إلغاء الخمور”، ” فَليعد للدين مجده ولتُرق منا الدماء” و”الشعب يريد تحكيم شرع الله”.   

 منع المكياج في اللاذقية

تحت ذريعة “تنظيم المظهر الوظيفي” و”الحفاظ على صورة المؤسسة وتعزيز المهنية والانضباط”، أصدر محافظ اللاذقية، في شهر كانون الثاني من هذا العام، قراراً رسمياً يقضي بمنع جميع الموظفات والعاملات من وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي، في جميع مؤسسات ودوائر الدولة وهيئاتها وما يتبع لها من مديريات وشركات، مؤكداً على ضرورة التقيّد والإلتزام بالقرار “تحت طائلة المساءلة القانونية”.   

وقد أثار ذلك القرار، الغريب والمفاجئ، جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، رافقته موجة واسعة من الانتقادات والرفض والسخرية، إذ اعتبره البعض تقييداً لحرية النساء بحجة الأخلاق، ووصايةً ذكورية على أجسادهن، وفرضاً لنهج إيديولوجي متطرف، كما أعرب آخرون عن مخاوفهم من فرض مزيدٍ من القيود على الحريات الشخصية، مع تسلّم مسؤولين، من خلفيات دينية، الكثير من المناصب في البلاد، فيما رأى جزء كبير من المعترضين على القرار، أن وضع المكياج  لا يؤثّر على النزاهة أو الكفاءة المهنية والالتزام الوظيفي، وأن القرار، الذي لا يدخل ضمن صلاحيات المحافظ، قد تجاوز الدور التنظيمي للمؤسسات وتدخل في  خيارات شخصية لا تمسّ طبيعة وجوهر العمل. وقد تساءل البعض: وفق أي مادة قانونية ستحاسب الموظفة التي تضع المكياج، في ظل غياب أي نص قانوني ينصُّ صراحة على منعه؟   

ضوابط ومعايير لارتداء ملابس السباحة

في خطوة غريبة عن المجتمع السوري، أصدرت وزارة السياحة في شهر حزيران من العام الماضي، قراراً يفرض ضوابط صارمة على قواعد اللباس في الشواطئ والمسابح العامة، التي لطالما كانت مُختلطة ومتنوعة وتستقبل جميع الناس على اختلاف ثقافتهم وسلوكهم الاجتماعي. وقد أكد القرار على “الالتزام بارتداء ملابس سباحة مناسبة تراعي الذوق العام ومشاعر مختلف فئات المجتمع”، مع التشديد على “احترام التنوع الثقافي والديني في الجمهورية العربية السورية”. وبموجب القرار، الذي رآه كثيرون تقييداً للحريات ومحاولة لفرض وجهة نظرٍ واحدة: تُلزم النساء بارتداء “البوركيني” أو ملابس سباحة “مُحتشمة”، تغطي الجسم، مع ضرورة ارتداء لباس فضفاض عند التنقل خارج أماكن السباحة، فيما يُلزم الرجال بارتداء قمصان عند الخروج من الماء، ويُمنعون من الظهور مكشوفي الصدر في الأماكن العامة والمطاعم التابعة للمنشآت السياحية. كما أكدت الوزارة، من خلال القرار، على تجنب ارتداء الملابس الشفافة أو الضيقة في الأماكن العامة، خارج الشواطئ والمسابح، والالتزام بملابس واسعة تغطي الكتفين والركبتين.

ونتيجة القرار، الذي لاقى موجة استهجان وانتقادات كبيرة، حُرم كثير من الناس من زيارة الشواطئ التي اعتادوا زيارتها خلال الصيف، بعد أن شعروا أنها أصبحت غريبة عنهم، وأنهم سيكونون مسلوبي الحرية ومقيدي الحركة فيها، كما أضرَّ القرار بكثير من أصحاب الشاليهات ومستثمري الشواطئ، بعد تراجع حجم الإقبال عليها.    

قرارات غريبة عن المجتمع السوري

في شهر شباط الماضي، أصدرت بلدية وادي بردى قراراً، يمنع المطاعم والمنتزهات من استقبال المجموعات السياحية المختلطة، أو التي تقيم حفلات رقص أو أنشطة اندماج بين الجنسين، دون وجود “رادع أخلاقي”، تحت طائلة إغلاق المنشأة وختمها بالشمع الأحمر في حال المخالفة.

وقد تساءل كثيرون عن مدى صلاحية البلدية في اتخاذ قرار كهذا، يُسيء لصورة المجتمع الذي اعتاد أن يتقبل الجميع، ويضرُّ بأصحاب المطاعم والمنتزهات ويحدُّ من الحركة السياحية في المنطقة، التي اعتادت استقبال الغروبات السياحية والرحلات المختلطة والنزهات العائلية، التي كانت تحظى بكثير من الترحاب والاحترام وكرم الضيافة من قبل سكان المنطقة، فيما رأى آخرون أن هذا القرار سيشكل مخاوفاً لدى الناس ويجعلهم يفكرون في كل رحلة أو نزهة مختلطة يقومون بها، إذ يمكن أن يُنظر إليها على أنها مخلّة بالآداب العامة، خاصة أن بلدية وادي بردى قد بررت القرار، بأنه جاء “استناداً إلى أخلاق ديننا الحنيف” وإلى “قواعد الآداب العامة، والحرص على العادات والتقاليد المجتمعية واحترامها”. 

وفي مدينة التل، وتحت ذريعة “صون الخصوصية العامة واحترام العادات والتقاليد المجتمعية”، أصدر مجلس المدينة، في شهر كانون الثاني لهذا العام، قراراً يحظر تواجد أي بائع “ذكر” داخل محلات بيع الألبسة النسائية، ويُلزم أصحاب المحلات بتعيين بائعة للعمل، مؤكداً على أن المحل الذي سيخالف التعليمات سيتم إغلاقه وختمه بالشمع الأحمر.  

وقد اعتبر كثير من المتابعين أن القرار  يعد مخالفاً للقوانين ويتدخّل بالملكية الخاصة لأصحاب المحلات ويضع قيوداً على إدارتهم لأعمالهم، رغم أن وجود الرجال في محلات بيع الألبسة النسائية هو عادة مألوفة في سوريا ولم تشكّل يوماً أية مشكلة أخلاقية تسيء للمجتمع. وقد تساءل بعض الساخرين من القرار إن كان سيسمح لأصحاب المحلات بزيارة محلاتهم، وإن كان سيطال أصحاب محلات المكياج والأحذية النسائية؟

ما ذكر أعلاه، يضعنا أمام سيناريوهات مستقبلية متعددة، تتعلَّق بشكل الحياة المدنية والاجتماعية والثقافية ضمن المجتمع السوري، ويطرح سؤالاً بدأ يتردد في الأحاديث اليومية لكثير من الناس: هل سيتغير الوجه المدني لسوريا مستقبلاً؟

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.

وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.

والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.

خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟

من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.

الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.

نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.

يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.

تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.

وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.

تقارير متناقضة عن الخطف

صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.

لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.

هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.

نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.

بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.

إمساك العصا من المنتصف في رواية كمَنْ ينتعل قبرًا

إمساك العصا من المنتصف في رواية كمَنْ ينتعل قبرًا

تناولت المدونة الأدبية السورية بكافة أنواعها ثيمة الحرب، حتى كادت أن تصبح نموذجًا للانشغال بأدبيات الحروب؛ وهذا لم يكن ليتحقق إلّا بعد خمس عشرة سنة من استمرار المقتلة، جماعيًا وفرديًا، حتى الآن. هذا الانغماس في محاولة كتابة سرد أدبي للمقتلة السورية، يتجذّر في رغبة لا شعورية عند السوري بتدوين شهادته؛ وخاصة إذا كان كاتبًا يرى نفسه معنيًا أكثر من غيره بهذا الأمر. يعود هذا الهاجس، إلى حدّ ما، إلى الحراك في عام 2011 والذي تحوّل إلى ثورة ضد النظام فيما بعد، ومن ثم إلى حرب بين النظام والمعارضة، حيث عمد كتبة التاريخ، من أطراف الصراع كافة، إلى رؤية أحادية تلغي الآخر السوري حسب اصطفافه؛ من موالاة أو معارضة وغير ذلك من تحيزات وتحزّبات وطوائف وأديان، فأصبح قول التجربة الفردية مقاومة ضدّ جميع أنواع الاستلاب. ومن هذا المعطى الواقعي ظهر الأدب المهتم بثيمة الحرب كحدّ وسط بين متطرّفين، وكأنه الفضيلة الأرسطية التي لم تعد تطمح إلى الحلم بإمكانية تغيير المجتمع السوري الذي تقطعت أوصاله بين موتى وأحياء، ومهاجرين ومقيمين، وأكثرية وأقليات تارة سياسية وتارة طائفية وتارة ثالثة إثنية، وإنّما تحاول إنقاذ الفرد مادام المجتمع بشكل كلّي قد أصابه التشظي والانحلال. ولقد تأكد هذا الجحيم المجتمعي على أيام النظام السابق، ومن ثم على أيام النظام الحالي المؤقت، فلم تتوقف المقتلة، لكن الذي كان مؤتلفًا خلال سنين الحرب، قبل وبعد سقوط النظام هو الرؤية الأحادية والإصرار على تنميط الآخر ومن ثم إلغائه، قد استمر، وكأن السوري لم يعد قادرًا على تعريف ذاته إلا بإلغاء سوري آخر. ومن هنا تأتي وسطية الأدب كآخر المحاولات في إمساك العصا السورية من المنتصف.

 تأخذ رواية الشاعرة والصحفية السورية سوزان إبراهيم ” كمَن ينتعل قبرًا والصادرة عن دار ميزر السويدية لعام 2025″  هيئة عود جديد يضاف إلى حزمة العيدان السورية كوصية الأب لأولاده في الموروث الشعبي لعل شيئًا ما يمتنع عن الكسر، فلا يأتي العنوان في روايتها مجرد اشتهاء تسويقي، وإنّما كبوصلة دلالات تذكر القارئ وهو يغذّ السير في محكيها، بأنّه ينتعل قبرًا، ليخفف من وطأة إصدار الأحكام في إشارة لمقول المعري عن أن أديم هذه الأرض من الأجساد، فكيف إذا كان ما ينتعله و يصدّ عنه غلظة الأرض ليس إلا قبرًا. 

الأثافي الثلاثة:

تقارب الرواية حيوات ثلاث إناث كخطوط سردية أساسية، ومن خلالهن تعيد سوزان قراءة الحرب وسنواتها وفق رؤية الفيلسوف والتر بنيامين، الذي يرى أن المدونة الرسمية للتاريخ ليست هي الواقع كما جرى حتى لو تتطابقا. لم تكن عودة جوليا من الموت ستنتج مصالحة حاضرها مع الماضي والمستقبل والدفع بها إلى الامتثال لحكمة الشاعر هوراس”عش يومك”، وإنما الإمعان بالتذكر، ومحاولة إيجاد نافذة للمستقبل على الرغم من أن جميع الجدران قد تهدمت. عندما استيقظت جوليا في المشفى من موت محقق على أثر تعثر صاروخ في بيتها عرفت بأن النهايات قد كتبت، لكن لربما هناك بدايات لم تنهِ بعد سباق الماراثون السوري بالموت. جوليا صحفية تعمل على رصد الحركة الأدبية والفنية في العاصمة وفي أحد المعارض التي أقيمت لاستذكار فاتح المدرس، تلتقي بآرام المصور والدليل السياحي، فينشب بينهما حراك من الحب.

إن اختيار سوزان لعملي كل من جوليا وآرام، كان المقصد منه اطلاعهما على أكثرية الجغرافيا السورية من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب. أما المعنى الكامن في ذلك فهو بأن الرواية تغطي سنوات عديدة من المقتلة السورية من بداياتها حتى سيطرة داعش على الشرق السوري وظهور احتمالات تقسيم سورية، وعليه نرى أن التقسيم يعني بتر الجسد السوري عن بعضه البعض؛ الممثل بكل من جوليا وآرام. لا تختلف فرح عن جوليا، فلقد قادها النزوح السوري الداخلي إلى التعرّف على عدة محافظات كالرقة ودير الزور والحسكة ودمشق، لكن كانت سياحة فرح الجهنمية في زمن الحرب، بينما جوليا كانت في زمن السلم. ومن خلال هذه المفارقة تصبح المقارنة بين ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، سيظهر حجم الفجيعة السورية. ومن مقلب آخر تؤدي شهادة فرح التذكرية إلى الكشف عن تحولات الثورة من كلمة حرية ومقابلها السجن، إلى الرصاصة ومقابلها المدفع، إلى الموت ومقابله الموت، حيث تصبح الحياة لعنة يجب وأدها. وفي تصادي مع سردية فرح يأتي محكي جوليا كنداء محوّر لقصيدة السياب في “أنشودة المطر”: (أصيح: يا سورية، يا واهبَة اللؤلؤ، والمحار، والردى! فيرجعُ الصَّدَى كأنَّـه النشيجْ: يا سورية، يَا وَاهِبَة المَحَارِ وَالرَّدَى … ). لقد غاب اللؤلؤ عن الصدى، فالشروخ الزلزالية في حمص لا يمكن ردمها، والغمامة الصفراء فوق الغوطة ليست أصفر فان غوخ، والأجساد التي دفعت في الأفران في عدرا العمالية ليست أرغفة خبز، وسواد المجزرة الذي ضرب شمال اللاذقية، ليس سواد الليل المليء بالنجوم، وصيحات “الله أكبر” لم تعد إعلانًا للتظاهر وإنّما للقتل.

لا يكتمل مثلث الإناث في رواية سوزان إلا بالضلع الثالث؛ الرسامة ومهندسة الديكور رؤى تلك الشابة التي استطاع رامي بحبه لها أن يضيف لونًا ثامنًا إلى ألوان الطيف، واستطاعت هي بريشة مصنوعة من وريد وشريان رسم الحب، فيتزوجان، مع أنهما من طائفتين مختلفتين سيتم تنميطهما في سردية الحرب السورية فيما بعد، لكن لسان حالهما يقول بلسان ابن عربي: “أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه”، إلى أن جاءت الحرب التي تشبه “مرآة زوزيما” والتي ما إن يقف أمامها الشخص، كما تقص الأسطورة، حتى تخبره بمضمون قلبه. لقد أكلت الحرب من قرابتهما، فتبنّى كل منهما ثأرًا وحزنًا، فألفى ما بينهما من الحب إلى الطلاق والصمت. تشبه نساء سوزان في الرواية الأثافي الثلاثة الذي كان العربي يقيم قدره عليها، وهي أقامت سردها على إناثها الثلاثة، لكن يقال بالمثل: “رماه الله بثالثة الأثافي” أي الموت؛ حيث رقصت نساء سوزان رقصة الحب والفراق، الموت والحياة على إيقاع الحرب السورية. 

الأنوثة والذكورة: 

كثيرًا ما يقال: ماذا لو رويت الحرب من وجهة نظر النساء؟ وهذا ما تلعبه سوزان في روايتها عبر شخصيات إناثها الثلاثة، لكن في المقابل كان هناك ذكور، ليسوا سيئين بالمعنى المباشر، لكن هناك خصاء وجودي يشوبهم. فعلى الرغم من استماتة آرام في حبه لجوليا إلا أنه لم يستطع أن يقنعها بأن تتزوجه بشكل رسمي، مع أنها تعيش معه العلاقة كاملة، ليس لأنها لا تحبه بل لأنها تخاف أن تصبح أمّا في زمن الحرب، وبالتالي الحرب تشوه الذكورة ويصبح دور الأب غير مقنع. وعلى نفس المنوال يتخلى خالد زوج فرح عن واجباته ليتركها تواجه الحرب والفقر والنزوح لوحدها، وكأنه لم يعد يستطيع أن يلعب الدور المفترض أن يلعبه. ويتصادى رامي مع خالد وآرام، فهو الآخر، أخذته التجاذبات السياسية الطائفية إلى أن انتهى حبه لرؤى. قد تكون سوزان مجحفة بحق الذكورة في روايتها، لكن لنتذكر أن المسرحي العظيم اليوناني أريستوفان في إحدى مسرحياته الساخرة من أثينا العقل وإسبارطة العضلات، فقد ذكر بأن النساء قررن عدم ممارسة الحب مع الذكور لإجبارهم على وقف الحرب. إذن، ليس هو تحيزًا جندريًا في الرواية، ففي الحرب يتحول الذكر بشكل روتيني إلى جندي أو معتقل أو مقتول أو قاتل، فيما تبقى الأنثى في الأعم الأغلب تمارس أدوارها الطبيعية من أم وابنة وأخت وزوجة، مع خضوعها للمعاناة المباشرة وغير المباشرة من الحرب من قتل وتشريد وسجن ونزوح وموت. وبالتالي هناك جانب كبير من الحرب يغفل إن لم يعط للأنثى الحق في سرد ذاتها؛ وهذا ما كن يفعلنه إناث سوزان إبراهيم في كمن ينتعل قبرًا.  

أنتيغونيات:   

قد تكون نساء “كمَن ينتعل قبرًا” مثل شخصية “أنتيغون” في مسرحية سوفكليس التي تواجه الملك كريون كي تدفن أخاها في أرض بلده، على الرغم من أن الحاكم اعتبره خائنًا، لكنهن يشبهن في الوقت نفسه نساء مسرحية يوربيدس “نساء طروادة” والتي تصور نساء المدينة وما حل بهن بعد الهزيمة. لقد قدمت تلك المسرحيات نهايات لأبطالها من الإناث، لكن سوزان تترك بطلاتها معلقات، بين ثنائيات القوة والضعف، الخوف والجرأة، الهزيمة والاستسلام. 

رواية “كمن ينتعل قبرًا” كتبت بإحساس عالٍ حيث يذوب الواقع في دواخل الشخصيات، وتفيض كوامن الشخصيات على الواقع. لذلك نستطيع القول بأنّ شخصيات الرواية أمسكن العصا من المنتصف مع أن كل من حولهن كان متطرفًا من السياسة إلى الدين، ومن الحياة إلى الموت، ومن المجتمع ككل إلى الفرد المفرد، ومن الحب إلى اللاحب. ولربما هذا هو دور الأدب في الحروب بقدر ما يكون جريئًا، فهو لا يطلق أحكامًا، وكأنه مسيح آخر يقول: “مَن منكم بلا خطيئة…”.