بواسطة عماد الدين موسى | مارس 21, 2026 | Culture, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
تنتمي الكاتبة السورية نجاة عبد الصمد إلى جيل من الساردين الذين دفعهم القلق المعرفي إلى تفكيك البنى الاجتماعية، والتطرّق إلى مواضيع تخصّ حياة الفئات المهمّشة، وخصوصاً المرأة في البيئات التقليدية.
وقد أصدرت عدداً من الأعمال اللافتة في الرواية والسيرة والسرد، رسّخت من خلالها أسلوبها الخاص القائم على لغة حسّاسة، تأملية، ومحمّلة بأسئلة الانتماء وتناقضاته.
وبالتزامن مع صدور روايتها الجديدة “أيتام الجبال”، كان هذا الحوار:
– في روايتكِ الأحدث “أيتام الجبال”، يطلّ الجبل كرمزٍ للهامش والعزلة والانتماء في آنٍ واحد. ما الذي دفعكِ إلى الكتابة من هذا المكان؟
أنا أكتب عمّا يشغلني ويشاغب في رأسي. لا أظنّ أن الأمر آتٍ من عزلة الجبال، أو حتى من جلالها أو غموضها أو أنفتها، بقدر ما هو صوتٌ من داخلي، لا أملك تعبيراً يفسّره بما يكفي. فقط أحسّ به، أسمعه، أشمّه، يناديني فأستسلم إليه. والأمر ينطبق على “أيتام الجبال” وكل ما سبقها. ربما هي قوة تأثير هذه الكينونة الجغرافية التي وُلدتُ ونشأتُ عند أكتافها، فاستوطنت وجداني، ولا بدّ أن تحضر في طبيعة الأفكار وتركيبة الحكايات. لو كنتُ ابنة شاطئ بحري أو جارة نهر، لما غاب البحر أو النهر عمّا سأكتب.
– هل تشعرين أنّ انتماءكِ إلى بيئة درزية محافظة جعل الكتابة بالنسبة لكِ ضرورة وجودية أكثر من كونها خياراً فنياً؟
بالتأكيد لا. الكتابة ضرورة وجودية لكلّ من أصابه مسُّها، خارج كل انتماء. قد يتدخّل انتمائي في اختيار حكايتي أو أفكاري أو خلاصاتي، وهنا أقول: نعم. تُسهم البيئة في اختيار موضوعات الكتابة عموماً، إنما سيقدّمها كلٌّ من أبناء هذه البيئة برؤى مختلفة، انطلاقاً من المخزون الثقافي والتجربة الفردية لكلّ منهم. هنا يكمن الفرق.
– إلى أي مدى يمكن اعتبار “أيتام الجبال” كتابة عن الذات المقنّعة؟
لا أظنّ أنّ ثمة رواية تخلو كلياً من ذات كاتبها، كما أنها، على التوازي، حوارٌ موصولٌ مع قارئها في أي مكانٍ في العالم، قريباً أو بعيداً عن جغرافيا الكاتب أو بيئته. من هنا، قد تظهر ذات الروائي في عمله الأدبي مقنّعة، أو صريحة، أو بين بين، بنصف لثام. الرواية الجيدة تُربك قارئها، وتورّطه في التأمل والتحليل والمقارنات، وفي إسقاطات كثيرة غير حاسمة: هل يقرأ سيرة كاتبها نفسه، الذي يتخفّى خلف اسم هذا البطل أو البطلة؟ أم يقرأ عن أحدٍ ما يعرفه القارئ في الحياة بما يكفي ليحكم: إنه جاري فلان مثلاً، بلحمه وشحمه، من أين نطّ ليحطّ هنا على الورق؟ وأكثر من هذا، قد يُفاجأ القارئ بأنه يقرأ محاكاةً لسيرته الشخصية في روايةٍ لكاتبٍ من قارّةٍ أخرى.
– البطلة “سبيل” تسافر من السويداء إلى موسكو، لكنها تظلّ أسيرة انتماء ثقيل. هل أردتِ من خلال هذا السفر الجغرافي أن تعبّري عن رحلة أخرى في الداخل؟
السفر انتقالٌ واقعيّ في الجغرافيا، نقلةٌ تكتمل بالوصول إلى وجهة المقصد، بينما رحلات النفس سائرةٌ بلا انتهاء، وسؤال الانتماء واحدٌ منها. مجرّد الانشغال بمفهوم الانتماء يولّد أسئلة كثيرة تتفرّع عنه. بعضنا يلجأ إلى الفخر به، أو تقبّله كما هو، ويعطّل تفكيره ليحمي نفسه من كلفة الأسئلة العميقة، وهؤلاء يلبثون في أمكنتهم جامدين متحجّرين. التفكير خزّان الأسئلة. معه يولد الشعور بثقل الانتماء أو خفته، بضيقه أو بسعته. ويتبعه احتجاج، قد يبدأ خافتاً ثم يشتدّ، ويتحوّل إلى سلوك ليس بالضرورة صحيحاً، يتراوح بين الضياع والتمرّد. إلى أين يفضي هذا التمرّد؟ إلى أذى الذات بالنقمة من دون تحديد هدف واضح، أم إلى ابتكار طرق للتعامل معه، وخلخلة تلك الحياة المستقرة حدّ نسفها والقفز من فوق أسوار المحيط؟ هذا ما فعلته سبيل. رحلة الداخل أفضت بها إلى قرار تغيير الجغرافيا، على أن ترحل عن مكانها وهي عارفة لماذا تفعل. كانت تنجز رحلة الداخل. كنتُ أكتب و”سبيل” تجلس فوق رأسي، أنا كاتبتها، وتدرّبني على فهم هذه المراحل. كانت معلمتي وأنا تلميذتها.
– في الرواية تتبدّى الغربة كحالة روحية أكثر من كونها تجربة جغرافية. كيف تفهمين الاغتراب في سياق مجتمع مغلق مثل مجتمع الجبل؟
هي فعلاً كذلك، والنقلة الجغرافية هنا إحدى تمارين الانفكاك من ثقلها. ثم إنّ الاغتراب ليس قرين المجتمعات المغلقة وحدها. ربما على العكس، تحمي المجتمعات المغلقة نفسها عادةً بتوطيد علاقاتها الاجتماعية، وبإعلاء شأن العائلة أو العشيرة وسواها لتجعل منها قوقعة آمنة، ما يفتقد إليه أفراد المجتمعات الخليطة وغير المتجانسة في المدن والعواصم. الشعور بالاغتراب حالة روحية يتنامى الإحساس بها طرداً مع ارتفاع منسوب وعي الفرد، من أي مجتمع كان.
– يتجلّى الأب في الرواية كظلّ ثقيل، يحضر بالغياب أكثر مما يحضر بالفعل. هل هو رمز للسلطة الأبوية، أم للغضب المقدّس الذي يطارد الأنثى الخارجة عن القطيع؟
“حسن” والد “سبيل” هو الشخصية الأكثر جدلاً من بين شخوص “أيتام الجبال”، وأعتقد أنّ رمزيته تتعدّى ما ذكرتَ في سؤالك. من مكاني أراه بطلاً لا يقلّ عن ابنته سبيل، التي قدّمته من منظورها هي، فيما لم تكن صداماته معها سوى واحدة من عدة جبهات من كل صوب، وعليه أن يقدّم نفسه كما ينبغي لرجل أن يظهر في تلك البيئة: مقموعاً وقامعاً معاً. من جهة يطيع الله وأولي الأمر، وعلى المقلب الآخر يسيّر أسرته بالصرامة المطلوبة ليضمن لها أساسيات البقاء والعيش أيضاً كما يراها هو. وفي الوقت ذاته، يتعارك حسن مع نفسه المنطوية على قناعات ورؤى داخلية أكثر انفتاحاً مما يُظهر. تلك أزمة إنساننا المحكوم ممّن هم أقوى منه، والحاكم لمن هم أضعف منه، ليظهر قمع النساء كأحد تفصيلاته، لا كهدف بحدّ ذاته، من دون أن يعي أنه بسلوكه هذا يعيد تدوير الظلم بصيغة أخرى. حسبه أنه فهم، ولو متأخراً جداً، أنه كان يحارب على الجبهة الخطأ.
– أن تكتبي من داخل الطائفة الدرزية هو مغامرة، وربما مخاطرة. كيف واجهتِ حساسية الكشف عن المسكوت عنه داخل بيئة تتجنّب البوح؟
وهل الكتابة كلّها سوى مغامرة ممتدة، استكشافٌ واكتشاف، ومخاطرة لا منتهية؟ هي مواجهتي الخاصة لنفسي، قبل بيئتي أو محيطي أو مجتمعي. وهي السبب في أنّ كتابة الرواية استغرقت 13 عاماً، منذ بدايات فصولها حتى ولدت. خلالها كنت أدرّب نفسي على قول ما أريد، كاملاً غير منقوص، وأن أضيء على الظلم المعتّم عليه، لا أن أنشغل بمدح الضياء. وحين أعود إلى قراءته، إما أن أكون راضيةً عنه، وأنه هو أنا، هذا رأيي من دون خوف ولا مواربة ولا محاباة، أو يكون عليّ نسفه. لا نحتاج أدباً لا يأتي بجديد. يكفي رفوف المكتبات ما تثقل به منه. تلك كانت رحلة عراكي مع نفسي: أن الأدب الحقيقي يُمتع بقراءته. أما أفكاره، فليس عليها أن تطمئن القارئ، من داخل هذه البيئة أم من خارجها، بتقديم ما يريحه، بل عليها أن تحكّ، أن تصرخ، أن تُزعج، وأن تقلقل اليقينيّات. تلك هي رسالة الأدب!
– هل تعتبرين “أيتام الجبال” تمريناً في المصالحة مع الانتماء، أم في التمرّد عليه؟
نعم، هي تمرين، بل تمارين، يتخلّلها الكثير من الحذف والإضافات وتدوير الزوايا. لا تأتي المصالحة مع الانتماء إلا بعد رحلة وعي طويلة وممتدة، وسيكون التمرّد بالتأكيد أحد مراحلها، وليس بالضرورة أن تفضي هذه الرحلة إلى مصالحة كلية. الفرق في أدوات هذا التمرّد، وفي رسم خطة لإنجازه. التمرّد ثورة، ولا تقوم الثورة إلا على قضية، وعلى خطة لإنجازها. في رحلة التمرّد المدروس، سوف يتكشف لنا أنّ القطيعة الكلية مع الانتماء مستحيلة، إنما سندرك خلالها ما الذي علينا أن نتشبّث به أو نتخلّى عنه.
– في الرواية تظهر النساء ككائنات صامتة يحمّلن التاريخ كله في صمتهن. هل يمكن القول إنك تكتبين من أجل إعطاء صوتٍ لهؤلاء النساء؟
ليست كل النساء كائنات صامتة في “أيتام الجبال”. مهجة وسبيل مثالان على عكس ذلك، وهما في الوقت نفسه يؤكدان واقع الحال. ندرة النساء القابضات على مصائرهن تؤكّد أن أصوات البقية مستلبة، في حين أنّ هؤلاء غير المرئيات يصنعن، بفطرتهن، أساسيات الحياة من إنجاب وطبخ وتنظيف وتربية أطفال واحتواء للأسرة وتدبير لمشكلاتها. حين تتغلغل الرواية في تفاصيل حيوات هؤلاء النساء، فهي تمارس طبيعتها، ليس فقط في حمل أصوات هؤلاء النساء، وكل المهمّشين، من عزلتهنّ إلى فضاء الحياة الرحب، بل أيضاً في إدخالها إلى عقل القارئ، وإجباره على إمعان النظر، وعلى التفكير، وعلى صحوة ضميره، على الأقل ليعيد إليهن الاعتبار الإنساني، ومن ثمّ الاعتراف بدورهن في حياته شخصياً وفي فضائهن العام.
– اللغة في الرواية بطيئة، متأملة، تشبه الصعود في طريق جبلي. كيف تعملين على بناء هذا الإيقاع البطيء في الجملة السردية؟
للمتلقي أن يحدّد إن كان الإيقاع بطيئاً أم لا. أنا شخصياً لا أظنّ أنّ إيقاع اللغة في “أيتام الجبال” بطيء. لقد تقصّدتُ أن أجعله مهرولاً، لاهثاً، كما أنفاس سبيل وهي تروي. هو تماماً كما أسميتَه أنت: الصعود في طريق جبلي. أنت لن تسلم من اللهاث، وأنت مضطرّ إلى بذل جهد لمتابعة الصعود، ومضطرّ إلى الاحتساب من وعورة هذا الطريق. وفي الوقت ذاته، لن تستطيع إغماض عينيك عن كثافة الجمال على جنباته.
– لغة الرواية تميل إلى الشعرية المكثفة. هل تنطلقين من الحسّ اللغوي أم من الصورة؟
أستعين بقول محمود درويش: “أنا لغتي، لغتي أنا”. الكتابة عالمي. وهي عندي، في أحد وجوهها، مغازلة مع اللغة. هذا ما أعيشه. أبني كلماتي كما لو أنها لوحة كثيفة ودقيقة. لا تمنحني المفردة، أو الجملة، نفسها إلا بعد طول تفكير.
– كيف تلقيتِ ردود الفعل الأولى حول الرواية، خاصة أنها تلامس مناطق حساسة في الوعي الجمعي للطائفة والمجتمع؟
هنا لا بدّ من التوقف عند مصادفة فريدة، هي تزامن صدور الرواية مع المذبحة المفاجئة والهائلة التي ارتكبتها السلطة السورية المؤقتة بحق الدروز فقط لأنهم دروز. وفي حين استغرقت كتابة هذه الرواية مني، كما ذكرتُ أعلاه، ثلاثة عشر عاماً، فقد جاءت تلك المذبحة بعد أسبوعين فقط من صدورها. وقد قرأتُ مرة، ولا أتذكّر القائل: “لا واقع سوى الصدفة”. من هنا قد يبدو الأمر، في ظاهره، مصادفة، وقد يكون نبوءة لا تولد إلا بعد اكتمال دواعيها.
في كتابة “أيتام الجبال”، كنتُ أمدّ يديّ باتجاهين: واحد إلى داخل مجتمعنا الدرزي لنعيد التفكير في بنيانه، والثاني إلى الآخر، أية جماعة كانت، ممّن لا يعرفون الكثير عن مجتمع الدروز، أو وصلت إليهم عنه بعض الخرافات المؤذية المصنوعة عن قصد لإذكاء الخوف منه وشيطنته. وأدرك أن محتوى الرواية قد يثير هجوماً على صاحبتها من داخل مجتمعها ومن خارجه.
حتى اليوم، وبعد خمسة أشهر على صدورها، يشتدّ إيماني بدور الأدب، الجمالي والفكري معاً. معظم المراجعات التي وصلتني من القرّاء، والمقالات الكثيرة التي كُتبت عنها، تتوقف كثيراً عند جماليات الفن السردي، على التوازي مع التأكيد على كمّ المعلومات عن الديانة الدرزية، كعقيدة وعبادات، التي لم يسبق أن وردت بهذا القدر من التفصيل في النتاج الروائي، إضافة إلى قضايا أساسية تتضمنها “أيتام الجبال” أيضاً، منها سؤال الهوية والانتماء والاغتراب الروحي، وقضايا تعليم النساء وعمالة الأطفال، وغيرها.
– هل ترين أن الرواية قادرة على تفكيك ذاكرة جماعية مغلقة مثل ذاكرة الجبل؟
الرواية الجيدة، بنتاجها الجمعي، أي مجموع أعمال كاتبها ونتاج باقي مبدعيها، قادرة على كل شيء، كل شيء.
– لو عدتِ إلى الطفلة التي كانت ترعى البقرة وتحلم بالتعليم كما في الرواية، ماذا تقولين لها اليوم بعد صدور “أيتام الجبال”؟
احلمي، اجتهدي، قاتلي من أجل حلمك، على أن تتعلمي فنون القتال وأدواته.. ثم تشبّثي بحلمك حتى حين تصبحين في الخمسين، الستين، السبعين، المئة.. فـ”الحلم جنين الواقع”، على رأي مولانا الحلّاج.
بواسطة أسامة الكومه | مارس 18, 2026 | Culture, العربية, بالعربية, مقالات
خلف أبواب المركز الثقافي في درعا، لم تعد رائحة الورق أو صدى التصفيق هي السائدة، إنما صمتٌ مطبق يقطعه هدير جرافات الجيش الإسرائيلي في القنيطرة المجاورة. بين إعادة الهيكلة الإدارية والرقابة المجتمعية الصارمة، يعيش المثقف السوري في الجنوب اليوم اختباراً وجودياً؛ فهل تحوّل الفضاء العام من منبر للتعبير إلى ساحة اشتباك، بين إرثٍ بيروقراطي يحاول النجاة، وتيارٍ ديني قيمي يعيد رسم الخطوط الحمراء بصرامة غير مسبوقة؟
في درعا، المعروفة بـ “مهد الانتفاضة”، وفي القنيطرة، المحافظة المنهكة بعوامل جيوسياسية تتعلق بالحدود، لم تعد الثقافة تُعرَّف بوصفها نتاجاً لمؤسسات الدولة، بل غدت ساحةً تتنازعها قوى متصادمة: إرثٌ رسمي يحاول إعادة هيكلة نفسه وسط الفراغ، حراكٌ أهلي يبحث عن حدٍّ أدنى من الاستقرار وسط فوضى السلاح، وتيارٌ ديني قيمي يعيد رسم خطوط “الحلال والحرام” في الفضاء العام. وخلال الفترة بين كانون الأول / ديسمبر 2024 وشباط / فبراير 2026، يكشف الرصد الميداني الذي أجراه معد التقرير عن مشهدٍ ثقافي يعيش حالة “طوارئ دائمة”. هنا تغيب الفرق الموسيقية لتعلو أصوات الخطباء، وتُغلق المراكز الثقافية أبوابها أمام الشعراء لتفتحها أمام الوفود الدولية، في ظل واقعٍ يفرضه “مقص” الرقابة الاجتماعية وتوغلات عسكرية تقضم الجغرافيا يوماً بعد يوم.
في قلب مدينة درعا، يقف المركز الثقافي ككتلة إسمنتية صمّاء، شاهدة على انتقالٍ حذر وغامض. هذا المبنى الذي كان يوماً أداةً لترسيخ خطاب الحزب الواحد، بات اليوم هيكلاً يبحث عن هوية جديدة. يروي محمد الصالح “أبو عبد الله”، 52 عاماً، وهو عضو سابق في مجلس بلدي بمحافظة درعا، في حديثه لـموقع صالون سوريا، مشهداً يختصر الانتظار المرّ. يقول: “منذ كانون الثاني / يناير 2025 كان الموظفون يداومون بآلية الاستمرارية البيروقراطية؛ يحضرون صباحاً، يشربون القهوة، ويغادرون دون فعلٍ ثقافي واحد. كانت الأروقة باردة، والمسرح مهجوراً، والمكتبة ملاذاً أخيراً للهاربين من ضجيج الفوضى”. ويصف تلك المرحلة بأنها “موت سريري” للمؤسسة؛ إذ غابت الأجندة السنوية، وحلّت محلها مبادرات فردية خجولة تخشى الاصطدام بالواقع الجديد.
صدمة يوليو وإعادة الهيكلة الأيديولوجية
يصف أبو عبد الله تلك اللحظة في حديثه لموقع صالون سوريا: “صدر أمرٌ مفاجئ من جهة أُحدثت لملء الفراغ الحزبي والسياسي، وهي مديرية الشؤون السياسية التابعة للأمانة السياسية في وزارة الخارجية. طُلب من الموظفين تسليم المفاتيح والعودة إلى منازلهم بانتظار إعادة هيكلة”. منذ ذلك اليوم توقّف النبض الثقافي الرسمي في مدينة درعا. ولم يكن هذا الإجراء مجرد تبديل إداري، لقد انتقلت الوصاية على الفضاء العام من “الأدلجة الحزبية التقليدية” إلى “إدارة سياسية” تحاول ضبط توازنات جديدة في منطقة حدودية حساسة.
لاحظ مُعِدّ التقرير وجودَ استقطابٍ حادٍّ في تعليقات الأهالي؛ فبينما يدافع مثقفون عن المكتبة بوصفها كنزاً يضم الفلسفة والقانون والأدب العالمي، يروّج اتجاهٌ آخر لضرورة “تطهيرها” من كتب العهد البائد واستبدالها بمصنفات دينية حصراً. ويقول أحد المعلّقين: “لا نريد كتباً تمجّد الحزب، نريد كتباً في العقيدة والحديث”. ويكشف هذا الاستقطاب أن “إعادة الهيكلة” قد لا تكون إدارية بقدر ما هي إعادة تشكيلٍ لمحتوى المجال الثقافي في الجنوب.
أما في القنيطرة، فالواقع الثقافي محكوم بـ”إيقاع التوغّل”. فقد تحوّل المركز الثقافي في مدينة السلام، خلال كانون الثاني / يناير 2026، من منبر للشعر إلى “غرفة طوارئ” دبلوماسية لاستقبال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة جان بيير لاكروا. ويوضح أبو عبد الله في حديثه لموقع صالون سوريا أن الفعالية لم تكن ثقافية، بل اجتماعاً سياسياً إنسانياً لمناقشة التوغلات الإسرائيلية التي بلغت ذروتها باحتلال 9 نقاط حدودية واحتجاز 45 شخصاً. في القنيطرة يختفي المسرح ليحل محله مشهد الأهالي وهم يشرحون للمسؤولين الدوليين كيف تُجرف أراضيهم، وتُقطع أشجار السرو المعمّرة، وتُحرق سيارات تابعة للمحافظة. الثقافة هنا لم تعد “كتاباً”، بل صارت “غصّة” في حلق الفلاح الذي يرى جرافات الاحتلال تقتلع تاريخه.
لقد أدى الانهيار المؤسسي والضائقة الاقتصادية إلى تحويل “الكتاب الورقي” في الجنوب السوري إلى سلعة نادرة، بل شبه مستحيلة المنال للغالبية. تصف أسماء العلي، 40 عاماً، مدرسة لغة عربية من القنيطرة، واقع الحال لموقع صالون سوريا قائلةً: “سوق الكتاب منهارة تماماً؛ سعر الكتاب الواحد قد يوازي عمل يومين لعامل بسيط”. وتضيف مثالاً: مروان، شاب من ريف درعا يعمل في معمل خياطة، اضطر إلى الادخار أربعة أشهر ليتمكن من شراء “شرح صحيح مسلم للنووي” بسعر 70 دولاراً أميركياً، أي ما يقارب 800 ألف ليرة سورية. وتتابع: “هذا الغلاء، مع انقطاع طرق الشحن بسبب التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة وفوضى السلاح في درعا، جعل اقتناء أمهات الكتب الورقية ضرباً من الخيال للمواطن العادي”.
المكتبات الخاصة في درعا، التي كانت يوماً تعج بالرواد، أغلقت أبوابها أو تحولت إلى متاجر لبيع العطور والقرطاسية المدرسية البسيطة. ولم يعد الشراء المباشر خياراً متاحاً بسبب انقطاع الشحن وغلاء الورق. ولم يكن هذا الإفقار المعرفي مجرد تراجعٍ في القراءة، بل أحدث تحولاً في طبيعة العلاقة مع المعرفة؛ إذ تراجع النقاش العام لصالح استهلاكٍ فردي صامت، وانتقل الاهتمام من قراءةٍ متعمقة إلى اطلاعٍ سريع ومجزّأ، وغدت المعرفة ترفاً مؤجلاً أمام ضغط الاحتياجات المعيشية، ليحل محل الكتاب محتوى رقمي سريع غالباً ما يفتقر إلى التدقيق.
وفي حديث خاص حول التحول الرقمي، تشرح أسماء العلي لموقع صالون سوريا كيف أصبح ملف “بي دي إف” المنقذ والخصم في آنٍ واحد. تقول: “لم يعد أحد يملك رفوفاً ممتلئة بالكتب في القنيطرة؛ المكتبات الآن روابط تُرسل عبر واتساب وتلغرام. لكن تحت هذا السطح الرقمي تختبئ مخاطر؛ فغياب الرقابة يترك العقول الشابة وحيدة في مواجهة فيضٍ من التضليل والخداع. الكتاب الإلكتروني جعل القراءة فعلاً سرياً وفردياً، وغابت معه جلسات النقاش الجماعية التي كانت تعطي للثقافة روحها”. وتضيف: “تحوّل الهاتف المحمول إلى مكتبة متنقلة تضم آلاف الكتب الرقمية المقرصنة، لا حباً بالتكنولوجيا، بل هرباً من تكلفة الورق. المشكلة أن القارئ يضيع في غابة الملفات، فيقرأ مقتطفات مشتتة لا تبني وعياً حقيقياً”.
في موازاة ذلك، برزت ظاهرة “التوزيع المجاني الممنهج”. رصد معد التقرير، مثلاً، في معرض دمشق الدولي للكتاب، في مطلع شباط / فبراير 2026، طوابير طويلة من أطفال وشباب الجنوب لاستلام كتب دينية لابن تيمية وابن القيم تُوزّع مجاناً. ويقول أحد المراقبين: “هناك رغبة مجتمعية في البحث عن اليقين وسط هذا الانهيار، وهو ما يجعل الكتاب الديني يتصدر المشهد، بينما تتراجع الرواية والفكر النقدي إلى الهوامش”. أما الكتب التي تُطلب “همساً”، فهي تلك التي تناقش نظرية التطور أو الفلسفة الوجودية أو الأدب الجريء اجتماعياً. الرقابة هنا ليست “شرطياً” على باب المكتبة، بل خوفٌ من الوصمة والمساءلة الدينية التي قد تلاحق اقتناء مثل هذه العناوين.
في القنيطرة، لا ترف للثقافة بعيداً عن فوهة البندقية. فالتوغّل الإسرائيلي قضم 76 كيلومتراً من الشريط الحدودي بعمقٍ وصل إلى 4 كيلومترات. كما أن احتلال بلدات مثل “الحميدية” و”الرواضي” و”العدنانية” و”رسم الشولي” و”القحطانية” حوّل النشاط الثقافي إلى “فعل استغاثة”. وعمدت قوات الجيش الإسرائيلي إلى دخول مبنى المحافظة ونشر الفوضى؛ حطموا المكاتب، ونثروا القاذورات في الردهات، وأحرقوا سيارات المحافظة. ويصف أبو عبد الله هذا الفعل بأنه محاولة لكسر الهيبة المعنوية للمكان. ومع فقدان المكان المادي، المركز أو المحافظة أو النادي، يُفقد المنبر بالضرورة، فيتحول النشاط الثقافي إلى توثيقٍ حقوقي للمظالم.
في ظل هذا المشهد، كيف يرى المواطن في الجنوب “الفعل الثقافي”؟
رهام الناطور، 33 عاماً، خريجة كلية التربية من مدينة نوى، تتحدث بمرارة لـموقع صالون سوريا عن تحول مفهوم الثقافة من “هوية علنية” إلى “فعل سري”. تقول: “قبل سنوات كانت الثقافة هويتي وتعني لي التميز والظهور. اليوم أعتبرها منفاي الاختياري للهروب من واقعٍ لا يرحم. أقرأ الروايات في غرفتي، لكنني لا أجرؤ على مناقشتها علناً. بعد سقوط النظام صار المجتمع يراقب بدقةٍ أكبر؛ والخوف من العار أو النميمة، أو اتهامنا بالتبعية للغرب، صار أقوى من أي رقابة أمنية سابقة”.
وتحدد رهام أسباب غياب الجمهور عن أي فعاليات محتملة في ثلاثة عوامل: أولاً الأمن؛ الاغتيالات وفوضى السلاح تجعل الخروج بعد الغروب مخاطرةً غير محسوبة، وتحوّل التجمعات إلى أهداف محتملة. وفي القنيطرة، يجعل الوجود الإسرائيلي المكثف في 9 نقاط حدودية التجمعات هدفاً محتملاً. ثانياً العامل الاجتماعي؛ الخوف من النميمة واتهامات “إفساد المجتمع”، حيث تُواجه التجمعات المختلطة بحملات تحريض رقمية تصف الناشطين بـ”العلمانية المأجورة”. ثالثاً العامل الاقتصادي؛ تراجع القدرة الشرائية يدفع المواطن إلى تفضيل تأمين الخبز على تكلفة مواصلات لحضور ندوة شعرية. وعن الفضاء الرقمي، تؤكد رهام أن الفضاء الرقمي في الجنوب لا يعوّض دفء اللقاء الإنساني، بل يخلق غرفاً معزولة تعمق الاستقطاب، فتجعل الثقافة أداة فصل لا وصل، حيث يستهلك كل فرد ما يوافق هواه دون فرصة للحوار الحقيقي الذي كان متاحاً في المقاهي والمراكز سابقاً.
يجمع مراقبون في الجنوب السوري على أن تعريف “المقبول اجتماعياً” شهد انزياحاً كبيراً نحو التشدد. يقول الشيخ محمود أبو عبد الله، 50 عاماً، إمام جامع معتدل من درعا، في حديثه لموقع صالون سوريا: “المجتمع الحوراني كان دائماً محافظاً لكنه متسامح. اليوم نرى محاولات لفرض رؤية أحادية. الموسيقى والتصوير وحتى نوع اللباس أصبحت مواضيع تُحسم عبر التحريم والتحريض”.
من يرسم الخطوط الحمراء؟
يوضح الشيخ محمود أن الرقابة لم تعد مقتصرة على جهة واحدة، بل تُمارَس عبر تحالف غير معلن بين ثلاثة أطراف: تجمعات مؤطَّرة تستغل نفوذها المالي ومنصاتها الإعلامية لإحكام القبضة على المنابر الرقمية والمحلية، مروِّجةً خطاباً متشدداً يضع الفنون في دائرة التحريم؛ ثم رقابة ذاتية لدى المنظمين، إذ يتجنبون موضوعات قد تثير حساسية دينية، ويفضلون حصر الأنشطة في جوانب مهنية مثل الخياطة وعلوم الحاسوب لضمان الاستمرارية وتجنب الصدام؛ وأخيراً ضغط اجتماعي قائم على الوصم، تُشن عبره حملات تحريض ضد أي ناشط ثقافي بتهمة “إفساد المجتمع”، ما يؤدي إلى نبذه وتوقف نشاطه قسراً دون قرارٍ رسمي، بقوة الترهيب المعنوي الذي يفرضه الواقع الجديد.
ويتجلى ذلك في “الهروب إلى المناطق الآمنة”، حيث تقتصر أنشطة المراكز على دورات “الخياطة والحاسوب” مع تجنب المسرح والفنون الفكرية. ويروي الشيخ حادثة مسابقة القرآن للأطفال التي هاجمها البعض لمجرد حضور الأمهات، ما يعكس ضيق أفق صاعدين جدد ورغبتهم في فرض الفصل وتغييب المرأة عن المشهد.
لا يبدو التراث في الجنوب السوري، الممتد من سهول حوران إلى هضاب الجولان، مجرد فولكلور عابر، إنما هي مادة شديدة الحساسية؛ فهو يمثل “الهوية الجامعة” من جهة، لكنه بات هدفاً للنقد المتشدد ومحاولات التوظيف السياسي من جهة أخرى. وتختصر رهام الناطور هذا المشهد بالإشارة إلى “مؤشر صمود” لا يزال يقاوم الاندثار، وهو التراث الحي في المناسبات الاجتماعية؛ فالدبكة و”السحجة” الحورانية ما زالتا قاسماً مشتركاً رغم تصاعد فتاوى التحريم. وفي الوقت الذي يوقّع فيه الشباب بأقدامهم رسائل البقاء، بدأت تظهر “أعراس إنشادية” تخلو من الموسيقى بتوجيه فرق دينية تسعى لاستئصال هذا الإرث بدعوى “البدعة”.
أما في القنيطرة، فتتخذ الثقافة شكلاً أكثر تجذراً، حيث تتحول العلاقة بالأرض ورفض الإغراءات أو العروض الإسرائيلية إلى أسمى أشكال التعبير الثقافي؛ وهو أثرٌ لم ينجح أحد في انتزاعه من وجدان الأهالي. وعلى المقلب الآخر، يواجه هذا الإرث “معركة الرواية التاريخية”. تحاول إسرائيل توظيف الآثار المنتشرة في درعا والقنيطرة لخدمة سرديتها عبر ربط المنطقة بـ”مملكة باشان” التوراتية المزعومة. ويضع هذا التحدي المثقف السوري أمام جبهتين: جبهة التصدي لـ”الأسرلة” التي تسرق التاريخ، وجبهة الميل إلى التشدد الديني الذي يختزل الآثار في مفهوم “الأصنام” التي يجب إزاحتها. إنه صراعٌ على “من يملك القصة” في ظل فراغٍ مؤسساتي موحش كان يفترض أن يكون الحارس الأمين لهذا الإرث المهدد.
نحو “عقد ثقافي” جديد
يكشف الرصد الميداني في محافظتي درعا والقنيطرة بين عامي 2024 و2026 عن تحولات جوهرية ترسم ملامح مستقبل الهوية في الجنوب السوري. وتبرز ظاهرة “خصخصة الفعل الثقافي” كأحد أبرز مخرجات انهيار المؤسسات الرسمية؛ فمع انطفاء الأنوار في مراكز الدولة، كما حدث في درعا، انزاح الحراك الثقافي نحو فضاءات خاصة من مضافات وبيوت مفتوحة، بما يهدد بتكريس الاستقطاب العشائري والمناطقي على حساب الهوية الجامعة.
ويترافق هذا الانكفاء مع ولادة نظام رقابي جديد أكثر تعقيداً؛ إذ سادت “الرقابة الاجتماعية” التي استبدلت السطوة الأمنية المباشرة بـ”الرقابة الذاتية” وخوف الفرد من محيطه، وهو نوع من الوصاية الفكرية يبدو أكثر فتكاً لغياب مرجعية قانونية واضحة. وفي مقابل هذا التراجع في المدن، تكرست الثقافة في القنيطرة بوصفها “فعل مقاومة” وجودياً؛ حيث غدا “المحراث” وصمود المزارع في أرضه هو النص الثقافي الأكثر بلاغة في مواجهة محاولات التجريف واقتلاع التاريخ. غير أن هذا الصمود يصطدم بحالة “انفصام رقمي” لدى جيل الشباب، حيث اتسعت الفجوة بين الحرية في الفضاءات الافتراضية والقيود الصارمة على الأرض، ما خلق ازدواجيةً تحاول موازنة التطلعات العصرية مع واقعٍ محلي يزداد انغلاقاً وحذراً.
بواسطة أيمن النعيمي | مارس 9, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
سوريا ما قبل 2024: عصر الازدهار النفطي المفقود
قبل اندلاع الحرب في عام 2011، كان قطاع النفط والغاز السوري يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إذ بلغ الإنتاج حوالي 380 ألف برميل يومياً من النفط الخام، مع احتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 2.5 مليار برميل، إلى جانب إنتاج غاز طبيعي تجاوز 30 مليون متر مكعب يومياً. وقد شكّلت عائدات الطاقة نحو 40% من إيرادات الدولة و20% من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل سوريا دولة ريعية بامتياز تعتمد على ثرواتها الباطنية في تمويل موازنتها ومشاريعها التنموية. واستقطبت هذه الثروات كبرى الشركات العالمية، إذ كانت “شل” البريطانية الهولندية تشغّل حقول شركة الفرات للنفط منذ عام 1985، بينما دخلت “توتال إنيرجيز” الفرنسية في شراكة مع المؤسسة العامة للنفط في حقل دير الزور، كما استثمرت شركات صينية مثل “سي إن بي سي” و”سينوكيم” في حقول مختلفة، إضافة إلى شركة “غلف ساندز” البريطانية التي كانت تدير القطاع 26 في شمال شرق البلاد.
مع اندلاع الحرب، تحولت الثروة النفطية من مصدر قوة إلى عامل صراع وانهيار. انسحبت الشركات الأجنبية تباعاً معلنة حالة “القوة القاهرة” تحت وطأة العقوبات الدولية وتدهور الأوضاع الأمنية، فغادرت “شل” و”توتال”، وتوقفت استثمارات الشركات الصينية والكندية والكرواتية. وتعرضت البنية التحتية للطاقة لدمار ممنهج، حيث خرجت خطوط الأنابيب عن الخدمة، ودُمّرت محطات التجميع والمعالجة، وسيطرت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على نحو 90% من حقول النفط والغاز في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. وفي مناطق سيطرة النظام السابق، تراجع الإنتاج إلى أقل من 15 ألف برميل يومياً، واضطرت دمشق إلى الاعتماد بشكل شبه كلي على الواردات الإيرانية التي كانت تصل عبر شبكة معقدة من التحايل على العقوبات، مما كلّف الخزينة مليارات الدولارات وأدى إلى تفاقم أزمة الكهرباء والمحروقات التي أرهقت السوريين طيلة سنوات الحرب.
مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وصعود الإدارة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، انفتحت نافذة تاريخية لإعادة هيكلة قطاع الطاقة السوري برمته. ففي غضون أشهر قليلة، تمكنت الحكومة الجديدة من استعادة السيطرة على حقول الشمال الشرقي بعد اتفاق تاريخي مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في يناير/كانون الثاني 2026، يشمل دمج المؤسسات المدنية والعسكرية تحت سلطة الدولة، وتسليم كافة الحقول النفطية والغازية والمعابر الحدودية. وفي مايو/أيار 2025، أعلنت الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا عبر الترخيص العام رقم 25، تلاه إعفاء مؤقت من قانون “قيصر” لمدة ستة أشهر، ثم رفع دائم في ديسمبر/كانون الأول 2025، مما أزال العائق الأكبر أمام تدفق الاستثمارات الدولية. ومنذ ذلك الحين، بدأت تتشكل تحالفات اقتصادية كبرى تعيد رسم خريطة الطاقة السورية، في مقدمتها التحالف الرباعي (الأميركي-السعودي-التركي-القطري) الذي يضع أسس مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي والدولي لإعادة إحياء الثروات المنسية.
تحليل التحالف الرباعي وخريطة الاستثمارات: أضلاع التحالف الرباعي وتقاسم الأدوار في مشروع النهضة الطاقية
تتبوأ الولايات المتحدة موقع القاطرة السياسية لهذا التحالف، إذ كان رفع العقوبات شرطاً أساسياً لانطلاق أي استثمارات جادة في القطاع. وقد تجلى الدور الأميركي في الدعم المباشر الذي قدمه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، الذي وصف الاتفاقيات الموقعة بأنها “تجسيد لرؤية الرئيس ترامب في تمكين التجارة لا الفوضى”. وعلى الصعيد العملي، تقود الشركات الأميركية الكبرى جهود إعادة تأهيل القطاع، حيث وقعت شركة “شيفرون” في فبراير/شباط 2026 مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول وشركة “باور إنترناشيونال” القطرية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في خطوة تمثل أول دخول لشركة نفط كبرى إلى سوريا منذ سنوات. كما شكّلت شركات “بيكر هيوز” و”هانت إنرجي” و”أرجنت” تحالفاً مع شركتي “أكوا باور” و”طاقة” السعوديتين لاستكشاف وتطوير 4 إلى 5 حقول نفطية وغازية في شمال شرق سوريا، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الأميركية نحو دمج سوريا في شبكات الطاقة الإقليمية.
تُعدّ السعودية الركيزة المالية الأهم في التحالف، حيث أعلنت في فبراير/شباط 2026 عن حزمة استثمارات بقيمة 3 مليارات دولار تشمل قطاعات حيوية متعددة. فمن خلال صندوق “إيلاف” الاستثماري، تم تخصيص 7.5 مليار ريال سعودي (ملياري دولار) لتطوير وتشغيل مطاري حلب الدولي القديم والجديد، بطاقة استيعابية تصل إلى 12 مليون مسافر سنوياً. كما وقعت شركة الاتصالات السعودية “STC” اتفاقاً بقيمة مليار دولار لتنفيذ مشروع “سلك الحرير” الذي يمد شبكة ألياف ضوئية بطول 4500 كيلومتر، ويدخل الجيل الخامس للاتصالات، ويطور مراكز بيانات حديثة. وفي قطاع الطيران، تم تأسيس شركة “ناس سوريا” بملكية 51% للجانب السوري و49% لشركة “فلاي ناس” السعودية، على أن تبدأ عملياتها في الربع الأخير من 2026. كما وقعت شركة “أكوا باور” اتفاقاً لإجراء دراسات إنشاء محطة تحلية مياه بطاقة 1.2 مليون متر مكعب يومياً، ونقل المياه العذبة من الساحل السوري إلى المناطق الجنوبية، في مشروع يهدف إلى مواجهة الجفاف المزمن. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية لم تقتصر على الاستثمارات الجديدة، بل ساهمت مع قطر في تسديد ديون سوريا المستحقة للبنك الدولي بقيمة 15.5 مليون دولار، مما مهد الطريق لعودة التعاون مع المؤسسات المالية الدولية.
تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً في التحالف بوصفها حلقة وصل رئيسية في شبكات الطاقة الإقليمية. فمنذ مايو/أيار 2025، بدأت أنقرة بتزويد سوريا بملياري متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً عبر خط “كيليس-حلب”، مما يسهم في توليد 1300 ميغاواط إضافية من الكهرباء. كما تم الاتفاق على ربط شبكة الكهرباء السورية بالتركية بخط 400 كيلوفولط. وعلى صعيد الاستثمارات، تشارك شركتا “كاليون إنيرجي” و”جنكيز إنيرجي” التركيتان في التحالف الذي تقوده مجموعة “UCC” القطرية لبناء أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية بقيمة 7 مليارات دولار. كما أن الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية “STE” وقعت اتفاقاً لبناء محطة طاقة شمسية بقدرة 100 ميغاواط في محافظة حماة، وتزويد ريف حلب الشمالي بالكهرباء عبر خط “الريحانية-عفرين”. ويعكس هذا الحضور التركي المكثف رغبة أنقرة في تعزيز نفوذها الاقتصادي، وضمان استقرار جوارها الجنوبي، والاستفادة من موقع سوريا كمعبر لوجستي نحو الأسواق العربية والخليجية.
تستثمر قطر في سوريا من خلال ذراعها الاستثماري المتمثل في مجموعة “UCC Holding” التابعة لشركة “باور إنترناشيونال” التي يمتلكها رجل الأعمال السوري القطري معتز الخياط. وقد وقعت هذه المجموعة في مايو/أيار 2025 أكبر صفقة استثمارية في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، تشمل بناء أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية في مناطق دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي، ومحطة طاقة شمسية في وديان الربيع بقدرة 1000 ميغاواط. وفي فبراير/شباط 2026، شاركت “باور إنترناشيونال” في مذكرة التفاهم مع شركة “شيفرون” للتنقيب البحري، مما يعكس رغبة قطر في توظيف خبرتها الواسعة في مجال الغاز المسال لاستكشاف الثروات البحرية السورية. كما أن صندوق قطر للتنمية موّل توريد الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا بكمية 3.4 ملايين متر مكعب يومياً، مما ساهم في رفع ساعات التغذية الكهربائية. ولا يقتصر الدور القطري على الطاقة، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، حيث استثمرت مجموعة “بلدنا” الغذائية، التابعة أيضاً للخياط، 250 مليون دولار لإنشاء مجمع صناعي متكامل للألبان والعصائر في مدينة عدرا الصناعية.
المشاريع الرئيسية والمناطق المستهدفة
تتوزع الاستثمارات المعلنة على ثلاث مناطق رئيسية تعكس الأولويات الاستراتيجية للتحالف. ففي شمال شرق سوريا، حيث تتركز الثروة النفطية والغازية، يستهدف التحالف السعودي-الأميركي تطوير حقول رميلان والسويدية والعمر والتنك، التي تُقدَّر احتياطياتها بنحو 300 مليون برميل في حقل السويدية وحده، و760 مليون برميل في حقل العمر. وقد بدأت الشركة السورية للبترول بالفعل في ضخ الغاز من حقل الجبسة إلى معمل الفرقلس، ونقل النفط من حقلي العمر والتنك إلى مصفاتي حمص وبانياس. وفي المياه الإقليمية السورية، تم تخصيص رقعة بحرية لتحالف “شيفرون-باور إنترناشيونال” لإجراء مسوحات زلزالية تمهيداً للحفر الاستكشافي، استناداً إلى تقديرات جيولوجية تشير إلى احتمالية وجود 1.2 تريليون متر مكعب من الغاز في حوض المشرق، وهو ما يعادل أربعة أضعاف الاحتياطي البري المؤكد. أما في دمشق وحلب، فتتركز مشاريع البنية التحتية، حيث يجري تطوير مطار دمشق الدولي بطاقة استيعابية تصل إلى 31 مليون مسافر، وإنشاء مترو دمشق بطول 26.5 كيلومتراً يخدم 750 ألف راكب يومياً، وتطوير مطاري حلب القديم والجديد بطاقة 12 مليون مسافر، ومد شبكة الألياف الضوئية التي ستربط سوريا بشبكات الاتصالات الإقليمية والدولية.
التوجهات الحكومية وأهداف الإنتاج
تسعى الحكومة السورية الانتقالية إلى تحقيق قفزة نوعية في قطاع الطاقة خلال السنوات القادمة، وفق رؤية تستند إلى تعظيم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وقد أعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي عن خطة طموحة تهدف إلى رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بنحو 7.6 ملايين متر مكعب حالياً، وذلك من خلال إعادة تأهيل حقول المنطقة الوسطى والشرقية واستثمار الاكتشافات الجديدة. كما تتوقع الحكومة وصول إنتاج النفط إلى 100 ألف برميل يومياً خلال أربعة أشهر، ثم إلى 200 ألف برميل خلال عام، مع إمكانية تجاوز هذا الرقم عند اكتمال مشاريع الاستكشاف البحري. وتعمل الحكومة على تطوير مصفاتي حمص وبانياس، ونقل مصفاة حمص إلى منطقة الفرقلس بطاقة 150 ألف برميل يومياً، بهدف زيادة الطاقة التكريرية وتحسين جودة المشتقات النفطية.
يمكن تصنيف اللاعبين المنخرطين في السوق السورية إلى ثلاث فئات رئيسية. الفئة الأولى: الشركات الأميركية الكبرى، وفي مقدمتها “شيفرون” التي تطمح إلى تكرار نجاحاتها في شرق المتوسط، حيث تمتلك أصولاً في إسرائيل وقبرص ومصر، من خلال دخول السوق السورية، و”كونوكو فيليبس” التي وقعت مذكرة تفاهم لتطوير حقول الغاز، و”بيكر هيوز” المتخصصة في تقنيات الحفر والإنتاج. الفئة الثانية: الشركات الخليجية، وتتصدرها “أكوا باور” السعودية التي تطمح إلى أن تكون لاعباً رئيسياً في قطاع الطاقة المتجددة، و”STC” التي تسعى لأن تصبح مشغل الاتصالات المهيمن في سوريا، و”UCC” القطرية التي تهدف إلى بناء محفظة استثمارية متكاملة تشمل الطاقة والبنية التحتية والصناعات الغذائية. أما الفئة الثالثة فهي الشركات التركية، مثل “كاليون إنيرجي” و”جنكيز إنيرجي”، اللتين تسعيان إلى توسيع أعمالهما في مجال الطاقة المتجددة والتوليد الحراري، مستفيدتين من القرب الجغرافي والاتفاقيات الحكومية.
اجتماعياً، تمثل هذه الاستثمارات فرصة تاريخية لخلق فرص عمل واسعة النطاق، حيث تتوقع مجموعة “UCC” توفير 50 ألف فرصة عمل مباشرة و250 ألف فرصة غير مباشرة من مشاريع الطاقة وحدها. كما أن مشاريع البنية التحتية، كالمطارات والمترو، ستوفر آلاف الوظائف في قطاعات الإنشاءات والتشغيل والخدمات. وسينعكس تحسن إمدادات الكهرباء بشكل مباشر على حياة المواطنين، إذ يُتوقع أن ترتفع ساعات التغذية من 2 إلى 4 ساعات يومياً حالياً إلى 8 أو 10 ساعات خلال عام، ثم إلى 20 ساعة عند اكتمال مشاريع التوليد. كما أن تنمية المناطق الشرقية، دير الزور والحسكة والرقة، عبر إعادة تأهيل حقول النفط وتشغيلها ستسهم في استقرار هذه المناطق وعودة النازحين إليها، بعد أن عاد أكثر من 1.47 مليون لاجئ منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 وفقاً لتقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
سياسياً، يعزز هذا التحالف الاستقرار السياسي في سوريا من خلال ربط مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين باستقرار البلاد. فالاستثمارات السعودية والقطرية والتركية تخلق شبكة مصالح اقتصادية تدفع هذه الدول إلى دعم الحكومة السورية وضمان عدم عودة الفوضى. كما أن حضور الشركات الأميركية يمنح واشنطن أداة نفوذ إضافية، ويمثل اعترافاً ضمنياً بشرعية الحكومة الانتقالية. وعلى الصعيد الإقليمي، تعيد هذه الاستثمارات تموضع سوريا كحلقة وصل بين أسواق الخليج وتركيا وأوروبا، مما يعزز دورها الجيوسياسي ويحولها من ساحة صراع إلى محور تنمية. كما أن العلاقة الجديدة مع دول الخليج تحد من النفوذ الإيراني والروسي، وتمهد الطريق لاندماج سوريا في المنظومة العربية بشكل كامل.
نفطياً، ومع عودة الإنتاج إلى مستويات قابلة للتصدير، ستستعيد سوريا موقعها كلاعب في سوق الطاقة الإقليمي، خاصة إذا تحققت الاكتشافات البحرية الكبيرة. ويمكن للغاز السوري أن يغذي الأسواق المحلية والأردن ولبنان، بل وربما يصل إلى أوروبا عبر خط الغاز العربي. كما أن تطوير صناعة التكرير سيمكن سوريا من تصدير منتجات نفطية ذات قيمة مضافة بدلاً من النفط الخام، مما يزيد الإيرادات ويخلق فرص عمل في الصناعات البتروكيماوية.
رغم التفاؤل الذي تثيره هذه المشاريع، تواجه عملية إعادة إعمار قطاع الطاقة مجموعة من التحديات الجسيمة التي قد تعرقل تنفيذها أو تحدّ من أثرها الإيجابي. أولاً: المنافسة الجيوسياسية، إذ إن التقارب بين السعودية وتركيا وقطر لا يخلو من تنافس خفي على النفوذ في سوريا؛ فالسعودية تسعى إلى احتواء النفوذ التركي عبر استثماراتها الكبيرة، بينما تحاول قطر الحفاظ على علاقاتها المتميزة مع أنقرة. وفي الوقت نفسه، تراقب إيران وروسيا هذه التطورات بقلق، وقد تحاولان عرقلة بعض المشاريع أو تقديم عروض منافسة للحفاظ على موطئ قدم لهما. ثانياً: المخاطر الأمنية، فرغم تراجع مستوى العنف إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، لا تزال هناك مناطق متوترة، خاصة على تخوم مناطق سيطرة “قسد” السابقة، وفي البادية السورية حيث تنشط خلايا تنظيم “داعش” التي شنت 153 هجوماً في العراق وسوريا خلال النصف الأول من 2024 وحده. كما أن التوترات مع إسرائيل، التي تشن غارات جوية بين الحين والآخر، قد تؤدي إلى تصعيد غير متوقع. ثالثاً: الحاجة إلى أطر حوكمة وتشريعات، فسرعة تدفق الاستثمارات تفوق قدرة المؤسسات السورية على استيعابها وتنظيمها، مما يخلق مخاطر فساد وغياب شفافية. وقد حذر مراقبون من أن غياب قانون للمنافسة، وإطار واضح للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهيئات تنظيمية مستقلة، قد يؤدي إلى تكرار نموذج “اقتصاد الريع” الذي كان سائداً قبل الحرب، حيث تتركز الثروة في أيدي نخب محدودة. كما أن تركيز الاستثمارات في دمشق وحلب على حساب المناطق الأخرى، كمنطقة الساحل والسويداء، قد يخلق احتقاناً اجتماعياً جديداً. رابعاً: التحديات الفنية والبيئية، إذ إن البنية التحتية للطاقة تعرضت لدمار ممنهج خلال الحرب، ويتطلب إعادة تأهيلها استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة. كما أن عمليات الاستخراج العشوائية التي تمت خلال سنوات سيطرة “قسد” تسببت بأضرار بيئية جسيمة وتلوثٍ للتربة والمياه الجوفية، مما يفرض تكاليف إضافية على الشركات الجديدة.
إن نجاح هذه المشاريع الضخمة يبقى رهناً بقدرة الحكومة السورية على بناء مؤسسات قوية وشفافة، وضمان توزيع عادل لعوائد الثروة النفطية، والحفاظ على استقرار أمني يمكّن المستثمرين من العمل في بيئة آمنة. وإذا ما تم تجاوز هذه التحديات، فإن خريطة الطاقة السورية الجديدة قد تكون نواة لنهضة اقتصادية شاملة تعيد بناء ما دمرته الحرب، وتوفر فرصة حقيقية للسوريين لاستعادة ثرواتهم المنسية.
بواسطة أوس يعقوب | مارس 4, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة، صدر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت مؤخراً كتاب “أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة” لمؤلّفيه بسام برازي وسعد فنصة، اللذين يوثّقان فيه حادثة اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي (1909–1964) في مقاطعة غوياس بالبرازيل، في 27 أيلول/سبتمبر 1964، بإصابته بطلقٍ ناري من مسافةٍ قريبة، وذلك بالاستناد إلى وثائق محاكمة منفّذ عملية الاغتيال، الشاب نواف غزالة – من أبناء الطائفة الدرزية – إضافةً إلى الشهود والمرافعات القانونية التي جرى العثور عليها بعد جهودٍ شاقة ورقمنتها وأرشفتها.
يقدّم برازي (ابن شقيقة الشيشكلي)، وهو خريج جامعة تكساس في الهندسة المدنية ورئيس مجلس إدارة النادي السوري الأميركي في هيوستن، وفنصة (الباحث والمؤرخ السوري المقيم في واشنطن)، في كتابهما الذي صدرت طبعته الأولى عام 2020، محطاتٍ من سيرة وتاريخ العقيد الشيشكلي المولود في حماة عام 1909، والذي أصبح رئيساً للبلاد على إثر الانقلاب العسكري الثالث في تاريخ سوريا الحديث، في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 1949.
كما يتناول الكاتبان بالتحليل والنقاش رؤيتهما الخاصة لأحداث جبل الدروز وسياقها التاريخي في خمسينيات القرن الماضي، ويتناولان أعداد القتلى وأدوار الأطراف الدولية، ويقفان عند أساليب محامي الدفاع، في محاولةٍ لتقديم إضافة موثّقة لفهم مرحلةٍ مهمة من تاريخ سوريا في النصف الأول من القرن العشرين.
يقول الكاتب بسام برازي، في مقدمة وضعها للطبعة الثانية من الكتاب (575 صفحة)، تتخللها وثائق وصور تُنشر للمرة الأولى، إنه:
“حين فرغت من كتابة “الحقيقة المغيبة” مع سعد فنصة، كنت أظن أننا قد وثّقنا كل ما يحتاج إلى توثيق في السرد حول حقبة الشيشكلي، وأننا جمعنا كل ما أمكننا جمعه من الوثائق والشهادات والبيانات. ثم بعد صدور الطبعة الأولى وما أثارته من جدل ونقاش، المثمر منه وغير المثمر، وجدنا أننا أغفلنا توثيق الحادثة الأهم في سيرة الشيشكلي، وهي ببساطة حادثة اغتياله. فقد جرت محاكمة للقاتل ومن شاركوه في التخطيط للجريمة، لكن الكتاب لم يتضمن أي وثيقة من وثائق تلك المحاكمة أو دفاعات المحامين أو مرافعات الادعاء أو شهادات الشهود. وهكذا لم نعد نجد في أنفسنا ذلك الرضا التام عن الكتاب، فبدأنا جهوداً شاقة للحصول على وثائق تلك المحاكمة”.
ويلفت برازي إلى أنه وزميله سعد فنصة كانا يعرفان أن الأمر ليس سهلاً، إذ “إن المحاكمة جرت منذ أكثر من نصف قرن، وليس من السهل العثور على أشخاص يمكن أن يكونوا مرتبطين بها قادرين على تذكر أين أودعت هذه الوثائق – إن كانت موجودة أصلاً ولم تتعرض للإتلاف. وهذه الوثائق لا تنتمي إلى زمان بعيد فقط، بل أيضاً إلى بلد بعيد لا نعرف إلا اليسير عن مسالكه القضائية. لكن الله شاء ألا تضيع جهودنا وجهود أولئك البرازيليين الطيبين الذين تولّوا مهمة البحث، على الرغم من أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الشيشكلي، بل لم يسمعوا باسمه من قبل. وهكذا عُثر على ملف المحاكمة وأُنقذ من الإتلاف الذي كان وشيك الحدوث. كما عمد المسؤولون عن ملف المحكمة، بعد اكتشاف هذا الاهتمام غير المتوقع بملف مضى عليه ستون عاماً، إلى رقمنة الملف وأرشفته، وتخزين النسخة الأصلية الورقية في متحف المحكمة، وتزويدنا بنسخةٍ منه”.
ويبيّن برازي أن هذا الملف الأصلي “يشرح الجهود المستميتة التي بذلها محامو الدفاع عن القاتل، وهم – بحسب الصحافة البرازيلية – من أشهر المحامين الجنائيين في عموم البرازيل، والذين أسرفوا في الافتراء على الشيشكلي واختلاق قصص مفبركة عنه، ووصفه بالمجرم الذي لم يتورع عن قتل الآلاف من أبناء طائفة القاتل، بمن فيهم النساء والأطفال. كما نجحوا في نقل مكان المحاكمة من البلدة التي وقعت فيها الجريمة إلى مكانٍ آخر بعيد، بحجة الخشية على سلامة القاتل، وأن الشهود من البلدة جميعاً متعاطفون مع الشيشكلي ومتأثرون بشخصيته الوادعة الدمثة”.
ويضيف أن ملف المحكمة “غني بالمعلومات، فهو لا يتعلق فقط بحادثة الاغتيال، بل يضع أحداث جبل الدروز في إطارها الحقيقي، ويبيّن أسبابها كما وقعت من خلال تقارير مفصلة ودقيقة وبالأسماء، كما دوّنها في حينه قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظ السويداء رفعت زريق، من دون مبالغات إعلامية فجّة تسعى للإثارة. فقد ذكر أن مجمل عدد القتلى من الطرفين لم يتجاوز بضع عشرات، مقارنة بخمسة عشر ألف قتيل بحسب ادعاءات محامي الدفاع. ويشرح التقرير أدوار الجميع ويعيد – دون قصد – تعريف من هو الضحية ومن هو المعتدي، ويبرز أدوار الرجال المتورطين. ومن المؤسف أن محامي الضحية لم يحسنوا الإفادة من هذه المعلومات”.
معلومات عن حقبة الشيشكلي تُنشر للمرة الأولى
تتجلى أهمية الكتاب الذي نستعرضه في هذا المقال في سرده لسيرة الرئيس الشيشكلي منذ كان عقيداً في الجيش السوري وحتى وصوله إلى سدة الحكم عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من تنفيذه انقلاباً عسكرياً في الشهر الأخير من عام 1949، وتأريخه لحقبته التي لا تزال حتى الآن موضع جدل في الكثير من الكتب والأبحاث والبرامج المتلفزة التي ظهرت خلال العقود الماضية.
إذ يورد الكتاب ما لم تورده الإصدارات السابقة عن سيرة الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي وحياته، وذلك بالعودة إلى قرابة ألفي وثيقة من الوثائق الخاصة بوزارات خارجية الدول العظمى الفاعلة آنذاك: الأميركية والفرنسية والبريطانية، وقد احتوت هذه الوثائق على كثير من المعلومات التي تُنشر للمرة الأولى.
وفي تأريخ حقبة الشيشكلي، بحسب المؤلفين، ثمة مسألتان تميزانها عن بقية الحقب التي مرت على سوريا بعد تخليه عن الحكم. أولاهما أن سوريا – بحسب الوثائق والشهادات – عرفت في عهده عصرها الذهبي في مجالات الحياة المختلفة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو أمر لم يتكرر منذ استقلال البلاد وحتى اليوم.
وثانيهما أنه عندما شعر الشيشكلي، في اللحظات الأخيرة، أن القوى المتصارعة على الحكم بين مؤيدٍ لحكمه ومناهضٍ له قد تدفع البلاد والجيش الذي حرص على بنائه وتقويته إلى حربٍ أهلية أو صدامٍ مسلح بين فرقاء الجيش وقادته، آثر الاستقالة حقناً للدماء وغادر البلاد، رغم امتلاكه القوة العسكرية الكافية للقضاء على الانقلابيين.
ويطرح المؤلفان في كتابهما سؤالين مهمين:
الأول: هل كان أديب الشيشكلي، الرجل الأقوى سياسياً وعسكرياً في سوريا بين عامي 1949 و1954، ديكتاتوراً أم قائداً واقعياً براغماتياً تحوّل إلى ديكتاتور رغماً عنه بفعل الضغوط السياسية؟
والثاني: هل كان يستحق أن يُغتال في منفاه البرازيلي عام 1964 بعد عشرة أعوام على اعتزاله العمل السياسي؟
سيرة مبعثرة ومخفية لشخصية إشكالية
يعرّفنا الكتاب بالرئيس أديب الشيشكلي الذي كان يوم اغتياله في الرابعة والخمسين من عمره، ولم تتح له الفرصة لتدوين مذكراته أسوة بكثير من السياسيين والعسكريين الكبار من معاصريه.
ووفقاً لما يذكره برازي في المقدمة، فإن هدف الكتاب هو الإضاءة على “سيرة واحدة من الشخصيات العسكرية التي كان لها تأثير كبير في تاريخ سوريا المعاصر، وهي الفترة التي أعقبت جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 نيسان/أبريل 1946، وبالأخص مع بداية عصر الانقلابات العسكرية”.
ولا ينفي المؤلف أن الشيشكلي “شخصية إشكالية”، لكنه يشير إلى أنه عندما اغتيل “بقيت سيرته مبعثرة ومخفية في ثنايا الكتب والمراجع”.
ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة هو في الواقع تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة في كثير من الأحيان، إذ فسّر بعض المؤرخين الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن نية أو بسوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله.
ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة إنما هو “تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة، وكان مؤلفوها في أحيان كثيرة يفسّرون الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن أو سوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب، لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله”. ومن هنا ينطلق تدوين السيرة من فكرة “إنصاف” من رفع شعار “الجمهورية السورية لا تزول إلا على جثتي”، فقام بانقلابه الأول في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، ثم تسلّم السلطة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951. ورغم عبوره بكل هذه المحطات، يستنتج برازي: “أقول بكل صدق وأمانة، وحسب معرفتي بشخص أديب الشيشكلي وطبيعته، إنه أصبح ديكتاتوراً رغماً عنه”.
ويشير برازي إلى أن الشيشكلي قاد انقلابه الأول “حين تأكد من عزم الزعيم سامي الحناوي، قائد الانقلاب السابق ضد المشير حسني الزعيم وضباطه، بالتعاون مع “حزب الشعب”، على ضم سوريا إلى النظام الملكي الهاشمي في العراق المرتبط بمعاهدة مع بريطانيا”. ويضيف أنه كان بإمكانه قمع ذلك الانقلاب لأن “معظم قطاعات الجيش الضاربة استمرت تحت إمرته، لكنه آثر حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الجيش السوري أن يتخلى عن الحكم ويغادر البلاد”.
ويضيف برازي وفنصة، استناداً إلى مصادر سياسية سورية، أن “حزب الشعب” هو الذي دفع بالرئيس الشيشكلي رغماً عنه نحو حركته العسكرية المباشرة، فيما كان يفضّل الاستمرار في قيادة العربة من المقعد الخلفي.
ويلفت المؤلفان إلى أنه خلال سنوات قيادة الشيشكلي للبلاد، كرئيس للجمهورية أو كرجل قوي وراء السلطة السياسية، كان مقرّباً من سلطة “الحزب الجمهوري” الأميركي بقيادة الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس. غير أن علاقته بـ”الحزب الجمهوري” تأزمت بعدما فُرضت عليه شروط صعبة التطبيق، من بينها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والدخول في “مشروع أيزنهاور” للتعاون الإقليمي الدفاعي والعسكري مع أميركا لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي والشيوعية في المنطقة.
ويذكر برازي، في هذا السياق، أنه “في أيار/مايو 1953 قال الشيشكلي لوزير الخارجية دالاس إنه يقرّ بأن دولة إسرائيل حقيقة موجودة، كما أنه لا يريد السلاح الأميركي ليلقي بإسرائيل في البحر، بل يريده حتى لا تُلقيَنا إسرائيل في البحر. وهو يدرك أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، ولكن بإمكاننا هزيمتها اقتصادياً”.
ولا يكشف المؤلفان سراً بقولهما إنه خلال فترة حكم الشيشكلي لم تهدأ محاولات العراق وبريطانيا لضم سوريا تحت العرش الهاشمي، ولا محاولات رجل الأعمال اللبناني أميل البستاني (الذي قُتل في حادث طائرة مشبوه)، المعروف – بحسب برازي وفنصة – بصلاته الوثيقة مع الاستخبارات البريطانية، لإيصال رسالة نوري السعيد إلى القيادة السورية حول ضرورة انضمام سوريا إلى العراق.
ويرى المؤلفان، في الفصول المتعلقة بالانقلابات في سوريا الحديثة منذ عام 1949 وحتى عام 1970، أنه عندما قام أديب الشيشكلي بانقلاب في 19/12/1949 على اللواء سامي الحناوي – الذي سبق أن نفّذ انقلاباً عسكرياً على المشير حسني الزعيم واعتقله وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي بعد محاكمة عسكرية سريعة في 14/08/1949 – كان الشيشكلي ينفّذ تعطيلًا للمشروع البريطاني–العراقي–الهاشمي لمصلحة المشروع الأميركي، وليس لمصلحة جهة عقائدية أخرى، قومية سورية أو غيرها.
ويدرج المؤلفان وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في 27/02/1954 (أي عند قرار الشيشكلي الاعتكاف والخروج من سوريا بعد انقلاب الضابط مصطفى حمدون، الذي كان بعثياً وموالياً لارتباط سوريا بالنظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر) تقول: “أفاد لنا رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون بأن لبنان التزم الحياد حيال الأزمة في سوريا، وأقنع الشيشكلي بعدم العودة إلى سوريا، وأن الأخير سافر إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبد العزيز”.
سوريا بعهد الشيشكلي في مركز متقدم بين الدول النامية
يوضح المؤلفان بسام برازي وسعد فنصة مواقف العديد من القيادات السورية المختلفة بعد الانقلاب على الشيشكلي، من بينها موقف خالد العظم الذي قال: “انتقم العراقيون والبريطانيون من أديب الشيشكلي عندما أثاروا ضده عام 1954 حركة معادية في جبل الدروز، وراحوا يمدحون حزب الشعب وغيره لإثارة الفتنة ضده وإبعاده عن الحكم المعادي لهم”. فيما قال العقيد حسين الحكيم، الذي تولى رئاسة إحدى الحكومات المؤيدة للشيشكلي: “شعرت بالحزن بعد استقالة الشيشكلي ويوم سمعت باغتياله. سامي الحناوي لم يكن مسؤولاً عن مقتل محسن البرازي والشيشكلي، ولم يكن مسؤولاً عن إثارة الفتنة في جبل الدروز، ولا عن اغتيال عائلة نواف أبو غزالة الذي اغتاله في البرازيل”.
ويؤكد برازي وفنصة أن قاتل الشيشكلي كان وزير الدفاع السابق البعثي اللواء حمد عبيد (من أبناء الطائفة الدرزية في عهد البعث)، الذي اعترف بجريمته بحجة أن الشيشكلي اضطهد الطائفة الدرزية.
ويبرز الكتاب كيف أولى الشيشكلي الاقتصاد أهمية كبرى منذ تسلّمه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية عام 1953؛ إذ وجّه الحكومة لدعم الاستثمار الحر في البلاد، وسنّ القوانين المساهمة في تنظيمه ومراقبته، وأعاد قضية الموازنة العامة إلى دائرة النقاش النيابي بعد سنوات من غيابها. كما أصدر مراسيم لتشجيع الصناعات المحلية وزيادة الإنتاج، ووجّه بالاهتمام بشؤون التموين ومحاسبة المحتكرين.
ويذكر الكتاب تأثر الشيشكلي بنصائح الخبير الاقتصادي والمصرفي الألماني يالمار شاخت، التي دفعته إلى إقامة العديد من المشاريع الزراعية والصناعية التي أشرف عليها شخصياً، مستنداً إلى معرفته الأكاديمية باعتباره واحداً من خريجي المدرسة الزراعية في مدينة السلمية بمحافظة حماة، فتمكّن من تطوير النشاط والإنتاج الزراعي في البلاد بعد سنوات شهد خلالها القطاع الزراعي ركوداً، تأثر بالفساد والإهمال الحكوميين.
وقد وضعت مراسيم وقرارات الرئيس الشيشكلي سوريا في موقع متقدم بين الدول النامية، وجعلت مهاتير محمد (رئيس الوزراء الماليزي الأسبق ومهندس النهضة الماليزية) يقرّ بتأثره بتجربة الشيشكلي ورؤيته الشاملة والطموحة بعد زيارته سوريا عام 1952: “فأقسم صاحب الفضل في النهضة الماليزية بأن يجعل بلاده نسخة عن سوريا”، كما جاء في الكتاب.
بواسطة عامر فياض | مارس 2, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات الحياة اليومية البسيطة، فيما تؤكد العديد من الدراسات أن الاحتياجات الإنسانية في سوريا لا تزال عند مستوياتٍ غير مسبوقة، وأن نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وحوالي سبعة من كل عشرة سوريين مازالوا بحاجةٍ ماسةٍ للمساعدة الإنسانية. وبالنظر إلى تلك الأرقام يُطرح اليوم السؤال الملح: هل تغيَّر الواقع الإقتصادي والمعيشي في البلاد إلى الأفضل؟
رغم التحسن النسبي لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، وزيادة الرواتب الحكومية بنسبة 200%، مازالت تكاليف المعيشة تُثقل كاهل معظم السوريين، ومازال حجم الراتب الحكومي (نحو 85 دولار وسطياً) يعجز عن توفير أبسط متطلبات المعيشة، ويُبقي القدرة الشرائية في حدودها الدُنيا. ورغم انخفاض أسعار الكثير من السلع والمواد الغذائية، نسبياً، بقي بعضها أعلى من سعره الحقيقي ولا يتماشى مع حجم انخفاض قيمة الدولار مقابل الليرة، وخاصة اللحوم ومشتقات الألبان وبعض أنواع الفاكهة والخضار والمعلبات والزيوت النباتية وغيرها، فيما لا تزال أسعار معظم أنواع الأدوية وتسعيرة معاينة الأطباء كما كانت قبل سقوط النظام، دون تسجيل أي انخفاض يُذكر.
وإلى جانب ذلك، وبعد أن اتبعت الحكومة الجديدة سياسة تخفيض الدعم عن معظم المواد الأساسية، التي تُشكّل عصب الحياة، ارتفع سعر ربطة الخبز من 400 إلى أربعة آلاف ليرة، أي عشرة أضعاف، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من دولارين، عندما كانت توزَّع عبر البطاقة الذكية، إلى 11،5 دولار (حوالي 130 ألف ليرة)، وبلغ سعر ليتر المازوت 0،95 دولار.
ورغم توفر تلك المواد بشكلٍ جيد، قياساً بما كان عليه الوضع في السابق، وتخفيف مظاهر الطوابير التي كانت مشهداً يومياً أمام الأفران ومحطات الوقود، إلا أن الأسعار الجديدة فاقمت من معاناة الكثير من الناس، خاصة الفقراء والمُعدمين، كونها لا تتناسب أبداً مع متوسط حجم الدخل الشهري للموظف الحكومي أو حتى موظف القطاع الخاص. فالعائلة المكونة من خمسة أفراد، والتي تستهلك وسطياً نحو ربطتين ونصف من الخبز يومياً، باتت تحتاج إلى 300 ألف ليرة شهرياً ( ثلث راتب الموظف الحكومي) لتؤمن حاجتها من الخبز، فيما قد لا يكفي الراتب نفسه كاملاً لشراء مئة ليتر مازت، وهي، وسطياً، أقل من ثُلث الكمية التي قد تحتاجها العائلة للتدفئة خلال فصل الشتاء.
إلى جانب ذلك، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى رفع تعرفة وسائل النقل العامة. وبعد أن كان أصحاب السرافيس والباصات يحصلون على كميات محددة من الوقود المدعوم بسعرٍ منخفض مقابل الالتزام بتعرفة النقل، تم إلغاء تلك الكميات وباتوا يشترون الوقود بسعر السوق. وخلال الأشهر الماضية ارتفعت، على سبيل المثال، تعرفة النقل لمعظم السرافيس من 1000 إلى 3 أو 4 آلاف ليرة، وهو ما شكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على كثير من الناس الذين يحتاجون لاستخدام المواصلات يومياً، إذ يضطر كثير من الموظفين لإنفاق نحو نصف الراتب الشهري ثمناً للمواصلات لكي يتمكنوا من الذهاب إلى أعمالهم.
الكهرباء حديث الناس الشاغل
في نهاية تشرين الأول الماضي أصدرت وزارة الطاقة، قراراً يقضي برفع أسعار الكهرباء بنحو ستين ضعفا، فبعد أن كان سعر الكيلوواط المنزلي10 ليرات، ارتفع إلى 600 ليرة، ضمن الشريحة الأولى، وإذا زاد الاستهلاك عن 300 كيلوواط فستُحدد التكلفة ضمن الشريحة الثانية، بسعر 1400 ليرة للكيلوواط. وقد صرَّحت الوزارة أن قرار الرفع جاء نتيجة شح الموارد وارتفاع معدلات الاستهلاك والهدر الكبير في الطاقة، وأنه كان ضرورياً لكي يُجبر المستهلكين على ترشيد الاستهلاك، ويجذب الشركات المُستثمرة لكي تعمل وتستثمر في قطاع الكهرباء.
ومع صدور الفاتورة الأولى، بعد قرار الرفع، صُدم أغلب الناس من الأرقام الكبيرة للفواتير، التي تجاوز بعضها المليوني ليرة، واكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بموجات غضبٍ واستياء واعتراضٍ على القرار، وخرجت أصواتٌ كثيرة ترفض تسديد الفواتير المُجحفة، وقد نُظّمت مجموعة وقفات إحتجاجية في دمشق ومحافظاتٍ أخرى، احتجاجاً على القرار وعلى حجم الفواتير التي ستزيد معاناة الناس، بل ستلتهم النصيب الأكبر من مداخيلهم المتواضعة، التي بالكاد تكفيهم لأيامٍ معدودة، فبالنظر إلى التسعيرة الجديدة للكهرباء، سيكون المعدل الوسطي لفاتورة الاستهلاك المنزلي، نحو مليون و200 ألف ليرة، وهو مبلغ يفوق الدخل الشهري للموظف الحكومي.
وبدل أن يفرح الناس بتحسن الكهرباء، التي انخفضت ساعات تقنينها في الأشهر الماضية، أصبح الكثير منهم يتبعون سياسة تقنينٍ مؤلمة، فتوقفوا عن استخدام الكثير من الأجهزة الكهربائية، كالطبّاخ والمايكرويف والمكنسة والمدفئة، وباتوا يستخدمون بعض الأجهزة، كالفرن والغسالة والمكواة، عند الضرورة المُلحّة، ويشغلون البرَّاد وسخان المياة لساعاتٍ محددة، فيما لجأ بعضهم للاستعانة بوسائل الطاقة البديلة كالبطاريات وألواح الطاقة الشمسية، التي تحتاج لمبالغ كبيرة.
وبحسب كثيرٍ من الآراء، ستشهد الأسواق، في قادم الأيام، ارتفاعاً كبيراً في أسعار كثيرٍ من السلع والمواد، التي سترتفع تكلفة إنتاجها في المصانع والمعامل، نتيجة ارتفاع فواتير الكهرباء التجارية، كما ستتضرر الكثير من الورش الصناعية والمعامل الصغيرة وورشات الحرف والأشغال اليدوية ومحلات تنظيف الثياب وغيرها من المهن، التي بالكاد تؤمن لقمة العيش لمن يعملون فيها.
ارتفاع أسعار باقات الانترنت
في نهاية العام الماضي رفعت شركتا الاتصال الرئيسيتان في سوريا، سيرياتل وMTN، أسعار باقات الانترنت بنسبة تتراوح بين 100 و1000 % . فعلى سبيل المثال، ارتفعت الباقة الأسبوعية (سرعة 2غيغا بايت) من 2000 إلى 12 ألف ليرة، فيما ارتفعت الباقة الشهرية (سرعة 20 غيغا بايت) من 40 إلى 120 ألف ليرة، وهو ما أحدث موجة غضبٍ واسعة في الشارع السوري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وشكَّل صدمة كبيرة لدى شريحة واسعة من الناس، الذين باتوا عاجزين عن الاشتراك بتلك الباقات، التي كانوا يعتمدون عليها في إتمام أعمالهم ومهامهم الوظيفية، وخاصة طلاب الجامعات، الذين يستخدمون الإنترنت بشكلٍ يومي من أجل متابعة دروسهم ووظائفهم وتنزيل محاضراتهم، سيما أن الكثير منهم يعيشون بعيداً عن أُسرهم، ويعملون خارج أوقات الدراسة لتأمين مصاريفهم.
ويرى الكثير من المُحتجين على قرار رفع الأسعار أنه يعكس غياب الرقابة الحكومية على شركات الاتصال التي تحتكر الخدمات، في ظل غياب المنافسة، ولا ترأف بالواقع الاقتصادي المتدهور لدى معظم الناس، في وقتٍ لم يعد فيه استخدام الإنترنت رفاهية يُمكن الاستغناء عنها، وإنما ضرورة يومية مُلحّة، خاصة أن معظم الوظائف والأعمال والدروس التعليمية صارت تعتمد على خدمة الأونلاين بشكل كبير.
إيجارات المنازل.. ارتفاع متزايد
بعد أشهر قليلة من سقوط نظام الأسد شهدت إيجارات المنازل والمحال التجارية، في مختلف المحافظات، ارتفاعاً كبيراً، مازال يتزايد يوماً بعد يوم، ففي دمشق وصلت إيجارات المنازل في معظم الأحياء إلى ما بين 300 و 500 دولار، وقد تتجاوز هذا الرقم في بعض الأحياء الراقية، فيما تتراوح ما بين 80 إلى 300 دولار في بعض مناطق ريف دمشق، كجرمانا وصحنايا وضاحية قدسيا، بحسب طبيعة المنطقة ومواصفات المنزل وقربه من المواصلات العامة. وتعود أسباب ذلك الارتفاع إلى عودة الكثير من المغتربين واللاجئين إلى البلاد، وتعذّر عودة معظم الناس إلى بيوتهم المدمّرة، وبحث الكثير من العوائل، التي كانت تسكن في شققٍ تعود ملكيتها للدولة، عن سكنٍ بديل، بعد تسليم تلك الشقق عقب سقوط النظام، وخاصة المعلمين والمتطوعين في الشرطة والجيش وغيرهم. وقد ساهم هذا كله في زيادة الطلب على البيوت المستأجرة بشكلٍ كبير، ما أدى لارتفاع إيجاراتها، وانعكس سلباً على المستأجرين القدامى، إذ بات الكثير من أصحاب البيوت يطالبونهم برفع أسعار الإيجارات أو المغادرة، في حال عدم دفع المبالغ المطلوبة، وهو ما دفع الكثير من العائلات للانتقال إلى الأرياف، بحثاً عن إيجارات رخيصة ترأف بحالهم، بعد أن باتت رواتب بعضهم لا تكفي لدفع إيجار منزل.
تسريح الموظفين
عقب سقوط نظام الأسد تم تسريح أكثر من 300 ألف موظف. فعلى سبيل المثال، تم فصل 15% من كوادر وزارة النقل، والرقم ذاته من كوادر وزارتي الصناعة والصحة، ناهيك عن موظفي وزارة الداخلية والدفاع ومختلف مؤسسات الدولة. وقد نَظَّم جزء كبير من المفصولين وقفات احتجاجية في عددٍ من المحافظات، للتنديد بقررات الفصل. ففي طرطوس تظاهر العاملين في القطاع الصحي أمام مديرية الصحة، رافعين مجموعة شعارات، من بينها:”بدنا ناكل.. بدنا نعيش”، احتجوا من خلالها على قرارات الحكومة، وطالبوها بإعادة النظر فيها، كما شهدت مدينة درعا احتجاجاتٍ مشابهة، تنديداً بفصل مئات الموظفين من مديرية الصحة في المحافظة، ومن بين الشعارات التي رفعها المُحتجّين: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق” و”لا للقرارات الجائرة بحق الموظفين الذين مازالوا على رأس عملهم”.
وإلى جانب قرارات الفصل، مازال مصير عشرات الآلاف من الموظفين مجهولاً حتى اليوم، وخاصة عناصر الشرطة والجيش وموظفي وزارتي الدفاع والداخلية، والأطباء العاملين في المشافي العسكرية والمتقاعدين العسكريين. فهم لا يتقاضون رواتبهم منذ عدة أشهر ولا يعلمون كيف سيكون مصيرهم في قادم الأيام.
وبحسب كثيرٍ من الآراء ستساهم قرارت الفصل في تفاقم حجم الفقر والمعاناة التي يعيشها معظم الناس، وستُلحق أذىً كبيراً بآلاف العائلات التي باتت محرومة من أي مصدرٍ للدخل، وتزيد من معدلات البطالة، التي ينبغي على الدولة أن تُساهم في تخفيضها، سيما أنها تفاقمت أصلاً بعد سقوط نظام الأسد، خاصةً بعد إغلاق العديد من الشركات التجارية المحسوبة على رجال أعمالٍ يتبعون لنظام الأسد، وإغلاق عددٍ كبير من المعامل والمصانع، بعد فرار الكثير من أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد، وتوقف عشرات المعامل والمنشآت الصناعية التابعة للدولة عن العمل، بغرض التوجه نحو خصخصتها أو إعادة هيكلتها من جديد.
بواسطة نور قهوه جي | فبراير 21, 2026 | Cost of War, Culture, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891–1937)، عند حديثه عن خيبة أمله بعد إخفاق الثورات في البلدان الأوروبية، مفهوم الهيمنة، مشيراً إلى أن «الهيمنة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر بناء منظومة من القيم الثقافية والسياسية والأخلاقية والمعاني التي تُقدَّم بوصفها طبيعية وبديهية». ولأن الخطاب، بلغته وتعدد أشكاله، يُشكّل جانباً مهماً في عملية الاتصال والتأثير على مستوى الأفراد أولاً ثم الجماعات، وهو جزء من الخطاب العام للمجتمع، فإن أي خلل أو تباين فيه يعني بالضرورة خللاً داخلياً يستدعي التوقف عنده، والتنبه إليه، ومناقشته.
وبما أن الخطاب الثقافي الرسمي مساحة مركزية لإنتاج المعنى، فقد استوقفتني مجموعة من الخطابات الرسمية المتضاربة التي جاءت على لسان وزير الثقافة السوري في الحكومة الجديدة. من ذلك ما صرّح به في لقاء بمدينة حلب حول «تطوير الخطاب الثقافي الوطني»، بما يكرّس الهوية الوطنية السورية الجامعة ويركّز على التنوع الثقافي، بحيث تكون الثقافة أكثر التصاقاً بالمجتمع بعيداً عن النخبوية الضيقة. وهو تصريح يُمثّل إعلاناً للنوايا الثقافية، يحمل في طياته وعوداً تتجاوز القطاع الثقافي الضيق إلى المجال العام بأكمله، ويُقدّم الثقافة بوصفها سردية كبرى تنتظم حولها القيم والذاكرة والخيال الجمعي، وبذلك تتجاوز السلوك المفرد لتصبح منظومة معنى تُنتج الانتماء، وتُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وهو تصريح يوحي بإدراك عميق لمفهوم الثقافة وأبعادها.
غير أنه، وفي حوار إعلامي لاحق خُصِّص لمناقشة الشأن الثقافي، اختزل مفهوم الثقافة في مجموعة من الممارسات التنظيمية اليومية، القابلة للقياس والمراقبة، والمتصلة مباشرة بالسلوك الفردي؛ فطرح الثقافة في سياق مختلف ينسحب إلى ثقافة النظافة الشخصية ونظافة المحال، وذلك عقب حادثة سرقة المتحف الوطني المؤلمة، التي شهدتها بلاد تمر بمرحلة انتقالية حرجة تتطلب الدقة والانضباط وعرض الرؤى والاستراتيجيات. ليأتي ردّه الرسمي منصبّاً على النظافة، ومقهقهاً عند الحديث عن سرقة المتحف!
إن تجاوزنا الجدل الحاصل عقب كل تصريح منفرد للوزير، وانتقلنا إلى رؤية شمولية أكثر اتساعاً، فنظرنا إلى مجمل التصريحات نظرة تتبّع ومقارنة، نلحظ سلوكاً متبايناً في التعاطي مع الثقافة وفي التعبير عنها. وهو سلوك يفتح باباً أوسع يتعلق بطبيعة الخطاب الثقافي الرسمي نفسه، وحدود مفاهيمه، ومدى خضوعه لهندسة واعية؛ بما يُحيلنا إلى ما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926–1984)، حين أكّد أن خطورة الخطاب لا تكمن فيما يقوله فقط، بل في الحدود التي يرسمها لما يمكن التفكير فيه بوصفه «ثقافة»، وما يستبعده أو يغض الطرف عنه. وهنا جوهر القضية؛ فالمشكلة ليست في الضحكة الساخرة غير المنضبطة، ولا في الحديث عن أهمية السلوك اليومي والنظام العام، ولا في هذا التصريح أو ذاك، بل في عدم إدراك أبعاد الخطاب الثقافي وماهيته، وفي نقل مفهوم الثقافة من مستواها الاستراتيجي إلى مستوى إجرائي ضيق دون بناء جسر مفاهيمي يربط بين المستويين.
ولأننا في مرحلة بناء سوريا الجديدة، فإننا أحوج ما نكون إلى الوعي بما يُعرف بـ«هندسة الخطاب الثقافي»، أي التخطيط المنهجي المدروس للثقافة. ولا نقصد بذلك التنظير الأكاديمي المجرد، بل العملية الواعية القائمة على تحديد مفهوم الثقافة المعتمد رسمياً، واختيار اللغة التي نتحدث بها عنها، وتحديد الجمهور المقصود، وضبط العلاقة بين الرمز والسلوك، وضمان الاتساق الزمني بين الخطابات المتعاقبة؛ بما يحقق تعدد المستويات لا خلطها، وتنوع الأدوات دون تفكيك المفهوم، بهدف إدارة الوعي الفردي والجماعي وتوجيهه، وبناء المفاهيم، وتشكيل السلوك بطريقة مؤسساتية لتحقيق أهداف اجتماعية أو حضارية أو اقتصادية.
وعليه، تكون المشروعات الثقافية، انطلاقاً من التصريحات الرسمية، جزءاً من مشروع فكري بعيد المدى يتجاوز الأفكار اللحظية، فلا يقتصر على تصريح عابر أو حملة إعلانية أو نشاط أسبوعي؛ إذ يصبح سياسة رمزية طويلة الأمد، يؤدي أي ارتجال فيها إلى تشويش المعنى، حتى وإن كانت الرسائل الجزئية في ذاتها إيجابية. فالفضاء العام يقوم على تماسك اللغة والمعنى، بعيداً عن الانحراف نحو الشعبوية الثقافية، إذ إن المضي في هذا المسار يفتح الباب أمام تسطيح الوعي وتفريغ الثقافة من بعدها المعرفي، مما ينتج عنه فوضى دلالية وتآكل في المسؤولية.
ولا يُراد بالشعبوية تبسيط اللغة أو الاقتراب من الناس، بل اختزال المفهوم نفسه إلى ما هو سريع الفهم، سهل الترويج، ومضمون القبول. وقد أوضح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929) أن أخطر ما قد يصيب الخطاب الثقافي الرسمي في مرحلة دقيقة كبناء الدولة الجديدة هو الانزلاق نحو الشعبوية الثقافية؛ فعندما تُقدَّم الثقافة بوصفها انضباطاً سلوكياً، تتحول من أفق للمعنى إلى أداة ضبط، ومن فضاء للهوية إلى قائمة تعليمات. وحينها لا يعود الخطاب رافعاً للوعي، بل مُطمئناً للذائقة العامة على حساب العمق، وهو ما يفقده وظيفته التأسيسية. فالخطاب يجب أن يستند إلى العقلانية التواصلية لا إلى العقل الأداتي، لأن الاتكاء على الثاني سيضعنا في مواجهة خلل ممتد يتجاوز أثره حدود الداخل إلى الخارج.
ومن المعروف أن الخطاب الثقافي أحد أهم أدوات الاتصال بالعالم، في زمن تُقاس فيه الدول بقوتها الناعمة، وتُقرأ الثقافة فيه بوصفها سردية، وتُفهم اللغة الرسمية كبطاقة تعريف. فلا تنحصر الثقافة بما نفعله فقط، بل تمتد إلى ما نفهمه عن أنفسنا وما نرويه للعالم عنا. وقد أشار إلى ذلك أستاذ العلوم السياسية ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي جوزيف ناي، عندما تحدث عن القوة الناعمة التي تُبنى عبر الجاذبية الثقافية والرمزية، لا عبر التعليمات الإدارية. موضحاً أن كل خطاب ثقافي رسمي هو إعلان ضمني عن صورة الدولة التي نريدها؛ فخطاب يختزل الهوية الوطنية إلى ممارسات تنظيمية يومية قد يبدو داخلياً قريباً من الناس، لكنه يفتقر خارجياً إلى القدرة على تمثيل مجتمع معقّد وغني بالتاريخ والتعدد والإنتاج الرمزي، مما يفقده القدرة على مخاطبة العالم من موقع الندية الثقافية.
ولعلنا، بعد سنوات من العزلة الثقافية، نطمح إلى سوريا جديدة يتجاوز فيها الخطاب حدود اليومي نحو أفق أعمق. وهذه الرغبة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء مشروع وطني قابل للحياة في الداخل، وقادر على التواصل مع العالم في آن واحد.
وعليه، فإننا بحاجة إلى بناء خطاب ثقافي وطني جديد يرفع مستوى الخطاب الرسمي، ويُعاد تخطيط بنيته العميقة في التعليم والذاكرة والمؤسسات. وهو ما تؤكده تجارب دول نجحت في إعادة بناء صورتها الثقافية بعد أزمات وصراعات متعددة، مثل جنوب إفريقيا التي راعت الانقسام والتعدد وانتقلت من نظام قمعي إلى أفق جديد، ورواندا التي جبرت ذاكرة العنف الجماعي، وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي واجهت الماضي ولم تنكره، فاختارت السردية المسؤولة بديلاً من المريحة.
ويكون ذلك عبر إعادة ضبط البوصلة المعرفية، وإزاحة منطق ما يريده الجمهور لصالح ما يحتاجه الوعي العام كي يتطور، والانتقال من الارتجال إلى الاستراتيجية التي تحقق الفصل الواضح بين الثقافة بوصفها قيمة ومعنى، والسلوك بوصفه نتيجة لهذه القيمة لا تعريفاً لها. وكذلك عبر تفكيك اللغة قبل إنتاجها، وتوظيف لغة رمزية تفتح أفق التفكير النقدي والإبداعي بدلاً من لغة تعليمات تُغلقه، مع الاستثمار في النقد بوصفه ممارسة تفسيرية مسؤولة، وتمكين المثقفين من مواقعهم، وإشراك الباحثين وصنّاع المعنى في بناء السردية الثقافية، لا الاكتفاء بإنتاجها ضمن دوائر إعلامية ضيقة أو التوجه نحو «المؤثر الثقافي» السريع. كل ذلك وغيره يمكن أن يسهم في رسم مسار واضح، ووضع خطة ناجعة نحو هندسة الخطاب الثقافي في سوريا الجديدة.