حول العنف المتواصل في سورية

حول العنف المتواصل في سورية

في كل مرة تنتشر فيها مشاهدُ انتهاكٍ جديدة، يتصرف السوريون كما لو أنهم يكتشفون البلاد من الصفر. يشتعل الغضب، تتكاثر التعليقات، ترتفع اللغة، ثم يعود كل طرف إلى مكانه القديم. المشكلة تكمن، ربما، في الطريقة التي يُعاد فيها استخدام الصورة لتفادي الأسئلة التي لا مهرب منها: من صنع هذا العنف؟ كيف استقر في حياتنا العامة؟ ولماذا تعود أشكاله نفسها مهما تغيّرت الرايات؟

الناس يرون ما يريدون رؤيته. الصورة المريحة تُنقذ صاحبها من مسؤولية النظر إلى البنية التي تُنتج الجريمة ثم تُكرّرها. ولهذا تبدو إضاءة مشاهد الانتهاكات، أحياناً، جزءاً من المشكلة. الفضيحة السريعة، الفيديو المقتطع، والسجال الذي يشتعل ثم ينطفئ، لا يفتح باب الفهم، ويؤجّل مواجهة العلّة. وبين موجة وأخرى، يتكوّن عنفٌ من نوع مختلف: عنف الخطاب. تُوزَّع الإدانة وفق الهوية قبل الوقائع، وتُستعار مفردات قبول الآخر ثم تُستخدم للانسحاب من أي مسؤولية عامة. حتى من عاشوا سنوات طويلة داخل خطاب الأسدية أو استفادوا من صمته، يعودون إلى الكلام عند ارتفاع وتيرة العنف، وهم يرمون السؤال نحو الثورة من موقع المتفرّج: “هل هذا ما تريدينه من سورية؟” فيما السؤال الذي لا يُطرح كفاية هو: أين كان هذا الصوت حين كانت تُصنع شروط العنف وتُراكَم؟

من هنا تشتعل حرب الميديا الطائفية بين حين وآخر. لا تحتاج هذه الحرب إلى قرار سياسي كي تعمل؛ يكفيها جمهورٌ متوتر، وذاكرةٌ مثقلة، ومؤسساتٌ رخوة. تتحول السياسة إلى شاشة، والناس إلى جمهور، والبلد إلى سباق بين روايات متقابلة. تُعاد تعبئة الغضب في قوالب جاهزة؛ طائفة ضد طائفة، منطقة ضد منطقة، ضحية ضد ضحية. وفي كل مرة تتسع هذه السوق، تضيق مساحة المحاسبة الجدية. المحاسبة تتطلب تحديد مسؤوليات وأسماء وسلاسل قرار، بينما الميديا الطائفية تفضّل توزيع الكراهية لأنها أسرع وأربح.

وقد عزّزت هذه القابلية الصراعاتُ العسكرية بين جيش نظام بشار الأسد وقوات المعارضة السورية. كانت حرباً زادت العنف كثافة ووضوحاً، لكنها لم تخترعه. ما حدث في السنوات الماضية كان تتويجاً لمسار طويل: دولة تربّت على إدارة المجتمع بمنطق التعبئة والضبط، ومعارضة دفعتها أبواب السياسة المغلقة إلى أشكال تنظيم أكثر حدة. منذ عقود، عاشت سورية تحت نظام يعامل السياسة كخطر، ويعامل المختلف كملف أمني. وصُمِّمت التنظيمات الحزبية والطلابية لصناعة الامتثال. بمرور الوقت، تراجع الكلام عن الشراكة في السلطة، وتقدّم منطق الطاعة، وصار المجال العام مساحة اختبار ولاء أكثر مما هو مساحة حقوق.

حين جاءت لحظة الاحتجاج الكبرى في آذار/مارس 2011، دخل السوريون ساحة غير متوازنة منذ البداية. الشارع خرج بمطالب سياسية واجتماعية واضحة، وبلغةٍ مدنية في أيامها الأولى، لكن الدولة ردّت بعُدّةٍ أمنية ثقيلة: اعتقالات واسعة، إطلاق نار، ثم توسّع سريع في القمع. من درعا، حيث بدأت الحكاية من إهانةٍ واعتقالٍ وتعذيبٍ على خلفية شعارات كتبها أطفال، إلى حمص التي تحولت باكراً إلى عنوان للحصار والقصف، إلى حماة التي حاولت استعادة معنى السياسة في الشارع قبل أن تُطوَّق من جديد؛ كانت الرسالة واحدة؛ لا مساحة للاعتراض خارج تعريف السلطة.

ومع انسداد الطريق أمام تسوية داخلية، تمددت فوضى السلاح، وتداخلت الأطراف، وتكاثرت التشكيلات المسلحة والميليشيات، واتسعت الضغائن. عند هذه النقطة أصبح العنف لغة تفسير وتبرير، ومعياراً لتوزيع الشرعية داخل المعسكرات نفسها. وفي هذا المناخ ظهرت قوى قادرة على التنظيم السريع، بعضها حمل خلفيات دينية متشددة، وامتلك أدوات تعبئة جاهزة تقوم على ثنائيات حادة، سرعان ما أثرت في طريقة فهم السياسة وإدارة المجتمع، وفي تعريف العدو والحليف وحدود المسموح داخل المجال العام.

ومن المهم تذكّر أن جرَّ السياسة إلى العنف ليس وليد العام 2011. صدامات الستينيات، ومنها أحداث حماة 1964 في ظل توتر البعث مع الإخوان المسلمين، كانت علامة مبكرة على نمط يتكرر؛ احتجاجاً يتمركز حول فضاء اجتماعي-ديني، ودولة تتعامل معه بوصفه خطراً أمنياً، ثم يقترب الخصوم خطوةً بعد خطوة من خيار المواجهة المفتوحة. لاحقاً، في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ترسّخ هذا المسار أكثر؛ كلما ضاقت السياسة واتسعت قبضة الأمن، ازداد ميلُ جزءٍ من المعارضة إلى السرّية والتشدد، وازداد ميل الدولة إلى الحلول القصوى. هكذا تُترك البلاد بلا أدوات وسيطة تحمي السياسة من الانهيار؛ أحزاب حقيقية، نقابات مستقلة، قضاء قادر، وإعلام يشتغل بوصفه رقابة لا تعبئة. وعندما تُلغى الوساطة، يصبح العنف خياراً قابلاً للتكرار لأنه يعمل في الفراغ الذي تتركه السياسة الغائبة، ويجد دائماً من يبرره ومن يورثه.

داخل هذا كله، يُصبح مثال مثل حمزة الخطيب أكثر من حادثة. الجريمة تقول شيئاً عن سلطة ترى في المجتمع رعايا يجب كسرهم حين يرفعون صوتهم. والصدمة التي أحدثتها الجريمة تقول شيئاً عن مجتمع لم يعد يجد طريقة لتثبيت معنى العدالة سوى تحويل الجريمة إلى رمز. ومع الرموز، تتراكم طبقات من الغضب. ومع الغضب، يتراجع العقل البارد الذي يحتاجه بناء السياسة. هكذا تتوسع المسافة بين الإدانة وبين المسؤولية.

في هذا السياق تبرز الذكورية كقواعد عمل، أكثر منها كعنوان اجتماعي. الذكورية هنا تظهر في طريقة إدارة المرحلة الانتقالية؛ لغة الهيبة، أولوية الردع، الحساسية المفرطة تجاه النقد، وتحويل السياسة إلى امتحان ولاء. يظهر ذلك في ميلٍ إلى تفضيل الانضباط على الكفاءة، وتقديم الأمن على النقاش، واعتبار المساءلة تشكيكاً. وتظهر أيضاً في تراث معارضات دينية متشددة صعد فيها الرجال كقادة وحراس للشرعية، فصار نموذج القيادة أقرب إلى صورة الأمير أو الشيخ القادر على الضبط، لا صورة المسؤول الخاضع للرقابة العامة.

وحين تجتمع عقلية الدولة الأمنية مع إرث التعبئة الدينية المتشددة، تُنتج إدارة تفضّل السيطرة على التمثيل. تظهر هذه الإدارة في قواعد العمل قبل الخطب؛ في تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة، في توسيع معنى الخطر حتى يشمل الرأي واللغة والموقف، وفي تحويل الاختلاف إلى ملف. وتظهر في المجال العام عبر أدوات لا تحتاج إلى مؤسسات رسمية: تسريبات، لوائح اتهام، حملات تشهير، ومنصات تتحول إلى محاكم سريعة. يكفي مقطع مبتور أو صورة خارج سياقها لتُبنى حولها قصة كاملة، ثم تُعاد هذه القصة كمعيار للفرز: هذا معنا، وهذا ضدنا. ومع الوقت يصير الخوف سياسة يومية، وتصبح الهوية أداة تنظيم أسرع من القانون.

السؤال، في النهاية، لا يتعلق بالعنف وحده. يتعلق بما إذا كان السوريون قادرين على إنتاج معنى مشترك خارج العنف. ما يجمعهم هو اتفاق على المسؤولية؛ عدالة تُعرّف الجريمة وتحدّد مرتكبيها وسياقها، دولة تعمل بالقانون لا بالهيبة، ومجال عام يسمح بالنقد من دون تخوين. في هذا الطريق تحديداً، يصبح تفكيك الذكورية جزءاً من السياسة؛ قواعد تقيّد القوة، مؤسسات تُحاسِب، وتمثيل أوسع يفتح المجال العام أمام أصوات مدنية حقيقية، نساءً ورجالاً. لأن بلداً لا يسمع إلا صوت القوة، يعيد إنتاج القوة بوصفها قاعدة، ويترك الخلاف بلا مخارج آمنة.

مروان قصاب باشي: الوجه كجغرافيا داخلية

مروان قصاب باشي: الوجه كجغرافيا داخلية

ينتمي الفنان التشكيلي السوري مروان قصاب باشي (1934–2016) إلى جيلٍ حمل الفن من ضفاف الشرق إلى قلب أوروبا، دون أن يتخلّى عن جذوره الروحية والإنسانية. وعلى الرغم من أنه قضى أغلب حياته في برلين، فإن أعماله ظلّت تحمل أثراً واضحاً من طفولته في دمشق، ومن ذاكرته الشرقية التي تشكّلت في بيئةٍ مشبعة بالرموز والتناقضات والانفعالات.

يُعد الراحل من أبرز الوجوه في الفن التشكيلي العربي الحديث، بفضل مكانته العالمية كفنان أقام وأنتج في ألمانيا، وابتكاره لغة فنية خاصة تتسم بعمق التأمل، وتستند إلى الوجه الإنساني بوصفه نافذة إلى النفس وميداناً لصراعاتها الداخلية.

من الكلمة إلى اللون

بدأ مروان حياته متأثراً بالأدب والكتابة؛ كان يكتب القصة القصيرة والمقالة، ويهتم بالفكر والسياسة، قبل أن يتحوّل إلى الرسم بوصفه لغة أكثر صدقاً للتعبير عن مشاعره وأفكاره. درس في كلية الفنون الجميلة في دمشق، قبل أن يسافر إلى برلين في الخمسينات لاستكمال دراسته في أكاديمية الفنون، وهناك سيبدأ مشروعه الكبير.

في بداياته، تأثر بالمدارس التعبيرية الألمانية، وبالفنانين مثل بول كلي (1879-1940) وأوتو ديكس (1891-1969) وجورج غروز (1893-1959)، لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، مستنداً إلى استنباط شيء فريد من الداخل، بعيداً عن التكرار والتقليد.

لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، متجنباً التكرار، مستنبطاً من الداخل شيئاً فريداً. كان الوجه البشري في نظره أكثر من مجرّد ملامح، فهو ساحة تتحرّك فيها الروح وتتجلّى فيها الهشاشة الإنسانية.

من منتصف الستينات، بدأ برسم الوجوه بطريقة متكررة ومتصاعدة. لم تكن تلك الوجوه واقعية، ولم يكن يسعى إلى تشابهها مع الأشخاص الحقيقيين، إنما تمثيلات داخلية، غالباً بلا أسماء أو هويات، لكنها مشبعة بالألم، بالغربة، بالقلق.

تطوّر الوجه عنده من صورةٍ لملامح بشرية إلى تضاريس داخلية، أشبه بخريطة روحية. أحياناً تتحوّل ملامح الوجه إلى جبال، إلى طيات طينية، إلى خطوط متشققة كأنها جروح أو وديان. هذا التركيب المعقّد جعل من الوجوه أشبه بمواقع للتأمل، لكل منها قصة، أو ربما آلاف القصص.

كثيراً ما يُطلق على هذا الأسلوب اسم “الوجه – الجبل”، وهي صيغة خاصة به، جعلت من وجه الإنسان رمزاً كونياً. هو يجاوز نقل التعبير اللحظي، ويحفر في الباطن، يعمّق التوتر بين الداخل والخارج، بين الجلد وما تحته، وبين الأنا والآخر.

عمل مروان على اللوحة كأنها عملية نحت أو حفر، لا مجرّد رسم. كان يكدّس الطبقات اللونية الواحدة فوق الأخرى، يضيف ثم يحذف، يكشط ثم يعيد البناء، حتى تتحوّل اللوحة إلى مادة عضوية حيّة، لها جلدٌ وعمقٌ ونبض.

كان يستخدم الألوان الترابية: الأحمر القرميدي، البني، الرمادي، الأخضر الداكن، وهي ألوان توحي بالأرض، بالجسد، بالدفء والوحشة في آن. 

كأنها طين يتفسّخ

ما يميّز تجربة الفنان مروان قصاب باشي هو ارتباطها بالذات؛ ذات فردية وإنسانية في آن واحد، تعيش العزلة، الاغتراب، وقلق الهوية. ويمكن قراءة وجوهه بوصفها انعكاسات لحالة الإنسان المعاصر: غارق في داخله، عاجز عن الفهم، يبحث عن الخلاص.

في كثير من أعماله، يبدو الوجه مسجوناً في الإطار، يملأ اللوحة بكثافته، لكنه لا ينظر إلى الخارج، غارق في داخله، كأنه يبحث عن معنى أو يصغي إلى صمتٍ داخليّ لا ينقطع.

هذه النزعة الوجودية، التي تأخذ من التعبيرية الألمانية أدواتها، ومن الشرق حمولته الروحية، جعلت مروان فناناً عالمياً، دون أن يفقد خصوصيته.

في تناوله الوجه البشري كفضاء تعبيري بالغ العمق والثراء، تميّز أسلوب مروان قصاب باشي بخصوصيّة جماليّة شديدة. في لوحاته، التي تبدو وكأنها نصف وجه متآكل أو غارق في ذاته، تعبّر ببلاغة عن التجربة البصرية والروحية التي اشتغل عليها مروان لسنوات طويلة، وهي تجربة لا تبحث عن “ملامح” بمقدار ما تسعى إلى تفكيك الذات وتصوير العزلة والاغتراب والاضطراب الداخلي.

في هذا النمط من أعماله، يبدو الوجه وكأنه يتشكّل ويتلاشى في اللحظة نفسها. تختفي الخطوط الحادة التي تفصل العين عن الأنف أو الفم، ويظهر تداخل عضوي يوحي بأن هذا الوجه ليس قالباً مستقراً، وإنما كتلة تتحرّك وتتفكّك تحت وطأة الزمن أو المشاعر أو الذاكرة.

التعبير الجسدي عن النفس

العين في اللوحة مظلمة، مجوّفة، غائرة، وكأنها أداة للرؤية تتحول إلى موقع لانهيار داخلي. تبتعد عن النظر إلى الخارج، وتسحب الناظر إلى عمقها، إلى فراغٍ روحيّ. وهذا يتوافق مع فلسفة مروان في رسم الوجوه: الوجه لا يراقب العالم، ينزوي في ذاته.

ربما يمكننا القول إن هذه العين هي جسد الروح، المرهقة، التائهة، العالقة في دوّامة لا اسم لها.

لا توجد حدود فاصلة وواضحة في هذه أعماله؛ الخطوط تتلاشى، الألوان تتدفق بحرية، كما لو أن الوجه ليس سوى انفعال أو اهتزاز داخلي. هذا الانمحاء التدريجي للملامح يُشير إلى أن مروان لا يهمّه “من” هذا الوجه، بل ما الذي يشعر به، أو ما الذي يتفتّت فيه.

هنا لا توجد هوية واضحة، ولا اسم، ولا جنس حتى. فقط وجه كونيّ، يصلح لأن يكون أيّ إنسان، وفي الوقت نفسه لا أحد. هذا ما يجعل من لوحات مروان مناطق تأمل أكثر منها بورتريهات.

اللون في لوحاته مادة تعبيريّة بالدرجة الأولى؛ مروان يضع اللون كمن يضع اللحم فوق العظم، هناك شعور بأن الجلد ينساب، يتقطّع، يتحوّل إلى مزيج عضويّ، يشبه الحمم أو الدم أو الطين. هذه المادية القوية في أسلوبه تدفعنا إلى فهم اللوحة كأنها جسدٌ يعاني، لا مجرد وجه يُرسم. 

نزاع بين الداخل والخارج

ما نجده في لوحاته، تجسّد تماماً الفكرة التي طالما دافع عنها مروان، وهي أن الوجه هو مرآة النفس، وليس قالباً جمالياً. نحن لا نرى الشخص، بل حالته. هذا الوجه ليس للعرض أو للتماهي، بل هو رؤية داخلية للانهيار الإنساني، لذا لا نجد أي محاولة للتجميل أو التزيين.

مروان يجرّد الوجه من “الجميل”، ليعيده إلى طبيعته الأولى: كمنطقة نزاع بين الداخل والخارج، بين ما نُخفيه وما يتسرّب إلينا رغماً عنّا.

لوحته تجسّد وجهاً يتحوّل إلى خريطة للألم وبورتريه للغربة عن الذات. مروان يرسم فكرة الإنسان في لحظة وحدته، حين يكون مع صمته وتاريخه وحطام ذاكرته، مجرّداً من ملامح فرد محدّد.

في هذا النوع من الأعمال، يقدّم مروان القصاب باشي فنه كنوعٍ من الاعتراف البصري، كأن كل لوحة تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله. ولهذا يُعدّ بحق أحد أكثر الفنانين العرب عمقاً واستقلالاً وتجريباً، وفنان الوجوه بامتياز.

تمثّل تجربة مروان قصاب باشي حالة فريدة في الفن العربي الحديث، وربما في الفن العالمي كله. لقد حوّل الوجه من كيان خارجي إلى حقل تأمّل داخلي، وارتقى بالرسم من مجرّد تمثيل للواقع إلى فعلٍ روحيّ يحفر في النفس. فنه مُكرّس للكشف والمساءلة والغوص في المجهول، غايته تتجاوز التزيين. 

لقد صمتت يد مروان قبل حوالي عقدٍ من الزمن، لكن وجوهه ما زالت تنظر إلينا من داخل اللوحات، تنظر ولا تتكلّم، لكنها تقول كلّ شيء.

سقوطٌ بلا انتقال: لماذا انخفض سقف الأحلام بعد عامٍ من الفرح؟

سقوطٌ بلا انتقال: لماذا انخفض سقف الأحلام بعد عامٍ من الفرح؟

بعد سقوط نظام الأسد، نهض الشعب السوري بكامل طاقاته ليحتفل بتحقيق حلمه المنتظر، أُفرغت السجون من المعتقلين، استفاقت الآمال مجدداً، عاد حُلم بناء الوطن لدى كثير من السوريين الوطنين، وعاد جزء كبير ممن هجَّرهم نظام الأسد وحرمهم من زيارة البلاد لسنوات. ولكن، على الرغم من الفرح الكبير الذي عاشه السوريون، وما زال بعضهم يعيشه حتى اليوم، وبعد مرور عامٍ على السقوط، أصيب جزء كبير من الشعب بخيبة أملٍ كبيرة، وانخفض سقف الأحلام والتوقعات، بعد ما شهدته البلاد من أحداثٍ مُقلقة وخطيرة، فتحت الباب أمام جملة من الأسئلة المُلحة والمؤلمة: هل تغير واقع البلاد إلى الأفضل؟ هل تغيرت المنظومة الاستبدادية والعقلية الأمنية والسياسية التي أسقطها الشعب بثورته؟ هل ولَّى زمن التطبيل والتشبيح؟ وهل تغير واقع الإعلام  وأزيلت القيود عن حرية الرأي والتعبير؟ … الخ.

الطائفية تهدد السلم الأهلي 

بدلاً من تطبيق العدالة الانتقالية وإنصاف جميع الضحايا، وبناء شرعية سياسية عبر تفاهماتٍ وحوارات وطنية حقيقيةٍ وناجعة، تُشرك جميع مكونات الشعب، دخلت البلاد في دوامة عنفٍ طائفي دموي قد يجرّها نحو الانقسام. فَتحتَ ذريعة مُحاربة فلول النظام، ارتُكبت المجازر وعمليات القتل الطائفي خارج نطاق القضاء، بحق آلاف المدنيين العلويين في الساحل وحمص وغيرها، وهو ما أدى إلى إحداث موجات نزوحٍ داخلي وخارجي، حيث فرّ مئات المدنيين إلى القرى الجبلية النائية وقاعدة حميميم الجوية الخاضعة للجيش الروسي، ونزح جزء آخر إلى دمشق وريفها وإلى مناطق أخرى، فيما عَبر جزء آخر الحدود السورية باتجاه الأراضي اللبنانية. وحتى اليوم، لم يتمكن جزء كبير من هؤلاء النازحين من العودة إلى بيوتهم نتيجة غياب الأمان واستمرار الانتهاكات.  

 الطائفة الدرزية تعرضت بدورها لسلسلة من المجازر والانتهاكات، التي بدأت نهاية شهر نيسان، عقب انتشار تسجيل مُفبرك يُسيء للنبي الكريم محمد، أعقبه محاولة اقتحام لمدينة جرمانا، ثم اقتحام لمدينة صحنايا والأشرفية وارتكاب عشرات الجرائم والانتهاكات وعمليات القتل الطائفي، ومن ثم وقوع عدد من الاشتباكات  في محيط  محافظة السويداء التي تعرضت لعدة هجمات مسلحة من المحور الشمالي والغربي. وإثر ارتفاع حدة الخطاب الطائفي خَلت الجامعات السورية من معظم الطلبة الدروز، بعد أن تعرضوا لكثيرٍ من المضايقات والتهديدات وشعروا بخطرٍ يتهدد حياتهم.  

ولم تكد تهدأ نار الخطاب الطائفي ضد الطائفة الدرزية حتى اشتعلت من جديد، بعد أحداث تموز الدامية التي شهدتها محافظة السويداءعَقب اقتحامها من قبل قوات الأمن وعناصر من وزارة الدفاع ومن ثم أرتال العشائر التي قَدِمت بعشرات الآلاف من مختلف أنحاء البلاد.  ويوضح الواقع الكارثي الذي خلَّفه اقتحام المحافظة حجم الحقد الطائفي ونزعة الثأر والانتقام، وقد تجلى ذلك بإحراق وتدمير أكثر من 35 قرية وتهجير أكثر من 100 ألف شخص، وارتكاب مئات المجازر عبر الإعدامات الميدانية والتصفية الطائفية، والانتقام من  أبناء المحافظة وإذلالهم و معاقبتهم  من خلال حلق شوارب الشباب والشيوخ، وخطف النساء وإهانة الرموز الدينية، وغير ذلك من الانتهاكات الإنسانية التي لا يمكنها أن تُمحى من ذاكرة أبناء المحافظة. 

وقد عكست تلك الأحداث الطائفية التي شهدتها البلاد عجز الحكومة الحالية عن حماية السلم الأهلي وعن إنتاج خطاب وطني جامع يُهدئ من الاحتقان الطائفي الكامن داخل المجتمع السوري، وهو ما ساهم في زرع الشقاق بين مكونات الشعب، وجَعل مرجعيات دينية ووطنية واجتماعية في السويداء والساحل تدعو إلى الانفصال أو الفيدرالية في ظل انسداد آفاق الحلول السياسية وتعذر إيجاد أي حوار وطني مع الحكومة السورية الحالية، وهو ما قد يهدد وحدة البلاد مستقبلاً. 

الواقع الأمني 

رغم مرور عام على سقوط نظام الأسد مازال الوضع  الأمني في البلاد يعاني من خللٍ وهشاشةٍ كبيرة، إذ تستمر عمليات الخطف (خاصة في مناطق الساحل) وعمليات القتل والتصفية والإعدام الميداني خارج نطاق القضاء في مختلف أنحاء البلاد، هذا بالإضافة إلى استمرار عمليات السطو المسلح والنهب و مختلف أشكال النشاط الإجرامي، وكان من بينها سرقة المتحف الوطني في دمشق ومركز الوثائق التاريخية في قصر العظم وتمثال مار بولس من مدخل الكنيسة في باب شرقي، وذلك في ظل غياب المساءلة القانونية بحق كثيرٍ من مرتكبي الجرائم والانتهاكات. إلى جانب ذلك ارتكبت جماعات مسلحة، تتبع للحكومة الجديدة، الكثير من الانتهاكات بحق أفراد، يُشتبه في تعاونهم أو ارتباطهم بحكومة النظام البائد، شملت الاعتقالات التعسفية، التعذيب الجسدي، وعمليات الاغتيال والإعدامات، ومعظمها تمت بدافع الثأر والانتقام، في ظل غياب القوانين وتطبيق العدالة الانتقالية.

وحتى اليوم ماتزال الكثير من مناطق الساحل، وخاصة الأرياف، تشهد انتهاكات يومية ويتعرض الكثير من سكانها لمضايقاتٍ متكررة، وممارسات ابتزاز، في ظل استمرار العمليات الأمنية التي تهدف إلى فرض السيطرة بشتى الطرق على السكان المحليين الذين تأثرت حياتهم المدنية والاجتماعية والاقتصادية على نحو كبير. إلى جانب ذلك تعرضت عدة قرى علوية لعمليات تهجير قسري ممنهج واستيلاء على المنازل والأراضي، من بينها قرى كفر عقيد والعزيزية وأرزة في سهل الغاب، وهو ما يشكل استهدافًا واضحًا للسكان المحليين ومحاولات لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، يضطر كثير من سكان  القرى العلوية، التي مازالت تعيش حالة من الحذر والترقب، إلى الالتزام في منازلهم عند حلول الساعة الثامنة مساءً، تحسبًا لأي انتهاكاتٍ أو تهديداتٍ محتملة.

ورغم محاولات السلطات السورية مأسسة أجهزة الأمن والشرطة والجيش، لا يزال هناك انتشار كبير للسلاح غير المنضبط في عموم البلاد، في ظل وجود الكثير من الجماعات والفصائل المسلّحة التي تنشط خارج إطار الدولة. وإلى جانب ذلك ما زالت العقلية الفصائلية تطغى على سلوك الكثير من عناصر الأمن والشرطة والجيش الذين يواصلون عملهم اليوم بذات العقلية التي سادت في البلاد خلال سنوات الحرب، والتي يحمل بعض أصحابها أيديولوجيات دينية تغلب على الأيديولوجيات الوطنية، ويسعون لتحقيق مكاسب فردية وسلطوية بدلاً من المكاسب الوطنية، فيما لا يزال جزء منهم يحمل خلفية جهادية، وأفكاراً متطرفة قد تهدد الأمن في أي لحظةٍ بدلاً من ضبطه، وما حدث في هجوم تدمر قبل أسابيع هو خير دليل على ذلك، إذ أقدم أحد عناصر الأمن السوري على قتل جندين أمريكيين ومترجم وجرح آخرين، خلال لقاء أمني جمع عسكريين أمريكيين مع مسؤولين من وزارة الداخلية السورية في مقر فرع الأمن الداخلي في تدمر. 

إلى جانب ذلك، ومنذ سقوط الأسد، صعّدت إسرائيل نشاطها العسكري في سوريا، حيث استهدفت البنية التحتية العسكرية، وقامت بتدمير مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة لتحطم بذلك القوة القتالية للمؤسسة العسكرية، وما زالت تتوغل يوماً بعد يوم عَبر الحدود في القنيطرة ودرعا، من خلال عملياتٍ عسكرية، لتحتل مساحاتٍ جديدة من الأراضي السورية، حيث فرضت سيطرتها على أكثر من500 كم مربع، وقد أسفرت تلك العمليات عن وقوع كثير من الخسائر البشرية والمادية إلى جانب نزوح عددٍ من السكان. وكل ذلك يحدثدون أي مواجهةٍ تذكر أو حتى إصدار بيانات احتجاج أو استنكار حتى ولو شكلية.  

مطبلون وشبيحة جدد 

بدلاً من تحطيم فكر وممارسات شبيحة ومطبلي نظام الأسد، ولدت، بعد سقوطه، فئة جديدة مشابهة، تستميت في امتداح السلطة والدفاع عنها بشتى السبل، لتعيد استنساخ النموذج البعثي ولكن بطرق وممارسات إيديولوجية مختلفة،  يُسيّرها الخطاب الديني أو”الثوري”. فبينما كان موالو الأسد يبررون دكتاتوريته واستبداده، قبل الثورة، تحت ذرائع الممانعة والمقاومة والتصدي للمشاريع الخارجية، ومن ثم محاربة الإرهاب خلال الثورة،  يحاول معظم موالي السلطة الحالية تبرير ممارساتها تحت ذرائع محاربة فلول الأسد وإقامة الحكم المثالي، والمصلحة العليا للدين، والواقعية السياسية، وعلاج التركة الثقيلة التي خلَّفها نظام الأسد وغيرها من التبريرات، مستقوين بشعار”من يحرر يقرر”، متناسين، عن قصدٍ أو غير قصد، أنهم يعيدون إنتاج خطاب التبرير ذاته، وانتاج استبدادٍ وديكتاتورية جديدة، من خلال قمع وانتقاد كل معارضٍ أو مخالفٍ في الرأي، وتجريم الفكر النقدي البنَّاء، وتقديس وتبني الخطاب الواحد،  والولاء المطلق للزعيم، بوصفه القائد الأوحد الذي لا يُخطئ. وقد تجلى ذلك في أكثر من مناسبة، من بينها ما حدث خلال الوقفة التضامنية   مع ضحايا مجازر الساحل،  التي أُقيمت في ساحة المرجة في شهر آذار الفائت، فعلى الرغم من رفع المحتجين شعاراتٍ تتضامن مع شهداء الأمن العام وتترحم على أرواحهم، خرجت أصوات معارضة من الموالين الجدد  لتتصدى للمشاركين في الوقفة وتردد عبارات طائفية تسيء للمواطنة والانتماء الوطني وتتهمهم بأنهم فلول وعملاء، رغم أن معظمهم كانوا من معارضي نظام الأسد ومن المعتقلين السابقين والمنتمين للثورة.

الأمر ذاته تكرر خلال الوقفة الصامتة التي نظمها ناشطون أمام البرلمان للتضامن مع ضحايا مجاز السويداء. ورغم أن الوقفة لم تتضمن أية شعارت تتعلق بالسويداء أو تُندد بممارسات السلطة، ورغم أنها حملت شعاراً وطنياً: “دم السوري على السوري حرام”، لم ترُق للشبيحة الجدد، الذين شعروا أنها تشكل انتقاداً، بل ربما تهديداً للسلطة الجديدة، فقاموا بالهجوم على المشاركين فيها وشتمهم والإعتداء على بعضهم بالضرب، وقد انتشر فيديو يظهر شاباً يهاجم الصحافية والناشطة زينة شهلا ويشتمها بأبشع الشتائم.    

إلى جانب ذلك، ومنذ تولي السلطة الجديدة حكم البلاد وحتى اليوم، اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بالكثير من الناشطين المطبلين الذين أصبحوا، ولكثرتهم، جيوشاً إلكترونية، هدفهم رصد منتقدي السلطة ليقوموا بإهانتهم وتهديدهم وشيطنتهم، وفبركة الأخبار الكاذبة عنهم، وقذفهم بعشرات الاتهامات الجاهزة مثل: “فلول النظام”، “أيتام الأسد”، “العمالة” و”السعي للانفصال والتقسيم” وغيرها. 

وبالنظر لما ذُكر، قد تغرق البلاد في إرثٍ جديد من الخوف والعقلية المخابراتية وثقافة الإقصاء واحتكار السلطة، وحَرف بوصلة الانتماء الوطني نحو الانتماء الديني والسلطوي، وهو ما سيشكل تهديداً لمفهوم الشراكة الوطنية  ولمستقبل الهوية السورية الجامعة.

إعلام السلطة 

رغم خلاص البلاد من الرقابة والتضييق وغير ذلك من الممارسات الأمنية التي كان يفرضها الأسد على حرية الإعلام، مازال الإعلام الرسمي يُشبه، في نقاط كثيرة، ما كان عليه خلال حكم الأسد. فلم تكد البلاد تنسى الإعلاميين المُطبلين لسلطته، حتى جاء إعلاميون مشابهون، هدفهم  امتداح السلطة وتلميع صورتها، عبر خطابٍ إعلامي يُطلق صفة الوطنية على من يشاء، ويحصر الانتماء إلى سوريا بالولاء المطلق للسلطة الجديدة. إعلاميون يفتقد معظمهم إلى الموضوعية والمهنية وأبسط قواعد العمل الصحافي. جزء كبير منهم كانوا مجرد “تيكتوكرز” أو “يوتيوبر” أو نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، تم إطلاقهم في فضاءات مواقع التواصل، ليقوموا بتسطيح وإفراغ العمل الإعلامي من مضمونه ودوره الريادي، وتحويل الخطاب السياسي والوطني إلى مادة استهلاكية، تقوم على المهاترات والمشاحنات والسخرية من معارضي السلطة وشتمهم وتقزيمهم، بشكلٍ يذكرنا بما كان يفعله مثقفو وإعلاميو سلطة الأسد، دون أن يكون لديهم أية محاولة لتقريب وجهات النظر أو مدّ جسور الحوار مع منتقدي السلطة. وقد جعلهم ولاؤهم المطلق للسلطة  يتصدرون المشهد الإعلامي، ويحتلون مختلف المنابر والمساحات الإعلامية والثقافية، ليتحدثوا من خلالها عن إنجازات الحكومة، ومشاريع إعادة الإعمار والاستثمارت  وتعافي الاقتصاد وتطبيق الحكم المثالي، ومقارنة الواقع الحالي للبلاد بما كانت عليه خلال حكم الأسد، فيما يتجاهلون الحديث عن الفساد وتسريح الموظفين، وعن فشل جزء كبير من الوزراء والمسؤولين في أداء عملهم الوظيفي، وعن الجرائم والانتهاكات وغير ذلك من ممارسات الحكومة التي تحتاج للكثير من النقد والتصويب.  

تحتاج سوريا اليوم في هذه المرحلة الخطيرة والمفصلية، إلى شراكة وطنية حقيقية بين جميع السوريين، تبدأ من حوار وطني وسياسي حقيقي وفاعل بين جميع المكونات والطوائف من جهة، وبين الحكومة السورية والمكونات المعارضة لها من جهة أخرى، وهذا لن يحدث دون التخلي عن العقلية الفصائلية، ودون قطيعة جذرية مع ثقافة الإقصاء والطاعة العمياء واللون الواحد، ومع كل خطاب يُبرر العنف والديكتاتورية تحت أي من المسميات. 

بعد سقوط نظام الأسد: لماذا لم تسقط لغته؟

بعد سقوط نظام الأسد: لماذا لم تسقط لغته؟

لم يعد من الصَّعب اليوم تناول المشهد الثّقافي السُّوري العام بعد مرور عامٍ على سقوط نظام حكم البلاد لعقودٍ طويلةٍ، فخلال الاحتفالات الّتي شهدتها الذكرى الأوّلى لـ “معركة ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد انتشرت على منصّات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو التُقطت في الشّوارع والسّاحات، كان يسأل المراسلون فيها السّوريين عن مشاعرهم وانطباعاتهم في هذه المناسبة.

في تلك المقاطع تكرّرت عبارات مثل: “عاشت سوريا الأسد، وسقط بشار الأسد”، و”غير ثلاثة ما منختار؛ الله وسوريا وبشار وبس”، وغالباً ما كانت هذه العبارات تخرج على ألسنة النّاس بطريقةٍ عفويةٍ وغير مقصودةٍ، إمّا في حديثهم المباشر عن فرحتهم وإمّا في أثناء طلب المذيع منهم إكمال عبارةٍ مألوفةٍ؛ ليأتي الجواب فوريّاً وتلقائياً: “وبشار وبس” دونَ الانتباه إلى التناقض الّذي تحمله الجملة في سياقٍ يُفترض أنَّه احتفال بسقوط ما يُسألون عنه!.

هذه المواقف وغيرها لا يُمكن اختزالها بأنَّها زلّةُ لسانٍ أو التباسٌ لغوي عابر؛ بل تكشف عن أثرٍ أعمقٍ خلّفته لغةُ السّلطة السّابقة في الوعي الجمعي، لغةٌ جرى تداولها لعقودٍ في الإعلام، والهتافات، والمدارس… والفضاء العام، حتى تحوّلت إلى قوالب ذهنيّة جاهزة تُستحضر آليّاً في لحظات الانفعال، بما فيها تلك اللحظات الّتي يُفترض أنّها تمثّل قطيعةً مع الماضي، وكأنَّ التَّحرر من السُّلطة لم يكتمل بعد!

هذا التّكرار على ألسنة الغالبية العظمى من النّاس يتقاطع مع فكرة “اللُّغة كقوة رمزية” قادرة على إعادة إنتاج ملامح السَّيطرة حتى بعد غياب السُّلطة المباشرة، فالخطاب الّذي يستمر رغم انهيار النظام السِّياسي الّذي فرضه ليس مجرد صدى؛ إنَّه أثر للبنية الذهنيَّة المتراكمة الّتي تشكّلت داخل السُّوريين خلال عقود من الهيمنة السِّياسيَّة، فهو لا يزول بزوال مُنتِجه؛ بل يظلّ يعيش داخل الوعي الجمعي والمعجم الفكري بما يُصطلح عليه بـ “استمرارية الخطابات” حتى بعد سقوط الأنظمة الّتي صاغتها، والّتي أشار إليها ميشيل فوكو عند حديثه عن تحوّلات المعرفة والسّلطة عبر التاريخ، وبذلك تتجاوز مقاطع الفيديو تلك وصف “الطُّرفة”، وتقرأ كاختبارٍ يوحي بحجم الفراغ الفكري، وبالضرورة الثّقافي، الّذي يتكشّف بعد انهيار منظومة كانت تمسك الخطاب السِّياسي والإعلامي (المجال العام) بقبضةٍ مُحكمةٍ تؤطر وتنظّم ذهنيّاً العلاقات بين الفرد والمجتمع والدولة، مما يعني تشكّل “الوعي الجمعي” للمجتمع بطريقة ٍمحددةٍ تسيطر من خلالها على رؤيته.

لغةٌ جديدةٌ لوعي جديدٍ

لطالما كانت اللُّغة سلاح السُّلطات الأقوى، ليس عبر الشِّعارات فقط؛ بل من خلال خلق نسقٍ كاملٍ من المفاهيم الّتي تنظّم التفكير، وإنَّ إعادة بناء الخطاب ليست مجرد عمليَّة لغويَّة؛ بل إعادة تشكيل للوعي الجمعي، فالمفردات الّتي سادت لعقودٍ لم تكن مجرد كلمات؛ هي منظومة تؤطر الوعي وتُعيد إنتاجه، وقد أشار إدوارد سعيد إلى هذا النوع من استعمال اللُّغة بوصفها “بنية تفرض نفسها على أنَّها الحقيقة الوحيدة الممكنة”، بما يكشف عن الدور المركزي لعملية التوظيف تلك.

وعلى الرغم من أهميَّة الفكرة السابقة فإنَّها غير كافية، فلا يكفينا فقط أن تتغيّر اللًّغة حتى يتغيّر الوعي الجمعي، لأنَّ المطلوب إعادة إنتاج منظومة كاملة من المفاهيم الّتي تسمح للأفراد بالتعبير دون خوفٍ، وتربط الثّقافة باستعادة التّفكير النقدي. فأثر الرقابة الطويلة ما زال واضحاً؛ وكثيرون ما زالوا يتحركون داخل حدودٍ غير مرئية، تشبه ما وصفه فوكو بـ “السّجن غير المرئي للذات”، حيث تستمر الرقابة عبر الذاكرة لا عبر الأجهزة.

وإنَّ الذاكرةَ السُّورية مثقلةٌ اليوم بمزيجٍ من الخوف والتطلّع، فالتجارب الفردية الّتي عاشها المثقفون تحت السّلطة السّابقة، من الرقابة إلى الاستدعاءات الأمنيَّة، صنعت جيلاً معتاداً على “التفكير داخل الأقفاص”، وهذا ما يمكن قراءته في إطار ما يسمّى “الذاكرة الجريحة” الّتي تمنع المجتمعات من الانتقال السلس إلى خطاب جديد، فلم يستطع الجميع التحرّر وبقيت اللّغة القديمة في العقل، وما تزال الرقابة الذاتية تؤثر في الخطاب، وهنا على الجهات المعنية أن تحمل على عاتقها المسؤولية الكاملة لبناء مشروع وطني يشفي جرحنا، و يرمم ذاكرتنا، ويحرّر تفكيرنا.

ما بين الواقع والمأمول

يذكّرنا تتبع الواقع ورصده بما كتبه فرانز فانون عن “عودة أشباح السّلطة القديمة في لحظات الانتقال” حين تسعى القوى الجديدة إلى فرض وصايتها، ومن هذه الممارسات الّتي توحي بمحاولات إحياء أساليب قمع جديدة تعزّز الرقابة وتمنع الحرية، وعلى سبيل المثال لا الحصر حادثة التضييق على الكاتب والروائي خليل صويلح ومنع الرقابة السورية نشر روايته “جنة البرابرة”، وحادثة إغلاق “سينما الكندي” العريقة بحجة فسخ عقد إشغال العقار التابع لوزارة الثّقافة، وحادثة منع رسم النَّموذج (الموديل) العاري في كلية الفنون الجميلة، ومنع استيراد الآلات الموسيقيّة وغير ذلك كثير من الحادثات الّتي تجعلنا نقف أمام فكرة: ما مستقبل وشكل حوامل الثّقافة في سوريا الجديدة؟!، وما الآلية البديلة لغياب منتج ثقافي جديد يمحي أثر القديم؟!

عن غياب “مشروع وطني”

تبدو السَّاحة الثَّقافيّة بعد عام على سقوط نظام الأسد أقرب إلى الاضطراب والفوضى منها إلى الانتظام، فالمشهد الثقافي الراهن يقتصر على الأنشطة التي قوامها التَّجمهر الفئوي، من أمسيات محلية إلى تجمعات ذات طابع مناطقي…؛ ليتقدّم “الاجتماع الأهلي” على “الاجتماع الوطني”، ولعل من الإنصاف أن نشير إلى أنَّ هذا الحال لا يقتصر علينا فقط؛ ففي التَّجارب التَّاريخيَّة، عاشت دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية الفراغ نفسه، وقد وصفته كاثرين فيردري بأنَّه “لحظة الانكشاف الكامل”، غير أنَّ هذا الأمر يستدعي بالضرورة طرح السُّؤال الآتي: إلى متى ستستمر هذه الأزمة؛ أزمة موت القديم وعدم قدرة الجديد على أن يولد بعد؟!

إنَّ الفراغ الثَّقافي الناتج عن غياب الإدارة الثَّقافيَّة وانعدام الرؤية الوطنية الجامعة وغياب المشروع الثّقافي الواضح الّذي يعيد تشكيل ملامح الفضاء الثَّقافي السُّوري العام من قِبل وزارة الثّقافة السُّوريَّة يوحي بحالة الفراغ العميقة ويُظهر أنَّ الدولة الجديدة لم تتشكّل بعد!؛ لينعكس على هيئة واقع يتسم بحرية شبه مطلقة من جهة وفوضى تنظيمية من جهة أخرى، وبذلك يغدو الإنتاج الثَّقافي خاضعاً لعشوائية السُّوق أو قوى النفوذ والتَّمويل بدلاً من السِّياسات العامة.

وهنا تبرز مجموعة من التساؤلات المهمة الّتي تتطلب إجابات محددة وواضحة من المعنيين والمسؤولين: إلى أين تتجه الثقافة السُّورية؟، وكيف تُعاد هيكلة المؤسسات الثَّقافيَّة؟، وكيف تُبنى سياسات ثقافيَّة تُوازن بين الحرية والضوابط المهنيَّة؟، وكيف نضمن ألا تنتقل الرقابة من سلطة سياسيَّة إلى قوة اجتماعيَّة أو دينيَّة؟، وما السّبيل إلى توظيف الثقافة كأداة للشفاء والعدالة الانتقاليَّة؟، وكيف نتأكد أنّها لن تتحول إلى أداة للانقسام؟، وهل ستستطيع الثّقافة السُّوريَّة أن تخرج من وصاية الخطاب القديم دون الوقوع في وصايةٍ جديدةٍ؟، وكيف لنا أن ننتج خطاباً وطنياً جامعاً يخلق سردية وطنّية بديلة تُعيد بناء الوعي الجمعي على أسس الحرية لا الخوف؟

كلّ هذه الأسئلة وغيرها مما لا يتسع المقام لطرحها توضّح أنَّ بناء الوعي الجمعي رحلة طويلة تتطلب أولاً وقبل أيّ شيءٍ تحملاً للمسؤولية، ثمَّ تخطيطاً سياسياً، وشجاعة إداريَّة مع قدرة على قراءة الماضي نقدياً لا إنكاره، وتبيّن أنَّ شكل الإجابات عنها سيفتح الأبواب نحو سوريا جديدة تُنجب خطابها لا تستعيره.

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات قصر المهاجرين.

في ذلك العام، قرّر الأسد إزاحة ابن خاله رامي مخلوف تمامًا عن المشهد الاقتصادي، في خطوة واحدة ومفاجئة، أعقبها عزله الكامل عن أي نشاط اقتصادي أو تجاري، ومصادرة أصول أمواله وشركاته وتجميدها، وهي التي كانت تُعدّ بالمئات. كان رامي مخلوف وريث عائلة مخلوف الإقطاعية تاريخيًا، والمنحدرة من قرية بستان الباشا في قضاء جبلة بريف اللاذقية. وإضافة إلى هذه التركة الكبيرة، ورث عن والده محمد مخلوف (خال بشار الأسد) إدارة الاقتصاد السوري بكل مفاصله وتفصيلاته وعقوده واحتكاراته.

أحد الذين عملوا ضمن الدائرة الضيقة لرامي مخلوف، ويقيم اليوم في دبي، قال لـ«صالون سوريا»، مفضّلًا عدم الكشف عن اسمه، إن «رامي مخلوف لم يكن رجلًا نشأ من العدم؛ فقد شارك في تربيته والده وحافظ الأسد معًا. ومع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000، انتقلت مفاتيح السلطة السياسية إلى الأسد الابن، فيما آلت مفاتيح السلطة الاقتصادية إلى مخلوف الابن. ولم يُمنح رامي حينها امتيازات أو تفضيلات تميّزه عن بقية التجّار السوريين أو المستثمرين الأجانب، بل مُنح الاقتصاد السوري كاملًا، دون نقصان ولو بمقدار ذرّة، ليصبح هو من يوزّع فتات الكعكة على بقية التجّار».

وأضاف المصدر: «كان مطلوبًا من مخلوف، بالضرورة، أن يترك استثمارات صغرى وغير حيوية لغيره، حتى وإن بلغت قيمتها مليارات الدولارات، لكنها لم تكن تُشكّل شيئًا يُذكر في موازين الربح والخسارة لديه. هكذا صار واحدًا من أقوى رجال الاقتصاد في العالم العربي، ومنافسًا محتملًا لأثرياء العالم. غير أن السلطة، بوصفها سلطة تُطوّع ذراعًا ماليًا خارج مؤسساتها لسدّ فراغاتها، ووفق فكرٍ عصبيٍّ وتعصّبيّ، لم تكن تسمح، حتى في آخر لحظاتها، بالكشف عن ملاءتها المالية، باستثناء الإعلان السنوي عن الموازنة العامة».

تلك الموازنة، التي أشار إليها المصدر نفسه، كانت موضع شكّ دائم، إذ بقي النفط خارجها لعقود طويلة، ليُسوَّق جانبيًا تحت مسمّى «مكتب النفط» في رئاسة الوزراء. وكان عبد الرؤوف الكسم ومحمود الزعبي، رئيسا الحكومات السورية بين عامي 1980 و2000، من أبرز من أتقنوا إدارة هذا الملف.

في عهد بشار الأسد، كان أكثر ذكاءً في إدارة ملف النفط، وأكثر غباءً فيما عداه، وفق توصيف أشخاص عملوا معه. فقد أعلن عن كميات الإنتاج السنوي، وما يُخصّص للاستهلاك الداخلي، وما يُصدَّر إلى الخارج، غير أنّ الواقع بقي على حاله: عائلتا مخلوف–الأسد تديران القطاع وفق منطق الربح الفردي، دون أن يجرؤ أي سوري على السؤال. ولأجل تطوير القطاع، أُدخلت شركات أجنبية، لكنّ السلطة استحوذت على الحصص الأوسع منها، فيما كان رجال الدولة، في قصورهم، شركاء حتى في «حصة الطير من صيده».

بداية الانهيار الداخلي

في صيف عام 2019، وتحديدًا في شهر آب/أغسطس، وضعت السلطات السورية يدها على جمعية «البستان» الخيرية، العائدة بملكيتها إلى رامي مخلوف، والتي كانت تتبع لها قوة عسكرية كبيرة تُعرف باسم «قوات البستان». وصدر قرار متزامن بحلّ الجمعية والقوة التابعة لها، وصرف عشرات الآلاف من مقاتليها.

وفي نهاية العام نفسه، صدر قرار بالحجز على جميع أموال مخلوف وزوجته وأولاده، بتهم تتعلق بالتهرّب الضريبي والتربّح خلال الحرب. كما طالت العقوبات المحلية أصول أمواله وكيانات شركاته في الخارج.

ومع بداية عام 2020، فُتح ملف شركة «سيرياتيل»، أكبر وأضخم شركة تُدرّ عوائد مالية عالية تصبّ في حسابي السلطة ورامي مخلوف معًا. وعمليًا، تُعدّ «سيرياتيل» واحدة من شركتي الاتصالات الوحيدتين في سوريا: الأولى مستحوذ عليها بالكامل، والثانية، بشكلٍ أو بآخر، تعود ملكيتها إلى السلطة أيضًا. في هذا السياق، كان مخلوف عرّاب قطاع الاتصالات، ومع فقدان السلطة المركزية سيطرتها على منابع النفط والغاز الرئيسية في شمال شرق سوريا بعد عام 2011، إضافة إلى معارك حقول تدمر مع تنظيم «داعش»، باتت عوائد الاتصالات الباهظة تشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ«بترول البلد»، كما يُوصف في البلدان التي لا تمتلك موارد نفطية وتعتمد على قطاعات أخرى لتعويض أرباحه المفترضة.

في 30 نيسان/أبريل من العام نفسه، قرّر مخلوف الخروج إلى العلن عبر فيديو مطوّل، شرح فيه للمرة الأولى ملابسات ما جرى. ومن مكان إقامته الإلزامية، وعبر سلسلة مقاطع مصوّرة متعاقبة ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ مخلوف برفع سقف خطابه، كاشفًا الأسرار والخبايا، ومخاطبًا ابن عمته بلسان العاتب، قبل أن يتحوّل خطابه لاحقًا إلى هجومٍ صريح، بعد أن فقد أي أمل في استعادة ما كان يراه حقّه وجنى عمره وتعبه، ولا سيما بعد أن جرى «تشليحه» من كل شيء تقريبًا.

خلف الكواليس

لم يكن الخلاف بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليقع، نظريًا، تحت أي ظرف. فقد شكّلا، لسنوات طويلة، جناحين للسلطة: أحدهما للسياسة، والآخر لضمان ديمومة الاقتصاد المُنقِذ، ولو في حدوده الدنيا. غير أنّ شيئًا ما تبدّل في لحظة مفصلية، حين طالب بشار الأسد رامي مخلوف بمبلغٍ مالي ضخم لتسديد ديون واستحقاقات وضرائب شخصية. هذا الطلب لم يلتفت إليه السوريون جيدًا في حينه، لكنّ الدائرة المقرّبة من مخلوف شرحته لاحقًا بتفصيل، ولا سيما بعد سقوط النظام.

وبحسب تلك الدائرة، فإن رفض مخلوف الدفع، انطلاقًا من اعتقاده بأن الدولة قائمة أساسًا على أكتافه، أشعل شرارة الصراع. ولم تكن تلك الحرب، في جوهرها، بين نسيبين كما بدا ظاهرًا، بل كانت أعمق من ذلك بكثير. فقد أكّدت مصادر مقرّبة من مركز القرار آنذاك، ما صار واضحًا لاحقًا، من أنّ أسماء الأسد، المحسوبة بشدّة على الجانب الروسي، رتّبت كل شيء لإقصاء مخلوف جانبًا، والاستيلاء على ممتلكاته، وعلى الأرباح القادمة من مختلف القطاعات والشركات والاتفاقيات.

ورغم أنّ الإعلان الدستوري الجديد يجرّم المديح في آل الأسد، لم يكن واضحًا ما إذا كان رامي مخلوف مشمولًا به، ولا سيما في ظل تسريبات صحافية تحدّثت مؤخرًا عن لقاء جمع أحد أشقاء الشرع بمخلوف خارج سوريا، لبحث إجراء وساطة تسوية لا تزال شديدة التعقيد. وتُحاول تركيا رعاية هذه الوساطة، فيما يسعى الشرع إلى التهرّب منها، خشية نقمة الشارع على حكمه.

المهم في كل ذلك أن التاريخ لا ينسى. فلا يختلف اثنان على أنّ مخلوف كان داهية في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه لصًا وناهبًا ورجل مافيا. لكنه فعل ما لم يفعله غيره بالطريقة ذاتها؛ إذ رهن جمعيته الخيرية «البستان» لإجراء عمليات جراحية وغيرها، مهما تعاظمت تكلفتها، لكل محتاج، ومن أي طائفة كان.

يقول الدكتور ماهر حمّور، الذي عمل ضمن مجموعة مخلوف وكان مطّلعًا على هذه الملفات، لـ«صالون سوريا»: «بمعزل عن قِصر ذاكرة الشعوب، فإن الجمعية بالفعل أجرت عشرات وربما مئات آلاف العمليات للمحتاجين من مختلف الانتماءات. إلى جانب ذلك، كانت تتكفّل بتوزيع حصص مالية وغذائية شهرية للمحتاجين ولكل من يقصدها. وبهذا تحقّق المثل القائل: “كان يعطي من الجمل أذنه”. لكنه، على الأقل، كان يعطي؛ يسرق كثيرًا ويعطي قليلًا. أما بقية رجالات الأسد، فكانوا يسرقون كثيرًا ثم كثيرًا».

ويضيف حمّور: «مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ من يعرف بشار الأسد عن قرب كان يدرك أنّه ربما واحد من أبخل قادة التاريخ، هو وزوجته، وقد عرفتهما عن قرب. وبالعودة إلى مخلوف، ومساعداته ومنحه، فإنه، في الوقت نفسه، قضى على الاقتصاد الحر، وتسبّب في هجرة آلاف الصناعيين والتجّار والمستثمرين. كانت أرباحه تعنيه على صعيده الخاص لا على صعيد تطوير البلد. ومن هذه الزاوية، يرى كثير من السوريين أنّ الجمعية كانت غطاءً لقول كلمة “شكرًا” له، فيما ترحّم آخرون عليه بعد إبعاده عن المشهد».

صاحبة التاج

منذ زواج أسماء الأخرس، الفتاة الحمصية التي كانت تعمل في أحد المصارف في بريطانيا، من وريث الحكم الأسدي في سوريا، نظرت إلى نفسها بوصفها صاحبة التاج والملك. لم تتعامل يومًا مع البلاد كجمهورية، بل كإقطاعيةٍ ملكية.

ومع مرور السنوات، ازدادت قدرتها على التأثير في زوجها وسلوكه، وبدأت تنشط في قطاعات إغاثية وتنموية كبرى، ليتصدّر اسمها واجهة الأخبار، حتى مُنحت قسرًا لقب «سيدة الياسمين». غير أنّ لقبها في المجالس السورية الضيّقة كان «سيدة الصبّار»، بحسب ما قالت رقية الأحمد، التي عملت في إحدى مؤسسات أسماء خلال الحرب، لـ«صالون سوريا».

عمليًا، لعبت أسماء الدور الأكبر والحاسم في توجيه الضربة القاضية لرامي مخلوف. ولم تكن تلك الضربة ارتجالية تُدخل البلاد في فراغٍ اقتصادي تاريخي، بل جاءت ثمرة إعدادٍ سابق، سبق الخلاف برمّته، وتهيئةٍ لما بعده. ومع إخراج مخلوف من المشهد على نحوٍ فوري، عرف السوريون بوجود مكتب داخل القصر يُعرف باسم «المكتب السري»، وهو عمليًا «المكتب الاقتصادي» الذي أُنيطت به مهمة الحلول مكان مخلوف، ولكن هذه المرة لتركيز الثروات كلّها في اتجاهٍ واحد: القصر الرئاسي.

أدار هذا المكتب أحد المقرّبين من أسماء الأسد، وهو يسار إبراهيم، إلى جانب أربعة آخرين، من بينهم فارس كلاس، المدير العام السابق للأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء، ورجل الأعمال المعروف خضر علي طاهر، الشهير بـ«أبو علي خضر». بدأ الأخير حياته بائعًا للدجاج، لتصنع منه الحرب وأسماء لاحقًا اسمًا اقتصاديًا موازيًا لمخلوف، متدرّجًا عبر شبكة العلاقات والمعارف وصولًا إلى دائرة القرار، من دون امتلاكه أدنى مقوّمات الذكاء الاقتصادي–الاستراتيجي، إذ اقتصر دوره على الحصاد والابتلاع والجباية، وهي نقطة قوّته الوحيدة.

كان «أبو علي خضر» أقوى ذراع في مكتب يسار إبراهيم، فأُنيطت به إدارة المعابر، وجمارك السيارات، والتبغ والدخان، والهواتف الخلوية، والمشروبات الكحولية، والمواد الغذائية، فضلًا عن ابتزاز التجّار وإدارة الملفات الجمركية عمومًا. وقد قاد ذلك إلى عملية إعادة تسعير شاملة، كانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير.

لماذا قصمته؟ يجيب الأستاذ السابق في كلية الاقتصاد نجيب سليمان قائلًا: «لأن إزاحة مخلوف بين عامي 2019 و2020، وولادة المكتب السري، تزامنتا مع جائحة كورونا وسريان تطبيق “قانون قيصر”. ومع غياب الرؤية التنموية وخطط المعالجة وضرورة العمل على التعافي المبكر، اجتمعت هذه العوامل كسيارةٍ تسير بسرعة هائلة لتقود أكثر من 90 في المئة من السوريين إلى ما دون خط الفقر»، بحسب تأكيدات الأمم المتحدة.

أسماء تحكم وتدمّر

سارت أسماء الأسد على نهج زوجها ووالده، وعلى خطى الأنظمة الشمولية عمومًا. فلطالما اختارت رجالها من المطيعين وأصحاب الولاءات المثبتة، مقابل تأمين الحماية لهم وإسنادهم والسماح لهم بالاستفادة الجزئية. وهذه الاستفادة، على محدوديتها، أتاحت لبعض رجالاتها جمع مئات ملايين الدولارات وأكثر. والسؤال الذي ظلّ يتردّد بين السوريين: كم كان في سوريا من مال، فيما الشعب لا يجد رغيف خبز؟

بعد الأحداث التي وقعت بين عامي 2020 و2024، وما خلّفته من تأثير بنيوي عميق جرّاء تفكيك «الاقتصاد العميق» للدولة، واعتماد منطق التجربة بدل الرؤية، بدأ بشار الأسد يفقد، شيئًا فشيئًا، أهليته الشرعية في الشارع، وحتى بين مناصريه ومواليه شعبيًا وطائفيًا. فالناس الذين اقتنعوا، يومًا، بأن البلاد تتعرّض لمؤامرة، وأن الوقوف إلى جانبه ضرورة وطنية، باتوا يرون بوضوح أنّه لم يعد مكترثًا بأحوالهم.

وقد أتاح توقّف حرب الجبهات عمليًا، وفق مساري أستانا وسوتشي عام 2018، فرصةً مثالية للبناء والإنعاش. غير أنّ المقارنة التي عقدها الناس لاحقًا كانت فادحة: إذ يرون أن «هيئة تحرير الشام» استغلّت الفترة بين 2018 و2024 في التجهيز والتدريب والتحضير للحظة الحاسمة، بينما قضى الأسد على مواليه وجيشه، وأدخلهم في متاهة غير مسبوقة من الجوع والحرمان والتضييق، وصارع حلفاءه، ورفض مصالحة خصومه، وتعامل مع نفسه بوصفه زعيمًا منتصرًا بكل المقاييس.

ومع مرور الوقت، بات واضحًا أن اهتماماته، هو وزوجته، انحصرت في جني المال، المال وفقط. ويرى السوريون في ذلك العلامة الفارقة والنهائية التي مهّدت لسقوط النظام القمعي بعد سنوات طويلة.

ديوك الحي

تحدّث كثير من السوريين، علويين وسنّة، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، لـ«صالون سوريا» عمّا فعلته بهم أسماء الأسد وزوجها والسلطة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024. ففي تلك السنوات، كان الأمن العسكري وأمن الدولة مكلّفين بضرب أي مصلحة تجارية، صغيرة كانت أم كبيرة، بأساليب أقرب إلى عمل العصابات: اعتقال أصحابها، وفرض فديات مالية لإطلاق سراحهم، وصلت أحيانًا إلى مليارات الليرات السورية، فضلًا عن احتجاز نحو 150 تاجرًا من دون تهمة في فرع المداهمة «السرية 215 أمن عسكري – دمشق»، بغرض الابتزاز، وذلك في الربع الأخير من عام 2023.

الصادم في تلك الوقائع أنّ عمليات الاعتقال والابتزاز جرت، وفق مصادر مطّلعة، من دون علم أسماء الأسد أو زوجها. فقد نُفّذت بتشاركٍ مباشر بين «أبو علي خضر» واللواء أسامة صيوح، رئيس الفرع. هذا الأمر استدعى لاحقًا نقمةً عارمة من القصر تجاه الطرفين، بعدما تبيّن أنهما شرعا يعملان لحسابهما الخاص في الظل. وعلى إثر ذلك، صودرت أموال «أبو علي خضر» وطُبّقت عليه إجراءات عزل وعقوبات مشابهة لتلك التي فُرضت سابقًا على رامي مخلوف، فيما أُودِع اللواء أسامة السجن، قبل أن يهرب ليلة «التحرير» إلى لبنان، حيث يقيم حاليًا.

«أنا أو أحرق البلد»

في الصحافة، ثمّة حيّزٌ يسمح بالتوثيق لا بالتدخّل أو الإملاء. وخلال سنوات طويلة من الحرب، امتلك بشار الأسد قاعدة شعبية واسعة داخل سوريا، كانت المسيرات المليونية تعبّر عنها أحيانًا، كما عكستها أعداد القوات العاملة والمتطوّعة، وآراء شريحة من السوريين التي رأت فيه ضمانةً وصمّام أمان. وكان ذلك كلّه، في حينه، جزءًا من حق التعبير المكفول.

غير أنّ هؤلاء أنفسهم، اليوم، ينظرون إليه – بحسب تعبيرهم – بوصفه «لصًا هاربًا بخيرات سوريا»، تركهم بلا سند أو حماية، فيما كان قادرًا، في أي لحظة، على المغادرة. ويرى كثيرون أنّ هذه القناعة لم تولد لحظة السقوط، بل بدأت تتشكّل قبل ذلك بوقت طويل.

يتساءل مناصرون سابقون للأسد عمّا إذا كان قد هرب في نهاية المطاف تحقيقًا لشعار «أنا أو أحرق البلد». ولماذا لم يسلك مسار القرار الدولي 2254 الصادر عام 2015، والذي بقي متاحًا أمامه حتى لحظة رحيله؟ ولماذا لم يكن أكثر شجاعة ووطنية في الأشهر والسنوات الأخيرة، حين كان بوسعه نقل السلطة، أو التفاوض، أو حماية من وقفوا إلى جانبه، أو الانخراط في تسويات إقليمية، أو التوقّف عن استعداء شريحة واسعة من السوريين المعارضين له؟

قبيل هروبه، كان في متناول يده الكثير ممّا لم يفعله: الجلوس إلى طاولة تفاوض، حماية حلفائه، الانفتاح على المسارات الإقليمية، والتخفيف من كلفة العداء الداخلي. غير أنّ ذلك لم يحدث.

خلاصة القول، كما يراها كثير من السوريين اليوم، أنّ ما ظهر من بشار الأسد وزوجته لم يكن سوى أنانية ديكتاتور ترك خلفه مجتمعًا ممزّقًا، يتقاذفه الفقر، والانتقام، والتهجير، والاضطهاد، والأحقاد، والرغبة الجماعية في الهجرة ومغادرة الوطن.

وكما قال أحد سكّان طرطوس لـ«صالون سوريا»:

«بشار وزوجته كانا يصلحان، في أفضل الأحوال، لإدارة حديقة ملاهٍ. ومع ذلك، فاحتمال فشلهما كان كبيرًا، لأنهما كانا سيسرقانها، ولن يدفعا ليرة واحدة في تطويرها أو حماية عمّالها. وهذا تمامًا ما فعلاه، هما ورجالاتهما، في سوريا».