تدريباتنا

إمساك العصا من المنتصف في رواية كمَنْ ينتعل قبرًا

بواسطة | أبريل 30, 2026

تناولت المدونة الأدبية السورية بكافة أنواعها ثيمة الحرب، حتى كادت أن تصبح نموذجًا للانشغال بأدبيات الحروب؛ وهذا لم يكن ليتحقق إلّا بعد خمس عشرة سنة من استمرار المقتلة، جماعيًا وفرديًا، حتى الآن. هذا الانغماس في محاولة كتابة سرد أدبي للمقتلة السورية، يتجذّر في رغبة لا شعورية عند السوري بتدوين شهادته؛ وخاصة إذا كان كاتبًا يرى نفسه معنيًا أكثر من غيره بهذا الأمر. يعود هذا الهاجس، إلى حدّ ما، إلى الحراك في عام 2011 والذي تحوّل إلى ثورة ضد النظام فيما بعد، ومن ثم إلى حرب بين النظام والمعارضة، حيث عمد كتبة التاريخ، من أطراف الصراع كافة، إلى رؤية أحادية تلغي الآخر السوري حسب اصطفافه؛ من موالاة أو معارضة وغير ذلك من تحيزات وتحزّبات وطوائف وأديان، فأصبح قول التجربة الفردية مقاومة ضدّ جميع أنواع الاستلاب. ومن هذا المعطى الواقعي ظهر الأدب المهتم بثيمة الحرب كحدّ وسط بين متطرّفين، وكأنه الفضيلة الأرسطية التي لم تعد تطمح إلى الحلم بإمكانية تغيير المجتمع السوري الذي تقطعت أوصاله بين موتى وأحياء، ومهاجرين ومقيمين، وأكثرية وأقليات تارة سياسية وتارة طائفية وتارة ثالثة إثنية، وإنّما تحاول إنقاذ الفرد مادام المجتمع بشكل كلّي قد أصابه التشظي والانحلال. ولقد تأكد هذا الجحيم المجتمعي على أيام النظام السابق، ومن ثم على أيام النظام الحالي المؤقت، فلم تتوقف المقتلة، لكن الذي كان مؤتلفًا خلال سنين الحرب، قبل وبعد سقوط النظام هو الرؤية الأحادية والإصرار على تنميط الآخر ومن ثم إلغائه، قد استمر، وكأن السوري لم يعد قادرًا على تعريف ذاته إلا بإلغاء سوري آخر. ومن هنا تأتي وسطية الأدب كآخر المحاولات في إمساك العصا السورية من المنتصف.

 تأخذ رواية الشاعرة والصحفية السورية سوزان إبراهيم ” كمَن ينتعل قبرًا والصادرة عن دار ميزر السويدية لعام 2025″  هيئة عود جديد يضاف إلى حزمة العيدان السورية كوصية الأب لأولاده في الموروث الشعبي لعل شيئًا ما يمتنع عن الكسر، فلا يأتي العنوان في روايتها مجرد اشتهاء تسويقي، وإنّما كبوصلة دلالات تذكر القارئ وهو يغذّ السير في محكيها، بأنّه ينتعل قبرًا، ليخفف من وطأة إصدار الأحكام في إشارة لمقول المعري عن أن أديم هذه الأرض من الأجساد، فكيف إذا كان ما ينتعله و يصدّ عنه غلظة الأرض ليس إلا قبرًا. 

الأثافي الثلاثة:

تقارب الرواية حيوات ثلاث إناث كخطوط سردية أساسية، ومن خلالهن تعيد سوزان قراءة الحرب وسنواتها وفق رؤية الفيلسوف والتر بنيامين، الذي يرى أن المدونة الرسمية للتاريخ ليست هي الواقع كما جرى حتى لو تتطابقا. لم تكن عودة جوليا من الموت ستنتج مصالحة حاضرها مع الماضي والمستقبل والدفع بها إلى الامتثال لحكمة الشاعر هوراس”عش يومك”، وإنما الإمعان بالتذكر، ومحاولة إيجاد نافذة للمستقبل على الرغم من أن جميع الجدران قد تهدمت. عندما استيقظت جوليا في المشفى من موت محقق على أثر تعثر صاروخ في بيتها عرفت بأن النهايات قد كتبت، لكن لربما هناك بدايات لم تنهِ بعد سباق الماراثون السوري بالموت. جوليا صحفية تعمل على رصد الحركة الأدبية والفنية في العاصمة وفي أحد المعارض التي أقيمت لاستذكار فاتح المدرس، تلتقي بآرام المصور والدليل السياحي، فينشب بينهما حراك من الحب.

إن اختيار سوزان لعملي كل من جوليا وآرام، كان المقصد منه اطلاعهما على أكثرية الجغرافيا السورية من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب. أما المعنى الكامن في ذلك فهو بأن الرواية تغطي سنوات عديدة من المقتلة السورية من بداياتها حتى سيطرة داعش على الشرق السوري وظهور احتمالات تقسيم سورية، وعليه نرى أن التقسيم يعني بتر الجسد السوري عن بعضه البعض؛ الممثل بكل من جوليا وآرام. لا تختلف فرح عن جوليا، فلقد قادها النزوح السوري الداخلي إلى التعرّف على عدة محافظات كالرقة ودير الزور والحسكة ودمشق، لكن كانت سياحة فرح الجهنمية في زمن الحرب، بينما جوليا كانت في زمن السلم. ومن خلال هذه المفارقة تصبح المقارنة بين ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، سيظهر حجم الفجيعة السورية. ومن مقلب آخر تؤدي شهادة فرح التذكرية إلى الكشف عن تحولات الثورة من كلمة حرية ومقابلها السجن، إلى الرصاصة ومقابلها المدفع، إلى الموت ومقابله الموت، حيث تصبح الحياة لعنة يجب وأدها. وفي تصادي مع سردية فرح يأتي محكي جوليا كنداء محوّر لقصيدة السياب في “أنشودة المطر”: (أصيح: يا سورية، يا واهبَة اللؤلؤ، والمحار، والردى! فيرجعُ الصَّدَى كأنَّـه النشيجْ: يا سورية، يَا وَاهِبَة المَحَارِ وَالرَّدَى … ). لقد غاب اللؤلؤ عن الصدى، فالشروخ الزلزالية في حمص لا يمكن ردمها، والغمامة الصفراء فوق الغوطة ليست أصفر فان غوخ، والأجساد التي دفعت في الأفران في عدرا العمالية ليست أرغفة خبز، وسواد المجزرة الذي ضرب شمال اللاذقية، ليس سواد الليل المليء بالنجوم، وصيحات “الله أكبر” لم تعد إعلانًا للتظاهر وإنّما للقتل.

لا يكتمل مثلث الإناث في رواية سوزان إلا بالضلع الثالث؛ الرسامة ومهندسة الديكور رؤى تلك الشابة التي استطاع رامي بحبه لها أن يضيف لونًا ثامنًا إلى ألوان الطيف، واستطاعت هي بريشة مصنوعة من وريد وشريان رسم الحب، فيتزوجان، مع أنهما من طائفتين مختلفتين سيتم تنميطهما في سردية الحرب السورية فيما بعد، لكن لسان حالهما يقول بلسان ابن عربي: “أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه”، إلى أن جاءت الحرب التي تشبه “مرآة زوزيما” والتي ما إن يقف أمامها الشخص، كما تقص الأسطورة، حتى تخبره بمضمون قلبه. لقد أكلت الحرب من قرابتهما، فتبنّى كل منهما ثأرًا وحزنًا، فألفى ما بينهما من الحب إلى الطلاق والصمت. تشبه نساء سوزان في الرواية الأثافي الثلاثة الذي كان العربي يقيم قدره عليها، وهي أقامت سردها على إناثها الثلاثة، لكن يقال بالمثل: “رماه الله بثالثة الأثافي” أي الموت؛ حيث رقصت نساء سوزان رقصة الحب والفراق، الموت والحياة على إيقاع الحرب السورية. 

الأنوثة والذكورة: 

كثيرًا ما يقال: ماذا لو رويت الحرب من وجهة نظر النساء؟ وهذا ما تلعبه سوزان في روايتها عبر شخصيات إناثها الثلاثة، لكن في المقابل كان هناك ذكور، ليسوا سيئين بالمعنى المباشر، لكن هناك خصاء وجودي يشوبهم. فعلى الرغم من استماتة آرام في حبه لجوليا إلا أنه لم يستطع أن يقنعها بأن تتزوجه بشكل رسمي، مع أنها تعيش معه العلاقة كاملة، ليس لأنها لا تحبه بل لأنها تخاف أن تصبح أمّا في زمن الحرب، وبالتالي الحرب تشوه الذكورة ويصبح دور الأب غير مقنع. وعلى نفس المنوال يتخلى خالد زوج فرح عن واجباته ليتركها تواجه الحرب والفقر والنزوح لوحدها، وكأنه لم يعد يستطيع أن يلعب الدور المفترض أن يلعبه. ويتصادى رامي مع خالد وآرام، فهو الآخر، أخذته التجاذبات السياسية الطائفية إلى أن انتهى حبه لرؤى. قد تكون سوزان مجحفة بحق الذكورة في روايتها، لكن لنتذكر أن المسرحي العظيم اليوناني أريستوفان في إحدى مسرحياته الساخرة من أثينا العقل وإسبارطة العضلات، فقد ذكر بأن النساء قررن عدم ممارسة الحب مع الذكور لإجبارهم على وقف الحرب. إذن، ليس هو تحيزًا جندريًا في الرواية، ففي الحرب يتحول الذكر بشكل روتيني إلى جندي أو معتقل أو مقتول أو قاتل، فيما تبقى الأنثى في الأعم الأغلب تمارس أدوارها الطبيعية من أم وابنة وأخت وزوجة، مع خضوعها للمعاناة المباشرة وغير المباشرة من الحرب من قتل وتشريد وسجن ونزوح وموت. وبالتالي هناك جانب كبير من الحرب يغفل إن لم يعط للأنثى الحق في سرد ذاتها؛ وهذا ما كن يفعلنه إناث سوزان إبراهيم في كمن ينتعل قبرًا.  

أنتيغونيات:   

قد تكون نساء “كمَن ينتعل قبرًا” مثل شخصية “أنتيغون” في مسرحية سوفكليس التي تواجه الملك كريون كي تدفن أخاها في أرض بلده، على الرغم من أن الحاكم اعتبره خائنًا، لكنهن يشبهن في الوقت نفسه نساء مسرحية يوربيدس “نساء طروادة” والتي تصور نساء المدينة وما حل بهن بعد الهزيمة. لقد قدمت تلك المسرحيات نهايات لأبطالها من الإناث، لكن سوزان تترك بطلاتها معلقات، بين ثنائيات القوة والضعف، الخوف والجرأة، الهزيمة والاستسلام. 

رواية “كمن ينتعل قبرًا” كتبت بإحساس عالٍ حيث يذوب الواقع في دواخل الشخصيات، وتفيض كوامن الشخصيات على الواقع. لذلك نستطيع القول بأنّ شخصيات الرواية أمسكن العصا من المنتصف مع أن كل من حولهن كان متطرفًا من السياسة إلى الدين، ومن الحياة إلى الموت، ومن المجتمع ككل إلى الفرد المفرد، ومن الحب إلى اللاحب. ولربما هذا هو دور الأدب في الحروب بقدر ما يكون جريئًا، فهو لا يطلق أحكامًا، وكأنه مسيح آخر يقول: “مَن منكم بلا خطيئة…”. 

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم "نزوح"، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز...

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

تدريباتنا