بواسطة طارق علي | مارس 6, 2023 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
“توقف الزمن، ما زلت عاجزة عن الكلام والتعبير، أشعر أنني لم أعد على قيد الحياة، أنا محض جثة نجت بأعجوبة، وليتها لم تنج”، تقول علا علي (19 عاماً) وتنهار بالبكاء خلال حديثها مع “صالون سوريا”.
كانت علا تدرس على طاولة الدراسة الجامعية الصغيرة في زاوية غرفتها في الطابق الثاني فجر الكارثة. بعد أن اطمأنت أنّ أهلها نائمون بأمان وسلام، ابتسمت في وجه المرآة ووعدت نفسها بمستقبل أفضل حالما تنهي سنواتها الجامعية، أعدت كوباً من القهوة الساخنة وبدأت تتصفح إحدى محاضراتها، شغلت أغنية لنجاة على هاتفها الصغير، كانت تحب نجاة كثيراً قبل الكارثة.
“لا أدري ماذا حصل، كان كل شيء جيداً، لا أذكر، لا أريد أن أتذكر، فجأة ارتج المنزل، هزة، هزتين، لحظات، ساعات، عمر بأكمله، صراخ شديد، صرت أسمع صراخاً من منزلنا، من الجوار، صرت أشعر بأصوات صرخات تحطم رأسي، لا أدري كم استغرق الأمر، ولكنني الآن أدرك أكثر ما حصل، أتعلم ما الذي حصل؟، أهلي توفوا، ومنزلي صار ركاماً ؟”.
شيء ما يبدو غريباً في علا، هل كلمة غريب مناسبة بعد ما عاشته؟، هي الآن عند أقاربها، يقولون إنّها ليست بخير، لا تنام ليلاً، تبكي طوال الليل، وإذا ما غفت فإنّها تستيقظ صارخةً.
في حديثي معها، بدا لدى علا طاقة كبيرة للكلام، أرادت أن تقول شيئاً لم تستطع التعبير عنه بأسلوب واضح، أفكارها مبعثرة للغاية، ذكرياتها مشتتة، لا يبدو أنّها قد استوعبت ما حصل بتمامه حتى الآن، وريثما تستوعب ما حصل، قد يكون فات الأوان على شابة كانت تتوسم خيراً رغم كل ما في بلادها من محن.
بسطاء يتقاسمون القهر
الأمر في سوريا مركب قليلاً، فالناس تجاوزت عقداً من الحرب، وحملت فيه ما حملت من هموم ومشاكل وآلام وخسارات نفسية ومعنوية ومادية زادها سوء الحال الاقتصادي تعقيداً واستنزافاً، فجاء الزلزال مكملاً على أحلام بسطاء يتقاسمون القهر من شمال إدلب إلى حلب والساحل وحماه وكل منطقة تضررت من الزلزال.
في جولة على حالات كثيرة نجت من الزلزال يبدو واضحاً اتحاد المشاعر التي تنحو نحو العدمية ويبدو من غير المنطقي “الطبطبة” على جراحهم، فجراحهم عميقة للغاية، عميقة إلى ذلك الحدّ الذي تحتاج فيها مرمماً طبياً من النوع الوجداني – المادي غير المتوفر حتى الآن لهؤلاء الضحايا.
إذا اعتبر أحدٌ ما أنّ الفقد يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، معللاً ذلك بالسنن الكونية الناظمة لحياة البشر، فكيف سيمكن تعليل شكل الحياة لأناس كانوا يستظلون تحت سقف وصاروا في المأوى، والسقف في سوريا ليس اصطلاحاً من الترف، بل هو المعنى الحقيقي لـ “جنى العمر”، فهل تؤمن الحكومة لضحايا البلاد دفئاً من النوع الذي يحيطهم من خلال أربعة جدران؟، يبدو ذلك مستحيلاً في المدى المنظور، فلا الإمكانيات متوفرة ولا القدرة المادية والاقتصادية واللوجستية كفيلة بحل تلك الإشكالية التي كتبت على السوريين نزوحاً تلو نزوح في حياة واحدة.
لا تتوقف الأرض عن الاهتزاز
لم تتوقف الحياة عند علا فقط فجر السادس من شباط، كثر مثلها، وفاء حمدان (38 عاماً) من ناجي اللاذقية لا زالت تعيش آثاراً وتبعات لما بعد الزلزال، تقول: “شيء غريب يحصل في بدني حين تصير الساعة الرابعة وقليل فجراً منذ يوم الزلزال، أشعر ببدني كلّه يرتعد، دقات قلبي تتصاعد كثيراً، أشعر بدوار شديد، أشعر بالأرض تهتز من تحتي، أهرع لأوقظ أفراد أسرتي، أصيح بهم جميعهم، فيقفون من نومهم مرتعبين، أخبرهم بوجود زلزال، ولكن يبدو أنّ لا أحد يشعر به غيري”.
يؤكد منصور شقيق وفاء روايتها وبأنّهم في الأيام الأولى التي تلت الزلزال كانوا يستجيبون لصرخات أختهم وينزلون للشارع على الفور، لكنهم تبينوا مع الأيام اللاحقة أنّها حالة نفسية عصيبة، وعليهم أن يتعاملوا معها بهدوء وحذر كما أشار عليهم أحد الأطباء النفسيين الذين استشاروه دون وجود وفاء التي رفضت الذهاب إليه مؤكدةً أنّ أحاسيسها بالهزات الأرضية اليومية هي أحاسيس حقيقية.
يقول منصور: “لا أريد أن أقول هذا، ولكن الزلزال أثر على عقل وفاء، وأثر علينا جميعنا، نحن خائفون، نجونا من الزلزال بأقل الأضرار ولكن شدته وسقوط الأبنية من حولنا وصرخات الجوار كلها عالقة في أذهاننا حتى الآن مذكرةً إياناً بأقسى يوم مرّ على بلادنا”.
متلازمة ما بعد الزلزال
مئات الحالات وربما أكثر بدأت تشتكي من مخاوف وهلوسات وما فسره الأطباء النفسيون بمتلازمة ما بعد الزلزال، فالبعض بات لا شعورياً يشعر بهزات كل لحظة وهي غير موجودة حقيقة، وآخرون باتوا يخافون النوم، وغيرهم توقفت الحياة لديهم عند لحظة بعينها، لحظة وقوع الزلزال، لحظة سماع خبر وفاة أحد من الأهل تحت الأنقاض، لحظة استعصاء إنقاذ أحد، لحظة فقدان أيّاً كان نوعها.
يقول الأكاديمي بعلم النفس أحمد سميح لـ “صالون سوريا” إنّ متلازمة ما بعد الزلزال هي متلازمة مشخصة أساساً من قبل باحثين يابانيين في عام 2011، وتنضوي على اضطراب ما بعد الصدمة مركباً مع القلق والخوف والتوتر.
وبين سميح أنّ المتلازمة تتمثل بدوار واهتزاز وتأرجح يشعر به الشخص لمدة تتراوح ما بين ثوانٍ عدة ودقيقة ونصف في عموم الحالات المسجلة، إضافة لشعور بالحاجة للتقيؤ أحياناً وآلام في المعدة وتشوش في الرؤية، والسيء بالأمر بحسب سميح هو قابلية استمرار الظاهرة حتى ستة أشهر ما بعد التعرض للصدمة الأولى (الزلزال).
ويتابع المختص بعلم النفس أنّ المتلازمة تلك قابلة للعلاج عبر زيارة الطبيب النفسي الذي يكون مؤهلاً لوصف أدوية تخفف من وطأة المشكلة وتنظر في موضوع الاكتئاب والقلق والخوف المرافقين.
ويحذر سميح أنّه في بعض الحالات الشديدة التي لا يجري علاجها ومتابعتها أو لا تزول أعراضها من تلقاء نفسها فمن الممكن أن تتطور المشكلة للدخول في أطوار اكتئابيه ومشاكل نفسية أخرى تتطلب علاجاً أكثر تركيزاً: “الكثير من الحالات التي تصلنا ونتعامل معها، بعضها بسيط، والبعض الآخر لا ينذر بالخير ما لم يتم التعامل الطبي معه بشكل سريع، فثمة أناس يرزحون تحت تأثير الصدمة التي من الممكن أن تغير شكل كل حياتهم القادمة.”
الأمراض العضوية
لا يمكن القول إنّ عدد الضحايا هو نهائي رغم مرور قرابة شهر على الزلزال، فبحسب الرأي الطبي لا زال عدد الوفيات قابلاً للارتفاع ولو كان بنسبة بسيطة، الطبيب مهدي أحمد شرح لـ “صالون سوريا” الموضوع مبيناً أنّ الوفيات الأولى حصلت خلال الزلزال مباشرة، أما الموجة الثانية فكانت من خلال تسجيل وفيات بين المصابين الذين نجوا وأودعوا المستشفيات، أما الاحتمال القائم مستقبلياً فهو تسجيل وفيات بعد أشهر من الآن، والتي قد تكون ناتجة عن التهابات كامنة وفشل في أداء بعض وظائف الجسم.
وبين الطبيب أحمد أنّ الأثر الذي تمكن ملاحظته خلال الفترة القادمة قد يكون ناجماً عن التلوث الذي خلفه الزلزال الذي دمر جزءاً من منظومة الصرف الصحي ما سيشكل بيئة ملائمة لانتشار الأمراض المعدية وعلى رأسها تلك المعوية والتنفسية، وكذلك الكوليرا والملاريا وغيرهم من الأمراض المنقولة عبر القوارض أو الحشرات.
هل ظلّ ما يقال
ما بين أثر نفسي وآخر عضوي، يدفع السوريون ثمناً باهظاً، ولكن هذه المرة ثمن جاءهم من الطبيعة التي ما ظنوا يوماً أنّها ستخذلهم وهم المنتشون بابتعاد الحرب عن مراكز مدنهم وأرواحهم وأرزاقهم، ليأتيهم غضب من الطبيعة يحيل معه القهر لتسميات أخرى، تسميات أبعد وأشمل، كمثل الحلم بميتة طبيعية في بلد ما من شيء طبيعي فيه.
كان المنكوبون عشية الزلزال يفكرون كيف سيتدبرون غدهم بما يكفيهم خبز يومهم، الآن صاروا يفكرون كيف سيتدبرون غدهم وهم مرميون في مراكز الإيواء في أدنى شروط الخصوصية التي عرفوها يوماً، مرميون منتظرون تلك الجمعيات التي تأتيهم بالـ “ساندويش”، ثم يسأل سوريٌّ: “هل ظلّ ما يقال!”
بواسطة الحسناء عدرا | فبراير 21, 2023 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
كأن الفجائع صممت على مقاس السوريين، لم يمض وقت طويل على إغلاق باب الحرب وترميم جراحها الغائرة حتى باغتهم زلزال مدمر وقع على رؤوسهم لتكتمل روزنامة المأساة وحزمة الألم. قلوب مفجوعة ووجوه فزعة وصرخات مدوية قضاها المنكوبون منذ يوم وقوع الكارثة لغاية كتابة التقرير، تاريخ يتمنى السوريين شطبه من التقويم الميلادي إلى الأبد.
لم يعد 6 شباط من التواريخ العادية بالنسبة للشابة لميس وللكثير من السوريين، فهذا الرقم سيظل بمثابة دمغة ألم لن تفارقها ولحظات خوف فاقت الوصف لم تختبرها من قبل. بكلمتين مختصرتين تصف مشهد الرعب: “كأنه يوم المحشر”. تروي لميس التي نجت من مجزرة تلكلخ في حمص وحصارين تفاصيل نجاتها مع طفليها لحظة وقوع الزلزال في مدينة جبلة وتقول لـ”صالون سوريا” بصوت متهدج: “جربت شعور شاهد العيان على مجزرة، وعايشت ظروف الحصار والعيش في ملجأ لأشهر طويلة، اختبرت جميع أنواع الخوف، غير أن طعم الخوف عند وقوع الزلزال كان مختلفاً كلياً ومرعباً لدرجة تفوق الوصف، كأنك تهرب من يوم الطوفان، أن تشعر بانشقاق الأرض وبكاء السماء”.
وعن تفاصيل ليلة الزلزال تقول: “كنت أنتظر وصول زوجي عند الساعة 3 فجراً بعد أيام من المناوبة في قطعته العسكرية، بينما كان طفلاي نائمين، عند وصوله دخل للاستحمام فيما كنت أهيأ له الطعام، بعد انتهائه شعرنا بالمنزل يهتز قليلاً ثم تعالت أصوات الجيران ونداءات الاستغاثة والمطالبة بالإخلاء”. تتابع حديثها: “حاول زوجي فتح النافذة للخروج منها لكن دون جدوى، ثم طلب مني إخراج الطفلين على أن يلحق بي بعد أن يحضر هويته وبعض المال، صرت أصرخ وطلبت منه مرافقتي، لكنه رفض وطالبني بالخروج وإنقاذ الأطفال أولاً”.
تضيف الناجية أن قوة الزلزال تضاعفت أثناء لحظات إخلائها للمنزل، كان شكل المطر غريباً ينهال علينا كالرصاص، والجيران يتدافعون بقوة خوفاً من انهيار المبنى فوق رؤوسهم، حينها أمسكت بأيدي طفليّ بشدة وحرصت على عدم إفلاتها والركض بسرعة قصوى، خشية وقوعهما على الأرض لأن ذلك يعني موتهما الحتمي، إما نتيجة الزلزال أو بسبب دعس أقدام الجيران فوق جسديهما وتجاوزهما خلال هربهم من الموت”.
بملابس مبللة وجراح كبيرة قضت لميس مع طفليها يوماً كاملاً في الحديقة دون مأوى. قدم لها أحد الجيران كيساً من الخبز واللبنة والتفاح لمحاربة الجوع. عند حلول الليل لجأت السيدة إلى أحد الجوامع للمكوث هناك، أودعت طفليها عند امرأة لتعود إلى منزلها بحثاً عن زوجها بين المفقودين. وللأسف اكتشفت موته بعد يومين من الانتظار، حيث وجد رجال الإنقاذ جثته وقاموا بإخراجها من تحت الأنقاض ووضعها في مكان موحد للتعرف على هوية المفقودين من الأهالي والأقارب.
وفي قصة مؤلمة أخرى، رضيعة لا يتجاوز عمرها الساعات كانت سبباً بنجاة أسرتها والخروج قبل انهيار المبنى في ريف جبلة، تتحدث أم محمد عن تفاصيل فجر الزلزال: “ولدت حفيدتي قبل يوم واحد من وقوع الزلزال، كانت تصر على عدم النوم والرضاعة طوال الليل، فكانت تبقينا مستيقظين، لذلك كنت أسهر على راحة ابنتي وتحضير الطعام المناسب لها، عند خروجي من المطبخ شعرنا جميعاً بالأرض تهتز من تحت أقدامنا، هرعنا إلى الخارج بملابسنا”. تتابع حديثها: “ما هي إلا لحظات حتى انهار البناء وتداعت البيوت، حصل الأمر في ثوان سريعة، لو كنا نياماً لمتنا جميعاً أو كنا تحت الأنقاض”.
من جانب آخر، تصف الناجية صفاء تجربتها في الفرار من سقوط المبنى الذي تقطنه في حي صلاح الدين بمدينة حلب: “كان الناس يصطدمون ببعضهم البعض أشبه بتدافع السيل الذي لا يتوقف، أن تتوقف عن الركض للحظات يعني أن تقلل من فرصة نجاتك”. نجت صفاء مع أطفالها الثلاثة وزوجها ووالدته، وعن تفاصيل ليلة الزلزال، تضيف قائلة: “عند الساعة الثانية ليلاً شعرنا بهزة خفيفة، لم نشعر بالخوف حينها لأننا اعتدنا على الهزات المستمرة التي تحدث عادة، لكن عند حلول الرابعة فجراً بدأت تشتد ليهتز المنزل يميناً ويساراً، خرجت حافية القدمين وأنا أحمل طفلتي ذات الأشهر الستة بينما حمل زوجي البقية وساعد والدته في الإسراع بالخروج”.
تتابع حديثها: “كنت خائفة من فقدان أطفالي وزوجي، كنا نركض كالمجانين بدون وعي، هبط البناء بأسره ليستحيل إلى رماد وغبار، 40 ثانية تعادل 12 عاماً من الحرب والخوف”.
أما ريم فتصف ليلة ٦ شباط كمشهد ظنت أنه قد يكون الأخير في شريط حياتها: “طوقت رضيعتي بقوة، ثم عانقنا زوجي بملء ذراعيه، بينما كان السرير يتأرجح بنا وجدران المنزل ترتجف من حولنا”. نجت ريم بأعجوبة، حيث تمكنت مع أسرتها من النهوض والخروج قبل وقوع الهزة الثانية بفارق دقيقة، وتقول عن تجربتها لـ”صالون سوريا”: “كنا نائمين وفجأة شعرت بالبيت يرتج من حولنا، للوهلة الأولى ظننت أن المنزل يتداعى نتيجة التشققات الحاصلة في أعمدته وذلك لوقوعه في العشوائيات وتعرضه لجحيم القذائف طوال سنوات الحرب، لكن اتضح أنه زلزال حين نادى الجيران بذلك وتيقنوا من الأمر”.
انقطعت سبل ريم للوصول إلى محطة آمنة في دمشق، وعجزت عن إيجاد مقعد شاغر في وسيلة نقل بسبب الازدحام الكبير، لتضطر إلى المكوث في الحديقة لثلاثة أيام متواصلة في ظل ظروف جوية قاسية عليها وعلى رضيعتها التي لا يتجاوز عمرها الشهر. وتصف مأساتها: “لم نجد أي باص أو سيارة أجرة متوفرة، كادت ابنتي تتجمد من البرد القارس حتى استحال لون جسدها إلى أزرق، كان زوجي يجمع أغصان الشجر للتدفئة وكسر حدة الصقيع”.
تلازم ريم مشاعر الخوف والرعب كل الوقت بعد مرور أكثر من 10 أيام على الكارثة، وتصف الناجية لحظات الزلزال بأنها الأكثر ذعراً على الإطلاق: “مشهد اهتزاز الأرض وانشقاقها وكأنها على وشك ابتلاعنا يفوق رعباً أصوات القذائف وأنين الرصاص، لا تعرف إلى أين ستذهب بنفسك، فالأرض برمتها ترتعش وتتحرك من تحت قدميك، تُذَكر ولا تُعاد”.
بواسطة نادر عقل | فبراير 15, 2023 | العربية, مقالات
يعيش المرء بصفته سوريّاً في بلاده، من أجل تحقيق غاية واحدة وحيدة، وهي أن يتدرّب على الموت بأنواعه المختلفة، ذبحاً وتفجيراً وجوعاً وبرداً، وأخيراً أن يتدرّب على أن تبتلعه الأرض، ليكتمل المشهد المأسويّ الفريد، ليحكي قصة شعبٍ مزّقته الفتن الطائفية والصراعات العرقية والحروب الداخلية والتواطؤ الدوليّ وانهيار مفهوم الدولة إلى أدنى الدرجات التي عرفها التاريخ، ليتوِّج ذلك كلّه غضب إلهيّ أو طبيعيّ حصد أعداداً هائلةً من الضحايا، شيباً وشُبّاناً-نساءً وأطفالاً، ولا تزال هذه الأعداد تزداد على نحو مطّرد لتزيد مع زيادتها الأهوال والمآسي والفواجع.
إنَّ من يعاين حقيقة الأحداث، ويتأمّل على نحو معمّق في هذه الكارثة، ليس في وسعه أن يستنبط إلا فكرة جوهريّة رئيسة، وهي أنَّ الشعب السوري في حلب أو اللاذقية أو إدلب وغيرها من المحافظات السوريّة قد سرت فيه، فرداً فرداً، مشاعر متجانسة أو واحدة في كيفيتها، وهي أنَّ شعباً وحّده الألم لا يجب أنَّ تفرّقه العقائد والإيديولوجيات وفساد السُّلطات.
لكن ما يثير غضب كلّ سوريٍّ الآن هو وجود عجز كبير-على المستوى الأهليّ-في إمكانية تقديم أي مساعدات للمنكوبين، إذ لا يقدر المواطن السوريّ الآن على أن يسدّ رمقه ورمق أطفاله، فكيف يمكن له أن يقدم يد العون لأبناء جلدته من المصابين والمشرّدين من الذين هُدِمت بيوتهم؟
إنَّ المجتمع الأهليّ شبه عاجز الآن عن المساعدة؛ ولكن رغم ذلك نجد مبادرات يمكن وصفها بأنها فدائيّة بكلّ معنى الكلمة، إذ نجد المئات من المواطنين الشرفاء قد تعاونوا، بعضهم مع بعض، على نحو يدعو إلى الاعتزاز.
نزل بعض أبناء ريف الساحل-بما أنَّ الريف كان أقل تضرّراً-إلى مدينة جبلة المنكوبة ليساعدوا في رفع الركام عن الأبنية، ومنهم من يمتلك آليات مثل الجرّافات (بلدوزرات) أو الشاحنات (عربات نقل ثقيل) وإلى ما هنالك؛ ولكنهم غير قادرين على تزويد هذه الآليات بالوقود، فانبرى أبناء مدينة جبلة ليزودوا آليات هؤلاء القادمين من الريف بالوقود، من أجل أن يباشروا عمليات الإنقاذ في الأحياء المتضررة. لقد كانت مبادرة شعبيّة بكلّ معنى الكلمة ولم يكن قد مضى على وقوع الزلزال ساعة أو أكثر بقليل، كما أنَّ المتطوعين من الريف والمدينة استطاعوا أن يبادروا مباشرةً إلى تكوين فريق تحرك بجدارة على أرض الواقع، وبدأ العمل بإزاحة الركام، وإخراج الجثامين، والناجين من تحت الأبنية، ومن ثمة قامت السلطات المحلية بالتدخل وفقاً لإمكانياتها المحدودة.
ولكن في الحقيقة ورغم هذه الجهود وما تبعها من دخول فرق إنقاذ خارجية من جزائرية ولبنانية وعراقية وغيرها؛ إلا أنَّ الجهود غير كافية في مدينة جبلة، إذ عملية انتشال الجثث من الضحايا، كانت بطيئة جداً، وهذا أمر تقتضيه عملية البحث عن المصابين من الأحياء، فأي استعجال يمكن أن يؤدي إلى وفاة المحاصرين من الأحياء تحت الأنقاض، ولكن البطء في العمل أدى إلى استخراج جثث بدأت بالتحلل وفاحت منها رائحة الموت، وهذا أثّر على نحو سلبي في مشاعر ذويهم وأصدقائهم. فهناك عمليات انتشال لعشرات الجثث، من شباب وشيوخ وأطفال، وأبناء وأمهات، وتجد في هذه المشاهد انتشال أمٍّ تحضن طفلها وقد توفي كلاهما في مشهد مؤثّر إلى أبعد حدّ.
هذا، إلى أنَّ الذين خسروا بيوتهم في جبلة يعيشون حالة قاسية جداً، إذ توزّعوا على أمكنة متعددة، في بيوت أقربائهم وأصدقائهم والمساجد والفنادق والصالات…، ولكنهم يعانون من نقصان كبير في الأدوية والتدفئة والطعام.
ونجد هذه المشاهد القاسية نفسها تتكرر في مدينة اللاذقية، إذ حدث انهيار هائل في الأبنية، ترك وراءه مئات الضحايا، ريفاً ومدينةً، فحجم الدمار الكبير، وتراكم الأنقاض، كوّن في الاحياء السكنيّة كتلاً إسمنتية أشبه بسجون، حُبِسَ الناس داخلها، منهم من توفي ومنهم من بقي حياً؛ ولكن التباطؤ في المبادرة وضعف الإمكانيات وقلّة الخبرة أدى من دون شك إلى تعقيد الأمور.
وعليه، إنَّ ما يثير الحزن سواء أكان ذلك في اللاذقية أم غيرها من المدن السورية المنكوبة هو ظاهرة هذه السجون الإسمنتية التي خلّفها الزلزال، إذ بقي عدد من الناس أحياء تحت الركام، مسجونين في بيوتهم، وقد سُدّت عليهم المنافذ كلّها، ولا يمكن وصول فرق الإنقاذ إليهم بسبب الركام الكبير المحيط بهم، فبقي هؤلاء الناس بين الموت والحياة. والحقيقة أنه توجد بين هؤلاء الناس أنفسهم حالات تحرّك الوجدان الأسيان، إذ تعرّض الكثير من المحاصرين تحت الأنقاض إلى كسور ورضوض وإصابات، ورغم ذلك عانى هؤلاء الناس من البقاء أحياء في أمكنة أشبه بالتوابيت، وهم لا يعرفون مصيرهم، إذ ترى ضمن عائلة واحدة في منزل منهار أحد الناجين ليخبرك أنه بقي مدة يومين أو أكثر محاصراً بين أجساد الموتى من أفراد عائلته، فما أشدّ صعوبة وقسوة وألم هذه المعاناة المريرة!
إنَّ الجهود المبذولة الآن تتركز على إنقاذ الناجين-إن وجِدوا-وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض، وتتضافر جهود عديدة من أجل تحقيق هذه الغاية؛ لكن المشكلة الكبيرة في هذا الاتجاه هي أنَّ انهيار أبنية مكوّنة من طوابق عديدة يقتضي استغراق عدة أيام في إزاحة الكتل الإسمنتية والحديد وإلى ما هنالك، وهذا يقلل من فرص نجاة الذين بقوا أحياءً. وهناك ملاحظة مهمة في هذا المنحى وهي أنَّ بعض المنقذين لاحظوا على أساس استقراء واقع الأبنية المنهارة أنه في كلّ بناء منهار يوجد فيه حيّز معيّن تتجمّع فيه جثامين الموتى أو يمكن أن يوجد فيه أحياء، وهذا يدلّ على أنَّ الناس أثناء وقوع الزلزال وانهيار الأبنية قد اتجهوا حسب سُكناهم في كلّ بناء إلى حيّز وجدوا فيه أماناُ من سقوط الركام، وهذه قضية تستحقّ كل اهتمام من المتخصصين.
ولا شك في أنَّ انهيار الأبنية في جبلة واللاذقية-وهذا ينسحب على المحافظات المتضررة الأخرى-يرجع إلى سببين: الأول، نوع التربة، فيمكن أن تكون التربة ضعيفة غير قادرة على الصمود أمام هبوط أو سقوط الصفائح التكتونية المسببة للزلزال. الثاني، هو عدم إنشاء الأبنية وفقا لمواصفات الأبنيّة المقاومة للزلازل، علماً أنَّ منطقة الساحل السوريّ هي منطقة زلزاليّة.
وتطال المأساة محافظة إدلب، والمعاناة فيها كبيرة جداً، تحديداً مدينة إدلب وفي ريفها الشمالي، وفي مدن مثل جسر الشغور، وسلقين، وعزمارين، إذ يوجد مئات الناس في العراء من دون مأوى، في ظروف مُناخية من برد شديد ونقص كبير جداً في مياه الشرب النقيّة والطعام والأدوية، هذا إلى أنَّ المنازل متصدّعة غير صالحة للسكن، علاوة على أنَّ الهزات الارتداديّة دفعت الناس إلى الفرار من منازلهم إلى الحقول والبساتين والغابات ليجعلوا سُكناهم تحت الأشجار، ليحموا أنفسهم من الثلوج والأمطار، ولذلك يوجد نقص كبير في مراكز الإيواء، ويحتاج الناس هناك على وجه الخصوص في الريف إلى مساعدات فورية أهمها: الخيام والأدوية والألبسة والوقود وإلى ما هنالك.
ونجد في إدلب مبادرات إنسانية رائعة، فهناك مطاعم أغلقها أصحابها وحولوها إلى مراكز إيواء للمنكوبين، وقدّموا لهم كلّ ما يقدرون عليه من مساعدات، فضربوا بذلك مثلاً رائعاً في الشهامة وسمو الأخلاق، ويوجد كثير من هذه النماذج تُعيد لنا الثقة الكبيرة باستعادة الإنسانيّة المفقودة.
لم يترك الزلزال حلب أيضاً؛ بل كانت الخسائر فيها كبيرة، ولجأ كثير من الناس إلى الجوامع والمدارس والحدائق والشوارع، بعد أن خسروا منازلهم، ويعانون معاناة كبيرة بسبب نقصان اللباس والطعام والشراب والأدوية، ولكن لا يعرف المرء ماذا يقول للمسؤولين عن أناس لا يوجد لهم مكان ليعيشوا فيه، وتنتابهم مشاعر اليأس من القيام بأيّ مبادرة حقيقية نحوهم. فكيف يمكن تسويغ تركهم من دون مأوى، ولو لساعة واحدة؟!
ولا شك في أنَّ المساعدات العربية والدوليّة المقدمة ليست في حقيقتها مساعدات جوهريّة، وإنما هي مساعدات مؤقتة تقتصر على الأدوية والطعام واللباس وما يجري هذا المجرى، ولن تسهم هذه المساعدات في حل مشكلة المنكوبين؛ لأنَّ أهم مساعدة لهم هي تأمين منازل لهم عوضاً عن منازلهم المهدّمة؛ ولكن في هذه الظروف يبدو هذا الأمر حلماً بعيد التحقيق، ولذلك يُخشى أن تتفاقم أزمة قاهرة لاحقاً تتعلّق بوجود فئة من المجتمع السوري تعيش من دون سكن!
إنَّ الحقيقة التي لا يمكن نكرانها، وتقود الإنسان إلى يأس كبير محفوف بالقهر هو أنَّ هناك أناساً في المحافظات السورية المنكوبة فقدوا بيوتهم، وأصبحوا بلا سكن، ولا يمكن لهم في هذه الظروف الكارثية البغيضة التي عصفت وتعصف بسوريا، أن يعيدوا بناءها، ولا يوجد أمل بإعادة بنائها في واقع داخلي متمزّق، ومحيط دولي يغرز براثنه في أحشاء بلاد تنهار.
بواسطة أسامة إسبر | فبراير 12, 2023 | Culture, Poetry, العربية, بالعربية, غير مصنف
حين جئْنا إلى الحياة
وُلدْنا على خط الزلازل،
وكبرنا على خطّ الحروب
ومنذ الولادة والأرضُ التي تحتنا تميدُ بنا،
والبناياتُ التي نعيش فيها تتأرجح
كأنها مبنية في الفراغ.
يأتينا الضوء بالقطّارة
والظلام كنهر أتشيرون.
دوماً نسير على حبل البهلوان
ونتعجّب كيف نتوازن طيلة الوقت فوق الهاوية
وهي تقول لنا بصوت ساخر:
أينما توجهتم فأنا تحتكم!
وحين تنشقّ الأرض غاضبةً وتبتلع كل شيء
حين يشهر التاريخ مخالبه
ويمزّق قطعاً من الخريطة
حين تكشّر القوة عن أنيابها
وتقضمُ حديد البنايات ورؤوس البشر
تأخذ المسرحية أبعادها
في انفجارات متتالية
في تدافع جنوني
في انزلاق أبله للصخور
في شقّ كأنه شدقُ الجحيم
في طيش في باطن الأرض
يخطر أيضاً في رؤوس بشرية
تتكسّر الأجساد فوق صفائح الطغيان
ويحطّم الاهتزاز الأعمى جدران الأرض.
أيتها الصفائح التكتونية الكبيرة التسع
أيتها الصفائح الصغيرة الاثنتا عشرة
التي تضمنا جميعاً بذراعين صخريتين
وتتحرك بطيئة فوق وشاح الأرض
أيتها الأحجار التي تسحق رؤوساً،
أيتها الأنقاض التي تدفن أجساداً
أيتها الرصاصات والانفجارات التي تدوي
يا صنّاع الحروب والفقر
نحن هنا،
على قشرة الكوكب
نركض بين الاهتزازات هاربين
من كوى في الكتب المقدسة
من شقوق في الشعارات
من فجوات في العقائد
من ثقوب في الرايات
الأرض تغلي تحت أقدامنا
خلفنا تركض الموجة العالية
وتحتنا تتطوح الصخور
في رقصة سقوط تستمر أربعين ثانية.
بواسطة أسامة إسبر | فبراير 10, 2023 | Cost of War, Poetry, العربية, غير مصنف, مقالات
(شذرات وأقوال)
-١-
من يتطوعون لإنقاذ الآخرين، ويهرعون إلى نجدة الضحايا والمحتاجين، هؤلاء هم أبطال الحياة الحقيقيون. الضوء الذي يتوهّج من أيديهم يعري رجال السياسة ورجال الدين والكذب الذي صار الروح المحركة لوجودنا.
يندفع الأبطال وسط الأنقاض غير آبهين بالخطر كي ينقذوا حياة الآخرين لأنهم يعرفون قيمة الحياة الإنسانية، ولهذا يحق لهم أن يقودوا المجتمع لأنهم بتطوعهم يعلموننا درساً عظيماً في السياسة ألا وهو أن المهمة الإنسانية الأنبل هي إنقاذ الإنسان من كل ما يستهدف وجوده وإنسانيته، في وقت تعمل فيه كل السياسات العربية على تحويله إلى رقم خاضع ومدجن.
-٢-
حين تنشبُ الحرائق ولا نقدر على إطفائها، حين تضربُ الزلازل ولا نقوى عن رفع أنقاضها، حين تتمدد الحروب ولا نستطيع احتواء نتائجها، حين يُخْترق الفضاء وتُقْضم قطع من الأرض ويُعاد رسم الخريطة ولا نجرؤ على رفع رؤوسنا، ألا نستطيع التساؤل: لماذا عجزنا على امتداد أكثر من نصف قرن عن بناء مؤسسات تكون جاهزة للعمل في اللحظة التي يتعرض فيها الشعب لخطر وجودي؟
-٣-
أحزاننا تفيض كالينابيع وقلوبنا مقهورة. أعيننا تفتش الأنقاض بحثاً عن أية علامة، وآذاننا تصغي. لقد دُفنت البيوت تحت الركام، البيوت المنكوبة، البيوت المهزوزة والمردومة والتي تبدو كفلول جيش من الإسمنت محطم ومهزوم.
-٤-
تغزونا صور الأنقاض: أنقاض مدن دمرتها الانفجارات ثم جاء زلزال كي يضع ختمه على الفاجعة، لكن النبل الإنساني يتجلى في أوقات الكوارث لدى من يعرف أن الضحايا أينما سقطوا على الخريطة، وكيفما كان شكل قتلهم، هم أعضاء بُترت من جسده، وصورهم تسكن في قلبه وتظل حية فيه.
-٥-
لي أصدقاء في أنطاكيا، وفي كل المدن المنكوبة، منهم من عاش ومنهم من لا أخبار عنه.
قال لي صديق من أنطاكيا على الهاتف: لقد متُّ وانبعثتُ إلى الحياة. وبوسعك أن تقسم حياتي الآن إلى حياة قبل الزلزال وحياة بعده.
-٦-
مات صديق لي في جبلة تحت الركام هو وزوجته، حين رُفعت أنقاض البناء الذي كان بيتهما فيه وجدهما رجال الإنقاذ متعانقين. هذا العناق، هذا الحب وسط الكارثة، زرع روحاً جديدة في حياتنا تهزم الموت، وهذا ما نحتاج إليه كي ننقذ أنفسنا.
-٧-
العنصريون ينمون كالفطر في العالم، وثمة كثيرون يمارسون العنصرية حتى دون أن يعوا ذلك في طريقة استخدامهم للغة. هناك عرب يعيشون في أمريكا أعرفهم شخصياً يطلقون على السود اسم العبيد دون خجل. وثمة في تركيا من يحتقر الناطقين بالعربية، ووصل الأمر إلى جرائم قتل ضد السوريين، وتجاهلهم تحت الأنقاض.
في أوقات الكوارث لا تخبو نار العنصرية، ويصبح إنقاذ الآخرين من الموت معتمداً على مرتبتهم القومية. إن هذا النوع من العنصرية الذي ينتشر بيننا وبين شعوب كثيرة مجاورة دليل على أن الحجر قد يكون أفضل من الإنسان أحياناً، كما قال أبو العلاء المعري:
أفضل من أفضلهم صخرة
لا تظلم الناس ولا تكذبُ.
-٨-
إلى طفلة عُثر عليها حية تحت الأنقاض:
كان وجهكِ عينين فقط، رأيتُ بهما كيف اتخذ الموت شكل الأنقاض.
كان الموت أيضاً أجسادنا التي تقف بعيداً وتتفرج
غير قادرة على فعل أي شيء.
-٩-
بعد الموت عصّة قبر، قال كثير من السوريين.
بعد الموت يعضّك القبر،
يسحق صدرك، يفتتك، يخلطك بالتراب.
إلى حياة محاصرة،
إلى حياة من الفقر والضيق والنزيف
في خريطة أدمتها الحرب والتهمت قطعاً منها
سكانها على حافة الهلاك
أتى الزلزال ليوقّع لوحة تحمل اسم:
الموت لا يأتي بالتقسيط.
-١٠-
الذين نسُيوا تحت الأنقاض،
جرح لن يندمل في الذاكرة،
سينزف كلما تذكرنا ما حدث.
-١١-
رائحة الموت تفوح بين الأنقاض.
جندريس،
على أطلالك لا تعرف العين أين هي
أو إن كانت عمياء أم مبصرة،
والشاشة التي تعبر فوقك ليست صهوة.
جندريس،
فوقك كان الفراغ يجهش بصوت الريح
والسماء تبكي وتذرف قطرات المطر.
-١٢-
حلب،
عمارات كثيرة مضعضعة.
الشقوق في الجسد الإسمنتي
جراح في الأجساد
طعن في الأرواح.
المدينة مثخنة بجراح وكدمات غيرت ملامح وجهها.
لكن لها جذوراً في القلوب لا تتوقف عن النمو.
حلب،
زائر آخر في مطلع الفجر
يُركع المدينة
ويكسر عظماً آخر في ظهرها.
-١٣-
جبلة\اللاذقية
كان المطر غزيراً،
الظلمةُ تسيل داخلة من النوافذ المحطمة،
والبَشَرة تتجلد.
كان البحر خريطة مطفأة
والجبال تندب أشجارها.
فوق أنقاض بيوت هدمها الزلزال،
كانت الريح تخمد الأصوات
وهي تحملها بعيداً.
-١٤-
إن قدرة الدول سواء الكبرى أو الصغرى على تدمير الحياة أعلى بكثير من قدرتها على الحفاظ عليها وحمايتها.
تمارس الدول الكبرى فحولتها باستعراض عضلاتها العسكرية من خلال صواريخها الفرط صوتية وطياراتها الشبح أو المسيرة ورجالها الآليين وقنابلها وقاذفاتها الاستراتيجية. بضغطة واحدة على الزر تتغير مصائر وتولد مراحل جديدة، وفي هذا السياق تتحول الثقافة المكتوبة والمنطوقة إلى تعليق على السياسات القاتلة التي هي توأم للزلازل.
الطبيعة تقتل من دون عقل، فيما العقلُ البشري يوظّف نفسه في خدمة القتلة. إن نظرة فتاة مأسورة بين الأنقاض تخترقنا وتصل إلى تلك النقطة من تحللنا الإنساني ككائنات للتنوير، زعمت مرة أنهم امتداد لله.
إننا الآن صفر ممتلئ بنفسه حتى التخمة وملغم في كل أطرافه وعلى وشك الانفجار وتفجير الكوكب.
-١٥-
ليست الزلازل من يدمّر ويقتل فحسب. إن من يمهد الطريق لفتكها الأشدّ مهندسون يمررون كرة الخديعة كي يسجلوا هدفاً في مرمى الفقراء، ومتعهدون لاعبون في فريق الخداع نفسه، وقضاة تصطبغ ثيابهم بالدم، ومحامون ينحازون إلى صف المجرمين.
-١٦-
مدننا مصابةٌ بأمراض مزمنة، أحدها التورم الخرساني السرطاني القائم على أسس واهية، ولهذا نشعر أننا نعيش معلقين في الفراغ، ودوماً على وشك السقوط.
-١٧-
لا توجد إنسانية صرفة تجمعنا على ما يبدو، حتى المساعدات للمنكوبين تحت راية ما يُسمى بالتدخل الإنساني يُشاع أنها تتم داخل معادلة: معي أو ضدي.
-١٨-
ينهار البناء كأن تدميره مدروس. يتقوض بعينه ضمن دائرته الهندسية كأنه اختير كي يُدمّر، ويتداعى ساقطاً لوحده على من فيه، كما لو أن الزلازل تقصف بصواريخ موجهة. هل هذه مصادفة؟ أم أن الموت ينتقي؟ أم أن العشوائية العمياء والمدمرة تأخذ أحياناً شكلاً منطقياً؟
-١٩-
نخسر أصدقاء مقربين وأشخاصاً لا نعرفهم، ونعلن تضامننا مع الذين علقوا تحت الأنقاض. إنهم ينتظرون تحت إسمنت وجودنا المفتت، تحت أنقاض حياتنا اليومية، عالقين هناك والأمل بأن تُفْتح فجوة ويبزغ ضوء وتعاود الحياة وصل شرايينها المقطوعة يحوم فوق المشهد كطائر مذعور.
-٢٠-
سكنتُ في غرف وشقق في دمشق كانت كلها على القائمة السوداء للزلازل. هزة خفيفة في قشرة الأرض كانت كافية لتحويلها إلى أنقاض، فتخيلوا الأمر إذا حدثت هزة قوية. لا شك أنها ستتحول إلى ذرات لامرئية في ريح الدمار. نعيش حياتنا دوما على شفا جرف هار، ونتوهم أننا سعداء.
-٢١-
لا حاجة للتنبؤ بالزلازل وبوقت حدوثها وبالجدل الذي لا طائل منه. ما نحتاج إليه هو مهندسون يبتكرون حلولاً معمارية لمواجهتها وسياسيون يؤمنون بأن هدف السياسة هو خدمة الإنسان، وبأن توزيع الثروة والحياة الكريمة والمنزل الآمن والحرية والدخل الكافي وجواز السفر المحترم هي البنود الأساسية على أجندتهم الانتخابية.