بعد سقوط نظام الأسد: لماذا لم تسقط لغته؟

بعد سقوط نظام الأسد: لماذا لم تسقط لغته؟

لم يعد من الصَّعب اليوم تناول المشهد الثّقافي السُّوري العام بعد مرور عامٍ على سقوط نظام حكم البلاد لعقودٍ طويلةٍ، فخلال الاحتفالات الّتي شهدتها الذكرى الأوّلى لـ “معركة ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد انتشرت على منصّات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو التُقطت في الشّوارع والسّاحات، كان يسأل المراسلون فيها السّوريين عن مشاعرهم وانطباعاتهم في هذه المناسبة.

في تلك المقاطع تكرّرت عبارات مثل: “عاشت سوريا الأسد، وسقط بشار الأسد”، و”غير ثلاثة ما منختار؛ الله وسوريا وبشار وبس”، وغالباً ما كانت هذه العبارات تخرج على ألسنة النّاس بطريقةٍ عفويةٍ وغير مقصودةٍ، إمّا في حديثهم المباشر عن فرحتهم وإمّا في أثناء طلب المذيع منهم إكمال عبارةٍ مألوفةٍ؛ ليأتي الجواب فوريّاً وتلقائياً: “وبشار وبس” دونَ الانتباه إلى التناقض الّذي تحمله الجملة في سياقٍ يُفترض أنَّه احتفال بسقوط ما يُسألون عنه!.

هذه المواقف وغيرها لا يُمكن اختزالها بأنَّها زلّةُ لسانٍ أو التباسٌ لغوي عابر؛ بل تكشف عن أثرٍ أعمقٍ خلّفته لغةُ السّلطة السّابقة في الوعي الجمعي، لغةٌ جرى تداولها لعقودٍ في الإعلام، والهتافات، والمدارس… والفضاء العام، حتى تحوّلت إلى قوالب ذهنيّة جاهزة تُستحضر آليّاً في لحظات الانفعال، بما فيها تلك اللحظات الّتي يُفترض أنّها تمثّل قطيعةً مع الماضي، وكأنَّ التَّحرر من السُّلطة لم يكتمل بعد!

هذا التّكرار على ألسنة الغالبية العظمى من النّاس يتقاطع مع فكرة “اللُّغة كقوة رمزية” قادرة على إعادة إنتاج ملامح السَّيطرة حتى بعد غياب السُّلطة المباشرة، فالخطاب الّذي يستمر رغم انهيار النظام السِّياسي الّذي فرضه ليس مجرد صدى؛ إنَّه أثر للبنية الذهنيَّة المتراكمة الّتي تشكّلت داخل السُّوريين خلال عقود من الهيمنة السِّياسيَّة، فهو لا يزول بزوال مُنتِجه؛ بل يظلّ يعيش داخل الوعي الجمعي والمعجم الفكري بما يُصطلح عليه بـ “استمرارية الخطابات” حتى بعد سقوط الأنظمة الّتي صاغتها، والّتي أشار إليها ميشيل فوكو عند حديثه عن تحوّلات المعرفة والسّلطة عبر التاريخ، وبذلك تتجاوز مقاطع الفيديو تلك وصف “الطُّرفة”، وتقرأ كاختبارٍ يوحي بحجم الفراغ الفكري، وبالضرورة الثّقافي، الّذي يتكشّف بعد انهيار منظومة كانت تمسك الخطاب السِّياسي والإعلامي (المجال العام) بقبضةٍ مُحكمةٍ تؤطر وتنظّم ذهنيّاً العلاقات بين الفرد والمجتمع والدولة، مما يعني تشكّل “الوعي الجمعي” للمجتمع بطريقة ٍمحددةٍ تسيطر من خلالها على رؤيته.

لغةٌ جديدةٌ لوعي جديدٍ

لطالما كانت اللُّغة سلاح السُّلطات الأقوى، ليس عبر الشِّعارات فقط؛ بل من خلال خلق نسقٍ كاملٍ من المفاهيم الّتي تنظّم التفكير، وإنَّ إعادة بناء الخطاب ليست مجرد عمليَّة لغويَّة؛ بل إعادة تشكيل للوعي الجمعي، فالمفردات الّتي سادت لعقودٍ لم تكن مجرد كلمات؛ هي منظومة تؤطر الوعي وتُعيد إنتاجه، وقد أشار إدوارد سعيد إلى هذا النوع من استعمال اللُّغة بوصفها “بنية تفرض نفسها على أنَّها الحقيقة الوحيدة الممكنة”، بما يكشف عن الدور المركزي لعملية التوظيف تلك.

وعلى الرغم من أهميَّة الفكرة السابقة فإنَّها غير كافية، فلا يكفينا فقط أن تتغيّر اللًّغة حتى يتغيّر الوعي الجمعي، لأنَّ المطلوب إعادة إنتاج منظومة كاملة من المفاهيم الّتي تسمح للأفراد بالتعبير دون خوفٍ، وتربط الثّقافة باستعادة التّفكير النقدي. فأثر الرقابة الطويلة ما زال واضحاً؛ وكثيرون ما زالوا يتحركون داخل حدودٍ غير مرئية، تشبه ما وصفه فوكو بـ “السّجن غير المرئي للذات”، حيث تستمر الرقابة عبر الذاكرة لا عبر الأجهزة.

وإنَّ الذاكرةَ السُّورية مثقلةٌ اليوم بمزيجٍ من الخوف والتطلّع، فالتجارب الفردية الّتي عاشها المثقفون تحت السّلطة السّابقة، من الرقابة إلى الاستدعاءات الأمنيَّة، صنعت جيلاً معتاداً على “التفكير داخل الأقفاص”، وهذا ما يمكن قراءته في إطار ما يسمّى “الذاكرة الجريحة” الّتي تمنع المجتمعات من الانتقال السلس إلى خطاب جديد، فلم يستطع الجميع التحرّر وبقيت اللّغة القديمة في العقل، وما تزال الرقابة الذاتية تؤثر في الخطاب، وهنا على الجهات المعنية أن تحمل على عاتقها المسؤولية الكاملة لبناء مشروع وطني يشفي جرحنا، و يرمم ذاكرتنا، ويحرّر تفكيرنا.

ما بين الواقع والمأمول

يذكّرنا تتبع الواقع ورصده بما كتبه فرانز فانون عن “عودة أشباح السّلطة القديمة في لحظات الانتقال” حين تسعى القوى الجديدة إلى فرض وصايتها، ومن هذه الممارسات الّتي توحي بمحاولات إحياء أساليب قمع جديدة تعزّز الرقابة وتمنع الحرية، وعلى سبيل المثال لا الحصر حادثة التضييق على الكاتب والروائي خليل صويلح ومنع الرقابة السورية نشر روايته “جنة البرابرة”، وحادثة إغلاق “سينما الكندي” العريقة بحجة فسخ عقد إشغال العقار التابع لوزارة الثّقافة، وحادثة منع رسم النَّموذج (الموديل) العاري في كلية الفنون الجميلة، ومنع استيراد الآلات الموسيقيّة وغير ذلك كثير من الحادثات الّتي تجعلنا نقف أمام فكرة: ما مستقبل وشكل حوامل الثّقافة في سوريا الجديدة؟!، وما الآلية البديلة لغياب منتج ثقافي جديد يمحي أثر القديم؟!

عن غياب “مشروع وطني”

تبدو السَّاحة الثَّقافيّة بعد عام على سقوط نظام الأسد أقرب إلى الاضطراب والفوضى منها إلى الانتظام، فالمشهد الثقافي الراهن يقتصر على الأنشطة التي قوامها التَّجمهر الفئوي، من أمسيات محلية إلى تجمعات ذات طابع مناطقي…؛ ليتقدّم “الاجتماع الأهلي” على “الاجتماع الوطني”، ولعل من الإنصاف أن نشير إلى أنَّ هذا الحال لا يقتصر علينا فقط؛ ففي التَّجارب التَّاريخيَّة، عاشت دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية الفراغ نفسه، وقد وصفته كاثرين فيردري بأنَّه “لحظة الانكشاف الكامل”، غير أنَّ هذا الأمر يستدعي بالضرورة طرح السُّؤال الآتي: إلى متى ستستمر هذه الأزمة؛ أزمة موت القديم وعدم قدرة الجديد على أن يولد بعد؟!

إنَّ الفراغ الثَّقافي الناتج عن غياب الإدارة الثَّقافيَّة وانعدام الرؤية الوطنية الجامعة وغياب المشروع الثّقافي الواضح الّذي يعيد تشكيل ملامح الفضاء الثَّقافي السُّوري العام من قِبل وزارة الثّقافة السُّوريَّة يوحي بحالة الفراغ العميقة ويُظهر أنَّ الدولة الجديدة لم تتشكّل بعد!؛ لينعكس على هيئة واقع يتسم بحرية شبه مطلقة من جهة وفوضى تنظيمية من جهة أخرى، وبذلك يغدو الإنتاج الثَّقافي خاضعاً لعشوائية السُّوق أو قوى النفوذ والتَّمويل بدلاً من السِّياسات العامة.

وهنا تبرز مجموعة من التساؤلات المهمة الّتي تتطلب إجابات محددة وواضحة من المعنيين والمسؤولين: إلى أين تتجه الثقافة السُّورية؟، وكيف تُعاد هيكلة المؤسسات الثَّقافيَّة؟، وكيف تُبنى سياسات ثقافيَّة تُوازن بين الحرية والضوابط المهنيَّة؟، وكيف نضمن ألا تنتقل الرقابة من سلطة سياسيَّة إلى قوة اجتماعيَّة أو دينيَّة؟، وما السّبيل إلى توظيف الثقافة كأداة للشفاء والعدالة الانتقاليَّة؟، وكيف نتأكد أنّها لن تتحول إلى أداة للانقسام؟، وهل ستستطيع الثّقافة السُّوريَّة أن تخرج من وصاية الخطاب القديم دون الوقوع في وصايةٍ جديدةٍ؟، وكيف لنا أن ننتج خطاباً وطنياً جامعاً يخلق سردية وطنّية بديلة تُعيد بناء الوعي الجمعي على أسس الحرية لا الخوف؟

كلّ هذه الأسئلة وغيرها مما لا يتسع المقام لطرحها توضّح أنَّ بناء الوعي الجمعي رحلة طويلة تتطلب أولاً وقبل أيّ شيءٍ تحملاً للمسؤولية، ثمَّ تخطيطاً سياسياً، وشجاعة إداريَّة مع قدرة على قراءة الماضي نقدياً لا إنكاره، وتبيّن أنَّ شكل الإجابات عنها سيفتح الأبواب نحو سوريا جديدة تُنجب خطابها لا تستعيره.

جنوب سورية بعد عام على سقوط الأسد

جنوب سورية بعد عام على سقوط الأسد

بعد قرابة عام على سقوط نظام بشار الأسد وصعود إدارة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، لا يزال الاستقرار والأمن في جنوب سورية حالة هشّة تتجاذبها تناقضات الميدان. تضم محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة مشاهد متباينة لكنها مترابطة ترسم صورة معقدة؛ صراع نفوذ بين قوى محلية، وتصاعد دور التشكيلات الأهلية المسلحة، وتنامي التهديدات الخارجية عبر الحدود، وكل ذلك في ظل غياب فعالية الدولة المركزية، وفق ما تظهره تقارير رصد ميدانية ومصادر محلية تواصلنا معها على الأرض خلال الأسابيع الماضية.

شهدت مناطق الجنوب خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الوقائع التي أبرزت أن ضمان الأمن بات رهيناً لموازين قوى غير تقليدية. ففي السويداء، تصاعد التوتر بين فصائل محلية درزية والسلطة الانتقالية، بينما تمكنت درعا جزئياً من احتواء العنف عبر الأعراف العشائرية رغم استمرار الاغتيالات وعمليات التهريب والتفلت الأمني في الأطراف. أما القنيطرة ومحيطها على الحدود مع إسرائيل، فقد أصبحت مسرحاً لتوغلات عسكرية إسرائيلية متكررة، واجهها أهالي القرى بالسلاح أو بالاحتجاج العلني على وجود القوات الغازية. هذه التطورات المتزامنة تكشف مشهداً أمنياً مضطرباً في جنوب سورية، حيث يتداخل الداخلي بالخارجي في صياغة معادلة الاستقرار.

السويداء

في السويداء، لا يمكن الحديث عن “اضطراب أمني” فقط؛ ما يظهر من تقارير خاصة ومصادر محلية هو تفكك منهجي لمنطق الأمان نفسه. وفقاً لمعلومات حصلنا عليها خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بدت ليلة التاسع والعشرين من الشهر لحظة مفصلية؛ تشكيل محلي يسمّي نفسه “الحرس الوطني”، يشكّل ضباط وأمنيون سابقون من النظام السابق عموده الصلب وقد أعادوا تدوير أنفسهم تحت مظلة مرجعية دينية، ينشر حواجزه عند مداخل المدينة، يقتحم بيوتاً بأسماء محددة سلفاً، يعتقل شيخاً معارضاً مثل رائد المتني ورجال أعمال وقياديين محليين، ثم تُنقل جثة المتني بعد يومين فقط إلى المشفى الوطني. في روايات الأهالي التي وثقناها في تقارير رصد، يظهر المتني كرجل دين كان جزءاً من محاولة لتنظيم السلاح بعد سقوط النظام، اختُطف عملياً من بيته، وتعرّض للضرب والإهانة أمام الكاميرات المحلية، ثم خرج من هذه الحلقة جثة بلا تحقيق ولا رواية قضائية مقنعة. هكذا تتحوّل السويداء، في عين أهلها، إلى ساحة تصفية حسابات مغلقة بين تشكيل يستقوي بشرعية “حماية الجبل” وسلطة انتقالية تكتفي بإصدار بيانات متأخرة.

الفلتان ليس في السياسة فقط؛ إنه في تفاصيل الحياة اليومية. وبحسب معلومات ميدانية جمعناها من منطقة ظهر الجبل وريف السويداء خلال الأيام نفسها، سُجِّلت سلسلة من عمليات السلب المسلّح: سيارات تُوقَف تحت التهديد، مبالغ بالدولار تُسحَب من أصحابها، مزارعون يتعرضون لإطلاق النار وهم في طريقهم لقطاف الزيتون غرب المدينة، وراعي مواشٍ يُصاب بجروح بعدما حاول مسلحون سلب قطيعه قرب صميد قبل أن يتدخل شبان من القرى المجاورة ويجبروا المهاجمين على الانسحاب. بالتوازي، شهدت مناطق أخرى مناوشات بالرشاشات الثقيلة بين “الحرس الوطني” والقوات الحكومية “الأمن العام” فوق رؤوس المدنيين، مع تحليق طائرات مسيّرة في أجواء الريف الشمالي والغربي بحسب تقارير ميدانية وثّقت لحظات الاشتباكات.

في يوم آخر، استيقظت إحدى بلدات الريف على خبر وفاة شابة في الثامنة عشرة ووالدتها داخل المنزل نفسه، بعد أن تحولت بندقية موجودة في غرفة الجلوس إلى مصدر ثلاث رصاصات أنهت حياتهما في ثوانٍ. سُجِّلت الحادثة رسمياً كسوء استخدام سلاح، لكنها في وعي المجتمع جزء من قصة واحدة؛ سلاح بلا ضابط، يدخل غرفة النوم كما يدخل الحقل والحاجز.

العنف القادم من “فوق” لا يقلّ قتامة. تقارير الرصد في الشهر نفسه تشير إلى أن قوات الأمن الداخلي استخدمت طائرات مسيّرة ورشاشات ثقيلة على محوري سليم وعتيل شمال المدينة؛ إحدى الضربات أصابت شاحنة نقل من نوع “انتر” كان يقودها عامل عائد من عمله في إحدى المداجن، فقُتل على الفور، وأُصيب ما لا يقل عن خمسة مدنيين آخرين في المنطقة نفسها. في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، تحوّل الطريق بين اسليم وعتيل إلى خط نار لمجرّد أن نقطة أمنية قررت الرد على توتر عند حاجز بعيد.

بالتوازي، يُكشف عن مصير غسان نواف البدعيش، الذي خُطف من منزله خلال اجتياح تموز/يوليو الماضي، قبل أن تتعرف عائلته بعد أشهر على صور جثمانه في دمشق عبر هيئة الاستعراف؛ جسد يحمل آثار تعذيب بأدوات حادة إضافة إلى طلقات رصاص عدّة، ومدفون في مقبرة جماعية في منطقة إزرع بريف درعا الشرقي، وفقاً لشهادات أفراد من عائلته. هنا أيضاً، لا توجد رواية قضائية، بل مسار واحد متكرر؛ اعتقال في حملة “رسمية”، صمت طويل، ثم جثة في مقبرة بعيدة.

حتى الحقول ومراكز البحث لم تُستثنَ من هذا الانهيار. وفق إفادات مهندسين زراعيين نشرت على لسانهم تقارير إعلامية في المحافظة، تتعرض حقول مركز البحوث العلمية الزراعية ومحطات “مزارع الدولة” لعمليات استيلاء منظّمة؛ محاصيل تفاح وإجاص وبندق تُقطَف بالقوة، مبانٍ بحثية يُستوطَن فيها من دون أي سند قانوني، ونتائج تجارب استغرقت سنوات تضيع في موسم واحد. في الكفر، سُرقت ثمار نحو 300 دونم من التفاح كان قد اتُّفِق أن تُستثمر لصالح المحافظة عبر الجمعية الفلاحية بإشراف لجنة قانونية عليا، قبل أن يضع “بضعة أشخاص” يدهم على الأرض ويرفضوا الخروج أو دفع أي ضمانات. في مكان آخر، في مزارع مفعلة شرق السويداء، ينجح الأهالي في حماية نحو 600 دونم من التفاح باتفاق أهلي–تعاوني؛ المفارقة أن حماية الملكية العامة لم تعد وظيفة الدولة، بل وظيفة قرى تستطيع أن تفرض احترامها بالقوة الاجتماعية.

يُضاف إلى ذلك ملف الجثث المجهولة التي تُنتشَل متحللة بعد شهور من دفنها قرب بلدات مثل الثعلة، وتسليم الأردن جثامين شبان من عشائر السويداء قُتلوا خلال محاولة تهريب مخدرات عبر الحدود، وأخبار عن عشرات السجناء الدروز المضربين عن الطعام في سجن عدرا احتجاجاً على توقيف بلا مسوّغ قانوني. فوق هذا كله، يتغذى المشهد السياسي على انقسام حاد بين ما يوصف محلياً بـ”المشروع الإسرائيلي” المرتبط باسم حكمت الهجري، و”مشروع الدولة السورية الجديدة” الذي يُرفع حول شخصيات أخرى، وصراع رمزي–سياسي بين مرجعيات دينية يُختصر شعبياً بعنوان “طريف – الهجري”. في العمق، تُنظَّم مراسم تأبين لـ”شهداء اجتياح تموز” تتحول إلى منصة دعائية لـ”الحرس الوطني”، وتُغلَق الطرق لحماية الفعالية، فيما يراقب السكان كيف يُعاد تركيب هرم القوة في الجبل بسلاح قديم وخطاب جديد.

بهذه الصورة، تبدو السويداء نموذجاً مكثفاً لانهيار الاستقرار؛ محافظة تُدار عملياً بمنطق المربعات الأمنية المتنافسة، لا بمنطق ولاية واحدة. من يَختطف، ومن ينهب مزارع الدولة، ومن يطلق النار من حاجز رسمي أو من تلة يتمركز عليها فصيل محلي، يتحرك في فضاء واحد عنوانه أن السلاح هو الضمانة الوحيدة، وأن القانون، حين يُذكَر، يُستخدم إما لتبرير حملة اعتقال أو لإقفال ملف جثة جديدة بلا أسئلة مزعجة.

درعا

على عكس المشهد المتأزم في السويداء، تبدو محافظة درعا أكثر هدوءاً نسبياً من الناحية الأمنية، وإن لم يخلُ الأمر من حوادث عنف موضعية. يؤكد سكان محليون تحدّثنا إليهم أن وتيرة الحياة اليومية في معظم مدن وبلدات درعا ظلت طبيعية رغم الأحداث المتفرقة؛ الأسواق نشطة، وحركة التنقل بين القرى والمدن آمنة إلى حد كبير، وساهم انتشار الدوريات الأمنية وتعزيز الحواجز بعد الحوادث في طمأنة الأهالي. يصف كثيرون الوضع بأنه “استقرار هشّ”؛ تتركز فيه المشاكل الأمنية في الأطراف والنواحي الريفية وعلى الحدود، من دون أن تتحول إلى انفجار شامل في المراكز الحضرية الرئيسية.

رغم هذا الهدوء النسبي، شهدت المحافظة خلال نحو ستة أسابيع سقوط عشرات الضحايا في حوادث متفرقة (قرابة تسعين بين قتيل وجريح)، بينهم أكثر من عشرة قتلى جراء عمليات اغتيال أو اشتباكات محلية، وفقاً لتقارير رصد ميداني. تنوّعت دوافع هذه الحوادث بين الثأر العشائري، كما في جريمة ثأرية في إزرع أوقعت ثلاثة قتلى، واستهدافات لتصفية حسابات مرتبطة بالماضي الأمني أو الجهادي لبعض الأفراد، حيث تم اغتيال عناصر سابقين في الأجهزة الأمنية أو مقاتلين سابقين في تنظيم داعش في حوادث متفرقة، فضلاً عن خلافات شخصية تحولت إلى عنف، إحداها في نوى قُتل فيها شخص إثر اتهامه بممارسات “سحر”. كما بقيت بعض الجرائم غامضة الدافع، يُعتقد أنها نتيجة صراعات نفوذ محلية أو تنازع على موارد التهريب.

إلى جانب ذلك، نشطت في درعا – وخصوصاً في الريف الجنوبي والشرقي – شبكات تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية، مستغلة ضعف الرقابة واتساع مناطق الفراغ الأمني. وقد ضبطت الأجهزة الأمنية السورية خلال الفترة نفسها كميات كبيرة من الحبوب المخدرة في ريف درعا الجنوبي، فيما أعلن الجيش الأردني مراراً إحباط عمليات تسلل وتهريب من الجانب السوري. ويمثل انتشار تجارة المخدرات في الجنوب تحدياً أمنياً خطيراً يهدد استقرار المنطقة الحدودية بكاملها، ويحوّل مساحات واسعة إلى اقتصاد جريمة متشابك مع السلاح والفقر.

مصادر محلية في ريف درعا الغربي تحدثت أيضاً عن تزايد حالات التنقيب غير الشرعي عن الآثار والذهب في المواقع الأثرية والقرى، غالباً ليلاً، بواسطة معدات بدائية أو آليات خفيفة، في تعبير واضح عن بحث يائس عن الثروة في أرض تُستنزف منذ سنوات. هذا النمط الجديد من اقتصاد الظل يُفاقم الصراعات المحلية، إذ تحاول مجموعات مسلحة صغيرة فرض سيطرتها على “المواقع الواعدة” واقتسام العائدات، في غياب واضح لدور الدولة في حماية الموارد الأثرية والقانونية.

في المقابل، لعبت الأعراف العشائرية دوراً مهماً في الحفاظ على هذا الاستقرار النسبي. فشيوخ القبائل ووجهاء المجتمع يتدخلون فور وقوع أي حادث ثأري أو نزاع عائلي لاحتوائه عبر مجالس الصلح والعرف الاجتماعي، بالتنسيق أحياناً مع قوات الأمن المحلية. وقد ساهم ذلك في منع توسع دائرة العنف كما حدث في واقعة ثأرية بإزرع في تشرين الأول/أكتوبر الفائت، حيث فرضت السلطات حظر تجول مؤقت، وتدخل الوجهاء لتهدئة الوضع بعد سقوط ثلاثة قتلى. هذا النفوذ العشائري يحافظ على تماسك مجتمعي يردع – حتى الآن – ظهور ميليشيات محلية جديدة خارجة عن سيطرة الدولة، إذ يفضّل معظم الأهالي حل خلافاتهم بالطرق التقليدية وبالتعاون مع أجهزة الأمن، على الانخراط في حمل السلاح عشوائياً. لكن هذا النمط يحمل في ذاته هشاشته أيضاً، لأنه يبقي الأمن رهناً بتوازنات أعراف لا بمنظومة قانونية مستقرة.

القنيطرة

أما جبهة القنيطرة ومناطق غرب دمشق المحاذية لها، فقد شهدت في الفترة ذاتها تصعيداً خطيراً كان مصدره الأساسي تدخلاً عسكرياً خارجياً. لم تعد إسرائيل تكتفي بالمراقبة الجوية البعيدة وضربات الطيران السريعة، بل أخذت تنفّذ عمليات توغل بري واستخباراتي متكررة داخل عمق الجنوب السوري. يؤكد أهالي القرى الحدودية الذين تحدثوا إلينا أنهم باتوا يرون الجنود الإسرائيليين بأعينهم داخل محيط قراهم في بعض الليالي، بعد أن كان الوجود الإسرائيلي يقتصر سابقاً على الطائرات في السماء.

خلال شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2025 نفذت القوات الإسرائيلية سلسلة عمليات مباغتة في ريف درعا الغربي وريف دمشق الغربي، تمثلت في توغلات محدودة داخل قرى حدودية كمعرية وكويا، تخللتها مداهمات واعتقالات خاطفة، وقصف مدفعي لأهداف يُشتبه بأنها مواقع لتنظيمات مسلحة محلية أو نقاط رصد. لم تسفر هذه العمليات في معظمها عن قتلى، لكنها نشرت الذعر بين المدنيين الذين لم يعتادوا مشاهدة الجنود الإسرائيليين داخل بلداتهم، وحوّلت الحقول والطرق الزراعية إلى مناطق خوف دائم.

وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بلغت المواجهات ذروتها بعملية إسرائيلية كبيرة استهدفت بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي. تسللت قبل الفجر وحدة خاصة كبيرة مؤلفة من عشرات الجنود والآليات إلى البلدة لاعتقال مطلوبين محليين. ورغم نجاحها في اعتقال ثلاثة أشخاص في بداية الهجوم، قوبلت القوة بمقاومة شرسة من أهالي البلدة ومقاتلين محليين تداعوا للدفاع. دار اشتباك عنيف من مسافات قريبة داخل الأحياء الضيقة، أدى إلى إعطاب آلية إسرائيلية وإصابة عدد من الجنود المهاجمين، مما أجبر القوات الإسرائيلية على التراجع بعد حوالي ساعتين.

عقب انسحابها، شرعت المدفعية والطائرات الإسرائيلية في قصف أطراف بيت جن بكثافة لتأمين تغطية الانسحاب ولإيقاع أكبر ضرر ممكن بالمنطقة. وأسفر القصف عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح عشرات العائلات، فيما أفادت مصادر محلية وتقارير ميدانية بسقوط أكثر من 13 شخصاً من أبناء البلدة، بينهم أفراد عائلة كاملة، إضافة إلى عشرات الجرحى وتدمير عدد من المنازل والمزارع.

وفي تطور لاحق يؤشر إلى استمرارية نهج “التوغلات القصيرة والضغط البري”، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في محيط بلدة خان أرنبة بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 2025، ونصبت حواجز مؤقتة عند مداخل البلدة الثلاث: جبا–خان أرنبة، خان أرنبة–الكوم، وخان أرنبة–عين النورية، بحسب ما وثقته مصادر ميدانية في القنيطرة. تزامن ذلك مع وصول رتل لـ”الأمن العام” من دمشق، حيث حاولت القوات الإسرائيلية عملياً عرقلة دخوله إلى مركز محافظة القنيطرة وإظهار قدرتها على التحكم بحركة القوات السورية الرسمية.

وعند المدخل الشرقي على طريق خان أرنبة–الكوم، أطلقت قوات الاحتلال النار مباشرة على مدنيين عبّروا عن رفضهم لوجودها في النقطة، ما أدى إلى إصابة اثنين منهم، قبل أن تنسحب القوة مستخدمة قنابل دخانية. كما أُصيب مدني ثالث في منطقة الحميدية بشظايا ناتجة عن رصاص متفجر أطلقته القوات الإسرائيلية في أثناء انسحابها. 

شكلت معركة بيت جن وما تلاها من توغل في خان أرنبة اختباراً غير مسبوق للأوضاع الأمنية الجديدة في جنوب سورية بعد سقوط النظام. فللمرة الأولى تخوض إسرائيل اشتباكاً برياً بهذا الحجم داخل الأراضي السورية، ثم تكرّس نمطاً من التوغلات القصيرة المتعمدة لإرسال رسائل على مستوى الشارع والسلطة معاً، وتجد نفسها في مواجهة مجموعات أهلية تحركها دوافع الدفاع عن الأرض، دون ارتباط تنظيمي واضح بجهات خارجية. هذه المجموعات اللامركزية يصعب ردعها بالأساليب التقليدية (مثل الاغتيالات الجوية المحددة)، لأن سقوط أي فرد منها يستنهض سريعاً غيره من أبناء منطقته لحمل السلاح. وهكذا تتبلور ملامح معادلة أمنية جديدة في الجنوب؛ توغلات إسرائيلية أعمق وأجرأ تقابلها مقاومة محلية عفوية تزداد صلابة مع كل مواجهة، في ظل غياب سلطة سورية مركزية قادرة على ضبط هذه المساحات وإعادة تعريف “الأمن” بما يتجاوز منطق الأمر الواقع.

أخيراً، يبدو جنوب سورية بعد عام من التغيير السياسي في حالة فراغ أمني وصراع مفتوح على النفوذ. لم تتمكن الحكومة الانتقالية بعد من فرض سيطرتها الكاملة أو تقديم نموذج مختلف جذرياً عمّا سبقه؛ القوى المحلية تملأ الفراغ كلٌ وفق أجندته وسلاحه، فيما تستغل أطراف خارجية هذا الوضع لترسيخ حضورها وتحقيق أهدافها، كما هي الحال مع التدخلات الإسرائيلية على الحدود أو ازدهار التهريب وتجارة المخدرات والتنقيب غير الشرعي عبر خطوط التماس. وبين هذه وتلك يبقى المدنيون متعطشين لعودة استقرار حقيقي، لا استقرار مبني على الصمت والخوف.

يبقى مستقبل الجنوب مفتوحاً على عدة احتمالات؛ فإما أن تنجح السلطات الجديدة، بالتفاهم مع القوى المحلية، في بناء هيكل أمني–سياسي موحّد يعيد الاعتبار لمنطق الدولة والقانون، أو يستمر الوضع الحالي بتوازناته الهشة ومراكزه المتعددة وسلاحه المتنازع. وفي جميع الأحوال، فإن الحفاظ على استقرار جنوب سورية يستدعي أكثر من مجرد نشر حواجز ومسيّرات؛ يحتاج إلى قرار واضح بأن هذه الجغرافيا ليست حقل تجارب لعقائد أمنية، بل وطنٌ لمجتمعات تريد أن تعيش دون أن تُحاسَب كل يوم على خطيئة وجودها قرب الحدود.

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات قصر المهاجرين.

في ذلك العام، قرّر الأسد إزاحة ابن خاله رامي مخلوف تمامًا عن المشهد الاقتصادي، في خطوة واحدة ومفاجئة، أعقبها عزله الكامل عن أي نشاط اقتصادي أو تجاري، ومصادرة أصول أمواله وشركاته وتجميدها، وهي التي كانت تُعدّ بالمئات. كان رامي مخلوف وريث عائلة مخلوف الإقطاعية تاريخيًا، والمنحدرة من قرية بستان الباشا في قضاء جبلة بريف اللاذقية. وإضافة إلى هذه التركة الكبيرة، ورث عن والده محمد مخلوف (خال بشار الأسد) إدارة الاقتصاد السوري بكل مفاصله وتفصيلاته وعقوده واحتكاراته.

أحد الذين عملوا ضمن الدائرة الضيقة لرامي مخلوف، ويقيم اليوم في دبي، قال لـ«صالون سوريا»، مفضّلًا عدم الكشف عن اسمه، إن «رامي مخلوف لم يكن رجلًا نشأ من العدم؛ فقد شارك في تربيته والده وحافظ الأسد معًا. ومع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000، انتقلت مفاتيح السلطة السياسية إلى الأسد الابن، فيما آلت مفاتيح السلطة الاقتصادية إلى مخلوف الابن. ولم يُمنح رامي حينها امتيازات أو تفضيلات تميّزه عن بقية التجّار السوريين أو المستثمرين الأجانب، بل مُنح الاقتصاد السوري كاملًا، دون نقصان ولو بمقدار ذرّة، ليصبح هو من يوزّع فتات الكعكة على بقية التجّار».

وأضاف المصدر: «كان مطلوبًا من مخلوف، بالضرورة، أن يترك استثمارات صغرى وغير حيوية لغيره، حتى وإن بلغت قيمتها مليارات الدولارات، لكنها لم تكن تُشكّل شيئًا يُذكر في موازين الربح والخسارة لديه. هكذا صار واحدًا من أقوى رجال الاقتصاد في العالم العربي، ومنافسًا محتملًا لأثرياء العالم. غير أن السلطة، بوصفها سلطة تُطوّع ذراعًا ماليًا خارج مؤسساتها لسدّ فراغاتها، ووفق فكرٍ عصبيٍّ وتعصّبيّ، لم تكن تسمح، حتى في آخر لحظاتها، بالكشف عن ملاءتها المالية، باستثناء الإعلان السنوي عن الموازنة العامة».

تلك الموازنة، التي أشار إليها المصدر نفسه، كانت موضع شكّ دائم، إذ بقي النفط خارجها لعقود طويلة، ليُسوَّق جانبيًا تحت مسمّى «مكتب النفط» في رئاسة الوزراء. وكان عبد الرؤوف الكسم ومحمود الزعبي، رئيسا الحكومات السورية بين عامي 1980 و2000، من أبرز من أتقنوا إدارة هذا الملف.

في عهد بشار الأسد، كان أكثر ذكاءً في إدارة ملف النفط، وأكثر غباءً فيما عداه، وفق توصيف أشخاص عملوا معه. فقد أعلن عن كميات الإنتاج السنوي، وما يُخصّص للاستهلاك الداخلي، وما يُصدَّر إلى الخارج، غير أنّ الواقع بقي على حاله: عائلتا مخلوف–الأسد تديران القطاع وفق منطق الربح الفردي، دون أن يجرؤ أي سوري على السؤال. ولأجل تطوير القطاع، أُدخلت شركات أجنبية، لكنّ السلطة استحوذت على الحصص الأوسع منها، فيما كان رجال الدولة، في قصورهم، شركاء حتى في «حصة الطير من صيده».

بداية الانهيار الداخلي

في صيف عام 2019، وتحديدًا في شهر آب/أغسطس، وضعت السلطات السورية يدها على جمعية «البستان» الخيرية، العائدة بملكيتها إلى رامي مخلوف، والتي كانت تتبع لها قوة عسكرية كبيرة تُعرف باسم «قوات البستان». وصدر قرار متزامن بحلّ الجمعية والقوة التابعة لها، وصرف عشرات الآلاف من مقاتليها.

وفي نهاية العام نفسه، صدر قرار بالحجز على جميع أموال مخلوف وزوجته وأولاده، بتهم تتعلق بالتهرّب الضريبي والتربّح خلال الحرب. كما طالت العقوبات المحلية أصول أمواله وكيانات شركاته في الخارج.

ومع بداية عام 2020، فُتح ملف شركة «سيرياتيل»، أكبر وأضخم شركة تُدرّ عوائد مالية عالية تصبّ في حسابي السلطة ورامي مخلوف معًا. وعمليًا، تُعدّ «سيرياتيل» واحدة من شركتي الاتصالات الوحيدتين في سوريا: الأولى مستحوذ عليها بالكامل، والثانية، بشكلٍ أو بآخر، تعود ملكيتها إلى السلطة أيضًا. في هذا السياق، كان مخلوف عرّاب قطاع الاتصالات، ومع فقدان السلطة المركزية سيطرتها على منابع النفط والغاز الرئيسية في شمال شرق سوريا بعد عام 2011، إضافة إلى معارك حقول تدمر مع تنظيم «داعش»، باتت عوائد الاتصالات الباهظة تشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ«بترول البلد»، كما يُوصف في البلدان التي لا تمتلك موارد نفطية وتعتمد على قطاعات أخرى لتعويض أرباحه المفترضة.

في 30 نيسان/أبريل من العام نفسه، قرّر مخلوف الخروج إلى العلن عبر فيديو مطوّل، شرح فيه للمرة الأولى ملابسات ما جرى. ومن مكان إقامته الإلزامية، وعبر سلسلة مقاطع مصوّرة متعاقبة ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ مخلوف برفع سقف خطابه، كاشفًا الأسرار والخبايا، ومخاطبًا ابن عمته بلسان العاتب، قبل أن يتحوّل خطابه لاحقًا إلى هجومٍ صريح، بعد أن فقد أي أمل في استعادة ما كان يراه حقّه وجنى عمره وتعبه، ولا سيما بعد أن جرى «تشليحه» من كل شيء تقريبًا.

خلف الكواليس

لم يكن الخلاف بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليقع، نظريًا، تحت أي ظرف. فقد شكّلا، لسنوات طويلة، جناحين للسلطة: أحدهما للسياسة، والآخر لضمان ديمومة الاقتصاد المُنقِذ، ولو في حدوده الدنيا. غير أنّ شيئًا ما تبدّل في لحظة مفصلية، حين طالب بشار الأسد رامي مخلوف بمبلغٍ مالي ضخم لتسديد ديون واستحقاقات وضرائب شخصية. هذا الطلب لم يلتفت إليه السوريون جيدًا في حينه، لكنّ الدائرة المقرّبة من مخلوف شرحته لاحقًا بتفصيل، ولا سيما بعد سقوط النظام.

وبحسب تلك الدائرة، فإن رفض مخلوف الدفع، انطلاقًا من اعتقاده بأن الدولة قائمة أساسًا على أكتافه، أشعل شرارة الصراع. ولم تكن تلك الحرب، في جوهرها، بين نسيبين كما بدا ظاهرًا، بل كانت أعمق من ذلك بكثير. فقد أكّدت مصادر مقرّبة من مركز القرار آنذاك، ما صار واضحًا لاحقًا، من أنّ أسماء الأسد، المحسوبة بشدّة على الجانب الروسي، رتّبت كل شيء لإقصاء مخلوف جانبًا، والاستيلاء على ممتلكاته، وعلى الأرباح القادمة من مختلف القطاعات والشركات والاتفاقيات.

ورغم أنّ الإعلان الدستوري الجديد يجرّم المديح في آل الأسد، لم يكن واضحًا ما إذا كان رامي مخلوف مشمولًا به، ولا سيما في ظل تسريبات صحافية تحدّثت مؤخرًا عن لقاء جمع أحد أشقاء الشرع بمخلوف خارج سوريا، لبحث إجراء وساطة تسوية لا تزال شديدة التعقيد. وتُحاول تركيا رعاية هذه الوساطة، فيما يسعى الشرع إلى التهرّب منها، خشية نقمة الشارع على حكمه.

المهم في كل ذلك أن التاريخ لا ينسى. فلا يختلف اثنان على أنّ مخلوف كان داهية في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه لصًا وناهبًا ورجل مافيا. لكنه فعل ما لم يفعله غيره بالطريقة ذاتها؛ إذ رهن جمعيته الخيرية «البستان» لإجراء عمليات جراحية وغيرها، مهما تعاظمت تكلفتها، لكل محتاج، ومن أي طائفة كان.

يقول الدكتور ماهر حمّور، الذي عمل ضمن مجموعة مخلوف وكان مطّلعًا على هذه الملفات، لـ«صالون سوريا»: «بمعزل عن قِصر ذاكرة الشعوب، فإن الجمعية بالفعل أجرت عشرات وربما مئات آلاف العمليات للمحتاجين من مختلف الانتماءات. إلى جانب ذلك، كانت تتكفّل بتوزيع حصص مالية وغذائية شهرية للمحتاجين ولكل من يقصدها. وبهذا تحقّق المثل القائل: “كان يعطي من الجمل أذنه”. لكنه، على الأقل، كان يعطي؛ يسرق كثيرًا ويعطي قليلًا. أما بقية رجالات الأسد، فكانوا يسرقون كثيرًا ثم كثيرًا».

ويضيف حمّور: «مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ من يعرف بشار الأسد عن قرب كان يدرك أنّه ربما واحد من أبخل قادة التاريخ، هو وزوجته، وقد عرفتهما عن قرب. وبالعودة إلى مخلوف، ومساعداته ومنحه، فإنه، في الوقت نفسه، قضى على الاقتصاد الحر، وتسبّب في هجرة آلاف الصناعيين والتجّار والمستثمرين. كانت أرباحه تعنيه على صعيده الخاص لا على صعيد تطوير البلد. ومن هذه الزاوية، يرى كثير من السوريين أنّ الجمعية كانت غطاءً لقول كلمة “شكرًا” له، فيما ترحّم آخرون عليه بعد إبعاده عن المشهد».

صاحبة التاج

منذ زواج أسماء الأخرس، الفتاة الحمصية التي كانت تعمل في أحد المصارف في بريطانيا، من وريث الحكم الأسدي في سوريا، نظرت إلى نفسها بوصفها صاحبة التاج والملك. لم تتعامل يومًا مع البلاد كجمهورية، بل كإقطاعيةٍ ملكية.

ومع مرور السنوات، ازدادت قدرتها على التأثير في زوجها وسلوكه، وبدأت تنشط في قطاعات إغاثية وتنموية كبرى، ليتصدّر اسمها واجهة الأخبار، حتى مُنحت قسرًا لقب «سيدة الياسمين». غير أنّ لقبها في المجالس السورية الضيّقة كان «سيدة الصبّار»، بحسب ما قالت رقية الأحمد، التي عملت في إحدى مؤسسات أسماء خلال الحرب، لـ«صالون سوريا».

عمليًا، لعبت أسماء الدور الأكبر والحاسم في توجيه الضربة القاضية لرامي مخلوف. ولم تكن تلك الضربة ارتجالية تُدخل البلاد في فراغٍ اقتصادي تاريخي، بل جاءت ثمرة إعدادٍ سابق، سبق الخلاف برمّته، وتهيئةٍ لما بعده. ومع إخراج مخلوف من المشهد على نحوٍ فوري، عرف السوريون بوجود مكتب داخل القصر يُعرف باسم «المكتب السري»، وهو عمليًا «المكتب الاقتصادي» الذي أُنيطت به مهمة الحلول مكان مخلوف، ولكن هذه المرة لتركيز الثروات كلّها في اتجاهٍ واحد: القصر الرئاسي.

أدار هذا المكتب أحد المقرّبين من أسماء الأسد، وهو يسار إبراهيم، إلى جانب أربعة آخرين، من بينهم فارس كلاس، المدير العام السابق للأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء، ورجل الأعمال المعروف خضر علي طاهر، الشهير بـ«أبو علي خضر». بدأ الأخير حياته بائعًا للدجاج، لتصنع منه الحرب وأسماء لاحقًا اسمًا اقتصاديًا موازيًا لمخلوف، متدرّجًا عبر شبكة العلاقات والمعارف وصولًا إلى دائرة القرار، من دون امتلاكه أدنى مقوّمات الذكاء الاقتصادي–الاستراتيجي، إذ اقتصر دوره على الحصاد والابتلاع والجباية، وهي نقطة قوّته الوحيدة.

كان «أبو علي خضر» أقوى ذراع في مكتب يسار إبراهيم، فأُنيطت به إدارة المعابر، وجمارك السيارات، والتبغ والدخان، والهواتف الخلوية، والمشروبات الكحولية، والمواد الغذائية، فضلًا عن ابتزاز التجّار وإدارة الملفات الجمركية عمومًا. وقد قاد ذلك إلى عملية إعادة تسعير شاملة، كانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير.

لماذا قصمته؟ يجيب الأستاذ السابق في كلية الاقتصاد نجيب سليمان قائلًا: «لأن إزاحة مخلوف بين عامي 2019 و2020، وولادة المكتب السري، تزامنتا مع جائحة كورونا وسريان تطبيق “قانون قيصر”. ومع غياب الرؤية التنموية وخطط المعالجة وضرورة العمل على التعافي المبكر، اجتمعت هذه العوامل كسيارةٍ تسير بسرعة هائلة لتقود أكثر من 90 في المئة من السوريين إلى ما دون خط الفقر»، بحسب تأكيدات الأمم المتحدة.

أسماء تحكم وتدمّر

سارت أسماء الأسد على نهج زوجها ووالده، وعلى خطى الأنظمة الشمولية عمومًا. فلطالما اختارت رجالها من المطيعين وأصحاب الولاءات المثبتة، مقابل تأمين الحماية لهم وإسنادهم والسماح لهم بالاستفادة الجزئية. وهذه الاستفادة، على محدوديتها، أتاحت لبعض رجالاتها جمع مئات ملايين الدولارات وأكثر. والسؤال الذي ظلّ يتردّد بين السوريين: كم كان في سوريا من مال، فيما الشعب لا يجد رغيف خبز؟

بعد الأحداث التي وقعت بين عامي 2020 و2024، وما خلّفته من تأثير بنيوي عميق جرّاء تفكيك «الاقتصاد العميق» للدولة، واعتماد منطق التجربة بدل الرؤية، بدأ بشار الأسد يفقد، شيئًا فشيئًا، أهليته الشرعية في الشارع، وحتى بين مناصريه ومواليه شعبيًا وطائفيًا. فالناس الذين اقتنعوا، يومًا، بأن البلاد تتعرّض لمؤامرة، وأن الوقوف إلى جانبه ضرورة وطنية، باتوا يرون بوضوح أنّه لم يعد مكترثًا بأحوالهم.

وقد أتاح توقّف حرب الجبهات عمليًا، وفق مساري أستانا وسوتشي عام 2018، فرصةً مثالية للبناء والإنعاش. غير أنّ المقارنة التي عقدها الناس لاحقًا كانت فادحة: إذ يرون أن «هيئة تحرير الشام» استغلّت الفترة بين 2018 و2024 في التجهيز والتدريب والتحضير للحظة الحاسمة، بينما قضى الأسد على مواليه وجيشه، وأدخلهم في متاهة غير مسبوقة من الجوع والحرمان والتضييق، وصارع حلفاءه، ورفض مصالحة خصومه، وتعامل مع نفسه بوصفه زعيمًا منتصرًا بكل المقاييس.

ومع مرور الوقت، بات واضحًا أن اهتماماته، هو وزوجته، انحصرت في جني المال، المال وفقط. ويرى السوريون في ذلك العلامة الفارقة والنهائية التي مهّدت لسقوط النظام القمعي بعد سنوات طويلة.

ديوك الحي

تحدّث كثير من السوريين، علويين وسنّة، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، لـ«صالون سوريا» عمّا فعلته بهم أسماء الأسد وزوجها والسلطة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024. ففي تلك السنوات، كان الأمن العسكري وأمن الدولة مكلّفين بضرب أي مصلحة تجارية، صغيرة كانت أم كبيرة، بأساليب أقرب إلى عمل العصابات: اعتقال أصحابها، وفرض فديات مالية لإطلاق سراحهم، وصلت أحيانًا إلى مليارات الليرات السورية، فضلًا عن احتجاز نحو 150 تاجرًا من دون تهمة في فرع المداهمة «السرية 215 أمن عسكري – دمشق»، بغرض الابتزاز، وذلك في الربع الأخير من عام 2023.

الصادم في تلك الوقائع أنّ عمليات الاعتقال والابتزاز جرت، وفق مصادر مطّلعة، من دون علم أسماء الأسد أو زوجها. فقد نُفّذت بتشاركٍ مباشر بين «أبو علي خضر» واللواء أسامة صيوح، رئيس الفرع. هذا الأمر استدعى لاحقًا نقمةً عارمة من القصر تجاه الطرفين، بعدما تبيّن أنهما شرعا يعملان لحسابهما الخاص في الظل. وعلى إثر ذلك، صودرت أموال «أبو علي خضر» وطُبّقت عليه إجراءات عزل وعقوبات مشابهة لتلك التي فُرضت سابقًا على رامي مخلوف، فيما أُودِع اللواء أسامة السجن، قبل أن يهرب ليلة «التحرير» إلى لبنان، حيث يقيم حاليًا.

«أنا أو أحرق البلد»

في الصحافة، ثمّة حيّزٌ يسمح بالتوثيق لا بالتدخّل أو الإملاء. وخلال سنوات طويلة من الحرب، امتلك بشار الأسد قاعدة شعبية واسعة داخل سوريا، كانت المسيرات المليونية تعبّر عنها أحيانًا، كما عكستها أعداد القوات العاملة والمتطوّعة، وآراء شريحة من السوريين التي رأت فيه ضمانةً وصمّام أمان. وكان ذلك كلّه، في حينه، جزءًا من حق التعبير المكفول.

غير أنّ هؤلاء أنفسهم، اليوم، ينظرون إليه – بحسب تعبيرهم – بوصفه «لصًا هاربًا بخيرات سوريا»، تركهم بلا سند أو حماية، فيما كان قادرًا، في أي لحظة، على المغادرة. ويرى كثيرون أنّ هذه القناعة لم تولد لحظة السقوط، بل بدأت تتشكّل قبل ذلك بوقت طويل.

يتساءل مناصرون سابقون للأسد عمّا إذا كان قد هرب في نهاية المطاف تحقيقًا لشعار «أنا أو أحرق البلد». ولماذا لم يسلك مسار القرار الدولي 2254 الصادر عام 2015، والذي بقي متاحًا أمامه حتى لحظة رحيله؟ ولماذا لم يكن أكثر شجاعة ووطنية في الأشهر والسنوات الأخيرة، حين كان بوسعه نقل السلطة، أو التفاوض، أو حماية من وقفوا إلى جانبه، أو الانخراط في تسويات إقليمية، أو التوقّف عن استعداء شريحة واسعة من السوريين المعارضين له؟

قبيل هروبه، كان في متناول يده الكثير ممّا لم يفعله: الجلوس إلى طاولة تفاوض، حماية حلفائه، الانفتاح على المسارات الإقليمية، والتخفيف من كلفة العداء الداخلي. غير أنّ ذلك لم يحدث.

خلاصة القول، كما يراها كثير من السوريين اليوم، أنّ ما ظهر من بشار الأسد وزوجته لم يكن سوى أنانية ديكتاتور ترك خلفه مجتمعًا ممزّقًا، يتقاذفه الفقر، والانتقام، والتهجير، والاضطهاد، والأحقاد، والرغبة الجماعية في الهجرة ومغادرة الوطن.

وكما قال أحد سكّان طرطوس لـ«صالون سوريا»:

«بشار وزوجته كانا يصلحان، في أفضل الأحوال، لإدارة حديقة ملاهٍ. ومع ذلك، فاحتمال فشلهما كان كبيرًا، لأنهما كانا سيسرقانها، ولن يدفعا ليرة واحدة في تطويرها أو حماية عمّالها. وهذا تمامًا ما فعلاه، هما ورجالاتهما، في سوريا».

حين تصبح الكلمات بيتًا: قراءة في ديوان هنادي زرقه

حين تصبح الكلمات بيتًا: قراءة في ديوان هنادي زرقه

في ديوانها الجديد “مثل قلب على مدخل بيت” (دار أثر، 2025) تقدّم الشاعرة السورية هنادي زرقه شعرًا في حالته الأولى: شعرًا خامًا، يولد في البدء والمباشرة، ويستمد مادته وأنفاسه من سيرة الذات وأيامها المعاشة. الشعر هنا، نداء وجداني، محاورة النفس وتكثيرها بالتذكر والحنين والظنون والأحلام والشكوك والمخاوف، بما هو مستقر في قاع النفس ملتصق بها ولا يغادرها.

تجربة فعلية  

تأتي الكلمات والعبارات من التجربة الفعلية، من الحياة المعاشة كما هي، من الإحساس الأوليّ، من الانطباع الفطري والآنيّ، مما هو خاطرة ويوميات، مما يشبه قصاً قصيراً، سرداً أقرب إلى مقاطع من سيرة. هو ذا شعر لا يتكل على عدة من خارجه. شعر قادم من الداخل الذي هو حياة متحولة وذكرى حياة. شعرٌ كهذا لا يجد فرقاً بين الحياة والكلمات، وهو على الأرجح يُلحم الاثنين يُطعّمهما ليغدُوا جديداً واحداً. شعرٌ يستنبت نفسه، يسقيها وينتظر إثمارها. لنقل إنه يُثمر من أي جهة طالما كانت معاشة ومختبرة. يأتي من الألم لكنه يتخطاه. شعرٌ هو بمكان ما يتنزه مع كلاب الوحدة.

تكتب هنادي كما تتحدث مع أصدقائها، كما تفكر وتشعر، كما تمشي وتشير، كما ترى وتتذكر. لا مسافة بين ما نتكلمه وما نكتبه. الفكر والشعر والسيرة والرؤية والتذكر أمر واحد، قصيدة. التأليف والترتيب الفنيان يأتيان على وقع ما نعيش وما عشناه. هنا نجد مثالاً أليفاً للشعر، مثالاً لا يأتي من الرمز أو التصعيد الجمالي أو التسامي الذاتي من خلال اللغة بما هي جوهر شعري ربما يبتعد عن مصدره وأصله. هنادي لا تبتعد عن المصدر “الأهلي” للشعر، عن التذكار العائلي والطفولي، عن نفسها كما كانت وكما هي الآن.  

 يأتي الشعر من الكلام المسموع والمقروء، مما قد تفتت وتناثر وهاجر، من الرحلة وركام التنقل والسفر والإقامة الجديدة. مصدر الشعر هنا ليس الكتب وحسب ولا القراءة فقط. كلمات الكَلام هي ما تصنع القصيدة، الكلمات بما هي حاجة وبما هي منهل وبما هي ناقل ورسالة ورجاء واستنطاق للصمت والعزلة والحيرة. لكن الشاعرة أيضاً تتكلم إلى نفسها، أو تسمع صوتها الذي لا تجد له مقابلاً في وجه آخر. الشعر والكلام هنا حاجة قبل أن يكون تأليفاً.  

تأملات في اللحظة العادية

يتميز ديوان “مثل قلب على مدخل البيت” بلغةٍ حيةٍ قريبة، تنبثق من التجربة الشعورية المباشرة، مما يشبه ما نتداوله من كلمات وعبارات لا من التنظير أو الزخرفة اللفظية. الشعر ان ترى وتقول ما تراه. لا تجد هنادي في الكلام المتناقل، قد لا يكون بالضرورة كلامها هي نفسه، والحدث العادي ورؤية الأشياء اليومية ما يبعدها عن الشعر. على العكس هي تجد في اللحظة العادية والمتكررة ما يستدعي التأمل وما يجلب الانتباه. لا بلاغة استعراضية ولا تغريب. فهي لغة بسيطة، لكنها عميقة المنشأ الحسي إذ تعتمد على التفاعل الفوري مع اللحظة، فتسجّل الانفعال كما هو، دون أقنعةٍ أو تصنّعٍ. ليست البساطة شحّاً لغوياً، بل هي هنا اختيارٌ فني وتكثيف حسي، ما يجعل الكلمة تعبّر بصوت الفرد الذي ربما لم تبق غير الكلمات تصوّره وتحميه، تتحول إلى خلق ثان وثوب جديد.

الكتابة في هذا الديوان أقرب ما تكون إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث تتحول القصيدة إلى لقطةٍ حيّةٍ، تلتقط تفاصيل الواقع المحيط. الكلمات هنا ليست رموزًا غامضة، بل هي صور ملموسة، تُمكِّن القارئ من رؤية المشهد وسماعه ولمسه. 

هذه اللغة، بما تحمله من لمسٍ حسيٍّ ورجاءٍ دافئٍ وشكوى مريرةٍ، تُعبّر عن عمق التجربة الإنسانية التي تعيشها الشاعرة. فهي تجمع بين الأمل الصعب والإيمان الأصعب، بين الحلم والخيبة، وتنسج من هذه التناقضات نسيجًا شعريًا متماسكًا. لا مكان في هذا الديوان للمجاز الفضفاض أو الغموض المفتعل؛ فالمَجاز هنا ينبع من حرارة الشعور لا من صنعة البلاغة. وهكذا يصبح الديوان شهادةً على صدق القول الشعري وقدرته على الإمساك بجوهر الحياة في لحظتها الآنية.

تدوُّن هنادي كلمات قَصائدها كما تأتيها. هذا قد يعني أنها تكتب على السماع على ضوء الصدى، على نوعٍ من اليُسْر والتبسيط، على ما يتردد ويَتواتر في ذهنها. لكنها أيضاً تكتب وتنهل من معجم مرئي أمامها. من هذا المكان الجديد المتاح والمعاش والمفتوح أمام ناظريها. هي إذاً تسمع وترى وفي الآن تمزج المرئي بالمسموع في بنية واحدة في مقاطع صوتية قصيرة ومتتابعة. 

نضارة اللاشكل 

ليس ثمة شكلٌ واحد أو نموذجٌ شكليٌّ يتكرّر. فكل قصيدة، إذ تُكتب وتنمو، تبلغ خاتمتها من دون قيدٍ مسبق أو شرطٍ شكليٍّ مفترض. وقد يوحي ذلك للقارئ بأن هنادي تنطلق من اللاشكل، أو بأن البنية النهائية للقصيدة ليست ذات أولوية. الأهم هنا هو القول والكتابة وإيجاد المعنى؛ الأهم هو هذا الحوار الداخلي والنداء الذاتي، وإخراجهما إلى نور الكتابة ونهار القصيدة.

يحضر في هذا الديوان العالمان المكاني والنفسي جنبًا إلى جنب، الذاكرة والحاضر. نرى الأمكنة القديمة والجديدة تتجاوَرُ كأنها وجوهٌ مختلفة للذات نفسها. ما هو نفسيٌ قرينٌ لما هو زمنيّ، أحدهما يشكل الآخَر ويُدخله في نسيجه ومحتواه. الدقائق مشاعر وحالات، الساعات والشهور مراحل وتحولات. برلين، على وجه الخصوص، تتجسد حضورًا كثيفًا، ليست مجرد مدينة، ليست انتقالاً جغرافياً، بل كيانٌ شعوريٌّ نابض: مدينة الكلاب والعزلة والأشجار الكثيرة، اللغات التي لا تتحول أو تقدر ان تكون لغة واحدة متاحة ومفهومة حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشاراتٍ عن الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة ووحدة وتخبطاً كما في قصيدة “حيوان أليف يدخن” إذ نقرأ “تجلسين على الشرفة لتدخّني. التدخين، في برلين، ممنوع داخل المنازل! تنصاعين مثل حيوان أليف. يخرج سنجاب من ثقب في أسفل الشجرة. سنجاب متردد. يقف. يحك قدمه ثم أنفه. يصعد. ينزل. يواصل الصعود والنزول اعتباطاً من غير هدف واضح. أو هكذا يبدو. يسقط على الشرفة المقابلة. يقف حائراً لا يعلم أي اتجاه يسلك إلى الثقب-البيت. ساعة بأكملها، تراقبين السنجاب في ضياعه. تبرد القهوة. تنطفئ السيجارة، فيما سنجاب الوحدة يحفر ثقباً في روحك/ تحاولين الولوج منه إلى بيتك هناك”.

سجل حياة

الشاعرة تكتب سجلّ حياتها الشعري، الحياة بما هي معاش يومي ومكابدة مزدوجة، مكابدة المعنى ولغة المعنى. ثمة الواجب وثمة صورته الماثلة والثقيلة، ثمة الجديد الطارئ والقديم الذي يرفض أن يتقادم ويبتعد ويندثر. ثمة النموذج المفترض، وثمة غواية اللا نموذج. هنا الحاضر البرليني وهناك والماضي السوري. لكن القصيدة غير قادرة على النجاة من ماضيها وماضي بلد الشاعرة. هي عالقة بين زمنين مُقسَّمة، دون أن تنتمي الى اي منهما على نحو كلي وناجز. السؤال الشعري سؤال في الانتماء والهوية يطوف حول الذاكرة، الحنين لا يكفيه جواباً والنسيان لا يشفيه. لا أحد يمد طوق النجاة، لا سند ينقذ الشاعر والشعر نفسه.  القصيدة هي هذا التوهان هذا التأرجح المَرَضي، الانتقال غير المستقر بين زمنين وفكرتين. لكن هنادي تنقل هذه الاسئلة الحياتية والأدبية من عالم الفكر المجرد الى التجربة الفردية المحسوسة، وربما يكون الفرد هنا معياراً تُقاس به وعليه الحوادث ومعانيها. 

لا بوصفه تذكّراً للأحداث، بل بوصفه تأمّلًا في الشعر نفسه، في كونه طريقة حياة لا مجرّد كتابة. الشعر عندها مواز للحياة، نسخة عنها، بل شرطها وسرها ودافعها الأول، فهو الدليل في التيه، والاختبار المرير في مواجهة معنى ينسف الإيمان الشخصي. إنه اعتراف وكتمان في آنٍ واحد، تردّدٌ دائم بين التذكّر والنسيان، بين الرغبة والندم. يبلغ الشعر هنا مرتبة النشيد الشفاهي، فهو خطابٌ وحوارٌ ونداء. الكلمة ليست غاية، بل تفصيلٌ للنداء نفسه، حياكةٌ للقول حول التجربة.

إن مجموعة قصائد “مثل قلب على مدخل البيت” ليست مجرد نصوص ذاتية، بل رحلة في الوعي الحسي والشعور الحرّ، رحلة تثبت أن الشعر، حين يكون صادقاً، ووليد تجربة وترحال يصبح شكلاً من أشكال العيش، ووسيلةً لمحاورة الذات مع وحدتها. الشعر هو هذا القِران المستولد من عزلات متراكمة، هذا التزاوج، هذه النجوى وهذا الإسرار بالدعاء “إلهي.. إلهي/لا أريد أن أكون غزالة أو فيلاً/ أعد لي جديلتي/وعيني الواسعتين/وفمي الكبير/وضحكة واحدة/ تخلخل هذا الموت الجاثم فوق صدري”. 

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن “أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش”. من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم الناس بها العالم من حولهم. في هذا الإطار تصبح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية جزءاً من هذا الاحتكار الرمزي؛ فهي التي تحدد ما يسمى تهديداً، وما يعرَّف استقراراً، ومن يقدَّم عدواً، ومن يُصاغ شريكاً. وحين تحتكر الدولة القدرة على تسمية الواقع، فإنها تحتكر في العمق القدرة على إعادة تشكيل الحقل السياسي نفسه.

من هنا ينبع سؤال هذا المقال: كيف أعادت لحظات التحول الكبرى التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تعريف وظيفة الاستخبارات، بحيث أصبحت فاعلاً يساهم في صياغة “حقيقة الشرق” وإعادة توزيع النفوذ؟

شكّل هجوم حركة “حماس” الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لحظة انهيار معرفي داخل البنية الاستخباراتية الإسرائيلية؛ فالجهاز الذي اعتاد تقديم نفسه بوصفه الأكثر اختراقاً لـ”الشرق” وجد نفسه أمام مأزق غير مسبوق؛ عمى شبه كامل عن استعدادات الحركة، وعن اللحظة التي ستتبدل فيها قواعد الاشتباك جذرياً. في قلب هذا الفشل برز ما جرى تجاهله سنوات طويلة وهو تآكل “المعلومة الإنسانية” داخل غزة بعد رهان شبه مطلق على التكنولوجيا.

يتضح حجم الانكشاف أكثر حين نتذكر أن الجنرال “أهارون هاليفا”، مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، توجّه في خريف العام 2023 إلى مقر المخابرات الفرنسية في باريس، في زيارة كانت محاولة لتعويض نقص حاد في المعرفة. وبحسب مصادر فرنسية، احتفظت باريس بشبكة مصادر داخل القطاع، أثبتت قيمتها في اللحظة التي رأت فيها إسرائيل أن كل شيء ينهار. جزء من هذه الشبكة كان يمر عبر الفعاليات التي ينظمها “المعهد الثقافي الفرنسي” في غزة.

ووفقاً لمصدرين عملا في هذا الجهاز، توجه عناصر سريون فرنسيون لاحقاً أيضاً إلى غزة، هذه المرة تحت غطاء إنساني. تزداد الصورة وضوحاً حين نعلم أن دافيد برنياع، مدير جهاز الموساد، مرّ هو أيضاً بباريس قبل أيام من الهجوم، حاملاً ملفاً يتعلق بخطة تمويل لغزة لم يُكتب لها أن تستمر. كانت تلك التحركات اعترافاً بأن احتكار المعرفة داخل غزة لم يعد إسرائيلياً خالصاً، وأن باريس أصبحت – ولو بصمت – شريكاً معرفياً لا يمكن تجاهله.

مع ذلك، ورغم التقارب بين الجهازين الفرنسي والإسرائيلي، جرى استهداف المعهد الفرنسي في غزة بضربة إسرائيلية، ثم اقتحمت قوات الجيش الإسرائيلي المبنى، وصودرت ملفات ثقافية وأجهزة كمبيوتر تحتوي على معلومات مرتبطة بأنشطة استخباراتية كانت فرنسا تقوم بها داخل القطاع. هكذا تحوّل يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر من حدث أمني إلى لحظة أعادت توزيع القدرة على تسمية الواقع في غزة؛ من يملك المعلومة يملك المفاتيح الأولى لإعادة رسم خريطة التهديد.

ما حدث لإسرائيل في غزة وجد صداه – وإن بصيغة مختلفة – في التجربة الفرنسية في سورية. حين أغلقت باريس سفارتها في دمشق عام 2012، ظن صانعو القرار أنهم يتخذون موقفاً سياسياً وأخلاقياً ضرورياً. لكن الأجهزة رأت في هذه الخطوة خروجاً قسرياً من ساحة لا يمكن مغادرتها. أحد كبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات قال لاحقاً، بحسب تقارير إعلامية فرنسية: “إغلاق السفارة جعلنا عمياناً وصمّاً في سوريا”. هذا الوصف يلامس جوهر ما يسميه بورديو “فقدان القدرة على تسمية الواقع”. فالدولة التي تفقد نافذتها على الميدان تفقد معها لغة تفسيره، فتضطر لاستعارة هذه اللغة من أجهزة أخرى.

بهذا المعنى أصبحت فرنسا تعتمد شبه كلياً على “جهاز الموساد” للحصول على المعلومات المتعلقة بالجنوب السوري، ومسارات المقاتلين، والميليشيات، والجماعات المتشددة. نشأت علاقة معرفية غير متكافئة؛ باريس بحاجة إلى المعلومة، وتل أبيب قادرة على توفيرها.

لكن هذا الوضع لم يكن قابلاً للاستمرار. فرنسا كانت تحتاج إلى موطئ قدم تستعيد منه جزءاً من قدرتها على الرؤية المباشرة. في هذا السياق تشغل باريس في شرق المتوسط سفناً ومنصات مخصصة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وقد صرّح الجنرال كريستوف غومار، القائد السابق لإدارة الاستخبارات العسكرية بين عامي 2013 و2017، بأن “الإسرائيليين يعتبرون أننا نقدّم عملاً جيداً في جمع المعلومات”، في إشارة إلى أن فرنسا لا تكتفي بالمعطيات الإسرائيلية، بل تعتمد مقاربة متعددة المصادر.

باريس تحلل البيانات التي تجمعها عبر قدراتها الاستخبارية في قبرص، إلى جانب ما تنتجه حملاتها الجوية من رصد لسورية وجنوب لبنان. هذه القدرات سمحت لها تدريجياً باستعادة جزء من استقلاليتها التحليلية. ومع تراكم هذه الأدوات، تحولت قبرص – بموقعها ومحطاتها الاستطلاعية – إلى “دمشق جديدة” توفر لفرنسا نافذة متقدمة على المشرق، وتعيد لباريس توازنها الاستخباري الذي كانت قد فقدته خلال السنوات الماضية.

هذا التحول في أدوات الرؤية كان مقدمة ضرورية لتحول مواز في أدوات الفهم السياسي، خصوصاً مع اقتراب الساحة السورية من لحظة انفجار كبرى. حين بلغت التحولات ذروتها مع سقوط نـظام الأسد، بدا أن المشهد كله يدخل مرحلة جديدة تتجاوز الأمن إلى إعادة هندسة المعنى السياسي نفسه. في الساعات الأولى لما يمكن تسميته “الفراغ السوري الكبير”، تحركت باريس بحذر حتى لا ينقلب الوضع السوري على الداخل الفرنسي. فحتى لو سبقت برلين العاصمة الفرنسية بخطوات، فإن دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الإليزيه للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كانت لحظة تأسيسية لاختبار قدرة فرنسا على إنتاج سردية جديدة عن سورية.

برأي كاتبة هذه السطور، كان اللقاء في جوهره لقاءً استخبارياً قبل أي شيء آخر؛ إذ حاولت الأجهزة الفرنسية أن تعيد التعرف إلى رجل يعرف تضاريس الشمال السوري معرفة لا يملكها أحد في الغرب اليوم، ويعرف تنظيم داعش من الداخل، ويمتلك شبكة علاقات لا يستطيع أي طرف غربي الوصول إليها من دون وسيط. وفي الوقت نفسه، وفّر اللقاء مساحة لتعارف الأجهزة الاستخباراتية إلى بعضها مجدداً، ولإعادة اختبار حدود التنسيق الممكن في مرحلة سورية يعاد بناؤها على عجل.

في هذا الإطار أعتقد أن باريس لم تكن تختبر “الشرع” كشخص بقدر ما كانت تختبر إمكانية النفاذ عبره إلى بيئة خرجت من الخرائط الرسمية ودخلت في منطق الشبكات غير المرئية. هنا يظهر أثر بورديو مجدداً؛ الدولة لا تتعامل مع الفاعلين كما هم، بل تقرر كيف تعرّفهم، وكيف تصنع حولهم “حقيقة سياسية” قابلة للاستخدام. لم تكن باريس معنية بالشرع كاسم فردي، بل بالوظيفة الرمزية والسياسية التي يمكن إنتاجها منه، وبالقدرة على تحويله إلى تصنيف يساهم في إعادة بناء سرديتها عن المرحلة السورية الجديدة.

هذا التوجه لم يمر من دون ثمن؛ فالتقارب مع الشرع أحدث انقساماً في البرلمان الفرنسي، وهاجم بعض النواب وزير الخارجية جان نويل بارو، معتبرين الخطوة “مخاطرة أخلاقية وأمنية”. مع ذلك لم تتراجع الأجهزة. بدا أن إيمانويل ماكرون، مدفوعاً بتقديرات استخبارية أكثر مما هو بحسابات سياسية داخلية، قرر المضي في إعادة بناء صورة الشرع عبر سلسلة اختبارات متدرجة؛ من ملف المقاتلين الأجانب في إدلب، إلى قياس قدرته على الانخراط في التحالف ضد داعش.

بهذا المعنى كان التقارب جزءاً من عملية تصنيع متعمقة لـ “فاعل سياسي” جديد يناسب إعادة بناء النفوذ الفرنسي في منطقة تتبدل هياكلها بسرعة. ورغم التوترات الداخلية التي تضعف النفوذ الفرنسي الظاهر، يبقى دور باريس الاستخباري صعب الاستغناء عنه بالنسبة إلى إسرائيل وأوروبا وشرق المتوسط. فبينما تغرق تل أبيب في وعود الذكاء الاصطناعي، تعرف أجهزتها أن لا خوارزمية تعوّض بلداً يمتلك تاريخاً طويلاً من الوصول إلى سورية ولبنان ومساحات لا تستطيع إسرائيل دخولها مباشرة. وقد لخّص إيرن ليرمان، أحد أبرز وجوه الأمن القومي الإسرائيلي، هذه الحقيقة حين اعترف بأن قدرات إسرائيل “ليست لا نهائية”، وأن فرنسا تبقى شريكاً لا يُستغنى عنه.

في النهاية تتضح حقيقة مركزية؛ معارك الشرق الأوسط تُخاض اليوم بالمعرفة قبل السلاح، وبمن يملك القدرة على صياغة الواقع قبل السيطرة عليه. هذا ما يجعل عبارة بورديو أكثر راهنية اليوم؛ فالقوة صارت في الدولة التي تعرّف ما يحدث وتفرض تعريفها على الآخرين، لا في الدولة التي تتحرك بلا لغة تشرح ما تفعل.

هكذا يعود السؤال إلى جوهره: من يملك اليوم سلطة إنتاج “حقيقة الشرق”؟ من يملك المعلومة، أم من يملك القدرة على تحويلها إلى معنى؟ في عالم يتشكل من تحت الرماد، تبدو الإجابة أبعد من أن تكون حكراً على قوة واحدة؛ بل موزعة على شبكة من الأجهزة تعيد رسم الخريطة في الظل، قبل أن تظهر الخطوط على السطح.

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية “المتنبي” للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً. 

عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم، قائلاً: لقد كان علوياً.

لم أجد مبرراً لهذا السؤال، فما علاقة الإبداع بالانتماء الطائفي!؟  خاصة وأنه في ذلك الحين لم تكن قد استشرت النزعات التي نعاني منها اليوم، وكان خطاب الانتماء الوطني هو السائد. 

في اليوم التالي قال لي أحد زملائي مازحاً: لم أعد أحب المتنبي، تصوّر يا رجل أنه كان علوياً..

بالمقابل فاجأتني الخيبة التي اعترت أحد شعراء البحور حين عرف أن الفرزدق مدح أمراء بني أمية: سليمان بن عبد الملك والوليد بن عبد الملك بن مروان، ومدح يزيد بن عبد الملك وبشر بن مروان، حتى أنه مدح الحجاج بن يوسف الثقفي.

وقد قال بالحرف: لا بد أن القصائد منحولة، فلا يمكن لمن يمدح علي زين العابدين أن يمدح هؤلاء.. 

عادت إلى ذهني الحادثتان مؤخراً مع ما وصلـت إليه الحالة السورية من تداعي الانتماء الوطني وصعود الانتماء الطائفي.

من الطائفية المقنعة إلى المتفشية السافرة

على مدى سنوات طويلة كانت مقاربة الطائفية في سورية تتم بحذر ووجل، حتى الدراسات التي تتناول المسألة الديموغرافية والأنثربولوجية، والتي من المفترض أن تسمي الأشياء والأحوال بمسمياتها؛ لم تكن محبذة في الدوريات والكتب الصادرة في سورية. 

ومن يفعل ذلك على الصعيد الشعبي؛ في الشارع أو في أي مكان عام، أو على الصعيد الرسمي إن كان في وظيفة أو في أي جهة عامة أخرى، كان يسارع إلى الاعتذار وإحالة الأمر إلى التندر والمزاح. 

كان السؤال الأكثر انتشاراً والأكثر مباشرة وجرأة بما يخص الانتماء هو: من أين أنت؟ رغم أن الإجابة لا يمكن أن تحمل معلومة دقيقة تفيد بالانتماء الطائفي في ظل التنوع الديموغرافي الطائفي والإثني السائد في كل المناطق السورية. 

يمكن القول إن التغيير في هذا الأمر بدأ يأخذ منحى آخر مع بدء الأزمة السورية، حيث بدأت المجاهرة بمسألة الانتماء الطائفي وذلك في سياق الاصطفاف السياسي الذي ساد الواقع السوري وتحوّل بسرعة إلى اصطفاف عسكري، وفي سياق هذا تم تبادل الاتهامات التي تتناول الحالة الوطنية لأطياف المجتمع السوري، فقد رأينا اتهامات تشكك بالانتماء الوطني لطائفة من قبل طائفة أخرى وبالتبادل. 

بعد سقوط النظام السابق الذي كان يتظاهر أنه ليس طائفياً، وهو فعلاً لم يفضّل طائفة على أخرى إلا في سبيل مصالحه، وكان يطبّق ترويكا طائفية غير معلنة على كافة المستويات في أجهزة الدولة، طفحت الطائفية في الخطاب البيني السوري، وعلى كل السويات وفي كل المجالات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على المستوى الشعبي والرسمي، وهذا كان متوقعاً مع وصول تيار يقوم على أيديولوجيا دينية تخص طائفة بعينها، تيّار موصوم بالتطرف، إلى السلطة، وذلك في سياق الفعل ورد الفعل، فتبني جهة ما للطائفية لا بد أن يفرز طائفية مضادة ولو بعد حين.

مثقفون في مهب التعاطي الطائفي

لم تقتصر الطائفية على الفعاليات التي ذكرناها، بل رشحت إلى الناحية الثقافية، كان ذلك مفاجئاً للبعض، والمفاجأة هنا تأتت من الحوار الذي كان يدور بين المثقفين السوريين من كافة الأطياف، ففي خضم هذا الحوار تبيّن النزوع الطائفي لكثير من المثقفين الذين كانوا يعرفون بالتنوير والعلمانية، هذا النزوع الذي تبلوّر فيما بعد في مواقف واضحة؛ وأداء وتصرفات طائفية صريحة لم تعد ترى ذلك عيباً أو خطأً ولا تخجل من ذلك.

أغلب الحوارات كانت في البداية تتسم بالعقلانية والمنطق البعيد عن الطائفية وتبني الطروحات التي تعزز الانتماء الوطني، لكنها يوماً إثر يوم بدأت تتبدّل وكأن هناك ما استيقظ في نفوس بعض المتحاورين، فالنزوع الطائفي كان موجوداً ومكبوتاً، كأنه كان نائماً فقط وأتى من يوقظه.  

في تلك الحوارات والتي شاركت في بعضها، تم استحضار الحساسيات الطائفية المزمنة والاتهامات المعروفة باحتضان النظام البائد والتشكيك بمصداقية الانتماء من قبل مثقفين معروفين، ووصل الأمر بالبعض في إحدى جلسات الحوار إلى المطالبة بضرورة تفكيك الخطاب العلوي وتخليصه من خرافاته من قبل أحد مثقفي الطائفة السنية، ورد عليه مثقف علوي أن خرافات الخطاب العلوي ليست قاتلة، الأهم أن نتخلص من خرافات الخطابات القاتلة. 

تصاعد التوتر الطائفي في تلك الحوارات وفي التعاطي بين المثقفين بشكل مباشر وغير مباشر، واستحضرت شخصيات تاريخية أدبية ليدور السجال على صفحات السوشال ميديا حول انتمائها الطائفي كأبي نواس وأبي فراس الحمداني والفرزدق وعلي بن الجهم وغيرهم، وفي الواقع صار الفرز الطائفي لدى الكثير من المثقفين واضحاً، وصارت أية خطوة أو إجراء يتم اتخاذه يفسّر طائفياً.

 مثال ذلك، عندما قام رئيس اتحاد الكتاب العرب بفصل عدد من المنتسبين إليه، أعاد الكثيرون ذلك إلى دافع طائفي، رغم أن قائمة المفصولين كانت تضم كتابا من أطياف المجتمع السوري كافة. 

لمست ذلك عقب نشري منشوراً تناولت فيه كيفية انتساب الكاتب “حسن م يوسف” للاتحاد حيث مُنح العضوية بشكل فخري من قبل رئيس الاتحاد حينها، المرحوم “نضال الصالح” وقد كنت حاضراً وشاهداً على ذلك، ورأيت أنّ ذلك “التنسيب” أثار أسئلة عدة حينها، فكيف لكاتب بحجم يوسف ألا يكون عضو اتحاد حتى ذلك الوقت؟ إمّا أنه لم يكن يرغب بذلك وإمّا أنه تقدّم ولم يقبل وهذه مفارقة، فكيف لمثله ألا يقبل؟ وكيف قبل بالعضوية الفخرية؟ 

سارع أحد الأصدقاء إلى الاتصال بي ولامني على ما نشرت قائلاً: حسن م يوسف فصل طائفياً وأنت بما نشرت تتفق مع ذلكّ!؟ 

لا بد من القول أنه إن صح أن الأمر وإن لم يصح تمّ بدافع طائفي، فرد الفعل كان طائفياً أيضاً فأغلب من تنطعوا للدفاع عن أسماء من طائفة معينة لم يذكروا أسماء المفصولين من الطوائف الأخرى. 

كذلك قرأنا تصريحات تخص أعمالاً أدبية ودرامية أعيدت إلى الدافع الطائفي ومنعكسه السياسي كتصريح مدير المسارح في وزارة الثقافة والذي تناول فيه مسلسلي “ضيعة ضائعة” و”الخربة”.

الاحتفاء بالآخر البعيد ورفض الآخر القريب 

توضح تبني الطائفية في الوسط الثقافي في قضية ترشيح أدونيس لجائزة نوبل للآداب، فقد أثار هذا الترشيح ردود أفعال متباينة؛ القليل منها تبنى وجهة نظر قائمة على أساس أدبي، نقدي أو متعلق بالذائقة فقط، بينما رأينا تعليقات كثيرة بصبغة طائفية، و الطائفية هنا تجلت في الحكم على أدونيس بناء على منبته و انتمائه الذي لا محيد عنه حتى و لو لم يتبن هو ذلك، فأدونيس رافضي و من فئة سعى البعض لحصرها في إطار اجتماعي وسياسي معين، فهي مهزومة بنظرهم وفوز أدونيس سيشكل عاملاً لتعويمها وإكسابها سمة جديدة، ثقافياً واجتماعياً على الأقل.

 في المقابل نحى مثقفون آخرون المنحى الطائفي بما يخص قضية أدونيس، وهم من طائفته بطبيعة الحال، فقد تمّ تبنيه من قبل هؤلاء ومنهم من رفضه سابقاً، وذلك بدافع إثبات وجود الطائفة ثقافياً ومعرفياً وعلى نطاق عالمي بعد محاولات طمس وجودها سياسياً وتحميلها عبء ممارسات النظام البائد، فأدونيس في رأيهم حال فوزه سيشكل رافعة للطائفة.

 المؤسف أن الكثير من الآراء التي طرحت لم تقم على أساس أدبي، ولا نقصد تلك الآراء التي صدرت عمن ليس لهم علاقة بالأدب؛ بل من أدباء ونقاد معروفين. 

بعد فوز الكاتب المجري “لاسلو كراسناهوركاي” تباينت الآراء بخصوص أدونيس بين الأسف والارتياح، إن لم نقل الشماتة، وكأننا هنا في مهب مقولة القريب والبعيد، لكنها هنا معكوسة فالآخر البعيد مفضّل ومحبّذ عمن يعتبر “الآخر” القريب.  

من المؤسف أن يصل الاستقطاب الطائفي في الوسط الثقافي إلى هذا الحد، ألاّ نستطيع التوافق على شخصية ثقافية سورية بانتمائها وأيديولوجيتها، وهي وجه من وجوه سورية الثقافية والمعرفية عالمياً بما حققته، ونختلف أيضاً حول قضايا ثقافية وشخصيات تاريخية على أساس طائفي. في الوقت الذي كان من الممكن أن يكون المثقفون عاملاً فاعلاً في تصويب الخطاب الطائفي اللاوطني.