بواسطة علي محمد إسبر | يونيو 22, 2025 | Culture, العربية, مقالات
غزا الإسكندر الأكبر سوريا عام ٣٣٣ قبل الميلاد، وبعد موته في عام 323 قبل الميلاد، تنافس خلفاؤه على السيطرة على البلاد حيث استولى سلوقس الأول نيكاتور على الجزء الشمالي، وبطليموس الأول سوتر على الجزء الجنوبي (سوريا الجوفاء). لكن في نحو عام 200 قبل الميلاد استطاع الملك السلوقيّ أنطيوخس الثالث دحر البطالمة وبسطَ سيطرة السلوقيين على سوريا كلّها.
أسس السلوقيون العديد من المدن والمستعمرات العسكرية-من بينها أنطاكيا ولاودكية وأفاميا وأنشأوا فيها أحياء للمستوطنين اليونانيين الذين نقلوا معهم لغتهم وعباداتهم وثقافتهم.
استطاع الرومان في ما بعد هزيمة السلوقيين وتمكَّن القائد الروماني بومبيوس من ضمِّ سوريا إلى الجمهوريّة الرومانيّة في عام 64 قبل الميلاد، وعيَّن بومبيوس ماركوس أميليوس سكورس في منصب حاكم سوريا. وبعد انهيار النظام الجمهوري في روما وتحولها إلى النظام الإمبراطوري أصبحت سوريا مقاطعة تابعة للإمبراطورية الرومانية، يحكمها مبعوث رومانيّ.
تعاقب الأباطرة الرومان على حكم سوريا وصولًا إلى ماركوس أوريليوس الفيلسوف الرواقيّ والإمبراطور الروماني السادس عشر الذي حكم من عام 161 م-إلى عام 180 م. ولا بدَّ أنَّ هذا الإمبراطور الذي يوصف بأنَّه “الفيلسوف على العرش” قام بتشجيع التعليم الفلسفيّ في مختلف أنحاء الإمبراطوريّة الرومانيّة وفي مرحلة حكم أوريليوس ظهر فيلسوف سوريّ مرموق من مواليد أفاميا يُعَدّ مؤسس مدرسة الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة في أفاميا ويرد اسمه في المصادر اليونانية هكذا: Νουμήνιος ο ἐξ Ἀπαμείας نومينيوس الذي من أفاميا، لكن لاحظ الباحث أحمد بيضون وبحقّ أنَّ اسم نومينيوس هو ترجمة يونانيّة لاسم عربيّ هو “النُّعمان”.
شاءت الأقدار أن تزدهر مدرسة أفاميا العربيّة فقد عُنيَ نومينيوس (=النعمان) بإعادة إحياء فلسفة بيثاغوراس وأفلاطون وإيجاد صيغة توفيقيّة أفضت إلى وضع قواعد تفكير بيثاغوريّ/أفلاطونيّ، ولقد تحوَّل منهج في هذه المدرسة إلى غاية للمتعلّمين العرب في ذلك العصر، وحظي برعاية كبيرة طيلة القرن الثالث الميلادي ويمكن إرجاع ذلك إلى أنَّ القرن الثالث شهدَ صعودًا ملحوظًا للقوى السياسيّة العربية، فأصبح العرب عاملًا مؤثرًا في التاريخ الروماني طوال ذلك القرن. إذ في ما يتعلق بمنطقة إميسا (حمص الحالية) التي تتبع لها أفاميا، كانت جزءًا من مما يُسمَّى تسوية بومبيوس الذي لم يضم إميسا مباشرة إلى الإمبراطورية الرومانية، بل تركها كدولة تابعة يحكمها كهنة-ملوك عرب من سلالة محلية، مع الاعتراف بالسيادة الرومانية. هذه السلالة التي تنحدر منها جوليا دومنا، استمرت في حكم إميسا حتى أواخر القرن الأول الميلادي تحت الحماية الرومانية. علاوة على أنَّ جوليا دومنا تزوجت من الإمبراطور الرومانيّ سيبتيموس سيفيروس (حكم من 193 -211 م) فظهرت سلالة السيفريين Severan dynasty وكانت جوليا دومنا هي التي قدمت العنصر العربي لهذه السلالة، بصفتها زوجة للإمبراطور سبتيموس سيفيروس وأم لابنه الإمبراطور الآخر كاراكالا، لكن ما يميّز جوليا أنَّها كانت مقبلة للغاية على الفلسفة. حتى خلال حياة زوجها الإمبراطور، وتشكلت حولها دائرة من الشخصيات الأدبية والمهتمين بالفلسفة. وكان من بينهم الفيلسوف السوفسطائيّ فلافيوس فيلوستراتوس Flavius Philostratos (170-249 م)، الذي كتب -بناء على طلب من جوليا نفسها-سيرة ذاتية للفيلسوف البيثاغوري الجديد أبولونيوس من تيانا Apollonios of Tyana (15 م-98 م)، وهذا يدلّ على اهتمامها بالتعليم البيثاغوريّ الذي وضع أسسه نومينيوس في مدرسة أفاميا.
لكن في النصف الثاني من القرن الثالث الميلاديّ في ظل حكم أذينة وبعده زوجته زنوبيا ملكة تدمر أُعيد إحياء مدرسة أفاميا، فقد كلَّفت زنوبيا الفيلسوف السوريّ أميلوس Amelius وهو من مواليد أفاميا، مسقط رأس نومينيوس بإعادة إحياء المدرسة البيثاغوريّة الأفلاطونية في أفاميا.
لكن حتى نفهم الأمر على نحو أكثر دقة يجب أن نعرف أنَّه بفضل نومينيوس المؤسس الأوَّل لمدرسة أفاميا انتقل تأثير المدرسة إلى الإسكندريّة، وظهر فرع ثان سكندريّ لمدرسة أفاميا يُعرف بمدرسة الإسكندرية للأفلاطونية الجديدة، وتولّى زعامتها أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas (175-243 م)، ولقد تتلمذ الفيلسوف الشهير أفلوطين (204-270) في الإسكندريّة على أمونيوس ساكاس ثم سافر أفلوطين إلى روما وأسس فرعًا ثالثًا لمدرسة أفاميا في روما، واشتهرت هذه المدرسة هناك في روما حتى إنَّ إميلوس نفسه قبل أن تكلّفه زنوبيا (240-275 م) بإعادة إحياء مدرسة أفاميا سافر إلى روما وتتلمذ على أفلوطين وبقي معه لأكثر من عشرين عامًا، حتى عام 269 م، ثم قفل راجعًا إلى مسقط رأسه في أفاميا. ويُرجَّح أنَّ زنوبيا كلَّفته بعد عودته بإعادة إحياء مدرسة أفاميا. هذا إلى أنَّ إمليوس كان قد التقى في روما بأحد أهم فلاسفة الأفلاطونيّة الجديدة وهو الفيلسوف السوريّ مالك الذي من باشان المعروف بين مؤرِّخي الفلسفة بلقبه بورفيريوس Πορφύριος ومعناه باليونانيّة “الأرجوانيّ”، وكان قد أعطاه إياه أستاذه كاسيوس لونغينوس حينما كان يتتلمذ عليه في أثينا، وإميلوس هو الذي دفع بورفيريوس إلى أن يأخذ فلسفة أفلوطين على محمل الجِدّ، لأنَّ استهتر بمحاضرات أفلوطين عندما سمعها لأوَّل مرَّة معتقدًا أنّه يكرر الكلام الوارد في مؤلَّفات نومينيوس السوريّ.
لكن كاسيوس لونغينوس نفسه عاد إلى مسقط رأسه في حمص بعد أن قضى معظم حياته في أثينا فسمعت به زنوبيا هذه الملكة المُحبّة للفلسفة، فاستدعته وطلبت منه أن يعلّمها الآداب اليونانيّة. غير أنَّ لونغينوس سرعان ما تحوّل إلى مستشار لزنوبيا فنصحها بالاستقلال عن الحكم الروماني وأن تصبح مملكة تدمر ذات سيادة مستقلة، وفعلَا طالبت زنوبيا الإمبراطور الروماني آنذاك أوريليان باستقلال مملكتها عن الإمبراطورية الرومانية، لكن كانت النتيجة استيلاء أوريليان على تدمر وتدميرها، وعندما واجه أوريليان زنوبيا بذنبها تنصّلت من التهمة وألصقتها بأستاذها لونغينوس الذي نفَّذ فيه أوريليان حكم الإعدام، فتقبَّله بشجاعة منقطعة النظير.
لم تنتهِ مدرسة أفاميا بعد موت زنوبيا 275 م، لأنَّ فيلسوفًا عربيًّا سوريًّا آخر هو يامبليخوس Ἰάμβλιχος (245-325 م)، ينحدر من السلالة الحمصية أو آل شمسيغرام أعاد إحياءها، وكان يامبليخوس قد تتلمذ على بورفيريوس في روما، ذلك أنَّ بورفيريوس أصبح رئيس مدرسة روما بعد موت أفلوطين؛ لكن يامبليخوس عاد من روما إلى سوريا عام 304 م ليعيد إحياء مدرسة أفاميا.
تتلمذ على يامبليخوس عدد من الفلاسفة من أهمهم الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ Sopater of Apamea (مات قبل عام 337 م) وسافر إلى القسطنطينيّة ليؤسس هناك فرعًا رابعًا لمدرسة أفاميا، وعُقدت عُرى الصداقة بينه وبين الإمبراطور قسطنطين العظيم لكن انقلب قسطنطين العظيم عليه وأعدمه بسبب مكيدة حاكها قنصل رفيع المستوى في الإمبراطورية الرومانيّة هو فلافيوس أبلابيوس. وتتلمذ على يامبليخوس أيضًا أيديسيوس Aedesius (مات قبل عام 355 م) وأسس أيديسيوس فرعًا خامسًا لمدرسة أفاميا في بيرغامون Pergamon التي تقع الحافة الشمالية لسهل كايكوس في منطقة ميسيا التاريخية في شمال غرب تركيا.
كان من بين المتأثرين بتعاليم مدرسة أفاميا سوريانوس Syrianus (مات 437 م) الذي لا نعرف شيئًا عن نشأته، لكن يبدو واضحًا من كتاباته أنَّه درس مؤلفات يامبليخوس، وهذا دليل على أنَّه من أصل سوريّ، كما إنَّ اسمه يُفصح عن ذلك. سافر سوريانوس إلى أثينا وتتلمذ على الفيلسوف اليونانيّ الأفلاطوني المحدث بلوطرخوس الأثينيّ الذي كان رئيس أكاديميّة أفلاطون، وبعد أن مات بلوطرخوس الأثيني عام 430 م أصبح سوريانوس هو رئيس أكاديمية أفلاطون، ثم جاء بروقلوس (412-485 م) الذي ولد في القسطنطينية لعائلة ذات مكانة اجتماعية عالية من ليقيا، ويُرجَّح أنَّه اطلع على فلسفة مدرسة أفاميا، من تأثيرات المدرسة التي كان قد أسسها الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ في القسطنطينيّة. ثم سافر بروقلوس إلى أثينا وتتلمذ على سوريانوس، وأصبح رئيس الأكاديميّة بعد سوريانوس. وخلف بروقلوس على الأكاديميّة مارينوس من نيابوليس Marinus of Neapolis (45-500 م) وهو من مواليد نابلس في فلسطين، ثم يظهر دامسقيوس Damascius المولود في دمشق عام 462 م وتأثر هو كذلك بمدرسة أفاميا، وسافر إلى أثينا وتتلمذ هناك على “مارينوس” نفسه الذي أصبح-كما ذكرنا-رئيس أكاديمية أفلاطون، وشاءت الأقدار أن يخلف دامسقيوس مارينوس بعد موته ليصبح آخر رئيس لأكاديميّة أفلاطون بسبب مرسوم الإمبراطور البيزنطي جستنيان الذي قضى بإغلاق المدارس الفلسفيّة ومن بينها أكاديمية أفلاطون في أثينا، فكان دامسقيوس أو الدِّمشقي آخر رئيس لها حين أُغلقت في عام 529 تحت حكم جستنيان. وهكذا شاءت الأقدار أن يكون سوريٌّ آخرَ الفلاسفة العظماء، آخر فيلسوف انبثق من روح مدرسة أفاميا ليصبح آخر رئيس لأعظم أكاديمية فلسفيّة في العالم القديم.
[تُنشر هذه المقالة بموجب اتفاقية تجمع بين موقع صالون سوريا وجدلية].
بواسطة د. علي محمد صافي | يونيو 16, 2025 | العربية, بالعربية, مقالات
المواطنة تعني بشكل أو بآخر الجنسية، إنها رابطة معنوية تجمع بين المكونات البشرية في بوتقة جغرافية تُعرف باسم الوطن، ومنه يظهر الاشتقاق اللغوي للمواطنة، وهي لا تُعرف إلا من خلاله، ولا تُعرَّف إلا به.
والجنسية رابطة قانونية تنظم علاقة الأفراد أو المواطنين، الذين يشكلون ركناً أساسياً من أركان الوطن، تنظم علاقة المواطنين فيما بينهم، من جهة، وعلاقتهم بالنظام السياسي القائم في أي دولة من الدولة من جهة أخرى.
والجنسية أو المواطنة مفهوم جديد لم يظهر إلا مع ظهور الدولة القومية الحديثة في أوربا ابتداءً من القرن الثامن عشر. تلك الدولة التي قامت على أساس قومي أو وطني جامع لكل مكونات الدولة العرقية أو الدينية، دونما أي شكل من أشكال التمييز حيث ظهرت فكرة المواطنة كرابطة تجمع وتحكم جميع أفراد الدولة، ومعها صار مفهوم الدولة يشير إلى هذا المعنى الأوربي الحديث، أي الدولة القومية أو الوطنية، دولة المواطنة.
في دولة المواطن يكون الوطن لكل مواطنيه، وليس مزرعة لآل فلان وآل فلان، حينما يكون الوطن ملكاً للشعب، يصبح للوطن معنى ويصبح الانتماء انتماءً للوطن، أما حينما يكون الوطن منهوباً بما فيه حينها يصبح الشعور بالانتماء ضعيفاً وربما معدوماً. وحينما يكون الوطن ملكاً للجميع وعلى نحوٍ متساوٍ، حينها نجد أفراده يقومون بما يتوجب عليهم من واجبات تجاه وطنهم، قبل المطالبة بحقوقهم. يبذلون الغالي والرخيص كرامة للوطن وليس تقديساً لشخص بعينه أو أسرة بذاتها.
في دولة المواطنة يتساوى الجميع أمام القانون، كأسنان المشط حسب التعبير الإسلامي، القانون الذي يسنه المواطنون من خلال مجالس شعبية تمثلهم خير تمثيل، والمواطن لا يشارك فقط بسن القوانين، بل يشارك في حكم البلاد وإدارتها السياسية، ولا يوجد أي تمييز بين المواطنين من حيث حقوقهم السياسية، وباقي الحقوق. المواطنة من حيث الأساس تعني المساواة في بين الأفراد في الحقوق والواجبات.
أما حينما تكون المواطنة مجرَّد بطاقة شخصية، كما هو الشأن بنظام الأسد الساقط، حينها تظهر المأساة، لأنه يتم اختزال الحقوق في جرة غاز أو كسرة من الخبز المحروق، أما الواجبات فحدث بلا حرج.
كنت دائماً أتساءل ومنذ ما قبل الثورة السورية المباركة ما الذي يميزني أنا كسوري عن غيري من غير السوريين الذين يعيشون ببلدي، كنت دائماً أعترض عندما أسمع بوسائل الإعلام المحلية كلمة مواطن ومواطنة، لأنني أعتبر أن هذه المفاهيم هي بلا مدلول أو صدق واقعي. لم يكن لدينا في سورية دولة بمعنى الدولة، ولم يكن مواطنوها مواطنين بمعنى الكلمة. وكل ما هنالك هو وجود أفراد أو رعايا، بل رهائن، يرتهنها النظام الساقط من أجل تحقيق مصالحه بالحماية والابتزاز والنهب والاتجار بأبنائه.
والآن وبعد سقوط الأسد، وسقوط المنظومة الأسدية الحاكمة إلى غير رجعة، وعودة الوطن لأهله، صار لازماً العمل على بناء الوطن والمواطنة على أسس وطنية صحيحة، والحقيقة واجهتنا وتواجهنا في سوريا صعوبات كأداء وتحديات جمة لبناء الوطن والمواطنة، نذكر أهم هذه التحديات، على سبيل المثال وليس الحصر.
1- العدوان الخارجي والاحتلال: العدوان المتمثل بالاعتداءات الصهيونية، واحتلال جزء من الأراضي السورية، يمثل تحدياً أولاً ليس للمواطنة فقط، بل لقيام وطن أو دولة مستقرة لأن العدوان يدمر قدرات وخيرات البلاد العسكرية والاقتصادية، كذلك فإن الاحتلال يحرم البلد من خيرات الأراضي المحتلة.
2- الانهيار الاقتصادي: حيث قام النظام الساقط بنهب كافة المقدرات الاقتصادية، وبدون اقتصاد قوي لا يمكن للسلطات الجديدة الايفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها. وبالتالي فإن المواطن سيواجه صعوبة في حصوله على حقوقه المادية. وهذا يخل بمقوم أساسي من مقومات المواطنة.
3- العقوبات الدولية: حيث تشكل العقوبات عقبة كبيرة أمام عملية الانتعاش الاقتصادي واعادة تأهل البلاد وإعادة إعمارها. إن العقوبات الدولية قد عمقت حالة الترهل الاقتصادي، وأدت إلى عجز السلطات الجديدة، حتى عن زيادة رواتب الموظفين، التي وعدت بها، مما يعمق حالة البؤس التي يعيشها المواطن وبالتالي يقف عائقاً أمام تحقيق المواطنة على نحو أمثل.
4- حالة الانقسام الطائفي والعرقي: يشكل الاحتقان والاقتتال الطائفي والعرقي أكبر خطر يمكن أن يهدد المواطنة بل يهدد قيام الدولة برمتها. إن وجود أي شكل من أشكال التمييز، وبالذات التمييز على أساس طائفي، أو عرقي يحيل أفراد الشعب إلى جماعات عنصرية متناحرة، وهذا يعمق حالة الانقسام داخل المجتمع، ويزيد من انهيار الاقتصاد المنهار أساساً، وكذلك قد يستدعي ذلك تدخل أطراف خارجية لصالح هذا الفريق أو ذاك بحجة حماية الأقليات.
إن بناء سورية جديدة، قوية منيعة لا يمكن أن يتم إلا على أساس وطني جامع لكل السوريين، لا فرق فيه بين عربي أو كردي ولا بين مسلم أو مسيحي، سني أو شيعي، علوي أو درزي أو اسماعيلي. حينما يتحقق الشرط الأول في المواطنة وهو شرط المساواة بين جميع مكونات المجتمع السوري، عندها يمكن الحديث عن دولة المواطنة.
والدولة المدنية دولة المواطنة، ليست معطى ناجزاً أو هبة سماوية يؤتها الله من يشاء، أو يتم فرضها بقرار أو وصاية هنا أو هناك، بل هي شيء ننجزه نحن بأيدنا، فالشعب الذي هو أس الدولة وأساسها، وهو الذي يبني الدولة، الشعب بكل مكوناته مسؤول مسؤولية تامة عن بناء الدولة. فبناء الدولة ليست مهمة محصورة بالنظام السياسي، لأن النظام الساسي ليس هو الدولة بل هو جزء منها. الدولة لا تبنى إلا يتكاتف كل أبنائها وتلاحمهم . والغريب أن بعض شرائح أو فئات الشعب لا أقول طوائف، ترى أن بناء الدولة من مهام السلطة الحاكمة، وتنتظر من السلطات الجديدة أن تبني الدولة، وهذا أمر عجيب، لأن بناء الدولة مسؤولية الجميع. وكل منا يجب أن يساهم في هذا البناء.
يقول البعض إن السلطات الجديدة تستأثر بالحكم، وإنها تسير على خطى النظام الساقط، في قمع الحريات والاستبداد، وأنها تعمل على أسلمت أو سلفنة (سلفية) الدولة، حسناً أنا لن أكلف نفسي عناء الرد على هذه الادعاءات والزود عن السلطة الجديدة، بل أوجه ندائي إلى صاحب هذه الادعاءات وأطالبه، بأن ينخرط في عجلة بناء الدولة، وإن كانت السلطة الجديدة كما تدعي فاعمل أنت على تغيير واصلاح ذلك. كيف للدولة أن تقوم إذا كل فريق رفض تسليم سلاحه، ورفض الخروج خارج حدود محافظته أو إقليمه؟ كيف نرفض المساعدة في بناء الدولة ونرفض حتى الاعتراف بها كدولة، ثم نطالب الدولة بأن تكون منصفة وديمقراطية ومعتدلة. أو ليست الدولة أنا وأنت؟ كيف تستأثر بجزء من الأرض والشعب والخيرات، وترفض توحيد السلاح، وفي الوقت نفسه تنتقد الدولة لأنها ليست دولة؟
أنا لا أقول للمسلم أن يترك إسلامه، ولا للسني أن يترك سنيته، ولا للدرزي أو العلوي أو الكردي أن يهجروا مذاهبهم وقومياتهم، لكل منهم دينة ومذهبه، وقوميته الخاصة به، لكن نحن لن نتحد ونشكل دولة طالما أن كل منا متمسك بخصوصيته، ويريد دولة على مقاس هذه الخصوصية. الدولة لن تبنى إلا إذا اجتمعنا على ما يجمعنا لا على ما يفرقنا، وما يجمعنا في هذا الوطن الغالي هو سوريتنا، السورية هي القاسم المشترك لكل السوريين، لكل منا دينه ومذهبه وقوميته، لا بأس من ذلك، لكن إذا أردنا بناء دولة قوية منيعة فلا بد من أن نلتف جميعاً حول وطننا. لنبني معاً دولتنا كما نريد لها أن تكون، ولتكن دولة المواطنة دولة الحرية والديمقراطية والعدالة، لتكن دولة الإنسان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
بواسطة سالي موسى | يونيو 12, 2025 | Cost of War, News, Reports, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
شكّل سقوط النظام السوري لحظة انعتاق سياسي كبيرة؛ لقد كان بمثابة مرآة عاكسة لانهيارٍ طويل الأمد في معنى الدولة ومفهوم الجماعة. انكشفت البلاد على تيهٍ سياسي لم يصنعه الحدث وحده، بل راكمته سنوات القمع، حتى بات غياب السياسة هو السياسة، وغياب العقد هو قاعدة العيش. انحسرت مشاغل السوريين، بعد زوال القبضة المركزية، إلى تفاصيل عابرة، بعيداً عن صياغة مشروع وطني جامع. راحوا يتقاذفون التهم كمن يتنازع على ظل وطن منهار: “أنتم من دمّر”، “نحن من خُذل”. ومع كل تبادل للاتهام، كانت فكرة الـ”نحن” الوطنية تتآكل، ويصعد من تحتها طيف الطائفة، والعشيرة، والجهة، والنجاة الفردية.
وكلّ ذلك كان نتيجة لطبيعة الدولة التي حكمتهم، والتي لم تشكّل يوماً عقداً جامعاً، بل كانت منظومة أمنية محكومة بمنطق الشكّ والسيطرة. في صيغتها العميقة، لم تُبنَ الدولة السورية على المواطنة، كما رأينا، بل على الإذعان: صمتٌ مقابل الأمان، طاعةٌ مقابل البقاء، وذاكرة معلّقة مقابل النجاة. وما كان يُروّج له كهوية وطنية، لم يكن أكثر من قناع هشّ، يخفي تحته نظام فرز اجتماعي قائماً على الولاء وتوزيع الخوف.
في هذا السياق، بدا أن النظام السوري السابق لم يطبق نظرية “هوبز”، بل انقلب عليها. فهوبز تخيّل العقد كوسيلة لخروج الإنسان من حالة الطبيعة، من الخوف المطلق إلى سلطة تحفظ الحياة. أما في سورية، فكانت السلطة هي من يُدير الخوف، ويُعيد إنتاجه، ويُحوّله إلى نظام حكم. تحوّل العقد من أداة لدرء الفوضى إلى وسيلة لتأبيدها، ومن أفق لتنظيم الجماعة إلى شبكة تُخضِع المجتمع باسم حفظ الدولة. وإذا كان “هوبز” قد افترض أن السيادة هدفها الحياة، فقد جعلها النظام أداة لحصارها.
وحين انفجرت الثورة السورية (مارس / آذار 2011)، لم يكن الناس يثورون ضد عقد اجتماعي هشّ، بل يطالبون بكتابته لأول مرة. إلا أن غياب هذا العقد، الذي كان مستتراً بقوة القمع، ظهر فجأة كفجوة لا تسد. يوم سقط نظام الأسد لم تنهض بدائل سياسية، بل تصدّعت البلاد على وقع الولاءات القديمة، وتحوّل الغياب إلى تشظٍّ في كل الاتجاهات. لم تسقط دولة، بل سقط معها التصوّر عن إمكانية الاجتماع نفسه.
في هذا الفراغ المفتوح على كل الاحتمالات، جاءت المراسيم الانتقالية كإشارات لبداية ما يُفترض أنه مسار عدالة ومصالحة وطنية. لكنها، وقد فُرضت من أعلى ومن خارج أي تعاقد مجتمعي حقيقي، سرعان ما بدت محكومة بمنطق الانتقاء، أكثر من سعيها إلى تحقيق عدالة شاملة. وهنا تتبدّى الإشكالية الأعمق: هل يمكن لعدالة انتقالية يشوبها عيب الانتقاء، أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد؟ أم أنها، بهذا العيب البنيوي، تتحوّل إلى أداة ناعمة لإعادة تدوير عقد الطاعة القديم، وإلباسه لغة قانونية خالية من الروح؟
من الناحية الشكلية، بدت هذه المراسيم كمحاولة للاعتراف بمرحلة ما بعد الانهيار، وكإشارة رمزية إلى نية معالجة إرث الانتهاكات. لكنها، في جوهرها، لم تكن أكثر من محاولة لإدارة الفراغ لا لملئه، ولم تأتِ في إطار تعاقدي حقيقي أو برؤية جامعة. لقد كُتبت من خارج المجتمع، وبقيت أسيرة لما تسمح به البُنية الجديدة، لا لما تتطلبه الحاجة التأسيسية لإعادة بناء المعنى الوطني المشترك.
مرسوم “هيئة العدالة الانتقالية” (رقم 19 لعام 2025) وُلد بلا صلاحيات تنفيذية واضحة، ولا ضمانات استقلال عن مراكز القوى الجديدة. أما مرسوم “هيئة المفقودين” (رقم 20)، فقد اكتفى بتسجيل البيانات الإدارية، دون التزام فعلي بكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا أو محاسبة الجناة. غابت في هذه المراسيم آليات المشاركة، والإقرار بمسؤولية الدولة السابقة، وخارطة الطريق التي يمكن أن تعيد الاعتبار للعدالة كمطلب وطني لا كهيكل إداري.
وما يزيد هذا الغموض أخلاقياً وخطورة سياسية، هو أن هذه المراسيم تجاهلت ضحايا فاعلين آخرين، كالذين سقطوا على يد تنظيم داعش، أو اختفوا في مناطق خارجة عن سيطرة النظام. هذا الإقصاء ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يشكّل بذرة تفكك إضافية: فعندما تُقصى جماعات بأكملها من مسار العدالة، ويُترك ألمها في الظل، فإنها لا تندمج في مشروع الدولة، بل تتكتل خارجها. تتكوّن حينها ذاكرة مظلومية موازية، قابلة للاستثمار في منطق الثأر أو الانعزال، أو حتى الرفض التام لفكرة التعايش تحت مظلة عقد لم يعترف بها، ولم يحتسبها كطرف فيه.
إن تجاهل هذه الشرائح من الضحايا لا يعمّق الانقسام فحسب، بل يُهدد كل إمكانية لبناء وطن يضم الجميع. العدالة الانتقائية لا تصالح أحداً، بل تُراكم مشاعر الغبن، وتحوّلها إلى قنابل اجتماعية مؤجلة. فالعدالة، كي تؤسس لعقد جديد، يجب أن تكون شاملة، لا في إجراءاتها فقط، بل في رؤيتها لسوريا كوطن تعددي، جُرحه موحّد، وإن اختلفت الأيدي التي أصابته.
لكن خطورة الانتقاء لا تقف عند حدود من تم إسقاطهم من سجل الضحايا، بل تمتد إلى الفاعلين الرماديين الذين ظلّوا عالقين بين خانة الجاني والمجني عليه. هؤلاء الذين لم يطلقوا النار، لكنهم سكتوا حين أُطلق، أو شاركوا في إدارة الحياة اليومية تحت سلطات أمر واقع، أو غلّفوا الصمت بالخوف، والتواطؤ بالحكمة، والنجاة بالبراغماتية. لم تكن خياراتهم بالضرورة خيانة، لكنها كانت فعلاً سياسياً من نوعٍ مختلف، لا يعترف به خطاب العدالة الكلاسيكي.
يغدو اختزال العدالة في المحاكم والقوانين ضرباً من السطحية. في سورية، كانت الجريمة متغلغلة في النسيج السياسي والاجتماعي، لا فقط في غرف التحقيق. لذا فإن أي مشروع للعدالة في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن يتجاوز التعويضات والمحاسبة، ليمسّ الجرح الأعمق: أزمة الثقة، وتفكك العقد الاجتماعي، وغياب المساحة المشتركة التي يمكن أن تلمّ شتات السوريين. إنّ مواجهة النظام السابق لا تبدأ وتنتهي في المحاكم، بل في قاعات الذاكرة، في الحقول التي مات فيها الأبرياء بصمت، في الحارات التي تحوّلت إلى خطوط تماس، وفي بيوت الناجين الذين لم يجدوا من يسمعهم. لهذا، لا يكفي أن تصدر مراسيم “تنظيمية” لتكون لنا عدالة، بل نحتاج إلى شجاعة ثقافية لطرح السؤال المؤلم: “من نحن بعد كل هذا الألم؟ وما الذي يجعل منا شعباً قادراً على العيش معاً من جديد؟”
وإن كانت العدالة الانتقالية تتموضع غالباً في أروقة المحاكم، فإن العدالة التصالحية تُبنى في المجتمع، بين الناس، بالاعتراف والمواجهة وإشراك أهالي الضحايا أنفسهم. من دون ذلك، لا يمكن لمجتمع أن يُشفى، ولا أن يطوي صفحة الماضي دون الوقوع في منطق الثأر أو الإنكار. على الأقل، لا بد من طرح رمزي من هنا تأتي الحاجة إلى مساحات رمزية-أخلاقية”، مستوحاة من تجربة “الغاشاشا” تلك المحاكم الشعبية التي سمحت للقاتل والناجي بالجلوس في المكان ذاته في رواندا، ولكن بما يتناسب مع السياق السوري. ليست هذه محاكم جنائية، بل فضاءات تُحاكم فيها الذاكرة الصامتة.
إن ما تبقّى من العقد الاجتماعي في سورية ليس سوى أطلال شرعية لم تُبنَ قط، و إرث ثقيل من الخضوع المغلّف بلغة الدولة. ومع ذلك، لا تزال إمكانات العقد قائمة، وإن كانت مشروطة. فالعقد، ليس نموذجاً مستورَداً من التجربة الأوروبية، إنه ديناميكية تفاوضية تُبنى بتراكم الاعتراف، وبنبذ العنف، وبتطوير شرعية مكتسبة لا مفروضة. الشرط الأول لذلك هو الانتقال من منطق القسر إلى منطق التعاقد؛ من احتكار السياسة إلى تعميمها كحيز عمومي مفتوح. وهذا لا يتم عبر نصوص فوقية، بل بإعادة هندسة الثقافة السياسية ذاتها، لتكون ثقافة الاختلاف والمصلحة العامة، لا ثقافة الاصطفاف والارتهان.
كما تبرز العدالة الانتقالية كحقلٍ حاسم في هذا التحوّل: فهي مسار لتسوية انتهاكات الماضي، ولحظة تأسيس ثقافي وأخلاقي تُختبر فيها قدرة المجتمع على مغادرة ثقافة العنف نحو ثقافة التفاوض. فإن بقيت العدالة انتقائية، تُدار بالأدوات نفسها التي صنعت القهر، فإنها لا تفتح أفقاً جديداً، بل تُعيد إنتاج ما كان، بلغة أكثر نعومة. أما إذا تحوّلت إلى أفق تفاوضي فعلي، يُعيد توزيع الاعتراف ويكسر صمت الضحايا، فإنها قد تشكّل نقطة انطلاق لعقد اجتماعي حقيقي، ينهض على توازن الذاكرة والمسؤولية المشتركة.
في مجتمعٍ لم تُمارس فيه السياسة إلا كقسر، ولم تُبْنَ فيه الدولة إلا على إخماد الصوت، لا يكون سؤال العدالة سؤالاً تقنياً، بل سؤالاً على صورة العقد نفسه: هل نريد أن نُبنى كجماعة سياسية حقيقية، أم نعيد تمثيل الطاعة تحت مسميات جديدة؟ العدالة، إذاً، ليست ما يسبق العقد، ولا ما يليه، بل هي محكّه الأول، واختباره الأشد وضوحاً.
بواسطة وداد سلوم | يونيو 8, 2025 | Cost of War, Culture, Reviews, العربية, بالعربية
صدر للشاعرة السورية هنادي زرقة هذا العام كتابين في فترة متقاربة عن دار أثر وهما ديوان شعر بعنوان “مثل قلب على مدخل البيت” والثاني بعنوان “ماذا تعرف أنت عن الحرب”.
جمعت زرقة في كتابها الثاني مقالات كانت قد كتبتها خلال الحرب السورية بعين الشاعرة الحساسة والواعية والمراقبة التي بقيت في البلد إلى فترة قريبة، ولم يمنعها وجودها في قرية من قرى الساحل البعيدة عن الأحداث المباشرة من الاقتراب من الهم العام والمشاركة به ورصد تشعبات وخيوط المقتلة السورية في المحافظات البعيدة والقريبة، وعبر ما يصل إلى مدينتها من مهجرين وضحايا.
تنتقل زرقة من العام إلى الخاص وبالعكس، حتى يتشابكان ويطغى أحياناً أحدهما على الآخر ثم العكس في توليفة قريبة من قلب القارئ وإحساسه ومنتقلة بين هذا وذاك وبين المعلومة العامة المتنوعة بين الفكري والسياسي والجغرافي لتصنع في كل مقال لوحة متكاملة يستطيع القارئ من خلالها تكوين فكرة واضحة عن حدث معين في خريطة البلاد.
مسلطة الضوء على تحولات الصراع في سوريا والحرب الدائرة فيها عبر أعوام طويلة قبل سقوط نظام الأسد، كان فيها الناس يتداولون عبارة: (الله يفرجها على العباد) وكأنهم كانوا ينتظرون فرجاً إلهياً للخلاص. بينما بقي الحذر حاضراً بينهم. ومن الرقة المدينة المهملة تاريخياً والتي انتفضت على النظام فعوقبت بتركها لقمة سائغة أمام داعش والتطرف المسلح فعانت من هجرة أبنائها بصمت، إلى حلب وطرطوس وغيرها. وكيف صارت الهجرة هاجس الشباب على تنوعهم وصار مستغرباً أن يبقى أحد في البلد. تتساءل هنادي: هل السفر خيانة؟ وحين يكون الثمن هو الحياة هل سيكون الخلاص الفردي خيانة؟ بينما تتحول البلاد إلى مقبرة والبقاء يعني الشروط الدنيا للحياة وترى في مكان آخر أن “البلاد جثة محمولة على الأكتاف وما من مقبرة تدفن بالمجان سوى مقبرة التطرف”.
قد يقول من يقرأ هذه السطور إنه التشاؤم لكنها هواجس كل سوري، وفي السياق تعود زرقة لتحليل الحالة السورية فتحمّل النخب مسؤولية التقصير في توجيه الحراك منذ البداية والاكتفاء بالمراقبة مما تركه عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية والدينية، فأطال عمر النظام ومعاناة البشر، وتذكر كيف منحت صيحات المناداة بالتدخل الدولي والعسكري المبررات للنظام البائد الذهاب بالعنف إلى الآخر، أما عن دفع الأثمان فنرى العائلات المهجرة تنتظر سلال الإغاثة التي اجتمع المهجرون عليها من كل الأطراف تحديداً النساء منهم في باحة كنيسة ورغم الحذر والتخوف من الآخر انتهى بهن الأمر إلى تبادل رواية المأساة حتى البكاء و كأنه نداء إنساني يوحدهم تجاه المتاجرين بالدم السوري، لم تكن جهة الإغاثة تابعة لأي طرف لكن العاملين فيها كانوا من كل طوائف سورية.
كان الساحل حافلاً بصور الضحايا والنعوات والعاهات الناجمة عن إصابات الحرب وأطفال المهجرين الذين حاولوا البحث عن بيئة آمنة، حتى بات يعاني من كثافة سكانية هائلة.
تقول زرقة: “الساحل يحكمه الخوف” لعله الخوف الناجم عن تلك المشاعر المتناقضة ولعله الخوف من المستقبل بالتركة الصعبة التي حملها. وهو ما ظهر للأسف بعد سقوط النظام.
تميل هنادي أحياناً للإسهاب في سرد الذكريات الشخصية والعائلية وإعادة تقييمها وتأثير الآخرين على شخصيتها موازية بين مرض والدتها بالزهايمر ومرض البلاد التي صار بينها وبين أبنائها غربة كبيرة. وتحدثنا عن صديقتها مها جديد التي عملت بالإغاثة وما قدمته لسوريا، الجميل في حديث زرقة عنها أنها لا تتجه إلى الرثاء رغم كل ما تركته صديقتها من ألم بغيابها بل تحدثنا عن أعمالها وقيمتها الإنسانية وعن أفعالها.
في الجزء الذي تنشغل فيه بالهم العام والمعاناة الاقتصادية اليومية للبشر يظهر ذلك التردد الذي شغل كل السوريين، وهو البقاء في البلاد ورغم تأكيدها أنه حالة طبيعية كالتنفس لكن ذلك كان بمثابة إشارة لفوات البديل فالطبيعية تغدو حالة غير عادلة في عمق الصراع.
تسافر هنادي زرقة أخيراً إلى ألمانيا، تقول: “لا يموت الغرباء بالسرطان أو احتشاء القلب بل يقتلهم الحنين وتفتك بهم الذكريات”، وهو ما ينقلنا إلى ديوانها ” مثل قلب على مدخل البيت ” الذي نوهنا لصدوره في البداية. يأخذنا العنوان إلى قصيدة قلب ينبح وحيداً، فالبلاد التي تحترق تحيل الحريق إلى دواخلنا حتى أنها تنوي أن تترك قلبها على مدخل البيت مربوطاً مثل كلب يحرسه ويشيخ، وحين توضب ثيابها وتضع النفتالين لتحفظها تتساءل هل ينفع ذلك مع الذكريات، وتسارع إلى الرغبة برمي كل شيء واقتناء ذكريات جديدة.
تتابع هنادي في ديوانها ذلك الاشتباك بين العام والخاص، العام الذي تبدل بسفرها وانتقالها إلى برلين لكنه بقي يمارس تلك الثنائية مع الخاص وتمكيناً للتجربة الذاتية حيث الحيز الأكبر في الديوان والذي يبدأ بقصيدة تفصيلية لملامح وجهها في المرآة كأنها تقرأ لوحة محايدة، وتعطيها دلالات عديدة، تتأملها راجية أن تنال في النهاية ضحكة في زمن الموت وكأنها تقول كم هي عزيزة تلك السعادة.
لتتابع فيما بعد عرض تاريخ عائلي للألم من فقدان الأب إلى الفقر الذي فرد جناحيه على العائلة بعد موته ومعاناة الأم في بلاد لا ترحم ولا تنتبه إلى آلام سكانها.
تعترف زرقة أن الشعر أعاد ولادتها، الولادة من رحم الشعر هي التي تختارها وهي التي تستحق الاحتفاء، حين كتبت أول قصيدة أهدت نفسها قالب حلوى واحتفلت بميلادها الجديد. اختيار ميلادها بمثابة الاستقلالية المؤكدة والتي تتابعها فيما بعد حين تؤكد أن الحياة تعلمنا الاعتناء بأنفسنا كأمهاتها لنكمل نقص الحنان فيها في إشارة أخرى إلى مرض الزهايمر الذي قلب الأدوار بينها وبين أمها.
تشغل قصائد زرقة الوحدة بشكل كبير وإن كانت حاضرة في البلاد فقد تضاعفت بعد سفرها على ما يبدو فالوحدة التي نطلبها في مرحلة من الحياة تتحول إلى عبء مؤلم لا فكاك منه، وبينما يعمد الآخرون إلى تربية الحيوانات لاحتمال الوحدة تعمد هي إلى الاستعانة بقلبها كحيوان أليف، أو بديل الطفل الذي لم تنجبه، إنه دليل ذلك الاحتواء الذاتي وبلسمة الجراح ذاتياً كتعبير أصيل عن الوحدة الحقيقية.
الوحدة التي تستدعي الذكريات والبكاء والضجر والتي لا يداويها حتى الحب.
تحافظ زرقة على قصيدتها بذات التوهج وفي اختيار النهاية التي تكون على هيئة نقلة نوعية مفاجئة من العام إلى الخاص أو العكس لتجعل القارئ يتلمس ذاته، مع تلك الشفافية المنسابة إلى الأعماق، والفرادة بمحاكاتها.
الزمن شاغل حقيقي في قصيدة هنادي لكنه يتعدى هاجس السن إلى إحصاء الخيبات والمرارات وموت الأصدقاء الذين يشكلونها كما فرانكشتاين، وحين يتساقطون يتركونها غريبة في بلاد هدمتها الحرب.
تقول في قصيدة طحالب تنمو على القلب :
“لماذا تركت الحصان وحيداً؟
كي يؤنس البيت يا ولدي
فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”
أشرد بالعبارات هل تعرف البيوت سكانها الأصليين؟
أراقب الجدران المتهالكة
قطرات المطر وهي تتسلل بين الشقوق
القطط التي تقعي أمام الباب كما لو أنه مهجور
العشب النابت في الممرات
رائحة الرطوبة
الطحالب تنمو على الجدران
وأصوات عويل يصم أذني.
كيف لك ان تفعل ذلك؟
أنا الحصان الذي تركوه كي يحرس البيت من الموت
الحصان الذي سيموت وحيداً
هنادي زرقة شاعرة سورية لها بصمتها الخاصة وصوتها المميز لها في الشعر: “الزهايمر” ، “الحياة هادئة في الفيترين”، “رأيت غيمة شاحبة سمعت مطراً أسود”، وترجمت أعمالها لعدة لغات كالدانمركية والألمانية والفرنسية، وكتبت في السفير والأخبار والآداب وموقع أوان وغيرها.
بواسطة رانيا كرباج | يونيو 1, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
إذا كانت طائفتُنا هي الجذر الوحيد الذي يربطُنا بأرضِنا، فربما نحنُ أشجارٌ ميّتة، كي نعشقَ هذه الأرضَ لا بدّ أن نعرفها، وكي نعرفَها، يجبُ أن ننبشَ عميقاً في التراب، لا أبالغُ إن قلتُ إنّ الحقيقةَ تكمنُ هناك، بين رفاتِ الأجداد، فأن نعرفَ تاريخنا يعني أن نعرفَ من نحن، إنّها الخطوة الأولى على طريقِ تشكيل الهويّة، أمّا طائفتنا فما هي إلا جزءاً من هذا الكلّ، الذي إن ركبنا الزمنَ وسافرنا عبره، سنجدُ أنّ وجودَنا أقدم و أعمق، وإذا كنّا نميلُ إلى التمترسِ خلفَ لحظةٍ تاريخيّةٍ فرّقتنا، فإنّ الخلاص ربما يكمنُ في البحثِ عن لحظاتٍ مُضيئةٍ، وقواسمَ مُشتركةٍ تُحيلنا إلى جذورنا الأعمق في هذه الأرض.
يُقالُ إنّ الأوروبّيون استلهموا نَهضتهم من النقاطِ المُضيئة في تاريخهم، إذ وجدوا في الجذور اليونانية اللاتينيّة ما أعاد دبيبَ الحياةِ إلى ثقافتهم الراكدة، خاصةً مع موجات لجوء العلماء اليونان حاملين معهم مخطوطاتهم القديمة إثرَ سقوط القسطنطينيّة، أمّا النهضة العربية التي بدأت في مصر وتسارعت وتيرتَها أواخر القرن التاسع عشر، حيث كانت بيروت و القاهرة و دمشق و حلب، مراكزَها الأساسية، فإنّ أهم ما تمخّضَ عنها هو إحياء اللغة العربية و فكرة القومية العربية، والمطالبة بإصلاح الدولة العثمانية، ثمّ المطالبة بالاستقلالِ عنها، لقد وجدَ روّاد النهضة في منطقتِنا آنذاك في الجذر العربي ما يوحّدهم و يبعدُهم عن الاقتتال والتنافر.
بحسب أمين معلوف، صاحب الهويات القاتلة، علينا أن نبحث عن التعدّد في هوّيتِنا الفرديّة لنكونَ أكثر تسامُحاً مع ما نسمّيه الآخر المُختلف، والذي إذا أمعنّا النظرَ في تاريخنا سنجدُ أنّنا نحملُ طائفتَهُ أو عرقَهُ أو حتى وطنَهُ الأم، أمّا اختزال الهوية إلى انتماءٍ واحدٍ، يضعُنا في موقفٍ مذهبيٍّ و متعصّبٍ وأحياناً انتحاريّ. يعتقد أمين معلوف بأن كل المذابح التي حدثت خلال السنوات الأخيرة ترتبط بملفّات معقّدة وقديمة عن الهويّة.
أما على المستوى الجماعي، كي تصنعُ الشعوبُ نهضتَها فعليها أن تقفَ على عتبةٍ تُعيدُ فيها تعريف ومعرفة ذاتِها، فأن نبحثَ عمّا يجمعُنا كشعوبٍ ولدَت على بقعةٍ جغرافيّةٍ واحدة لا يلغي التنوّع، ربّما عندما نقفُ على حقيقةٍ جذورِنا المشتركة سوف ننظر إلى الفروع مهما تعدّدت باحترام، إن لم يكن بحُبّ، فقبل أن يكون الإسلام على أرضنا كانت المسيحية، وقبل المسيحية كانت اليهودية والديانات التي أطلقنا عليها وثنيّة. لقد أدى البحث الروحي الطويل الذي تفتّحت بذوره على هذه الأرض، والذي حملهُ أجدادنا على أكتافهم ومشوا الطريق، إلى ولادة ما يسمّى بالفكر التوحيدي، مشكلة الفكر التوحيدي أنّه مع الوقت أصبح إقصائيّاً، أي أنّه فرض نفسهُ على أنّه حقيقة مُطلقة، تلغي كل ما جاء قبلها تحت مسمّيات كالوثنيّة والجاهليّة، وتكفّر كل ما جاء بعدها، ما أدى إلى تنشئةِ شعوبٍ تنظرُ بريبةٍ أو استعلاءٍ إلى بعضها البعض، والأخطر أنّها تجهلُ تاريخها المُمتدّ إلى ما قبلَ التوحيد. ربّما نحتاجُ إلى عينٍ ثاقبةٍ، جريئةٍ، تنظر عبرَ الجدران التي بنَيناها بين بعضنا البعض، كأديان، وطوائف، وإثنيات وُلدَت وعاشت على هذه الأرض، وبين تاريخنا المُمتدّ، لنكتشفَ أنّنا بالحقيقةِ مُتشابهون، نتداولُ القيَمَ و القصصَ ذاتَها، حتى كتُبنا التي نؤمنُ بفرادتِها، ما هي إلّا امتدادٌ لما جاء قبلَها من أساطير.
طبعاً إعادة تعريف ومعرفة الذات ليس بهدفِ الارتكاس أو التعلّق ببرهةٍ زمنيّةٍ تعمينا عن واقعِنا، إنّما بهدف رمي الموروث الميّت والبناء على ما هو حَيّ، تلكَ سيرورة تحرّر لا يخوضها سوى الشجعان، أمّا تشويه الجذور أو إنكارَها فسوفَ يرمي بنا في أتونِ الإقتتالِ و التنافر الذي يسبّبُهُ الإنتماء المُتعصّب، إذ سيتمترَسُ كلّ طرفٍ خلف طائفتِه أو إثنيّته، و لأنّ جذورَه في أرضِه ضعيفة، سوف يرى في الآخرِ تهديداً يجبُ أن يقضي عليه، إنّه إذن قتلٌ دفاعاً عن النفس، لكن أيّ هشاشةٍ تجعلُنا مهدّدين لدرجةِ أنّنا نقتل كل مُختلف، إذ أنّه ربّما وعن غير قصد، يدعونا إلى إعادةِ النظر. المُلفت أيضاً أنّ الصراعات الطائفيّة تكون أشدّ فتكاً من تلكَ الدينيّة، كما أنّ الصراع بين الأخوة هو الأكثر دمويّة، نحنُ نتقبّل على مضض اختلاف من نعتبرهم غرباء، في حين لا نتساهل مع الأقرباء أو الإخوة.
بحسب المفكّر المغربي محمد عابد الجابري “للهوية الثقافية مستوياتٌ ثلاثة، فردية، و جمعويّة، ووطنيّة قوميّة، والعلاقة بين هذه المستويات تتحدّد أساساً بنوع الآخر الذي تواجهُه، وهي كيانٌ يصير و يتطوّر وليست مُعطى جاهزاً و نهائيّاً”، البناءُ السليمُ إذن يقتضي ألّا يكون هناك تعارض أو تناقض بين الهويّات الجمعويّة والهويّة الوطنيّة القوميّة، بمعنى آخر، بين هويّة الجماعات الدينيّة أو الإثنيّة، والهويّة الوطنيّة الجامعة لهم باعتبارهم شركاء التاريخ والجغرافية واللغة، وأحياناً الدين. تميلُ الجماعاتُ إلى الانكفاء على ذاتِها عندما تشعر أن الخطاب الوطني القوميّ إقصائي ولا يمثّلها، أو بالأحرى، عندما يكونُ هو كذلك خطاباً جمعويّاً، أي يمثّل هويّة وثقافة جماعة ما سيطرت على الحكم. ربّما من أهم متطلّبات بناء الهويّة الوطنيّة القوميّة، هو توجيه العقول و القلوب نحو الجذور المشتركة، و ليس صوب الفروع تعزيزاً للتنافر.
هناكَ تيارات تربط الإنتماء اليوم، على اعتبارنا في عصر العولمة والاتصالات، بعاملين أساسيّين، هما الدين واللغة، لكن أليس الانتماءُ للأرضِ أسبق و أعرق من الدين، و نحن المختلفونَ إثنيّاً وطائفيّاً، ألم يتشارك أجدادنا الترابَ و التاريخَ ذاته، نتشارك كذلك الذاكرة الجمعية ذاتها، ونحن عندما نخونَها في سبيلِ انتماءٍ ضيّق، ألا نخونُ حينَها ذاتَنا؟ بمعنى هوّيتَنا بمعناها الأوسع، حتى الجماعات المهاجرة، ألم تضرب مع الزمن جذوراً لها في الأرض؟
أمّا اللغة المُشتركة، فقد تكون البوتقة، أو الوعاء الذي حمل وشكّلَ ثقافتَنا بما فيها ديانتَنا، اللغة بالتالي أسبق من الدين، وهي كذلك ستحرّرنا من النظرةِ الضيّقة إلى هوّيتِنا، إنّها المركب الذي سيقودُنا في رحلةِ معرفةِ الذات، و من ثمّ نقد هذه الذات، بمعنى إعادة النظر في الموروث من أجلِ رمي الميّت و البناء على ما هو حَيّ، إنّها سيرورة إبداعيّة تقودُنا نحو النمو و التجدّد، وسنتشارك بها نحن أصحاب اللغة المشتركة. أليس كل ما يُكتب اليوم باللغة العربية، من شعر و أدب و قصّة و فلسفة هو بمثابةِ حوار، سوف تتمخّض عنه رؤى مُشتركة و أحياناً متناقضة، و لكنّها في النهاية عمليّة تراكميّة سوف تؤدي إلى بناء ثقافة عربيّة مُشتركة، وباالتالي هويّة مُشتركة.
يتحدّث الكاتب و المفكّر السوري، جورج طرابيشي، في كتابه “المثقّفون العرب و التراث”، عن النكسة، أو على حدّ تعبيرهِ، الرضّة التي سبّبتها هزيمة حزيران 1967، ومن ثمّ الهزيمة المدوية للمشروع العروبي مع الوفاة المُبكّرة لعبد الناصر، ما أدى إلى انقلاب المثقّفين العرب على نهضتِهم و نكوصِهم صوبَ التراث، التراث هنا بمعنى التراث الإسلامي وليس التاريخ بمعناه الأعمق. بالنسبة لطرابيشي، أصبح التراثُ أباً رمزيّاً، هدفهُ التعريف بسنّة الآباء و تقاليدهم “. من المُمكن تأويل كل موجة السلفيّة التي انزاحت في أعقاب الهزيمةِ الحزيرانيّة على أنّها فعل لواذ بحمى ذلك الأبّ المعنوي الكبير الذي اسمهُ التراث، ولا سيّما في الوجه المُحاط منهُ بهالة الدين، والذي يُقالُ لنا، على نحو ما يُقالُ للطفل الفاقد لسببٍ من الأسباب، شعورَه بالطمأنينة، إنّه هو الدرع الواقية للشعب، وهو الحامي لمكاسبِه والمحافظ على هوّيتِه.” كما ينقد طرابيشي ما يسمّيه بالرابطة الأموية، تلك التي تختزل التراث إلى بعدهِ اللغوي، فتجعلُ من اللغة القومية رابطة رحميّة، إذ ظهرت لدى بعض المثقّفين ممن يعتقدون أنّهم أصحاب عرق عربي صافي، حالة من الاستعلاء على أولئكَ الذين تحوّلوا عن لغاتهم الأم، و كتبوا باللغة العربية.
العودة إلى التراث الإسلامي بعد فشل المشروع العروبي، لم تكن إذن فعلاً تحرّريّاً يطلّ على الماضي بهدف إعادة قراءته ليكون عتبةً صوبَ المستقبل، بل كانت نوعاً من النكوص، أي الاعتقاد أنّه علينا أن نعيد مقولات الأسلاف كي نستعيدَ أمجادهم، ربما استيقظت لدينا عقدة الذنب التي يحملها كل من عصا والدَيه ولم يحصد سوى الفشل، إذ كانت النهضة العربية بالنسبة للبعض عصياناً، وتغريباً، وتمرداً على الموروث لا يمتّ إلى ثقافتِنا بصلة.
يعتقد بعض المفكّرين العرب اليوم، أنّه علينا وعلى منوال ما بعد الحداثة الغربية أن نرمي التراث الديني ونشكّل هويّتنا على أسس العلمانية الماديّة والمجتمع الليبرالي الحديث، في حين يرى آخرون، أنّه من الأجدى أن نجمع بين التراث وما يناسبُنا من الحداثة ، بين هذا وذاك، هناك من يعوّل على القراءات الجديدة للنصوص المقدّسة، أو الموروث الديني، بهدف تأويله من وجهة نظر أكثر رحابة و انفتاحاً على الآخر المختلف.أخيراً، إذا كانت الوطنية هي الجذر الذي يربطنا بأرضنا شعباً وتاريخاً و جغرافيةً، فإنّ طائفتَنا هي فرعٌ إذا بقينا مُستندينَ عليه فسوفَ نسقط، صحيحٌ أنّنا اليوم في سوريا ممزّقين، وطناً و شعباً، لكن لدينا فرصة من أجلِ إعادة تشكيل هويةٍ وطنيةٍ جامعة تنقذُ وطننا من التفكّك والضياع، فنحن نمتلكُ أرضاً مشتركةً، ولغةً مشتركةً، وإرثاً روحيّاً انطلقَ من ثقافةٍ مشتركة، ربّما علينا كي نقتنع، أن ننفتح على إرثنا المُمتَدّ إلى ما قبل التوحيد، علينا أن ندرسَ ما سمّيناه وثنيّةً أو جاهليّةً، كي نتحرّرَ من الفكر الأحادي و الهويات المُغلقة، تلكَ الأصنام التي حطّمناها في الماضي بحجةِ أنّنا وصلنا إلى الحقيقة المُطلقة هي أكثر ما نحن بحاجةٍ إليه اليوم كي نعرف ذاتَنا، ونعيدَ التواصل مع ذاكرتنا الجمعيّة، ربّما عندما نشعرُ بأنّنا امتدادٌ لحقائق نَمت وتطوّرت وتغيّرت مع الزمن، سوف نتحرّر من سجن الحقيقة المُطلقة التي هبطت في لحظةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ، كفّرَت ما قبلها، وألغت ما بعدها، ذاك السجن الذي يقودُ إلى الآن مشروع التكفير والاستعلاء الذي يقوّض منطقتَنا، ويرمي بها في أتون الاقتتالِ و الحروب.