بواسطة ميلينا عيسى | مايو 4, 2023 | Roundtables, العربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
“إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر”.
كانت الأزمة الاقتصادية قد بدأت تدريجياً قبل الحرب السورية بعدة سنوات، ولاحت علامات التذمر على وجوه السوريين ليحل من بعدها وباء الحرب اللعينة وندخل في دوامة الهباء ويقطع الشيطان حبل الود بين السوريين الذين اعتادوا التآخي والمشاركة في هموم الحياة ومسراتها.
أطبقت الحرب على أعناق السوريين ليتخبطوا بين طيات الفقد والنزوح والفقر، كَثر الشحاذون في الشوارع وعند أبواب المحلات وانعدم الأمن والأمان، ما عادت قلوبنا تحتمل ضربات العوز التي لم نذقها يوماً مهما وصلت درجة التفاقم، فكان قدرنا أن نمضي وحدنا.
تصاعد الوضع إلى ما بعد القتل والترهيب والتهجير، فأوجدت الحرب تجار الأزمة الذين صعدوا فوق أكتاف وأجساد أخوتهم، نهض الكثيرون اقتصادياً وذوى كثيرون، وبات لا سبيل حتى للقمة الخبز، يوم بعد يوم غدا الوضع السوري في تردٍّ.
واليوم ربما انتهت الحرب جزئياً ليتنفس معظم السوريين ويسترخوا بعد تشنج ورعب دام سنوات، لكننا وقعنا دون سابق إنذار في “حصار قانون قيصر” حسب ما أخبر بعض من قابلهم موقع صالون سوريا في ريف حماه، حيث أشاروا أنه قانون “فُرض علينا وأدخلنا في دوامة اللاشيء.. فأي صبر نمتلك؟”.
في خضم الحصار كنا كمن يحاول رفع يده من القبر منادياً: “هنا.. أنا السوري.. دعوني أعيش!” فإذا بزلزال شباط 2023 يضرب جدران أرواحنا لينتزع آخر ما علق منها في الحياة.
البطالة المزهِقة
اقتضت الحرب برفع سنوات “الخدمة العسكرية” إلى التسع كما انخفض راتب الموظف السوري إلى عدة دولارات فقط بعد الانخفاض المرعب لقيمة الليرة السورية بسبب الحصار، وبات السوري لا قدرة له على إعالة عائلته، وأعرض الكثير من الشباب عن الزواج وباتوا يتخبطون بين عمل وآخر، كل ذلك أدى إلى بطالة أجهضت إرادتهم وأدخلتهم في دوامة اليأس القاتل.
في إحدى قرى حماه كان لنا وقفة مع شبان يذهب عمرهم سدى كفاحاً وأحلاماً، ومنهم راكان (40 سنة) وهو ابن عائلة فقيرة، فقد والده في حرب الثمانينات، وقال بشيء من المرارة لموقع صالون سوريا: “ما ذنبنا نحن الشعب الصامد الصابر، إننا فقط نريد أن نعيش؟” كان راكان قد غادر سوريا متجهاً إلى لبنان طلباً للعمل كي يبني بيتاً ويتزوج، وهناك اجتهد عدة سنوات لتباغته الأزمة حيث بدأ نزوح السوريين هرباً من الحرب إلى الأقطار المجاورة والتي كان إحداها لبنان مما اضطره للعودة بناء على “مبرر ظالم وهو أن السوري بات مكروهاً؛ السوري الذي فتح قلبه وبيته للجميع في أزماتهم وحروبهم أصبح غير مرغوب به، إضافة إلى انخفاض أسعار العمال السوريين هناك” حسب وصفه.
رجع راكان دون رصيد، إلا من بيت متواضع استطاع بناءه بمساعدة أخيه، ويعيش فيه مع وأمه وعائلة أخيه وعائلته بعد أن مكث لسنوات في خيمة لعدم توفر المال قبلاً. لقد بحث راكان عن عمل دون جدوى ليرسو بعد ذلك في عمل مضنٍ “ضمن كسارات الحجر المنتشرة بكثرة في حماه، هذا العمل المجهد حد التسبب بديسكين في ظهره”.
يقول: “العمل في الكسارة منهك، أعمل يومين فقط في الأسبوع إذ إن العمل قليل بسبب الأزمة الاقتصادية، والدخل لا يكفي لكيلو لحمة ولا حول ولا قوة، ماذا عساي أفعل؟ وماذا أقول لأطفالي عندما يأتي العيد دون أن أستطيع شراء الثياب لهم…؟ أو كيف أعالجهم إن يمرضوا وعلبة الدواء سعرها 25 ألف ليرة سورية؟ الحياة صعبة جداً وما حدا حاسس بحدا”.
راكان يرزح تحت ثقل الديون إضافة لدفعه فوائد هذه الديون, تسنده زوجته سمر التي تتمزق بين ماكينة الخياطة وطفليها ومهامها المنزلية.. سمر المنهَكة حد إيلامنا.
كان العجز يسيطر على أجواء هذا اللقاء مع تلك العائلة، فالأمل لديهم مفقود وعمل الزوج والزوجة لا يكفي، والعائلة تعيش بسبب ظروفها المادية القاسية بعيداً عن أية وسيلة ترفيه حتى على صعيد النت الذي غدا متوفراً في كل بيت سوري.
الشباب السوري الجبار
ويخبرنا مالك (25 سنة) عن مسيرته الصعبة خلال كدحه ضد ظروفه الشاقة. لقد كان مالك طالباً جامعياً في كلية الآداب- قسم اللغة الإنكليزية، ولسوء حظه اقترنت دراسته بسنوات الأزمة. والده المعلم المتقاعد والذي تتكون عائلته من 9 شبان وبنتين استلف قرضاً من البنك من أجل جامعة ابنه لأن راتبه المتواضع لم يكن ليكفي، كان مصروف الجامعة غالياً حوالي 50 ألف ليرة شهرياً بسبب ظروف الحرب، توفي الأب بعد سنتين ومالك في الجامعة مما اضطره لتركها والعمل في سبيل إيفاء القرض، الأمر الذي منعه من إكمال دراسته خاصة بوجود أخت معاقة تحتاج دائماً للعلاج والدواء، فأخوته الباقون جميعهم بعيدون ولا معيل للعائلة سواه، حاول مالك البحث عن عمل ثابت وبدأ بالتنقل “القطاع الخاص امتص دمه- عمِل في منجرة حجر فتدهورت صحته، كان حزيناً فكيف له أن يتأقلم مع وضعه الجديد بعد أن كان طالباً”.
ويؤكد بشيء من السخرية خلال حديثه لموقع صالون سوريا: “لم نكن نمتلك ثمن خبز، وما من رزق لدينا فقط قطعة أرض كانت في حوزتنا باعها أبي من أجل عملية في القلب لأخي الشاب الذي توفي رغم جهودنا”.
مبتسماً يضيف: “منزلنا قديم، هدم الزلزال أحد جدرانه وتكلفة بنائه مليون ونصف، معي نصف المبلغ ولا أعلم كيف أكمله؟”. وحالياً يعمل مالك في مطعم خارج قريته وقد أشار لموقع صالون سوريا “أنه في معظم الأحيان يعود إليها مشياً على الأقدام لعدم توفر ثمن بنزين من أجل دراجته النارية، حتى السجائر بات مصروفها ثقيلاً عليه فبدأ بتخفيفها تدريجياً رغم ولعه بها”. وعندما سألناه إن حاول السفر خارج القطر أجاب: “آمل ولكن من أين لي بالنقود والسفر يكلف آلاف الدولارات؟ لن أيأس من الوضع فأنا من جماعة الاكتفاء الذاتي”.
*تنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا حول “إرادة المقاومة اليومية في سوريا لدى المواطنين العاديين“
بواسطة فدوى العبود | مايو 2, 2023 | Culture, Roundtables, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
يعتبر حنّا مينه واحداً من الروائيين الأوائل الذين يؤمنون بأن القيمة الأثمن للرواية هي المعرفة، لقد فتح عينيه على القهر مُذ أبصر الاحتلال الفرنسي وصعود البرجوازية العربية التي لم تكن سوى نسخة مشوّهة ومزوّرة عن البرجوازيـــّة الغربيّة.
وبينما كان قرّاؤه يطلقون عليه روائي البحر/ شيخ الرواية السورية، مفتونين بهذه المنطقة من الوجود والمغامرة؛ فإن هاجسه الحاضر في حواراته وشخصياته: تمثل في النظر للكتابة باعتبارها فعلَ إيقاظ.
تظهر في سيرته الذاتية ومن خلال علاقة الابن بالأب سليم ميناـ والذي كان يتنقل بلا هدف “كان أبي رحالة، أراد الرحيل تلبية لنداء المجهول، ولطالما تساءلت: وراء أي هدف كان يسعى؟ – ملامح افتراق الروائي الشاب عن خطوات والده عبر تحديد هدفه في الحياة؛ لقد تأثر بمقاومين يصفهم بأنهم من طراز خاص، وأعجب بقناعة أن النضال الحقيقي هو في نمو إنسانية الإنسان؛ فلم يكن البحر ولا الغابة وهي -ملمح أساسي في أعماله-هاجساً جوهرياً بل مجرد وسيط وارتداد نحو الذات لاستكشافها، من خلال عقد حوار مع أحطِّ ما فيها كي نزيح التراب عن أسمى ما تحمله: (الوعي المصحوب بالإرادة الحقيقيّة للتغير).
لقد بدا وكأن هذا الماضي بالنسبة لنا نحن -والذي كان حاضر مينه ذات يوم – منذور ليجدّد نفسه وسيعاود شبحه الاستيقاظ في حياتنا الحاضرة، وهنا تأتي أهمية تناول تجربته ونتاجه الذي يفوق 40 عملاً بين الرواية والدراسات ومجموعتين قصصيتين وفي هذه الأعمال لم يكن حنا مينة ليأتي من خارج سياق معاناة هذا الشعب ولم يكن أبطاله ليخرجوا عنهم “فعشت معهم حافياً، عاريـــاً، جائعاً، محرومــاً من كل مباهج البراءة الأولى”.
في كتابه “الرواية والروائيّ” تلومه والدته على الحياة في قلب الخطر، خطر فقد الطفل العليل وخطر السجون والمنافي “وأنت تعطي نفسك للعذاب، في سبيل ماكنت تسميه التحرر من الاستعمار الفرنسي وتحقيق العدالة الاجتماعية”.
إنّ تحرّي مكانة أدبه في الملهاة السورية سيظل مبتوراً دون فهم رؤيته للعلاقة التي تصل الذات بالآخر. فمنذ روايته الأولى المصابيح الزرق 1954 وحتى كتابه الرواية وهو في عمر 80 ظل مهجوساً بفكرة الهويــــّة الإنسانية كأساس لأي انتماء، وهذه الهوية التي تتعرض الآن بسبب الحرب واللجوء لاختبارٍ عنيف، لقد زرعت الحرب الشك في روح الإنسان ورضّ هذا التحول علاقته بهويته رضّاً عنيفاً.
كيف نستعيد مينه في عصر الشتات؟
تبدو أعماله محاولة جديــــّة ومبكرة للإجابة عن هذا السؤال، وتكشف لنا شخصياته الساذجة والبسيطة عن إرادة النمو التي تميز هذه الهوية المغيبة بفعل النهب والتجهيل، إنها تريد التحقق لكن ذلك لا يمكن لها في البداية لأن المستقبل الذي يؤمن به مينه لا محل فيه من دون مسؤولية الذات إزاء الآخر أو الشريك في الوطن.
فالهوية التي رسمها في أعماله وشخصياته تطالب بحقها في الوجود لكن هذه المطالبة لا معنى لها إذا لم تقترن بالوعي والاكتواء بالتجرية؛ وبرغم تهتُّك أحلامها والشك بقدرتها على المقاومة فلن ينقذها سوى الوعي المستند للإيمان بشراكة الذات مع الآخر.
إن اصالة تجربته تتأتى من كون أدبه ثمرة نضاله وهو يصف نفسه “إن وعي الوجود عندي، ترافق مع تحويل التجربة إلى وعي”.
لقد اختار نماذجه من الأشخاص البسطاء، فالإنسان الأعلى في أعماله لا يصير ما هو عليه بدون الخطوة الأهم في طريق الحرية (الجهل والمشقة ثم التحرر وعبور الغابة المظلمة).
البحر في أعماله كناية عن صراع الذات لاختبار الإرادة، الغابة إشارة إلى الفطرة الأصيلة للإنسان، والمعتقل في “المصابيح الزرق” كناية عن بئر يوسف، والغرفة في “الثلج يأتي من النافذة” هي لحظة الكشف عن بذرة الحرية واتخاذ القرار.
بذرة الحرية ليست قيمة دخيلة على الإنسان، بل جوهر كينونته والجهل صناعة. لقد كان أبطاله على غراره يريدون تخليص العالم من الظلم، وبهذا الصدد يشير إلى نفسه: “لمساعدتهم على الخلاص من حمأة الجهل والسير بهم ومعهم نحو المعرفة”.
إن الروايات الغزيرة التي كتبها بدءاً من “المصابيح الزرق” 1954، “الثلج يأتي من النافذة” 1969، و”الياطر”، -197 ورواية “الشراع والعاصفة” ، 1993 نُسجت في عالم يبدو مثالاً على الانفعال المكثّف ضد وضعيّة قائمة، (سياسية، اقتصادية، اجتماعية)، بحيث يخوض شخوصه الذين ينحدرون من القاع الاجتماعي (عالم بحارة وصيادين وعمال ميناء) دورة حياتهم. يكتب معللِّاً اختياره: “كي أفتح عيونهم على الواقع البائس”.
لم يكن البحر إذن سوى وسيلة لشحذ الإرادة، وما الصراع معه سوى صراع مع الذات في فهمها لمفاتيح وجودها ولغزها العميق. إنّ القيمة الكبيرة التي يعود بها البحار من قلب البحر إما ماديــــّة أو روحيّة؛ ولكن لا أحد يعود فارغــاً فالسلة الخاليّة من السمك قد تملؤها حكمة جديدة.
لقدعاد يونس من بطن الحوت مزوّداً بالفهم، (فهم دوره ووظيفته)؛ وكذلك يوسف الذي ساعدته وحشة البئر على أن يستعد لِمِلكٍ ومكانة قُدرّا له، إن جلجامش أيضـاً تعلم في رحلته وعبر خسارة صديقه أنكيدو عن الأبديــّة والخلود.
لكن ماذا عن الذين عبروا البحر لاجئين، هل خرجوا من بطن الحوت!
ومع أن المعاناة التي يخوضها أبطاله فردية إلا أنها ضرورية لاكتشاف من نكون وحمل مسؤوليتنا إزاء الآخر. وفرادة حنا تكمن في هذا بالضبط، لذلك كافح الطروسي بطل الشراع والعاصفة من أجل العودة للبحر، لكن توجب عليه قبل ذلك محاربة محتكر الميناء والقوارب الخشبية وتحدي سلطته وهزم أعوانه لكي يثبت جدارته بالبحر والعودة إليه، إنــّه يذودُ عن حقوق الآخرين ويحمل هموم عمال الميناء، ويسبب القلق للمحتكر وأعوانه من أن يوعّي العمال بحقوقهم، وهو ينتظر استحقاقه بالنزول إلى البحر ومقاومة عواصفه وقبل ذلك عليه أن يثبت بطولته أمام عواصف البرّ من رجال الأمن والسراي والعملاء، وهي كالريح العاتية على الشراع لكنّه يقاوم.
لقد مُنِعَ من نزول البحر وفقد سفينته، فافتتح مقهى على الشاطئ بقرب البحر، ويمثل قول الأستاذ في الرواية خلاصة توجّه البطل “أن القضية ليست قضية فرد بل قضية مجتمع ينبغي إصلاح المجتمع”.
وهذه ال “ينبغي” هي التي حرضت الطروسي، إنّها هذا الرفض المشحون بالشجاعة؛ فالوعي قيمة مهمّة في مسيرة الإنسان للتحرر؛ ولكنها لا تكفي بدون الشرط الأهم: الارتباط الأخلاقي بالآخر ومصيرنا المشترك.
يكتب في سيرته الذاتية: “فأنا أعرف أن اليوم الذي أنسى فيه ناسي، أو أدير لهم ظهري، أو ينقطع حبل السرّة الذي يربطني بهم سيكون يوم توقفي عن الكتابة، وتاليًا عن الحياة”
لقد جسدت شخصياته الصراع من أجل التنوير لذلك سيعرضهم لاختبار أيوب، الفقر والمعاناة، التيه، ثم الخروج من النفق؛ لذا فهو يقيم الفجوة تلو الأخرى بين شخوصه وأفعالهم، إنّ فعلاًّ كالقتل الذي ارتكبه بطلالياطر –والذي ينتهي به هائماً على وجهه في الغابة-يبدو غير مفهوم لصاحبه ذاته وكأن انفعاله غير المبرر ينتمي لغيره، كذلك السجن بالنسبة لبطل المصابيح الزرق.
إن إدراك البطل لعالمه الداخلي ولأسطورته الذاتيّة، ووعيه العميق بقيمته كإنسان لاحقة للعزلة القسرية في الغابة أو السجن، لذا نجد شخصياته تعاني بداية من توهان وتحُاصر بشكوك ذاتيّة في إنسانيتها، تعيش وطأة الندم في كل ما تفعل فمصيبتها ماثلة في كيفية إدراكها لواقعها ولابدّ من النضال لبناء إدراك جديد
إن لديه قدرة هائلة على تشخيص جوانية أبطاله وتشريحها، عبر ارتدادٍ قاسٍ على الذات فشخصياته تجسيد للحظة التي ذكرها كونديرا “اللحظة التي تهمل فيها الرواية عالم الفعل المرئي لتعكف على اللامرئي في الحياة الداخلية“
وعبر تقنية الاستبطان، تتيح أعماله للقارئ فرصة المراقبة لتفتح ونمو الوعي لدى الشخوص فبطل “الياطر” فوضويّ ومتمردٌ على كل سلطة؛ يهرب للغابة بعد عملية قتل ارتكبها. وفي “الثلج يأتي من النافذة”سياسي يهرب من وطنه سوريا ملاحقًا إلى لبنان وتسهم عزلته وهروبه في تطور إدراكه للواقع وأيمانه بالكفاح العملي؛ وفي “المصابيح الزرق” تتحول شخصية البطل إثر سجنه، ومع أنه ينضم للجيش الفرنسي؛ لكن بفعلته سيحرض والده للخروج في مظاهرة ضد الفرنسيين، ويتدرج فياض بطلالثلج يأتي من النافذة من المعاناة والمشقة إلى المرحلة الأسمى المتمثلة في النضال الفعلي وكتابة منشورات تنويرية.
إن البطل حبيس جهله الأولي عاجز عن استيعاب وضعه اللاإنساني والذي يكمن في بقائه مدفوعًا من الآخرين نحو قدر لا يد له فيه، وشرط خروجه من محنته لا يختلف عن شرط خروج يونس من بطن الحوت، الذي أحاطت به ثلاث ظلمات، (ظلمة البحر، وظلمة الحوت وظلمة الليل) – والمقابل الرمزي في أعماله ظلمة الجهل وظلمة العجز وظلمة الشرطاللاإنساني (الفقر والامتهان) ولكن الأخير ليس سوى انعكاس للشرطين الأولين، لذا سيقسو على شخوصه عبر صنوف العذاب كالجوع والحمى والآفات الجسدية وتعريضهم لكافة أنواع الحرمان الجسديــّة والنفسيّة وعلى غرار صانع السيوف سيعرضهم للضربات العنيفة والكاوية.
تعكس أعماله في أعماقها رفضاً للخلاص الفردي والنظرة القاصرة التي ترى البشر: كمجموعة أنانيات، إن بطل “الياطر” سيقود الناس للثورة بعد رحلة التيه والجنون، وكذا بطل الثلج الذي يقرر: “لن أهرب بعد الآن، لن أهرب بعد الآن.”
يصف مينه عودة الشخصية في الياطر ” لم تكن له وجهة نظر واحدة، الحياة، في هذه الغابة، هي التي أعطته وجهة نظر، قوامها أن يكافح ليعيش، وقد كافح وعاش، وحين ظهر حوت آخر في ميناء المدينة، يعود رغم الخطر الذي يتهدده، وفي فعلته هذه بعد أن حولته شكيبة من وحش إلى إنسان، يسهم بعفوية في بناء العالم الجديد، إذا ما عرفنا أن الحوت هو رمز الأجنبي الفرنسي الذي جاء غازيــًا ومحتلاً سورية”.
ولأن ضريبة الجهل غالية تبرز أصالة المؤلف الذي عمل حمالاً في الميناء، وكتب أولى قصصه على الأكياس في امتزاج تجربته بأدبه وامتلاكه رؤية مستقبلية للهوية الإنسانية السورية؛ فمن رماد الجهل واستلاب الوعي تنبت جمرة الوعي بالذات وبالغير، وحنا مينة بحار وتعرفون معنى أن يكون المرء بحاراً، كلنا في السفينة معاً ولا نجاة لنا إن قفزنا منها فرادى دون اكتراث بالآخر الذي يشاركنا محنتنا.
“البحار لا يصطاد من المقلاة وكذلك لا يقعي على الشاطئ بانتظار سمكة السردين التافهة. إنه أكبر، أكبر بكثير، وأنا هنا أتحدث عن البحار، لا عن فتى الميناء”. لقد كان أدبه تجسيداً بليغاً لما عاشه، وهو يطالب بحقه من المستقبل.
أن نقدم إجابة وافية على سؤاله حول معركتنا الحقيقية، فهل هي مع الآخر أم مع جهلنا وضعف إدراكنا لواقعنا وقراءته بعمق؟ وما مسؤوليتنا إزاء بعضنا البعض؟
هل وصلتنا رسالته. وكيف تلقيناها؟ ومالذي سنضيفه إليها؟ وهو الذي يعترف أنه لم يستنفد كل الكلمات، ويشعر بمسؤوليته تجاه المستقبل الذي نحن سكانه الآن ” أوجه كلماتي إليكم، الآتون بعدي من الأجيال الشابة، إذا لم تكن لكم قلوب من تراب”.
*تنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا حول “المنعطف السوريّ”
بواسطة عمر الشيخ | أبريل 30, 2023 | بالعربية, تقارير, مقالات
قبل أن تتحول “الثورة” إلى منطقة المعارك غير المُجدية سياسياً لمستقبل سوريا، والتي أصبحت صورة لحلٍّ لا نهائيّ للأحداث، كنّا نرى كيف نشأت تحالفات إقليميّة كانت تهدف لفرض السّيطرة على المناطق السوريّة حسب الولاءات الدوليّة لأقطابٍ أساسيةٍ في المشهد السوريّ، وهنا يمكننا أن نلخّصها على النحو الآتي: القوّات الأمريكية مُمَوّلةٌ وحليفةٌ للميليشيات الكرديّة، شمال سوريا، والتي تبحث عن منطقة انفصاليّة قرب الثروة النفطية. القوّات التركيّة راعيةٌ وحليفةٌ لعشرات فصائل المعارضة المسلّحة وبعض الفصائل الإسلاميّة، وهي فصائل ضد النظام. ثم الحرس الثوريّ الإيرانيّ وميليشياته من جهة، والجيش الروسيّ ومرتزقته من جهة أخرى، كلاهما تحالفَ مع قوّات النظام السوريّ، وهم ضد فصائل المعارضة المسلّحة.
زحام تحالفات يُحيلنا إلى المزيد من التعقيدات ميدانيّاً وليس آخرها دخول تأثيرات الأنظمة العربيّة بشكل ملحوظ على المشهد السوريّ، دخولٌ ربّما لن يضيف شيئاً، عملياً، على توزان القوى العسكريّة بين أطراف الصراع في سوريا.
لم تعُد النظرة إلى أيّة خسائر ميدانيّة في الأرواح والبُنى التحتيّة، تخرج عن مكاسب هذه التحالفات ومن يقف خلفها، حتى لو كانت إسرائيل لاعباً في مشهد التدمير، إسرائيل العدوّ التاريخيّ لسوريا، والتي تحتلّ هضبة الجولان، هي من يستهدف قوة على الأرض السوريّة تخاصم قوّة أخرى سورية أو غير ذلك، والخاسر في الحالتين هو الشعب السوريّ على المستويين التاريخيّ السياسيّ والنفسيّ الاجتماعيّ.
إذاً، ثمّة تصعيدٌ لا يُستهان به على الأراضي السورية، ومع قلّة توفّر المصادر الإعلاميّة المُحايدة التي يمكن أن تنقل شيئاً من الحقيقة، يبقى الملاحظ من “مسلسل” الاستهداف هو صوت القصف الصاروخي الذي يقوم به الطيران الإسرائيليّ على مختلف المناطق السورية وفي أي وقت دون ردّ يُذكر عسكرياً من الجانب السوريّ، ذلك الصوت الذي يمكن تخيّله مع صور الرعب والفزع بين الناس والمتداولة عبر منصات التواصل الإلكترونيّة بعد كلّ طلعة عسكريّة تقتل فيها إسرائيل من تريد، ومتى تريد، وغالباً يكون المبرر هو استهداف نشاط إيران في سوريا، حسب ما يقال.
ترى كيف يقرأ السوريون ذلك في ظلّ تبريرات الإعلام والوجود الإيرانيّ والاختناق الاقتصاديّ؟ هل يعتقد البعض أنّ هناك إمكانيّة ردٍّ عسكريّ على تلك الضربات الجويّة، المُستمرة، منذ سنوات لسوريا؟ وإلى أيّ مدى يمكننا القول إنّ هناك متابعة للإعلام “الرسميّ” تواكب تلك المجريات بشكل واقعيّ؟
التخوّف الإسرائيليّ!
يعتقد الكاتب السوريّ مازن بلال أنّ “مسألة الاعتداءات الإسرائيليّة منفصلة عن مجمل المفاصل الحالية للأزمة السوريّة، وحتى في مسألة التواجد الإيرانيّ فإن أيّاً من الاعتداءات وفق المعلومات التي تتيحها المراكز المتابعة للحدث السوريّ؛ لا تتحدث عن استهدافِ تجمعاتٍ إيرانيّةٍ، وفي أفضل الأحوال فإنّ بعض الاعتداءات هي استهدافٌ محدودٌ لعناصر مُحدّدة” بحسب قوله.
ويضيف بلال في حديثه لموقع صالون سوريا: “بغض النظر عن صحة أيّة معلومة في هذا الشأن فإنّ الاعتداءات غالباً ما تستهدف بُنى تحتية عسكريّة، مراكز أبحاثٍ في معظم الأحيان، وفي الآونة الأخيرة نقاط حركة النقل الجويّ في إشارة لتتبع الاتصال بين دمشق وطهران على وجه الخصوص”.
ويعتبر بلال أنّ هذه الاعتداءات عملياً “لا تستهدف تمركز قوات أو مستودعات ذخيرة، فهناك محاولة إفشال ظهور قاعدة عسكريّة علميّة في سوريا، ومهما كانت الجهات وراء هذه القاعدة فإنّ التّخوّف الإسرائيليّ أصبح واضحاً جداً، فـ”إسرائيل” لا تريد أن ترى تحالفاتٍ عسكريّة غير تقليديّة قوامها لا يعتمد فقط على التعدّاد العسكريّ، بل على تطوير العلوم والأبحاث العسكريّة، فباستثناء حالتين أو ثلاث حدثت في بداية الأزمة، فإنّ حالات الاعتداء كانت تتبع التعاون العسكريّ أو تطورات البُنى العسكريّة” بحسب رأيه.
ويختتم بلال حديثه لموقع صالون سوريا بالقول: “لا يقدّم الإعلام السوريّ تفصيلاً عن المناطق المُستهدفة، وربّما لطبيعة الأهداف المُستهدفة، وهي عسكريّة بالدرجة الأولى، فهناك “تكتّم” إنّ صحّ التعبير، وليس هناك تبريرات لِما يحدث، فدمشق لا تحتاج لمبررات في ظلّ حالة العداء مع “إسرائيل”، وفي المقابل فإنّ “الردّ” ليس موضوعاً سهلاً لا على المستوى العسكريّ أو حتى الاستراتيجيّ، ودون الدخول بالتفاصيل فهناك توازن لا يرتبط فقط بسوريا، بل بالقوى الدوليّة المتواجدة على الأرض السوريّة” على حد قوله.
العلاقات الوثيقة
فيما ترى الناشطة السوريّة لبانة غزلان، الأمر من جهةٍ مغايرةٍ، وتعتبر أنّ “النظام في سوريا، غارق بأزماته؛ بحقّ الردّ، وذلك دليل واضح على عدم امتلاكه القرار والسيادة على كامل أراضيه حسب ما يدّعي الموقف الحكوميّ ومن خلفه الإعلام الرسميّ”.
وتضيف غزلان في حديثها لموقع صالون سوريا أنّ “قرار الردّ؛ سواء أكان النظام يمتلك القدرة العسكريّة بعد اثنتي عشرة سنة من حرب حصار اسُتنزفت فيها الموارد والمؤسسات العسكريّة من أجل قمع الثورة السوريّة، وإعادة بسط سيطرة النظام بالقوة على المناطق المُحرّرة بدعم إيرانيّ وروسيّ. إلاّ أنّ النظام لا يملك قرار المواجهة، وبرأيي أنّه يمثّل اليوم واجهة لتمرير سياسات روسيا في المنطقة، على الرغم من محاولات تعويمه عربيّاً، إلا أنّه ليس صاحب قرار” بحسب ما ترى.
وتعتقد غزلان أنّ تلك الجوانب باتت “واضحة اليوم للأغلبيّة العُظمى من الناس داخل مناطق سيطرة النظام السوريّ، وهي أغلبيّة رافضة للوجود الإيرانيّ، بكلّ أشكاله، ولكنّها محكومة بسلطة الأمر الواقع، وتعيش كلّ يوم في حينه، بسبب سوء الوضع الأمنيّ والمعيشيّ والذي لن يتغيّر بوجود هذا النظام ودون الانفتاح على حلّ سياسيّ وإعادة إعمار” حسب تعبيرها.
وترى عزلان أنّ الناس في سوريا اليوم، ينظرون إلى الضربات الإسرائيليّة قائلين “يدبّ كيدهم بنحرهم” إذا كانت تلك الضربات تستهدف الوجود الإيرانيّ في سوريا. بينما الإعلام -كعادته- ينظر إلى الغارات الإسرائيليّة على سوريا كأنها انتصار (…) وهنا نتذكر المدعو “خالد العبود” الذي يعتبر “القصف الإسرائيليّ المستمر لسوريا هو دليل على أنّها موجوعة (!) أو قد ينقل هذا الإعلام خبر أضرار القصف مع تهويل بعدد الصواريخ التي استطاع جيش النظام التصدّي لها مع التأكيد على موقف “المقاومة الواهية” التي باتت واضحة بالنسبة للناس بعد الثورة”” على حد قولها.
نتائج محسومة
ومن جهة أخرى، يقول الكاتب الكرديّ السوريّ شفان إبراهيم، لموقع صالون سوريا: “أعتقد أن القصف الإسرائيلي عادةً ما يأتي رداً على التواجد الإيرانيّ في سوريا، ورغبة من “تل أبيب” في فرض قواعد اشتباك ونقاط تماس تدخل في صالحها. خصوصاً وأنها تعي أنّ حجم الإنهاك الذي أصاب الجيش السوريّ لن يسمح له بالردّ مخافة استفزاز سلاح الجو الإسرائيليّ والقوة الأمريكية الموجودة في قاعدة “التنف” عند المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، في محافظة حمص”. ويضيف شفان “إنَ النتائج ستكون محسومة، نتيجة فائض القوة وفوارق التسليح، ونتائج عقد من الحرب إضافة لوجود تلك القوات مع إسرائيل”.
كما يشير شفان إلى أنّ الإعلام الحكوميّ في كلّ مكان هو “لتسيير وتنفيذ وترويج سياسات حكومته، وبالتالي هو يقول أشياء لن تقنع أحداً سواه، وليس المهم هنا ما يقوله، المهم من يصدّق ما يقولون؟” على حد تعبيره.
بواسطة Salon Syria Team | أبريل 25, 2023 | Roundtables, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
يُعنى صالون سوريا، بتقديم قراءة تأويليّة مُعمَّقة لشخصيات حققت انعطافات جوهريّة في التاريخ الثقافيّ للشعب السوريّ في القرن العشرين، وكان معيار انتقاء هذه الشخصيات قائماً على استنساب خيطه الهادي الوحيد هو الأصالة الفرديّة، إذ الهدف المنشود من هذا التوجُّه هو تبيان إلى أي مدى استطاع سوريون أُصلاء أن يحققوا، بصفتهم أفراداً، تأثيراتٍ حقيقيّة في بلادهم، على نحوٍ أسهم في تغيير طبيعة الوعي الاجتماعيّ في سوريا.
لقد كانت بداية القرن العشرين فاتحة حقيقية لإثبات الإنسان السوريّ ذاتَه، سواء أكان رجلاً أم امرأة، إزاء العالم كلِّه، فما كادت سوريا تخرج من ظلام الاحتلال العثماني التركيّ حتى دخلت تحت أغلال الاستعمار الفرنسيّ، فكان ضروريّاً جداً أن تنبثق هُويّة سوريا بإشعاعات كثيفة لا تنضب من أعماق أبناء شعبها.
وهنا نجد تجليات رائعة للعقل السوريّ في مختلف ميادين الحياة، تحديداً الثقافيّة منها، ولا شك في أنَّ هناك أسماء معروفة للمبدعين السوريين في هذه الحقبة؛ ولكن في المقابل توجد أسماء مجهولة لا تعرفها إلا قلّة قليلة من المهتمين. غير أنَّ الأسماء المعروفة أنفسها تحتاج إلى قراءات جديدة تكشف جوانب خفيّة أو غير مكتشفة في تجاربها.
من هنا يجد هذا المشروع مسوِّغاته، فإرجاع روح الحضارة السوريّة إلى ينابيعها الأصيلة الحقيقية أمر تقتضيه ليس فقط الأمانة التاريخيّة؛ بل تفرضه ضرورة محاولة إعادة الثقة للإنسان السوريّ بقدراته الإبداعيّة الخلاقة التي توجد الآن على هيئة إمكانيّة في كل شاب وشابة سوريين، لذلك لا بدّ من إعادة اللهب المتوقد لنار الإبداع السوريّة بإحياء ذكرى مبدعين كبار رفعوا راية سوريا إلى أعلى ذروة، وهكذا يتصل الماضي المضيء بحاضر يبحث عن الاستنارة.
وستكون منهجيّة تقديم هذه الشخصيات السوريّة متجاوزة للتوثيق والأرشفة والعرض على الطريقة الأكاديمية الكلاسيكيّة؛ لأنها ستتجه نحو التركيز على أعماق جوهريّة معاكسة للقراءات السطحيّة المعتمدة على المنهج التأريخيّ على نحو تامّ. وبذا يمكن إعادة تكوين فهم-رؤياويٍّ للهُويّة الثقافيّة السوريّة.
عناوين المواد المنشورة ضمن الملف:
أنطون مقدسي: كاهن التنوير ١٩١٤- ٢٠٠٥
استعادة حنّا مينة
نازك العابد (1887-1959): تأثيرها في الفضاء العمومي السوري في النصف الأول من القرن العشرين
عبد الكريم اليافيّ: عالم الفيزياء متصوِّفاً
فيلسوف سوري مجهول
أحمد برقاوي والطَّريقُ الفلسفيُّ المُستحيل
الشحرور الذي غرّد خارج السرب
ماري عجمي:رائدة الصحافة النسوية السورية
صباح فخري.. مدرسةٌ غنائيةٌ شاملة ومسيرةٌ حافلة بالفن والإبداع
سعد الله ونوس: مسرحي بحجم وطن
أبو خليل القباني.. المبدعُ الخالدُ بفنه الأصيل
صُعلوكٌ عربيٌّ جاهليٌّ بزيٍّ مُعاصِرٍ أنيقٍ وبعِطرٍ فرنسيٍّ جذّاب
المانوليا الدمشقية (إلفة الإدلبي ١٩١٢-٢٠٠٧)
محمد الماغوط الحداثي الساخر من الحداثة
سَاطِع الحُصْريّ أو مأساة الجُذُوْر
عبد الرحمن الكواكبيّ وحيداً يعبرُ درب الآلام
شعاع من الفن التشكيلي السوري: نصير شورى (1920-1992م)
نذير نبعة: رسام الحياة ومؤرِّخ الألوان السورية
حليم بركات طائر الحوم الذي لم يعد
جورج طرابيشي بين الفلسفة والأدب
عمر أميرلاي: رائد السينما التسجيلية السورية وصانع نهضتها
فاتح المدرس: آخر ما يموت في غابة الدهشة هو اللون
إلياس مرقص فيلسوف المثال والواقع السوري
أنطون سعادة: جُرح في الزوبعة
عمر البطش مدرسة متفردة في فنون الموشحات ورقص السماح
بواسطة محمد الواوي | أبريل 23, 2023 | العربية, تقارير, مقالات
يوفر موسم الكمأة سنوياً مصدر رزق لعائلات سورية في المحافظات المتاخمة للبادية السورية الشاسعة بشكل خاص بالتزامن مع معدل تضخم غير مسبوق وارتفاع نسبة الفقر في البلاد.
ويترافق ظهور الكمأة في البادية مع الأمطار الغزيرة المصحوبة بالبرق والرعد، لذا تعرف هذه الثمرة باسم “بنت الرعد” أيضاً. ويبدأ موسم القطاف عادة بين أشهر شباط ونيسان من كل عام، حيث تنتشر الكمأة في بوادي حمص وحماة ودير الزور والرقة، وتشكل البادية السورية عموماً نصف مساحة البلاد تقريباً.
تقول ريم (ريف الرقة الشرقي-بلدة الحمدانية) لـ “صالون سوريا”، “إن موسم الكمأة في البادية مبشر هذا العام، لكن بعض الناس يحجمون عن الذهاب خوفاً من الهجمات المسلحة على غرار ما تعرض له رعاة الأغنام سابقاً”.
تكمل ريم حديثها “يغامر بعضهم بالذهاب لما سيحصل عليه من مردود مادي جيد، حيث يجني بعض البائعين أكثر من مليوني ل.س في اليوم الواحد”.
وتتميز الكمأة بقيمتها الغذائية العالية، وذلك لاحتوائها على نسبة عالية جداً من البروتين الغني بالأحماض الأمينية الأساسية. ويشبه طعم الكمأة لحم الضأن، وهي سهلة الهضم، غنية بالفيتامينات خاصة فيتامين C، والمعادن.
يعدد سعد وهو أحد جامعي وبائعي الكمأة في منطقة الحمدانية أشهر أنواع الكمأة؛ منها: “الزبيدي، والهوبر”.
يتراوح سعر كيلو الكمأة في سوق الحمدانية بين 40 و60 ألف ل.س حسب الحجم والنوع، أما الزبيدي فأكبر حجماً، أبيض اللون، ويبلغ سعره بين 15 و25 ألف ل.س.
يستخرج الجامعون الكمأة من مناطق متعددة في البادية المجاورة مثل منطقة جبل البشري، وتبعد المسافة عن البلدة أكثر من 65 كيلو متراً، وفقاً لما يبينه سعد.
يروي سعد أيضاً: “يتحمل جامعو الكمأة مشقة التنقل لكن العمل يدر ربحاً مجزياً، حيث يبلغ نصيب الشخص بين 400 ألف ومليون ونصف ل.س يومياً بحسب خبرة كل فرد، وعلى الرغم من الوفرة هذا العام إلا أن إقبال الأهالي ضعيف بسبب ارتفاع الثمن، بينما يندفع التجار للشراء أكثر بهدف التصدير”.
بيد أن جني (الكماه)، كما يطلق عليها محلياً، محفوف بالمخاطر مع انتشار الألغام والذخائر المنفجرة من مخلفات الحرب، يضاف إلى ذلك أن هذه المناطق ليست آمنة وما زالت تشهد هجمات مسلحة بين مدة وأخرى، حيث توفي وأصيب مواطنون/مواطنات في السنوات الماضية أثناء جمعهم الكمأة.
وتوفي خمسة مواطنون وأصيب أكثر من ٤٠ بانفجار لغم بشاحنة كانت تقلهم أثناء توجههم لجمع الكمأة بمنطقة كباجب بريف دير الزور الجنوبي الغربي في آذار 2023، (وكالة الأنباء الرسمية “سانا”)، وتناقلت وسائل الإعلام أخباراً عن حوادث مماثلة العام الماضي أيضاً.
وفي هذا الصدد، سجلت سوريا أكبر عدد من ضحايا الألغام عالمياً في عامي 2020 و2021 متقدمة على أفغانستان، بحسب التقرير السنوي لـ (مرصد الألغام الأرضية) الذي نُشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
وتصل الكمأة إلى الأسواق الرئيسة في المحافظات السورية مثل سوق باب سريجة في العاصمة دمشق، ويتراوح سعر الكيلو الواحد منها بين 25 و100 ألف ل.س بحسب جودتها ونوعها وحجمها.
وتجذب الفطريات البرية الصحراوية المرصوفة على شكل تلال صغيرة في السوق التاريخية انتباه المارة والمستهلكين، وعادة ما يتحلق مواطنون ومواطنات حول أحد بائعي الكمأة الذي يعرضها بمفردها أو إلى جانب أنواع مختلفة من الخضار، ليعاينوا حجمها وملمسها، في حين يكتفي آخرون بمقارنة الأسعار بين البائعين المتجولين (البسطات) والدكاكين المنتشرة في أماكن متفرقة.
والكمأة أكلة مفضلة لكثير من العائلات السورية، ومنها عائلة منصور (مدينة حلب) التي دأبت على شرائها بشكل منتظم، ويشير منصور إلى تراجع هذه العادة في السنوات الماضية لارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.
لجأت عائلة منصور إلى تموين الكمأة بالطرق التقليدية وحفظها في الثلاجة عندما يكون الموسم وفيراً والسعر منخفضاً. يقول منصور “نأكلها عادة مع اللحم إلى جانب الرز واللبن”.
يعد رامي (إدلب) الكمأة أكلته المفضلة سابقاً، ويستذكر طريقة إعدادها عندما كان ميسوراً “نغسل وننظف الكمأة بشكل جيد، ثم ننظمها في أعواد حديدية مع قطع من لية (دهون الذيل) الخروف، وتشوى على نار هادئة لكي تحافظ على طراوتها”.
تقسم سورية إلى خمس مناطق استقرار زراعية وفق معدل الهطول المطري في سورية، وتقع البادية ضمن منطقة الاستقرار الزراعي الخامسة، وهي لا تصلح للزراعة البعلية، لكنها تتميز بأنها صالحة لإنبات الأعشاب، وتستعمل مراع عندما تهطل كميات كافية من الأمطار، طبقاً لبيانات (المكتب المركزي للإحصاء) في سورية.