الجامعات كفضاء للخطاب الطائفي ووضع الطلاب الدروز

الجامعات كفضاء للخطاب الطائفي ووضع الطلاب الدروز

يغيبُ اليوم عن مختلف الجامعات السورية، حكومية كانت أم خاصة، حضور أغلب طلبتها من أبناء الطائفة الدرزية، والذين باتوا مُهدَّدين بضياع سنوات دراستهم، وربما مستقبلهم التعليمي، بعد تعذّر ذهابهم إلى جامعاتهم لمتابعة دراستهم، وذلك نتيجة ما واجهوه من خطابات تحريضٍ طائفي، وما تعرضوا له من إهاناتٍ واعتداءاتٍ وتهديدات مباشرة من قبل عددٍ من زملائهم، ابتداءً بما حدث عقب انتشار التسجيل المُسيء للنبي الكريم محمد، وليس انتهاءً بما حدث خلال الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء.  

العودة إلى البداية 

صباح الثامن والعشرين من نيسان الماضي، وعقب انتشار التسجيل المُسيء، الذي نَسبَه البعض لأحد مشايخ الطائفة الدرزية، خَرج عدد من طلاب السكن الجامعي في حمص في مظاهرة هتفت بشعاراتٍ طائفية تدعو لمحاسبة أبناء الطائفة، ثم تطوَّرَ الأمر إلى هجومٍ على الوحدة التي يسكنها طلبة من أبناء الطائفة، حيث تعرَّض عدد منهم للشتم والضرب، ومن بينهم الطالب مجد الشيباني، الذي تلقى إصابة بليغة في الرأس، وهو ما استدعى تدخل الأمن العام لتفريق الطلاب الغاضبين. وبحسب ما قاله الشيباني في  مقابلة مصورة ، تم إسعافه من قبل بعض الطلاب المهاجمين، بعد رؤيتهم لدمائه النازفة بغزارة. وعقب تلقيه للعلاج تم نقله هو واثنين من زملائه إلى مدينة جرمانا من قبل السيد مهند التركاوي أحد أبناء مدينة حمص. 

على إثر حادثة الإعتداء على الشيباني، ومع ازدياد حجم المخاوف من اعتداءاتٍ مشابهة، تجمّعَ أغلب الطلبة الدروز على الفور وغادروا السكن الجامعي بواسطة باصاتٍ حضرت إلى المدينة الجامعية وقامت بإجلائهم. وفي اليوم التالي، ومع اتساع حجم المظاهرات التي حرَضت على عقاب الطائفة الدرزية، غادر من تبقى من الطلبة، وقد تم تأمين نقلهم إلى مدينة جرمانا مع عددٍ من طلبةٍ آخرين يعيشون خارج السكن الجامعي. 

بالتزامن مع مظاهرة السكن الجامعي في حمص، خرجت مظاهرة  مشابهة في السكن الجامعي في حلب، ما اضطر بعض الطلبة الدروز إلى مغادرة السكن على الفور والسفر إلى السويداء، خوفاً من أن يتعرضوا للاعتداء، فيما بقي العدد الأكبر منهم في سكنهم، بعد التطمينات التي قدمها لهم  المسؤول الأمني في الجامعة. لكن تلك التطمينات لم يَدُم مفعولها وقتاً طويلاً، فمع تصاعد الخطاب الطائفي وما حدث في جرمانا وصحنايا والسويداء من هجمات واعتداءات مسلحة، عادت هتافات التحريض الطائفي وعمليات العنف والاعتداء على الطلبة الدروز مجدداً، من قبل عددٍ من زملائهم، حيث تعرض الطالب أدهم غنَّام  إلى عملية طعن بسكين، كادت أن تودي بحياته. وعلى إثر تلك الحادثة تم نقل جميع الطلاب الدروز من وحداتهم إلى وحدة العرب والأجانب، تحت حمايةٍ أمنية مستمرة، فيما بقيت الطالبات في وحداتهنّ، مع وضع حراسةٍ مشدَّدة عليهن. وقد بقي أولئك الطلبة محاصرين في غرفهم لأكثر من أسبوع، محرومين من مواصلة دوامهم الجامعي ومتابعة دروسهم ومحاضراتهم، حتى تمكنوا من تأمين مغادرة آمنة بواسطة باصاتٍ قامت بنقلهم إلى السويداء يوم الخميس، الثامن من أيار.

ونتيجة ما حصل في السكن الجامعي في حمص وحلب، وبعد خروج عدة مظاهرات ، في دمشق ومحافظات أخرى، تدعو إلى معاقبة الطائفة الدرزية واجتياح السويداء، شعر معظم الطلبة الدروز المقيمون في المدينة الجامعية في دمشق (وقد التقينا ببعض منهم) بخوفٍ وخطرٍ يُهدّد سلامتهم، في ظل قيام عددٍ من الطلبة الغاضبين بشتمهم وتهديدهم، وغياب أية إجراءات أمنية تضمن حمايتهم وتردع الأصوات الطائفية التي تحرِّض ضدهم، وهو ما اضطرهم إلى مغادرة المدينة الجامعية في  خروج جماعي  (أثار ضجة إعلامية كبيرة) تحت حماية الأمن العام، الذي لم يُقدِّم لهم أية حلولٍ آمنة سوى مرافقة الباصات التي قامت بنقلهم إلى مدينة جرمانا، قبل أن يتمكنوا فيما بعد من العودة إلى السويداء تحت حماية فصائل مسلحة من أبناء المحافظة.  

أحداث السويداء الدامية

في الفترة الممتدة بين منتصف شهر أيار ومنتصف تموز، وبعد أن هدأت التوترات قليلاً، عاد جزء كبير من الطلبة الدروز إلى جامعاتهم، فيما عاد جزء أقل إلى السكن الجامعي، وقد اكتفى بعضهم  بالذهاب إلى جامعته عند الضرورة أو لتقديم الامتحانات، لكن تلك العودة القلقة لم تدم طويلاً.

في منتصف شهر تموز الماضي، وبعد ما شهدته محافظة السويداء من مجازر وانتهاكات وتدمير وحرق ونهب للبيوت وغير ذلك من أحداثٍ مأساوية كارثية، ارتُكبت بذريعة وجود عصاباتٍ خارجة عن القانون ومع ارتفاع حدَّة الخطاب الطائفي من قبل كثير من السوريين ضد أبناء الطائفة الدرزية، خاصة بعد قصف إسرائيل لمبنى الأركان في دمشق، عاد خطاب الكراهية والتحريض والتهديد ليعلو بقوة ضد الطلبة الدروز في مختلف الجامعات الحكومية والخاصة، حيث شهدت المدينة الجامعية في دمشق عملية اعتداء، من قبل بعض الطلاب الغاضبين، على عددٍ من الطلاب الدروز داخل مقصف المدينة، حيث تعرضوا للضرب وتم رميهم بالكراسي، مع إطلاق الشتائم وعبارات التحريض الطائفي، فيما تعرض جزء كبير منهم  إلى إهانات واعتداءات جسدية في أماكن متفرقة داخل المدينة. وإلى جانب ذلك هاجم  عدد من  المتظاهرين الوحدات السكنية التي يسكنها طلاب دروز، وقاموا  باقتحام الغرف وتحطيم محتوياتها. وبحسب بعض الطلبة الذين التقيناهم، لم يتدخل أحد من مشرفي الوحدات لحمايتهم ولتهدئة المتظاهرين، فيما فضَّل مدير السكن التزام الصمت وعدم التدخل، رغم أنه كان شاهداً على ما حدث. وعلى إثر تلك الاعتداءات نزح جميع الطلبة الدروز من المدينة الجامعية إلى جرمانا بعد تأمين باصات لنقلهم، ومازال معظمهم حتى اليوم يقيمون في بيوتٍ قامت باستضافتهم، أو في بيوتٍ تشاركوا في استئجارها، وذلك في ظل صعوبة العودة إلى السويداء. 

بالتزامن مع ما حدث في السكن الجامعي في دمشق، شهد السكن الجامعي في حلب خروج مظاهرات هتفت بشعارات تحريضٍ طائفي ضد الطلبة الدروز، كما قام المتظاهرون بالاعتداء     على عدد من الطلاب بالضرب ومهاجمة غرفهم ورميها بالحجارة وتكسير محتوياتها، لإجبارهم على مغادرة السكن، وقد تعرض بعضهم لإصابات نتيجة الاعتداءات، ومن بينهم طالب كلية الهندسة طلال أبو عاصي، وعلى أثر ذلك تم نقل أكثر من عشرين طالب وطالبة إلى فندق الميرديان، تحت حماية مكتب شؤون الطلاب، فيما بقي الطلاب والطالبات الذين يسكنون خارج السكن، وتحديداً في حي الشيخ مقصود، محاصرين داخل بيوتهم، في أجواءٍ من الخوف والرعب، غير قادرين على مغادتها. 

بيانات تحريضية 

في 17 تموز الماضي، وبالتزامن مع أحداث السويداء، ظهرت مجموعة من الطلبة، يحمل بعضهم علم التوحيد الأبيض، ليتلو أحدهم  بياناً   باسم “طلاب الهندسة في تجمع الهمك”، من داخل مبنى السكن الجامعي التابع لكليات الهمك. وقد حَمل البيان، الموجّه للطلبة الدروز، عنوان: “لا مكان لخبيثٕ بيننا، فإما نحن وإما نحن”، وقد جاء فيه: “لن نسامح ولن نصالح، فأرضنا وسكننا وجامعاتنا لا تتسع لهويتين، فإما نحن وإما نحن، ورقابنا دون ذلك”. وقد شهد السكن الجامعي التابع للهمك حملة تحريض ضد الطلبة الدروز ترافقت مع هجومٍ على غرفهم، ما أدى إلى نزوحهم إلى خارج السكن. وقد تعرض الطالب عبادة خداج، لعملية اعتداء فاضحة، إذ قامت مجموعة من الطلاب باقتحام غرفته، بعد أن حطّموا أبواب الغرف الأخرى، مرددين صيحات التكبير والتهديد، وقاموا بضربه ومن ثم حاولوا رميه من نافذة الغرفة في الطابق الخامس، قبل  أن يصل عناصر الأمن الداخلي ويقوموا بإخراجه من الوحدة السكنية.         

وبعد بيان طلاب سكن الهمك، خرج بيان  آخر لطلاب السكن الجامعي في المزة، اتهموا من خلاله الطلبة الدروز بجريمة “الصمت”، إذ جاء في البيان: “نُعلن رفضنا القاطع للصمت المُشين الذي خيَّم على معظم أبناء هذه الطائفة، مما يجعل سكوتهم مشاركة ضمنية بالجريمة”، كما أكد البيان على رفض دخول أي طالب درزي إلى المدينة، “حتى تصدر مواقف واضحة من داخل طائفتهم تُدين العصابات التي شوَّهت تاريخهم”، بحسب البيان. 

وفي المدينة الجامعية في حمص خرج عدد من الطلاب  ببيان  أعلنوا من خلاله: “لن نستقبل درزياً واحداً لا في جامعاتنا ولا وسكننا ولا حتى أوطاننا، ولن يكون هناك مكان لهؤلاء العملاء والخونة وأحفاد بني صهيون بيننا”. وبحسب ماقاله بعض طلبة إحدى الجامعات الخاصة في منطقة غباب، قام عدد من زملائهم بإصدار بياناتٍ مشابهة ضد الطلبة الدروز، لكن إدارة الجامعة عملت على حذفها عن السوشيال ميديا بشكلٍ سريع.

ورغم إصدار وزير التعليم العالي الدكتور مروان الحلبي،  بتاريخ 10 أيار، قراراً يحظر نشر أو تداول أو ترويج أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية أو يسيء إلى الوحدة الوطنية أو السلم الأهلي، لم يُتخذ إي إجراء قانوني بحق الطلاب الذين خرجوا ببياناتٍ طائفية تُهدّد زملاءهم وتحرّض على طردهم من الجامعات والانتقام منهم، فقط لأنهم ينتمون للطائفة الدرزية.

اعتقال عدد من الطلاب

بعد أن قام الأمن العام بإنقاذ الطالب عبادة خداج من عملية الاعتداء، وتهدئة الطلاب الذين هجموا على غرفته، تم اقتياده إلى سيارة الأمن الداخلي، ولم يُعرف عنه أي شيء منذ ذلك الوقت، رغم المحاولات المستمرة من قبل أقاربه وأهله لمعرفة مكان اعتقاله.

 وفي السكن الجامعي في الهمك أيضاً، وقعت حالة اعتقالٍ أخرى بحق الطالب حازم بلّان. وبحسب عدد من المصادر: غادر حازم السكن، يوم الخميس 17 تموز، بعد الاعتداء عليه ومهاجمة غرفته وتهديده من قبل عددٍ من الطلاب الغاضبين، لكنه لم يستطع أن يأخذ معه كل أغراضه الشخصية. تواصل معه مشرف الوحدة السكنية لكي يأتي في اليوم التالي لاستلام ما تبقى من أغراضه، فذهب حازم إلى الموعد المحدد لكنه لم يعد حتى الآن ولم يُعرف شيء عن مصيره.  

وفي فيديو نُشر بتاريخ 17 تموز الماضي، ظهر الطالب سيف القلعاني وهو يتعرض للضرب من قبل بعض الطلاب المحتجين، قبل أن يتم وضعه في سيارة للأمن الداخلي، ليختفي منذ ذلك الوقت. 

وفي السكن الجامعي في اللاذقية شنَّ الأمن العام حملة اعتقالات طالت عدداً من الطلاب الدروز، وكانت تهمة معظمهم  كتابة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضامن مع ضحايا مجازر السويداء. ومن الأسماء التي تم توثيقها: مجيد البني، قيس غرز الدين، عدي جغامي، تيم رحال، نواف غزالي، عمار الدعبل، غدير الكفيري، أكثم شرف، قيس عمارة، ونواف عمارة. وقد أُفرج عن بعضهم في تاريخ 25 تموز، وبحسب شبكة الراصد تم تسليم الطلاب المُفرج عنهم إلى سيارة تابعة للهلال الأحمر السوري، قامت بنقلهم إلى مدينة درعا، قبل أن يتم تأمين دخولهم إلى السويداء.

رسائل قد لا تجد آذاناً صاغية    

خلال إعداد هذه المادة التقيت بإحدى طالبات جامعة AIU /غباغب، وبعد حديثنا عن واقع الطلبة الدروز في الجامعة، أرسلت لي مجموعة رسائل كتبتها زميلاتها، كي نقوم بنشرها، لعلها توصل أصواتهن. وسننشر هنا بعضاً من تلك الرسائل:  

رسالة من طالبة في كلية الهندسة المعمارية: “نحن طلبة السويداء وجرمانا وصحنايا، أصبحنا عاجزين عن إكمال دراستنا الجامعية، أولاً بسبب تعرضنا لحملة تحريض طائفي، من قبل زملائنا، الذين ينشرون عبارات التهديد والإهانات الطائفية على غروبات الجامعة في وسائل التواصل الاجتماعي، وثانياً لعدم تأمين وحماية الطريق إلى الجامعة، وهو ما قد يُعرّضنا في أي لحظةٍ لعمليات الخطف والاعتداء”. 

رسالة من طالبة في كلية الصيدلة: “لن نجرؤ على الذهاب إلى الجامعة في الفصل الدراسي القادم، وربما طيلة السنة الدراسية، وذلك بسبب المخاوف الأمنية، وما يحدث داخل جامعتنا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، من حملات تحريض طائفية ضدنا، وتمييز بين الطلبة على أساس طائفي. دماؤنا ليست رخيصة، ولن نتخلى عن حقنا في التعليم، لذا نُحمّل الجهات المعنية كامل المسؤولية عن منعنا، ولو بطرقٍ غير مباشرة، من الوصول إلى جامعاتنا، نحن الذين لم نرتكب أي ذنبٍ سوى أننا ننتمي لطائفة معينة”. 

رسالة من طالبة في كلية الهندسة المدنية: “بعد الأحداث الدامية التي وقعت في السويداء، وبعد إغلاق جميع الطرق إلى خارج المحافظة، لم يعد بإمكاننا الذهاب إلى جامعاتنا، وبعد أن نُهبت منازلنا، بما فيها من أموالٍ وممتلكات، أصبحنا عاجزين عن تسديد أقساط الجامعة، هذا عدا عن تدمير ونهب البنوك التي كنا نسدد رسوم الجامعة من خلالها، وعجزنا عن الذهاب إلى مكاتب الجامعة لتسديد الأقساط، في حال توفرت، لذا نأمل أن تُراعي الجامعة ظروفنا، وتتحمل مسؤولياتها تجاهنا”.  

رسالة من طالبة في كلية الفنون/ هندسة الديكور:” إن استمرارنا في الدراسة، أصبح مخاطرة كبيرة قد تُكلفنا حياتنا، في ظل استمرار عمليات الخطف والتهديد بالقتل، بعد ما شهدته عموم البلاد من حملات تحريض طائفي ضد الطائفة الدرزية، لذا نطالب الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق الطلاب الذين يقومون بتهديدنا ويستخدمون الخطابات الطائفية والتحريضية ضدنا ضمن الحرم الجامعي”. 

مروة داودي، أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني


مروة داودي، أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني


قامت نور البرزاوي بترجمة هذه المقابلة مع الدكتورة مروة داودي، والتي نُشرت باللغة الإنجليزية على موقع جدلية بتاريخ 22 نيسان 2020، حول كتابها أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني (منشورات جامعة كامبريدج، 2020). يُعيد موقع صالون سوريا نشر هذه المادة بالتعاون مع موقع لحلاح.

جدلية (ج): ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب؟

مروة داودي (م.د): في عام 2011، أخذ الربيع العربي ثم الحراك السوري الجميع بالدهشة. وتحولت الثورة السورية إلى انتفاضة مطالبة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. لكن سرعان ما تحولت أحلام التغيير والأمل إلى مأساة. كباحثة سورية الأصل متخصصة في الأمن البيئي وسياسات الشرق الأوسط، دفعني هذا المنعطف المفصلي في تاريخ سوريا والمنطقة الأوسع إلى تغيير بحثي ليتركز على الترابط بين تغيّر المناخ، والأمن المائي، والانتفاضة السورية.

على مدار العقود الماضية، برز مفهوم “رابطة المناخ والنزاع” وتم تطبيقه على الحالة السورية. وفق هذا المنطق، تسبب تغيّر المناخ في الجفاف بين 2006 و2010 في سوريا، مما أدى إلى فشل زراعي، تسبب بدوره في الفقر والسخط، و تتوج بالانتفاضة. معظم التحليلات التي اتخذت أساساً مناخياً كانت من علماء مناخ ومراكز تفكير أمريكية تفتقر إلى معرفة معمّقة بسوريا. ومن خلال تحدي هذا الطرح، كان هدفي الإسهام في النقاش حول سوريا من منظور داخلي.

ورغم أن الاحترار العالمي أمر واقع ويتطلب تحركاً دولياً عاجلاً، فإن تغيّر المناخ لم يكن في طليعة اهتمامات السوريين عام 2011. بل كان تركيز معظم الناس منصباً على مثل أخلاقي: إنهاء القمع والظلم الاجتماعي. وهذه قضايا أهتم بها بشدة.

ج: ما المواضيع والقضايا والأدبيات التي يتوجه لها الكتاب بشكل خاص؟

م.د: التوترات التي أشرت إليها أعلاه تبيّن الحاجة إلى إطار تحليلي منهجي. ومن هذا المنطلق، أقترح إطاراً مفاهيمياً جديداً أسميه “أمن الإنسان-البيئة-المناخ” (HECS)، لتحليل التفاعلات بين الأمن الإنساني، والأمن المناخي، والهياكل السياسية والاقتصادية. 

كما يوضح هذا الإطار بنى القوى غير المتكافئة التي تسبب أو تغذي المعاناة الإنسانية، وما يترتب على ذلك من تداعيات جمة على الأمن المناخي وتبعاته في علاقات القوى غير المتوازنة بين الشمال والجنوب العالمي، أو بين الحكومة المركزية ومواطنيها المهمّشين. في حين أن السرديات الحتمية البيئية تنزع الفاعلية عن الناس وتضعها في يد تطورات خارجية، فإن هذا الكتاب يعيد لهم صوتهم.

هذا الإطار، أمن الإنسان-البيئة-المناخ (HECS)، يبني على رؤية نقدية للأمن البيئي ليتحدى الافتراضات الأساسية لفرضية ارتباط المناخ بالنزاع، من خلال إدخال عوامل اقتصادية وسياسية-اجتماعية تتفاعل مع التغيرات في الموارد. كما يسعى لتجاوز السرديات الحتمية والتحيّزات الاستشراقية حول مخاطر النمو السكاني، والتنقل، والندرة الناتجة عن الطلب، واستنزاف الموارد، وما يصاحبها من انعدام الأمن، وهي كلها أنماط تعكس الانقسام بين المركز والهامش وبين الشمال والجنوب. أُحدّد في هذا البحث المحركات الأيديولوجية والسياساتية لانعدام الأمن الإنساني في سوريا وتأثيره على أمن المياه والغذاء. ومن خلال الاعتماد على مصادر رسمية أولية، ونقاشات بين خبراء على المستوى المحلي، ومقابلات مع خبراء ونشطاء ولاجئين سوريين في لبنان وتركيا، أستعرض كيف ساهمت القرارات السياسات للحكومة في عهد حافظ الأسد وبشار الأسد في تفاقم هشاشة سكان الأرياف في العقود التي سبقت الانتفاضة. ويخلص الكتاب إلى أن العوامل السياسية كانت أكثر تأثيراً من الجفاف الناتج عن تغيّر المناخ في التحضير لأحداث 2011. ويمكن تعميم هذا المنظور على سياقات أخرى في الجنوب العالمي.

يبدأ الكتاب بمناقشة تأطير تغيّر المناخ كقضية أمنية، ويتناول الجدل الأكاديمي حول الأمن المناخي، وأمن الإنسان، والمياه، والغذاء، والهجرة الناتجة عن تغيّر المناخ. وتوضح الأجزاء الأولى كيف وسّعت الدراسات الأمنية النقدية مفهوم الأمن التقليدي ليشمل رؤى غير غربية. كما تكشف التفاوتات الهيكلية في توزيع السلطة والموارد دور الدول كمصدر لانعدام الأمن. وتُظهر أن نقاشات التحديث والتنمية لا تزال تجتهد في مفهوم الأمن الغذائي، الذي تطوّر ليشمل توفر الغذاء، والقدرة على تحمل التكاليف، والحاجات الأساسية، وبرامج الاستحقاق. ومع ذلك، لم تُثبت هذه الأدبيات بشكل قاطع الروابط بين تغيّر المناخ، وانعدام الأمن الغذائي، والهجرة، والنزاعات.

من خلال تقييم تاريخي لسياسات المياه في سوريا والشرق الأوسط، أُقدّم رؤية عن الأعراف الثقافية والمؤسسية حول المياه على مدى الألفيات السابقة. فقد استندت سوريا حديثة الاستقلال في أربعينات القرن الماضي إلى تشريعات المياه المستمدة من الشريعة الإسلامية، وقانون المجلة العثماني، وقانون المياه الفرنسي، والتي تميزت بتعزيز مبادئ الأمن المائي والبيئي. هذه النظرة التاريخية تشرح كيف باتت المعايير الإسلامية المتمثلة في العدالة الاجتماعية، والاستدامة، والمسؤولية في استخدام المياه تُعتبر ممارسات مثالية إلى الآن.

أُبيّن أيضًا كيف بلورت الأيديولوجيا وسياسات محددة الانعدام في الأمن الإنساني للفئات الضعيفة في سوريا، وساهمت في تعزيز الفقر، والبطالة،والتهميش، وفشل التنمية المستدامة. ويتتبع البحث القرارات السياسية المفصلية في تاريخ سوريا، من “العقد الريفي”، إلى “تجميع الأراضي الزراعية”، إلى سياسات زيادة إنتاج الغذاء. ومع الوقت، أصبح “الفلاح” رمزاً لأيديولوجيا البعث الجديدة، وطريقاً نحو الازدهار والشرعية.

وقد حسّنت الإصلاحات الزراعية ظروف المعيشة في الريف، لكنها جاءت على حساب استدامة استخدام المياه، حيث أدى التوسع في الري واسع النطاق إلى استنزاف المياه الجوفية وتدهور جودة التربة، مما أدى في النهاية إلى انعدام الأمن الإنساني بصيغة نزاعات على ملكية الأراضي وتهجير السكان. كما ترتبت على ذلك تكاليف اجتماعية، فقد استُبعد الأكراد السوريون من ثمار التوسع الزراعي من خلال سياسة “الحزام العربي” في النصف الثاني من القرن العشرين. كما أدت تفضيلات حزب البعث إلى تطبيق دعم على المياه والغذاء والوقود، مما أخلّ بأسعار السوق.

بدأ تفكيك التجميع الزراعي مبكراً في عهد حافظ الأسد، لكنه تسارع مع تولّي ابنه بشار الحكم في عام 2000. وهدفت السياسات الليبرالية في السبعينيات والتسعينيات إلى تعزيز دور القطاع الخاص، بما في ذلك في تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية. وفي عام 2005، حدث تحول أيديولوجي كبير مع إدخال “اقتصاد السوق الاجتماعي”، في محاولة لمحاكاة النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. وفي عهد بشار الأسد،سعى النظام إلى كسب دعم رجال الأعمال في المدن والمنظمات النيوليبرالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من خلال خفض الدعم على الغذاء والوقود وإزالة شبكات الأمان للفلاحين. وقد تزامنت هذه السياسات مع موجة جفاف شديدة تاريخياً في عام 2006.

يُظهر التحليل الطولي للمؤشرات الأساسية بين عامي 1998–2001 (“الجفاف 1”) و2006–2010 (“الجفاف 2”) وجود ترابط واضح للهشاشة في ثلاث محافظات: الحسكة، ودير الزور، والرقة، حيث كانت مستويات الفقر والبطالة (خصوصاً في الزراعة) والاعتماد على القطاع الزراعي مرتفعة أصلاً. وقد زادت هذه الديناميكيات من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وأدت إلى اتساع الفجوة بين الريف والمدينة. وكانت الهجرة والفساد من أبرز مصادر انعدام الأمن الإنساني. وبحلول عام 2010، بات واضحاً أن الإصلاحات النيوليبرالية لم تحقق النجاح المنشود.

ج: كيف يرتبط هذا الكتاب بعملك السابق، أو كيف يختلف عنه؟


م.د: هذه الدراسة امتداد طبيعي لعملي متعدد التخصصات السابق في العلاقات الدولية وسياسات المياه. ركّز بحثي على تقاطع السياسة والاقتصاد والقانون في مسألة تقاسم المياه ومصادر القوة للدول في أحواض الأنهار الدولية.

لقد ساهمت في ظهور دراسات “الهيمنة المائية” (hydro hegemony). استكشف في كتابي الأول “الانقسام المائي بين سوريا وتركيا والعراق: التفاوض، الأمن، وعدم تكافؤ القوى“(2005) كيف تعكس اتفاقيات تقاسم المياه اختلالات القوة والفروقات الأمنية بين الدول المتشاطئة المتنافسة. جمعتُ فيه بين نظرية التفاوض ونظرية القوة لتوضيح أشكال القوة المختلفة والاستراتيجيات التي يستخدمها كل طرف.

وفي منشورات أخرى، طوّرت هذا التحليل لديناميكيات القوة وساهمت في تحليل القانون الدولي للمياه من خلال دراسة الخطابات القانونية ومواقف الأطراف الشرق أوسطية أثناء مفاوضات الدول وعملية تدوين اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، ضمن لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة. وبناءً على هذا البرنامج البحثي، كتبتُ أيضاً عن دور تقاسم المياه في مفاوضات السلام الدولية، وخصوصًا بين سوريا وإسرائيل. ومؤخراً، طبّقت نظرية العلاقات الدولية، وخصوصًا البنائية الواقعية، لشرح الانهيار في العلاقات بين تركيا وسوريا بعد عام 2011.

ج: من تأملين أن يقرأ هذا الكتاب؟ وما التأثير الذي تأملين أن يُحدثه؟


م.د: هذا الكتاب لديه القدرة على الوصول إلى جمهور أوسع، من بينهم أكاديميون من تخصصات مختلفة مثل محللي المناخ الذين يعملون على قضايا النزاع المرتبطة بالمناخ، ومؤرخون، بالإضافة إلى باحثين وطلاب مهتمين بالعلاقات الدولية، والبيئة، ودراسات الأمن، ومنطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن صناع السياسات وجمهور مطلع يهتم بتغيّر المناخ أو الصراع السوري أو كليهما.

في وقت أصبحت فيه سوريا تتلاشى من المشهد العام، آمل أن يعيد بحثي تركيز الاهتمام الأكاديمي والسياسي على انعدام الأمن الإنساني المستمر فيها. فبدلاً من بناء القدرة الذاتية على التكيّف، فإن مرحلة “إعادة الإعمار” ما بعد الحرب تمهّد لتعزيز “صمود النظام” على أساس التفاوتات البنيوية، بينما تزيد من هشاشة السكان، خصوصاً اللاجئين الذين يُجبرون على العودة إلى بلادهم في ظروف غير آمنة. أزمة كوفيد-19 الحالية، إضافة إلى آثارها القاتلة، فإن لها تبعات اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى عليهم.

ج: ما هي المشاريع الأخرى التي تعملين عليها حالياً؟


م.د: تركيزي الجديد يتمحور حول أمن الأفراد مقابل أمن الدول، مع دراسة التفاعلات على المستوى ما دون الوطني في قضايا الهوية، والأمن الغذائي، والنزوح الناتج عن النزاعات والمناخ. أعمل على تحويل التركيز من مصالح الدول الإقليمية والدولية إلى دراسات الأمن النقدي، وتحديداً “المدرسة الويلزية” التي تركز على التحرّر. ومن خلال إعطاء الأولوية للمهمّشين والمحرومين، يمكن أن يكشف التركيز على هذه القضايا الخطابات والممارسات التي تشكّل فهمنا لما يعنيه أن تكون (غير) آمن. ولهذا الغرض، أود تطوير مقارنات عبر أقاليم مختلفة تشمل بعض الدول الإفريقية لتعميم نتائج بحثي.

ج: إلى من تهدين هذا الكتاب؟


م.د: إلى ابنتي، وكل أطفال سوريا.

مقتطف من الكتاب

الفصل الأول: تغيّر المناخ والثورة السورية

“الحقائق المناخية ليست حقائق بحد ذاتها؛ فهي تكتسب أهميتها فقط في سياق إعادة هيكلة البيئة ضمن أنظمة الإنتاج المختلفة.”


— رولاندو غارسيا، الطبيعة بريئة: قضية التاريخ 1972، 1981

“أكتشف الآن فقط، ونحن نتحدث، هذا الطرح القائل إن ثورتنا كانت نتيجة تغيّر المناخ، ولا أفهم الغرض ولا السياق من مثل هذا الادعاء. الأشخاص الذين يطرحون مثل هذه التفسيرات لا بد أنهم يجهلون وضعنا وتاريخنا.”


— من نقاش شخصي مع ياسين الحاج صالح، كاتب سوري بارز ومعارض سياسي، إسطنبول، 18 تموز 2016

نحن على ما نحن عليه اليوم بسبب تغيرات مناخية حدثت في الماضي. فقد جادل عالم الإنسان القديم إيف كوبانز، مكتشف الهيكل العظمي لشبيه الإنسان الأسترالي “لوسي” في إثيوبيا عام 1974، في مذكراته المنشورة مؤخراً بأن جنسنا البشري نشأ نتيجة تغير مناخي سابق. وبسبب اضطرار الأنواع إلى النجاة مع ظروف أكثر جفافاً، طورت الحيوانات، بما فيها البشر، سمات فيزيولوجية جديدة مثل الأنياب أو شكل الأرجل، بعضها أدى في النهاية إلى ظهور الإنسان العاقل. وكما أن أجسادنا نتاج تغيرات مناخية سابقة، كذلك هي الهياكل الاجتماعية المعاصرة […].

حازت نظرية المجتمعات تتشكل وفق مناخها على شعبية في القرن التاسع عشر من قبل الداروينيين الاجتماعيين الذين سعوا لتبرير الاستعمار الأوروبي من خلال الادعاء بأن التفوق الطبيعي للمجتمعات الأوروبية نابع من مناخ القارة وجغرافيتها. وزعم المستعمرون أن البيئة تحدد التطور الاجتماعي والثقافي لأي بلد، مما أدى إلى سرديات حول التفوّق الحتمي والمبكر لأوروبا والتأخر المزعوم لأفريقيا والشرق الأوسط. ووفقاً لهذه النظريات عن الطابع الجغرافي، فإن المناخ المعتدل والقرب من البحار منح المجتمعات قوة، في حين أن الجفاف والموقع الداخلي للدول جعلاها عرضة للهيمنة العسكرية والسياسية والثقافية. يخفى هذا الحتم البيئي مسؤوليات الإمبراطوريات الاستعمارية في إدارة الكوارث مثل المجاعات. ففي كتابه المهم “مجازر العصر الفيكتوري المتأخر”، يشير مايك ديفيس (2001) إلى أن المجاعات الكبرى في الهند البريطانية،والصين، والبرازيل، وإثيوبيا، وكوريا، وفيتنام، والفلبين، وكاليدونيا الجديدة أواخر القرن التاسع عشر لم تكن نتيجة الجفاف فقط، بل أيضًا نتيجة سياسات استعمارية سيئة والاقتصاد السياسي الدولي […] الحكم الاستعماري أضعف البنى التحتية وزاد الفساد، إضافة إلى التلاعب بأسعار المحاصيل […]

ومثلما شُكّل البشر بالبيئة، فقد شكّل البشر البيئة أيضًا، منذ نشوء الزراعة وحتى الثورة الصناعية. ورغم أن المناخ يتغيّر ويتطور بشكل طبيعي دائمًا، فإن الأنشطة البشرية أثّرت على المناخات العالمية والإقليمية والمحلية. فمنذ حوالي عام 1800، بدأت انبعاثات الغازات الدفيئة من الأنشطة البشرية – بشكل أساسي من حرق الوقود الأحفوري، بإحداث تغيّرات مناخية أدّت إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالمياً. ومنذ “التسارع الكبير” في خمسينيات القرن الماضي، باتت هذه التغيّرات تحدث بوتيرة غير مسبوقة ومقلقة […]

ورغم الإجماع العلمي لعقود حول أثر الإنسان على البيئة، لا تزال طبيعة هذا الأثر ومداه أقل حتمية. […] ومع أن آثار تغيّر المناخ سوف تؤثر عالمياً، إلا أن أشدّها وطأة ستكون على الدول النامية والجنوب العالمي.

I. من تغيّر المناخ إلى أمن المناخ

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خاض الباحثون وصنّاع السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا نقاشاً مطولاً حول ما إذا كان يمكن ربط تغيّر المناخ بالنزاعات العنيفة، وطُور خطاب “النزاع المناخي” مشابه لسيناريو “حروب المياه” الذي شاع في التسعينات. يركز هذا الخطاب، ضمن نقاشات أمن المناخ، على المخاطر التي يشكلها تغيّر المناخ على الحياة البشرية والبيئية، خصوصًا عبر التهديدات التي يخلقها الجفاف والمجاعة في المناطق الهشّة في العالم. […] لذلك فإن “التهديدات” المرتبطة بالتغيرات المناخية تشرعن إدماج الفاعلين الأمنيين لباحثي المناخ والممارسين ضمن مجالهم.

[…]

قد تبنّى طيف واسع من الأصوات، من سياسيين بارزين إلى رجال إعلام، مروّجين لسردية “رابطة المناخ والنزاع”. […] هذه السرديات تقدم تصوّرات دراماتيكية وتنبؤات كارثية عن انهيار اجتماعي واسع نتيجة النزاع المتسبب به المناخ، مما أدى إلى ظهور خطاب جديد يُعرف بـ”علم الانهيار” (collapsology)، وهو مصطلح صاغه الباحثان الفرنسيان بابلو سيرفين ورافائيل ستيفنز عام 2015 إشارة إلى الانهيار العام للمجتمعات بفعل تغير المناخ، وندرة المصادر، الانقراضات الواسعة، والكوارث الطبيعية. […] استخدمت سرديات الانهيار بهدف تحفيز العمل المناخي من خلال الخوف كعامل محفز، إلا أن الاستجابة المتوقعة لم تحدث فعلياً.

وقد تباينت ردود الفعل على هذا الخطاب. تبنّاه بعض الباحثين، بينما استخدمه آخرون كفرصة لانتقاد أنماط الإنتاج أو التوزيع الرأسمالية أو للعلاقة بين الناس وبين بيئتهم. على سبيل المثال، فقد اقترح الفيلسوف وعالم الاجتماع برونو لاتور نموذجًا جديدًا للفاعلية المشتركة بين الطبيعة والمجتمع في عصر الأنثروبوسين، بدلاً من النماذج التقليدية التي  تعطي كل الفعالية إما للطبيعة أو للإنسان في فصل واضح بين الفاعل والمفعول به. في المقابل، يرى المتفائلون بالمناخ أن قدرة الإنسان على التكيّف قادرة على مجاراة حجم التهديدات البيئية وبذلك يمكننا الاستجابة الفاعلة للتغير المناخي. أشار ستيفن بينكر (2018)، الباحث في علم النفس الذهني والمتدرب في اللسانيات، إلى أن التقدم البشري الكبير في مستويات المعيشة خلال الـ250 سنة الماضية دليل على قدرة البشر على مواجهة التحديات المناخية.

ورغم هذه الاختلافات، هناك إجماع على أن تغيّر المناخ واقع، ويتطلب تحركاً عالمياً عاجلاً. لكن تبقى التساؤلات: هل علينا “أمننة” تغيّر المناخ(أي تأطيره كقضية أمنية) لرفع الوعي وتحفيز العمل؟ يرى البعض أن الجواب هو لا. […] ذلك أن مثل هذه السرديات قد تُستخدم لتبرير إجراءات قمعية تحدّ من حركة البشر داخلياً ودولياً، وتغذي تصورات تلوم “المهاجرين البيئيين” بدلاً من تحميل الأنظمة الاستبدادية مسؤولية الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. كما أن توظيف سردية رابطة المناخ والنزاع يجعل من الحكومات المستقلة، خصوصاً في الجنوب العالمي، مجرّد أطراف سلبية وضحايا للطبيعة، بدلاً من فاعلين سياسيين لديهم القدرة والإرادة لوضع سياسات تعالج عدم الاستقرار المناخي.

إن الخلط بين تغيّر المناخ والنزاع قد يُخفي المحركات الحقيقية للنزاع […] وهو ما يبدو جلياً حين تكون سياسات الحكومات نفسها سبباً مباشراً للنزاع والاضطراب، كما في الحالة السورية.

II. من الأمن المناخي العالمي إلى الربيع العربي والثورة السورية

عندما عُثر على الطفل أيلان — الذي سافر مع عائلته بالقارب من سوريا — ميتاً على أحد الشواطئ التركية وانتشرت صورته على نطاق واسع، أعلنت صحيفة المراقب الوطني الكندي: “هكذا يبدو اللاجئ المناخي.” 
لم تكن فكرة أن النزاع السوري نتاج لتغير المناخ جديدة أو هامشية. ففي الفيلم الوثائقي قبل الطوفان (2016) من إنتاج ليوناردو دي كابريو، ربط الرئيس أوباما بين الجفاف والاضطرابات المدنية في سوريا، وهو رأي ردده لاحقاً الأمير تشارلز في مقابلة أجريت معه قبل انطلاق مؤتمر المناخ العالمي (COP21) في باريس. وقد طُبِّق السرد حول النزاع المفتعل بالمناخ في سنوات سابقة على أزمة دارفور، حيث نُشر مقال رأي في مجلة ذا أتلانتيك عام 2007 عدّ فيه تغير المناخ أحد “الأسباب الحقيقية” للنزاع، وسرعان ما تبنّى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون هذا الادعاء في تصريحه حول “المذنب الحقيقي في دارفور”.

لكن في عام 2011، لم يكن تغيّر المناخ في طليعة اهتمامات الناس في الشوارع، سواء في سوريا أو في أنحاء العالم العربي. بل كان تركيز معظمهم منصباً على مثلٍ أخلاقي: إنهاء القمع والظلم. 
وقد أثارت الاضطرابات في مصر وتونس مطلع عام 2011 حالة من الغليان في مناطق أخرى من العالم العربي، من بينها سوريا. ففي 18 آذار/مارس 2011، خرج أهالي درعا جنوب غرب سوريا بأعداد كبيرة للاحتجاج على تعذيب أطفال المدارس على يد أجهزة الأمن. وكان قد سبق ذلك اعتصامات في 15 آذار/مارس في العاصمة دمشق تضامناً مع الثورتين المصرية والتونسية […] شهدت البلاد احتجاجات شعبية بنطاق غير مسبوق، وردّ النظام باستراتيجية بقاء قائمة على القمع الوحشي والتهديد بالفوضى والحرب الأهلية.
 حوّل النشطاء والمثقفون وأفراد المجتمع هذه التعبئة الأولية إلى انتفاضة وطنية أُطلق عليها اسم “الثورة السورية.” 
لكن سريعاً ما تحولت أحلام التغيير والأمل إلى مأساة، مع انزلاق البلاد من تظاهرات سلمية ونشاط شبابي إلى تمرد مسلح، ومضاد، فحرب أهلية، ثم إلى ساحة صراع إقليمية بالوكالة. وقد ساهم التدخل العسكري لقوى أجنبية مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، والدعم المالي من دول الخليج العربي لفصائل إسلامية مسلّحة على الأرض، في تحويل الحراك الشعبي الأولي إلى نزاع دولي.

وفي موازاة ذلك، شكّل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وما تبعه من سيطرته وخسارته لأجزاء واسعة من الأراضي والبنى التحتية في سوريا بين عامي 2014 و2019 طبقة جيوسياسية إضافية تعقّد النزاع السوري.

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”

يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.

في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.

القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.

قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.

الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

ألا تدخل حروب اليوم حصانَها الطروادي الجميل عبرَ بوابةِ مفاهيمنا المشوّهة؟ ربّما تشويه المفاهيم أو بالأحرى تسطيحَها هو السِمة الأهم لعصرنا، مع أن البشرية سلكت من أجلِ بلورتِها وتقويمِها الطريقَ المُنهك للألمِ و التجربة، لكنّ السياسة العالمية اليوم تميلُ إلى تزيين انحرافاتِها بشعاراتٍ برّاقةٍ، ففي مجتمعاتٍ ودولٍ بُنيَـت على أسُس الديمقراطية والعدالة والحريات الشخصية، لا بدّ من أن تُقنعَ الجماهير، بينما مجتمعاتُنا التي لا تزالُ تتخبّط بين موروثِها الديني والمُنجز الحضاري الغربي، يسهُلُ كذلك اختراقُها، طالما أنّها تردّدُ مفاهيمَ لم تُعِدْ فيها النظر.

فيما يخصّ الموروث الديني، ربّما كانت الرسالات السماوية، ثمرة تطوّر فكري وتجربة روحية، قدّمت مفاهيم وقيماً سامية للبشرية، لكنّ تسييسَها وتسخيرَها من أجل تسيير القطيع البشري والتحكّم به، أدى إلى وقوعِها في فخّ الجمود، وسوء التفسير، والتأويل بما يخدم مصالح الرعاة، و ليس بما يخدم الفهم والفكر والتجربة الروحية. فتحوّل الكلام المقدّس الذي كان من المفترض، كي يظلّ حيّاً، أن ينمو ويعمل، إلى حجارةٍ ميّتة، نحتاجُ إلى إزاحتِها عن صدورِنا كي نتحرّر، أو ربّما، وتلكَ المهمّة الأصعب، أن نعيد له دبيبَ الحياة عبر إعادتِه إلى المنابع العذبة، ليس من بابِ التشبّث بالسلف، بل من بابِ البناء على ما هو حيٌّ لدى أسلافنا.

من المعروف أن الثقافة الغربية الحديثة قامت في جزءٍ كبيرٍ منها، على إعادة قراءة موروثها الديني المسيحي اليهودي، ونقدِه، ورفضهِ، ورَميهِ، إلى أن توصّلت إلى بناء مجتمعاتها على أسسٍ علمانيةٍ تحملُ قيمَ التعايش والتآخي والعدالة الاجتماعية والحريّة الفردية، إلى ما هنالك من المفاهيم التي بنى عليها الغربُ نهضتَهُ، لكنّ النيوليبرالية، وما بعد الحداثة، واقتصاد السوق، حرفوا البوصلة وسطّحوا المفاهيمَ واستهلكَوها بحيث تخدم سياستهُ التي تقومُ على الربح بشتى الوسائل  المُمكنة، المجتمعات العربية عرفت كذلك نهضة فكرية أخرجتها من ركودها الذي سبّبته مراحل الحرب والاستعمار، إلا أنّها سرعان ما ارتكست إلى الموروث الديني واتّهمت كل فكر نهضوي بالخيانة والتغريب.

ربّما كانت الحرية عبرَ التاريخ من أكثرِ المفاهيمِ ضبابيّةً، فمن ناحية تمّت شيطنتَها، ومن ناحيةٍ أخرى اشتعلت من أجلها، وباسمها الحروبُ والثورات، في الواقع السوري مثلاً هناكَ جدلٌ مُحتدمٌ منذ اندلاعِ الثورة حول مفهوم الحريّة، لقد خاضَ الثوّار حربهم كي يتحرّروا، بينما يعتقد البعض أنّهم جلبوا الدمار والتدخلات الخارجية إلى البلاد، بين هذا وذاك نشبت حربٌ لم تصل بمفهوم الحرية، حتى بعد التحرير، إلى برٍّ آمنٍ يبشّر السوريين بمستقبلٍ أفضل.

  بالعودة إلى المفهوم الغربي، تعدّ الحرية من الركائز الأساسية للفكر السياسي والاجتماعي ،لقد طوّرها عبر قرونٍ من الفلسفةِ والثورات، إذ تقوم الدولة في الغرب على احترام الحريّات الفردية، من حرية التعبير والرأي، وصولاً إلى حريّة المُعتقد، والدين والعمل والحركة، كما تقومُ على احترام الحريّات السياسية، والتي تعني مشاركة الأفراد في الحكم واتخاذ القرار عبر حقّ التصويت، وتشكيل الأحزاب، وصولاً إلى حرية المعارضة السلميّة، يذهب الفيلسوف الألماني المثالي هيجل، صاحب الفكر المرتبط بالتقليد الأفلاطوني اليوناني، إلى أنّ الحرية مرتبطة بالوعي، وعي الإنسان لذاته و تجاوزه لرغباتِه الغريزية كي يصبح عقلاً حرّاً مسؤولاً، كما يعتقد هيجل أنّ الحرية لا تتحقّق إلا من خلال الدولة، التي من المفترض أن تكونَ تجلّياً للعقلِ الحرّ، يربط هيجل الحرية بمسار تطوّر الوعي الإنساني عبر التاريخ، كما يرفض الفكرة السلبية للحرية، التي تقوم على رفض القيود الخارجية على الفرد فحسب، و يؤكد على مفهوم الحرية الايجابية، التي هي القدرة على تطوير وتحقيق الذات.

أمّا الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي يعدّ مُلهم ما بعد الحداثة، فقد رفض المثالية الأفلاطونية والمسيحية والأديان، وأعلن “موتَ الإله”، يعتقد نيتشه بالتحرّر الجذري من كلّ القيود، الدينية، والأخلاقية، والإجتماعية، إنّه يؤمن بإرادة القوة، وبالإنسان الأعلى القادر على تجاوز القطيع من أجل إبداعِ قيمهِ و معاييره الخاصة. 

أمّا من وجهة نظر الفكر الديني المسيحي، والإسلامي، الذي ولدَ على أرضنا،  فتربط المسيحية بين مفهومَي الحقّ و الحرية، إذ تقول الآية على لسان المسيح “تعرفونَ الحقّ و الحقّ يحرّركم”، كما تربط الحقّ بشخص السيد المسيح الذي أتى إلى العالم ليحرّرنا ” أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة” ، تعتقد المسيحية أنّ حياة المؤمن هي طريقُ جلجلةٍ من أجلِ التحرّر، التحرّر هنا بمعنى التحرّر من الشيطان، الذي إن تمكّن وسيطرَ على حياتِنا سيُحيلها إلى جهنّم، الخطيئةُ في المسيحية هي إذن النيرُ المؤلمُ والعبوديةُ الحقيقيّة، هناكَ مقولةٌ جوهريّةٌ لبطرس الرسول “كأحرار، و ليس كالذين الحريةُ عندهم سترةٌ للشرّ، بل كعبيدٍ لله” هناك بالتالي فرق بين الحرية كقيمةٍ إنسانيةٍ عليا و بين ما يرتكب باسمِها من حروبٍ وصراعات.

يتشابه المفهوم الإسلامي مع المفهوم المسيحي من حيث ربطهِ لحرية المرء بتحرّره من كل ما هو دنيوي من أجل عبادةِ الله وحده، كذلك بربطه مفهوم الحقّ بالربّ الذي هو الفيصل بين الهدى و الضلال، تقول الآية ( وقُلِ الحقُّ من ربّكمْ فمن شاءَ فَليؤمِن ومَن شاءَ فليكفرْ)، طريقُ الحقّ إذن هو طريقٌ الايمان بالله ، المؤمن في الإسلام  مأمورٌ كذلك بإقامةِ القسط، الذي يعني نفي العدوان ورفضه، ونيل كلّ ذي حقًّ حقّه، العدلُ في الإسلام بالتالي قيمة مُطلقة و شرط من شروط الايمان القويم ( يا أيّها الذينَ آمنوا كُونوا قَوّامينَ بالقسطِ شهداءَ لله وَلَو على أنفُسِكمْ.. ).

إذا كان الفكر الديني هو ثقافة أجدادنا التي لن نتمكّن من القفز فوقها، فإنّ الثقافة في جوهرِها،هي بحثٌ وتجدّدٌ، يقوم على القدرة المستمرة على مواجهةِ ذاتنا، الفردية والجماعية، من أجلِ نقدِها وإعادة تشكيلها، وهذا لا يحصل إلا عبر الكثير من الألمِ والخسارة، المعضلة أنّ هناكَ من يفضّل أن يبقى رازحاً تحتَ ثقلِ الخسارة على أن يعيدَ النظرَ في ذاته، فتلكَ لحظةٌ تصيبهُ بمقتل، لذا يكتفي بتزيين الواقع المُهترئ بشعاراتٍ وانتصاراتٍ وهمية، أما وفي أقصى درجات التطرّف،  هناكَ من يفضّل أن يرتكب جريمة على خوضِ هذه المواجهة مع ذاته، فإمّا يقتل الآخر الذي لا يشبهه، أو ينتحر، فيفجّر نفسهُ ومن حولَه.

بالعودة إلى الواقع السوري، لقد غدا واضحاً أنّ التحرّر من نظام ظالمٍ هو خطوة لازمة، ولكنّها غير كافية ، فالحرية طريقٌ طويل ومرتبط في كل مرحلة بقدرتنا على توسيع رقعةِ وعينا وإعادة صياغة ذاتنا، و بالتالي فهمنا و مفاهيمنا، يرفض السوريونَ اليوم مع كلّ الخسارة والدم والألم التي تكبّدوها خلال أربعة عشرة عامٍ من الاقتتال، إعادة النظر في ذاتهم من أجلِ الوقوفِ على برّ أقرب إلى الحقيقة،  له أن ينقلهم إلى بناء دولةِ المواطنة و الحريّة التي ناضلوا من أجلها.

 وإذا كنا نحن أرضَ الديانات السماوية التي طالما ربطت بين مفهومَي الحقّ والحرية، ألا يجبُ علينا أن ندركَ أن كرةَ الحقد التي تتدحرجُ على أرضنا  مرتبطة بالقفزِ فوق عتبةِ العدالة الانتقالية؟ يحتاجُ الشعب السوري إلى تلكَ العدالة كي يشكّل سرديّة واقعيّة عن أربعةَ عشر عامٍاً من الاقتتال، يُحاسبُ من خلالها الجلادين وتتحمّل الأطرافُ المتصارعة مسؤوليّتَها عن المقتلة، الحقّ وحده ما سيحرّرالشعب السوري من الحقدِ والاحتقان، تلكَ أولى و أهمّ الخطا نحو الحرية.

أمّا تجييش المجموعات العرقية والطائفية على بعضها،  فهو حصانُ طروادة الجديد اليوم ، يعبرُ عبرَ الحسّ الوطني المُهترئ لدى بعض السوريين، مُشعلاً حرباً جديدةً قد يطولُ أمدها، لقد نسيَ البعض أنّ الوحدة كانت حلم أبناءِ المنطقة بكافة طوائفهم، ويعملون اليوم بيادق لدى مشروع التفتيت، طبعاً ليس بريئاً الخارج من الاستثمار في انقساماتِنا الداخلية من أجلِ خلق سوريا الضعيفة المُشتّتة التي عمل طويلاً من أجلها، كما ليس بريئاً مشروع بناء دولة على أساس طائفي،إقصائي، في حين تُبنى الدول على أساسِ المساواة في المواطَنة.

أخيراً فإنّ تمزيق الوطنية كإحساس، والمواطَنة كمفهوم، ليس مرتبطاً بالمعضلة السورية فحسب، إنّهُ سياسة عالمية، إذ تقوم النيوليبرالية الغربية وما بعد الحداثة على تَسييل المفاهيم بما يخدم اقتصاد السوق، المواطنة السائلة هي أحد سمات مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث يجري تحطيم مفهوم الدولة القومية في سبيل انتماء عالمي، عَولمي، لا يعترف بالأرض والجذور واللغة والتاريخ والجغرافية، إنما بسوقٍ عالميةٍ، يتم فيها تَسيير القطيع البشري عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مصالح الرعاة، ورؤيتهم لكرةٍ أرضيةٍ يجلسون على عرشها ويتصرّفون كآلهة.

القتل في سوريا بين الترند والحقيقة 

القتل في سوريا بين الترند والحقيقة 

يمثل الترند “”The trend أًحياناً رأياً عاماً يطغى على كل الخطابات السائدة مما يدفع المعنيين في أي شريحة اجتماعية  لركوب الموجة والسيطرة على هذا الرأي وتوجيهه بما يتفق مع مصلحة هذه الجهة أو تلك، والترند كمفردة إنكليزية تترجم على أنها ميل أو اتجاه وقد صار استخدامها وإدراجها في اللغة والحديث العام من الأشياء البديهية نظرا لكثرة تداولها في جميع الأوساط والمواقع، والحقيقة إن الدخول في تفنيد هذه القصص وعزل الحقيقي منها وتنقيته من الشوائب الإعلامية هو كالخوض في عش دبابير حيث لن ترضى عنك أي جهة، وسترى ألف جهة تخوّن وتتهم وتزور أحيانا ولكننا نقول إن محاولة عرض كل الوقائع على الملأ، يمكن أن يساهم في تكوين رأي عام لصالح الضحايا، الضحايا أينما كانوا .

تحفل الذاكرة السورية بحمص من أيام نظام الطاغية ما عُرف وقتها بحادثة الطفلة “جنى” التي راحت ضحية جشع عصابات الكبتاغون والمافيات التابعة لها حيث انتشرت قصتها لتصبح رأياً عاماً وطلب الناس مباشرة من رأس النظام التدخل لإنقاذ حياتها الأمر الذي لم يحصل، وتمت المماطلة والتسويف إلى أن قضت الطفلة نحبها، وهنا كان لزامًا على الحكومة اختراع قصة تسكت الناس في الكشف عن ملابسات الحادثة وتقبض على الفاعلين وتحاسبهم. جاءت القصة المفضوحة باتهام إنسان بسيط يعيش حياة بائسة ومتخلفة وسط المزابل، وتم أخذ إفادته بالاعتراف بقتل الطفلة بعد اغتصابها، القصة التي جاءت منفصلة عن تفاصيل وأوصاف الطفلة: ماذا تلبس وألوان لباسها وما إلى ذلك. ويبدو أن القصة تسربت كذلك إلى وسائل الإعلام الشعبي والخارجي وخوفًا من تداعيات الأمر الذي قد يستدعي لجنة تحقيق خارجية أو تدخل جهة ما قيل إن المرتكب مات لمعاناته من مشكلة صحية طارئة وانتهى الأمر هنا وسكتت كل الجهات بفعل السطوة الأمنية المعروفة بشدتها وتدخلها بكل شيء وضاع حق الطفلة المجني عليها. 

رجع هــذا الحادث وملابساته الآن للذاكرة مع ملابسات حادثة مقتل السيدة الراقية” ديالا الوادي التي تحمل الجنسية البريطانية، ابنة صلحي الوادي الفنان العريق والتي يشهد الجميع بثقافتها ورقيها ليتم القبض على الفاعل خلال أربع وعشرين ساعة وهنا تأتي التفاصيل التي يكمن الشيطان فيها، فقد عرف الفاعل بشهادة أحد الجيران الذي طارده مسافة لابأس بها ووثقت الكاميرات صورة الفاعل، وكان من الواضح شعر الرأس الأسود لتأتي صورة الفاعل واعترافاته بهيئة مغايرة للصورة الأولى التي انتشرت وبدا حليق الرأس ويرتدي ثياب السجن. واعترف أن القتل تم بهدف السرقة بعد الاتفاق مع الخادمة، وهذه السرعة تلفت الانتباه وتثير المخاوف في بلد يشكل لجنة طويلة الأمد لمرتكبي جرائم موثقة بالصوت والصورة، قد يكون الهدف منها تسكيت وتطمين الرأي العام عن الشوشرة واللغط الذي يدور عبر ألسنة البعض كونها شخصية معروفة جدًا والتسريبات بأن منزل المغدورة كان مرصوداً لأنه في منطقة المالكي أغلى بيوت الشام وأفخمها وقد تعرضت لزيارات متعددة من قبل جهات مسؤولة من أجل بيتها وملكيتها. ويحكى أنها رجعت من الخارج خوفًا من استملاك بيتها كما يحصل مع الكثير من البيوت الفارغة التي يجري السيطرة عليها بحجة امتلاكها بطريقة غير مشروعة من قبل النظام البائد أو أنها عائدة لأحد رجالاته الهاربين، طبعًا في كل حادثة لا يمكن الجزم بصحة رأي أو عدمه أو التيقن من حقيقة ما الحكاية بخواتيمها وهل الحقيقة هي ما قيل أم سيكشف الستار عن حكاية أخرى وهل سيصار المنزل إلى الورثة أو سيؤول إلى جهة ما.

وتأتي قصة اختفاء سيدة من الساحل لتتصدر الترند فترة من الزمن ليكون اختفاؤها الترند المستمر بعد إنكار شامل مغطى من قبل جهات حكومية وإعلامية لحوادث الخطف التي أقضت مضجع السوريين جميعاً ورغم كل ذلك، في كل يوم تصدر صرخة من إحدى الجهات بغياب فتاة أو امرأة وفقدان الاتصال معها في بقعة ما، ويبقى الإنكار سيد الموقف للجهات العامة رغم توثيقها من قبل جهات خارجية “كلجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة” التي قامت بتوثيق بعض الحالات وتعمل على المزيد منها. وقد نشرت وكالة “رويترز” تقريراً يفيد بوقوع حالات اختطاف لفتيات ونساء في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، حيث يطالب الخاطفون بفدى مالية ويهددون بتصفية المخطوفات إن لم تستجب عوائلهن لمطالبهم.

السيدة فُقد أثرها قرابة أكثر من شهر رغم أنها متزوجة ولديها ثلاثة أولاد وقد توصل أهلها عبر وساطات عدة لمكانها وجاءوا بها، ولكن المفارقة أنها لم تتعرف على أهلها وزوجها وأخيها الذين طلبوا أن تعرض على لجنة طبية توضح وضعها النفسي والصحي، ولكن نمي عنها أنها رجعت لزوجها الآخر في الأتارب بإرادتها والذي يقيم معها علاقة شرعية وهـذا طبعًا يلفت النظر إلى التساهل في قضية زوجة تترك زوجها ليُعترف بعلاقتها بآخر دون طلاقها من الأول مما يشير أن وراء الأكمة ما وراءها 

لكن الترند الجديد في ظهورها في فيديو مصور فجر القصة من جديد وحكاية جديدة لما حصل بأنها هربت من عنف زوجي وعائلي وهي سعيدة جدًا بحياتها الجديدة ولن ترجع عنها، وبالنسبة لأولادها تخيرهم في أن يلحقوا بها أم لا ولا تشير لارتباطها بآخر من بعيد أو قريب. الحقيقة أن القصة غير مقنعة رغم إقرار صاحبة الشأن بذلك والثقة المبالغ بها بصوابية ما فعلت لسبب بسيط وهو تناقضها مع الإحساس الأمومي الطبيعي ودعم الجهات الوصائية لفعلتها وخاصة أنها جهات لا تسمح بوجود رجل وامرأة على مقعد في باص، وتضع مصاعد خاصة للرجال والنساء في معظم دوائر الدولة وتمنع تنزه شاب وشابة في حديقة مما يثير الريبة أنها تتسامح وببساطة مع بقصة من هذا النوع وتدافع عنها وكأنها قصة ميرا تعاد من جديد حيث يتجند إعلاميون وجهات مانحة لاحتضان حالتها وكأني بهم يمررون فكرة هروب الفتيات من منازلهم فداء للحب طبعاً. لا يمكن التنبؤ بما قد يحصل لها فيما بعد لإسكات صوت قد يقول الحقيقة يوماً ما.

كل ذلك من أجل إنكار وجود خطف بالبلد رغم الصيحات المتتالية التي تعود في كل حين حول فقدان أثر امرأة ما والأمر هنا لا يتعلق بالنساء وحسب، ولكن أيضاً هناك شباب يُختطفون ولكن سرعان ما تظهر جثثهم في مكان ما دون أن يعرف أحد ملابسات الأمر. 

وطبعا لا تتدخل أي جهة حكومية لغاية اللحظة لتفسير وتبرير ما يحصل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الأمن والأمان بغض النظر عن فاعلية هذا الأمر.

وتتحول القضية إلى قضية رأي عام يصمت فيه من حاول أن ينفي حوادث الاختطاف ويعلو صوت من هو متضرر من تلك الحوادث المريبة التي تصنف تحت يافطة السبي والاتجار بالبشر المحرمة دولياً وقانونياً بالوقت الذي كانت الضحية  الأخيرة موجودة ولتوصم جميع المختفيات بوصم الانفتاح والتهتك الأخلاقي وعن مسؤوليتهن الشخصية فقط في الخروج عن العائلة والأعراف لا بصفتها قضية عامة تنشأ بفترة النزاعات والحروب كوسيلة ضغط عل الجهة المهزومة أو كفكرة عقائدية جهادية تعيد إلى الأذهان ما فعلته داعش بالايزيديات التي مرت ذكرى استعبادهن من فترة وجيزة ولكن هنا في هذه الحالة التي بين أيدينا قد يخشى من الضغط الدولي من المجاهرة بالهدف منها.

حيال كل هذا لا غنى عن تفعيل دور القضاء المستقل والأهم اعتماد قوانين وضعية معترف بها دولياً وعدم الركون إلى رؤية فقهاء أو مشايخ لم يحدد إمكانيتهم الفكرية والمعرفية والاعتماد على القوانين المتعارف عليها ريثما يتم الإجماع على قوانين بديلة وتبقى الشفافية والوضوح الوضع الأمثل لمن يريد ويبغي الحقيقة كل الحقيقة.