by عمر الشيخ | Mar 29, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
تشهد قبرص لحظة فارقة في سياستها الإقليمية، في وقت تشتد فيه التغيرات حول المتوسط وتترنّح فيه التوازنات القديمة. من السواحل السورية التي تُطل عليها نيقوسيا عن قرب، تنطلق قوارب الهاربين من الخوف والمستقبل المجهول، ومن أعماق البحر تظهر مؤشرات توتر جديدة تتعلق بالحدود البحرية، ومشاريع الطاقة، ومراكز النفوذ الإقليمي. كل هذا يحدث بينما تتحرك أوروبا نحو إعادة تعريف أمنها وحدودها، وتراجع الولايات المتحدة دورها التقليدي ضمن الناتو، تاركة فراغاً تسعى قوى إقليمية لملئه بسرعة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها تركيا والاتحاد الأوروبي.
لم تعد العلاقة بين قبرص وسورية مجرد مسألة دبلوماسية رمادية تُدار بهدوء خلف الأبواب، بل تحوّلت إلى ملف يتقاطع فيه الأمن والهجرة والسيادة البحرية، ويرتبط مباشرة بمستقبل الجزيرة نفسها. حين زار وزير الخارجية القبرصي، كوستانتينوس كومبوس، دمشق في شباط 2025، لم يكن يحمل رسالة بروتوكولية فقط، بل خطة مبدئية لإعادة وصل ما انقطع، بحثاً عن صيغة جديدة للتعاون وسط واقع متحرك ومعقّد.
في لقاءاته مع الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، طُرحت ملفات حساسة تتعلق بإعادة الإعمار، والبنية التحتية، والاتصالات، وربط دمشق مجدداً بشبكات إقليمية أكثر استقراراً. وتم التحرك على مستوى الاتصالات مؤخراً، حيث طلبت وزارة الاتصالات السورية التعاون من سفير قبرص في دمشق، ميخائيل حجكيرو، لتحديث الربط الضوئي وتوسيع الحزمة الدولية، لمواكبة التطورات وتحسين واقع الاتصالات في سورية.
شهد الحراك القبرصي تجاه سورية تزامناً لافتاً مع إشارات أوروبية أولية نحو تخفيف بعض العقوبات المفروضة على دمشق، ضمن نطاق محدود ومشروط، شمل القطاعات الإنسانية والتقنية. في الوقت ذاته، برزت في واشنطن مواقف جديدة توحي بإمكانية مراجعة تدريجية للعقوبات الأميركية، إذا ظهرت بوادر إصلاح سياسي ملموس داخل سورية. هذه التطورات، التي جاءت بالتوازي مع اجتماع رقمي ضم رؤساء فرنسا ولبنان وقبرص وسورية، فتحت أمام نيقوسيا نافذة سياسية نادرة لإعادة تعريف موقعها الإقليمي، واستثمار اللحظة لإرساء دور فعّال في مرحلة إعادة ترتيب توازنات شرق المتوسط.
ورغم أن الشراكة الاقتصادية تبدو في صدارة أولويات قبرص في علاقتها مع دمشق، إلا أن البُعد السياسي والأمني يظل جزءاً لا يتجزأ من نظرة نيقوسيا إلى الملف السوري. انسحاب إيران من الساحة السورية، ومحاولات إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية، فتحا المجال أمام قبرص لتطرح نفسها كحلقة وصل محتملة بين سورية والاتحاد الأوروبي، ضمن مناخ جديد يُعاد فيه تشكيل التوازنات. لكن هذه الفرصة مشروطة بتعقيدات متزايدة، أبرزها ما يجري في البحر المتوسط، حيث يتحول الفاصل البحري بين قبرص وسورية إلى مساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي. الاتفاقات البحرية التي تُناقش بين أنقرة ودمشق تثير قلقاً متصاعداً في نيقوسيا وأثينا، وتمتد أصداؤها إلى عمق القرار الأوروبي، ليس فقط بسبب احتمال رسم حدود بحرية جديدة دون تنسيق، بل لما تعكسه من تصاعد الحضور التركي في المشهد السوري، سياسياً وجغرافياً واقتصادياً.
الوجود التركي في الشمال السوري لم يعد مجرّد تدخل عسكري محدود بذريعة التصدي للكيانات الكردية التي تصنّفها أنقرة كـ”إرهابية”، بل بات أشبه بإعادة تشكيل ميداني متدرّج لواقع سياسي وإداري جديد. القواعد العسكرية تتكاثر، والإدارات المحلية تتماسك، فيما تنتشر المؤسسات الخدمية والتعليمية على نحو يعيد ترتيب البنى والانتماءات في تلك المناطق. في المقابل، يشهد الجنوب السوري حالة مختلفة من التمدد، لا تقل خطورة. هناك، توسّع إسرائيل رقعة نفوذها عبر أدوات غير عسكرية، من خلال عمليات مسح أمني ناعم، وعروض للمساعدات الطبية والدعم الإنساني، في مشهد يوحي بتثبيت حضور طويل الأمد بأدوات ناعمة هذه المرة.
هذا النوع من التدخل المزدوج، شمالاً وجنوباً، يعيد إلى الأذهان في نيقوسيا تجربة عام 1974، حين فُرض واقع انقسامي في قبرص عبر سيطرة تركية غير معلنة، أخذت شكل إدارات محلية واجهية. ويشير خبراء أمنيون قبارصة إلى أن ما يحدث اليوم في سورية يحمل ملامح مشابهة، ما يجعل الملف السوري في صميم الحسابات القبرصية، ويُضاعف من يقظة نيقوسيا تجاه أي تغيّر يمس سيادة الدول أو يعيد رسم خرائط النفوذ والديموغرافيا في الإقليم.
وفي مقابل هذا الامتداد التركي والتوغل الاسرائيلي، تحاول قبرص أن تُفعّل أدواتها المتاحة. موقعها الجغرافي يمنحها فرصة لعب دور وسيط إقليمي، لا سيما أنه بات يُنظر إليها من قبل الأوروبيين كقاعدة للمراقبة وجسر للطاقة ونقطة ارتكاز بين ثلاث قارات. في ظل هذا الإدراك الجديد، بدأت نيقوسيا تفكّر بصوت عالٍ: كيف يمكن تحويل هذا الموقع إلى أداة تأثير؟ كيف يمكن ربط البحر بالتعاون لا بالصراع؟ وهل يمكن تأسيس شراكة مع سورية، لا تعادي الموقف الأوروبي والجيران، بل تُكمل مساراته عبر أدوات عملية أكثر مرونة؟
أحد الأبواب المطروحة يتمثل في تعزيز التعاون الاقتصادي والتقني بين نيقوسيا ودمشق، انطلاقاً من البنية التحتية وقطاع الاتصالات، وهي مجالات لا تخضع مباشرة للعقوبات، ويمكن من خلالها بناء ثقة ميدانية. كما يمكن دفع رجال أعمال قبارصة إلى استكشاف فرص ما بعد الحرب، في إطار قانوني يراعي الالتزامات الأوروبية والأمريكية لكنه لا يعطّل المبادرة.
في الوقت ذاته، تحتاج قبرص إلى أن تخرج من مربع ردّ الفعل في ملف ترسيم الحدود البحرية، وتتقدم بمبادرة تفاوضية شاملة تشملها مع تركيا وسورية واليونان وربما مصر، تحت إشراف أوروبي، لإعادة تنظيم المصالح البحرية في شرق المتوسط. هذه المبادرة يجب ألا تقتصر على منع التصعيد، بل أن تبني مشاريع مشتركة في الطاقة والبنية التحتية، وتحوّل البحر من ساحة مواجهة إلى ممرّ مصالح متبادلة وقد تكون باريس عرّابة هذه الخطوة كما شهدنا في اتصال الأوروبيين مع الرئيس الشرع وبحضور الرئيس اللبناني من خلال الاجتماع الرقمي عبر الفيديو.
إن المراهنة على الجمود أو الحذر الزائد، في لحظة تعيد فيها دول المنطقة رسم خرائطها، قد لا يفضي سوى إلى العزلة. ما يجري في طرطوس من انطلاق قوارب اللاجئين، وما يُبنى في جرابلس أو تدمر أو ريف حمص من قواعد “دفاع مشترك” مع تركيا، وما يُتداول في أنقرة ودمشق من تفاهمات بحرية، وما تقوم به إسرائيل من مسح أمني جنوباً.. كلها إشارات إلى أن الأمور تتحرك بسرعة، وأن من لا يواكبها بخطط واقعية سيتحوّل إلى مجرّد مراقب بلا أثر.
لذلك، من المفيد أن يفكر صناع القرار في نيقوسيا ببعد استباقي، لا يتأخر في انتظار التحولات بل يشارك في صنعها. قبرص تمتلك شبكة علاقات أوروبية، وموقعاً استراتيجياً، ومرونة دبلوماسية، وكلها عناصر يمكن أن تُستخدم لصياغة تفاهمات جديدة أكثر عدلاً واستقراراً.
أما في دمشق، فإن التعامل مع قبرص بوصفها شريكاً لا تابعاً، وفتح قنوات صريحة حول الملفات البحرية والأمنية، قد يمنح الحكومة السورية فرصة لإعادة التموضع الإقليمي من موقع الفاعل لا المتلقّي. فكلما ازدادت القوى المتوسطة بين سورية وأوروبا، كلما تقلّصت الحاجة للوصايات الدولية أو المحاور المغلقة.
المتوسط يُعاد تشكيله اليوم، فيما تقف قبرص وسورية أمام اختبار تفاهم يتجاوز خطوط المياه، ليطال التاريخ والجغرافيا ومستقبل المنطقة. هذا التفاهم، إن لم يُبنَ على قاعدة من المصالح المتبادلة والاحترام المتوازن، فستكون الفوضى المقبلة شاملة، وقد تغرق القوارب مهما اختلفت دوافع ركابها قبل أن تلامس ضفة الأمان.
في الخلفية، تتصاعد موجات اليمين المتطرف، وتتشدد السياسات الأوروبية في وجه الهجرة، بينما تتفاقم الضغوط الاقتصادية، ما يجعل الملف السوري في قلب المأساة. وسط هذا المشهد، تتحرّك عواصم كبرى كباريس وبرلين نحو مقاربات أكثر واقعية تجاه دمشق، بينما تبدأ نيقوسيا، بحذر محسوب، اختبار مرونتها الخاصة في مواجهة ما هو آت.
by طارق علي | Mar 18, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
“هذا أقسى رمضانٍ أشهده منذ ولدت، وكأنمّا الخير تلاشى دفعةً واحدة، فطرنا في اليوم الأول على شعيرية سريعة التحضير، لا بأس بها، لا تكلف الكثير”، تقول الحاجّة أم لطفي المنحدرة من ريف دمشق في حديثها مع “صالون سوريا” مبينةً أنّ شهر الخير من عامٍ لآخر يفقد بهجته ورونقه ومعهما قدرة الناس على الإيفاء بطقوسه المميزة. وتوضح الحاجّة أنّها خلال خمسين عاماً من عمرها لم ترَ شحّاً وحاجة أناس كما في رمضان هذا، وفي الوقت نفسه ترفض تحميل القيادة الجديدة مآل الأمور في إشارةٍ إلى أنّ الحال كان يسوء بطبيعة الحال من شهرٍ لآخر في عهد النظام السابق، ومن السابق لأوانه إلقاء المسؤولية على عاتق حكومة بالكاد أمضت أشهراً ثلاثةً في حكم بلدٍ مزقته ويلات الحرب وصراعاتها وعطلت ملفاتها الاقتصادية.
أسوأ من سابقه
“وهل جهزتُ شيئاً لرمضان الفائت لأجهز شيئاً لرمضان هذا، الناس عايشة من قلة الموت”، يقول ربّ الأسرة المنحدر من ريف دمشق شعبان منصور خلال حديثه مع “صالون سوريا” مستعرضاً سوء الأحوال المعيشية التي تعصف بالبلاد، مؤكداً أنّ رمضان الحالي هو الأقسى على السوريين منذ سنوات طويلة، معتبراً أنّ مجاعةً جماعية تحل بالعائلات التي لم تعد تجد سبيلاً لتأمين قوت يومها بعد أن كانت بيوتها ذات يومٍ عامرةً بالخير والفرح.
وعن ذاك الخير يتحدث السيد شعبان شارحاً أنّه ثمّة بهجةٌ ناقصة، بهجةٌ ناقصةٌ على الرغم من تحرير البلاد من نظام الأسد المخلوع وزبانيته، لكنّ القيادة الجديدة وجدت نفسها أمام ملفاتٍ اقتصادية موغلةٍ في التعقيد وعلى عاتقها إطعام شعبٍ، وفي محاولة لترميم اقتصاده أحالت مئات الآلاف من موظفيه إلى رفّ البطالة كما حدث مع ولده الذي فُصِل من القطاع الصحي بعد أن كان معيلاً لأسرته براتبه الشحيح وإمكاناته المحدودة. ويضيف: “منذ زمنٍ نسينا كيف يكون شكل رمضان، كيف تكون متطلباته، هذا الشهر الذي كنا نقضيه داعين أو مدعوين للفطور أو السحور، الآن بطون الناس خاوية كما جيوبها، وكان رمضاننا الأخير ممعناً في قسوته على موائدنا، فإن كنّا قضينا الفائت على حواضر المنزل والشوربة، فعلى ماذا سنقضيه هذا العام، على الخبز الحاف وأنا الذي أعمل على بسطة وفي منزلي زوجةٌ وأربعة أولاد؟”
من يتحمل المسؤولية
تشتري أم أحمد وهي سيدة من دمشق احتياجات منزلها بالحبّة الواحدة، حبّة خيار، حبّة بندورة، حبّة ليمون، تشتري ما يكفي ليومٍ أو اثنين، رفاهية الشراء دون النظر إلى الخلف باتت معدومةً لدى السوريين منذ زمن، وتؤكد في سياق حديثها مع “صالون سوريا” أنّها تصوم شهر رمضان بكل تأكيد، ولكنّ شيئاً لن يتغير في يومياتهم، يكتفون بالحدّ الأدنى من الطعام المتاح، وجبات منزلية سريعة التحضير، أو بضع تمرات، أو لبن وأرز ولكنّ هذا الخيار لن يتكرر كثيراً وفقاً للظروف الاقتصادية. وتشرح أم أحمد الوضع: من سوء حظ حكومتنا الجديدة أنّها لم تستقر تماماً قبل استقبال شهر الخير، فلم تستطع أن تجري تغييرات كبرى على الأرض، لا أفهم كثيراً في السياسة والاقتصاد وليس مطلوباً منا أن نفهم ذلك، ولكن من المطلوب أن نعرف أنّ النظام المخلوع هو من أوصلنا إلى هنا، لو كنا في رمضان الفائت شبعنا وسنجوع في رمضان هذا لقلت إنّ العلّة في الحكومة، ولكننا من رمضان إلى آخر جائعون، فمن يتحمل المسؤولية؟”
الآن ازداد الفقر
لا يبدو الحال ببعيدٍ في أسرة الممرض راضي السالم الذي فُصِل من وظيفته بشكل تعسفي بعد سقوط النظام، وكان من بين 400 ألف موظف آخر لقوا المصير نفسه. وعن هذا يقول: “لقد فصلت القيادة الجديدة 400 ألف موظف من وظائفهم، وأوقفت رواتب نحو 600 ألف آخرين من متقاعدين ومسرحين من المدنيين والعسكريين قبل الحرب، ما يعني أن مليون عائلة فقدت معيلها، وانضم إلى قافلة الجياع ملايين جدد وجميعنا نعلم أنّ الأمم المتحدة تصنف 90 بالمئة أساساً من الشعب السوريّ تحت خط الفقر المباشر، الآن ازداد الفقر، ولم يعد رمضان شهر الخير، صار جرحاً جديداً في صدر أيامنا التي نتعرض فيها لكل أنواع القهر، القهر الذي جعلني عاجزاً عن تأمين مأدبة طعام واحدة خلال كلّ أيام رمضان التي مضت”.
بيروقراطية التوظيف
يرى الخبير الاقتصادي شهير ملح أنّ النظام السابق نجح بصورةٍ مطلقة في تدوير بيروقراطية التوظيف الحكومي تحت اسم البطالة المقنعة في محاولةٍ لاحتواء الولاءات وإن كان ذلك مقابل أجور زهيدة لا ترقى لتكون معوناتٍ في أفضل الأحوال. ويضيف الخبير الاقتصادي: “الشعب السوري تاريخياً بأطبائه ومهندسيه وخريجيه الجامعيين وغير المتعلمين، جميعهم يمتلكون توجهاً نحو الوظيفة الحكومية لما تشكله من موئل آمن ومصدر رزق ثابت رغم تهاويه حتى بلوغ متوسطه عشرين دولاراً شهرياً، وعلى الرغم من ضآلة المبلغ إلا أنه كان يشكل ضمانةً لاستدامة المعاش الشهري الذي يقتضي احتساب عنصر الديمومة في انتفاء البطالة التي بلغت أشدها اليوم، وهو ما جعل الناس تشعر جماعياً بأنّ شهر رمضان هذا هو الأقسى منذ عقود”.
لا جود بالموجود
وعلى الرغم من أنّ الناس تتبادل الابتسامات والتهاني في أولّ رمضان يمرّ دون حكم عائلة الأسد منذ زهاء نصف قرنٍ أوأكثر، ولكنّ ذلك لا يشكل تمايزاً عن الحال الذي دفع بالعائلات لتفطر على الخبز والزيت والزعتر كما هو الحال في أسرة رفيدة جوباني التي تقيم في دمشق.
والتي أكدت في حديثها مع “صالون سوريا” أنّهم سيقضون شهر رمضان بالإفطار على ما توافر من المؤونة المختزنة في منزلهم، متغاضين قسراً عن إمكانية إضفاء أجواء البهجة المفتقدة التي تقتضي التزيين وتقديم الحلويات للضيوف وتنويع أصناف المائدة التي باتت تتقلص يوماً تلوَ آخر، قائلةً: “أيامٌ رمضانية كأيامٍ عاديةٍ في أشهر سابقة، الطعام بما توافر”.
وتستبعد ربّة المنزل أن يزورها الضيوف كما جرت العادة، لأنّ الزيارة تردّ بزيارة حسب الأعراف والتقاليد، لكن الآن على حدّ تعبيرها- أصبحت الزيارات ثقيلة، لعلم الناس أنّ ليس بمقدورهم تقديم أنواع الضيافة وأنّ الجود بالموجود سيكون محرجاً ومتنافياً مع عادات شهر الخير.
إقبال ضعيف وحلويات شعبية
يستقرئ معين الشامي صاحب أحد محلات الحلويات في حي الميدان الدمشقي واقع شهر رمضان من ضعف مبيعاته، مؤكداً أنّ الإقبال أكثر من خفيف على شراء صنوف الحلويات التي اعتاد بيعها من قبل موضحاً أنّ الناس التي تستطيع شراءها تُقبل على شراء الحلويات الشعبية من البسطات. ويضيف السيد معين: “اليوم لتكون المائدة عامرة فإنّها ستحتاج لصرف مبلغٍ يتجاوز 20 دولاراً، وهو المرتب الشهري لمن لم يفصل من عمله بعد، ولذلك يبدو مستحيلاً على معظم العائلات أن تتمكن من وضع موائد تحتوي على الأصناف الرئيسة من الأطباق المعتاد عليها وضمناً اللحوم والفواكه والحلويات والعصائر بعد الإفطار. يبدو رمضان هذا قاسياً على الفقراء الصائمين وحرمهم من إتمام مظاهر بهجته والفرح بمظهر الموائد التي باتت تتقلص ولم ينتهِ الشهر بعد، فكيف ببقية أيامه”.
الحال من بعضه
سما سرور فتاةٌ من دمشق موظفة في القطاع الخاص، تقاضت راتبها الذي يبلغ قرابة أربعين دولاراً في اليوم ما قبل الأخير من شهر شباط/فبراير المنصرم، اشترت بعض الحلويات الشعبية وظروفاً كثيرةً من العصير كما تقول، وعادت إلى المنزل ببعض الدجاج، مع وضعها خطةً صارمةً لإمضاء شهر الصيام وهي المعيلة الوحيدة لوالديها.
وعن تلك الخطة تقول: “لا سحور، هذا القرار الأول، في الأسبوع الأول تمكنت من المناورة الجزئية ببقايا راتبي ليكون هناك كلّ يوم طبخة واحدة وبالحدّ الأدنى، وبعد ذلك سيكون علينا تكملة الشهر بما توافر من طعامٍ يومي اعتيادي للمنزل، ربما بعض الماء وحبات التمر والطبخات الخفيفة غير المكلفة، إلّا أنني أعول على أنّ شركتي قد تمنحني سلفةً أتمكن من خلالها من الحفاظ على روتين الأسبوع الأول في وقت لاحق من الشهر، ولربما استضافة بعض الأقارب الذين سيقدرون بلا شكّ الظروف العامة في البلد، وفي هذه الأحوال لا أحد لدينا يدين الآخر أو يعيب عليه، فالحال من بعضه”.
حالةٌ تسوء من شهر لآخر
يكتسب رمضان خصوصيته من الحالة الإسلامية العامة في سوريا، ومن طقوسه المبهجة التي اعتادها السكان قبل الحرب التي عصفت ببلادهم قبل نحو عقد ونصف، ومن غير المنصف القول إنّ رمضان الفائت أو الذي قبله كان أفضل بكثير، بل هي الحالة تسوء من شهر لآخر منذ سنوات مضت.
فقد يبدو رمضان كشوال وشعبان وذي الحجة وغيرهم في سياق تتابع الأشهر، كمثل شباط وآذار ونيسان، فالبلد المحطم اقتصادياً والذي يرزح تحت أشد العقوبات وطأة في التاريخ الحديث لم يتمكن حتى الآن من إيجاد سبلٍ للخلاص.
فحين نقول إنّ سوريا قد فُرض عليها الكثير من العقوبات الدولية، بينها قانون قيصر الأميركي الأكثر تأثيراً، وقتذاك يمكن الاستقراء أنّ تشابكاً اقتصادياً معقداً أدخل البلد في نفقٍ مظلم أدى لتجويع سكانه المحرومين من التصدير والاستيراد وإعادة الإعمار وتهيئة البنى التحتية والارتقاء بالأحوال المعيشية.
نظامٌ دمر بلداً
ومن نافلة القول إنّ النظام السابق يتحمل المسؤولية عمّا وصلت إليه سوريا من فقر وحاجة وتضخم وحبس سيولة ومضاربة على عملتها المحلية وبطالة وسوء إدارة، وكلّ ذلك كان ناجماً عن تهجير رؤوس الأموال عبر فرض ضرائب غير منطقية على أعمال أصحابها، وجعل سوريا بيئة غير مناسبة للاستثمار، وغير آمنة.
علاوة على ذلك توجه النظام في إحكام قبضته الاقتصادية من الاشتراكية نحو الشمولية الدكتاتورية المرتبطة بشخص الحاكم عبر الجباية المنظمة وتشليح الناس أموالهم واعتقال رجال الأعمال بغية فرض أتاوات عليهم، واستخدام ملف المخدرات كمصدر مستديم لتدفق الأموال على رجالات السلطة بعيداً عن البحث عن أي عملية إحياء أو إنماءٍ اقتصادي ينتشل سوريا وسكانها من قاع الفقر، وهو ما أكده تقرير صدر مؤخراً عن الأمم المتحدة، يفيد بأنّ سوريا بحاجة إلى خمسين عاماً على الأقل للتعافي الاقتصادي والعودة لمستوياتها الطبيعية قبل الحرب.
دور وزارة الخارجية
وفي حين تبدو وزارة الخارجية السورية الجديدة قد تمكنت من أداء دورٍ فعال على مستوى الملفات الخارجية أسفر عن رفع بعض العقوبات الأوروبية إلى أنّ ذلك لم يكن كافياً طالما أن البنك المركزي والتجاري وهو المعني بالتداول الخارجي بالقطع الأجنبي ما زالا محاصرين، بحسب الأكاديمي في العلوم الدبلوماسية ناصر زيدان. والذي يشرح الوضع موضحاً أن: “مسؤوليات جمّة ألقيت على عاتق الوزارة الوليدة، وإن كان نجاحها في مكانٍ يحسب لها، ولكنّها ما زالت مطالبة ببذل المزيد من الجهد والضغط والانضمام لمنتديات عالمية وقروض مانحين دوليين وتهيئة بيئة آمنة وخصبة للاستثمار في سوريا بالتضافر مع بقية الجهات المعنية، وهو ما يتطلب علاج آفات سنواتٍ طويلة من الحرب التي أتت على كلّ مرافق البلاد الحيوية والصناعية والتجارية لتجعل من مجرد لفظ اسم سوريا أمام المستثمرين كابوساً في ظلّ تعقيد المشهد على الأرض”.
وحتى ذلك الحين لا يمكن الفصل بين خصوصية رمضان وطبيعة بقية أشهر العام والحال الاقتصادي لعموم السوريين الذين يحتاج 3 من كل 4 منهم لمساعدات إنسانية–بحسب الأمم المتحدة وهو ما يجعل التركة الثقيلة أكبر من أن تعالج في أشهرٍ قليلة وأكثر قسوةً على بطون السوريين وجيوبهم، وأكثر إجحافاً في حقهم وهم المنتظرون فرجاً في السيولة والكهرباء والغاز والماء والنفط.
حلول فوق إسعافية
وحول كلّ ذلك يجمل رؤوف أسعد وهو مهندسٌ مدني بقوله: “أعان الله بلداً ساكنوها يقتاتون من حاويات القمامة، ويتخلون عن سحورهم، ويفطرون بما حضر، ولا يبيتون الليل تفكيراً بالغد المظلم وكيف سيأمنون فيه قوت يومهم، ومن المفارقة أنّ المسيحيين صائمون معنا هذا العام قسراً في بلدٍ بات عنوان اقتصاده البسطات المنتشرة في كل مترٍ من الشوارع، بسطات يبنى عليها اقتصاد بلدٍ يحتاج حلولاً فوق إسعافية لرأب الصدع الذي نهش جسده.”
by أسامة إسبر | Mar 15, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
يتوهّم كثيرون أن الديمقراطية صارت قاب قوسين أو أدنى في سورية، وأن الدول العربية والإقليمية، وقوى الداخل المنتصرة، ستقبل بتعدد الأحزاب وبإنشاء نظام ديمقراطيّ قائم على تداول السلطة وعلى الأغلبية السياسية، لا الطائفية، وأن البيانات الختامية للمؤتمرات ستُطبق على أرض الواقع حيث تتواصل الانتهاكات وعمليات القتل والاعتقال خارج إطار القانون. إنّ ما يريده الغرب في سورية، هو وأتباعه من الدول العربية والإقليمية التي توظّف المال السياسي في دعم جماعات بعينها، نظام تابع يطبّق الإملاءات الاقتصادية والسياسية الإقليمية، ومن خلالها الدولية. وبما أن رياح السوق الحرة تهب في أنحاء العالم من دون أي عائق يُذكر، نرى الآن أنه قد فُتحت لها بوابة للدخول إلى سورية بعد أن أُزيلت الحواجز من طريقها بعد فرار رأس النظام السابق من العاصمة. وفي الأيام التي أعقبت الثامن من كانون الأول\ ديسمبر ٢٠٢٤ سمعنا أكثر من تصريحٍ حول تحرير الاقتصاد في سوريا حتى قبل أن يثبّت النظام الجديد قدميه بشكل جيد على أرض السلطة، وبدأ التسريح التعسفي لموظفي القطاع العام.
صار من النافل القول إن أنظمة الغرب القائمة لا تريد الخير لسورية على صعيد بناء الدولة الديمقراطية كي تبقى سوقاً للسلاح ومصدراً للطاقة، ومفككة ومتحاربة بينياً لتظل إسرائيل هي الأقوى. ويؤكد الواقع الجديد، الذي نتج عن حرب غزة ولبنان، التفوق الإسرائيلي تحت مظلة الدعم الغربي، وتتويج إسرائيل كحاكم مطلق للفضاء العربي وجغرافيته السياسية. وتجلى هذا في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة حول منع أية قوات من دخول جنوب دمشق، كما تجلى في التحليق المنخفض لطيران الاحتلال الإسرائيلي فوق موكب جنازة الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في لبنان.
إن نظاماً ديمقراطياً حقيقياً هو الحل الأمثل لسورية ذات الأديان والأعراق والأقوام والقوميات والثقافات المتعددة إلا أنه يبدو أكثر بعداً من المريخ عن الواقع السياسي، أو يبدو كما لو أنه قُذف إلى الثقوب السوداء لمستقبل غير واضح المعالم. علاوة على ذلك تخلو الساحة السورية من أحزاب وقوى سياسية مؤهّلة وفعّالة قادرة على أن تشكّل أعمدةً لبناء الدولة المدنية الديمقراطية، خاصة بعد أن وجّه نظام الاستخبارات البعثي المنهار ضربةً قاضية للنشاط السياسي الحقيقيّ المستقل بأشكاله كافة في سورية كي يبقى الدكتاتور وحيداً على العرش بلا منافس. فضلاً عن أن الجغرافية السورية، صارت بعد حرب طويلة مدمرة، ساحة لتلقين تعاليم القوى المنتصرة، وهي في جوهرها أصولية بحتة في شقّيها الشيعي والسني. وينبغي ألا تفوتنا الإشارة إلى أن قوى اليسار لم يعد لها وجود يُذكر في الشارع السوري من ناحية الفعالية والعمق الثقافي والتأثير السياسي. كما أن حزب البعث لم يكن له أي رصيد في الشارع السوري كونه كان ملحقاً بالجهاز الأمني. وفي هذا الجو المُفْرَغ من البدائل تبدو سورية مجرد كعكة للاقتسام شارك بنهشها الإيراني والروسي في حقبة النظام المتبخر، الذي دعمه العرب والغرب والإيرانيون والروس لوأد الثورة السورية في مهد بداياتها المدنية كي لا تصبح ظاهرة قابلة للتصدير. وثمة مؤشرات الآن على أن الشركات التركية بدأت بتهيئة نفسها كي تنهي ما تبقى من الكعكة. وبدأ سيلان لعاب مقاولي حزب العدالة والتنمية، الذين ثبت تورطهم في تركيا في بناء أبنية بعد عام ٢٠٠٠ لا تطابق المعايير والمواصفات، انهارت كلّها في زلزال مرعش بحسب مقال لعالم الاجتماع التركي هارون إركان قال فيه إن استراتيجية تراكم رأس المال لدى حزب العدالة والتنمية تعتمد بشكل كبير على النمو السريع في قطاع العقارات والتسامح البيروقراطي مع الانتهاكات المنهجية للقواعد والقوانين على المستويين المحلي والوطني.
بصرف النظر عن إشكالات الداخل التركي ما يهمنا هنا هو احتمال قائم بأن تتحول سوريا إلى سوق لتركيا وإلى مصدر للأيدي العاملة في المشاريع التركية، بعد أن صارت مصدراً للمقاتلين المرتزقة العابرين للحدود الذين يبعثهم الجيش التركي للقتال أينما يشاء. وإذا ما اعتُمد اقتصاد السوق الحر في سوريا على أنقاض ما تبقى من القطاع العام فإن هذا يعني، في ضوء التسريح الجماعي المتلاحق للموظفين من دوائر الدولة ومؤسساتها، والتوجه إلى تحرير الاقتصاد، أن الشركات الخاصة قادمة لا لكي تبني اقتصاداً جديداً يلبي احتياجات السوريين بل كي تمتص ما تبقى من دماء في شرايين سورية وتوسّع هامش الفقر.
خرجت سوريا من ركام حرب طويلة مدمرة تركت أثراً عميقاً في نفوس أبنائها، وزعزعت هويتهم، ما أدى إلى انقسامات طائفية حادة. ويبدو أن السوري الآن أصبح غائباً عن المعادلة بوصفه مواطناً سورياً يتمتع بحقوقه، وينتمي إلى مجتمع سوري في إطار الدولة السورية. بدلاً من ذلك، أصبح وجوده مرتبطاً بهويته الطائفية أو انتمائه إلى أحد المكونات التي أصبحت مصطلحاً شائعاً في الإعلام اليوم. وفي ظل الحديث المتواصل عن إمكانية بناء نظام ديمقراطي في سوريا، والدعوات المتزايدة لتحقيق ذلك، خرج المؤتمر الوطني بنقد صريح للأشكال السياسية المستوردة، ما ترك صورة النظام القادم ضبابية وغير واضحة المعالم. ما يشي به هذا هو أن النظام الديمقراطي التمثيلي ليس من أولويات الأجندة السياسية، وهو ما يكشفه التهرب الذكي من الإعلان عن موقف واضح، والتصريحات المتباعدة التي تظل تطفو في جو من الغموض السياسي، ذلك أن القوى التي تدعم التحوّل في سورية، تريد حراساً للمصالح وللحدود لمنع الهجرة وتهريب المخدرات، ويلتزمون بأمن إسرائيل. ولن يُسمح بأن تصبح سورية دولة ديمقراطية في سياق دول عربية غير ديمقراطية تحتاج لأموالها، وبوجود أنظمة غربية لا يهمها إلا أرباح شركاتها ومنع الهجرة، وأمن إسرائيل وفي هذا درسٌ من السهل أن يتعلّمه السوريون وهو أن الديمقراطية والدولة المدنية مصلحة سورية صرفة لا تخدم إلا الشعب السوري هذا إذا كان يهمه أن يعيش في دولة مواطنة وتمثيل وتداول للسلطة، وأن يخرج أبناء سورية من قوالب الطوائف التي أُفْرغوا فيها نحو المواطنة الحقة المسلحة بحقوق يحميها القانون وتخدمها السلطة المنتخبة، وتجعل كرامة الإنسان السوري وحقوقه فوق كل اعتبار.
إن التعامل مع إرث النظام السوري المتبخّر ليس مسألة سهلة ذلك أن القرار الذي اتخذته العصبة الأمنية العسكرية السورية الهاربة، تحت مظلة علاقاتها الإقليمية والدولية، لشن الحرب داخل المدن السورية ضد السوريين المتمردين على حكم الأسد مزّق الروابط بين مكونات المجتمع السوري، التي يمكن أن ندافع على أساسها عن انسجام اجتماعي سوري، أو إمكانية بناء هوية سورية جديدة، ولكننا رغم كل ما حدث نستطيع أن نراهن دوماً على شيء في سورية يمكن أن نسمّيه الوطنية العميقة لدى أبنائها والتي، رغم ألم الجراح التي تثخن الجسد السوري، يمكن أن تشكّل رافعة لسورية الجديدة مهما طال الزمن، وعليها وحدها يمكن التعويل للتخلص من بقايا الدكتاتورية العسكرية ومنع عودتها إلى المشهد بأية طريقة، ومنع سلطة الأمر الواقع من أن تتمترس أيديولوجياً وتفرض الدولة الدينية وتنطح الاحتمال الديمقراطي بقرنيْ العقيدة وفكرة الأغلبية.
إن الحلم الديمقراطي في سورية أمر قابلٌ للتحقق لكنه يحتاج إلى تضافر جهود الجميع، وإلى تفانٍ وتضحية وتعال على الجراح لن يكون سهلاً. ويمكن تخيل ما ستؤول إليه الأمور من خراب في حال فَشِلَ السوريون في بناء شكل حكم حضاري راق يعتمد المواطنة والتمثيل وتداول السلطة ديمقراطياً والعدالة الانتقالية داخل بنى دولة القانون.
إن الطريق إلى الديمقراطية وعر ومليء بالمطبات لكن السوريين قادرون على اجتيازه، وإن في عمقهم الحضاري وذكائهم وتعدديتهم الثقافية وانفتاحهم ما يمكن التعويل عليه بقوة من أجل المستقبل.
by طارق علي | Mar 3, 2025 | News - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
عندما أعلن الرئيس السوري، أحمد الشرع، حاجة بلاده لثلاث سنوات لكتابة الدستور الجديد، أثيرت عاصفة من التساؤلات الشعبية والقانونية حول المدد الزمنية المطلوبة فعلياً لكتابة دستور، خاصة أن الشرع عطّل العمل بدستوري عام 1950 و2012. يعتقد البعض أن كتابة دستور ناجح لسوريا هو عملية تتطلب الكثير من الوقت والجهد خاصةً إذا تم من خلال عملية شاملة تشارك فيها جميع فئات الشعب السوري. ويُثير البعض الآخر مخاوف حول الانقسامات المجتمعية العميقة في البلد ما قد يجعل عملية التوافق حول الدستور الجديد أكثر صعوبة. هذا المقال يُسلط الضوء على آراء بعض الخبراء حول صياغة دستور توافقي جديد في سوريا.
تجارب دستورية
إن كتابة الدستور هي عملية توافقية تنظم علاقة الأفراد ببعضهم وبالمجتمع وبالدولة وهي مرحلة ضرورية بعد قيام أي ثورة، أو إنهاء نزاع، أو صراع، أو حرب أهلية مسلحة.
وفي هذا الصدد يستذكر الخبير والاستشاري القانوني معتز الفاضل أنّ تونس استغرقت ثلاث سنوات ما بين 2011 و2014 لكتابة دستورها والمصادقة عليه إثر سقوط بن علي وانتخاب لجنة دستورية، وفي مصر جرى نفس الأمر باستصدار تعديل عسكري على الدستور مع سقوط حسني مبارك ريثما جرى اعتماد آخر في عام 2014، أما ليبيا فتدفع حتى اليوم ثمن عدم وجود دستور منذ سقوط القذافي عام 2011 والتوجه لدستور بديل مؤقت أوقد فتيل الحرب في البلاد رغم محاولات وضع دستور جديد وشامل عام 2017 لكنّ ذلك الدستور لم يكتب له النور نتيجة استمرار الصراع المسلح.
لن نبدأ من الصفر
يضيف الفاضل في معرض كلامه لـ “صالون سوريا”: ” ثمّة دول احتاجت الكثير من الوقت لصياغة الدستور لتعقيد ملفات الانتقال السلطوي كجنوب إفريقيا حيث كان الانتقال الديمقراطي من الفصل العنصري الى الحرية الشاملة عملية طويلة ومعقدة، واستغرقت صياغة الدستور عدة سنوات من المفاوضات والتوافق. لذلك يبدو من الطبيعي أن تأخذ سوريا فترتها الزمنية الملائمة، رغم أني أرى مع الكثير من الزملاء القانونيين والفقهيين أن ثلاث سنوات رقم مبالغ به جداً، فنحن لدينا دستور جامع لعام 1950، إذاً، لن نبدأ من الصفر، فهناك فصول جاهزة بأكملها، ووفق تقديراتي يمكننا خلال نصف عام إلى عام أن نضع على الأقل مسودة دستور”.
وبحسب الخبير فإن اجتماعات جنيف ما بعد القرار 2254 وعام 2015 يمكن البناء عليها لأن جزءاً كبيراً منها كان مرتبطاً بمناقشة آلية وضع دستور جديد للبلاد. وأضاف الفاضل “لذا لا زلت لا أفهم الغرض من المماطلة والبلد تمرّ في أحلك أوقاتها وأكثرها حاجة لعقد اجتماعي ناظم ودستور جديد!”
“دستور بعين واحدة”
يرى الباحث في الشؤون الدبلوماسية أسعد عرفة أنّه لا يجب البناء على الدستور من الصفر، لأنّ هناك فعلياً الكثير مما أنجز منه خلال فترات متباعدة، ولكن كلّ ما نرجوه ألّا يكون الهدف هو وضع دستور جديد بالكامل يتكامل مع ايديولوجية معينة تعنى بها قيادة البلد الجديدة.
ويضيف لـ “صالون سوريا”: “نخشى ألّا يقتضي ذلك الدستور الجديد ببناء دولة مواطنة حقيقية أو فصل للسلطات، وإنما تقديم دستور شرعوي يراعي الحالة التي خرجت من رحمها الفصائل التي حررت سوريا، وهذا مبرر رفض المرحلة السابقة من النقاشات المدنية التي تمّت في جنيف وغيره من دساتير سابقة معمول بها، وبالتالي ترغب الفصائل في وضع نفسها في خانة واحدة”.
وحول تصريحات الشرع حول دستور جامع يُجيب: “في هذه الحالة يجب الاحتكام لمناقشة ما تم إقراره مسبقاً مما يوفر الكثير من الوقت والجهد في حال توافرت النوايا الطيبة بمعزل عن ضغوط داخلية أو خارجية”.
موجبات الوقت الطويل
يؤكد الدكتور والأكاديمي القانوني هادي المنفي خلال حديثه مع “صالون سوريا” أنّ الأسد ترك خلفه “شبحاً” لدولة مدمرة بكل المقاييس المؤسساتية والبنيوية ما شكّل فراغاً كبيراً وإرثاً وتركة ثقيلةً للغاية لمن سيخلفه في الحكم، ما يعني أنّ الحاجة لبناء الدولة ومؤسساتها من جديد سيتطلب وقتاً وجهداً ومشروعاً كبيراً، والدستور السوري جزء منه.
بدورها تبيّن المحامية لمياء قباقيبي أنّ الدستور يجب أن يخضع لاتفاق شامل وأن يعرض كما العرف على الاستفتاء أو أن يكون ممثلا ًبلجنة موثوقة تمثل كافة أطياف الشعب السوري الذين لا ما يزالون على غير وفاق حول تمثيلهم حتى الآن- وبالتالي هناك أيضاً قضية سبعة ملايين لاجئ خارج الحدود في دول المنفى وهؤلاء يشكلون عائقاً كبيراً أمام أي استحقاق كبير على شاكلة الاستفتاء أو الانتخابات المقررة بعد أربعة سنين.
وتتابع: “في حال تمكنت الأمم المتحدة من لعب دور إيجابي فقد لا نستغرق كل هذه المدة لكتابة دستورنا، وتدخل الأمم المتحدة إذا قوبل باتفاق داخلي يسعى لرأب الصدع فإنّه سيثمر نتائج سريعة كما حدث في البوسنة والهرسك أواسط التسعينات خلال اتفاقية دايتون”.
دستور عام 1950
يرى كثير من الأخصائيين القانونيين أنّ الحل الأمثل كان الاعتماد على دستور عام 1950 بشكل مؤقت لتجنيب البلد الفراغ الدستوري، وهو أول دستور جرى إقراره بعد خروج الانتداب الفرنسي وقد صاغه كبار رجال القانون في الدولة ومن بينهم الرئيس ناظم القدسي. وكان ذلك أول ما يميزه، أما ثاني ميزاته فهي شكله المتقدم في نمط وطريقة إدارة الدولة والبلاد وتنظيمهم مع مبادئ الحكم.
وقد كان الدستور الوحيد الخالص الذي يؤمن الرفاه للسوريين والسوريات والتعددية، ويقيم نظاماً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً يراعي العدالة الاجتماعية في أبهى صورها، إلى أن جاءت الدساتير اللاحقة لتنسف الحياة السياسية والتعددية وتفضي إلى حكم شمولي ذي قطب واحد يدفع اليوم ثمنه السوريون والسوريات.
by أسامة إسبر | Mar 1, 2025 | News - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
أعرف جرمانا جيداً، كنت أحب الذهاب إليها وقضيتُ فيها أوقاتاً ممتعة في منازل أصدقاء ما يزالون يسكنون هناك، وفي القلب. كانت أحياناً سهرات صاخبة تتخللها اختلافات في الرأي ونرفزة وصياح ومقاطعة كعادة السوريين في الحوارات السياسية في إطار اختلافٍ في الآراء لا يفسد للود قضية. وكنا نعود في أوقات متأخرة من الليل متفقين على اللقاء في بيت آخر لنكمل الحوار الذي لم يُحسم، أو لنستمع إلى قصائد جديدة لشاعر صديق. كانت جلسات المنازل أكثر راحة لتبادل الآراء في الأدب والسياسة بعيداً عن آذان مخبري العهد المتبخّر، الذين مُنحوا سلطة مطلقة غير قانونية على رقاب الناس في المقاهي والمطاعم.
حين قرأتُ في الإعلام التصريحات الأخيرة لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب، والذي يعدّ نفسه رئيسَ بعثة تبشيرية للتقدّم الغربي في عالم يتسم بالإرهاب والتخلف، كما يروّج في خطاباته، اختلط لديّ الشخصي بالموضوعي، وثار غضبي من هذه التصريحات الملغومة التي تهدف إلى إذكاء نار الفتنة.
ثمة من يصطاد في الماء العكر، على الإعلام الاجتماعي، مستغلاً هذه التصريحات للتشكيك بوطنية الآخرين، ولا شك أن اصطياداً كهذا يعكس ذهنية طائفية منحطة تهدف إلى تخريب النسيج الجوهري للخارطة السورية الذي يشكل فيه ”بنو معروف“ أحد أجزاء القلب السوري. والجدير بالذكر أن سوريي السويداء خطّوا ملحمة فريدة في النضال المدني اللاعنفي ضد نظام بشار الأسد يثير الإعجاب، ويُضْرب به المثل، وتحمّلوا الحصار وشظف العيش، كي يوصلوا رسالتهم للسوريين كافة بأنه لا خيار إلا في حياة كريمة مشتركة مع السوريين كلهم في إطار نظام ديمقراطي حقيقي، بعيداً عن المصطلحات التي تسمم عالمنا.
أن يصرح رئيس وزراء من طينة نتنياهو ووزير دفاعه كاتس أنهما أصدرا الأوامر للجيش الإسرائيلي كي يستعدّ للدفاع عن جرمانا في العاصمة دمشق لهي مهزلة القرن الواحد والعشرين، وأمر يستدعي الضحك والسخرية، إذ كيف لمن تلطخت يداه بدم الأطفال والنساء والشيوخ وهادم البيوت فوق رؤوس سكانها، وقاتل ٤٥ ألف فلسطيني، هذا من دون أن نحصي اللبنانيين والسوريين الذين قُتلوا في الغارات داخل سوريا، كيف يمتلك هذه الجرأة- المسخرة، ويعلن جاهزيته للدفاع عن جرمانا. ليست هذه إلا بلاغة كاذبة وجوفاء ذلك أن نتيناهو ومن لفّ لفه لا تهمه سلامة أحد من السوريين، وهو الذي تفوح منه رائحة العنصرية الصهيونية، كما يعرف ذلك الموحدون الدروز قبل غيرهم. إن ما يهمّه بالدرجة الأولى هو الأرض السورية والماء السوري والثروات السورية وربما في النهاية اليد العاملة السورية، في ظل تفكّكٍ وركوعٍ واقتتالٍ بين السوريين. لكن هذا التصريح يحمل في طياته ما يحمل، ذلك أنه رسالة صريحة للقوى الدينية والسياسية في سوريا وللسوريين كلهم بأن إسرائيل، بعد ٢٠١١، وفي أعقاب حرب التدمير في غزة وجنوب لبنان، صارت ”سلطان“ الأراضي السورية التي تقع في الجنوب، وهذا يعني أن الجغرافية السورية صارت مقسمة في ضوء الأوضاع القائمة بين أراض واقعة في شمال سوريا تحت سيطرة ”السلطان“ التركي حيث يحشد الجيش التركي قواته، و“السلطان“ اليهودي الذي انتهك الاتفاقيات والترتيبات الأمنية في الجنوب. ذلك أن الأتراك، الذين يدعمون التحول السياسي القائم في سوريا، المتمثل في منح كرسي الحكم لهيئة تحرير الشام والتنظيمات المنضوية في عملية ردع العنوان، في إطار الصفقة السياسية الكبرى التي ما تزال تفاصيلها طيّ الكتمان، يتحركون من جهة فيما الإسرئيليون يتحركون من جهة أخرى لإحكام السيطرة على الجغرافية السورية إلا أن تصريح نتنياهو الماكر يلعب على وتر التوازنات الطائفية، موهماً من يريد أن يفهم خطأ بأن مكوناً ما هو تحت حمايته، كما لو أن أبناء هذا المكون يقبلون بأن يحميهم مجرم حرب يطلق التصريحات من أجل توجيه المزيد من الضربات للنسيج السوري المثقل بالجراح.
بدأت القصة في عهد رأس النظام الفار الذي أبدى جبناً فاضحاً في وجه انتهاكات إسرائيل شبه اليومية للمجال الجوي السوري، وفي وجه الإنزال العسكري المهين في قلب مصياف، بينما وجّه قواته وبراميله وجنرالاته، الذين كانوا يطيعونه طاعة عمياء، للبطش منذ البداية بمعارضي حكمه، الأمر الذي تطوّر إلى حرب حقيقية في الداخل على أنقاض هوامش المدن حيث اندلعت الانتفاضة المدنية قبل أن يسطو عليها ويركب موجتها الأصوليون.
اخترق الطيران الحربي الإسرائيلي المجال الجوي السوري واللبناني وعربد في السماء السورية قاصفاً على هواه، وكانت عملية التدمير الكبرى في أعقاب فرار بشار الأسد إلى موسكو. كانت البداية غارات متلاحقة طالت المدن السورية كلها وسط تواطؤ روسي وعجز إيراني ولامبالاة عربية بخطورة هذه الرسالة التي قالت للعرب بالبنط العريض إن اختراق المجال الجوي السوري يعني أن أجواءكم كلها تحت مؤخراتنا. ثم أُرسلت الرسالة من جديد في عهد القوى التي استولت على السلطة في دمشق وتم تدمير معدات الجيش السوري كلها، وانتُهكت الأرض السورية من جديد وسط صمت لم تعكر صفوه كلمة استنكار أو إدانة واحدة.
والآن تأتي الرسالة مرة أخرى بشكل استفزازي، كما لو أن جرمانا مستوطنة إسرائيلية، لكن الرسالة المضادة تأتي من السويداء، ومن سكان جرمانا أنفسهم، الرافضين لحماية مجرم حرب مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، وهذا هو الموقف الوطني النبيل لبني معروف على مدار التاريخ السوري.
إن الردّ السوريّ الحقيقي الوحيد الفعال على هذه التصريحات المريبة، وللتخلص من بلاغة لا تجد في قاموسها إلا كلمة فلول لشيطنة الآخرين وتسريحهم من وظائفهم، هو بناء دولة ديمقراطية حقيقية قوية تمثل سوريا كلها خارج الاستئثار بالسلطة والتوجهات الديكتاتورية العسكرية والفصائلية الأحادية التي دفع ثمنها السوريون كلهم، بطريقة أو أخرى، في عهد الأسد من دمهم ورفاههم.