سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

لا يمكن فهم واقع العلاقات السورية–اللبنانية، ولا ما راكمته من توتر وهيمنة وعداء متبادل، بالانطلاق من دخول قوات نظام الأسد إلى لبنان وحده. فهذا الدخول، على خطورته وما رتّبه من انتهاكات للسيادة اللبنانية، لم يكن بداية الإشكالية بقدر ما كان إحدى نتائجها الأكثر عنفًا. لذلك تعيدنا إشكالية هذا المقال إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه الدولتان، وإلى الكيفية المختلفة التي تكوّن بها كلٌّ من الكيان اللبناني والدولة السورية الحديثة تحت الحكم العثماني، ثم تحت الانتداب الفرنسي.

فقد تشكّل لبنان عند تقاطع بنية اجتماعية قائمة على توازنات طائفية دقيقة وانفتاح مبكر على الغرب، قبل أن يكرّس الانتداب الفرنسي دولة حديثة محكومة، إلى حد بعيد، بمنطق التمثيل الطائفي والارتباط السياسي والثقافي بأوروبا. أما سوريا، فتكوّنت ضمن مسار مختلف تمحور حول دولة مركزية بيروقراطية أخذت تحتكر المجال السياسي وتمتص المجتمع داخل مؤسساتها، ولا سيما بعد الاستقلال وصعود الأنظمة العسكرية، ثم نظام البعث. وقد أنتج هذا الاختلاف دولتين متجاورتين لا تفصل بينهما الجغرافيا بقدر ما تفصل بينهما رؤيتان للدولة والهوية والسيادة وموقع كل بلد داخل الإقليم.

غير أن انفتاح لبنان الثقافي والسياسي على الغرب لم يحل دون التدخل السوري؛ فتدويل الحرب الأهلية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية وفّرا لنظام الأسد غطاءً سياسيًا وشرعيةً ظرفيةً للدخول، قبل أن يتحول هذا التدخل إلى وصاية عسكرية وأمنية طويلة الأمد. فكان أولَ مسمارٍ أساسيٍّ في نعش مشروع بناء الدولة اللبنانية، إذ قوّض قدرتها على احتكار العنف المادي المشروع داخل إقليمها، بالمعنى الذي حدّده ماكس فيبر، كما نازعها احتكار إنتاج المعنى الرسمي والتصنيفات والتمثلات المشروعة للمجتمع والدولة، وفق المعنى الذي حدّده بيار بورديو. وبذلك أصبحت وظائف الدولة موزعة بين مؤسساتها وسلطة خارجية وشبكات سياسية وأمنية محلية مرتبطة بها.

وقد دخلت القوات السورية إلى لبنان بدايةً تحت عنوان وقف الحرب الأهلية، قبل أن يُضفى على وجودها غطاء عربي تحت مسمى “قوات الردع العربية”. غير أن وظيفة الردع تحولت تدريجيًا إلى أداة لإعادة تنظيم المجالين السياسي والأمني اللبنانيين بما يخدم مصالح النظام السوري. وبالمعنى الدقيق، أسست هذه القوات سلطةً ذات منطق كولونيالي؛ سلطة تجاوزت السيطرة على الأرض إلى التدخل في إنتاج القرار السياسي، وتشكيل الحكومات، وإدارة التوازنات الداخلية، وضبط المجال العام، وتحديد الحدود المقبولة للاعتراض.

ومن هنا، يمكن قراءة هذا التدخل بوصفه تعبيراً عن أربعة أبعاد مترابطة في البنية الكولونيالية: السلطة، والعنف والأمن، والاقتصاد، والمعرفة والوجود.

أولًا: كولونيالية السلطة

تمثّل البعد الأول في إخضاع القرار السياسي اللبناني لمركز سلطة خارجي. خلال مرحلة الوصاية السورية، أصبحت القرارات الأساسية المتعلقة بتشكيل الحكومات، وانتخاب رؤساء الجمهورية، وتوزيع المناصب، وإدارة التوازنات بين القوى السياسية، تمرّ بدرجات متفاوتة عبر دمشق وأجهزتها الأمنية. وبذلك أبقى نظام الأسد مؤسسات الدولة اللبنانية وهياكلها الدستورية، مع تفريغ جزء أساسي من استقلاليتها. وهذا النمط من السيطرة أكثر عمقًا من الاحتلال العسكري المباشر، لأنه يحوّل المؤسسات القائمة نفسها إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة.

كما أن جزءًا من النخب اللبنانية أدّى دور الوسيط المحلي الذي تحتاج إليه كل سلطة كولونيالية. فقد استفادت قوى سياسية وأمنية واقتصادية من علاقتها بالنظام السوري، واستخدمت نفوذه لتعزيز مواقعها الداخلية وإقصاء خصومها. لذلك كانت الوصاية منظومة مشتركة جمعت أجهزة النظام السوري بنخب وشبكات لبنانية ساهمت في تثبيت الهيمنة وإضفاء مظهر مؤسساتي عليها.

ثانيًا: كولونيالية العنف والأمن

تمثّل البعد الثاني في السيطرة على أدوات العنف والمراقبة والعقاب. فالدولة، وفق تصور ماكس فيبر، تقوم على احتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليمها. غير أن الوجود العسكري والأمني السوري نازع الدولة اللبنانية هذا الاحتكار، إذ أصبحت أجهزة خارجية تمتلك سلطة الاعتقال والاستجواب والملاحقة والتدخل في عمل الأجهزة المحلية.

وبالتالي، تحوّل الأمن، الذي هو في الأساس وظيفة سيادية، إلى وسيلة لضبط الحياة السياسية وإخضاع المعارضين ورسم الحدود المسموح بها للكلام والتنظيم والاحتجاج. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: دخلت القوات السورية باسم استعادة الأمن، لكنها ساهمت في منع الدولة اللبنانية من استعادة السيادة الكاملة على أمنها.

وقد تجسدت هذه الكولونيالية الأمنية أيضًا في حالات الاعتقال والإخفاء القسري ونقل بعض المعتقلين إلى سوريا، حيث أصبح الجسد اللبناني نفسه خاضعًا لسلطة تتجاوز حدود دولته. فالسيطرة لم تقتصر على الأرض والمؤسسات، بل امتدت إلى الأفراد وقدرتهم على الحركة والتعبير والاعتراض.

ثالثًا: الكولونيالية الاقتصادية

لا تستقر الهيمنة السياسية والأمنية من دون شبكة من المصالح والموارد الاقتصادية. لذلك تمثّل البعد الثالث في نشوء اقتصاد مرتبط بالوصاية، استفادت منه شبكات سياسية وأمنية وتجارية على جانبي الحدود. فقد أصبحت العلاقة بالنظام السوري وممثليه مصدرًا للحصول على الامتيازات والعقود والنفوذ والحماية، فيما ارتبط الوصول إلى بعض الموارد والفرص بالقرب من منظومة السلطة.

وبهذا المعنى، كان الاقتصاد أداةً لإنتاج الولاء؛ فالنخب التي استفادت ماديًا من استمرار الوصاية أصبحت أكثر استعدادًا للدفاع عنها أو لتقديمها باعتبارها ضرورة لحماية الاستقرار. وبذلك ساهم الاقتصاد في تثبيت النظام الكولونيالي وإعادة إنتاجه، لأنه جعل استمرار الهيمنة مصلحةً لفئات محلية لم تكن مستعدة للتخلي عن الامتيازات التي وفّرتها لها.

رابعًا: كولونيالية المعرفة والوجود

كان البعد الأكثر عمقًا هو السيطرة على اللغة التي تُفهم من خلالها العلاقة بين البلدين، إذ تندرج هذه السيطرة ضمن العنف الرمزي الذي يُمارَس عبر فرض المعاني والتسميات والتصورات. تكمن فاعلية العنف الرمزي، وفق بيار بورديو، في أنه يحجب علاقات القوة التي يقوم عليها، ويحوّلها إلى معانٍ تبدو بديهية أو مقبولة. فقد أحاط نظام الأسد وجوده في لبنان بخطاب “الأخوّة” و”وحدة المسار والمصير” و”الشعب الواحد في دولتين”. وقد حوّلت هذه العبارات علاقة غير متكافئة بين دولتين إلى علاقة تبدو طبيعية وتاريخية، يكون فيها النظام السوري بمنزلة “الأخ الأكبر” الذي يملك حق التدخل والتوجيه، بينما يظهر لبنان كدولة ناقصة السيادة وغير قادرة على إدارة شؤونها بمفردها.

وتتمثل كولونيالية المعرفة في قدرة القوة المهيمنة على فرض تسميتها للواقع. فالوجود العسكري أصبح “ردعًا”، والتدخل في القرار السياسي أصبح “تنسيقًا”، والوصاية أصبحت “علاقات مميزة”، وأمكن تصوير الاعتراض عليها بوصفه عداءً لسوريا أو خروجًا على العروبة.

أما كولونيالية الوجود، فتظهر في الطريقة التي أعادت بها هذه المرحلة تشكيل صورة اللبناني عن سوريا وصورة السوري عن لبنان. وقد ظهر أثر هذا الخلط بصورة أشد بعد عام 2005، ثم بعد لجوء أعداد كبيرة من السوريين إلى لبنان. فبدل أن تُحصر المسؤولية في النظام السوري والمتعاونين معه، أصبح العامل أو اللاجئ السوري يحمل رمزيًا مسؤولية مرحلة لم يكن هو صانعها، وقد يكون هو نفسه من ضحايا النظام. وهكذا استمر الأثر الكولونيالي بعد انسحاب القوات، ولكن في صورة عداء اجتماعي وتمييز جماعي يستهدف الطرف الأضعف.

غير أن سقوط النظام الذي أسّس لهذه البنية من الهيمنة في لبنان لا يعني بالضرورة سقوط ما أنتجه أو اجتثاث آثاره. فالأنظمة قد تنهار في مراكزها، بينما تستمر المؤسسات والعلاقات والتصورات التي صنعتها في العمل بعد زوالها. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع سقوط نظام الأسد بوصفه خاتمة تلقائية للكولونيالية التي كرّسها داخل المجال اللبناني؛ إذ لم ترافق هذا السقوط عدالة بنيوية تعيد تنظيم المؤسسات، وتكشف شبكات المسؤولية والمصلحة، وتفكك الثقافة الأمنية والسياسية التي تشكّلت خلال عقود الوصاية.

فلا تزال الدولة اللبنانية عاجزة عن استعادة احتكارها الكامل للعنف والقرار السياسي وإنتاج الرواية الوطنية المشتركة. كما أن السلطة القائمة، في بنيتها الراهنة، لا تبدو قادرة على جمع النسيج المجتمعي الذي شتّته الانقسام حول هوية لبنان وموقعه الإقليمي، ولا سيما بعد أن تحوّل “الاتجاه نحو الشرق” من خيار في السياسة الخارجية إلى محور انقسام داخلي أعاد تعريف الولاءات والخصومات وحدود الانتماء إلى الدولة. وبدلًا من أن تكون الدولة المساحة التي تنتظم داخلها التعددية اللبنانية، أصبحت هي نفسها موضوعًا للتنازع بين مشاريع إقليمية متعارضة.

وتزداد المفارقة وضوحًا عند مقارنة الوضع اللبناني بموقع السلطة الانتقالية الجديدة في سوريا. فعلى الرغم من هشاشتها الداخلية والإشكاليات المرتبطة ببنيتها وشرعيتها وقدرتها على إدارة التعدد السوري، حظيت هذه السلطة بدرجة من الانفتاح والقبول لدى قوى غربية رأت فيها شريكًا محتملًا في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. وقد بلغ هذا التصور حدّ اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تتولى سوريا التعامل مع حزب الله في لبنان. تكمن خطورة هذا الطرح في المنطق السياسي الذي يحمله. فهو يعيد إنتاج التصور نفسه الذي شرعن التدخل السوري سنة 1976: لبنان عاجز عن معالجة أزمته الداخلية، ولذلك يحتاج إلى قوة خارجية تعيد ضبط توازناته. ومرة أخرى، يُنظر إلى الدولة كساحة يمكن لقوة مجاورة أن تؤدي داخلها وظيفة أمنية بتفويض أو غطاء دولي.

وبذلك يصبح سقوط نظام الأسد لحظةً مزدوجة الدلالة: فهو أنهى مركز السلطة الذي قاد الوصاية التاريخية على لبنان، لكنه لم ينهِ الاستعداد الإقليمي والدولي لإعادة إنتاج الوظيفة السورية داخله. وقد يتغير اسم النظام وطبيعة السلطة في دمشق، من دون أن يتغير التصور الخارجي الذي يرى في سوريا أداةً لضبط لبنان كلما عجزت مؤسساته عن القيام بذلك.

تطرح مواقف السلطة السورية الجديدة مفارقةً تاريخية في مسار العلاقات السورية–اللبنانية. فقد رفضت دمشق المقترح الأميركي الذي دعاها إلى تولّي مواجهة حزب الله داخل لبنان، ونفت رغبتها في أداء أي دور عسكري أو أمني خارج حدودها، مؤكدةً أن مساهمتها الممكنة ينبغي أن تمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، من خلال دعم الحوار والاستقرار وتطوير القنوات السياسية والاقتصادية بين البلدين. ويعبّر هذا الموقف، من حيث المبدأ، عن محاولة للقطع مع الوظيفة التي أسسها نظام الأسد لسوريا في لبنان، بوصفها قوةً تتولى معالجة أزماته الداخلية بدلًا من مؤسساته الشرعية.

غير أن هذا الرفض يعيد إلى الأذهان فرصةً تاريخية أضاعها نظام الأسد قبيل خروجه من لبنان. فقد رفضت دمشق آنذاك برنامجًا للحل الوسط طرحه رفيق الحريري، وكان من شأنه أن يسمح لها بالاحتفاظ بنفوذ سياسي واقتصادي، وربما بحضور عسكري محدود في البقاع، في مقابل تحرير الحياة السياسية اللبنانية الداخلية من التدخلات الأمنية السورية. لكن إصرار النظام على الاحتفاظ بالوصاية كاملةً أدى، بعد اغتيال الحريري واتساع المعارضة الشعبية والدولية، إلى خروجه من لبنان تحت الضغط، ومن دون امتلاك فرصة جدية للتفاوض على شكل العلاقة في مرحلة ما بعد الوصاية.

وبهذا المعنى، قد يكون رفض دمشق التدخل ضد حزب الله اختبارًا لقدرة السلطة الجديدة على إعادة تعريف المصلحة السورية في لبنان. فمصلحة سوريا، وفق هذا التصور، تتحقق عبر وجود دولة لبنانية مستقرة تستطيع ضبط حدودها ومؤسساتها وإقامة علاقة متوازنة مع جارتها. غير أن نجاح هذا التحول يبقى مشروطًا بألّا يُستبدل النفوذ العسكري القديم بنفوذ غير رسمي يعيد إنتاج العلاقات نفسها بأدوات جديدة، بما قد يقود إلى كولونيالية معكوسة تمنح القوى التي سُحقت في عهد الأسد سلطةً تستخدمها لإقصاء من سبق أن سحقها، فتتبدل مواقع الفاعلين من دون أن يتغير منطق الهيمنة نفسه.

ومن هنا يمكن التساؤل: هل نكون اليوم أمام عودة متأخرة إلى جوهر ذلك الحل الذي رفضه الأسد، ولكن بصيغة مختلفة تتلاءم مع الواقع الجديد، فتقبل به الحكومة السورية الحالية مقابل الحصول على شرعية دولية أكثر رسوخًا واستدامة؟

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

في غرفةٍ تشحّ فيها الكهرباء ويغيب عنها الدواء، تروي هبة ناصر، البالغة من العمر سبعةً وعشرين عاماً، كيف تحوّل المشفى المتخصّص بعلاج السرطان في دمشق إلى ما يشبه المقبرة، على حدّ وصفها لبي بي سي عربي في مايو/أيار 2026. تكلّفها جرعات العلاج الكيميائي الشهرية نحو ستمئة دولار، أي ما يفوق دخلها ستّ مرّات، بعدما كانت تُصرف مجاناً قبل عامٍ ونيّف. وحكاية هبة، بما رافقها من حشراتٍ وقوارض وأسرّةٍ ملطّخة، ليست استثناءً عابراً؛ إنّها صورة مكثّفة لقطاعٍ يحاول النهوض من تحت ركام حربٍ طويلة.

لم يكن المشهد كذلك دائماً. فقد دخلت سوريا الحرب بلداً متوسّط الدخل بمؤشّراتٍ صحّية معقولة، قبل أن ينهار كلّ شيء؛ إذ تراجع متوسّط العمر المتوقّع من سبعين عاماً عام 2010 إلى خمسةٍ وخمسين عاماً عام 2015، وغادر البلاد أكثر من نصف أطبّائها الثلاثين ألفاً، وفقاً لمعهد بروكينغز. واليوم، تقدّر وزارة الصحّة أنّ نحو ثلاثين بالمئة من المستشفيات قد دُمّر، في بلدٍ لا يملك سوى خمسمئةٍ وستّة عشر مستشفى، منها مئةٌ وثمانية عشر مستشفى حكومياً فقط. وتكشف تقييمات البنية المتضرّرة لعام 2026 عمق الجرح؛ ففي حمص وحدها، تضرّر أكثر من نصف المستشفيات بين عطبٍ بليغٍ وتدميرٍ كامل. ويُضاف إلى ذلك حصيلة الألغام التي أزهقت سبعمئةٍ وخمساً وعشرين روحاً منذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتراجع التحصين ضدّ الحصبة من سبعةٍ وثمانين بالمئة إلى أربعةٍ وستّين بالمئة.

غير أنّ الجرح الأعمق ماليٌّ في جوهره. ففي بلدٍ يحتاج فيه نحو 12.8 مليون نسمة إلى رعايةٍ صحّية، لم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 سوى 3.7 بالمئة من أصل 3.19 مليار دولار مطلوبة، ولم يصل إلى شركاء القطاع الصحّي منها إلا ثمانية عشر مليون دولار. وفي حياة الناس، يشكّل العجز عن الدفع جداراً أول؛ إذ يضع مسح منظّمة ريتش في مايو/أيار 2026 الصحّة بين الحاجات الثلاث الأولى لدى نصف المجتمعات المشمولة، فيما تشكو ثمانٍ وسبعون بالمئة منها صعوبة الوصول إلى الخدمة، تتقدّمها كلفة العلاج الباهظة ثم غياب الدواء. ومن هنا تتّضح المفارقة القاسية: راتب الطبيب الحكومي بعد التعديل يدور حول ستّمئة دولارٍ شهرياً، وهو نفسه ثمن شهرٍ واحدٍ من علاج هبة.

في هذا المناخ، طفا نقاشٌ حسّاس حين تحدّث مسؤولون عن شراكةٍ مع القطاع الخاصّ في إدارة المستشفيات الحكوميّة، قبل أن يصدر نفيٌ رسميّ يؤكّد أنّ الصحّة ليست للبيع. والسؤال المطروح بقوّة هنا: كيف تُصان الصفة العامّة لنظامٍ نجا من الحرب، من دون أن يتحوّل المريض إلى مصدر دخل؟ تحذّر التجارب الدولية من خصخصةٍ ترفع الكلفة وتكرّس الفوارق الطبقيّة، في حين يبقى الإنفاق الحكومي محدوداً؛ إذ لم تخصّص موازنة عام 2024 للوزارة سوى ما يعادل مئةٍ وثلاثةٍ وستّين مليون دولار. أمّا وعد وزير الماليّة بمضاعفة الإنفاق على الصحّة والتعليم والرعاية ثلاث مرّات في عام 2026، فيبقى معلّقاً إلى أن تتأكّد أرقامه.

على أنّ الصورة لا تخلو من بصيص أمل. فعام 2025 كان أوّل عامٍ تستعيد فيه وزارة الصحّة قيادتها الكاملة للقطاع، بالتنسيق مع أكثر من مئة منظّمة عاملة، حتى قُدّمت نحو عشرين مليون استشارةٍ خارجيّة، ونحو عشرين مليون جرعة علاج. وأطلقت الوزارة الاستراتيجية الصحّية الوطنية للفترة 2026–2028، ودشّنت بوّابة الصحّة الرقميّة في خمسة مشافٍ، مع نيّة التوسّع، وعقدت ورشةً للمشاركة المجتمعيّة بالتعاون مع منظّمة الصحّة العالميّة والاتحاد الأوروبي. وفي موازاة ذلك، وقّعت مع بنك التنمية الألماني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مذكرةً لتأهيل خمسة مستشفيات وخمسةٍ وعشرين مركزاً صحّياً، يستفيد منها نحو 895 ألف مريض. كذلك، أُقرّت زيادةٌ بنسبة خمسين بالمئة على الأجور بموجب المرسوم 67، ورفعٌ إضافي موجّه للأطبّاء والممرّضين بموجب المرسوم 68. وتبرز الصناعة الدوائيّة المحليّة، التي يحميها قرار التسجيل والاستيراد رقم 4 لعام 2026، بوصفها ورقةً استراتيجيةً راهن عليها الوزير من جنيف حين تحدّث عن الانتقال من الطوارئ إلى التعافي المستدام.

ومن خلف هذه الخطوات، تتلمّس الحلول طريقها في خيطٍ واحد؛ فالمطلوب استبدال التمويل المتقطّع بشراكاتٍ مستدامة، وصون الطابع العامّ للنظام من خصخصةٍ تتسلّل عبر الأبواب الخلفيّة، وإتمام التحوّل الرقمي، وردم فجوة الكوادر عبر أجرٍ عادل، وتوزيعٍ متوازن بين المحافظات، وتدريب عشرة آلاف عاملٍ صحّي. ويظلّ الدواء المحلي وإتاحته في صلب هذه الأولويات، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسّسة عبر الوقاية والمشاركة المجتمعيّة.

تبقى المحصّلة معلّقةً على سؤالٍ أخلاقيّ قبل أن تكون إداريّة: هل يعود المشفى العامّ مكاناً للرعاية، أم يستقرّ متجراً تُقسَّم أرباحه؟ في غرفة هبة ناصر، حيث تُضيء الهواتف ما عجزت الكهرباء عن إنارته، يتّضح أنّ امتحان التعافي المستدام لا يُقاس بعدد المشافي المرمّمة وحدها، بل بأن يبقى الدواء حقاً لا امتيازاً، وأن يظلّ المستشفى رمزاً لتكافل المجتمع، لا مقبرةً للفقراء.

المصادر

بي بي سي عربي، شهادة هبة ناصر، مايو/أيار 2026.
خطة الاستجابة الإنسانية ونشرة القطاع الصحي، OCHA/WHO، مارس/آذار 2026.
مسح رصد الوضع الإنساني، منظّمة ريتش، مايو/أيار 2026.
بروكينغز، الحرب على النظام الصحي السوري.
وكالة سانا: بوابة الصحة الرقمية، ورشة المشاركة المجتمعية، وتصريحات وزير الصحة من جنيف.

الهوية التي تُفَصَّل لسوريا تفتح الطريق للمزيد من سفك الدماء

الهوية التي تُفَصَّل لسوريا تفتح الطريق للمزيد من سفك الدماء

تُبنى الأُمَمُ على أساسِ تعميقِ الهويّة، فتنفتحُ على الجذور، وتوسّعها وتشملُ كلَّ المكوّنات على جغرافيّتها، ومن ثمّ الاحتفاء بها. تضعُ الشعوبُ هويّتَها على صدرِها كوسامِ استحقاق؛ إنّها إرثُ الأجداد، والعتبةُ التي ستنطلقُ منها نحو المستقبل، لكن في المقابل، الهوية الحقيقيّةُ، ليست إرثًا مقدّسًا لا يمكن المساس به. فهي تعيدُ خلقَ نفسِها باستمرار على أساسِ الحوار. الحوارُ مع الماضي يهدفُ إلى الهدمِ كما إلى البناء: هدمِ الميّت والبناءِ على ما هو حيّ. كما أنّ هذا الحوار لا يمكن أن يتمّ بمعزلٍ عن الآخر؛ لا بدّ من الحوار، والانفتاح على هويّاتٍ مختلفةٍ، كي نفهمَ ونعيدَ خلقَ أنفسِنا.

أمّا تشويهُ هويّةِ شعبٍ ما، فقد يكون تمهيدًا لاستعمارِه، ثقافيًّا أوعسكريًّا. الاستعمارُ الثقافي قد يكون أشدّ خطرًا من الاستعمار القائم على الوجود العسكري، فلمَ على المستعِمرِ أن يرسلَ جيوشَهُ، طالما أنّهُ قادرٌ على خلقِ شعبٍ خاضعٍ باستخدامِ وسائلَ ناعمة؟ يتمّ هذا التشويه عن طريقِ تجريدِ الشعوبِ من جذورِها، فتفقدُ معنى الحاضر كما تفقدُ بوصلةَ المستقبل. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ يتمّ تجريدها من كرامتِها، وصولًا ربّما إلى تجويعِها، كي تتحوّل إلى قطعانٍ تائهةٍ تسهلُ قيادتُها إلى الحقدِ والحروب.

و إذا كان الفنّ أداةَ وعي، فهو بالتالي إحدى أدواتِ بناء وصناعة الهويّة. يحملُ الفنُّ الأصيل الماضي على ظهرِه، ويُبدعُ المستقبل. من خلالِه نستطيعُ أن نقرأَ ذاتَنا الممتدّةَ عبر الزمن، كما من خلالِه نوسّعُ الرؤيا كي نتحرّر. في الحقيقة، العلاقةُ بين هويّةِ شعبٍ ما وفنونِه هي علاقةٌ جدليّة؛ متى فقدها فقدَ ذاتَه.

 تفقدُ الشعوبُ ذاتَها عندما تتحجّرُ في الماضي، فتتحوّل فنونُها إلى تكرارٍ فاقدٍ للحيويّة، كما تفقدُ ذاتَها عندما تصبحُ تابعةً لغيرها، فتكفُّ فنونُها عن البحثِ، وتوليدِ، وتجديدِ الهويّة، لتُعيدَ إنتاجَ الآخر واستنساخَه. لستُ أبالغ إن قلتُ: إنّ إخصاءَ الشعوب يتطلّبُ إخصاءَ فنونِها، والعكسُ صحيح. هذا الإخصاءُ هو فعلٌ خارجي، كما هو فعلٌ داخلي؛ فقد يسيرُ شعبٌ إلى الجهلِ والتبعيّة بكاملِ إرادتِه، أو يُساقُ إلى هذا المستنقع عبر قوى خارجيّة.

يقدّم الطبيبُ الفرنسيّ وعالمُ الاجتماع والمتخصّصُ في الأنثروبولوجيا، غوستاف لوبون، مجموعةً من المؤلّفات، ربّما أهمّها “سيكولوجية الجماهير”. يسلّط لوبون الضوء على علم نفس الجماهير، هذا العلم الذي يُعتبَر سلاحًا ذا حدّين؛ فهو من ناحية قد يزيدُ مساحةَ الوعي لدى الفرد ويمنعُه من الانخراط في فوضى ولامعقوليّة الجماعة، ومن ناحيةٍ أخرى يُلهمُ الدكتاتوريّات والفاشيّات والمتحكّمينَ بالشعوب، إذ يقدّم لهم أساليبَ وألاعيبَ السيطرة على الجموع. ربّما وسائلُ التواصل الاجتماعي، وما وفّرته من منصّاتٍ تستطيعُ أن تصلَ إلى عقلِ المستخدم كلمةً وصوتًا وصورةً، هي الأداةُ الأشدّ تأثيرًا والأقدرُ على تسخير علم نفس الجماهير من أجل تَسييسِ وتَسييرِ الشعوب.

ألا يتّضحُ يومًا بعد يوم أنّ مفهوم العولمة يحمل بين طيّاتِه مشروعَ هيمنة؟ حيث تفقدُ السياساتُ المحليّة تأثيرَها وسلطتَها، مقابل السياسات العالميّة وما يطبخُه لنا “رعاةُ”، أو بالأحرى طغاةُ العالم. ربّما يقومُ مشروعُ الدولة على صناعة وبناء هويّةٍ وطنيّة، أمّا مشروع الهيمنة على العالم فيقتضي نزعَ مفهوم الهويّة من جذورِه، والقضاءَ على الفكر الوطني في سبيل فكرٍ عولمي، سيحوّل الجماهير إلى قطعانٍ مستهلِكةٍ، تائهةٍ، وحكّامُهم إلى مهرّجين.

يستخفّ لوبون بعقلِ الجماهير، وليس بقوّتِها؛ إذ يعتبرُها غوغائيّةً، ماضويّةً، غيرَ واقعيّة، تحرّكُها الغرائزُ البدائيّة. تثورُ وتغضبُ وتدمّر، لكنّها في النهاية تعودُ لتركنَ إلى الماضي. الجماهيرُ برأيه محافظةٌ، لا بل رجعيّة، على الرغمِ ممّا يبدو عليها من ثورة.

أمّا الفنونُ والآداب، وعلى اعتبارِها تنطلقُ من موهبةٍ وتجربةٍ ذاتيّةٍ جوهرُها الوعي، فقد تكون أدواتِ مقاومة، كما قد تكون بوصلةً توجّهُ الجماهيرَ الغاضبة، وتهذّبُها، وتحدُّ من غوغائيّتِها. نستطيعُ أن نقول: إنّ الفنَّ هو عدوُّ الطغاة والمستبدّين في العالم، أمّا الغوغاءُ فقد تكون أداتَهم. هل يجب بالتالي إخصاءُ الفنون والآداب كي تتحوّل إلى خادمٍ هي الأخرى؟ أعتقد أنّه مشروعٌ محلّيّ أخذه على عاتقه طغاةُ الداخل، كما أنّه مشروعٌ عالميّ، عولمي، يهدفُ إلى تحييدِ الفنون والآداب، على اعتبارها قد تكون بقعةَ ضوءٍ أو وعي، تشوّشُ على مشروع الهيمنة.

عندما نقول إخصاءَ الفنون والآداب، فهذا يعني تسطيحَها، وإفراغَها من الثيمةِ الأهمّ في الصيرورة الإبداعيّة، ألا وهي الثقافة التي تؤدّي إلى بناء الفكر الحرّ. لا بدّ للفنّان أو الكاتب أن يكون صاحبَ فكرٍ حرٍّ، كي تتحوّل موهبتُه إلى أداة وعي، وبالتالي تحرّر. أمّا إفراغُ الفن من الفكر، فسوف يؤدّي إلى تحوّل الفنانين إلى ببّغاوات يؤدّون الدور الذي يُطلب منهم، بعيدًا عن الصيرورة التي تؤدّي إلى بناءِ الهويّة. بحسبِ إدوارد سعيد، فإنّ المثقّف هو من يتمتّع بموهبةٍ خاصّة تمكّنه من حمل رسالةٍ ما، أو تمثيل وجهة نظرٍ ما، أو موقفٍ ما، أو فلسفةٍ ما، أو رأيٍ ما، وتجسيد ذلك والإفصاح عنه لمجتمعٍ ما.

فيما يخصّ بناء الهويّة السورية مثلاً، يتم منذُ السقوط تم تداول مصطلح “سوريا الجديدة”، كإشارة إلى مرحلةٍ من المفترض أن تكون أكثر عدالةً وحرّيّة لكلّ السوريين. المصطلح يحمل بين طيّاتِه مشروعَ بناء هويّة جديدة، تقوم على قطيعةٍ مع الماضي على اعتباره صنيعةَ النظام البائد. هناك تخبّطٌ واضح فيما يخصّ سؤال الهويّة السوريّة، وهو ما يُربك الواقع السوريّ اليوم ويقسّمه، كما أنّه يمهّد الأرضَ من أجل مزيدٍ من العنف والدم. ربما من حقّ وواجب الشعوب بعد الصراعات الطويلة، والحروب الأهليّة أن تعيد النظر في ذاتِها، وأن تعيد بناء هويّتِها، لكن في الحقيقة، مفهوم الهويّة يقوم على إعادة فهم التاريخ والانطلاق منه من أجل خلق حاضر جديد. ربّما الأفضل أن نقول “سوريا المُتجدّدة”، فعندما نتحدّث عن سوريا، إنّما نتحدّث عن حضارة ممتدّة لآلاف السنين، لا يمكن اختصارها بعائلة حكمت فترةً من الزمن، كما لا يمكن إلباسها هويّة مفصّلة على مقاس مصالح القوى المسيطرة على المشهد.

أمّا الثقافة التي من المُفترض أن تكون أداتَنا في هذه المرحلة الحَرِجة، ألم تدخل، ومنذ اندلاع الثورة، الصراعَ هي الأخرى؟  من خلالِ حملات التَخوينٍ وبالتالي الإقصاء، التي يقودُها غالبًا المثقّفون ضدّ بعضهم البعض، وتشعلُ نيرانَها الجماهيرُ الغاضبة، تقوم هذه الحملات تحت شعاراتٍ أخلاقيّة، لكنّها في العمق جزءٌ من الخراب المُمنهج الذي غزا البلاد؛ هنا يتمّ قتل الثقافة عن طريق تخوينِها، ومن ثمّ تسليمها إلى الغوغاء كي يقطّعونها إربًا إربا.

سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

لا تبدو سوريا اليوم كبلدٍ يتجه نحو الاستقرار بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً لا تشبه البلدان المنهارة التي فقدت كلّ أشكال الحياة العامة. هي تقف في منطقة رمادية شديدة التعقيد، تتجاور فيها محاولات إعادة بناء الدولة مع تصاعد الشكوك حول قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية: إنتاج الشعور بالأمان.

خلال الأشهر الأخيرة، بدا وكأنّ السوريين يتابعون سلسلة لا تنتهي من الوقائع المتناثرة: حوادث أمنية، جرائم قتل وخطف، توترات محلية، حملات مقاطعة، سجالات طائفية، وخطابات متبادلة يغلب الخوف عليها أكثر مما يغلب النقاش. لكن قراءة هذه الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة قد تحجب عنا ظاهرة أعمق آخذة في التشكل داخل المجتمع السوري؛ ظاهرة لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض، بل بكيفية فهم الناس لما يحدث، وكيف يعيدون بناء علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

لقد اعتاد السوريون لعقود طويلة على شكلٍ محدد من الخوف. كان الخوف مركزياً، تصنعه الدولة وتديره وتحتكره. لم يكن المواطن مضطراً إلى تفسير مصادر التهديد بنفسه، لأنّ الدولة، بكل ما لها وما عليها، كانت تحتكر تعريف الخطر وتحديد مصادره ووسائل التعامل معه. أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً. فلم يعد الخوف مركزياً، إنما موزعاً على المجتمع نفسه. لم تعد هناك رواية واحدة للتهديد، إنما عشرات الروايات المتنافسة. ولم يعد السوريون يعيشون داخل خوف واحد، بل داخل مجموعة من المخاوف المتجاورة التي تنتجها الجماعات والأفراد ووسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أسرع بكثير مما تنتجه الوقائع نفسها. لهذا يمكن القول إنّ سوريا تدخل تدريجياً مرحلة جديدة يمكن تسميتها بخصخصة الخوف.

لا يعني ذلك أنّ الدولة اختفت أو أنّ المؤسسات لم تعد موجودة، بل يعني أنّ الخوف لم يعد ينتظر تفسيراً رسمياً كي يتشكل. بات كل فرد أو جماعة أو بيئة اجتماعية تنتج تفسيرها الخاص للمخاطر المحيطة بها، وتبني على أساسه مواقفها السياسية والاجتماعية. وهنا لا يصبح الخوف مجرد شعور عابر، إنما يتحول إلى إطار كامل لفهم الواقع.

من يحتكر الخوف إذاً؟

في العلوم السياسية، تحتكر الدولة الحديثة حق استخدام القوة، لكنها تحتكر أيضاً وظيفة أكثر أهمية: إنتاج الشعور العام بالأمان. حين يثق المواطن بأنّ القانون سيحميه، لا يعود مضطراً للبحث عن حماية بديلة. وحين يثق بأنّ العدالة ستأخذ مجراها، لا يشعر بالحاجة إلى الاحتماء بالطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الجماعة السياسية. لكن حين تتراجع هذه الثقة، يبدأ المجتمع بإنتاج منظوماته الأمنية الخاصة. وهنا لا يعود الخوف شعوراً فردياً، بل يتحول إلى هوية سياسية.

العلوي لا يخاف من حادثة محددة بقدر ما يخشى فكرة الانتقام الجماعي. والسني لا يخاف من شخص بعينه بقدر ما يخشى عودة أشكال جديدة من الاستبداد. والمسيحي يخشى التهميش وفقدان الحضور. والدرزي يخاف من فرض إرادات خارج بيئته المحلية. والكردي يخاف من الإقصاء السياسي أو الثقافي. وحتى المواطن الذي لا ينتمي إلى أيّ خطاب سياسي واضح بات يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الخصوم السياسيين.

هذه المخاوف ليست أوهاماً بالضرورة، كما أنها ليست حقائق مطلقة. لكنها أصبحت العدسة التي يقرأ السوريون من خلالها كلّ حدث يقع أمامهم. وهذا ما يجعل أيّ حادثة فردية قابلة للتحول إلى دليل على صحة الخوف المسبق. فالعقل الخائف لا يتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها إشارات تؤكد ما كان يعتقده أصلاً. وهنا تنتقل السياسة من إدارة الوقائع إلى إدارة المخاوف. والأخطر أنّ الخوف لم يعد مجرد شعور اجتماعي، بل أصبح مادة متداولة في المجال العام. على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض المنابر السياسية والإعلامية، نشأ ما يشبه “سوق المخاوف”. كل طرف يعرض بضاعته الخاصة من الهواجس والتهديدات، وكل حادثة جديدة تتحول إلى فرصة لإثبات أن الخطر الذي حذر منه كان حقيقياً. وبدلاً من أن تتنافس القوى المختلفة على إنتاج الثقة، بات كثير منها يتنافس على إدارة القلق وتوجيهه واستثماره.

حين تصبح المخاوف أقوى من الوقائع

هنا تبرز أهمية الفيلسوف كارل بوبر ومبدأ “القابلية للتكذيب”. كان بوبر يرى أنّ الفكرة الجيدة ليست تلك التي تستطيع تفسير كل شيء، بل تلك التي يمكن اختبارها وإثبات خطئها إذا تعارضت مع الواقع. أما الفكرة التي تفسر كل شيء فهي في الحقيقة لا تفسر شيئاً، لأنها تحوّل نفسها إلى عقيدة مغلقة لا تسمح بمراجعة ذاتها.

هذه الفكرة تبدو لي شديدة الصلة بما يجري في سوريا اليوم. فكثير من السوريين باتوا يمتلكون فرضيات جاهزة عن المستقبل وعن الآخرين وعن المجتمع نفسه. إذا وقعت جريمة، اعتبرها البعض دليلاً على انهيار الدولة. وإذا حدث توتر محلي، اعتبره آخرون دليلاً على اقتراب حرب أهلية. وإذا وقع اعتداء على فرد من جماعة معينة، تحول فوراً إلى إثبات لصحة مخاوف جماعته بأكملها. لكن السؤال الذي يغيب غالباً هو: ما الذي يمكن أن يدحض هذه الفرضيات؟ وما الحدث الذي قد يدفع أصحابها إلى إعادة النظر فيها؟

إذا كانت كل حادثة تؤكد القناعة المسبقة، وإذا كانت كل واقعة جديدة تُفسَّر ضمن الرواية نفسها، فإننا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام منظومة مغلقة من المخاوف. وعند هذه النقطة يصبح الخوف أشبه بعدسة معتمة. فهو لا يساعد على فهم الواقع، بل يعيد تشكيله وفقاً لما نخشاه. وتصبح الأخبار والأحداث والوقائع مجرد مواد خام تُستخدم لتغذية السردية القائمة مسبقاً. هنا تحديداً تكمن خطورة خصخصة الخوف، لأنها لا تجعل الناس خائفين فقط، بل تجعلهم أسرى تفسيرات لا تقبل المراجعة.

من الخوف إلى إعادة تشكيل المجتمع

التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة. ففي لبنان، لم يبدأ التفكك الحقيقي عندما اختلف اللبنانيون حول السياسة، بل عندما فقدت الدولة قدرتها على لعب دور المرجع الأمني المشترك. وعندما انتقلت الثقة من المؤسسات إلى الجماعات، تحوّلت المخاوف المتبادلة إلى حقائق سياسية قائمة بذاتها. لم يعد الناس يسألون ما إذا كان الخطر حقيقياً أم لا، بل أصبحوا يتصرفون انطلاقاً من افتراض أنه موجود سلفاً.

المشهد العراقي بعد عام 2003 سار في اتجاه مشابه. فالأزمة لم تكن في التنوع الاجتماعي أو المذهبي بحد ذاته، بل في اقتناع قطاعات واسعة من المجتمع بأنّ الجماعة باتت أكثر قدرة على توفير الحماية من الدولة نفسها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القناعة إلى واقع سياسي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع معاً.

التحول الأخطر لا يحدث عندما يزداد الخوف، بل عندما يصبح الخوف منظماً. عندما يبدأ الناس بتشكيل خياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساسه. وعندما تتحول الطائفة أو المنطقة أو الجماعة إلى بديل نفسي عن الدولة. من هذه الزاوية، لا تبدو القضية السورية اليوم أزمة تعايش بين المكونات بقدر ما تبدو أزمة ثقة في الجهة التي يفترض أن تدير هذا التعايش. فالخوف لا يملأ الفراغ وحده، بل يملأ الفراغ الذي تتركه الثقة حين تغادر.

الحلقة المغلقة للخوف

تكمن المفارقة في أنّ معظم السوريين، وعلى اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يعتقدون أنهم يتصرفون بدافع الحذر. وهذا أمر مفهوم في مجتمع خرج من حرب طويلة وموجعة. لكن المجتمعات لا تتشكل فقط بما يخشاه أفرادها، بل أيضاً بالطريقة التي يتصرفون بها نتيجة هذا الخوف. فالخوف من الآخر قد يدفع إلى الانكفاء عنه. والانكفاء يولد مزيداً من الجهل المتبادل. والجهل ينتج مخاوف جديدة. ثم تعود هذه المخاوف لتبرر مزيداً من الانكفاء والعزلة. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مغلقة يصبح فيها الخوف منتجاً للخوف، لا مجرد استجابة له.

في هذه الحالة لا يعود الخطر الحقيقي هو الحادثة نفسها، بل الأثر التراكمي الذي تتركه في الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تُبنى فقط عبر المؤسسات والقوانين، بل عبر الثقة اليومية التي تسمح للناس بالعيش معاً رغم اختلافاتهم. وحين تتآكل هذه الثقة، يبدأ الخوف بالعمل كقوة سياسية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل السلوك العام والعلاقات الاجتماعية وحتى التصورات المتعلقة بالمستقبل.

فما الذي يجب مراقبته؟

ربما يخطئ كثيرون عندما يراقبون عدد الحوادث الأمنية أو حجم السجالات على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن مؤشرات المستقبل. المؤشر الأهم ليس عدد الحوادث، بل الطريقة التي يفسرها الناس بها. هل ما زال السوري يرى نفسه مواطناً تعرّض لخطر عابر؟ أم بات يرى نفسه عضواً في جماعة مستهدفة على الدوام؟ هل ما زال يعتقد بأن الحل يجب أن يأتي من القانون؟ أم أصبح مقتنعاً بأنّ الحماية لا تأتي إلا من الجماعة؟ وهل ما زالت الدولة تُنظر إليها باعتبارها المرجع النهائي للحقوق والواجبات؟ أم أنها بدأت تفقد هذه المكانة لصالح شبكات الانتماء الأصغر؟

هنا تحديداً يتحدد اتجاه البلاد. ليس في عدد المنشورات الغاضبة، ولا في عدد البيانات السياسية، بل في الإجابة اليومية الصامتة التي يقدمها السوريون لهذه الأسئلة.

ونصل في الختام إلى أنّ المشكلة الكبرى في سوريا اليوم قد لا تكون حجم الخوف المنتشر بين الناس، بل الطريقة التي يُدار بها هذا الخوف ويُعاد إنتاجه. فالمجتمعات تستطيع العيش مع اختلافاتها، وتستطيع تجاوز جراحها، بل وحتى إعادة بناء نفسها بعد الحروب. لكن المهمة تصبح أكثر صعوبة عندما يتحول الخوف إلى مؤسسة غير معلنة، وعندما تصبح كل جماعة مسؤولة عن إنتاج روايتها الخاصة للتهديد، وحين تتراجع الثقة المشتركة لمصلحة مخاوف متجاورة لا يجمع بينها سوى القلق. حينها لا يعود السؤال: من يخاف ممن؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت كلّ جماعة سورية تمتلك اليوم خوفها الخاص، فمن يمتلك بعدُ القدرة على إنتاج الثقة المشتركة؟

بين الجفاف والفيضان تتداعى البلاد

بين الجفاف والفيضان تتداعى البلاد

ثمة شيء مشترك بين الموت عطشاً والموت غرقاً بأن الضحية دائما هو الإنسان السوري البسيط الفقير والمهمش، فعلى مدى ثمان وثلاثين عاماً من الجفاف تناقص منسوب نهر الفرات إلى حد كبير مما أثر على المعدل العام للزراعات التي يعتمد عليها أغلب سكان دير الزور والرقة، حيث كانت نسبة المياه المتدفقة للأراضي السورية لا تتجاوز 200 متر مكعب رغم أن النسبة المتفق عليها مع الحكومة التركية تبلغ 500 متر مكعب وقبل إنشاء  سد الفرات وسد تشرين كانت الأضرار كثيرة ومتعددة نتيجة الفيضان الموسمي للنهر أهمها تدمير المحاصيل الزراعية الموسمية.

نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 على المشاركة العادلة والمعقولة (المادة 5): يحق لكل دولة من دول المجرى المائي الاستفادة من مياهه داخل إقليمها بطريقة منصفة وتراعي مصالح الدول الأخرى وكذلك الالتزام بعدم إلحاق الضرر (المادة 7): تُلزم الاتفاقية الدول باتخاذ كافة التدابير المناسبة لمنع التسبب في “ضرر ذي شأن” للدول الأخرى التي تتشارك معها نفس المجرى المائي والإخطار بالتدابير المزمعة كما تفرض الاتفاقية على الدول تبادل المعلومات وإخطار الدول الأخرى بأي مشاريع أو إجراءات قد يكون لها تأثير سلبي على المجرى المائي قبل تنفيذها، إما لجهة التعاون وتبادل البيانات (المادة 9): تلتزم الدول بتبادل البيانات والمعلومات بانتظام بشأن حالة المجرى المائي. الاتفاقية التي وافقت سورية عليها ورفضتها تركيا وتتابعت الاتفاقيات بعدها المجحفة بحق سوريا وخاصة اتفاقية أضنة عام 1998.

تتباين الأسباب والاتهامات المتبادلة المسببة للكارثة البيئية المتعلقة باندفاع مياه نهر الفرات واجتياحها لحياة وأرزاق الناس في الرقة ودير الزور بعد عقود من الجفاف استقر فيها الناس على سرير النهر وبنيت مطاعم واستراحات وزراعات عليه، ولسنين طوال بقيت تركيا تحتجز مياه النهر غير عابئة بانهيار القطاع الزراعي في البلد إلا أن موجة الأمطار الكثيفة في المواسم الماضية جعلت منسوب سدودها والمياه المحتجزة في أعلى طاقة لها مما أجبرها على الإفراج عن المياه باتجاه سورية التي أنهكتها حرب عطلت الحياة بأكملها، لذا كان من الطبيعي أن لا تكون مستعدة لهكذا إجراء. 

يقال إن تركيا أعلنت قبل أسبوع أنها ستفتح بوابات سد أتاتورك وأنها ستفتح المياه إلى مجرى النهر في سورية ولكن هل هذا كاف ؟؟

وإذا كان الأمر صحيحاً فالسؤال هنا لماذا لم تتخذ الإجراءات الكافية لمواجهة الكارثة؟! هل لضعف الإمكانية التقنية والعلمية للتصدي لمشكلة من هذا النوع أم نتيجة الإهمال والتراخي في حل المشكلات العاجلة؟ ولكن أضعف الإيمان إنذار السكان بالخطر المحدق قبل وقت مناسب.

في العودة إلى بدايات قيام السد على نهر الفرات الذي كان يفيض سنوياً ويؤدي إلى انجراف التربة الزراعية الخصبة وانقطاع طرق النقل والتجارة بين القرى بالإضافة لغرق القرى الطينية والمنازل التقليدية ونفوق أعداد كبيرة من المواشي وانتشار الأمراض والأوبئة المرتبطة بالمياه الراكدة.

ورغم اعتراض البعض على ما عرف بأراضي الغمر التي غطت أراضي الفلاحين لم يتم تعويضهم بما يعادلها فيما بعد إضافة إلى المناطق الأثرية الهامة التي غمرتها البحيرة والقرى الصغيرة التي غطتها المياه، وهنا إشكالية التساؤل الأخلاقي أيها الأهم ماضي البلاد والأسلوب العادل والتقليدي للزراعة أم مستقبلها ومستقبل الوطن، هذا إذا افترضنا النوايا الحسنة للتخطيط والبناء المستقبلي للاقتصاد الزراعي في البلد. 

وعليه تم إنشاء سد الفرات في سوريا خلال سبعينيات القرن العشرين وقد بلغت الطاقة التخزينية الكبيرة للبحيرة القائمة على السد 14 مليار متر مكعب، ساهمت بتنظيم تدفق مياه نهر الفرات ودعم مشاريع الري والزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية والحماية من الفيضانات الموسمية المدمرة. 

ولكن خلال العقود الأخيرة ونتيجة السياسات التركية وغياب شراكة حقيقية في إدارة نهر مشترك، انخفض المنسوب التخزيني للنهر مما أثر في إنتاج الطاقة الكهربائية بشكل كبير وخاصة نتيجة الخلل الذي أصاب السد نتيجة خروج أربع عنفات من أصل ثمانية عن الخدمة أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الرقة. واليوم يفيض النهر بشكل غير مسبوق ومفاجئ وللمرة الأولى تفتح أربع بوابات مفيض لم تفتح منذ أكثر من ثلاثين عاماً. 

ينبع نهر الفرات من تركيا على مساحة 1070 كيلومتراً ويمر بالأراضي السورية عبر أكثر من 600 كيلومتر وبعدها يدخل في الأراضي العراقية، مما منح تركيا إمكانية لتحكم قبضتها على المياه المنحدرة من أراضيها لبناء سدود ضخمة عليها وخاصة سد أتاتورك الذي قاربت طاقته التخزينية 48 مليار متر مكعب ويعتبر خامس سد على مستوى العالم وعليه تتحكم تركيا بكل قطرة مياه متجهة جنوباً.

بدأ العمل بسد الفرات عام 1968 ولكن بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 عمل على  أن تكنى البحيرة القائمة عليه باسمه، و نتيجة الجفاف الكبير الذي أصاب المنطقة خلال مدة طويلة  تسببت بانحسار المياه عن سرير السد تمدد السكان ببناء البيوت والمطاعم والمنتزهات ومنشآت في تلك المنطقة مما جعل فيضان النهر بهذه الطريقة كارثة بيئية من الطراز الأول، ولا يمكن تسميته فيضاناً بل اجتياح وتدفق غير مسبوق للمياه نتيجة سبب معروف، إذ قيل أن ارتفاع النهر الجديد قارب أكثر من مترين فوق معدله الطبيعي وتوقف عدد كبير من محطات المياه نتيجة وصول المياه إليها، بالإضافة لفقدان إمكانية التواصل والعبور والنجاة  نتيجة نسف الجسور المشادة نتيجة النزاعات السياسيةالماضية.

  عند العجز التقني والإداري عن مواجهة كارثة بحق البشر والبيئة ماذا نفعل ومالعمل وهل نبقى واقفين، طالب الكثيرون بطلب إعلان منطقة الفيضان بدير الزور والرقة منطقة منكوبة كي يتسنى للدول الصديقة مد العون لإنقاذ ما تبقى لأن الكارثة مستمرة وما من نفير عام لدرء المزيد من انعكاسات الكارثة. 

مشاريع كثيرة بعد سقوط النظام بإعادة بناء جسر دير الزور المعلق وخاصة بعد تبرعات كثيفة من رجال الأعمال ولكنها بقيت حبراً على ورق لم ينفذ منها شيء. المشكلة بعقل من لا يستطيع تحديد الأولويات المهمة بالنسبة لحياة الناس ومن لا يستطيع استقراء الآتي.

 أيام عيد والناس بحالة الفرح وأهلنا في الدير والرقة يشيعون أطفالهم الذين قضوا غرقاً مشهد أليم وموجع، ويحلو للبعض أن يتشفى من مصائب الغرق والفيضان وتتم الشماتة بمن لم يساندوا كوارث الآخرين ويعزوها لمواقف سياسية، لكنهم ينسون أنهم بذلك يزيدوا بتعميق جراحات البلد المثخنة، وأن الكارثة ستنعكس على الجميع، ولا حياة لبلد إلا بتضافر جهود جميع أبنائه وتجاوز الخلافات والعمل من أجل المصلحة العامة. 

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة والأكاديمية الأمريكية من أصول إيرانية ريبيكا شريعة طالقاني، وهي أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك، مقاربة جديدة في دراسة “أدب السجون السوري”، تستند إلى الكتابة الأكاديمية من خلال توظيف دراسات أدب السجون وحقوق الإنسان. ورغم هذه المقاربة، يظل الكتاب في متناول شريحة واسعة من جمهور القرّاء؛ إذ لا يهدف إلى تقديم سردية تاريخية عن السجون السورية، ولا إلى أرشفة مسار الحركات الحقوقية في البلاد، ولا إلى توثيق شامل للاعتقالات والتعذيب والانتهاكات. وإن كان يطلّ على جوانب من هذه السياقات أثناء القراءة، فإن الغاية الأساسية للعمل تتجلّى في تعريف القارئ بما اصطلح عليه “أدب السجون السوري”، ومضامينه المتعلقة بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، فضلاً عن تتبّع تطوّر أشكاله الإبداعية وتنوّع تعبيراته عبر الزمن.

تعقد طالقاني، في سياق دراستها، مقارنة بين أدب السجون في سورية وتجارب مشابهة في العالم، مثل تجربة المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، والروائي والناقد الحداثي السعودي عبد الرحمن منيف، كاشفة عن طابع خاص بالسجون السورية يتّسم بوحشية متفرّدة، تجعل من كل كلمة تُكتب من داخلها أو عنها عملاً بطولياً وأخلاقياً ومقاوماً.

وقد جاءت دراستها متجاوزة التوثيق إلى تحليل الأدب المُنتج داخل السجون أو حولها بوصفه ممارسة مقاومة، وأداة للنجاة الرمزية، وشكلاً من أشكال العدالة التأويلية.

صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء

صدر الكتاب العام المنصرم عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة، ضمن “سلسلة ترجمان”، ويقع في 312 صفحة، شاملاً تقديم المترجم، ومقدّمة، وخاتمة، ومراجع، وفهرساً عاماً، إضافة إلى قائمة رسوم وصور توضيحية.

يوضّح الناشر، في تعريفه بهذا الكتاب، أنه يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة العربية، لما ينطوي عليه من تداخل عميق بين الأدب وحقوق الإنسان، وبين التجربة الفردية والهمّ الجمعي؛ إذ لا يكتفي بمجرد توثيق معاناة المعتقلين السوريين، بل يسمو بهذه المعاناة إلى مقام الكتابة الأخلاقية والجمالية، ويمنحها بعداً إنسانياً عصياً على المحو، ونافذاً إلى الوجدان.

اختارت طالقاني، وهي تدرس أدب السجون السوري، النظر إليه بوصفه أحد العناصر الرئيسة في ثقافة المعارضين السياسيين السوريين، لا سيّما تلك التي أرسى دعائمها المعارضون العلمانيون اليساريون والمعارضون الإسلاميون منذ سبعينيات القرن العشرين، والتي شكّلت ركناً مهمّاً من أركان الثورة السورية التي انطلقت في منتصف آذار/ مارس 2011.

تقول طالقاني، في حوار معها عن اشتغالها على هذه الدراسة: “حاولت استخدام التعريف الممكن الأوسع والأكثر شمولية: أدب السجون هو أي نص تمّت كتابته عن، أو في، أو خلال تجربة الاعتقال، كما حاولت الإشارة إلى أن أي تعريف، بما في ذلك التعريف الأوسع الذي أستخدمه، هو إشكالي ويحتمل النقاش والجدل”. وتضيف: “ركّزت في بحثي الخاص بصورة رئيسية على أعمال كتبها المعتقلون عن الاعتقال، سواء أكانت أعمالاً روائية خيالية أو غير خيالية أو شعرية أو مسرحية”(1).

تمتدّ المرحلة الزمنية للأعمال التي تناولتها المؤلّفة من مرحلة توطيد حافظ الأسد نظامه الديكتاتوري، ثم توريثه لابنه بشار، وصولاً إلى الثورة السورية عام 2011، والحرب التي شنّتها قوات النظام البائد على الحاضنة الشعبية للثورة، والصراع المسلّح الذي أشعلته، وحتى عام 2020.

ومن الأعمال التي تناولتها في الكتاب رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، و**“من تدمر إلى هارفارد”** لبراء السراج، وغيرهما، باعتبارها نماذج حيّة من هذا الإبداع في وجه القمع. وتلفت إلى أنه حتى قبل عام 2011، كتب معتقلون أعمالاً كاملة، مثل عماد شيحة الذي ألّف ثلاث روايات خلال اعتقاله، وظلّ بعضها سرياً حتى وجد طريقه إلى النشر. وترى، في هذا السياق، أن الكتابة تتحوّل من مجرد توثيق فردي إلى دفاع عن الذاكرة، وإلى صوغ صوت جماعي يواجه النسيان والإلغاء، ويُصرّ على تثبيت معاني العدالة والكرامة.

إن الفكرة المركزية التي تنهض عليها هذه الدراسة هي الربط بين “أدب السجون” وخطاب حقوق الإنسان، بما يشمله من منظومات وقوانين ورموز.

وانطلاقاً من هذه الفكرة، ترى طالقاني أن نصوص هذا الأدب تقدّم مشاهد اعتراف سردية لا تُظهر فداحة المعاناة التي يكابدها المعتقلون فحسب، بل ترتبط، في الوقت نفسه، بخطاب حقوق الإنسان العالمي، بما يحوّل هذه النصوص إلى أدوات وعي سياسي وأخلاقي.

وانطلاقاً أيضاً من أن مؤلّفات أدب السجون في العالم العربي، وأكثر عموماً في الشرق الأوسط، قد تُنتج بالفعل سجلاً بديلاً عن السرد الرسمي للدولة، التي لا تأتي على ذكر انتهاكات حقوق الإنسان الموجودة فعلاً، فإن هذه المؤلّفات الأدبية تشكّل جزءاً من السجل التاريخي، إضافة إلى كونها أعمالاً إبداعية.

وجاء تناول المؤلّفة لمفهوم “بويطيقا الاعتراف” لتدرسه فنياً وأسلوبياً، وتربطه بمفهوم الاعتراف السياسي الذي يُعَدّ من الركائز الأساسية في خطاب حقوق الإنسان الحديث، خصوصاً في القرن العشرين.

ولا شك أن اعتماد طالقاني مصطلح “البويطيقا” في عنوان الكتاب لم يكن ترفاً لغوياً محضاً، بل هو استدعاء واعٍ لمفهوم نقدي ذي جذور فلسفية وجمالية عميقة؛ لأن الكتاب يعالج النصوص الأدبية ووثائق حقوق الإنسان بوصفها مادة فنية ومعرفية، ويستقصي الكيفية التي تُحدث بها هذه النصوص أثرها الجمالي والحقوقي في آن.

و“البويطيقا” كلمة يونانية ارتبطت باسم الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي عنون بها كتابه الشهير “فن الشعر”. وعُرفت بالفرنسية Poétiqueوبالإنكليزية Poetics، وكلتاهما متحدرة من الكلمة اللاتينية Poetica المشتقة من الكلمة الإغريقية Poietikos، لتحمل في هذه اللغات كلها معاني تتصل بصناعة الشعر ونظريته وفنونه.

وقد تنوّعت ترجمة كلمة “البويطيقا” وتجلياتها في ثقافتنا العربية، فوردت بصيغ شتى: نظرية الشعر، وفن الشعر، وصناعة الشعر، وقواعده، وصوغ اللغة الشعرية، والإنشائية، والبنية الشعرية، والشاعرية، والشعريات، وغير ذلك، ما يعكس ثراء هذا المصطلح وتشعّب دلالاته في الحقول الأدبية والنقدية.

دراسة “أدب السجون“ بوصفه نوعاً أدبياً

قسّمت المؤلّفة الكتاب إلى ستة فصول، مستعرضة من خلالها تطوّرات “أدب السجون السوري” في ضوء “التحوّل التجريبي” في الأدب العربي الحديث، ومبيّنة كيفية تجاوز هذا الأدب الوظيفة التوثيقية إلى فضاء أدبي وجداني يتفاعل مع الأسئلة الجمالية والوجودية الكبرى.

وتتناول، في الفصل الأول من الكتاب، مسألة تصنيف “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً قائماً بذاته، مشدّدة على أهمية النظر إليه من زاوية سياسية، على الرغم مما يحيط بهذا التصنيف من إشكالات نظرية. ثم تتوسّع بعد ذلك في عرض المناقشات الدائرة بين الكتّاب والباحثين حول اعتبار “أدب السجون” جنساً أو نوعاً أدبياً، مستعرضة المسارات المختلفة لنظرية النوع الأدبي في سياق دراستها. وعلى الرغم من إدراكها ما يكتنف هذا التصنيف من معضلات وحدود، فإنها ترى في استخدام مصطلح “أدب السجون” ضرورة سياسية لا غنى عنها.

انطلاقاً من هذا الفهم، يُدرَس “أدب السجون” بوصفه نوعاً أدبياً محدد المعالم، وقد طغى على مقاربته في النقد الأدبي العربي، غالباً، البعد التوثيقي والجنوح إلى النزعات التوفيقية التي تحاكي أحياناً أسلوب تقارير حقوق الإنسان، ما يحجب الأبعاد الجمالية والإنشائية الكامنة فيه. وتلفت إلى أن هذا الأدب لا يقتصر على الرواية والمذكرات، بل يمتد ليشمل أجناساً أدبية أخرى، كالقصة القصيرة والشعر والمسرح أيضاً، ما يجعل تعدّده الفني يُغني مضمونه، ويمنح قضاياه تراكماً تعبيرياً متجدداً.

وتفتتح طالقاني الفصل الثاني بقصة كتابة أطفال درعا على جدران مدرستهم عبارات مناهضة لنظام بشار الأسد في آذار/ مارس 2011، واعتقال أجهزة الأمن لهم وتعذيبهم وسجنهم، بوصفها لحظة انطلاق الثورة السورية، ومن ثم تحوّلها سريعاً إلى رمز لها، رابطة هذه القصة بموضوعات الاعتراف والضعف والتعاطف التي وجدتها في الأدب السوري عن السجون والاعتقال.

تقول عن هذا: “كتبتُ الفصل الأصلي كجزء من أطروحتي عن الضعف والاعتراف والتعاطف في القصص القصيرة للكاتب الراحل غسان جباعي والقاص إبراهيم صموئيل في 2008-2009، وذلك قبل اندلاع الثورة السورية في 2011”. وتضيف: “كان من الأشياء التي برزت في بعض القصص لكلا المؤلفين التركيز على تأثير الاعتقال في عائلات المعتقلين، بمن فيهم، وبشكل خاص، الأطفال. وردّ كذلك في قصصهما تركيز كبير على الكرامة الإنسانية، وغالباً على الإنسانية المتصدعة أو المختلة في مواجهة الوحشية اللاإنسانية أو المنحرفة”.

وتتابع قائلة: “أجد أن هذا التأكيد مهم ومؤثر. عندما عزمت على إعادة كتابة الفصل، كنت بالطبع قد قرأت وسمعت عن قصة الأطفال في درعا، لكن كانت أيضاً أزمة اللاجئين في أوجها، حيث تم نشر صورة الطفل الكردي آلان في جميع وسائل الإعلام الدولية. وفي الوقت نفسه أيضاً، كنت أقرأ عن حقوق الأطفال، وأفكر في أنهم الفئة الأكثر ضعفاً ضمن الكائنات البشرية. بالطبع، كل البشر ضعفاء، لكن هناك مستوى آخر من الضعف/الهشاشة vulnerability يتعلق بالأطفال، وهو مفهوم مختلف عن الضعف weakness في اللغة الإنكليزية. كنت أفكر وأقرأ عن مفهوم ومعضلة الاعتراف في كل من الأدب وحقوق الإنسان مدة طويلة. وهكذا، في الأساس، رأيت تأثير قصة أطفال درعا على أنها موازية لبعض أشكال الاعتراف في أدب السجون، وحاولت تضمين ذلك في الفصل. يبقى الاعتراف، بمستوياته المختلفة، أحد الجوانب الإشكالية لنظريات حقوق الإنسان، وفي الواقع، في النظام الدولي لقانون حقوق الإنسان، وهو أيضاً جزء متأصل في السرديات الأدبية. حاولت، خلال قراءتي للقصص القصيرة ونصوص أخرى، إظهار كيف تعلّمنا هذه الأعمال الأدبية عن معضلات الاعتراف، أو عدم الاعتراف، وكيف يرتبط الاعتراف بالضعف والعاطفة”(2).

ولتوضيح هذه المقاربة، استندت المؤلّفة إلى نظريات كل من الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر، والبريطاني بريان تورنر، وتيرانس كيف، مقدّمة من خلال ذلك مفهوم “بويطيقا الاعتراف” بوصفه تجلياً لفشل النظام الحقوقي التقليدي، ومحاولة لتشكيل وعي عاطفي جديد لدى القرّاء. وهي تفترض أن التحوّل السريع الذي جعل من قصص أطفال درعا رمزاً للانتفاضة السورية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوعات الاعتراف والهشاشة والتعاطف، وهي موضوعات تتجلّى بوضوح في القصص القصيرة لكتّاب مثل الكاتبة المغيّبة سميرة خليل وغسان جباعي، وكذلك في مسرحية الكاتب الراحل وديع اسمندر.

وانطلاقاً من دراسات الاعتراف في النظرية النقدية ونظرية حقوق الإنسان، بما في ذلك أعمال بتلر وتورنر وكيف، ترى المؤلّفة أن “بويطيقا الاعتراف” في “أدب السجون السوري” تستحضر أشكالاً بديلة من الهشاشة، قد تعكس خطاب حقوق الإنسان التقليدي أو تتجاوزه أحياناً لتقع خارجه، مشكّلة بذلك إمكانيات جديدة للكتابة ولإعادة تمثيل المعاناة.

أما معالجة تمثيلات التعذيب كما تتبدّى في الأدب وتقارير حقوق الإنسان، فكانت محور الفصل الثالث، وفيه أجرت طالقاني مقارنة دقيقة بين صوت الضحية المغيّب في التقارير الحقوقية، والذات المتكلمة والناطقة بوجعها في النصوص الأدبية، كما في كتابات الشاعر فرج بيرقدار والروائية حسيبة عبد الرحمن.

وانطلاقاً من المناقشة التي قدّمها الفصل الثاني حول مفهومي الهشاشة والاعتراف، تُتابع المؤلّفة في هذا الفصل تحليل تلك المفارقة، مقدّمة قراءة مقارنة لطريقة تصوير التعذيب في “أدب السجون السوري” وفي الخطاب الحقوقي التقليدي. وهي تُظهر، من خلال أعمال منها قصائد فرج بيرقدار وكتابات حسيبة عبد الرحمن ومصطفى خليفة ومالك داغستاني وسواهم، أن تجربة التعذيب تتجلّى في النصوص الأدبية بطرائق تتخطّى ما توفّره تقارير حقوق الإنسان، سواء من حيث العمق الإنساني أو الأثر السردي.

وتعتمد طالقاني في هذا الفصل على هذه الأعمال الأدبية لتبحث في إمكانيات تمثيل التعذيب بصورة تتسم بالحميمية السردية، وإعادة تأكيد مركزية صوت المعتقل بوصفه ذاتاً ناطقة، لا مجرد موضوع حقوقي أو رقم في وثيقة، بل بوصفه كياناً حياً يتحدث عن ألمه ويعيد بناء صورته من رماد القهر.

محو ذاكرة العنف.. من أشكال مقاومة المعتقلين

تتناول الباحثة الأمريكية، في الفصل الرابع من كتابها، تمثيل الزمان والمكان في “أدب السجون السوري” وتقارير حقوق الإنسان، مشيرة إلى كيفية معالجة هذا الموضوع في أعمال مثل مذكرات “خمس دقائق وحسب” للكاتبة هبة الدباغ، ورواية “من تدمر إلى هارفارد” للكاتبة براء السراج. وتنطلق من مناقشة قول المفكر والكاتب والمعتقل السابق ياسين الحاج صالح إن السجن “نمط من أنماط الحياة” لآلاف السوريين، لتحلّل كيفية تمثيل الزمان والمكان، مستندة إلى الدراسات الحديثة في جغرافيا السجون، مثل أعمال دومينيك مويران ومايكل فيلدر.

وتستعرض طالقاني، في هذا السياق، أعمالاً أدبية أخرى مثل مذكرات هبة الدباغ، ومجموعة فرج بيرقدار الشعرية “حمامة مطلقة الجناحين”، لتبيّن أن “أدب السجون السوري” يعيد إنتاج الجغرافيا العاطفية التي يعيشها المعتقلون من خلال تجاربهم الحقيقية.

وتخصّص المؤلّفة الفصل الخامس لسجن تدمر، لما يمثّله من موقع رمزي للقسوة، محلّلة اللجوء إلى السريالية في بعض الأعمال الأدبية، ولافتة إلى أن هذه السريالية هي شكل من أشكال المقاومة لمحاولة محو ذاكرة العنف التي تعرّض لها المعتقلون في هذا السجن. وترى أنه، من خلال أعمال مثل رواية “القوقعة”، فإن الكتابات عن سجن تدمر تنتج أشكالاً من المراقبة تكذّب الرواية الرسمية التي تنكر ارتكاب النظام لعقود طويلة انتهاكات لحقوق الإنسان. كما تفقد اللغة هنا قدرتها على التعبير عن التجربة القاسية، فيلجأ الكتّاب إلى النزعة السريالية لتمثيل أشكال القسوة والمعاناة الإنسانية في السجن.

في الفصل السادس والأخير، تناولت طالقاني الكتابات التي تمزج السرد الذاتي بالتخييل ما بعد الحداثي، والمتأثرة بالمنفى، ما يجعل أدب السجون امتداداً لكتابة المنفى والمقاومة المزدوجة، من خلال التحليل العلمي لمؤلّفات ما بعد الحداثة التي تبتعد عن تقنيات السرد التقليدية لكتّاب مثل باتريسيا واو ومارك كوري وآخرين. ويناقش الفصل انتشار الميول الذاتية والخيالية، حيث يعكس هذا التوجّه تساؤلاً نقدياً عن قدرة السرد على التعبير عن تجربة السجن بشفافية، على النقيض من تقارير حقوق الإنسان. وتبيّن المؤلّفة أن هذا النوع من السرد يرتبط بحالات النفي والإبعاد التي عاناها المعارضون السياسيون قبل ثورة الحرية والكرامة عام 2011 وبعدها. وهكذا، توضّح أن بعض مؤلّفات أدب السجون تتماهى مع الكتابة عن المنفى، معتبرة إياها جزءاً من تجربة المقاومة المزدوجة.

وتختم الباحثة الأمريكية دراستها بتأمّل دور الإنتاج البصري في توثيق الاعتقال والثورة، من خلال أعمال “أبو نضارة”(3)، وفيلم “سُلَيمى”(4)، وغير ذلك.

كما تناولت طالقاني بالدرس أعمال المخرج السينمائي محمد ملص، مثل “سلّم إلى دمشق” و**“باب المقام”**، التي تجسّد ثنائية الاعتقال والثورة، وتربط بين قمع الماضي وجراح الحاضر. وكذلك فيلم “المريض السوري”، الذي نتابع فيه قصة طبيب فقد مريضه المعتقل، ليُعتقل هو لاحقاً، وهو من إنتاج مجموعة “أبو نضارة”، وغيرها من الأعمال البصرية التي، بحسب طالقاني، تعيد التفكير في حقوق الإنسان بوصفه مفهوماً مرناً، وتقدّم السرد البصري وسيلة مقاومة تُكمل الأدب، وتمنح الصوت لأولئك الذين صودرت ذاكرتهم.

أخيراً، يمكننا القول إن هذا الكتاب يُعَدّ إسهاماً نقدياً بالغ الأهمية، يعيد الاعتبار لصوت المعتقلين السياسيين السوريين بوصفه ذاتاً كاتبة لا مجرد ضحية. وهو يمثّل إضافة نوعية إلى رصيد المكتبة السورية والعربية، لما يكشفه عن قدرة الكلمة والصورة على مواجهة الاستبداد، ويطرح أفقاً جديداً لتأمّل مفهومي العدالة والكرامة، مؤسساً لوعي أدبي لا يفصل بين الجمال والدلالة، ولا بين الفن والحقيقة.

يُشار إلى أن ريبيكا شريعة طالقاني أستاذة مساعدة ومديرة دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز بجامعة مدينة نيويورك. وهي تركّز في دراساتها على المقاومة السياسية والإنتاج الثقافي في الشرق الأوسط، وتنشر مقالاتها ومراجعاتها وترجماتها في مجلات أكاديمية مهمة، منها: “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط”، و**“مجلة الأدب العربي”، و“مجلة كلمات بلا حدود”**. وتشارك طالقاني حالياً في تحرير “مجلة الأدب المقارن والثقافة” CLC Web، وقد حرّرت مع أليكسا فيرات كتاباً بعنوان “أجيال المعارضة: المثقفون والإنتاج الثقافي والدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، الصادر عام 2020.

هوامش:

  1. حوار مع الباحثة الأمريكية ريبيكا شريعة طالقاني، أجرته الزهراء سهيل الطشم، مجلة “رواق ميسلون”، العدد 87، تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.
  2. المصدر السابق.
  3. تأسست مجموعة “أبو نضارة” قبيل الثورة السورية، وقدّمت نفسها من خلال ما سمّته “سينما الطوارئ”، وسعت إلى اختراق ضجيج الإعلام بألسنة الضحايا الحقيقيين.
  4. “سُلَيمى” فيلم من الرسوم المتحركة، أُطلق رسمياً في 29/5/2015، ويشكّل الجزء الثاني من ثلاثية الصوت التي تعمل عليها حركة “استيقظت”، وهي حركة نسائية سورية تعرّف نفسها بأنها “تحكي قصصاً حقيقية، من وجهة نظر نساء في المجتمع السوري”.