المجازر ضد العلويين في الساحل السوري: تسلسل القيادة والأوامر يقود إلى دمشق

المجازر ضد العلويين في الساحل السوري: تسلسل القيادة والأوامر يقود إلى دمشق

إعداد: ماغي مايكل – وكالة رويترز

ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا

انتُزع قلب الشاب من صدره ووُضع فوق جثته. كان اسمه رقم ٥٦ في قائمة مكتوبة بخط اليد تضم٦٠ قتيلًا، من بينهم أبناء عمومته وجيرانه وستة أطفال على الأقل من قريتهم الساحلية السورية. اتصل الرجال الذين قتلوا سليمان رشيد سعد، البالغ من العمر ٢٥ عامًا، بوالده من هاتف الضحية وتحدوه أن يحضر الجثة. كانت الجثة بجوار صالون حلاقة. كان صدره مشقوقاً ومفتوحًا. انتزعوا قلبه ووضعوه فوق صدره، كما قال والده، رشيد سعد. حدث هذا عصر يوم الثامن من آذار\ مارس في قرية الرصافة. لم تتوقف المجازر ضد العلويين هنا. كانت مذبحة سليمان رشيد سعد جزءًا من موجة قتل شنها مقاتلون سنة في المناطق العلوية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​السوري، في الفترة الممتدة بين السابع والتاسع من آذار\مارس. جاءت هذه الأعمال العنيفة ردًا على تمرد بدأ قبل يوم واحد، قام به ضباط سابقون موالون للرئيس المخلوع بشار الأسد، أدى إلى مقتل ٢٠٠ عنصر من قوات الأمن. وكشفت تحقيقات أعدّتها وكالة رويترز كيف وقعت المجازر، محددةً سلسلة القيادة التي تربط المهاجمين مباشرةً برجال يخدمون إلى جانب قادة سوريا الجدد في دمشق. ووجدت رويترز أن نحو ١٥٠٠ علوي سوري قُتلوا، في حين فُقد العشرات. وكشف التحقيق عن٤٠ موقعاً مختلفاً وقعت فيها عمليات قتل انتقامية، وهجمات عشوائية، ونهب استهدفت الأقلية الدينية التي طالما ارتبطت بحكومة الأسد السابقة.

مجازر الساحل السوري

كشفت أيام القتل عن الاستقطاب العميق في سوريا الذي لم تتجاوزه حكومتها الجديدة بعد، بين من دعموا الأسد، ضمنيًا أو فعليًا، ومن أملوا في نجاح الثورة ضده في نهاية المطاف. ويشعر الكثيرون في سوريا بالاستياء من العلويين، الذين تمتعوا بنفوذ غير متناسب داخل الجيش والحكومة خلال حكم الأسد الذي استمر عقدين.

توصلت رويترز إلى نتائجها في وقت ترفع فيه إدارة ترامب تدريجيًا العقوبات المفروضة على سوريا التي تعود إلى عهد الأسد. ويُعدّ هذا التقارب محرجًا لواشنطن: فالحكومة السورية الجديدة يقودها فصيل إسلامي منحل، كان يُعرف سابقًا باسم هيئة تحرير الشام، وأطلق عليه سابقًا اسم فرع تنظيم القاعدة في سوريا، والمعروف باسم جبهة النصرة. كانت المجموعة، التي قادها سابقًا الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، خاضعة لعقوبات الأمم المتحدة منذ عام ٢٠١٤. وأصبح الشرع، وهو مسلم سني مثل غالبية السوريين، رئيسًا في كانون الثاني\ يناير بعد أن قاد هجومًا مفاجئًا بلغ ذروته بانهيار حكومة الأسد والاستيلاء على دمشق.

اكتشفت رويترز أن ما لا يقل عن اثني عشر فصيلاً خاضعاً لقيادة الحكومة الجديدة، بما في ذلك فصائل أجنبية، شاركت في عمليات القتل التي وقعت في آذار\مارس. ويخضع ما يقرب من نصف هذه الفصائل لعقوبات دولية منذ سنوات بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل والخطف والاعتداءات الجنسية. ولم ترد الحكومة السورية(وزارة الدفاع ومكتب الرئيس) على ملخص مفصل لنتائج هذا التقرير، أو على أسئلة ذات صلة من رويترز حول دور القوات الحكومية في المجازر. وفي مقابلة مع رويترز بعد أيام قليلة من عمليات القتل، ندد الشرع بالعنف باعتباره تهديداً لمهمته في توحيد البلاد. وتعهد بمعاقبة المسؤولين، بمن فيهم أعضاء الحكومة، إذا لزم الأمر. وقال: “لقد قاتلنا دفاعاً عن المظلومين، ولن نقبل أن تُراق أي دماء ظلماً، أو أن تمر دون عقاب أو محاسبة، حتى بين أقرب الناس إلينا”.

كان من بين الوحدات التي كشفت رويترز تورطها جهاز الأمن العام التابع للحكومة، الذي كان جهازها الرئيس لإنفاذ القانون أيام إدارة هيئة تحرير الشام لإدلب، والذي أصبح الآن جزءًا من وزارة الداخلية؛ ووحدات سابقة تابعة لهيئة تحرير الشام، مثل الوحدة ٤٠٠، ولواء عثمان. كما تورطت ميليشيات سنية كانت قد انضمت لتوها إلى صفوف الحكومة، بما في ذلك لواء السلطان سليمان شاه وفرقة حمزة، اللتان فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليهما لدورهما في عمليات القتل. لم يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على وحدات هيئة تحرير الشام السابقة. ولم تصدر الولايات المتحدة أي عقوبات على عمليات القتل. وأمر الرئيس الشرع بتشكيل لجنة للتحقيق في أعمال العنف والقيام بوساطات من أجل “السلم الأهلي“. وصرح ياسر فرحان، المتحدث باسم اللجنة، بأن الرئيس سيتلقى نتائج التحقيقات في غضون أسبوعين، حيث تعمل اللجنة حاليًا على تحليل المعلومات ثم كتابة تقريرها النهائي بناءً على شهادات ومعلومات جُمعت من أكثر من ألف شخص، علاوة على إحاطات من مسؤولين واستجوابات للمعتقلين. ونصح رويترز بعدم نشر نتائجها قبل صدور التقرير. قال: “لا يمكننا تقديم أي ردود قبل استكمال هذه العملية حرصًا على نزاهة الحقيقة”. وأضاف: “أتوقع أن تجدوا النتائج مفيدة، وأنها تكشف الحقيقة“. لكن رويترز وجدت أن عمليات القتل مستمرة حتى يومنا هذا.وقالت الحكومة السورية الجديدة إنها تخشى فقدان السيطرة على الساحل أمام انتفاضة مؤيدي الأسد. وأصدرت أوامر قاطعة في السادس من آذار\مارس بسحق محاولة انقلاب قامت بها “فلول” النظام، وفقًا لستة مقاتلين وقادة وثلاثة مسؤولين حكوميين.

كان العديد من الرجال الذين تلقوا الأوامر يرتدون الزي الحكومي منذ بضعة أشهر فقط، ويعتنقون تأويلاً للإسلام السني معروفاً بوحشيته. وفسّر البعض في ذلك اليوم بحماس كلمة “فلول” على أنها تعني جميع العلويين، وهم أقلية من مليوني شخص يُحمّلهم الكثيرون في سوريا مسؤولية جرائم عائلة الأسد.

صرّح أحمد الشامي، أحد مسؤولي الحكومة الجديدة ومحافظ طرطوس، لرويترز بأن العلويين ليسوا مُستهدفين. وأقرّ بـ ”انتهاكات“ ضد المدنيين العلويين، وقدر عدد القتلى في طرطوس بنحو ٣٥٠ شخصًا، وهو ما توافق مع ما توصلت إليه رويترز أيضًا. ولم تنشر الحكومة هذا الرقم قط. وأردف المحافظ: “الطائفة العلوية ليست مُدرجة على أي قائمة سوداء أو حمراء أو خضراء. إنها ليست مُجرّمة وليست مُستهدفة بالانتقام. لقد واجه العلويون الظلم تمامًا مثل بقية الشعب السوري عمومًا” في عهد الأسد. ”إن الطائفة بحاجة إلى الأمان. إنه واجبنا كحكومة، وسنعمل على تحقيقه“.  وردًا على طلب للتعليق على نتائج رويترز، أشار أنور العوني، المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، إلى أن الاتحاد أدان “الجرائم المروعة المرتكبة ضد المدنيين، من جميع الأطراف”، لكنه لم يُفصح عن سبب عدم فرض عقوبات على وحدات هيئة تحرير الشام السابقة أيضًا. ولم يستجب المتحدثون باسم وزارتي الخارجية والخزانة الأمريكيتين لطلبات التعليق.

يُقدر أن مئات الآلاف من السوريين قُتلوا منذ عام ٢٠١١، عندما تحول قمع الأسد للاحتجاجات إلى حرب أهلية. ولاحق أي معارض مشتبه به. لكن السنة، الذين شكلوا أبرز الجماعات المسلحة المصطفة ضد الأسد، استُهدفوا بشكل غير متناسب.

تحدثت رويترز مع أكثر من ٢٠٠ عائلة من عائلات الضحايا خلال زيارات لمواقع المجازر وعبر الهاتف، ومع ٤٠ مسؤولًا أمنيًا ومقاتلًا وقائدًا ومحققاً ووسيطاً عينتهم الحكومة. كما راجعت رويترز رسائل من دردشة تيليجرام أنشأها مسؤول في وزارة الدفاع لتنسيق رد الحكومة على الانتفاضة المؤيدة للأسد. وفحص صحافيو وكالة الأنباء عشرات مقاطع الفيديو، وحصلوا على لقطات من كاميرات المراقبة، وراجعوا قوائم مكتوبة بخط اليد بأسماء الضحايا.

حمل بعض المهاجمين الذين ردّوا على انتفاضة آذار\مارس قوائم بأسماء رجال كانوا سيستهدفونهم، وبينهم أعضاء سابقون في ميليشيات الأسد صدر عفو مؤقت عنهم من الحكومة الجديدة. وظهرت لاحقًا عائلات بأكملها تحمل هذه الألقاب على قوائم القتلى التي كتبها شيوخ القرى بخط اليد. ووصف العديد من الناجين كيف تم التمثيل بجثث أحبائهم.

تجمع المقاتلون، وكثير منهم ملثمون، في معقل الحكومة الجديدة في إدلب وحمص وحلب ودمشق. وعندما انطلقت القوافل المدرعة إلى غرب سوريا، ارتفعت صيحات الميليشيات ”يا سنة، يا سنة“ في الليل مصحوبة بشعارات مقنّعة تدعو الناس إلى ”ذبح العلويين“، وفقًا لمقاطع فيديو تحققت منها رويترز. وأظهرت العديد من مقاطع الفيديو مقاتلين يُذلّون رجالًا علويين، ويجبرونهم على الزحف والعواء كالكلاب. وأظهرت لقطات أخرى، بعضها قام المقاتلون بتصويره بأنفسهم، أكواماً من الجثث الملطخة بالدماء. من بين القتلى عائلات بأكملها، بما في ذلك نساء وأطفال وكبار سن ومعاقون في عشرات القرى والأحياء ذات الأغلبية العلوية. وفي أحد الأحياء، كان هناك ٤٠ من النساء بين القتلى ال ٢٥٣ امرأة. وفي قرية أخرى، كان هناك ١٠ أطفال من أصل ٣٠ قتيلاً. في حالة واحدة على الأقل، أُخليت بلدة علوية بأكملها بين عشية وضحاها تقريبًا، وحل سنّة مكان مئات من سكانها. وكان أول سؤال طرحه المقاتلون الوافدون على السكان معبرًا، وفقًا لأكثر من ٢٠٠ شاهد وناجٍ: “هل أنت سني أم علوي؟“

الانتفاضة

كان عبيدة شلي وشقيقه التوأم أصغر أفراد عائلة سنية مكونة من تسعة فتيان وبنات من إدلب، وهي مدينة تقع في شمال غرب سوريا، وفقًا لشقيقتهما الكبرى ياسمين. سافر التوأمان إلى ليبيا كمرتزقة وقبل عامين انضما إلى جهاز إنفاذ القانون التابع لهيئة تحرير الشام والمعروف باسم جهاز الأمن العام في إدلب، حيث كانت الهيئة تدير إدارتها الموازية. هكذا وجد شلي نفسه، في الثالثة والعشرين من عمره، يرتدي زي جهاز الأمن العام الأسود ويحرس نقطة تفتيش قرب بلدة بانياس، وفقًا لياسمين ورسائل واتساب صوتية أرسلها لها، والتي اطلعت عليها رويترز. مع غروب الشمس تقريباً يوم ٦ آذار\مارس، تعرضت نقطة التفتيش ومواقع أخرى لجهاز الأمن العام في محافظتي اللاذقية وطرطوس لهجوم، وقُتل العشرات من عناصر الأمن. ووفقًا للحكومة الجديدة وسكان المنطقتين، كان المهاجمون بقيادة ضباط لا يزالون موالين للأسد. وانضم إلى الضباط شباب فقدوا سبل عيشهم عندما طردت الحكومة الجديدة آلاف الموظفين العلويين وفككت جهاز الأمن التابع للأسد، وفقًا لمقابلات مع السكان. وصف أحد قادة المجتمع المحلي الانتفاضة بأنها قرار عفوي من أشخاص يائسين.

أرسل شلي رسالة صوتية لأخته حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً ليخبرها أن نصف الرجال من حوله قد ماتوا. بدا هادئًا ومستسلمًا لمصيره.

وقالت: “قال إنه يساعد في إيجاد طرق لإخراج جثث الرجال”. سألته لماذا لم يهرب. فأجاب: لا مفر. علمت ياسمين بمقتل شقيقها بعد ساعتين. كما شنت القوات الموالية للأسد هجمات في بانياس، أكبر مدن طرطوس. واستولت على الطريق الرئيسي والمستشفى، وهاجمت مقر الأمن التابع للحكومة الجديدة، وفقًا لأبو البحر، وهو مسؤول أمني متمركز في بانياس كان يقضي تلك الليلة في إدلب. ولم تتمكن رويترز من التحقق من روايته بشكل مستقل. وقال الشرع إن ٢٠٠ من عناصر الأمن قُتلوا في الانتفاضة، لكن الحكومة لم تُصدر أسماءً أو إحصاءً مُحدّثًا. ولم تُجب وزارة الدفاع على أسئلة رويترز حول العدد المُحدّث للقوات التي قُتلت، أو دور القوات التابعة للحكومة في مجازر العلويين.

فرض الاتحاد الأوروبي في ٢٣ يونيو/حزيران عقوبات على ثلاثة ضباط موالين للأسد، قائلاً إنهم مسؤولون عن قيادة ميليشيات “أججت التوترات الطائفية وحرضت على العنف“. وقال حمزة العلي، ضابط جهاز الأمن العام المسؤول عن بلدة القدموس، الواقعة على بُعد حوالي٣٠ كيلومترًا إلى الشرق، إن أنصار الزعيم المخلوع “أرادوا القيام بانقلاب وإعلان منطقة حكم ذاتي على طول الساحل“. ودعت وزارة الدفاع إلى تعزيزات من جميع الفصائل التي انضمت مؤخرًا إلى قوات الرئيس الشرع. وترددت دعوات الجهاد عبر مكبرات الصوت في المساجد في جميع أنحاء البلاد. وصرح محمد الجاسم، قائد لواء السلطان سليمان شاه، لرويترز بأنه نُقل إلى مستشفى في تركيا لأسباب صحية عندما اندلع القتال. ولم تتمكن رويترز من تأكيد مكان الجاسم أثناء المجازر. ونفى أن يكون لرجاله أي دور في أعمال العنف. وأضاف إنه سرعان ما أُضيف إلى مجموعة دردشة يقودها مسؤول كبير في وزارة الدفاع، قال إنه يعرفه فقط باسم أبو أحد الحموي. وأبو أحد الحموي هو الاسم المستعار لحسن عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الدفاع. أُمر لواء الجاسم، المعروف أيضًا باسم العمشات، بإعادة فتح الطريق الساحلي السريع إم ١ الرابط بين اللاذقية وجبلة. وقال إن ميليشياته اتخذت مواقع خارج مدينة جبلة.

مع استمرار مجازر العلويين، صرّح المتحدث باسم وزارة الدفاع، عبد الغني، علنًا بأن العملية على الساحل تسير وفق ما هو مخطط لها بهدف الحفاظ على السيطرة على المنطقة و”تضييق الخناق على فلول النظام البائد”، وفقًا لوكالة الأنباء الحكومية. ووراء الكواليس، كان عبد الغني يُدير دردشة تيليجرام لقادة الميليشيات والقادة العسكريين الذين نسقوا رد الحكومة على الانتفاضة المؤيدة للأسد، وفقًا لعشرات الرسائل النصية والصوتية المتبادلة بينه وبين قائد كبير من فصيل آخر. كان اسم المستخدم على تيليجرام هو عبد الغني، وأبو أحد هو اسمه الحركي. تواصلت رويترز معه مباشرةً على تيليجرام عبر هذا الاسم. قال لرويترز إن اللجنة المُحققة في عمليات القتل استجوبته، لكنه رفض الإدلاء بمزيد من التعليقات. وأشارت الرسائل إلى مواقع القوات وتحركاتها، بما في ذلك رسالة من عبد الغني عند الجسر المؤدي إلى قرية المُختارية، حيث كانت تُرتكب المجازر.

 قال ننار حواتش، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، إن عمليات القتل قوّضت شرعية الحكومة الجديدة لدى السوريين، وخاصةً الأقليات. وأضاف حواتش: “إن نشر وحدات معروفة بعدائها للمجتمعات التي تعتبرها خصومًا، ولها سجل حافل بالانتهاكات، أدى إلى نتائج متوقعة. لقد فشلوا في الوفاء بواجبهم الأساسي في الحماية“. وفي إشارة إلى ضعف سيطرة الحكومة على مقاتليها، واجهت الفصائل المندمجة حديثًا بعضها البعض في شوارع القرى في بعض الأحيان، وفقًا لشهود عيان في ثلاثة مواقع مختلفة، وصفوا جميعًا رؤية أحد الجانبين يحاول حماية المدنيين المذهولين من رجال يرتدون الزي العسكري يحاولون قتلهم.

٧ آذار\مارس

٥٧٨ قتيلاً، ٢٦ جريحاً

يمتد الطريق السريع إم ٤ من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الداخل. ويمتد الطريق إم ١ جنوبًا، موازيًا للساحل قبل أن ينحرف شرقًا قرب لبنان. كانت المجازر التي بدأت قبل فجر السابع من آذار\ مارس قد وقعت في الغالب على هذين الشريانين. العديد من البلدات عبارة عن مجتمعات زراعية، حيث بساتين الحمضيات تغص بالليمون والبرتقال في آذار\مارس، وحقول الخضراوات التي تنمو بغزارة على مدار العام في مناخ البحر الأبيض المتوسط. وتعرضت قرية المختارية، أول قرية على الطريق السريع إم ٤ الذي يربط إدلب واللاذقية، للهجوم حوالي الساعة السادسة صباحًا. وقال ثمانية شهود عيان لرويترز إن مجموعات من الرجال، بينهم كثيرون يرتدون زي جهاز الأمن العام، حطموا الأبواب لإخراج الرجال، ما أجبر بعضهم على الزحف وسحب آخرين بعيدًا. واستمر إطلاق النار حوالي ساعة. بعد انتهاء المجزرة، قُتل ١٥٧ شخصًا – أي ما يقرب من ربع سكان المختارية، وفقًا لقائمة أعدها أحد زعماء المجتمع المحلي، وتحققت منها رويترز مع عدد من السكان الناجين. كان من بينهم ٢٨ فردًا من عائلة عبد الله؛ و١٤ فردًا من عائلة درويش؛ و١١ فردًا من عائلة الجهني، وفقًا للقوائم التي جمعها الناجون وزعماء المجتمع المحلي.وقالت امرأة فقدت والدها وإخوتها: “كانت الرصاصات تنهمر علينا يا أختي. لم نكن نعرف إلى أين نذهب وكيف نهرب“. شاركت امرأة أخرى فقدت ١٧ من أقاربها لقطة من مقطع فيديو تحققت منه رويترز. أشارت إلى كومة من الجثث على الشاشة وقالت: “هذه عائلتي“. وتتبعت سهمًا على الشاشة نحو رجل ميت يرتدي سترة باهتة وأرسلته إلى رويترز: “هذا زوجي”.

قال السكان إنه بسبب عدم وجود رجال لقطاف الموسم، تعفنت أشجار البرتقال. كانت القرى التي شهدت أكبر عدد من عمليات القتل هي تلك التي ينتمي سكانها إلى مجموعة فرعية من العلويين تُسمى الكلازية، وفقًا لعلي ملحم، مؤسس مجموعة السلم المدني السوري، وهي منظمة توثق الانتهاكات وتتوسط في النزاعات. وقال ملحم وأحد الوجهاء العلويين إن عائلة الأسد كانت من العلويين الكلازية، وكذلك العديد من كبار مسؤولي الأمن التابعين للديكتاتور. ومن الأماكن المرتبطة بطائفة الكلازية قرية صنوبر، وهي مجتمع زراعي يبلغ عدد سكانه حوالي خمس عشر ألف  نسمة تنتشر منازلهم بين حقول الخضراوات. وقال ثلاثة قرويين لرويترز إن قوة النخبة التابعة لهيئة تحرير الشام، والمعروفة باسم الوحدة ٤٠٠، جاءت إلى الصنوبر في كانون الأول\ ديسمبر، ووعدت بأن تُترك المدينة في سلام تحت القيادة الجديدة. ووصفوا الحياة بأنها متوترة، لكنها محتملة. وفي وقت مبكر من يوم ٧ آذار\ مارس، تجمع رجال الوحدة ٤٠٠  ومئات التعزيزات وبدأوا في القتل. وفي المجمل، ووفقًا لسبعة عشر شاهدًا، شنت تسع فصائل منفصلة هجمات. وأفاد شاب إنه رأى مقاتلي الوحدة ٤٠٠ يطلقون النار أثناء دخولهم منزله. قُتل أحد عشر شخصاً من أقاربه. نجا هو بالاختباء في خزان في الطابق العلوي. ومن بين الفصائل الأخرى التي هاجمت لواء السلطان سليمان شاه، وفقًا للناجين الذين تعرفوا على شارات اللواء. برز اللواء كميليشيا مدعومة من تركيا خلال الحرب الأهلية، وهو خاضع لعقوبات أمريكية منذ عام ٢٠٢٣، واتهمته وزارة الخزانة الأمريكية بـ “المضايقة والاختطاف وغيرها من الانتهاكات”. وقال الجاسم لرويترز إن هذه الادعاءات “مختلقة” ووصف رجاله بأنهم على درجة عالية من الانضباط.ولم يرد المتحدثون باسم جهاز الأمن العام ووزارة الدفاع، التي تشرف على الوحدة ٤٠٠، على أسئلة حول الهجمات. ولم ترد تركيا، عندما طُلب منها التعليق على دور السلطان سليمان شاه والميليشيات الأخرى المدعومة من تركيا في عمليات القتل. لم تُصدر الحكومة التركية أي ردّ علني على عقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على الميليشيات في مايو/أيار. وثمة فيديو سيلفي من الصنوبر، يصور فيه مقاتل يرتدي زيًا عسكريًا جثثًا ويعلن: “سليمان شاه هزم فلول النظام السابق. الله أكبر والحمد لله“. ثم تنتقل الكاميرا إلى ١١ رجلاً أعزل بملابس مدنية، جثثهم ملقاة على إحدى أخصب الأراضي السورية، وقد غطتها الدماء. من بين القتلى المصورين فني دراجات نارية، وطالبان، ومزارعان، وشرطي مُعفى عنه، وفقًا لأقارب المتوفين الذين عرّفوا عنهم بالاسم.

نفى الجاسم، قائد فرقة السلطان سليمان شاه، مسؤولية رجاله عن عمليات القتل في أي من القرى التي دخلوها. وقال لرويترز: “بصفتي قائد وحدة عسكرية، أعلم أن أي أمر يجب إطاعته بالكامل. تُنفذ الأوامر حرفيًا، لا أكثر ولا أقل”.

في نيسان\أبريل، نفت الميليشيا – التي أُعيدت تسميتها آنذاك باسم الفرقة ٦٢ في الجيش السوري أن يكون الرجل الذي صوّر الفيديو علاقة له بفرقة السلطان سليمان شاه، واتهمته بانتحال شخصية مقاتل “لتشويه سمعة الفرقة وتشويه سجلها”. لم تتمكن رويترز من التأكد من هوية الرجل أو انتمائه بشكل مستقل. وعرّفت مجموعة أخرى نفسها على أنها مقاتلون في ميليشيا جيش الإسلام. نشر المسؤول الإعلامي في جيش الإسلام صورًا على فيسبوك لمقاتلين متجهين إلى الساحل في٧ آذار\مارس. كما نشر نسخة من وثيقة عفو زعم أنها عُثر عليها مع جثة شرطي من عهد الأسد، مشيرةً إلى أن القتيل قد نكث بالتعهد الذي وقّعه بعدم حمل السلاح ضد الحكومة الجديدة. وكتب حمزة بيرقدار، المسؤول الإعلامي، قائلاً: “لا أمان ولا استقرار في بلدنا إلا بتطهيرها منهم”. وحصد المنشور ١٦٠ إعجابًا. وقالت امرأة من الصنوبر لرويترز إن المقاتلين استولوا على غرفة معيشتها. وسألها أحدهم: “هل تعرفين من نحن؟” فأجابت: “أنتم الجيش!“ وأضافت: “لا، قالوا لها. نحن جهاديون من جيش الإسلام. جئنا لنعلمكم الإسلام”.

لم يستجب المسؤول الإعلامي بيرقدار وجيش الإسلام لطلبات التعليق على أعمال العنف.

وفي المجمل، قُتل ٢٣٦ من سكان الصنوبر، وفقًا لقوائم راجعتها رويترز وتحققت منها مع العديد من السكان. كان معظمهم شبانًا، تتراوح أعمارهم بين١٦ و٤٠ عامًا. وكان من بين المصابين امرأة حامل أجهضت لكنها نجت من جروحها الناجمة عن طلقات نارية. وقالت إحدى الأمهات الشابات إن زوجها كان عند جاره عندما حُطم بابها. صعد المسلحون إلى الطابق العلوي وبدأوا بتحطيم الأثاث بحثًا عنه. قالت إن المجموعة غادرت وحل محلها فصيل آخر. ثم جاء فصيل ثالث، احتضن قائده أطفالها ووعدهم بالنجاة. أطلق فصيل رابع النار على المبنى. وصلت مجموعة خامسة من المقاتلين، يرتدون عصابات رأس خضراء، برفقة مترجم. لم يكونوا يتحدثون العربية، فلم تتعرف على لغتهم.قالت: “جاء ثلاثة مسلحين ووجهوا بنادقهم إلى رأسي”. قالوا لها: “أنتم خنازير علوية. تستحقون ما يحدث لكم. إذا بكيتم، سنقتلكم بالرصاص، وستكون جثتكم فوق الجثث الأخرى”.

قالت إنها طوال الوقت كانت تحاول عبثًا الوصول إلى زوجها. بعد غروب الشمس، خرجت المرأة فوجدته ملقى على الأرض، مصابًا برصاصات في عينيه وقلبه. قال شهود عيان إن المقاتلين سرقوا طعام الإفطار في رمضان، واحتفلوا في الخارج بينما كانت النساء المذعورات ينظرن من النوافذ. أظهرت صورة من الصنوبر، أكدها علويان ناجيان من البلدة، رسالة مكتوبة بخط اليد على جدار أحد المنازل: ”خبرناكم كونو أقليات قمتو صرتو نوادر”.

٨ آذار\ مارس

٨٢٨ قتيلًا، ١٠ مواقع

بلغ عدد أول مجموعة من المسلحين الذين وصلوا يوم السبت إلى بلدة الرصافة حوالي اثني عشر شخصًا. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحًا بقليل. كان بعضهم يرتدي زيًا عسكريًا أسود وأحذية رياضية. وكان السكان محاصرين في الداخل منذ اليوم السابق، عندما أقام موكب حكومي مؤلف من حوالي خمسين مركبة ودبابة، مواقع حول القرية، وقطع الكهرباء وبدأ بإطلاق النار، أحيانًا على الناس وأحيانًا عشوائيًا.

الآن، يوم السبت، بدت هذه المجموعة الجديدة من المقاتلين غير راضية عندما ألقت نظرة خاطفة على منزل عائلة سعد. قالت غادة علي: “أمروا الأولاد بالاستلقاء على الأرض، وهو ما فعلوه. ثم جرّوهم إلى الخارج”. كانت عاجزةً حين شاهدتهم يدوسون على جثة صالح، أصغر أبنائها، البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، وكان مُلقىً على الأرض. قالت: “أمروهم بالعواء كالكلاب أثناء تصويرهم”. بعد برهة، أرسلوا صالح إلى والدته، ثم سألها أحد المقاتلين عن سبب بكائها. أجابت: “أريد أولادي”. قالت لها: “أعدنا إليكِ واحدًا”. أما بالنسبة لابنها الأكبر، سليمان رشيد، البالغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، فقد قالوا إنه ربما سيعود قريبًا. بدلًا من ذلك، تلقى والده رشيد سعد مكالمة هاتفية. قالوا له: “قتلناه وانتزعنا قلبه. تعالَ واحصل على ابنك قبل أن تأكله الكلاب“. أخذ سعد وشقيقه، اللذان فقدا أربعة أبناء في ذلك اليوم، بطانيات وطلبا من صالح المساعدة. قال سعد إنهم حملوا الجثث الخمس إلى منازلهم، ودفنوها النساء في الحديقة. قال أحد الوجهاء إن المهاجمين عرّفوا عن أنفسهم بأنهم من فصائل حمزة، والسلطان سليمان شاه، وجيش العزة. ورفض ممثلو حمزة وجيش العزة التعليق على أعمال العنف في البلدة. ونفى الجاسم وجود رجاله في الرصافة.

في المجمل، قُتل ستون علويًا في الرصافة، وفقًا لقوائم اطلعت عليها رويترز. وكان أصغرهم طفلًا في الرابعة من عمره. وكما حدث في الصنوبر، قال الناجون إن المهاجمين تركوا رسالة على الجدران: “مرّ رجال السنة من هنا. جئنا لنسفك دماءكم“.  

قرب الساحل، شعر سكان قرية قرفيص باليأس. يعود اسم البلدة إلى اسم الشيخ المدفون في المقام ذي القبة البيضاء في مركزها أحمد قرفيص، وهو شخصية دينية علوية مبجلة. تمركزت قوات من لواء عثمان، إلى جانب الوحدة ٤٠٠، في القرية بعد سقوط الأسد، وفقًا لناجين اثنين وشخص له أقارب هناك. يوم الجمعة، ومع انتشار أنباء المجازر في المنطقة، اختار القرويون أربعة من الوجهاء للتوسط مع مقاتلي لواء عثمان. جلسوا في نصف دائرة على شرفة مزرعة خارج قرفيص، وحاول القرويون إقناع المقاتلين بأن البلدة لا تؤوي أي مؤيدين للأسد، وأنه لا داعي لهم للبقاء والقتال. قال شخص مطلع على المحادثات: “أصروا على البقاء، لأنهم قالوا إن هناك خطة جاهزة”. دوى صوت أسلحة آلية ومدافع مضادة للطائرات في البعيد. غادر المقاتلون والوسطاء المزرعة عائدين إلى القرية. وبينما كانوا يتحدثون، قُتل ستة رجال بالرصاص هناك، وتناثرت جثثهم في ساحة الضريح وعلى درجه، وفقًا لشاهدين. لم تستجب وزارة الدفاع، التي تشرف بشكل مباشر على لواء عثمان والوحدة ٤٠٠، لطلبات التعليق على عمليات القتل في الرصافة وقرفيص.قال أحد الشهود: “لم يكن أيٌّ من هؤلاء الرجال يحمل سلاحًا، ولم يكن أيٌّ منهم منتميًا للجيش السابق. كان أحدهم مختلًا عقليًا“. وقال الشاهد الآخر، الذي كان من بين المصابين، إن حوالي ٥٠ مصليًا تعرضوا للضرب داخل المرقد.ومع ذلك، شعروا وكأنهم ربما نجوا من الموت الجماعي الذي سمعوا عنه في مكان آخر. وقال الشهود إنهم أدركوا صباح السبت أنهم كانوا مخطئين. وصل موكب جديد من ٨٠ مركبة. أطلق أحدهم النار في الهواء مرة واحدة، ثم، كما لو كانوا ينتظرون إشارة، فتح أفراد الميليشيا النار. وبلغ إجمالي عدد القتلى ٢٣ شخصًا على مدار يومين، وفقًا لصور القتلى التي اطلعت عليها رويترز. واستمرت أعمال النهب بينما كانت قرفيص في حدادها، كما قال الشاهد الذي تعرض للضرب داخل المرقد. وقال الرجل إن شقيقه قُتل وإن أحد رجال الوحدة ٤٠٠ أخبره أن البكاء ممنوع، وأن القرية يجب أن تكون شاكرة لمجرد السماح لها بدفن موتاها.

قال الرجل: “لم أستطع البكاء”. “لم أملك الشجاعة للبكاء.”

٩ آذار\مارس

٧٤ قتيلاً،٤ مواقع

بحلول يوم الأحد، كانت عمليات القتل المسعورة قد خفت حدتها. حان وقت دفن الموتى، بخوف وفي سرية تامة في كثير من الأحيان. ولمدة ٤٨ ساعة أو أكثر، وقفت نساء علويات ثكالى يحرسن جثث الآباء والإخوة والأزواج والأبناء. لم تكتشف العديد من العائلات حجم العنف إلا عندما خرجت إلى شوارع تفوح منها رائحة الموت، أو حاولت إبعاد الكلاب التي كانت تمزق الجثث. وفي بانياس، بالقرب من المكان الذي أشعل فيه هجوم قوات الأسد على الحاجز عمليات القتل الانتقامية، كان هناك ٢٥٣ جثة لدفنها، وفقًا لقوائم القتلى التي أُرسلت إلى رويترز. وفي بلدة جبلة، بلغ عدد القتلى ٧٧ علويًا، وفقًا لـ٣٠ فردًا من أفراد الأسرة. استُهدفت البلدة من قِبل الوحدة ٤٠٠ ولواء عثمان، إلى جانب السلطان سليمان شاه وحمزة والحزب الإسلامي التركستاني، المكون من الأويغور ومقاتلين أجانب آخرين، وفقًا لستة شهود ومسؤول أمني واحد في جبلة. وقال قائد سليمان شاه، الجاسم، إن رجاله دخلوا جبلة وغادروا لأنهم رأوا “انتهاكات كثيرة” ولم يرغبوا في تحمل مسؤولية عمليات قتل لم يقوموا بها. لم يُجب ممثلو القوات الأخرى على الأسئلة. وأظهرت محادثة تيليجرام أن المتحدث باسم وزارة الدفاع، عبد الغني، قد أُبلغ عن “انتهاكات” في جبلة. وكان رده في المحادثة: “جزاكم الله خيرًا“. وقال العديد من الناجين، وخاصة في بانياس، إن لديهم جيرانًا سنة هرّبوهم إلى بر الأمان أو حاولوا حمايتهم. وفي جبلة، تدخلت جارة سنية للمساعدة في إخلاء زوج رشا غصن المصاب بجروح قاتلة، رغم اعتراضات عنصرين من جهاز الأمن العام. بمساعدة جارتها، وافقت سيارة إسعاف على نقل زوج غصن إلى اللاذقية، لكن الأطباء هناك لم يتمكنوا من إنعاشه. وقالت غصن، وهي تقف بجانب الجثة في المشرحة المكتظة، إن ضابطًا في جهاز الأمن العام مسؤولاً عن سجلات الوفيات رفض إصدار وثيقة لشخص علوي. وتتذكر قائلةً: “قال: كافر!” ثم ابتعد. ارتجفت ساقاها ويداها وهي تروي محنتها. وكما هو الحال مع معظم ضحايا المجزرة، لا تزال شهادة وفاة زوج غصن مفقودة.

العواقب

أُخليت العديد من القرى والأحياء العلوية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة بعد الهجمات، وخيم سكانها بالآلاف في قاعدة روسية قريبة خوفًا من مجازر جديدة. ولا يزال استهداف العلويين مستمرًا حتى يومنا هذا. ففي الفترة الواقعة ما بين ١٠ أيار\مايو و٤ حزيران\يونيو، قُتل ٢٠ علويًا رميًا بالرصاص في محافظتي اللاذقية وحماة، وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان. ولم تُحدد هوية الجناة. وأبلغت السلطات الأمم المتحدة باعتقال العشرات من الجناة المزعومين، وفقًا لباولو سيرجيو بينيرو، رئيس لجنة سوريا التابعة للمنظمة الدولية، في تقريره المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في ٢٧ حزيران\يونيو. ومع ذلك، لم تُوجّه اتهامات لأحد في وفيات العلويين التي وقعت في آذار\مارس. ولم تُعلن الحكومة بعد عن عدد القتلى، وقالت الأمم المتحدة إن عدد القتلى الذي أعلنته والبالغ ١١١ قتيلًا أقل من العدد الحقيقي. وفي كانون الأول\ديسمبر، وقبل ثلاثة أشهر من عمليات القتل في المناطق الساحلية، أصدر الرئيس الشرع سلسلة من الترقيات سعياً لتوحيد الجيش. ومن بين الذين رُقّوا، قائد جيش الإسلام، وقائد السلطان سليمان شاه، الجاسم، الذي ارتقى إلى رتبة عميد بقيادة وحدة رسمية في الجيش السوري. ورُقّي قائد الوحدة ٤٠٠، أبو الخير تفتناز، في كانون الأول\ديسمبر إلى رتبة عميد، ثم رُقّي مرة أخرى في حزيران\يونيو، وهو الآن برتبة لواء، وفقاً لبيانات وزارة الدفاع. وتولى مسؤولية محافظتي اللاذقية وطرطوس، وفقاً لأحد مقاتلي الوحدة ٤٠٠. ورُقّي سيف بولاد أبو بكر، قائد فرقة حمزة المدعومة من تركيا، إلى رتبة عميد بعد عمليات القتل، وفقاً لحسابه على تويتر. أما الحزب الإسلامي التركستاني، وهو ميليشيا تضمّ عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب، والذي كشفت رويترز عن تورط مقاتليه في العديد من الهجمات، فقد دُمِج بالكامل في الجيش في أيار\مايو. كان قائدها من بين الذين رُقّوا في ديسمبر. في ٣٠ أيار\مايو، أصدرت وزارة الدفاع مدونة سلوك تحظر الإساءة إلى المدنيين، والتمييز ضدهم، وإساءة استخدام السلطة. ولم تُعلّق الوزارة على الترقيات أو على الصلات المزعومة بين وحدات القادة وعمليات القتل.

يُعدّ استهداف المدنيين عمدًا جريمةً بموجب القانون الإنساني الدولي، ويُعتبر الضباط الذين يفشلون في منع هذه الهجمات أو معاقبة مرتكبيها مسؤولين بموجب مبدأ مسؤولية القيادة.

تُمثّل قرية أرزة تذكيرًا قاتمًا بدائرة الانتقام التي لم تُعالجها الحكومة بعد. استخدم الأسد أرزة كنقطة انطلاق لمهاجمة المجتمعات المتمردة، مثل قرية خطاب المجاورة عام ٢٠١٣. وكان قليلٌ من العشائر أكثر تأييدًا للأسد من آل سليمان. كانوا يُشكّلون ربع الميليشيا الموالية للأسد والبالغ عددها ٩٠ فردًا من أرزة، والتي اشتهرت بمداهمة خطاب قبل أكثر من عقد لاعتقال المتمردين. وفي ٧ آذار\مارس، قاد رجال من خطاب هجومًا على أرزة أسفر عن مقتل ٢٣ شخصًا، بينهم أفراد من عشيرة السليمان، ودفع سكان البلدة المتبقين البالغ عددهم ١٢٠٠ نسمة إلى الفرار، وفقًا لأربعة سكان سابقين ومقطعي فيديو تحققت منهما رويترز. قال الشهود الأربعة لرويترز إن رجال خطاب أحضروا الضحايا إلى الساحة الرئيسية وسألوا قائدهم، أبو جابر الخطابي: “ما رأيك يا شيخ؟”. قالوا إنه إذا ردّ “الله أكبر” – وهو ما كان يفعله في كل حالة تقريبًا – تُطلق النار على الضحية. وقال الخطابي لرويترز: “جميعهم مجرمون. إنها أشبه بالعدالة الإلهية المطلقة. كما شرّدتمونا، سنشردكم، وكما قتلتمونا، ستُقتلون”.

عندما سُئل عن دوره في عمليات القتل ذلك اليوم، أقرّ بأنه كان في أرزة، لكنه نفى إصدار أوامر بالقتل. استولى المهاجمون على المنازل المهجورة. وقال الخطابي إن أرزة لم تعد موجودة. ونشر على فيسبوك صورة للافتة القرية الجديدة: “خطاب الجديدة“.

إحصاء القتلى

كشف تحقيق أجرته رويترز تفاصيل مجازر ٧-٩ آذار\مارس التي استهدفت العلويين السوريين على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، متتبعًا سلسلة قيادية تمتد من المهاجمين مباشرةً إلى رجال يخدمون إلى جانب قادة سوريا الجدد في دمشق. وخلص التحقيق إلى مقتل ١٤٧٩ علويًا سوريًا واختفاء العشرات في٤٠ موقعًا مختلفًا شهدوا عمليات قتل انتقامية، وهجمات، ونهبًا ضد الأقلية الدينية، المرتبطة بحكومة الأسد. وأحصت رويترز القتلى من خلال جمع قوائم محلية بأسماء الضحايا، العديد منها مكتوب بخط اليد، من قادة المجتمع المحلي وعائلاتهم. كما جمع القرويون صورًا وتفاصيل شخصية عن الضحايا. وفي كل قائمة، مكتوبة باللغة العربية، قارنت رويترز الأسماء مع نشطاء إما في القرية المعنية، أو يديرون صفحات على فيسبوك، أو في الشتات، ولديهم أقارب في المناطق التي تعرضت للهجوم.

المختارية: ساعة من القتل و١٥٧ قتيلاً

تظهر الشروح على قوائم القتلى بعضًا من قتلى قرية المختارية البالغ عددهم ١٥٧ قتيلاً. إجمالاً، قُتل ما يقرب من ربع سكان القرية. وفقدت بعض العائلات كل ذكر بالغ تقريبًا، وتركت جثث القتلى المثقوبة بالرصاص في الشوارع لتنقلها العائلات وتدفنها في مقابر جماعية.

من كل موقع مجزرة، جمعت رويترز أيضًا صورًا للضحايا، وصورًا ومواقع مقابر جماعية. في ١١ آذار\مارس، قالت الأمم المتحدة إنها أحصت ١١١ حالة وفاة، لكنها أقرت بأن العدد أقل من العدد الحقيقي. ولم تُحدّث إحصاءاتها عن القتلى منذ ذلك الحين. وأظهر أحدث إحصاء من الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مجموعة مراقبة مستقلة، مقتل ١٦٦٢ شخصًا. وأضافت أن ١٢١٧ شخصًا من هذا العدد الإجمالي قُتلوا على يد القوات الحكومية والجماعات المسلحة، بينما قُتل ٤٤٥ على يد مقاتلين موالين للأسد. ومن بين الـ٤٤٥، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن حوالي النصف من المدنيين والنصف الآخر من القوات الحكومية. ولم توضح الشبكة السورية لحقوق الإنسان كيف تأكدت من هوية الجناة. ولم تتمكن رويترز من تأكيد عدد القتلى العلويين الذين قتلهم الموالون للأسد، أو عدد القتلى من القوات الحكومية، وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان. وفي ١٧ آذار\مارس، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو منظمة مجتمع مدني أخرى، إنه أحصى ١٥٥٧ قتيلاً مدنياً، لكنه لم يُفصّل كيفية التوصل إلى هذا الرقم. كما أحصى المرصد ٢٧٣ قتيلاً من القوات الحكومية و٢٥٩ من المسلحين العلويين التابعين للقوات الموالية للأسد. وصرح الرئيس الشرع بمقتل٢٠٠ من القوات الحكومية. ولم تُصدر الحكومة إحصاءً للقتلى من المدنيين العلويين.

الفصائل التي تقف وراء عمليات القتل

في ٢٩ كانون الثاني\يناير، اجتمع أحمد الشرع وأكثر من ١٢ قائدًا آخراً من الفصائل المسلحة التي وحدت صفوفها للإطاحة ببشار الأسد في القصر الرئاسي بدمشق، في استعراض للوحدة بين رجال قاتلوا بعضهم بعضًا تقريبًا بقدر ما قاتلوا الأسد. عُيّن الشرع رئيسًا، وألغى الدستور، وحلَّ جيش حكومة الأسد وأجهزتها الأمنية. وقال: “شمس سوريا الجديدة تشرق”.

حصل كل قائد على فرقة عسكرية ورتبة، وتعهدوا بدمج فصائلهم في الجيش السوري الجديد. نظريًا، حلّ الشرع ميليشياته، المعروفة سابقًا باسم هيئة تحرير الشام، والتي كانت تُعرف سابقًا باسم فرع تنظيم القاعدة في سوريا، والمعروف باسم جبهة النصرة.

كانت الانتفاضة المؤيدة للأسد في أوائل آذار\مارس في المناطق الساحلية السورية أول اختبار لهذه الوحدة الهشة.بعد ساعات قليلة من بدء التمرد، استدعت الحكومة الجديدة تعزيزات لدحر انتفاضة فلول نظام الأسد، المعروفة بـ”الفلول”. وتدفقت عشرات الآلاف من المركبات والمقاتلين والأسلحة على الساحل. وقسمت وزارة الدفاع الساحل إلى قطاعات، ووضعتها تحت قيادة مسؤول رفيع المستوى لتنسيق التحركات والمواقع، وفقًا لثلاثة مصادر أمنية، من بينها محمد الجاسم، قائد لواء السلطان سليمان شاه، المعروف أيضًا باسم العمشات.

تورطت خمس مجموعات رئيسة في عمليات القتل الجماعي في البلدات والأحياء العلوية، والتي تعرض العديد منها لقصف من قبل مجموعات متعددة على مدار ثلاثة أيام:

وحدات هيئة تحرير الشام

تشمل الوحدة ٤٠٠، ولواء عثمان، وهيئتها الرئيسة لإنفاذ القانون، والمعروفة باسم جهاز الأمن العام. وقد اكتشفت رويترز تورطهم في ١٠ مواقع على الأقل، حيث قُتل ما يقرب من ٩٠٠ شخص.

قبل سقوط الأسد، كان جهاز الأمن العام هو الذراع الرئيس لإنفاذ القانون لهيئة تحرير الشام في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرتها. وهو الآن جزء من وزارة الداخلية السورية. في عام ٢٠٢٠، وصفت الأمم المتحدة تقارير “مقلقة للغاية” عن عمليات إعدام وانتهاكات على أيدي سلطات إنفاذ القانون التابعة لهيئة تحرير الشام. وثقت هيومن رايتس ووتش كيف قتلت هيئة تحرير الشام، المعروفة آنذاك باسم جبهة النصرة، ١٤٩ علويًا في عمليات إعدام بإجراءات موجزة في اللاذقية عام ٢٠١٣. وورد ذكر الوحدة ٤٠٠ في عدد قليل من المنشورات على الإنترنت، ولا يوجد أي منها من حسابات حكومية سورية رسمية. نُشر العديد منها في أوائل كانون الأول\ديسمبر، باستخدام لغة متطابقة، حيث تم نشر مقاتلي الوحدة ٤٠٠ في غرب سوريا. تصف المنشورات الوحدة ٤٠٠ بأنها “من أقوى الوحدات” في هيئة تحرير الشام، حيث تلقت “تدريبًا عالي المستوى ومجهزة بأحدث الأسلحة“. نُقلت الوحدة ٤٠٠ إلى المناطق الساحلية بعد سقوط الأسد، وفقًا لشهود عيان متعددين وأحد أفراد الوحدة. وقال مصدر استخباراتي أجنبي إن الوحدة أقامت مقرها في الأكاديمية البحرية السورية السابقة، ولا تخضع إلا لأعلى مستويات وزارة الدفاع.

الميليشيات المدعومة من تركيا

على مدار العقد الماضي، شنت تركيا عمليات توغل عسكرية في سوريا، ودعمت المتمردين هناك لمعارضة كل من الأسد والقوات الكردية التي تعتبرها تهديدًا. كانت هذه الفصائل جزءًا من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، وهو ثاني أكبر تحالف معارض في سوريا. ولفصائل الجيش الوطني السوري سجل حافل بعمليات الاختطاف والعنف الجنسي والنهب على نطاق واسع، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى. ومن بين الجماعات التي دعمتها تركيا خلال الحرب الأهلية لواء السلطان سليمان شاه وفرقة حمزة. وفي عمليات قتل العلويين، كشفت رويترز عن تورط هاتين الجماعتين في ثمانية مواقع مختلفة على الأقل، قُتل فيها ما يقرب من٧٠٠ شخص.وكتب أحد عناصر الميليشيات التابعة لفرقة السلطان سليمان شاه على صفحته على فيسبوك: “أطفئوا الكاميرات. اقتلوا كل ذكر. دماؤهم قذرة كالخنازير”.

الفصائل السنية

تشمل هذه الفصائل قوات جيش الإسلام، وجيش الأحرار، وجيش العزة المناهضة للأسد. وقد كشفت رويترز عن تواجدها في أربعة مواقع على الأقل، قُتل فيها ما يقرب من ٣٥٠ شخصًا. وفي عام ٢٠١٣، أسر جيش الإسلام عددًا من النساء والرجال العلويين، ووضعهم في أقفاص معدنية كبيرة لاستخدامهم كدروع بشرية في وجه الغارات الجوية السورية والروسية في دمشق. كما تُحمّل جماعات حقوق الإنسان الجماعة مسؤولية اختفاء نشطاء بارزين خلال الثورة. 

مقاتلون أجانب

من بينهم الحزب الإسلامي التركستاني، والأوزبك، والشيشان، وبعض المقاتلين العرب في ستة مواقع، حيث وجدت رويترز أن ما يقرب من ٥٠٠ شخص قُتلوا.

مدنيون سُنة مسلحون

دفعت المرارة الطائفية الناجمة عن سنوات من الحرب الأهلية وانتهاكات الأسد الناس إلى مهاجمة قرى وأحياء مجاورة يسكنها العلويون. ووجدت رويترز أن الموقعين الرئيسيين لهذه المجازر الانتقامية هما قرية أرزة ومدينة بانياس، حيث قُتل ما مجموعه ٣٠٠ شخص.

ملاحظة المحرر: تم تحديث عدد ضحايا العنف في تقرير إحصاء القتلى في الفقرة ٦ ليعكس المعلومات الجديدة من الشبكة السورية لحقوق الإنسان المقدمة بعد النشر.

تقرير: ماغي مايكل. تقرير إضافي: فراس دالاتي. تحقق من الفيديو: بولا جرزانكا، إليانور والي، وإيناكي مالفيدو. تصميم: كاثرين تاي. تحرير الصور: سيمون نيومان. تحرير الفيديو: إيما جيلي، ميلان بافيتشيك، وهولي مورثا. تحرير: لوري هينانت.

هل سيحصل ضحايا مجازر الساحل السوري على العدالة؟

هل سيحصل ضحايا مجازر الساحل السوري على العدالة؟

إعداد: هيدي بيت- صحافية أمريكية مستقلة
Heidi Pett
ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا
مقدمة
في يوم الأحد الماضي، دخل رجل إلى كنيسة مار الياس في دمشق أثناء القداس، وفتح النار، ثم فجّر نفسه بحزام ناسف، ما أدى إلى مقتل ٢٢ شخصًا وإصابة أكثر من٥٠ آخرين.
كان الرئيس أحمد الشرع قد وعد بحماية الأقليات في سوريا عند توليه السلطة. ومنذ ذلك الحين، تم إحباط عدد من مخططات تنظيم الدولة الإسلامية لاستهداف الأقليات، بما في ذلك محاولة اغتيال يُقال إنها استهدفت الشرع نفسه. لكن التنظيم ليس الجهة الوحيدة التي تستهدف الأقليات الدينية والإثنية في سوريا: إذ يشير شهود عيان إلى المجازر الجماعية التي ارتُكبت بحق مدنيين علويين على يد ميليشيات تابعة لحكومة الشرع نفسها.
قبل ثلاثة أشهر، وتحديدًا بين السادس والعاشر من آذار| مارس، وقعت مجزرة في الساحل السوري وُصفت بأنها تضاهي في حجمها هجوم الغوطة الكيميائي عام ٢٠١٣ في عهد الأسد. وتُقدَّر أعداد القتلى في مجزرة آذار بما يزيد عن ١٥٠٠ شخص.
بدأت الأحداث بانتفاضة قام بها عناصر تابعين لنظام الأسد السابق، تلتْها حملة قمع أعنف وأكثر تنظيمًا نفّذتها ميليشيات مرتبطة بالحكومة السورية الحالية. تتناقض هذه المجزرة مع الصورة التي يحاول الشرع تصديرها إلى العالم بهدف دفع الولايات المتحدة والدول الغربية إلى تخفيف العقوبات الخانقة المفروضة على سوريا. وعد الشرع بفتح تحقيق مستقل في أعمال العنف، إلا أن نتائج هذا التحقيق تأخرت ولم تُنشر بعد، وربما قد لا تُنشر أبدًا. وبعد وقت قصير من ارتكاب المجزرة، زارت الصحفية هايدي بيت بلدة الرصافة، حيث جرى اقتياد رجال عزّل من منازلهم وإعدامهم بشكل منهجي. كما قُتل أربعة أطفال وامرأتان. وفي مقابلة حديثة، لم يقدم مسؤول في الحكومة السورية انطباعًا بأن الجناة سيُحاسبون. قال لبيت: ”إن المشهد معقد جدًا؛ هناك أطراف كثيرة متورطة.” وأشار إلى احتمال وجود دور روسي في الانتفاضة الأولى، لكنه لم يُفْصح عن التفاصيل: “هناك أدلة، لكنني لن أناقشها.”
وعندما سُئل عن قتل المدنيين على يد مقاتلين موالين للحكومة السورية، تهرّب من الإجابة وأشار إلى تورط فلول موالية للأسد. وقال: “سمعنا من الناجين أن بعضهم تعرّض للتهديد قبل السادس من آذار\مارس للضغط عليهم للمشاركة في أحداث التمرّد التي بدأت في ذلك اليوم.”
كشفت المقابلات التي أجرتْها بيت مع سكان الرصافة، عن فظائع تفوق الوصف. وبينما ينشغل العالم بالحرب الإسرائيلية على إيران، لا يزال أولئك الذين قُتل أقاربهم في الأيام الأولى من حكم الشرع الجديد يبحثون عن عدالة قد لا تُمنح لهم.

نص التحقيق

“يلعن روحك”، يرتفع صوتُ شخصٍ من خلف الكاميرا. يُطلق رجلٌ يقف إلى جانبه النار على جسد رجل أعزل ممدد على الأرض، يرتدي بنطالًا رياضيًا مخططًا. يطلق الرصاص مرة بعد أخرى: اثنتين، ثلاثًا، حتى إحدى عشرة مرة. يقول الصوت: “خنزير”، بينما يركله شخص ثالث ليسقطه عن حافة مرتفعة. يتهاوى الجسد ميتاً إلى أسفل، تاركًا خلفه بقعة حمراء على الأسمنت.
الرجل الذي قُتل، حيدر بسام أسعد، عمره ٣٠ عامًا. كان يعمل حطابًا في قرية الرصافة في سوريا، ويدرّ دخلاً يتراوح بين ١٥ و٣٠ ألف ليرة سورية (ما يعادل حوالي جنيهين إسترلينيين) يوميًا لعائلته المكونة من زوجته وطفلين. إنه واحد من أكثر من ألف مدني قُتلوا خلال عطلة نهاية أسبوع شهدت عنفًا طائفيًا شديدًا في آذار الماضي. وكحال معظمهم، كان علويًا، ينتمي إلى الطائفة نفسها التي ينتمي إليها الديكتاتور السوري المخلوع بشار الأسد. في عهد النظام السابق. كانت عائلة الأسد تعيّن علويين لشغل مناصب عليا في أجهزة الأمن المسؤولة عن القمع الوحشي للشعب، ما عمّق الانقسامات الطائفية. وعندما فرّ الأسد، غادر العديد من هؤلاء الضباط الكبار البلاد أيضًا. أما من لم يتمكّنوا من المغادرة، فقد لجأوا إلى قرى في جبال الساحل السوري واختفوا عن الأنظار. وفي السادس من آذار\ مارس، شنّت مجموعات مسلحة موالية للنظام القديم سلسلة هجمات منسقة على قوات الأمن الجديدة في البلاد. وأدى التمرد الفاشل إلى موجة عنفٍ انتقامي ضد المدنيين. في الأحياء والقرى العلوية، في مدن الساحل وجباله، تجول مقاتلون وعناصر مسلحة لأيام، ونهبوا وأحرقوا وأعدموا مدنيين دون محاكمة.
تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان، وتصريحات مبكرة للرئيس السوري أحمد الشرع، إلى تورط مجموعات مسلحة متحالفة مع الحكومة، دُمجت لاحقًا ضمن القوات العسكرية والأمنية الجديدة. ووجدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن “الفصائل المحلية والتنظيمات الإسلامية الأجنبية، التي تخضع رسميًا لوزارة الدفاع، لعبت الدور الأبرز في ارتكاب هذه الانتهاكات.” ووفقًا لصحيفة ”نيويورك تايمز“، اعترف مسؤول حكومي بأن “بعض جنود الحكومة المنتشرين لاستعادة النظام شاركوا أيضًا في عمليات القتل.”
في أعقاب الهجمات مباشرة، قال الشرع في حديث لوكالة رويترز إنه سيحاسب المسؤولين، وأضاف أن الحكومة “لن تقبل أن يُسفك الدم ظلماً. ولن يمرّ أحد دون عقاب أو محاسبة، حتى بين أقرب الناس إلينا”، في إشارة واضحة إلى أن مجموعات مسلحة كانت أساسية في توليه السلطة تورطت في العنف.
وفي ٣ نيسان\ أبريل، صدر تقرير أولي عن منظمة العفو الدولية نُسب فيه القتل إلى “ميليشيات متحالفة مع الحكومة“، ودعا إلى التحقيق في تلك الجرائم باعتبارها جرائم حرب بحق الأقلية العلوية. ثم غيّرت القيادة السورية الجديدة موقفها، حيث قال عضو في وزارة الداخلية إن تقرير منظمة العفو الدولي متحيز، وأنه يجب انتظار نتائج لجنة التحقيق الحكومية، التي كان من المقرر أن تُصدر تقريرها في ٩ نيسان\ أبريل، لكن التقرير تأجّل إلى يوليو بعد أن طلبت اللجنة مزيدًا من الوقت. في البداية، واجهت فرق اللجنة صعوبة في كسب ثقة المجتمع العلوي. وبعد شهر من المجازر، جمعت اللجنة أقل من مئة إفادة. وبعد انضمام سبع نساء علويات لإجراء المقابلات وتدوين الملاحظات، جُمع الآن أكثر من ١١٠٠ شهادة من ضحايا وشهود، وتمت زيارة ٤٢ موقعًا.
قال عضو في اللجنة – طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالحديث علنًا قبل انتهاء التقرير – لموقع “دروب سايت” إنهم لم يقرروا بعد ما إذا كان التقرير سيُنشر للعامة. وإذا تم ذلك، فمن غير المرجّح أن تُذكر أسماء مجموعات مسلحة، أو أشخاص محددين، على الرغم من الالتزامات السابقة بذلك. وأضاف: “منذ البداية، كان وجود قائمة بالمشتبه بهم أحد الأهداف الرئيسة للجنة. لدينا قائمة بأشخاص يشتبه في تورطهم في الانتهاكات، لكن القائمة لا تزال قيد الدراسة والنقاش. هناك حاجة إلى تحقيق إضافي لتحديد ما إذا كانت تلك فصائل أم أفرادًا.”
رفض الإدلاء بتفاصيل عن تلك الفصائل أو الأفراد، وقال مصدران على دراية بأعضاء اللجنة إن هناك ضغوطًا لعدم ذكر أسماء الجناة لتجنب تأجيج التوترات. وأكد عضو اللجنة على استقلالية الهيئة، وأنهم التقوا وتحدثوا بحرية مع مستويات متعددة من الحكومة، وأن عملهم لم يتعرض لأي تدخل. ورغم وجود نقاش بين أعضائها حول إنشاء محكمة خاصة، أشار إلى أن دور القضاء السوري هو تسمية المسؤولين وملاحقتهم قضائيًا. وتجدر الإشارة إلى أن الدستور السوري المؤقت يمنح الرئيس أحمد الشرع السلطة الحصرية لتعيين جميع أعضاء المحكمة العليا.
في الأشهر الستة التي تلت تولي الشرع السلطة في كانون الأول\ ديسمبر، سعى إلى طمأنة السوريين والمجتمع الدولي بأن جماعته، هيئة تحرير الشام، وتحالف الفصائل المسلحة الأخرى التي خاضت القتال وصولًا إلى دمشق، قد تخلت عن جذورها المتطرفة. كانت هيئة تحرير الشام وغيرها من التنظيمات مدرجة على قوائم الإرهاب، وخاضعة لعقوبات دولية، لكنها أعلنت رسميًا حلّها وأُدرجت تحت سلطة الجيش الوطني الجديد. وللحصول على الدعم الدولي ورفع العقوبات، عمل الشرع على إقناع العالم بأن حكومته ملتزمة ببناء سوريا للجميع. لكن المجازر وجهت ضربة قوية لهذه الصورة.

كمين أدى إلى مجزرة بحق المدنيين
كان فيديو مقتل حيدر بسام أسعد واحدًا من العديد من مقاطع الفيديو التي صورها مقاتلون ونُشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي حينها. زار فريق “دروب سايت” الرصافة في منتصف آذار\مارس، بعد أسبوعين من مقتل حيدر. وكما ظهر في الفيديو، لا تزال بقعة الدم على الطريق واضحة. في الواقع، كانت هناك عدة بقع دماء كبيرة على الأسمنت الباهت. وبينما شرح شاب من القرية أن ثلاثة آخرين قُتلوا هنا، خرجت امرأة من مبنى قريب. كان زوجها من بين من أُطلقت عليهم النار على هذا الطريق. قالت: “أخذوه من المنزل وكنت أصيح وأخبرهم أنه مريض، لكنهم أطلقوا عليه النار في الشارع.” وبدأت تبكي. “لدي أربع بنات، كيف سأربيهن؟”
تركت بقع الدماء في الرصافة أثرها على الطرقات، ولطّخت أرضية روضة الأطفال، وتسرّبت إلى أثاث غرفة جلوس إحدى العائلات التي قُتل فيها أربعة أطفال دون سن العاشرة برصاص مسلحين. لا يخلو أي بيت في هذه القرية، التي تضم حوالي ثلاثة آلاف نسمة، وتقع في وادٍ صغير على سفوح جبال الساحل السوري من أثر مأساوي.
بلغت الحصيلة المروعة في الرصافة ٦٣ قتيلًا، من بينهم أطفال أربعة وامرأتان. كما أصيب ١٨ ناجيًا بجروح نارية. تعرض٧٥ منزلًا من أصل ٣٠٠ في القرية للنهب أو الحرق. فقد ٢٠٠ رأس من الماشية. وسُرقت ٣٥ سيارة و٧٠ دراجة نارية. كما دُمرت خزانات المياه وألواح الطاقة الشمسية. ارتُكبت المجزرة في يوم كان من المقرر أن يتم فيه توصيل غاز الطهي إلى القرية، حيث سُرقت الإمدادات كلها مع أسطوانات الغاز وأموال السكان.
بدأ العنف الذي أدى إلى هذا الدمار والبؤس بكمين، ضمن سلسلة هجمات شهدتها المنطقة مساء الخميس ٦ آذار\مارس. نصبت خلية من المسلحين الموالين للأسد كمينًا على بُعد حوالي ٥ كيلومترات (٣ أميال) من الجبل على الطريق بين الرصافة وقرية السنديانة المجاورة. لا تزال بقايا حاجز تفتيش قديم للنظام موجودة عند نقطة ضيقة من الطريق. وفي الساعة العاشرة مساءً، اقتربت دورية روتينية لقوات الأمن الحكومية الجديدة. قال عزام أبو عدي، نائب مدير المنطقة: “عندما وصلنا إلى نقطة تفتيش كانت تابعة للنظام القديم، توقفت سيارة بيك أب وأطلقت النار علينا مرتين. كان الهدف جذبنا إلى كمين أكبر في وادٍ ضيق وعميق، تحيط به ثلاثة تلال. حاصرونا وبدأوا بإطلاق النار علينا بقذائف آر بي جي ورشاشات وبنادق روسية.” وأضاف أن القتال استمر حتى وصول التعزيزات حوالي الرابعة صباحًا. وقعت عشرات الحوادث المماثلة حيث هاجم مسلحون موالون للأسد نقاط تفتيش ودوريات ومراكز شرطة في الساحل ومدن اللاذقية وطرطوس وبانياس. وقالت الحكومة إن أكثر من مئتي عنصر من قوات الأمن الجديدة قُتلوا. تدفقت آلاف التعزيزات من أنحاء البلاد إلى المنطقة. استجاب الأمن العام، وهو الفرع الرئيس للشرطة السورية الجديدة، والفصائل المسلحة التي تم دمجها حديثًا في الجيش، وكذلك أفراد متفرقون، ولبى الجميع دعوات التعبئة العامة التي انتشرت عبر قنوات الحكومة الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المساجد. كان أحد الطرق الرئيسة يمر عبر بلدة مصياف قبل أن يمتد إلى الرصافة. شاهد عدد من سكان مصياف أن الفصائل المسلحة اجتمعت ونسقت مع قوات الأمن الرسمية في مركز شرطة البلدة قبل انطلاق قوافلها نحو الجبال. وقال شاهد عيان: ”كان الذين جاءوا لدعمهم يرتدون ملابس مدنية، لكن مع ستر واقية محشوة بالذخيرة. كان عدد منهم يرتدي زي الأمن العام، ويقفون مع بعضهم، ويتبادلون التحيات. رأيت العديد من السيارات؛ ميليشيات تحمل أنواع الأسلحة كلها متجهة على ذلك الطريق إلى الجبل.”
تبعد الرصافة عشر دقائق فقط بالسيارة عن مصياف. وفي الساعة السابعة والنصف يوم الجمعة، في بيت على الطريق الرئيس، سمعتْ امرأة طلقات نارية، فاختبأت مع أطفالها في الغرفة الخلفية. خلع رجال مسلحون قفل الباب الأمامي. قالت: “اتجه زوجي إلى الباب فوجد الأمن العام وبعض الفصائل في الخارج.”
خمنتْ أن بعضهم كان من المقاتلين الأجانب بناءً على مظهرهم، وارتدائهم جلابية طويلة مرتبطة عادةً بمصر أو السودان، والتي تبناها الجهاديون الدوليون. أضافت: “لا أعرف بالضبط من كانت تلك الفصائل، لكن بعضهم كانت له لحية طويلة ويرتدي جلابية”، وهو لباس نادر الظهور في سوريا قبل أن ينضم مقاتلون إسلاميون أجانب إلى الحرب الأهلية.

“أجبرونا على النزول إلى الطريق والاستلقاء على الأرض، أهانونا وأطلقوا النار بين أرجلنا.” في النهاية، تم اقتيادها مع بناتها الأربع إلى داخل البيت مع والديها وأختها وأبناء أختها الذين كانوا يعيشون في المنزل المجاور. أبقوا زوجها وابنها المراهق في الخارج. وعلى مدار يومي الجمعة والسبت، زارت عدة فصائل مسلحة المنزل، وهددت العائلة ووصفت أفرادها بـ“االعلويين الخنازير”. قالت: “بقوا في القرية يومين ونهبوا كل شيء: الذهب والهواتف المحمولة.” وهددوها هي وأختها بالاغتصاب، وطالبوا بأموالهما وزوجيهما. كما أخذت مجموعة أتت لاحقاً والدها البالغ من العمر ٦٠ عامًا، وأطلقت عليه ثلاث رصاصات في رجليه، وتركته ينزف ويصرخ في الشارع لمدة سبع ساعات. لم تستطع العائلة الخروج لمساعدته، لكن مجموعات جديدة من المسلحين تجمعت بسبب الصوت. “كانت الفصائل تأتي إلى المنزل وتسأل: من فعل هذا؟ وكانوا ينكرون”.
ذكرت هي وسكان آخرون لا تجمعهم صلة قربى بالأسرة مجموعتين مسؤولتين عن المجزرة: أحرار الشام في إدلب، وجيش الإسلام، وهو فصيل مسلح تشكل قرب دمشق خلال الحرب السورية وانتقل مقاتلوه إلى إدلب في صفقة عام ٢٠١٨ مع النظام. أضافت أن آخرين كانوا يرتدون عصائب حمراء تميز القوات الخاصة التابعة لهيئة تحرير الشام، والتي يغلب عليها المقاتلون الأجانب. كانت العائلة تسأل كل مجموعة جديدة من المسلحين عند الباب عن هويتهم، “وكان كل واحد يقول شيئًا مختلفًا.” استمر هذا الأمر لأيام. قالت: “يوم الأحد، قالوا يمكنكم أن تخرجوا لتروا ما فعلناه.” فتحت الباب المتحرك المؤدي إلى الشرفة المطلة على الطريق وأشارت إلى بقعة من العشب بجانب الجدار الأمامي للمنزل: “هناك. هذا هو المكان الذي أطلقوا فيه النار على ابني.” ارتجف صوتها ثم ارتفع. “كان عمره ١٥ سنة فقط.”
كان جسد زوجها يستلقي قريبًا. لقد خدم، مثل كثير من أفراد الطائفة العلوية، في الجيش تحت حكم الأسد لكنه سلم أسلحته وبطاقته العسكرية للسلطات الجديدة. قالت إن كل الرجال في عائلتها فعلوا الأمر نفسه، أو لم يخدموا أصلاً. قُتل والدها وثلاثة من إخوته. أضافت أن كل الرجال في الرصافة الذين خدموا في الشرطة أو الجيش سلموا أسلحتهم، لذلك لم يكن هناك قتال بين القوات السابقة والمسلحين داخل القرية. عندما انهارت الحكومة أمام تقدم هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة في كانون الأول\ديسمبر، فوجئ كثير من العلويين في البلاد وشعروا بالامتنان لأن سقوط حكم عائلة الأسد الذي دام ٥٤ عامًا كان نسبيًا بلا دماء.
“لو كنا نعلم أن هذا سيحدث، لما سلمنا أسلحتنا حتى يكون لدينا شيء ندافع به عن أنفسنا وشرفنا، لكنهم خانوا ثقتنا.”
تعتقد أنه تم قتل الرجال غير المسلحين والمدنيين في الرصافة انتقامًا للكمين الذي نصبه مسلحون موالون للأسد على الطريق. ” لم يستطع الأمن العام والفصائل، والجيش الوصول، إلى هناك فانتقموا من الناس هنا.”
بدلاً من ذلك، ابتداءً من صباح الجمعة، انتشرت مجموعات من المقاتلين السوريين والأجانب في أنحاء الرصافة. جابوا المنازل من باب إلى آخر، وسحبوا الفتيان والرجال إلى الشارع وأطلقوا النار عليهم. في المجمل، تحدث موقع “دروب سايت” إلى أكثر من اثني عشر شخصًا شهدوا وصول فصائل مسلحة متعددة، واتصالها بأفراد من الأمن العام الجديد أثناء مرورها في الرصافة. ووصف رجل يسكن بالقرب من مدخل القرية صف المركبات الداخلة إلى الرصافة قائلاً: “أولًا، ليلة الخميس، كان الأمن العام وفصائل أخرى في نفس الموكب”. ومع بدء عمليات القتل الجماعي صباح الجمعة، خرج الوضع عن السيطرة تمامًا؛ لم يعد واضحًا من ينتمي إلى من، أو من يقاتل إلى جانب من لكن شيئاً واحداً كان واضحًا وهو أن: “الأمن العام فرض الحصار على المدينة، ولم تغادر الفصائل حتى فعلوا ذلك.” وفي حوالي الساعة الثامنة صباح يوم الجمعة، جاء مسلحون إلى منزل صغير وسط القرية حيث كان يعيش علي (اسم مستعار) مع أبنائه الأربعة.
قال علي: “جاءوا وأخذوا هواتفنا المحمولة وقالوا إنهم سيعيدون ضبطها. ثم جاء عشرون رجلًا لأخذ أبنائي من المنزل.”

كان جميع أبناء علي قد خدموا في الجيش، وهو أمر شائع في المنطقة. وبينما ازدهرت عائلات علوية بارزة في ظل شبكات رعاية نظام الأسد، عانت القرى من ركود اقتصادي متعمد، فكان الجيش في كثير من الأحيان الوظيفة الوحيدة المتاحة. كان أبناء علي قد أنهوا خدمتهم العسكرية عند سقوط النظام، وكانت عملية التسوية مع السلطات الجديدة تتطلب منهم تسليم أسلحتهم وأوراقهم العسكرية. أصيب أحدهم بجروح أثناء خدمته؛ كان هناك عكازان العكازات مسنودان إلى فرشة على أحد الجدران. لم تكن هناك سجادات على الأرضية الخرسانية، فقط مجموعة من الكراسي البلاستيكية، ومقعد تعلوه أكواب من المتة، وهو شاي أعشاب شائع في معظم منازل العلويين. قال علي: “جاءت مجموعات وفصائل مختلفة من عشر إلى خمس عشرة مرة يومي الجمعة والسبت، بعضها كان يرتدي الأسود بالكامل مع عصابة رأس بيضاء وسوداء. كانوا سوريين. وآخرون كانوا يرتدون زي الجيش السوري الذي اعتدنا رؤيته. وكان هناك آخرون بزي عسكري مختلط، بعضهم أجانب رغم أنني لم أستطع تحديد لهجتهم.”
حُبس الأب المسن وبعض الأقارب الأصغر سنًا في غرفة واحدة لمدة يومين، بينما احتل المقاتلون الغرفة الأخرى وتجوّلوا في الخارج. كانوا يدخلون أحيانًا ويأخذون أي شيء له قيمة، بما في ذلك البطارية الصغيرة التي تستخدمها العديد من العائلات السورية لتشغيل الأضواء خلال انقطاعات الكهرباء المتكررة، وحتى أوراق الرجال وبطاقات الهوية المدنية المؤقتة التي منحهم إياها النظام الجديد. قال علي: “لا يمكنك التحرك من دون هوية أو المرور عبر نقاط التفتيش. لذلك، حتى لو أردنا المرور الآن من دون هوية، يمكنهم اعتقالنا.”
في ظهر السبت، طلب المسلحون الذين استولوا على منزله من علي أن يحضر لهم المزيد من الحطب للنار. وجد أبناءه الأربعة قتلى في حظيرة الحيوانات والجدار مثقوب بالرصاص.
عندما سُئلوا إن حدث أي قتال داخل القرية، أجاب علي وأقاربه على الفور: “كلا، كلا، كلا. قالوا إنهم جاءوا للبحث عن أسلحة، لكن أبنائي قُتلوا حفاة القدمين. لقد تصرفوا بعجرفة معنا وعاملونا باحتقار. قتلوا أشخاصًا لا يملكون شيئًا. في بعض المنازل، لم يكن حتى هناك كرسي لتجلس عليه.”
جلس أب آخر على الأرض في المنزل المجاور، أحكم إغلاق سترته من البرد وسرد قصته: جاء عشرة رجال إلى بابه صباح ذلك الجمعة. “أخذت المجموعة الأولى ابنيّ الاثنين. ثم جاءت مجموعة أخرى؛ أعادوا ابني الأصغر لأنه طفل.”
أضاف الأب أن هذه المجموعة كانت أكثر انضباطًا، وحتى لطيفة. “الفصيل الذي أعاد الصغير سأل: ‘ماذا تريد؟’ فقلت: “أريد ابني الآخر.”
بعد فترة قصيرة، تلقى الأب عدة مكالمات من هاتف ابنه الأكبر. كان يتوسل للمسلحين ليطلقوا سراحه. قالوا آخر مرة أنهم أرسلوه إلى حافظ الأسد وانتزعوا قلبه. قالوا لي اذهب وابحث عنه قبل أن تأكله الكلاب. وجدناه ميتًا في أحد الأزقة الجانبية للطريق الرئيسي. أصيب بثلاث رصاصات في صدره.”
أخرج الأب من جيب سترته منديلًا مجعدًا ليُظهر الرصاصات الثلاث التي تم إخراجها من جسد ابنه. رسم خطًا أسفل صدره وبدأ بالبكاء. “رأيت ما فعلوه، لقد انتزعوا قلبه من صدره.”
قال: “أعدنا الجثة تحت زخ الرصاص. قال الجميع إن الأمر خطير، لكنه ابني، وكان عليّ أن أحضره.”
حفر هو وجاره خمسة قبور في الحقل بين منزليهما بأيديهم.
قال الأب: “يدّعون أن هذه القرية موالية للنظام، لكن انظر إلى الظروف هنا، الأمر لا يُعقل.”
باستثناء عدد قليل من المنازل الكبيرة على الطريق الرئيسي، كانت منازل الرصافة مبنية من كتل خرسانية غير معزولة جيدًا من البرد أو الحرارة. يعمل رجالها كحطابين، أو في الحقول الصغيرة حول منازلهم في قاع الوادي الضيق. وبسبب انعدام فرص العمل، تطوع كثير منهم في الجيش، بعضهم شارك في القتال وآخرون عملوا في المخازن والدعم اللوجستي. أكد سكان القرية أنهم لم يعرفوا شيئًا عن كمين النظام، وأشاروا إلى مذبحة رجالهم كدليل: لو كانوا يعلمون بشيء، لكانوا تركوا منازلهم واختبأوا بدلاً من انتظار القرع على الباب وإطلاق النار على رؤوسهم.

قال أحدهم: “لقد استهدفونا لأن القرية علوية. إنه عقاب جماعي. لا يتبعون أي قواعد. إذا كان أحدهم مجرمًا، تعاقب المجرم لا المجتمع كله.”
منذ سقوط النظام، يطالب السوريون بأمرين: الخبز والعدالة الانتقالية. ويربط كثيرون بشكل مباشر بين غياب المساءلة عن الفظائع في عهد الأسد وانفجار العنف في الساحل. بسبب عدم محاسبة مرتكبي الجرائم، يشعر كثير من العلويين أن طائفتهم بأكملها تدفع ثمن جرائم النظام الذي جند أبناءهم وحافظ على فقر قراهم. وبعد أن أطاحت هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة بالحكومة القديمة، ظهر في سوريا مصطلح جديد شائع: “فلول”. ويعني “بقايا”، ويُستخدم للإشارة إلى أي شخص عمل مع النظام، أو لا يزال متعاطفًا معه.
قال أحدهم: “يقولون إن الجميع فلول. إذا كان هناك أحد هنا كذلك، فليأخذوه. عانينا كثيرًا خلال حكم النظام اقتصاديًا، وفقدنا الكثير ممن أُجبروا على الانضمام للجيش. كان بعضنا يأمل أن تكون هذه نهاية عهد وحشي، لكن ما شهدناه هو في الواقع أسوأ.“
ارتُكبت أسوأ مجزرة في الرصافة في منزل رابع فوق القرية، بحسب السكان المحليين. قُتلت امرأتان وأربعة أطفال. لا أحد يعرف السبب، لكن بعضهم يظن أن السبب أن أحد الأطفال، وهو صبي يبلغ من العمر تسع سنوات، كان اسمه بشار. كان يزور أبناء عمومته ذلك اليوم، وقُتل الأشقاء الثلاثة: زين (٣ سنوات)، جواد (٤ سنوات)، ويحيى (١٠ سنوات)، مع والدتهم وجدّتهم.
كانت لحية الجد البيضاء قد اصفرّت بسبب النيكوتين. يوم الجمعة، قبل الخامسة مساءً بقليل، خرج ليحضر المزيد من الحطب للنار. أوقفوه وجعلوه يقف عند باب المنزل. قال إنه سمع إطلاق النار داخل المنزل، لكنه في البداية لم يدرك ما يعنيه ذلك. “لم أصدق أنهم سيقتلون الأطفال فعلاً.“ ظلت الجثث في غرفة الاستقبال لمدة ثلاثة أيام قبل أن يتمكن من دفنها.
“مكان الجريمة ما زال كما هو مصطبغاً بالدماء. لم نلمس شيئًا. كنا نأمل أيضًا أن تأتي المنظمات الدولية، لكن لم يأت أحد.”
بدلاً من ذلك، أغلق جهاز الأمن العام القرية لأيام. لم يُسمح للخوذ البيضاء أو الهلال الأحمر السوري بالمساعدة في الدفن، فدفنت العائلات أقاربها دون أي فحص للجثث، أو مواقع القتل. استغرق الأمر ما يقرب من ثلاثة أشهر حتى زارت لجنة تحقيق حكومية.

عدالة المنتصر
يروج قادة الأمن العام المحليون والضباط السياسيون في الحكومة الجديدة لسردية جديدة: أن عمليات القتل مفبركة. وبعد أسبوعين من المجازر، زار فريق ”دروب سايت“ مركز الشرطة الرئيس في مصياف، حيث غادرت دورية الأمن قبل أن يُنصب لها كمين فوق قرية الرصافة، الحادث الذي أشعل العنف في السادس من آ ذار\ مارس. كان هذا مركز الشرطة نفسه الذي ذكر السكان المحليون بأن فصائل مسلحة اجتمعت فيه مع الأمن العام قبل أن تسير في قوافل إلى الرصافة في الساعات والأيام التالية. تفاجأتُ حين رحّب بي المسؤولون لإجراء مقابلة. عزام أبو عدي، نائب مدير الأمن العام، خلع درعه الواقي ووضع بندقيته ومسدسه جانبًا قبل الجلوس للحديث. بدأت بسؤاله عن الكمين.
قال: “نفدت منا الذخيرة، فطلبنا تعزيزات من حماة ومصياف. أرسلوا لنا عربات مدرعة وجاءوا لأخذنا.”
وأوضح أن التعزيزات التي جاءت لمساعدته ورجاله كانت من الحكومة. “كان الجيش فقط والأمن العام، لا فصائل. لم يعد هناك ما يسمى فصائل، نحن الآن الجيش فقط.”
أكدت عليه: “إذًا كل من جاء كان تحت سيطرة الأمن العام؟”
رد: “نعم، بالطبع. فقدنا شهداء وأصيب بعضنا. قتل واحد وجُرح اثنان.”
حاول أبو عدي إنهاء المقابلة، لكنني أوضحت مرة أخرى أن جميع التعزيزات التي مرت كانت تحت سيطرة الأمن العام، وليس فقط تلك التي وصلت إلى موقع الكمين نفسه. لم نكن قد تحدثنا بعد عن عمليات القتل في الرصافة.
ابتسم أبو عدي، وأثار الموضوع بنفسه: “أفهم ما تلمحين إليه. تريدين أن تتحدثي عن الرصافة. لقد مررنا بالكثير؛ لم نولد بالأمس.”
ثم شرح أن فلول النظام وعصاباته المرتبطة به، المعروفة في سوريا بالشبيحة، هم من ارتكبوا المجازر ثم ألقوا اللوم على الدولة. حسب روايته، بعد أن نصبوا كمينًا لدورية الأمن العام على الطريق فوق القرية، تمكن الشبيحة من الالتفاف والنزول إلى الرصافة لإثارة الفوضى والخوف بين السكان.
“كان الشبيحة يستخدمون أسماءنا ويقتلون الناس. يرتدون زي الأمن العام ويقتلون الناس.”
“لم يقبلوا أنهم فقدوا البلد؛ كانت محاولة انقلاب. أراد أنصار النظام السابق زعزعة السلام والأمن في المنطقة. لم يقبلوا أن الناس بدأوا يؤيدون الدولة الجديدة. فبدأوا يرتدون ملابسنا ويقتلون باسمنا.”
أصر أبو عدي على أن السكان يصدقون هذا. لكن من بين العشرات الذين أجرى معهم ”دروب سايت” مقابلات، عبّر الجميع عن شعور بالخيبة والخوف من السلطات الجديدة. قال أحدهم: “الجميع يخافون على عائلاتهم. لا أحد يلجأ إليهم من أجل العدالة لأن الدولة هي الجانية.”
تعرّف شخص آخر على رجل شارك في العنف. “كان يرتدي علم المملكة العربية السعودية على ذراعه، لكنه الآن يتجول مرتديًا علم الثورة على ذراعه وزي الأمن العام، يعتذر للناس، قائلاً: هذا لم يكن نحن، كانت فصائل خارجة عن السيطرة وغير خاضعة للإشراف. نجد هذا سخيفًا ومهينًا.”
في جميع أنحاء سوريا، فقد آلاف العلويين وظائفهم، لأنهم خدموا في الجيش أو تم طردهم من مناصبهم في الخدمة المدنية. الراحة الحذرة التي عبر عنها كثيرون عند انتقال السلطة بسلاسة نسبية تحولت إلى عدم ثقة عميقة. يريد السوريون من الطوائف كلها رؤية العدالة، ليس فقط من أجل الجرائم التي ارتكبها أعضاء نظام الأسد، بل أيضًا التي ارتكبتها الفصائل المسلحة التي انتشرت بعد أن تمخضت الثورة عن حرب، وبعض هذه الفصائل الآن أعضاء في الحكومة الجديدة. يخشون أن ما سيحصلون عليه هو “عدالة المنتصر.”
بعد ستة أشهر من استلامها السلطة، عينت القيادة لجنة للعدالة الانتقالية؛ رئيسها هو ابن عم وزير العدل.
في مصياف، بعد أسبوع من مجازر الساحل، أقيمت فعالية لإحياء ذكرى بعض الاحتجاجات الأولى لانتفاضة عام ٢٠١١. وقف أفرادٌ من الأمن العام مدججين بالسلاح على المنصة، يغنون أغاني ثورية إلى جانب الحشد. وقفت طالبة صيدلة شابة، بضفيرتين، مع بعض أصدقائها من الكلية. “جئتُ للاحتفال بذكرى الثورة رغم أنها لم تنتهِ بعد، ولإحياء ذكرى المدنيين الذين سقطوا هذا الأسبوع. وأضافت أن الثورة لن تكتمل إلا عندما يتوقف قتل الأبرياء. “في البداية كانت الثورة من أجل إنهاء الظلم، وطالما أن هذا الظلم مستمر، فإن الثورة لم تنتصر.”

أربع مقدّماتٍ لأربع حكايات

أربع مقدّماتٍ لأربع حكايات

عن  Ayrout’s Listوالهويّة الجامعة

نسمع من النّاجين في بانياس حكاياتٍ عن شيخٍ يشبه ليام نيسون، حلّ لغز عبور النّهر، مع ضبعٍ وذئبٍ وعلويّ. 
وعن نصف جيرةٍ أنقذت نصف طفلٍ وأعادته إلى أمّه، تُناغيه نصف مناغاةٍ، وتُرضعه نصف رضعة.
كما يصلنا احتفاء الضّحايا بالإعتراف بهم كضحايا، وامتنانهم لجيرانٍ ما كذبوا ما رأوا. جيرانٌ صادف أنّهم -وفقط في هذه البلاد- بهالاتٍ فوق رؤوسهم وأجنحةٍ على ظهورهم.
ونقرأ بعد المجازر، بمعرض الشّهادات البائسة على الهويّة الجامعة، كيف مثلاً ليس لأحدهم متبدّلٌ عن سُفرة الآخر، عن البلد لضرورات المائدة، عن لذّة عرق العلويّين مع شنكليش التّركمان، يقول سكارى. ثمّ عن زيجاتٍ بين الجماعات السّوريّة، وعن أطفالٍ خلاسيّين وفيهم هُجنة، تسمعهم شتاءً يُحمحمون مثل عمومتهم، وفي الرّبيع يُغرّدون كما أخوالهم.

«كان يا ما كان، وثارت العصافير البيض، وثورتها -ككلّ ثورةٍ-كانت هي الشيء ونقيضه. وانضمّ إليهم عصفورٌ أسود، فأحبّوه خاصّةً، وميّزوه وأفرطوا في تدليله. لكنّ هذا أحرج العصفور الوافد، وشعر أنّه ضيفٌ وأنّه طارئٌ، فطار.»

ما أكثر ما يبيض في هذه البلاد!

البلاد الآن ضعيفةٌ كالزُّلال، تحتاج من الكل أن يرعاها، أي أن يؤجّل سؤاله: أيّ مسخٍ تُرى سيخرج من هذه البيضة؟
ثمّ ما أكثر ما يبيض في هذه البلاد! لا أتتبّع سقطات أحدٍ، وليُعن الله كلاًّ على كلٍّ، لكنّي ما ظننتُ أنّ أمر خيار النّاس يصير إلى هذا! فمن قال اليوم أنّ السّفه قد يُلتمس فقط بين الرّعاع دون العقلاء فقد كذب. 

احتشد الجمهور، وجيء بعازف مزمارٍ خائبٍ يُرقّص ثعباناً عملاقاً بألحانٍ نشازٍ تقشعرّ منها الجلود وتشمئزّ منها القلوب، كما في الحديث. وحين همّ النّاس بالمغادرة اكتشفوا ورطتهم، بأنّ عليهم أن يُكملوا عرضاً لا آخر له، بل ويطنبوا في استحسان أداء العازف الفاشل، ويحمّسوه متشوّقين ملحّين آنسين مستمتعين، لأنّه لو توقّف عن العزف، نهشهم الثّعبان.»

ربّانيّةٌ كفرض عينٍ ومُسلّيةٌ كرحلات الصّيد

والله لست أعلم أيّها أحقّ بالنّدب، القرى التي أحرقوها، أم تلك الّتي خرجوا منها؟  
استعرتُ منك يا ربّ وقُلتُ: “إذا دخلوا قريةً أفسدوها”، مع أنّهم ليسوا ملوكاً، لا ولن يكونوا. والعاقل -سيّما النّوع الذي يُقطع بالسّكّين- يحذرهم.
ثُمّ أنت يا ربّ كعادتك، تغيب حيث لا يُنتظر منك ذلك. لا تقل لي كانت مجزرةً منطقيّةً، وأنّ حرب 14 سنةً كانت مجرّد فتيلٍ، لا تُعزّيني بتهويدة: كان يمكن أن تكون الإبادة أوسع! لا لن أنام. 
ليس هو السّؤال اليوم عن إراقة الدّم، لا عن إباحته، بل عن تسجيعه. إنّهم يسجعون في الدّم يا الله.
والمنسيّون في تلك القرى عاتبون عليك، كان الرّجل منهم لا يمدّ رجليه بحضرة جليسه، كانت الجدّات يستنشقن أحفادهن. مدَّ خنصرك لأقاطعك، أنا يكفيني بغزوات عبادك -وهم يقتلون لكسر ملالةٍ- موعظةً إن اتّعظتُ، واسمع هذه لك يا ربّ:

«جاء رجلٌ يتعبّد، فوجد طابوراً طويلاً على باب المعبد، لكنّه لمح غير بعيدٍ خمّارةً غير مزدحمة.
بتلك البساطة، يتحدّد إيمان أو كفر الرّجال الّذين لا يُحسنون الوقوف في الطّابور.»

هي وطنٌ نهائيٌّ لو الأبقار تغرّد

يقف إدوارد نورتن بدور مونتي بروغان في فيلم 25th Hour أمام مرآة الحمّام ويقول:
اسمعوا أيّها الأغبياء في الجماعات والقوميّات والأديان والمذاهب والأتباع والموالي والشّيع، وكلّ من تعصب لأحد تتمسّحون وتتبرّكون بظنّيّة الهويّة، مع قطعيّة الحياة المتعذّرة بينكم، وفراديسكم متحاربةٌ وهي ليست أصلاً على هذه الأرض. اطرحوا عنكم كلّ أملٍ، فالبلاد قد اختارت عليكم، ولستم فيها بأثبت من دبابيس على الخريطة. أنتم خطرٌ ، وفروقاتكم صار لا يُجدي فيها مبردٌ أو فرشاة. يجب أن يُحجر عليكم لعدم الأهليّة، وأن تفصل بينكم الحواجز، بحيث لا يأكل أحدكم أطفال الآخر، أو ينزو على امرأته.
أخوة؟ لولا خجلي من عربيّتي لقلتُ: وحدها حديدةٌ محماةٌ بوسعها أن تؤاخيكم.
«انتهى الاقتباس».

«يُحكى أنّ الأبقار كانت تغرّد ابتداءً، ورُوي عن رجلٍ من أبناء آدم، حلفت له امرأته: أنا عليك حرامٌ حتى تُنهي فلاحة الأرض. فصار يضرب الثّور حتّى جأر.»

“دروع بشرية” ما بين قطاع غزة والساحل السوري

“دروع بشرية” ما بين قطاع غزة والساحل السوري

بعد سقوط نظام البعث وهروب قادته، كان الساحل السوري هادئاً. لا خوف، لا تنكيل، لا اعتقالات، لا تهديدات، لا اغتيالات، لا قتل. أصبحت سوريا موحّدة وهادئة، دون نعراتٍ طائفية أو عنصرية. حسناً، حدثت بعض الحوادث هنا وهناك، لكنّها كانت فردية ومحدودة ولا يمكن اعتبارها معياراً. هكذا تقول سردية قنوات وصحف النفط العربي، وأفواج دعم الجولاني، رغم القصص اليوميّة واحتلال سوريا من ثلاث دول: تركيا وأميركا والكيان الصهيوني! 

فجأةً، ظهر “فلول النظام” وقتلوا رجال الأمن في حادثة خارجة عن كل السياقات، ما عدا وجود مؤامرة خارجية يقودها داعمو النظام السابق. انفجر الفضاء في الساحل السوري على أشدّه، وفاضت الدماء في القرى والمدن. ومع فيضان أجساد المدنيين ووسم أسمائهم بنعي الأرض، لم تكن وحوش القاعدة ونسل داعش وسرايا الذبح التكفيري الطائفي، المتمثلين برداء الدولة و”الثورة”، من فعلها. بل كانوا “فلول” المجرمين المتآمرين من استخدم المدنيين “دروعاً بشرية”. هذا ما تؤكّده قنوات وصحف النفط العربي على لسان “مسؤولٍ أمني”، ويسوّقه ناشطو السلطة القائمة في مواقع التواصل الاجتماعي لتكريس رؤية واحدة للمشهد. 

ربما، لم تجد هذه القنوات والصحف أيّة مصادرٍ تنقض السردية المعلنة دون دليل. وربما لم يتعلم مراسلوها المسؤولون عن تغطية أحداث الساحل السوري أسس الصحافة. وربما نسي المسؤول الأمني شحن هاتفه، ففاتته عشرات الفيديوهات والصور الملتقطة من “رجال الأمن” أنفسهم. وربما لعبت الخوارزميات لإخفاء نداءات أهالي الساحل السوري من صفحات الناشطين في العالم الرقمي. 

وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حتى الثالث عشر من مارس/آذار 2025، وصلت حصيلة الشهداء إلى 1476 شهيداً مدنياً، منهم ما يتجاوز 1390 شهيداً من الطائفة العلوية. كما حذر المركز من آلية دفن الضحايا في مقابر جماعية، خشية استغلال المقابر كذريعة لتغطية الجرائم وطمس الحقيقة. 

قبل عام ونصف، ومنذ الساعات الأولى من شن الكيان الصهيوني حرب الإبادة على غزة، بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وظّف المسؤولون والسياسيون في العالم الغربي ذريعة استخدام حركة حماس المدنيين دروعاً بشرية كأحد أبرز الاتهامات والمزاعم التي مرّروا من خلالها حجّة موقفهم السياسي والأخلاقي من عدد الضحايا والشهداء الفلسطينيين. 

 بعدها بثلاثة أسابيع، قرر الكيان الصهيوني ضرب مستشفى الشفاء، بحجة وجود مركز عسكري لكتائب القسام. هُجّر الآلاف من محيط المستشفى، وأخرج مئات المرضى والمصابين. اكتشفت بعد إفراغ المستشفى وهجوم جيش الاحتلال جثث ١٧٩ شهيداً. كانت حجة جيش الاحتلال أن حماس استخدمت المدنيين دروعاً بشرية. 

بعدها اشتد قصف جيش الاحتلال وتوحشّه على القطاع كله ضُربت البيوت والمدارس والمساجد والكنائس والمستشفيات ومراكز الرعاية والخيام. ازداد عدد الشهداء؛ آلاف تعلوها آلاف، غالبيتهم من الأطفال والنساء. كرر الكيان الصهيوني المبرر ذاته مجدداً: كانوا دروعاً بشرية.

 يعرف مصطلح “الدروع البشرية” استخدام الأشخاص المحميين من القانون الدولي الإنساني – المدنيين والأسرى – أو حركة المدنيين لحماية الأهداف والعمليات العسكرية من الهجوم أوالإعاقة. هناك نوعان من الدروع البشرية: الطوعية حيث يعرض الأشخاص أنفسهم للخطر بهدف حماية أو إعاقة شيء ما، وغير طوعية حيث يستخدم الأشخاص جبراً لأغراض عسكرية. 

حسب القانون الدولي، استخدام الدروع البشرية جريمة حرب تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية الجهة أو الجماعة التي توظّف المحميين من القانون الدولي الإنساني لأغراض عسكرية. 

في مقالة بعنوان “مبرر قانوني للإبادة الجماعية” يذكر الباحثان نيف غوردن ونيكولا بيروجيني، صاحبا كتاب “دروع بشرية: تاريخ بشر على خط النار”، استخدام الكيان الصهيوني ذريعة الدروع البشرية كمبرر لقتل الفلسطينيين في غزة، مستتراً وراء غطاء “قوانين الحرب” وفجوات القانون الدولي للنفاذ من تبعات جرائمه. لم تكن حجّة الكيان حديثة. فمنذ الانتفاضة الثانية حتى اليوم، تذرّع الكيان الوحشي بالدروع البشرية لتبرير جرائمه. غير أن عشرات تقارير المؤسسات الحقوقية والتحقيقات الصحفية فضحت كذب الكيان وأدانته مباشرة. 

في حرب الإبادة على غزّة، ابتكر جيش الاحتلال شكلاً جديداً من الدروع البشرية، حيث أرغم المدنيين الفلسطينيين على ارتداء بدلات جيش الكيان العسكرية وإدخالهم إلى الأنفاق والمباني والبيوت في غزة لكشف مواقع مقاتلي الفصائل الفلسطينية. وفي حال موت المدنيين، يلقي جنود الكيان عاتق القتل على رصاصات الفصائل! 

عودةً إلى الساحل السوري، ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها تهمة الدروع البشرية في سوريا. فقد وثّق استخدام “جيش الإسلام” نساءً سوريات في أقفاص حديدية كدروع بشرية. كما اتهم النظام السوري السابق ايضاً استخدام المدنيين دروعاً. تقاذفت الفصائل المتحاربة على مدى سنوات اتهام بعضها بذات الجريمة. 

تكمن خطورة استخدام تهمة/حجة الدروع البشرية في المعارك والحروب في تعقيدات تبعاتها القانونية، لأن التحقيقات الجنائية والحقوقية لها ضوابط وشروط خاصة. أما في خضم التناحر الطائفي، فإن آلية دمج الفتاوى الفقهية والمبررات القانونية لإباحة الدماء عواقب مهولة ومخيفة قد تتجاوز فظاعاتها ومآلها ما يستوعبه العقل. 

ريم، ابنة الساحل السوري، كانت تحتضن ابنتيها بخوف الأم وذاكرة أربعة عشر عاماً من الحرب، مراقبةً الباب الذي قد يخلعُ بأي لحظة. قد تكون قذيفة. قد يدخل جنود النحر وأكلة الأكباد. “إن القتلة يمتلكون الحكاية والشاشة والجمهور” هذا ما قالته ريم في لقاء صحافي.

يُحْرقُ قرباناً على مذبح البعل: زراعة التبغ في جبال الساحل السوريّ

يُحْرقُ قرباناً على مذبح البعل: زراعة التبغ في جبال الساحل السوريّ

مع بداية كل موسم جديد،  يفكِّر الفلاحون بتهيئة قطع صغيرة من الأرض متناثرة هنا وهناك في القرى الجبلية الساحليّة، من أجل زراعة شتلات التبغ استعداداً لتنميتها للحصول على موسم قد يُساعد هذه الطبقة الكادحة في مواجهة زوابع الفقر والجوع والحرمان.

     تبدأ العمليّة بفلاحة الأرض، إما بوساطة الحيوانات أو جرّار زراعي، ثم تترك إلى شهر آذار حيث تُوضع كميات من السماد الطبيعيّ على وجه الحصر؛ لأنَّ السماد الكيماوي يُفقد التبغ نكهته ومذاقه الفريد، وتتفاضل أنواع السماد الطبيعيّ فأفضل الأنواع هو “بعر الماعز” ثم “بعر الغنم” وأخيراً “روث الأبقار”. وترجع جودة بعر الماعز كسماد للتبغ؛ لأنَّ غذاء الماعز من الأشجار الجبليّة التي يكون بعضها عطراً، فتعطي فضلات الماعز شتلات التبغ غذاء ممتازاً، فتصبح أوراق النبات ناعمة وممتعة للمدخنين؛ ولذلك أصبحت تجارة السماد الطبيعيّ ناجحة إلى حدّ بعيد، نظراً إلى حيويتها وأهميتها في يتعلّق بزراعة التبغ.

    بعد أن يُفرش السماد الطبيعيّ على قطعة الأرض المُراد زراعتها في شهر آذار كما سبق القول، يقوم الفلاح بحراثة أرضه مرة أخرى من أجل أن يختلط السماد بالتربة على نحوٍ جيد، ويكون الفلاح قد جهّز ما يُسمّى باللغة الدارجة “المساكب”، وهي مكان من الأرض الزراعية يتراوح عرضه بين متر أو أكثر وطوله بين مترين أو أكثر، يقوم الفلاح بتكويم التراب فيه ليعلو فوق سطح التربة الطبيعية للأرض، ويبذر فيه بذور التبغ، ثم حينما تنمو الشتلات وتبلغ قدْراً معيناً من الحجم “يقلعها” من “المسكبة” ويزرعها في الأرض التي كان قد حضّرها مسبقاً في خطوط متلاحقة على امتداد الأرض، وتبعد عن بعضها بعضاً مسافات متناسبة، ويقوم الفلاح بسقاية التبغ والعناية به ومكافحته من الآفات على نحو مستمر، وإلا خسر موسمه.

     ولقد قال لي أحد المزارعين إنَّ حبّات البَرَد تساقطت مرة على حقله، فتلفت شتلات التبغ كلّها؛ ولكنه ابتسم ابتسامة ماكرة، وقال: لم يستطع الطقس العنيف أن يدفعني إلى اليأس، فقد وجدتُ حلّاً، إذ قمت بقصّ شتلات التبغ كلّها من على وجه الأرض، ثم عادت ونبتت من جديد، وكان موسمي منها من أفضل مواسمي على الإطلاق.

    حينما يأتي موسم قطاف أوراق التبغ في شهري تموز وآب يبدأ الفلاح هو وأسرته بقطفها ووضعها في سلال ثم نقلها إلى فسحة خاصة أمام منزل الأُسرة، يجلس بعد ذلك أفراد العائلة ويستخدم كلّ واحد منهم ما يُسمّى باللغة الدارجة “مِسَلَّة” وهي سيخ حديدي رقيق عرضه 1 سم وطوله 20 سم فيه ثقب من جهته الخلفيّة ومدبّب الرأس من جهته الأمامية مثل الإبرة، يوضع فيه خيط من القنّب ويُعقد ويتمّ شكّ أوراق التبغ بهذه “المِسلَّة”، ويُمرّر فيها خيط القنّب من رأس الورقة فتتخاصر الأوراق على الخيط، وتُراعى في عملية الشك أمور منها حجم الأوراق، فالأوراق القريبة الحجم من بعضها بعضاً تُشك في خيط واحد، وتستمر العمليّة حتى ينتهي استيعاب الخيط، ويتراوح طوله بين المتر أو المترين أحياناً. ومن هنا جاء اسم أحد أجود أنواع التبغ في سوريا وهو “شَكّ البنت”. إذ كانت البنات في القرى يساعدن أهاليهن على شك هذا النوع وهو المعروف أيضاً باسم التبغ البلدي؛ ولكن غلب عليه هذا الاسم الجميل “شك البنت”.

     بعد أن تنتهي عملية شك أوراق التبغ وهي عملية مرهقة تستمر عدّة أيام، إذ إنَّ الفلاح لا يقطف الأوراق دفعة واحدة بسبب تفاوت نضوجها، فما يجب قطافه هو الأوراق التي أصبح لونها أصفر؛ أما الأوراق الخضراء، فتُترك إلى حين إصفرارها ثم تقطف. إذن، بعد أن تنتهي عملية شك الأوراق تُنقل خيوط التبغ، أي الخيوط التي تمَّ تعليق أوراق التبغ عليها إلى الخارج من أجل تعريضها لأشعة الشمس: فإما أن تُسطَح على الأرض ويتم تقليبها كلَّ يوم أو أو تعلّق بطرق مختلفة فوق الأرض، أو أن تُدلّى من أغصان الأشجار بحيث يشملها الظل، وهذه هي الطريقة الأفضل كما قال أحد المزارعين، وتبقى الأوراق على الأرض أو معلّقة حتى يتحوّل لونها من الأصفر إلى لون بني مُشرب بالحمرة، وتحتاج إلى شهر ونصف أو إلى شهرين من أجل بلوغ ذلك.

    يقوم الفلاح بعد ذلك بجمع خيوط التبغ ويُشترط في ذلك أن يجمعها عند الفجر حتى تكون الأوراق طريّة مرنة، بسبب قطرات الندى، أما إذا جمعها الفلاح في الظهيرة مثلاً، فيمكن أن تتفتت الأوراق لأنها تكون يابسة بفعل حرارة الشمس فيخسر موسمه كلّه. هذا، وبعد أن يجمعها يقوم بترتيبها وتصنيفها ووضع خيوط التبغ فوق بعضها بعضاً على هيئة ما يُسمّيه الفلاحون “الشَبْحَة” وتُغلّف بغطاء أو كيس كبير مصنوع من البلاستيك وتُوضع خيوط التبغ داخله بترتيب معيّن ثم يُطوى عليها من أجل حفظها وتخميرها، ويكون ذلك طبعاً في مكان خاص (غرفة جانبيّة مثلاً) وتُترك أوراق التبغ من أجل التخمير ستة أشهر على الأقل.

    بعد كلّ هذا العناء لا يحقّ للفلاح أن يبيع تبغه بالسعر الذي يراه مناسباً، وهذه هي المفاجأة الصاعقة؛ لأنَّ شركة حصر التبغ والتنباك التي يسمّيها مزارعو التبغ في سوريا (الريجي) تحتكر تجارة التبغ ولا تسمح لأيّ شخص بأن يتاجر بالتبغ وإذا فعل سيتعرض لعقوبات تصل إلى السجن ودفع غرامات ماليّة كبيرة، ولذلك تبعث هذه الشركة “خبراء” يقدّرون مدى جودة التبغ، وعلى هذا الأساس يصرفون مبالغ مالية للمزارعين الذين عملوا بإخلاص كامل من أجل الحصول على مبالغ مالية تافهة لا تتناسب مع جهودهم.

    ولكن يقوم بعض مزارعي التبغ بإخفاء كميات من تبغهم عن مراقبي “الريجي”، ويبيعونها في السوق السوداء، ويتراوح سعر الكيلو غرام من ثلاثين ألف ليرة سورية إلى مئة ألف ليرة سورية، حسب جودة التبغ؛ ولكن الآن بدأت عملية مراقبة بيع التبغ في السوق السوداء من قِبَلِ الدولة، فأيّ شخص يُلقى القبض عليه وهو يقوم ببيع التبغ يتعرض إما للسجن أو لدفع غرامات مالية بأرقام كبيرة، فهناك تضييق حقيقيّ على مزارعي التبغ.

    والأسوأ من ذلك أنَّ شركة حصر التبغ والتنباك في سوريا (الريجي) لم تنجح على مدى عشرات السنين في إنتاج أي نوع من التبغ صالح للتدخين، علماً أنَّ تبغ جبال الساحل السوري من أجود أنواع التبغ في العالم، ومردّ ذلك أنَّ الأنواع الجيدة من التبغ يتم تصديرها إلى الخارج للحصول على العملة الصعبة، وقد استطاعت الدولة أن تحصّل مبالغ طائلة من وراء تصدير التبغ إلى الخارج، علماً أنها لا تعطي مزارع التبغ ما يسدّ رمقه. أما الأنواع الرديئة من التبغ فيتم تصنيعها وتباع للمواطنين داخل سوريا؛ ولكن نظراً لرداءَتها اتجه المواطنون إلى شراء التبغ المُهرَّب عبر الحدود؛ ولكن حتى تهريب التبغ أصبح حكراً لأشخاص محدّدين من المقرّبين للسلطة، فما أحلاها من مهزلة ليس لها مثيل في تاريخ التبغ منذ الهنود الحمر الذين اكتشفوه إلى يوم الناس هذا.

     يُعدُّ غريباً؛ بل عجيباً أن تُصادر حياة مزارع التبغ إلى هذا الحدّ، فشركة حصر التبغ والتنباك تفرض عليه زراعة أنواع محددة من التبغ، وتشتريها منه بالسعر الذي تحدّده، وتتحكم بمصيره تحكماً مطلقاً. والحقيقة أنَّ ما تفعله شركة حصر التبغ والتنباك هو استمرار لما فعله المشرفون على زراعة التبغ زمن الاحتلال العثماني وزمن الانتداب الفرنسي، فالعثمانيون والفرنسيون كانوا يعرفون مدى الأهمية الاقتصادية لزراعة التبغ في جبال الساحل السوري، فقمعوا المزارعين واستغلوهم وما زال هذا الاستغلال مستمراً، والأدهى من ذلك أنه حينما تمَّ تأميم شركة حصر التبغ والتنباك في سوريا عام 1951، تركت الحكومة آليات عمل الشركة دون أي تغيير، أي أنها تركت زراعة وصناعة وتجارة التبغ من مهامها التي لا ينافسها عليها أحد، وإن فعل سيُعاقب كما كان يُعاقب زمن الاحتلال العثماني وزمن الانتداب الفرنسيّ.

    ولكن رغم كلّ هذه الضغوط ما زال القرويون يدخنون نبات التبغ مستمتعين به إلى أقصى حدّ، محاولين تأمين مؤونتهم منه بوسائل شتّى مخالفين ومتحدّين في آن شركة حصر التبغ والتنباك؛ مثلما تحدّوا شركة حصر العقول والنفوس!!! بل هناك أشخاص برعوا في صناعة سيجار يضاهي السيجار الكوبي، وهو يصنّعونه ويبيعون كميات قليلة منه سرّاً خوفاً من إلقاء القبض عليهم بتهمة الإضرار بالاقتصاد الوطني؛ الذي تهكم مرة الشاعر نديم محمد على وزيره في أبيات منسوبة إلى هذا الشاعر الكبير:

يا وزير الاقتصاد الوطني        بالله قل لي كيف أصبحت غني

لم تهاجر لم تتاجر            لم ترث عن أبيك الفذ غير الرسن

    ولسوف نعثر على في سوريا على تجارب إنسانيّة تؤكد تأكيداً عميقاً جداً أنَّ جوهر الإنسان، يُعاد اكتشافه من جديد، أعني الإنسان بما هو إنسان، من دون انتمائه إلى عرق ولا طائفة ولا قبيلة، فجوهره هو ذلك الموجود الذي ينفث دخان لفافة تبغه في وجه الطغاة في الخارج والداخل الذين دمّروا حياته غير عابئ بهم، لأنه يبني انبثاق عالمه القادم من كفاحه وحيداً ضدهم، ولكن هذا الكفاح لا يظهر للعين غير الخبيرة، لأنه كفاح ليس من أجل قضية بعينها؛ بل من أجل الوجود، أو الاستمرار في الوجود.