by عامر فياض | Dec 23, 2023 | Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
حتى عام 2011 كانت نسبة الأُمية بين الأطفال في سوريا شبه معدومة، فيما تُشكل نسبة الملتحقين في المدارس الابتدائية أكثر من 95 % ، لكن تلك النسبة تراجعت خلال سنوات الحرب وما بعدها، فأصبحت سوريا تحتل مرتبة متقدمة في نسبة المتسربين من التعليم، حيث تشير تقارير اليونيسف لعام 2021 إلى حرمان نحو 2،4 مليون طفل في سوريا من التعليم. وبحسب أرقام وزارة التربية السورية، لعام 2022، فإن نسبة الأطفال المتسربين من التعليم الإلزامي قد بلغت 22% من إجمالي عدد التلاميذ. كما أدت الحرب، وفق تقارير اليونيسف لعام 2018، إلى تضرر وتدمير نحو 7 آلاف مدرسة، وخروجها عن الخدمة، أي ما يعادل ثلث مدارس البلاد، التي يقدر عددها الإجمالي بنحو 24 ألف مدرسة، فيما أدى الزلزال الذي ضرب شمال غرب سوريا بداية العام الحالي، وبحسب وزير التربية دارم طباع، إلى تَضرر نحو 248 مدرسة، بشكل جُزئي أو كُلي، توزَّعت في محافظات حلب، اللاذقية، طرطوس، حماة وإدلب.
ونتيجة ظروف الحرب ومن ثم انهيار الواقع الاقتصادي في البلاد، وبالتالي تراجع حجم الإنفاق الحكومي على القطاع التعليمي (بحسب صحيفة قاسيون المحلية تراجع الإنفاق من 1,7 مليار دولار في العام 2010 إلى 228 مليون دولار في عام 2022) أصبحت معظم المدارس التي تستقبل الطلاب اليوم عاجزة عن توفير أهم مستلزمات العملية التعليمية كوسائل الإيضاح والقرطاسية، والاحتياجات اللوجستية، والتجهيزات العلمية والعملية والتكنولوجية، هذا بالإضافة لعجز بعض المدارس عن توفير كميات الكتب الدراسية المطلوبة، مما يضطرها لتسليم بعض الطلاب كتباً مستعملة، مهترئة وتالفة ولا تصلح للاستخدام.
وإلى جانب ذلك تعاني اليوم كثير من المدارس من نقص الأثاث المدرسي وتفتقر قاعاتها الدراسية بمعظمها للإنارة الجيدة والتدفئة والتهوية، وشروط الراحة النفسية التي يحتاجها الطلاب، حيث يعانون من ظروف الحَرّ صيفاً، في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء، وبالتالي صعوبة توفير التكييف أو حتى مراوح الهواء، فيما يعانون من ظروف البرد شتاءً، نتيجة شح كميات مازوت التدفئة في ظل أزمة الوقود المستمرة في البلاد. ويؤثِّر ذلك كله بشكلٍ سلبي على طاقاتهم وتركيزهم واستيعابهم للمعلومات خلال الدروس، كما يؤثِّر في الوقت ذاته على أداء المعلمين ويُشعرهم بالتعب وانعدام الطاقة، لذا يضطر كثير من الطلاب والمعلمين في الصيف لاستخدام المراوح اليدوية، ولجلب ثيابٍ دافئة وسميكة، إضافة لما يرتدونه، لتقيهم بعض البرد في الشتاء.
ولأن بعض المحافظات تستقبل الكثير من النازحين، فإن أعداد الطلاب في مدارسها قد ازدادت خلال السنوات الماضية، لتزدحم بعض القاعات الدراسية بنحو خمسين طالباً، وهو ما يولّد شعوراً من الضيق والاختناق لدى الطلاب، يؤدي إلى تشتيت أذهانهم وانتباههم، ويعرقل عملية إيصال المعلومات، ليؤثَّر سلباً على مستويات فهمهم وإدراكهم، ويفرَض عدم مساواة في التعليم بين طلاب الصف الواحد. كما يؤثَّر ذلك الازدحام أيضاً على أداء المعلمين، الذين يبقون طوال الدرس في حالة من الضغط والتوتر وهم عاجزون عن جذب انتباه الطلاب وضبط شغبهم، وبالتالي عن منحهم الاهتمام المطلوب والطاقة التعليمية اللازمة. فبعض المعلمين يضطرون للاستغناء عن طرق التعليم التعاوني، لصعوبة تطبيقها، وعن تطبيق بعض التمارين والمسائل العملية التي تساعد الطالب في استيعاب المعلومات بالشكل الأمثل، فيما يعجزون عن مناقشة معظم الطلاب في بعض الدروس التي تحتاج للنقاشات التفاعلية والاستنتاجية، هذا إلى جانب عدم تمكنهم من مشاهدة جميع الوظائف والواجبات، التي يكلفون طلابهم بها، أو إجراء الاختبارات الشفهية لهم جميعاً.
ورغم تعديل معظم المناهج الدراسية، خلال السنوات الأخيرة، لتعتمد على التعليم التعاوني والتفاعلي، لم يُشكل ذلك التعديل الفائدة المرجوة للطلاب، والتطوير النوعي المطلوب الذي تحتاجه منظومة العملية التعليمية، وتعزو المُعلمة هيفاء (40 عام/ مُدرسة إعدادي في ريف دمشق) سبب ذلك لمجموعة عوامل، تحدثنا عن بعضها: ” تعتمد المناهج المُعدلة على كمية المعلومات الكثيفة أكثر من نوعيتها، فهي ترهق الطلاب بكثافتها وتضطرهم للاستعانة بالمدرسين الخصوصيين، فيما يحتاج إنجاز بعض التمارين والمسائل وقتاً أطول من وقت الحصة الدراسية المقررة. كما إن تلك المناهج لم تأخذ بعين الاعتبار مدى جهوزية وإمكانيات المدارس لتطبيقها بالشكل الأمثل، فتدريسها يحتاج إلى وسائل للإيضاح ومختبرات للعلوم وللكثير من التجهيزات اللوجستية والتقنية، خاصة فيما يتعلق ببعض المواد العلمية، فيما تفتقر معظم المدارس لكل ذلك وتغيب عنها حتى خدمات الإنترنت”. وتضيف المُعلمة : ” لم تراع المناهج الحديثة قدرات وكفاءات المعلمين الذين درسوا في الجامعات والمعاهد طرائق التعليم التقليدية، فبعضهم، وخاصة الذين يعملون كمدرسين وكلاء، يفتقدون لآلية شرح تلك المناهج والتعامل معها لتطبيقها بالشكل المطلوب، ويعجزون عن فهم بعض مضامينها التي تعتمد على الاستنتاج، لذا مازالوا يعتمدون في تدريسها على الأساليب التقليدية التي تقتصر على الحفظ والتلقين، وتُدرِس بعض المواد العلمية بشكل نظري لا يراعي الأساليب العملية والتفاعلية التي تحفِّز تفكير الطالب وتطور مهاراته الذهنية”.
واقع المعلمين وأثره على العملية التعليمية
بحسب بعض المصادر الرسمية خسر قطاع التعليم خلال سنوات الحرب نحو 100 ألف معلم، وذلك نتيجة نزوحهم أو سفرهم خارج البلاد أو استقالة بعضهم مع تردي الوضع الاقتصادي للمعلم وتراجع دوره التربوي وقيمته الاجتماعية نتيجة ما أفرزته ظروف الحرب. ويُلاحظ في السنوات الأخيرة تراجع حجم الإقبال على مهنة التدريس، نتيجة تراجع دخلها بشكلٍ كبير، حيث بات الكثير من الطلاب المُقبلين على الدراسة الجامعية يبتعدون عن دراسة الفروع والكليات المتعلقة بمجالات التعليم، وهو ما أدى إلى نقص الكوادر التدريسية، هذا إلى جانب سفر الكثير من خريجي الجامعات (الذين تخرجوا كمعلمين) إلى خارج البلاد فور إنهائهم للدراسة، وعزوف بعضهم الآخر عن مزاولة مهنة التدريس في المدارس الحكومية، إما لتوجههم نحو المدارس والمعاهد الخاصة أو لانتظارهم فرصة سفر.
وفي ظل الواقع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه معلمو المدارس الحكومية اليوم، يضطر معظمهم للعمل خارج أوقات الدوام في معاهد المتابعة والمعاهد الخاصة أو في تقديم الدروس الخصوصية، فيما يضطر آخرون للعمل في أعمالٍ لا علاقة لها بالتدريس. وقد أثَّر هذا الواقع بشكل كبير على سويتهم المهنية وأدائهم التعليمي خلال تقديم الدروس في المدرسة. وعن ذلك الواقع يحدثنا المُعلم حازم (44 عاماً/ يعمل في مدرسة ابتدائية في ريف دمشق) :” دخلي الشهري كمعلم هو 300 ألف ليرة (حوالي 22 دولاراً)، لا يكفيني لشراء الخبز والسجائر، لذا أعمل في المساء، لثماني ساعات، بائعاً في سوبر ماركت، كما أعمل في تقديم الدروس الخصوصية لبعض الطلاب خلال فترة الامتحانات. ويؤثر عملي خارج المدرسة بشكل سلبي على أدائي كمعلم، فأنا بالكاد أجد وقتاً للراحة والنوم، حيث أشعر خلال تقديم الدروس بالإرهاق وانعدام الطاقة والتركيز، وكثيراً ما تختفي المعلومات من رأسي فجأة، وأعجز في كثير من الأحيان عن بذل أي جهدٍ فاعلٍ وعن خلق تواصلٍ جيد مع الطلاب، الذين يحتاجون لكثيرٍ من الاهتمام “. ويضيف: “بعض مُعلمي المدارس الحكومية، ونتيجة إحساسهم بأن جهودهم وأتعابهم لا تقدر، باتوا لا يشعرون بأي مسؤولية تجاه طلابهم وإنما يزاولون عملهم فقط لكي يبقوا على تواصلٍ مع الطلاب لإعطائهم الدروس الخصوصية خارج المدرسة، والتي قد تحقق لهم في اليوم الواحد أكثر من نصف دخلهم الشهري في المدرسة”.
الفروقات الطبقية بين الطلاب
أدت ظروف الحرب والنزوح ومن ثم تدهور الأوضاع الاقتصادية في عموم البلاد إلى إيجاد فروقاتٍ طبقيةٍ واضحة بين طلاب الصف الواحد، تُظهر حجم التفاوت الكبير في مستويات المعيشة، فبينما يرتدي بعض الطلاب النازحون والفقراء ثياباً قديمة ومهترئة، وربما متوارثة عن إخوتهم، ويحملون كتبهم في حقائب مرتجلة (مصنوعة يدوياً من الجينز أو الأقمشة البالية) أو حتى في أكياس من النايلون، نجد زملاءهم الأثرياء وميسوري الحال يرتدون ثياباً جديدة وأنيقة ويحملون حقائب فاخرة ومتميزة، ويستخدمون أفضل أنواع القرطاسية.
وعن تأثير تلك الفروقات تحدثنا المعلمة غيداء (43 عام/ تعمل في مدرسة إعدادية في ريف دمشق) :”يشعر كثير من الطلاب الفقراء، وخاصة النازحين منهم، بشيءٍ من النقص والغيرة، وهم ينظرون بحسرةٍ تجاه زملائهم الذين قد يتباهون بنقودهم ولباسهم وحقائبهم، وبنوعية الأطعمة والمشروبات التي يشترونها أو يحضرونها من بيوتهم، وهو ما يترك آثاراً نفسية مؤلمة لدى أولئك الطلاب، تؤثِّر بشكل كبير على توازنهم النفسي وتركيزهم الذهني وبالتالي على قدراتهم الاستيعابية ونجاحهم وربما مستقبلهم العلمي، وهو ما يدفع بعضهم لكره المدرسة، أو حتى للتسرب منها”.
وبحسب المُعلمة غيداء لا تنحصر الفروق الطبقية داخل المدرسة فقط: “بينما يذهب بعض الطلاب الأغنياء خارج الدوام بسيارات آبائهم إلى المعاهد الخاصة ومعاهد المتابعة، يعجز كثير من الطلاب النازحين حتى عن إيجاد جوٍ أو مكانٍ مناسب للدراسة وحل واجباتهم المدرسية، فمعظم بيوت النازحين غالباً ما تكون مزدحمة، وقد يسكنها أكثر من عائلة (تضطر بعض العائلات للسكن المشترك لكي تتقاسم إيجار الشقة وتتساعد في تحمل نفقات المعيشة) وهو ما يخلق جواً دائماً من الضجيج ويعدم أي إمكانية عند الطالب للتركيز”. وتضيف المُعلمة: “بعض الطلاب النازحين يسكنون في شقق غير مكسية (على العظم) تفتقر لأبسط متطلبات الحياة وتنعدم فيها الإنارة الجيدة والتدفئة والشروط الملائمة التي يحتاجها الطالب للدراسة، وبالنتيجة يؤدي ذلك كله إلى تراجع المستوى العلمي لأولئك الطلاب ويؤثر على نجاحهم”.
by سلوى زكزك | Dec 14, 2023 | Cost of War - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
لم تنته الحرب، والرصاص تحوّل إلى تفصيل جزئي في زوايا الذاكرة، الإنهاك المعيشي هو السمة الأبرز، لكن روائح الحنطة المسلوقة المزينة بالقرفة تفوح من بعض البيوت. إنها الوجبة الساحرة والملهمة لطقس احتفالي بمناسبة عيد البربارة، أو عيد الحنطة كما تحب الغالبية تسميته، لذلك يحتفل السوريون بعيد البربارة بالحنطة المسلوقة مع القرفة واليانسون ومحلاة بالسكر أو بالدبس أو مطبوخة مع اللحم وخاصة لحم الدجاج. إنها مظاهر احتفالية لكنها تعيد الكرة إلى ملعبها الأول منذ سنوات طويلة وبعيدة جداً، لتشابه الأحوال الاقتصادية، حين كان للاحتفالات توظيف غذائي أهم من الديني، لدرجة أن عيد البربارة مثلاً يتحول إلى طقس غذائي بحت، كما يتحول يوم الأحد إلى موعد أسبوعي لأكل اللحم. حتى أن القصابين لا يقومون بعملية الذبح إلا مساء الأحد أو في صباحه.
لم تنته الحرب، وفي تفاصيل العيش تدور رحى حرب أكثر سطوة وشمولاً، إنها حرب الخوف من الجوع والتردي الواسع للقوة الشرائية للسكان، لكن الغالبية مصرة على الاحتفالات على الرغم من استنكاف البعض عن إضاءة أشجار الميلاد أو تركيبها، حتى أن البعض استغنى نهائيا عن الاحتفال بالأعياد. إلا أن بضعة أشجار تبدو واضحة على بعض الشرفات وخلف زجاج واجهات البيوت، عدا عن وجودها في واجهات أو زوايا المحال التجارية في غالبية الأسواق والأحياء المزدانة بالأضواء رغم شح الكهرباء. تبدو أشجار الميلاد وكأنها قد تحولت لفعل يعاند الحرب ويصر على البقاء ولو بأضواء باهتة ومتناوبة تخضع لساعات التقنين الطويلة والمعتمة، كما يلاحظ احتواء الواجهات التجارية على ملابس أو معروضات بألوان محددة ترتبط بأعياد الميلاد كالأحمر والأخضر والذهبي، بل ويمكن وبكل وضوح ملاحظة أشجار ميلاد عملاقة موضوعة في ساحات الأحياء والقرى وبعض المناطق التي قررت إعلان المظاهر الاحتفالية رغم كل الخراب. هناك تنتصب أشجار بكامل زينتها لكنها غير مضاءة أبداً بلون أخضر داكن كئيب وبزينة باهتة لا يزورها الضوء إلا لماماً، لكنها تبقى مساحة متفردة ليجتمع حولها الأطفال أو أفراد العائلات لالتقاط الصور التذكارية، والصورة تصير صفعة مدوية في مواجهة كل هذا الخراب.
اللافت في احتفالات هذا العام هو التحضيرات المسبقة لاحتفالات غنائية واسعة، ويبلغ التزامن حده الأقصى في الإعلان عن حفلات ميلادية لكورالات كبيرة العدد وفي نفس التوقيت في طرطوس وحمص مثلاً في الثاني عشر من شهر كانون الأول\شهر الميلاد.
أوجد السوريون والسوريات مساحات احتفالية رغم كل الضيق، لم يتوقفوا يوماً عن الغناء ولا عن عزف الموسيقا ولاعن تشكيل الكورالات والجوقات الاحتفالية التي تستعيد الإرث الجميل لأغان تراثية أو لأغاني فيروز المشهورة والمحببة. وكذلك الأغاني الميلادية والأغاني الاحتفالية بالسنة الجديدة، وكأن شيئاً لم ينقطع أبداً، وكأن خيوط الحياة السعيدة ما زالت مرتبطة ببعضها بوشائج إبداعية والأهم أنها جماعية ومعلنة ومشرعة أمام الجميع.
من زاوية معتمة في بيته يراقب جواد حركة العابرين في الشوارع المظلمة، يلتمع ضوء شجرة ميلاد على زاوية مقابلة، تراوده فكرة طريفة، سيذهب إلى ذاك المنزل وبيده هدية لطفل المغارة، المسيح، هدية عبارة عن حبة حلوى كمعايدة له بعيد الميلاد أو بيوم ميلاده، وربما يكتب له رسالة مختصرة جداً قائلاً له، كن معنا، فقلوبنا تحتاج دفء المحبة ونحن نحتاج السلام والراحة.
ينتظر السوريون الأعياد ليكونوا على مواعيد لشراء الملابس والأحذية وربما وجبات الطعام المميزة اللازمة لهم والتي يؤجلونها لأوقات الأعياد فتصير فرحتهم بها مضاعفة، فرحة تلبية الاحتياجات وفرحة استقبال الأعياد بملابس جديدة وأنيقة تفرح الصدور وتدعم القلوب المنتظرة للحظات فرح حقيقية.
لكن العيد هذا العام أجبر وعد على بيع خاتم زواجها، وهو القطعة الذهبية الوحيدة التي أبقتها الحرب لها. فور بيعها لخاتمها اشترت حذاء لابنها الأصغر، الذي انتظر طويلاً وهي تؤمله بأنها ستشتري له ما يريده. والحقيقة أنه لا يريد شيئاً بدافع الاقتناء أو الاشتهاء أو مجرد الرغبة، بل يحتاج الكثير من الأساسيات بدءاً من الملابس الداخلية وصولاً إلى معطف مناسب وكاف لرد البرد القارس في مواجهة غياب التدفئة بكافة أشكالها، كما اشترت بعض المؤونة للمنزل الخالي بكل ما في الكلمة من معنى من كل مقومات الاحتياج وخاصة زيت الزيتون والسكر والأرز ومواد التنظيف، عدا عن ضرورة دفع بعض الفواتير اللازمة والمتأخرة.
هنا تبدو الإشارة ضرورية جداً إلى أن ابن وعد عضو في فريق الكشاف العائد لإحدى الكنائس التي تحتفل بعيد الميلاد. إنه يحتاج حذاءً جديداً ليس فقط لأن حذاءه مهترئ، بل من أجل الاحتفال بمظهر لائق ويناسب العيد ولا يخدش حاله المهترئ مشاعر وعيون المحتفلين الذين يؤدي الفتى الألحان لهم. سيكون هناك في الطريق ليعزف الألحان الكورالية والميلادية الاحتفالية ليسعد الناس المحتفلة بالأعياد، ليتذوقوا نكهة العيد السعيد ولكي يقول الجميع إن العيد قد مر من هنا، لكن ثمة أم عرفنا قصتها بالصدفة تروي أنها باعت خاتم زواجها من أجل حذاء العيد لابنها.
لم تنته الحرب، وكل الأعياد وأشجار الميلاد عاجزة عن تدفئة قدمي طفل يعزف الموسيقا احتفالاً بالعيد لإسعاد الناس وبقائهم في مواجهة الخراب.
لم تنته الحرب ولن تنتهي الأعياد والأشجار باقية ما بقيَ الناس والزينة والأضواء والألوان والموسيقا والأغاني ستبقى امتداداً للذاكرة ولقوة الوجود، لكن الرسائل ليست في عناوينها دوماً، بل في مضامينها المضمرة والساطعة في حزنها وعجزها، في الحكايات التي تدور وراء الأبواب من أجل تلبية الحاجات الأساسية، في خواتم الزواج المباعة على وعد بالانفراج والكرامة والأمان. وربما ستبقى على موعد مع ابتسامة طفل يجدد حذاءه المهترئ، الذي أصرت أمه على أن يحتفل وأن يشارك الناس ألحانه الاحتفالية بحذاء جديد، طالما كانت وستبقى أحذية الأطفال وصمة عار على جبين الحروب، طالما سيكون حضور الأطفال والموسيقا والأغاني والحكايات صفعة على وجوه الحرب، المتعددة التي بات لزاماً أن تتوقف.
على الأرض السلام وفي الناس المسرة.
by كوس كوستماير | Dec 7, 2023 | Culture - EN, Poetry - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
ترجمة عن الإنكليزية: أسامة إسبر
كوس كوستماير شاعرٌ ومسرحيٌّ وروائيٌّ أميركي بدأ حياته الأدبية كاتباً مسرحياً وكاتب سيناريو. صدرت له عدة مسرحيات وثلاث مجموعات شعرية وتُرجمت له رواية إلى العربية بعنوان ”فارغو بيرنز“ صدرت عن دار خطوط وظلال في الأردن في ٢٠٢١. عُرضت مسرحياته في أميركا وفي بلدان غربية أخرى وحصل على العديد من الجوائز بما فيها جائزة دائرة نقاد المسرح في لوس أنجلوس لأفضل مسرحية وجائزة جمعية نقاد المسرح الأميركية.
من أعماله المسرحية ”حول النقود“، ”تاريخ الخوف“، “المستنقع الغربي الكبير“، و”حلم الحرية المطلقة“، وصدر له في الشعر الدواوين التالية: ”سرير الزواج“، ”العام الذي اختفى فيه المستقبل“، ” بلا عنوان“، أما في الرواية فله ”دين مفقود“، ”سياسة اللامكان“، و“جادة الأيام الحزينة“.
القصائد التالية هي قصائد جديدة كتبها الشاعر عن حرب غزة، وخصَّ بها ”صالون سوريا“.
١- عناد
الرجلُ يستعملُ يديه بدل المطرقة
يركع وحيداً بين الأنقاض
يضربُ الفولاذ
يُدْمي الحجر
يصرخُ منادياً أسماءهم بأعلى صوته
يصلّي كي ينطق من تبقى
غير أنه لا يخرج أحد.
الرجلُ الذي يستخدم يديه بدل المطرقة
ينبش الأرض بأظافره
يتضرّعُ إلى الموتى
يتوسّل إليهم أن يرجعوا.
حين تكتفي الريح من الإصغاء
تُعْول وتهبّ مبتعدةً
حينها، حتى المطر
يشعر بالعار من بقائه.
٢- الحرب على الأطفال
“هذه حرب على الأطفال”.
جيمس إلدر الناطق باسم الأمم المتحدة متحدثاً من جناح في مستشفى في غزة.
تتقدّم الجيوشُ
فوق الحليب الأسود والدم المسفوح.
يبكي أطفالٌ رضّعٌ
تحت الأنقاض ويفرُّ الناس.
تُعرّى أمهاتٌ
وتُقْحم أصابعُ في أعضائهن.
يُلفُّ آباء بالرايات ويُضْرَبون.
يُجْبرُ أطباء على السير على الماء
يُقتل أطفالٌ في حاضناتهم
يُقتل أشقاءٌ وشقيقات
وتتعفّن جثثهم في ضوء الشمس
حين لا يأتي أحدٌ كي يضع حدّاً للمجزرة.
تتدفق الأسلحةُ من الولايات المتحدة.
سياستنا موادّ لصناعة الأسلحة.
شهدْنا نهاية الأيام
وما من طريقةٍ كي نبعث المستقبل.
الأنهار تتدفّقُ داكنةً وحمراء من الدم
وما من مكانٍ نهرب إليه،
أو نختبئ فيه
ما من طريقةٍ لإصلاح الريح المتكسرة
أو لإعادة الأطفال
كي نغنّي وندغدغ بشرتهم الناعمة التي كالعسل
حين لا يأتي أحد ليضع حداً للمجزرة.
نرى أجساد الأطفال
تُرْفَع محطّمةً من تحت الأنقاض.
نسمعُ أشخاصاً يتسوّلون شربة الماء
يصلّون للسلام،
لكن لا أحد يأتي كي يخفّف أحزانهم
ويحوّل أمنياتهم إلى خبزٍ
أو يروي ظمأهم الحارق
لإنقاذ أطفالهم من الدفن
لا أحد يتمرد
ضد العرض المقيت لأكاذيب قديمة
تتقدّم عبر أخبارنا اليومية
وتزحفُ على شاشاتنا في الليل
كي تحتفي بدولارات جُمعت
وأذى أُلحق بالآخرين
حين لا يأتي أحدٌ ويضع حداً للمجزرة.
٣- درس لشرح المفردات
(إلى نعومي شهاب ناي)
نتعلّمُ اللغة في مركز العالم المحترق.
(السياسة، جريمة، صديق، عذاب، شظايا، دولة)
كلّ كلمة لطخةٌ لا نستطيع إزالتها
(بطل، قناص، شهيد، طاغية، سلطة، مصير)
هناك كلمات مجنونة، وأخرى مُهلكة وغادرة
وهناك كلمات كثيرة كاذبة.
(غريب، صاروخ، وطني، خصم، الآخر، نار)
إن نَحْو المأساة عظيمٌ، وإذا ما أصغيتَ
ستسمعه يتكسّر على الجدران
ويعاود ترتيب الجثث في جميع الأمكنة.
دَرْسُنا اليوم هو كلمة ”دبابة“.
هل تعرفونها؟
Tank: الكلمة ذات المقطع الأحادي الثقيل
تمتلك شهية أسطورية
للموت وتقتلُ كل شيء
يقع في مدى بصرها.
تستهدف الجنود والأطفال والنساء والمعلمين
والطلاب والمزارعين، والأطفال
والناس بشتى أصنافهم.
هذا الاسم الذي لا يعرف الصفح
يتكاثر في جميع الأمكنة
ويفضّل أن يعمل في الشوارع
ليتمكن من استخدام خطمه القاتل والإجهاز على فريسته
دون أن يضطر لالتهام ما تبقى.
وكل ما يتبقى هو الشيء نفسه دوماً:
مرادف للأسى
وكلمة أخرى للكراهية.
٤- فن الحرب
حين جاءت الطائرات
كان قايين يستلقي في فراشه في البنسيون
شبه نائمٍ ولم يحلق ذقنه بعد.
أنتم تعرفون المشهد،
أعرف أنكم تعرفونه،
ومطّلعون على خلفية الفيلم:
الغرفة القذرة بالأسود والأبيض
حيث كلّ الأغطية رطبة من الخبز المتعرّق
التلفاز مُدار، والسيجارة مُشعلة.
وحين بدأت القنابلُ بالسقوط
كان يقف عند النافذة
في الوهج الأحمر للصواريخ
والسماء مذهلة وملتهبة.
تعرفون الأغنية،
أعرف أنكم تعرفونها:
الأطفال يموتون، هذه الجعجعة الفارغة.
النار تلتهم حقول القمح
الظلال تتقيّح في الشوارع.
لكن هذا هو قابيل، أتفهمون؟
الرجل نفسه الذي يحدّق بالأطفال وهم يحترقون،
ويركضون في عاصفة معدنية
صُنعت بلغةٍ
لم يتعلموها أبداً في المدرسة.
يتذكر فجأة
كيف سقط أخوه الأصغر هابيل تحت الضربات
قرب مذبحٍ دمويٍّ في يوم الأضاحي الكريه ذاك.
السماء فارغةٌ وصامتة الآن
آه، لكنّ جميع الأمهات يعرفْن
أن الموت قادم غداً إلى البلدة.
يقفْن خلف نوافذهن ويحدّقْن في الخارج
إلى الأشلاء وشظايا العظام، والبراز الدموي.
تعرفون المشهد:
الرئيس، ثم بالطبع فواصل إعلانية
وفجأة ابن الإنسان
بوجهه المنهك منعكساً على لوح زجاج النافذة
يصيح بصوت مرتفع: ما الذي فعلتُه؟
ما الذي فعلته؟
ثم يكرر الصياح: ما الذي فعلته؟
٥- النظام العالمي الجديد
يتجلى جمال الأمم حين تكون النكهات كلّها محليةً،
وتصبح الحياة لذيذة في جميع الأمكنة
إذا تُبّلت بطريقة ملائمة.
في اليونان، مثلاً، يمكن أن تشرب الريتسينا، وتتذوّق على شفتيك
أحجار التاريخ المرّة. يتصلّبُ لسانك كالفولاذ داخل فمك
وتشعر بأنك قادر على ممارسة الحب مع زوجتك
طوال الليل حتى الصباح.
أحجارُ اليونان نظيفةٌ وبيضاء،
لكن النبيذ الأحمر الداكن لبوجليا يجب ألا يُزدرى أبداً. فهو يمنح
فمك طَعْم الطمي
والشذى الأسود للتوت المسحوق.
لكلّ منزل سرّهُ،
ولكلِّ أمةٍ متعتها:
الجوز الأرضي من السنغال
نبيذُ النخيل من غامبيا.
خيوط المعكرونة الفضية النحيلة والساكي الحارق من اليابان،
الشنكليش والمكدوس من قلب سوريا الجريح،
أطباق المازة التي تُدْعى التاباس من أسبانيا
وخبز التشاباتي من إسلام آباد.
يجب أن تُزال الحدود اليوم،
على الفور،
وتحلّ محلّها قوائمُ طعامٍ بأطباقٍ محلية.
وفي هذا النظام العالمي الجديد
سنمدّ مائدةً مشتركة تحت قبة السماء
ونتحلّقُ حولها كأصدقاء وجيران
ونعدّ وليمةً عظيمة.
نحتفي بالصداقة أولاً،
نحكي قصصاً مدهشة بكل اللغات
عن أعاجيب عادية رأيناها.
نتقاسم كلّ ما أحضرناه،
ونعتني بالجميع
مبتدئين بكبار السن ثم بالصغار.
حينها كم ستبدو الحياة ثمينة لنا!
كم ستبدو رائعة وعذبة!
وبعد العشاء نتذوّق أباريق متخمّرة
من شاي النعناع القوي،
ثم نجتمع معاً تحت النجوم
ونهدهد أطفالنا إلى أن يناموا.
by رهف حبوب | Dec 4, 2023 | العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
أنظر إلى ابني الأصغر الذي لا يتجاوز عمره ثلاثة أشهر، وأفكر فيما واجهتهُ خلال الساعات الماضية فقط. كان شاهداً على نوبة جديدة من نوبات جنون زوجي الهمجية. زوجي الذي ضربني وطردني من المنزل برفقة أبنائي الاثنين، أكبرهما لم يتجاوز بعد عامه الثاني، هذا ما تقوله السيدة (ا.ع) من ريف دمشق لـ “موقع صالون سوريا”.
تخبرنا تلك الأمّ عن المعاناة التي تكابدها بينما تفكر في علبة الحليب التي لن تكفي أكثر من يومين، ثمّ؛ وبعد ذلك يجب أن تعود إلى جحيم الزوجية بسبب عدم قدرتها على إعالة طفليها، تقول: “الحليب مقطوع من الأسواق، ولو توفر فإن كلفته تبلغ حوالي 75 ألف ليرة سورية، ولا أملك منها حتى خمس ليرات!”.
ومع وجود صعوبات معيشية لدى عائلتها، يستحيل بقاؤها مع طفليها في بيتهم، على الرغم من محاولات الاحتواء والاحتضان التي يبديها الأهل، لكن هذه المرأة تشعر أنها تشكل عبئاً عليهم: “أدرك أنني سأعود إلى زوجي بسبب الحاجة إلى علبة الحليب تلك”.
تخبرنا السيدة (ا.ع)، وهي في أواخر العشرينات اليوم، كيف درست في كلية التجارة والاقتصاد في جامعة دمشق، وتعرّفت هناك على زوجها من خلال أصدقاء مشتركين. وتؤكد في حديثها لـ “موقع صالون سوريا” أنها عاشت قصة حبّ جمعتها مع زوجها لسنوات “إلا أن ما حدث بعد الزواج لم يكن بالإمكان التنبّؤ به. عمل زوجي على عزلي عن أصدقائي، ثمّ دفعني لترك العمل من أجل الاعتماد عليه كلّياً من الناحية المعيشية. ربّما يُعتبر هذا السلوك أمراً عادياً بالنسبة للعديد من الأزواج، لكنّه في الحقيقة عبارة عن تكتيك يعتمده الشخص المُعَنّف للتأكد من أنّ زوجته لن تستطيع تأمين حياتها وحياة أبنائها خارج جدران سجنها المنزلي”.
تتالت الأيام ومعها تصاعد خطابه العنيف من سُباب وإهانة مستمرة، ثمّ تصعّد إلى عنف جسدي كبير، وقد يصل أحياناً إلى التهديد بالقتل! وفي كل مرة تخرج (ا.ع) من منزلها، تعرف أنّها ستعود بعد أيام، لأنها لن تستطيع العيش دون أطفالها الذين باتوا سلاح الابتزاز الأشهر في يد الزوج.
تقول: “لا أستطيع العيش دون أطفالي، مجرّد الفكرة تجعلني أتمنّى الموت قبل حدوثها. هذا ما يجعلني مستمرة في هذه الحياة رغم عدم وجود أيّة مقومات للحياة أصلاً”، وتضيف: حتى وإن قرّرت أن أترك زوجي، فإلى أين الرحيل؟ إلى أهلي الذين يعانون من أجل لقمة العيش؟ ومن سيحميني منه حين يحاول انتزاع أطفالي مني؟ بصراحة لا أثق بتنفيذ القانون الذي ينصّ أن لي الحق في الحضانة، حالياً، وذلك لأنّه -بحسب تجارب شاهدتها- يمكن تطويع القانون بالرشاوى.
وتختتم هذه الأمّ التي فطر الخوف على أبنائها، قلبها قصّتها وهي تؤكّد أنّ “مشوارها ليس سهلاً. إنّي أودّ تجنّب شرّ زوجي ليعيش أطفالي، ولست أعرف كيف يمكن أن أجد حلاً بعيداً عن ذلك الجحيم الذي يفترض به أن يكون جنّتي على الأرض..”.
ما البديل!
صدى قصة (ا.ع) يصل إلى مدينة حلب، حيث تأتي قصة السيدة (ك.ج)، التي تواصل معها “موقع صالون سوريا” للحديث عن تجربتها القاسية في العودة إلى زوجها بعد هجره لها لأكثر من عام بسبب التعنيف الذي تتعرض له.
تروي السيدة الثلاثينية (ك.ج) كيف عاشت مع زوجها لسنوات تتنقل بين المدن السورية بسبب ظروف الحرب والنزوح، في محاولة لإيجاد مدينة آمنة، لعلّهم يستطيعون بناء حياتهم فيها.
تقول: “مع مظاهر عودة الحياة إلى مدينة حلب، قرابة العام 2020، عدتُ مع زوجي إلى هناك، لكنّ طِباعه تغيّرت، وبات أكثر عنفاً وصداميّةً، حتّى وصلتْ به الحالة في أحد الأيام إلى طردي من المنزل مع ابني إلى الشارع، منتصف اللّيل دون أيّ سبب!”
وتشير السيدة (ك.ج) إلى الوقت العصيب الذي قضته في السفر من حلب إلى منزل أسرتها بريف دمشق، لتعيش معهم فترة انتظار زوجها أن يأتي، أن يرسل إليهم بعض المال على الأقلّ، لكنّ الأيام مضت ولم يعد الزوج، لأنّه قرر أن “يبدأ صفحة جديدة دون أن يكون لابنه وزوجته مكان فيها”.
تقول: “في تلك الأوقات كنت أعمل لساعات طويلة في عيادة طبيب، أنظّم المواعيد وبعض أعمال السكرتارية، لكنّ الراتب لم يكن يكفي سوى أجرة مواصلات! كنت أدور في حلقة مفرغة من العمل غير المأجور تقريباً، ناهيك عن الحالة التي يعيشها ابني بعيداً عن أبيه، وكذلك بعيداً عني-أحياناً كثيرة بسبب انشغالي بالعمل”.
وتضيف: “دفعني اليأس أخيراً إلى التواصل معه ومحاولة استمالته لإعادتنا. بالرغم من أنني لم أفعل شيئاً يتطلب عقابي أو نبذي أو حتى هجر ابنه بتلك الطريقة، وما صدمني حقاً أنه كان يريد الزواج بامرأة أخرى. تطلّب الأمر مني إقناعه حتى أعادني إلى هذا المنزل الذي لا أطيق العيش فيه مع زوج هجرني، وكاد أن يتزوج غيري. ما دفعني إلى العودة هو الحاجة المادية فقط، فأنا لا أحمل شهادة جامعية أو حرفة، وعشت أيامي إمّا معتمدة على عائلتي أو على زوجي، مادياً. ومع سوء الوضع المعيشي اليوم، بات من المستحيل استئجار بيت وتربية ابني وحدي، حاولت، ولم أستطع تأمين اللوازم الأساسية لحياتنا”.
وتختم السيدة (ك.ج) حديثها لـ “موقع صالون سوريا” بالقول: “لقد رأيت كثيراً من الفيديوهات والمنشورات على وسائل التواصل، عن سيدات يطلبن من النساء استجماع قوتهن والعيش بكرامة ورفض العودة إلى الزوج السيء، لكن ما تغفل عنه تلك الفيديوهات هو طرح ما هو البديل؟ كيف لي أن أعيش؟ لا يوجد منازل تقدم رعاية للسيدات الهاربات من العنف المنزلي أو المطلقات الباحثات عن فرصة ثانية بالحياة”.
تشكّل تلك القصص، جزءاً من آلاف السرديات الأخرى عن بلد نهشتها الحرب والفقر منذ سنوات، ولم يكن ازدياد حالات العنف الجسديّ والنفسيّ والجنسيّ ضدّ النساء، سوى أمر طبيعيّ في بلد يقبع أكثر من نصف سكانه تحت خطّ الفقر، بحسب تقديرات أممية. إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة التي دفعت بدورها لنمو العنف داخل الأسر السورية.
لقد تمّ توثيق نحو عشرة آلاف حالة عنف ضد النساء في سوريا عام 2022 منها ثلاثة آلاف حالة عنف جسديّ، إضافة إلى نحو ألف حالة اغتصاب أو محاولة اغتصاب وذلك بحسب تقديرات منظمة “العفو الدولية”.
في وقت أشارت الأرقام الرسمية الصادرة عن “المركز الوطني للصحة والإحصاء في سوريا” أن 20% من النساء في سوريا تعرضن للعنف الجسديّ خلال حياتهن، و15% تعرضن للعنف الجنسي. بينما أشارت الأمم المتحدة إلى تعرض النساء والفتيات النازحات في جميع أنحاء سوريا للخطر بشكل خاص، لأن النزوح جعل النساء أكثر عرضة للعنف، بعد أن فقدن الكثير من وسائل الحماية التقليدية، مثل الدعم الأسريّ والمجتمعيّ.
ماذا يفعل القانون؟
وللوقوف على الجانب القانوني حول تلك القصص، تواصل “موقع صالون سوريا” مع رهادة عبدوش، وهي محامية سورية وناشطة في قضايا المرأة. والتي أخبرتنا بدورها أن السبب الأساسي في نمو تلك الظواهر هو “عدم قدرة القانون حالياً على حماية النساء وخاصة المعنفات، بسبب وجود الكثير من الفجوات التي تسهّل العنف وترسّخ التمييز ضدّ المرأة. لأن قانون الأحوال الشخصية مكتوب على أساس دينيّ (…) ويميز في العديد من مواده بين النساء والرجال”.
ومن بين تلك المفارقات القانونية تقول رهادة: “إعطاء الولاية للذكر فقط وليس للمرأة والطلاق بالإرادة المنفردة (الطلاق الإداري). إضافة إلى حرمان المرأة السورية من منح جنسيتها لأولادها، وزوجها. تزويج القاصرات، وواجب الطاعة المفروض على المرأة، وغيرها من المواد. كما تُعَاقَب المرأة بعقوبة أشدّ من الرجل في حالة الزنا، فيما يتمّ تخفيف عقوبة المغتصب في حال تزوج من ضحيته”.
وركّزت رهادة في حديثها على “فجوات قانون العقوبات السوريّ” التي يمكن استغلالها لترسيخ العنف ضدّ النساء وضمان استمراريته من قبل معنفيهم. تقول: “قانون العقوبات السوريّ لا يحتوي على قانون خاص يتعلق بالعنف الأسريّ أو مواد تحمي النساء منه، بالإضافة إلى عدم وجود بيت للحاضنة أو نفقة للأطفال ترعاها أو تشارك بها الدولة. إضافة إلى عدم وجود آلية تراقب إعطاء الإرث للنساء”.
وقد وجهّت رهادة مع العديد من الناشطات النسويات والحقوقيات، دعوات إلى سنّ قانون خاص بالعنف الأسريّ يحمي النساء ويسهّل آلية الوصول إلى النساء المعنّفات. وإيجاد أماكن أو منشآت خاصة لحماية النساء المعنفات، على أن تكون تلك الأماكن آمنة تشرف عليها الدولة والجهات المختصّة والمجتمع المحليّ.
مصادر:
by سلوى زكزك | Oct 19, 2023 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
للحروب آثار كارثية على حياة البشر، لكنها كالسيل تجرف في طريقها مقومات القوة وكذلك مقومات الضعف، لدرجة تصل حتى حدود التغيير الجذري. وبالتحديد، يبرز التغيير واضحاً وغير قابلٍ للإنكارفيما يتعلق بالحياة الجديدة للنساء أثناء الحروب وبعدها. إذ غالباً ما تنتفض النساء على وقائع حيواتهن التقليدية ويباشرن الحضور في مواقع جديدة بفعل قوة الاحتياج أولاً وفي ظل غياب وتراجع سيطرة قوى مهيمنة تتحكم تاريخياً بتفاصيل عيش النساء.
ارتبط عمل النساء بعد الحروب بمفهوم الإعالة، فجأة أصبحت الكثيرات وربما الغالبية من النساء معيلات لأسرهن بعد وفاة الأزواج والآباء والأخوة وحتى الأبناء الكبار من ذكور العائلة، أو تغيبيهم أو هجرتهم أو إصابتهم بالعجز التام أو الجزئي عن العمل.
فوضى عارمة عمت في سوق العمل النسائي (إن صح التعريف)، تم تعميم قاعدة ذهبية وهي أن مجال العمل في البيوت كعاملات منزليات أو طباخات أو مقيمات للمرضى والمسنين مفتوح على مصراعيه أمام النساء ويستقبل كل النساء المعيلات أو المتعطلات ويؤمن لهن دخلا كريماً وكافياً، لكن الحقيقة بعيدة جداً عن هذه الفرضية العمياء والتعميمية. الأهم والأكثر إثارة للغضب، أنه تم تثقيل هذه الأعمال النمطية والملتصقة بواقع العمل النسوي ومنحها تراتبية عالية في سلم الأعمال التي تلجأ إليها النساء وخاصة بعد الحروب، لقد منحوها وصفاً عتيقاً ومغرقاً في ظلمه وتمييزه! “عمل شريف” وهذا أحد مكامن تحفيز النساء على اللجوء إليه وحده وحصرياً دون التفكير بأي عمل سواه.
وفي المقلب الآخر وحتى في السلك الحكومي، شهدت الأعمال النمطية والمغرقة في ثباتها كوظائف نسائية، تراجعاً كبيراً. فقد استقال عدد كبير من المعلمات والموظفات والممرضات، بمن فيهم حملة الشهادات العلمية العليا كالمهندسات، بسبب الهجرة أو النزوح أو تغيير أماكن السكن. وتناقص عدد الطبيبات بسبب خروج عياداتهن عن الخدمة أو بسبب تعذر الوصول إلى أماكن العمل. ولحق الضرر أيضاً بالسيدات صاحبات المشاريع الصغيرة لضيق سوق تصريف الإنتاج ولغياب الاستقلالية والخبرة التي تضمن استدامة العمل وعدم المتابعة مع النساء بعد انتهاء الدورات التدريبية وتقديم المنح.
تغير كل شيء، وفي كل تعمق أو تدقيق في المشهد العام نلحظ تغيراً حاداً علينا التقاطه. ومن هذه التغيرات الوجود الملحوظ لظاهرة جديدة هي مهنة تعقيب المعاملات. فمثلاً في بهو بلدية جرمانا، راقبتُ خمس سيدات امتهنّ هذه المهنة التي كانت مصنفة بأنها ذكورية وعصية وممنوعة على النساء. كانت هذه السيدات يتابعن تعقيب معاملات مكلفات بها من قبل أصحابها، ينبغي عليّ الاعتراف بأنني اليوم عرفت سرهن العظيم لأول مرة، العديد من المراجعين/ات لم ينتبهوا لهن، ظنوا أنهن مراجعات وربما موظفات، ربما لأن الجميع لم يتساءل عن مبرر وجودهن هنا، وربما لأن الغالبية العظمى لا تتخيل أن نساء قد انخرطن في مهنة تعقيب المعاملات.
تقول إحداهن (و.س) وتبلغ من العمر اثنين وأربعين عاماً، وهي زوجة شهيد حرب: “فجأة وجدت نفسي امرأة وحيدة في مهب الريح، أنا وثلاث بنات، حاصلة على الشهادة الثانوية وبيئتي وعقلي يرفضون أن أعمل في الخدمة المنزلية، استعرضت كافة الأعمال النمطية المعروضة أمامي كامرأة، لكني رفضتها فوراً بمجرد مرورها أمام مخيلتي، فكرت بعمل خاص ومستقل يدر دخلاً كريماً وكافياً لأربع نساء يزداد احتياجهن مع الوقت ومع تضاعف وتضخم الغلاء وصعوبة تفاصيل العيش اليومية.” وتتابع: “خضعت لدورة تدريبية وبعد الامتحان انتسبت لنقابة معقبي المعاملات.” تقول (و.س) أن عدد المعقبات في دمشق قد وصل لألفي امرأة، وأن اعدادهن في مدينة جرمانا لوحدها قد بلغ خمس عشرة امرأة.
تعتمد النقطة المركزية في اختيار هذا العمل على إرادة السيدات بأن يكنّ صاحبات عمل ومستقلات ولديهن دخل يعتبرنه كافياً لإعالة أنفسهن وعائلاتهن، أو على الأقل أكثر وفرة من رواتب النساء الموظفات أو من العاملات في البيوت وفي قطاع الخدمات الهامشية وغير المحمية أو المسجلة في نقابات أو مؤمن عليها بشركات تأمين وخاصة لضمان حمايتهن من إصابات العمل وجور أصحاب العمل.
تعرفت إلى خمس معقبات معاملات، كلهن معيلات، زوجات وأمهات وبنات وأخوات لأفراد يحتاجون الدعم والسيولة، لكن التعامل معهن مختلف تماماً، حيث لا مكان للشفقة ولا للامتهان المباشر، اللافت أنهن متعاضدات ويساعدن بعضهن البعض.
شكت المعقبّة (ر.ع) من الرفض العلني لهن من قبل الموظفات بصورة رئيسية، ومن عدم تقبل وجودهن في الدوائر الرسمية، بسبب ترسخ الصورة النمطية أن تعقيب المعاملات مهنة ذكورية! مع أن إحدى المديرات الداعمات لهن أوضحت بأن عملهن متقن بشدة، وبأنهن أقل فجاجة من المعقبين الرجال وأقل ضجيجاً، كما أنهم لا يملن للتزوير أو الابتزاز ولا حتى للرشوة، إضافة إلى اهتمامهن الواضح بالصورة النهائية لكل معاملة وبرأي ورضا الموظفين والموظفات في الدوائر أو المكاتب التي يتابعن المعاملات فيها.
أجابت أصغر المعقبّات سناً (ل، ن) على سؤال رضا الأهل أو المجتمع عن هذه المهنة قائلة: “في البداية لم يعلم أحد بطبيعة عملي، أنا طالبة جامعية في كلية الحقوق، فمن الطبيعي أن الجميع معتاد على خروجي اليومي من المنزل خاصة وأني أعيش في بيئة اجتماعية ضيقة والجميع يعرفون بعضهم، مع الوقت شكت لي والدتي بأن البعض قد قال لها وفي تساؤل غير بريء بأنني أدور من مكان لآخر، وأن البعض قد رآني في عدة أماكن بصورة يومية، تخيلوا لم يسألني احد من الذين رأوني في عدة مراكز ودوائر أتابع فيها معاملاتي عن سبب وجودي هناك، رسموا سيناريو محدد (اتهامي بالطبع) لعجزهم عن تقديم أي إجابة عليه وتبادلوه ثم رماه البعض في وجه أمي.” وتضيف (ل، ن): “حين واجهتهم أمي بطبيعة عملي، اختلف تقييمهم، البعض هنأها على شجاعتي وتدبيري والبعض كرر أنها مهنة لا تليق بالنساء، أما الغالبية فقد باتت تلجأ لاستشارتي بقضايا تستلزم التعقيب والمتابعة.”
لا تشكو المعقبات بشكل صريح من رفض معقبي المعاملات الرجال لتواجدهن في الدوائر والمحاكم، بل لاحظنا شكلاً من أشكال المساندة بين النساء والمعقبين الشباب خاصة وأغلبهم طلاب جامعيون ويعملون مستقلين أيضاً، أي أنهم لا يملكون مكاتب خاصة لتعقيب المعاملات، لكن وفي الحقيقة ثمة صراع خفي بين المعقبّات وأصحاب المكاتب العقارية ومكاتب تعقيب المعاملات لأنهم يعاملون المعقبّات وكأنهن قد استولين على أرزاقهن. قال أحد أصحاب المكاتب العقارية صراحة شاكياً ظهور المعقبّات على ساحة العمل: “اتسلبطوا على شغلنا سلبطة!” وأضاف: “تعمل في مكتبي سيدتان، لكن مهامهما محددة، تصوير تنضيد، أرشفة، استقبال المراجعين ويكفي!”
ما بين تعتيم غير مقصود على دخول النساء معترك مهنة تعقيب المعاملات وما بين قبول ورفض إداري ومجتمعي واقتصادي ومهني لحضورهن المميز، تكرّ حبات المسبحة، وتنفرط العقد المتأصلة عقدة إثر عقدة، بحذر، برفض صامت أو بمواجهة معلنة، لا يهم، المهم أنهن هناك وفي كل مكان، قادرات ويملكن قرارهن، سعيدات تملؤهن الثقة والرضا ويملؤنا الأمل بوجود أوسع وأكثر فاعلية وقوة وتقبّل.