تدريباتنا

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

بواسطة | أبريل 15, 2026

يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم “نزوح”، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز الفيلم جائزة الجمهور Armani Beauty Audience Award ضمن قسم “أوريزونتي إكسترا” (Orizzonti Extra)في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2022، كما نال جائزة تلفزيون ARTE في مهرجان كان السينمائي، وحصل السيناريو على جائزة باومي من برلين، وجائزة سورفوند ضمن ورشة سينيفونداسيون.

يوحي عنوان الفيلم بمضمونه، إذ يضيء على واقع مشحون تعيشه أسرة محاصرة في أحد أحياء مدينة دمشق، لم يبق في المكان سواها مع عدد قليل من الجيران الذين يتهيؤون للهروب من المنطقة وسط أصوات الهاون والمتفجرات.

يصرّ ربّ الأسرة على البقاء في البيت، رغم القذائف التي أصابت البناء وأحدثت فيه فجوات متعددة تتسرّب منها الرياح ومياه الأمطار. وهو يتوجّس من فكرة أن يصبح لاجئاً أو نازحاً يستجدي المكان واللقمة عند الآخرين، وهو الذي يرى نفسه ابن عزّ ومجد، ويشعر، كرجل، أنه يمتلك القوة والقدرة على إعادة بناء منزله وترميمه من جديد وحماية أسرته. ومن هنا يأتي إصراره على الثبات وعدم الرحيل.

وسط أصوات القذائف وانهيارات الأبنية، تظهر من خلال فجوات البناء قصة حب شفيفة ورقيقة بين الابنة زينة، التي جسّدتها هالة الزين، وابن الجيران عامر، الذي أدّى دوره نزار العاني، في استعراض رومانسي لمهارات التصوير. تتخيّل زينة نفسها وسط النجوم، متأرجحة بين مجموعات الدب الأكبر والدب الأصغر والثريا، حين تسقط من الفوهة التي فتحتها القذائف إلى سرير نومها، في إشارة إلى أن الحياة لا تزال تتّسع لقصة حب فطرية مهما عظمت الخطوب وتوالت الأقدار الظالمة.

يحاكي المشهد الأساسي في الفيلم ما عاشه السوريون جميعاً خلال أربعة عشر عاماً، سواء في النزوح الداخلي أو الخارجي، وما يعنيه ذلك من إحساس عميق بالمهانة نتيجة الحاجة إلى غرباء يساعدونهم على تدبّر أمورهم الحياتية. وهنا تأتي صرخة سامر المصري في دور الأب: “نازح أنا؟ يقولوا عني نازح؟”، في استهجان صريح لما يعنيه البعد عن المكان والبيت، ذلك الذي يصفه غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”بأنه كينونة الإنسان الأولى، وركنه في العالم، ومركزه الروحي للألفة والحماية.

لكن مع فقدان الحاجات الأساسية من ماء وكهرباء ومؤونة، والحصول عليها بشق الأنفس، ينشأ صراع حول البقاء في المكان والاستمرار في العيش بهذه الطريقة. ويتفجّر هذا الصراع بين الأب والأم حين يبدأ الأب بالتفكير في تزويج طفلته من أحد المقاتلين، بعد أن جاءه سمسار الحي ليقنعه بأن هذا هو الحل الأمثل بحجة تأمين حمايتها قبل اقتحام الجيش للمكان. وهنا يغدو الحوار بين الزوجين نافذة على الذاكرة، تستدعي الواقع الاجتماعي والبيئة التي تعيش فيها الأسرة، وتاريخها في تزويج البنات وإرسالهن إلى المجهول، مروراً بزواج الأم نفسها في سن مبكرة، من دون أن يُتاح لها التفكير في قرارها أو مستقبلها. هذا التراكم من المشكلات الاجتماعية يدفع الأم إلى اتخاذ قرار الهروب والتمرّد على سلطة الأب، ومغادرة المكان مع بقية المغادرين.

تغادر الأم وابنتها عبر حطام المدينة التي تشظّت معالمها، في صورة تعكس الضريبة الباهظة من الشقاء التي تقع على النساء والأطفال في الحروب والصراعات بالدرجة الأولى. ويكتسب المحتوى البصري للمكان، بما فيه من منازل مهدّمة وشوارع فقدت تضاريسها واتجاهاتها، صفة وثائقية وعفوية، تجسّد الخلفية الصامتة للمعاناة والألم في رحلة ضياع بين الأنقاض. ثم تلتقيان بالعشرات من الأهالي الراغبين في الخروج والهروب من الأماكن المتفجرة، وسط حوار يتضمّن انتقاداً ضمنياً لمن يحملون السلاح، بوصفهم يريدون السكان دروعاً بشرية يحتمون بها.

أما الزوج، الذي تُرك وحيداً، فيصاب بهستيريا وصراع داخلي عنيف. فهو يريد البقاء في بيته، وألا تتعرض عائلته لذلّ النزوح، وأن يكون الحامي لأسرته، لكن سخرية الأقدار تجعله يفقد أسرته ويغدو وحيداً. ونراه يطارد آثارهم من مكان إلى آخر، إلى أن يصل إليهم وهم يستقلّون إحدى السيارات الموعودين فيها بالأمان، وبالوصول إلى البحر، بما يحمله من رمزية الاتساع والعمق بوصفه حلاً مأمولاً، رغم آلاف الضحايا الذين ابتلعتهم الأمواج في موجات الهروب المتتالية من جحيم الواقع. وتأخذ مطاردته للسيارة طابعاً درامياً مشوّقاً يحبس الأنفاس، إلى أن تحسم الفتاة الأمر بصراخها كي تتوقف الحافلة، وتهرع راكضة إلى أبيها في لقطة بالغة الحميمية، وسط تعنّت الأم وإصرارها على موقفها، إلى أن يعلن الأب استسلامه، وأنه سينزح معهم ويرافقهم، وأن مصيره سيبقى مرتبطاً بهم دائماً.

ومن مفارقات القدر أن يصل الإنسان السوري إلى قناعة بأن النزوح عن بيته وحارته هو الحلّ المرحّب به، بل الحلّ الذي يحفظ له حياته وكيانه، رغم أن الجميع، في الداخل والخارج، حكومةً ومعارضةً، يرفعون شعارات حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم وسلامتهم. لكن المدنيين، في نهاية المطاف، هم الشريحة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والصدام والاقتتال.

تهدي المخرجة سؤدد كنعان الفيلم إلى جميع السوريين، من بقي منهم ومن هاجر، إذ إن الجميع تحت نير المعاناة، والجميع دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وقد رأت أن إبقاء النهاية مفتوحة يعكس أن الوضع ما زال قائماً، وأن الحرب لم تنتهِ، وأن واقع اللجوء ما يزال مستمراً. كما أن النهاية المفتوحة، بشكل عام، تجعل المتلقي شريكاً في تخيّل ما ستؤول إليه الأحداث، وفق أفكاره وتصوراته، بما يضيف غنى وثراء إلى العمل.

طبعاً، فكرة الفيلم نبيلة ووجدانية، بوصفه شاهداً على زمن نتمنى ألا يعود. ولعل الواقع كان أكثر وحشية وألماً مما رأيناه، إذ عبّر الفيلم، بطريقة بسيطة وعادية، عن واقع معروف ومعاش، لكنه يبقى صوتاً في وجه استباحة الإنسان المهدور والمكشوف للحرب والتهجير والدمار.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

إمساك العصا من المنتصف في رواية كمَنْ ينتعل قبرًا

إمساك العصا من المنتصف في رواية كمَنْ ينتعل قبرًا

تناولت المدونة الأدبية السورية بكافة أنواعها ثيمة الحرب، حتى كادت أن تصبح نموذجًا للانشغال بأدبيات الحروب؛ وهذا لم يكن ليتحقق إلّا بعد خمس عشرة سنة من استمرار المقتلة، جماعيًا وفرديًا، حتى الآن. هذا الانغماس في محاولة كتابة سرد أدبي للمقتلة السورية، يتجذّر في رغبة لا...

تدريباتنا