by عمر الشيخ | Apr 10, 2023 | العربية, All Reports, Articles - EN
منذ ثلاث سنوات، والحديث عن “مجهولي النّسب” في سوريا، يزداد صعوداً لدى “الإعلام الرسمي” في سوريا، ولعلّ آخر ما حُرّر في ذلك كان ضرباً من المبالغة؛ تفوّهت به امرأة من الحاضرين على شاشة التلفزيون السوريّ ضمن برنامج مباشر من “حلب بعد الحرب”. أكدت تلك المرأة، عدّة مرات أثناء حديثها أن “هناك خمسة وعشرين ألف طفلٍ من مجهولي النّسب؛ من أبناء المسلّحين في حلب وحدها، كان قد تركهم المقاتلون الأجانب!” (…) وهنا لم يكن لدى مذيعة البرنامج “أليسار معلّا” أيّة شهية للشكّ في كلام المرأة؛ ولا حتّى السؤال عن مصدر معلومتها، ربما المقصدُ هو التّرويج لظاهرةٍ تريدها حكومة النظام على لسان أحد “المواطنين” مباشرة.
مؤخراً، صدر يوم 14 كانون الثاني – يناير عام 2023.م، المرسوم التشريعي رقم (2) لعام 2023 المتضمّن “رعاية الأطفال مجهولي النّسب”، حسب ما نشرت وكالة الأنباء السوريّة الرسميّة التابعة للنظام.
وتثير الشكّ هذه العناية المُفاجئة للأطفال “الأيتام”، في الوقت الذي تعاني آلاف الأُسر السوريّة المُهجّرة على حدود البلاد من كلّ الجهات، ظروفاً معيشيّة سيّئة بمن فيهم الأطفال.
تُرى كيف وجِدت تلك الأعداد من الأطفال عديمي الأوراق الثبوتيّة، حسب ما يصدرها “الإعلام الرسميّ”؟ هناك اعتقادٌ سائدٌ أنّ السّجلات المدنيّة الورقيّة لمئات السّوريين قد اختفت جراء المعارك في مناطق عديدة من سورية، ورافق ذلك موجات تغيير ديموغرافيّ أعقبت اجتياح الجيش النظاميّ للمناطق ذات الأغلبيّة المعارضة، وبالتالي ضياع ملفات لعائلات بأكملها من السجلات المدنيّة أو اختفاؤها في الوقت الذي لم تستطع أيّة جهة محايدة عن سلطة النظام، أن تبحث وتحقق في الأمر.
ومع الأخذ بعين الاعتبار أسباباً أخرى لظهور “مجهولي النّسب” في المجتمع السوريّ؛ مثل الظروف المعيشيّة التي تدفع بعض الأسر إلى ترك أطفالها قرب دور الأيتام وتخليها عنهم، أو هؤلاء الأطفال الذين فقدوا آباءهم خلال الحرب في سورية ولم يعد لديهم أي معيل.
إضافة إلى ذلك، ذكر تقرير نشرته جريدة الوطن شبه الرسمية بدمشق في 13مارس -آذار عام 2018.م، أن “عدد مجهولي النسب خلال الأزمة المسجلين بلغ نحو (300) طفل، وأن عدلية دمشق تستقبل حالة كل شهرين، وأن السجل المدنيّ يختار اسمه ووالديه”. وكانت وزارة الداخليّة التابعة لحكومة النظام قد نشرت مؤخراً خبراً مع صورة لطفل قالت إنه “وُجد قرب أحد مداخل الأبنية في منطقة داريا” حسب ما جاء في صفحتها في فيس بوك، ويمكننا أن نستنتج أن المسألة غير قابلة للضبط والملاحقة الجادة من قبل السلطات.
وفي هذه الظروف التي تنمو ضمنها ظاهرة “مجهولي النّسب” في سورية، كيف يمكن ضمان مستقبل هؤلاء الأطفال من عدم تحوّلهم إلى سلعة بيد مؤسسات النظام؟
توجهنا بهذا السؤال إلى المحامي السوريّ “عادل الهادي” حيث قال لموقع صالون سوريا: “لا يشكّل المرسوم رقم (2) لعام 2023 أيّة ضمانة من أيّ نوع كان؛ ألاّ يُستخدم الأطفال مجهولي النّسب كمرتزقة بعد تدريبهم عسكريّاً على عقيدة من نوع ما، ولصالح جهة ما، باعتبار المؤسسة التي أشار إليها المرسوم مطلقة الصلاحية بطريقة رعايتها للأطفال، كما أن الفقرة /هـ/ من المادة الخامسة منه تضمنت أن يتم توفير التدريب والتأهيل المهنيّ اللازم للأطفال والمتوافق مع ميوله وإمكاناته. وهي بالتالي لم تستبعد الميول العسكريّة كما أن الإدارة نفسها هي التي تقرر الميول والإمكانات للطفل”.
وبخصوص ما إذا كان لهؤلاء الأطفال فرصة في المستقبل ليكونوا أحرار العقيدة والأفكار، يؤكد “الهادي” الذي يختص بالتحليل القانونيّ: “أن ذلك غير ممكن، لأن هذا المرسوم فرض عليهم في المادة (21) منه أن يكونوا من القومية العربيّة في سوريا، كما فرض عليهم في المادة (22) منه أن يكونوا من الدين الإسلاميّ، حصراً، ولم يحدّد المذهب هل هو سنيّ أم شيعيّ أم علويّ أم غير ذلك، لأن المرسوم لم يشر إلى ذلك”.
ويعتقد “الهادي” أن المرسوم مخالف للدستور وحق المواطنة وهو يشجع على التطرف الدينيّ والعنصريّة ضد الأديان الأخرى، حسب وصفه، ويعلّل ذلك في حديثه لموقع صالون سوريا قائلاً: “لقد حرم هذا المرسوم فئة كبيرة من الشعب السوريّ من حق العناية بأي طفل مجهول النّسب، حيث اشترط في المادة (34) منه أن تكون العائلة التي تطلب إلحاق الطفل مجهول النّسب بها لتقوم على رعايته؛ أن يكون الزوجان متحدين في الدين مع الطفل مجهول النّسب، وبما أن دين الطفل مجهول النّسب هو الإسلام، حكماً، وفق أحكام المادة (22) المذكورة سابقاً، فإنّه لا يستطيع أي زوجين من الدين المسيحي-مثلاً- أن يطلبا رعاية طفل مجهول النّسب ما يعتبر مخالفاً للدستور من جهة حقوق المواطنة وحقوق الإنسان، واعتداء -أصلاً- على حقّ الطفل في اختيار معتقده الدينيّ بعد بلوغه سنّ الرشد”.
واعتبرت منظمات حقوقيّة أن هذا المرسوم جاء على صيغة جمّعت بعض المواد والنصوص القانونيّة في سوريا والتي “تنظّم قضية الأطفال مجهولي النّسب” من أبرز هذه القوانين: المرسوم رقم (107) لعام 1970 الخاص بـ”اللقطاء” و المرسوم رقم (26) لعام 2007 “قانون الأحوال المدنية”، الذي نظم في بعض مواده الإجراءات المتعلقة بالعثور على اللقيط وتسجيله (المادة 29).
كما اقتبس مرسوم “مجهولي النسب” لعام 2023 من مراسيم سابقة منها تعديلات قانون الأحوال المدنية بخصوص “اللقيط”، والصادرة بالمرسوم رقم (69) لعام 2012، والذي أجاز منح “اللقيط” الذي تجاوز الثامنة عشر من عمره “كُنية” أو “نسب” الأسرة الحاضنة. وأخيراً، التزم المرسوم الجديد بما نصّ عليه المرسوم (70) لعام 2012، “الخاص بإجراء تعديلات على قانون الأحوال المدنية”، والذي نص على وجوب استبدال كلمة “لقيط” لتصبح “مجهول النّسب”.
ويرى مراقبون أن هذا المرسوم لا يحمل أي جديد باستثناء مستقبله كفرصة لتجنيد المزيد من الموارد البشريّة لخدمة جيش النظام، إضافة إلى تكريس مساعيه لتعويم حضوره دوليّاً عن طريق تلميع صورته في قضايا إنسانية أُدين بها دولياً مثل حقوق الإنسان.
والمراقب لحال رعاية الأطفال سيكتشف من بعض الفيديوهات عن الاجتماعات الصباحيّة في المدارس الابتدائية، كيف أن الهيئات التربويّة في سوريا، تعمل دون كلل أو ملل على تشويه مخيّلات الأطفال، وتحويل مسارها إلى ما يريده المُستقبل العسكريّ للمجتمع “البعثيّ”.
في الأحياء الفقيرة -وما أكثرها في دمشق- تدفع مجموعة من الأطفال؛ وقتاً وجهداً، حتى يلوّنوا صورة كبيرة لبشار الأسد؛ في بيوتهم التي لا ترى الكهرباء إلا بضع دقائق في اليوم، يحاولون التفنّنّ بأصابعهم الصغيرة المُرتجفة من رطوبة الأحياء العشوائيّة، وتفهم المدرسة (يمكن قراءتها شعبة أمن الأطفال) أن ذلك هو عملٌ كبيرٌ وأهمّ من فهم حصص الرّياضيات والكيمياء والفيزياء وعلم الأحياء واللّغات الأجنبيّة! أجل؛ هذا بالضبط ما تقوم به أغلب المدارس التي تستعد صباحاً لترديد الشّعارات البعثيّة مع الإدراك المدروس لضمان السّيطرة الذهنية على الأطفال القطعان الذين قد لا يختلفون كثيراً عن إخوتهم من “مجهولي النّسب”!
by سلوى زكزك | Mar 31, 2023 | العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
أخيراً، تمكنت مها من الاستحمام! وذلك بعد مرور ثلاثة أسابيع كاملة على موعد آخر استحمام لها! لا بسبب البرد ولا بسبب المرض ولا بسبب التكاسل، السبب الوحيد هو واقع الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وشبكة الصرف صحي. تضافرت الموانع كلها لتسبب لمها حرجاً كبيراً بسبب حالتها غير الإنسانية والمفتقدة لأدنى شروط النظافة الشخصية والعامة. حرج جعلها ترتدي قبعة ليلاً نهاراً وحتى أثناء نومها لتهرب من شعورها الغامر بالقرف من نفسها التي كرهتها كرهاً مقززاً وكبيراً تسبب بوهن نفسي أصابها، وهن بات يحتاج علاجاً سريعاً وضرورياً عبر حل إسعافي وحيد، وهو تأمين دعوة للاستحمام في أي مكان يتوافر فيه ماء وكهرباء وصرف صحي مستقر في توصيلاته يسير عميقاً في مساره الطبيعي تحت الأرض وبعيداً عن التلامس المباشر مع البشر، تحقق هذا الحل ولكن في بيت صديقتها.
تسكن مها في حي دمشقي قريب جداً من باب توما، قلب المدينة العابق بالتاريخ والآثار والسيّاح وبروائح الياسمين والمطاعم الشرقية العريقة والأنيقة. لكن كل شيء تغيّر، كأنما المدينة تحولت إلى منبع للتعب والقهر، وكأنما الأشياء وقد ضاقت باتت خانقة إلى درجة يتمنى المرء الفرار منها، والفرار هنا محدد الوجهة والمهمة، مجرد مكان صالح للاستحمام فيه. وهذه الصلاحية مبنية على تعزيل شبكة الصرف الصحي كي يتوقف طوفانها ضمن البيوت، وعلى ماء يتزامن توفره مع التيار الكهربائي لضخه إلى الخزانات المتصلة بأجهزة تسخين المياه أو يرتبط بتوفر عبوات كبيرة من الغاز تترافق بوجود موقد غاز أرضي كبير لتسخين قدور الماء عليه.
هل تكفي قصة مها ليتحول فعل الاستحمام كحق من حقوق البشر إلى قضية رأي عام؟ منطقياً نعم! ولكن الاكتفاء هنا فعل منغلق على ذاته، فعل ميت قبل أن يولد، لأن وهن نفسية البشر يكمن في منعهم من نيل وممارسة أحد حقوقهم أو حرمانهم منها. والمنع هنا محصلة لحرمان متكرر ومعلن ومستمر ومبرر بألف سبب لأن آلية الحلول مجهضة باستحكام واستخفاف بالغ.
وتكمن قمة الخذلان في أن الحرمان من الاستحمام هو فعل لا يستدعي أي حل، فليستحموا أو فليغرقوا في روائح أجسادهم التي يعيفونها هم أنفسهم، أصلاً الغرق فعل لا يتجزأ ومن يغرق في العتمة سيغرق حكماً في مشكلة فقدان المياه، ومن تغمر شوارعه وبيته عوادم الصرف الصحي سيغرق في الخراء وفي عقر داره، وفي المكان الأكثر نظافة كما يتصور الجميع وكما هو بديهية، الحمام!
يتناوب عامر ونجود على النوم، أمامهما مهام كبيرة ومتعبة، لم يعد الليل موعداً للنوم، للراحة أو للحب أو حتى للأحلام، تحول ليل تلك المدينة التي تزورها الكهرباء ليلاً فقط إلى نهار قاهر ومرهق، نهار تتخلله كوابيس توقظ من يفكر بالنوم لساعة واحدة وتجعله يقرّع نفسه ويهاجمها لأنها فقدت القدرة على التحكم بالبقاء على قيد الصحو من أجل الفوز والتنعم بالتيار الكهربائي. البقاء على قيد الصحو يبدأ في الواحدة ليلاً، ينبغي أولاً تشغيل مقبس سخان الحمام ووصله بمأخذ التيار الكهربائي، وبعده مباشرة يتم تشغيل موتور رفع الماء إلى الخزان، ومن ثم تشغيل الغسالة لتأمين غسيل ملابس الأبناء، وإذا ما استمر الحضور البهي للتيار الكهربائي، ستوقظ نجود في تمام الثالثة فجراً ابنتها الكبرى لتستحم، ستخرج وجبة الغسيل من الغسالة وترميها بتثاقل ووسن وتعب على الحبال. ستبدأ بتحضير وجبة غداء اليوم على الموقد الكهربائي، في الرابعة صباحاً قد تخلد نجود إلى النوم بعد أن توقظ زوجها لينهي تحضير وجبة الغداء وليساعد ابنه الصغير في الاستحمام. سيتكرر المشهد في الأيام اللاحقة وسيكون الاستحمام في اليوم التالي لنجود وزوجها كل بتوقيت خاص حسب توفر درجة حرارة المياه الصالحة للاستحمام. كل شيء مهدور، الوقت والنوم والصحو والنقود والمياه والسلامة النفسية والهدوء والمودة والزمن والجهد والصحة والجسد ومعنى الوجود وجدوى العيش.
عدا عما يتسبب به تراكم استهلاك الكهرباء في وقت واحد في ارتفاع قيمة فاتورة الكهرباء.
وتصيب أصوات عديدة الجميع بالغضب والجنون من تشغيل موتورات المياه ودوران الغسالات وأصوات جريان مياه الاستحمام إلى جلبة الشجارات والاتهامات العائلية بالإهمال أو الكسل بسبب سوء استخدام الطاقة أو موتورات رفع المياه. كل هذا الضجيج والتوتر يجعل الجميع يتمنى توقف كل شيء، كل شيء حتى لو كانت الحياة ذاتها.
تمكنت بعض العائلات من تركيب أجهزة لتأمين طاقة بديلة عبر تركيب بطاريات كبيرة وألواح لحفظ الطاقة الشمسية، ورغم ارتفاع كلفتها التي تتجاوز مقدرة الغالبية، لكن الناس كانت أمام خيار ضيق وملزم كي تؤمن الإنارة في حدها الأدنى والضروري وكي تصون الطعام ومحتويات الثلاجات خاصة في ظل ارتفاع غير مسبوق لقيمة المواد الغذائية، ما يجعل من تلف أي مادة غذائية خسارة كبيرة غير قابلة للتعويض وتراكماً للخسارات المتحصلة جراء الغياب الكامل للخدمات الأساسية.
لكن بقي الجميع عاجزاً عن تأمين مصادر وقود أو طاقة لتسخين المياه نظراً إلى أن كمية الكهرباء أو الوقود المطلوبة للتسخين تستنزف كمية كبيرة من الطاقة تعجز ألواح الطاقة الشمسية عن تأمينها بسبب حجم الطاقة اللازمة لعملية التسخين وبالتالي ارتفاع الكلفة إلى أرقام غير قابلة للتسديد ويعجز عنها الغالبية حتى ممن لجأوا إلى تركيب برامج لتأمين طاقة بديلة، ما أعاق بشكل شبه مطلق تأمين مياه للاستحمام عن طريق البطاريات أو ألواح الطاقة الشمسية.
إذن، نعود دوماً للمربع الأول! تحوّل الاستحمام إلى حلم مستحيل. ولجأ سكان القرى إلى تسخين المياه على الحطب الذي ارتفعت أثمانه وحولت عملية التحطيب الجائر بساتين القرى إلى صحاري شاسعة. أما من تضيق بيوتهم بهم فقد اخترعوا أسلوب الاستحمام بالتقسيط والتقسيط هنا يشمل مراحل العمل والزمن، فقد قسم البعض عملية الاستحمام إلى عملية تتم على جزأين: الأولى لغسل الرأس بصورة مستقلة حسب ما يمكن توفيره من مياه ساخنة لا تكفي لعملية استحمام كاملة، ليتم في المرحلة الثانية استكمال عملية غسيل الجسد. يتم تسخين الماء بقدور أو بأباريق على الغاز في حالات الضرورة القصوى بسبب شح الغاز وعدم المقدرة على التفريط به، لذلك بات تسخين الماء بواسطة الكهرباء هو الحل شبه الوحيد ولكن وبسبب الغياب الطويل للكهرباء وانقطاعها المتواتر حتى في ساعات وصل التيار يتم الاستحمام على دفعات!
أن تتحول عملية العجز عن الاستحمام إلى قضية عامة تجمع ما بين السوريين والسوريات على قاعدة الحرمان والقهر، هو عملية توازي تغييب الحقوق. فالحق في الحياة يستلزم الحق في الحفاظ على نظافة وسلامة الجسد، وفعل الاستحمام أحد هذه الحقوق، كما يستلزم تأمين الموارد اللازمة لذلك دون اللجوء إلى ضرورة دفع مبالغ تعجيزية أو هدر للطاقة النفسية والجسدية من أجل تلبية هذا الاحتياج الحيوي والإنساني، نعم لقد تحول فعل الاستحمام، بل والحاجة إليه إلى قضية رأي عام وبجدارة.
*تنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا حول “إرادة المقاومة اليومية في سوريا لدى المواطنين العاديين“
by عامر فياض | Mar 28, 2023 | العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
كهرباء تغيب عن معظم الأحياء لأكثر من عشرين ساعةٍ في اليوم، أزمة محروقات جعلت البرد يُعِّشش في المنازل، أزمة غاز، أزمة ماءٍ وغلاءٍ ومعيشة وغيرها الكثير من الأزمات التي صارت جزءاً أساسياً وطبيعياً من حياة الناس الذين نسوا كيف تُعاش الحياة العادية والطبيعية، وصار قصارى حلمهم أن يستعيدوا بعضاً من أبسط تفاصيلها.
الشتاء الأقسى على السوريين
وصفت الأمم المتحدة فصل الشتاء الحالي في البلاد بأنه “الشتاء الأقسى على السوريين”، إذ تغيب جميع وسائل التدفئة، في ظل أزمتي المحروقات والكهرباء، فيما تنتظر معظم العائلات حصولها على مادة مازوت التدفئة (50 ليتر) التي ينبغي أن توزَّع في فصل الشتاء بسعرٍ مدعومٍ، حيث لم يستلم تلك المخصصات، التي لا تكفي لأكثر من أسبوعين، سوى أعدادٍ قليلة. ونتيجة لذلك لم يبق أمام الناس سوى خيارين: شراء المازوت من السوق السوداء (سعر الليتر12 ألف)، أو شراء الحطب (سعر الطن مليوني ليرة). أما من كان وضعه الاقتصادي معدماً فعليه الاستسلام للعنة البرد أو البحث عن حلولٍ شبه معدمة، قد تحتاج إلى معجزة.
ويحدثنا أبو أحمد (52 عام/ عامل في ورشات البناء) عن الحل الذي لجأ إليه لجلب بعض الدفء إلى منزله البارد: “استعرت مدفأة حطبٍ من أحد أقربائي، كانت مهملة في المستودع منذ عقود، ولأننا عاجزون عن شراء الحطب رحنا نوقد تلك المدفأة بما تيسر من موادٍ نقوم بجمعها من الشوارع والدكاكين، كالقطع الخشبية، الكراتين وأكياس الإسمنت الفارغة، بعض أوراق الشجر وعيدان الأغصان التي نجلبها من الحدائق، وقشور الفستق واللوز التي تُخلفها بعض المحامص، هذا إلى جانب الكتب المدرسية والجامعية ودفاتر الأطفال القديمة التي يستغني عنها أصحابها”. ويضيف: “نضطر أحياناً لإشعال قصاصات الأقمشة التي يرميها أصحاب المعامل، وأكياس النايلون والعلب البلاستيكية وبعض الأحذية والثياب الرثَّة، رغم أن اشتعال تلك المواد يسبب كثيراً من الأضرار كونها تَبعَثُ دخاناً كثيفاً ورائحة ًبشعة تُشعرنا بالاختناق”.
أما الطالبتان الجامعيتان رشا وحنان فقد وجدتا حلاً للتدفئة عبر اللجوء لفحم الأركيلة أو فحم الشواء. وعن ذلك تحدثنا رشا: “نُشعل الفحم في منقل الشواء، على شرفة المنزل، وحين يصبح جمراً نحمل المنقل إلى الداخل لنجلس بقربه وننعم بالقليل من الدفء. لكن ذلك الحل ليس ناجحاً أو مجدياً فهو يتطلب مصاريف كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الفحم الذي نحتاج لكمياتٍ كبيرة منه، ناهيك عن الأضرار الصحية التي يُسببها احتراقه واستنشاق الكربون المنبعث منه”.
وتبقى الطالبتان أفضلُ حالاً من الموظف علاء (35عام) الذي يضطر لمغادرة منزله ليلاً هرباً من البرد والعتمة، حيث يتسكع في الشوارع لنحو ثلاثة ساعاتٍ فتمنحه الحركة بعض الدفء وتُشعره ببعض التعب الذي يُجبر جسده على الرغبة في النوم مبكراً.
الاستحمام عملية معقدة
بات الاستحمام، عند معظم الناس أمراً مؤرِّقاً وصعباً ويحتاج لمعجزة في ظل صعوبة توفير الماء الساخن، فكمية المياه التي يمكن تسخينها، خلال توفر الكهرباء على مدار اليوم وفي معظم الأحياء، بالكاد تكفي لاستحمام شخصٍ واحد، هذا إلى جانب استحالة استخدام السخانات التي تعمل بالمازوت. وفي ظل ذلك الواقع يحاول الناس البحث عن حلولٍ إسعافية من بينها الذهاب إلى حمامات السوق، التي نشطت بشكلٍ كبير، أو العودة إلى الطرق القديمة كالاستعانة بنار الحطب أو ببور الكاز لتسخين الماء، كحال السيدة أم خالد (48 عام / زوجة وأم لخمسة أبناء) التي تتحدث لنا عن تعاملها مع تلك الأزمة: “بعد انعدام توفر الكهرباء واستحالة تأمين الماء الساخن أحضرت ببور الكاز، الذي انعدم استخدامه منذ عقود، من منزل أهلي بعد أن كان موضوعاً في الصالون كتحفةٍ أثرية، ورحت أسخن الماء على ناره في حال توفر مادة الكاز، فيما أسخنه، في حال عدم توفرها، على نار ما توفر من حطبٍ وكراتين أو أية مواد يمكن إشعالها، حيث أُوقدها داخل تنكةٍ على شرفة المنزل وأضع فوقها طنجرة الماء”.
الشاب مازن (33 عام/ موظف في شركة خاصة) وجد حلاً جيداً لكنه مكلفاً. يحدثنا عنه: “أخبرني صديقي أن النادي الرياضي، الذي يذهب إليه لممارسة تمارين اللياقة البدنية وبناء العضلات، يؤمن ماءً ساخناً لزبائنه على مدار اليوم لكي يستحموا بعد التعرق الناتج عن التدريبات الرياضية. ورغم أنني لست من محبي الرياضة لكنني حذوت حذو صديقي وسجلت في النادي فقط لكي أتمكن من الاستحمام متى أردت”. ويضيف مازن:”رغم أن الاشتراك الشهري في النادي (45 ألف ليرة) يُعتبر مكلفاً إلا أنه يبقى أوفر من دخول حمامات السوق، كما يتيح إمكانية أن يتناوب شخصان على دخول النادي في أيامٍ مختلفة، وهو ما منح شريكي في السكن فرصة الذهاب عوضاً عني لكي يستحم مرتين في الأسبوع”.
أما الطالب يوسف (23 عام) فلم يجد سبيلاً للاستحمام سوى أن ينتظر موعد زيارته إلى قريته كل أسبوعٍ أو عشرة أيام، حيث يقول: “خَفضتُ عدد مرات الاستحمام من ثلاث مراتٍ أسبوعياً إلى ثلاث أو أربع مراتٍ شهرياً، في انتظار زيارتي لعائلتي التي يُمكنها تسخين الماء في القرية على نار الحطب، فيما تغسل أمي وأختي ثيابي المتسخة، التي أحملها معي، بشكل يدوي في حال تَعذُّر عمل الغسالة”.
قهوة من عربة البائع الجوال
“في الصباح الباكر وقبل ذهابنا إلى الجامعة نمرّ بعربة بائع المشروبات الساخنة، لنشتري قهوتنا الصباحية ونشربها على مصطبةٍ قرب الرصيف في ظروف البرد. لا نملك أي مصدرٍ للنار في بيتنا ما يضطرنا أحياناً إلى الاستعانة بالجيران لتحضير ركوة القهوة أو إبريق الشاي، وكثيراً ما نهرب من بيتنا إلى بيوت بعض الأصدقاء والأقارب لكي نشرب مشروباً ساخناً أو نتناول طعاماً مطبوخاً”. هكذا يلخص الطالب الجامعي عمران (24 عام) معاناتة اليومية التي يعيشها مع صديقه في ظل غياب أزمة الغاز التي حرمت الكثير من الناس من طهو طعامهم أو حتى تحضير مشروبٍ ساخن، حيث باتت العائلات تنتظر نحو 100 يومٍ لتستلم مخصصاتها من مادة الغاز (أسطوانة سعة 8 كيلو) الموزَّع عبر “البطاقة الذكية”، فيما لا يحصل الكثيرون على أية مخصصات، ما يضطر بعض ميسوري الحال للجوء إلى السوق السوداء حيث تباع الأسطوانة بأكثر من 200 ألف ليرة، فيما يلجأ البعض لاستخدام ببور الكاز أو الببور الصغير، الأشبه بالفانوس، والذي يعمل بواسطة الكحول الأزرق، لكن ذلك الأمر يُعتبر مكلفاً أيضاً، إذ يصل سعر ليتر المادتين إلى نحو عشرة آلاف ليرة.
وفي ظاهرة غريبة على الشوارع، نشطت في الآونة الآخيرة مهنة تعبئة البوتوغازات الصغيرة عبر عرباتٍ جوالة أو بسطات. ويحدثنا الرجل الستيني أبو شادي- الذي يَجرُّ عربة، في شوارع مدينة جرمانا، تَحملُ أسطوانتي غاز وميزان- عن طبيعة مهنته: “في ظل أزمة الغاز الخانقة يلجأ الناس إلينا لتعبئة البوتوغازات الصغيرة المحمولة (التي كانت تستخدم سابقاً للرحلات والسيرانات) حيث نضعها على الميزان خلال تعبئتها من الأسطوانة لنقوم بتسعيرها بحسب الكمية المعبأة، إذ يُباع سعر كيلو الغاز بعشرين ألف ليرة”. ويضيف: “ونتيجة تردي الوضع المعيشي عند بعض الناس لا يسعهم سوى شراء كيلو أو نصف كيلو غرام من الغاز وأحياناً أقل من ذلك، فمثلاً، قد يطلب أحدهم تعبئة كمية غاز بقيمة سبعة آلاف ليرة فقط”.
طرق جديدة للرفاهية
على طريق مطار دمشق وفي بقعة ترابية، تجلس أم محمود بصحبة أولادها الثلاثة وجارتيها. يفترشون التراب ويثرثرون وكأنهم بذلك يحاولون محاكاة طقس السيران الذي غاب عن حياة معظم السوريين. لا شيء يُسَلي جلستهم سوى بعض الموالح الرخيصة وإبريق شاي تم تحضيره على نار الأخشاب والكراتين التي جُمعت من أرجاء المكان. هذه الجلسة تُعدُّ رفاهية كبيرة بالنسبة لأم محمود ومن معها، حيث تقول: “هذا المكان هو المتنفس الوحيد بالنسبة إلينا، نهرب إليه من بيوتنا الباردة لنحظى بدفء أشعة الشمس الذي لم نُحرم منه حتى الآن. لم يعد هناك أية أماكن يمكن زيارتها بما فيها الحدائق والبساتين والمقاهي، فالأمر بات يحتاج إلى أموالٍ طائلة”. ترتشف شايها البارد وتذكر ماضيها: “فيما مضى كنا نخرج بصحبة الأقارب والجيران إلى البساتين لنفرد أمامنا عشرات الأطعمة من المشاوي والكبب،الطبخات المنزلية المتنوعة، والسلطات والعصائر والفاكهة وغير ذلك، في أجواء من الفرح والمحبة، أما اليوم فنحن عاجزون حتى عن شراء الفاكهة أو مستلزمات الأركيلة وعن تحضير أبسط أنواع الحلويات المنزلية”.
حالة مشابهة يعيشها أبو عمر (58عام) الذي لا يمتلك سوى رفاهية زيارة الحديقة بعد انتهاء عمله في ورشات البناء، حيث يشتري كأس شاي من عربة بائع المشروبات ويجلس على إحدى المقاعد محدقاً بالمارة وهو يدخن ويرتشف شايه. وعن سبب ممارسته لهذا الطقس شبه اليومي يقول: “بت عاجزاً عن دخول المقهى ولعب طاولة الزهر بصحبة أصدقائي فيما أصبحت لقاءاتنا في البيوت صعبة للغاية إذ نخجل من عجزنا عن توفير الدفء وتقديم واجب الضيافة”. يطلق تنهيدة ثم يضيف: ” كل يوم نصحو على أسعارٍ جديدة، وكل حينٍ يُذكرنا صاحب المنزل بضرورة زيادة الإيجار. صرنا نجبر أطفالنا على الاكتفاء بوجبتي طعامٍ في اليوم، نؤِّخر موعد الغداء حتى المساء لكي نستغني عن وجبة العشاء”.
وليست الرفاهية داخل المنزل أفضل حالاً من خارجه، إذ بات الجلوس بداخله يشبه “العقوبة” بحسب ياسمين (27 عام/ خريجة كلية الفنون الجميلة) التي تصف واقع حالها: “نحن محرومون من مشاهدة التلفاز، محرومون من الدراسة والمطالعة، نلتحف البطانيات طوال الوقت، وإذا ما فكرت في مشاهدة فيلمٍ ما على شاشة اللابتوب سينفذ شحن بطاريته في منتصف الفيلم أو حتى بدايته، وإذا ما حاولت التواصل مع أصدقائي في الخارج أو تصفح اليويوب ستنقطع خدمة الإنترنت في أي لحظة أو تغيب شبكة الاتصال أو ينفذ شحن بطارية هاتفي المحمول الذي أضطر في كثيرٍ من الأحيان للذهاب إلى بيوت الجيران أو الأصدقاء لأتمكن من شحنه”.
وفي ظل هذا الواقع لا تمتلك ياسمين وأخوتها سوى رفاهية لعب ورق الشدة وطاولة الزهر وبعض ألعاب الطفولة، رغم أنها ترى في ذلك الأمر مضيعة للوقت.
ونتيجة غرق معظم البيوت في العتمة الدامسة وصعوبة شحن بطاريات الإنارة البديلة وارتفاع أسعار الشموع، لجأ كثير من الناس، كحال عائلة ياسمين، لاستخدام الفوانيس القديمة (الأنتيكا) التي كانت تعمل بواسطة الكاز، عبر تشغيلها بما توفر من مواد كالكيروسين أو الكحول أو الزيت.
قبل أيام كنت أسير في الشارع المحاذي لقلعة دمشق والحديقة البيئية، أحرك قدميَّ بتباطؤ وأنا بالكاد أبصر تفاصيل المكان في ظل غياب أي مصدر للضوء. ولأن هاتفي المحمول قد نفذ شحن بطاريته فتعذَّر الاستعانة بضوء مصباحه، استعنت بضوء القداحة لكي أُضيءَ الطريق أمامي وأنا أتساءل: كيف لأقدم عاصمةٍ مأهولةٍ أن تجتاحها كل هذه الوحشة وكل هذا الظلام؟.
*تنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا حول “إرادة المقاومة اليومية في سوريا لدى المواطنين العاديين“
by سلوى زكزك | Mar 21, 2023 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports
تغيرت الصورة، يبدو المشهد العام مشوشاً، والأمهات يقفن على أعتاب القهر بصمت شديد، باتت الأمومة مخلباً يجرح القلوب ويوقظ ذاكرة القلب الموجوع بالغياب، فينساب التعب ملوثاً بشوق عصي على الاستجابة.
طالما كان عيد الأم مناسبة لهدية مميزة، ضخمة وغالية الثمن، ولطالما سعى الأبناء والبنات وبمشاركة الزوج أحياناً لشراء هدية جماعية وإن سعى البعض لشراء الذهب حسب مقدرتهم. لكن الغالبية توافقت فيما يشبه العرف على شراء هدية منزلية مثل طقم من القدور أو غسالة أو مجموعة كبيرة من الصحون وأدوات المطبخ.
تلعب الصورة النمطية لأدوار النساء الاجتماعية دوراً بالغاً في تضمين عيد الأم لمعنى وشكل الهدية، هي هدية تبعية متضمنة حكماً للقالب الاجتماعي التوصيفي لمهام النساء، كالطبخ والتموين وإعداد الولائم في المناسبات العائلية والغسيل وسواه من أدوار الرعاية المنزلية. المؤسف أن الهدايا رحلت مع البيوت وبقي الدور الوظيفي للنساء كما هو بفارق بسيط لكنه مؤلم وهو تشتت شمل العائلة. رحلت البيوت بهداياها وما ابتلعته الحرب أكمل عليه الزلزال، وما تبقى من البشر بعد قضم الحجر ابتلعته الهجرات.
تحتفل الأمهات اليوم بأعيادهن على شاشات الهواتف الجوالة، يستقبلن أحفادهن الذين ولدوا بعيداً جداً وخارج أسوار البلد العصي على استقبالهم على شاشات الهواتف الجوالة أيضاً. أعراس الأبناء والبنات، نجاحاتهم واحتفالات تخرجهم، رحلاتهم، مواعديهم العاطفية، وحتى لقاءات الأخوة والأخوات ببعضهم في بلدانهم الجديدة المختلفة تتابعها الأمهات عبر الشاشات الموصوفة بالذكاء والغارقة في الهجران والقسوة والاغتراب.
يتعامل الأبناء مع المستجدات اليومية بعين حذرة، يعرفون كل ما يحدث في بلدهم، أخطاء طبية بالجملة، فقدان الدواء، عجز الأمهات الجلي والواضح عن تأمين احتياجاتهن اليومية بسبب الغلاء أولاً وبسبب تردي أنواع الخدمات المقدمة وغياب أهمها كالكهرباء والماء والمواصلات.
قررت سمر أنها ستهدي أمها في يوم عيدها دعوة إلى الغداء تجتمع فيه مع شقيقاتها. يعتقد الأبناء والبنات أن تلك الدعوة هي هدية مميزة وغير تقليدية وتسعد الأمهات، لكن الأمهات لا يفكرن بالدعوات ولا يرغبن بها، يردن لقاء حقيقياً، احتضاناً شغوفاً واقعياً يمتزج فيه الجسد بالجسد وتحدق العيون بالعيون وتسمع الآذان صوت الأنفاس وصدى العواطف، باتت جملة: (المهم أنتم بخير) كذبة كبيرة ملت الأمهات من ترديدها وملّ الأبناء والبنات من سماعها.
بالأمس حصلت مرام على قسيمة تموينية بقيمة مائتي ألف ليرة كهدية مسبقة لعيد الأم من شقيقها المقيم في ألمانيا، لم تفرح بها لأنها لا تغني عن جوع تعانيه مرام مع طفلها الوحيد، تسكن في منطقة بعيدة جداً عن مركز المدينة، والمواصلات متقطعة، ما اضطرها لمغادرة بيتها في الثامنة صباحاً لتتمكن من الوصول والعودة قبل العتمة وقبل توقف المواصلات بسبب البعد وشح المازوت، اصطحبت معها طفلها، وفي مركز استلام مواد القسيمة، أعلنت لطفلها أنه حر في اختيار كل ما يشتهيه، تركت له حرية اختيار المواد التي تغطيها القسيمة، وكأنها تمنحه تعويضاً عن قسوة الحياة والحرمان الذي يعيشه. حدثٌ سيقول الجميع بأنه خاطئ ومفرط في عاطفيته وسذاجته، لكنه محاولة بائسة لإسعاد طفل محروم من الأب ومن السند العائلي ومن الأساسيات الضرورية للعيش ولتنشئة طفل ضئيل الحجم وبلا مدرسة أو رعاية وفاقد للاحتياجات الأساسية.
ثمة عنف جديد يحاصر الأمهات، في مراكز الإيواء التي ضمت الأمهات وأطفالهن الهاربين من الزلزال بعد فقدان المنازل أو تصدعها، تحولت الأمهات إلى مشاجب تحمل أخطاء أبنائها في بيئة محصورة وضيقة وخانقة. تم تأطير النساء هنا وخاصة الأمهات بأطر تقييمية قاسية يفرضها الأقوى والمتحكم بالمكان. ارتبطت كل الأخطاء بالأمهات حكماً، من بكى ابنها فهو طفل لم تضبط أمه مشاعره ولم تقوّم سلوكه كما ينبغي كي تحوز على رضى المجتمع، ومن بكت من الأمهات وصفت بأنها امرأة عاطفية وضعيفة وهشة وغير جديرة بأن تكون أماً مسؤولة عن حماية وتربية أبنائها وبناتها. ومن سرق طفلها قطعة من البسكويت أو تفاحة أو ضرب طفلاً آخر وصفت الأم بأنها هي من علمته أو دفعته للسرقة أو للاعتداء على طفل آخر.
ثمة واقع جديد تفرضه تفاصيل العيش غير الآدمية التي يعيشها الأبناء والأمهات معاً. في الحافلة الصغيرة تجلس أم وابنتها التي ولدت طفلاً مريضاً ويخضع الآن للعلاج في المنفسة، بدلاً من تهدئة الابنة تعبر الوالدة عن فرحتها بأنهم وجدوا جمعية تتبنى علاج الطفل لعجزهم عن علاجه. تقول الأم لابنتها: “الحفاضات من نوع ليبرو، وهي الحفاضات الأغلى ثمناً بين أنواع الحفاضات لجودتها.” في بلد تلجأ فيه الأمهات إلى استعمال الحفاضات التي تباع فرطاً وبالقطعة ومن النخب الثالث وربما الخامس وهي غير معقمة أصلاً والمطاط المحيط بها قاس ويسبب الحساسية لبشرة الأطفال الرقيقة.
تُعبر البنت عن قلقها بدموع محبوسة، لكن الأم تمنعها من البكاء بذريعة أن ذلك يوازي التشكيك بعدم نجاة الطفل، هكذا إذن تحرم الأمهات حتى من التعبير عن القلق على أطفالهن بغطاء من قيم تقليدية تشكك بالدعاء أو بالإرادة الغيبية المهيمنة.
والأمهات الوحيدات كيف يحتفين بيومهن؟ باتت كل الاحتفالات مكروهة، مناسبة لتذكر ماض لم يكن وردياً لكنه أفضل من أحوالهن اليوم. واقع بلا أي ضمان ولا أمل أو ثقة بأنهن سيبقين محميات أو سالمات أو أنهن سيمتن بحضور الأبناء والبنات والأحبة. تعبر أمل صراحة عن سعادتها الغامرة بسفر أولادها، تغص بدموع الشوق، لكنها تتابع قائلة: “أنا عاجزة حتى عن إعداد قالب كاتو منزلي، لا غاز ولا كهرباء ولا قدرة مادية على شراء مكوناته، سأحتفل بنفسي وحيدة كي أضمن بقائي متمكنة من شراء حاجاتي الأساسية.” وتضيف: “العيد مجرد ذكرى ومشاعر داخلية عليها ألا تهدر مقتنياتي الشحيحة.”
تغدو الأمومة بحد ذاتها إطاراً قاسياً ومجهداً للنساء، يُفرض على البعض ولادات جديدة رغم أن لهن عدداً كافياً من الأبناء أو البنات، وتحرم أخريات منه لأنهن زوجات لرجال متزوجين، تزوجن وقبلن زواجاً عرفياً أو سرياً طلباً للمأوى أو للدخل وربما فقط للحماية من استبداد أفراد العائلة والأقارب أو من المتحرشين والمستغلين والمتحكمين بالموارد وحتى بلقمة الطعام.
يتحول الأبناء فجأة إلى حوامل للضغط على الأمهات والنساء، تضطر النساء وخاصة الأمهات لاستنزاف طاقتهن وعواطفهن وقدراتهن الجسدية والنفسية لحماية الأبناء والبنات. تصير الأمومة مصدراً للقهر والخوف والتعب، تغدو الأمومة كما الحياة عملاً شاقاً في إطار عام غير إنساني وعنيف ينحدر بسرعة نحو الدرك الأسفل، درك مضيع للحقوق وهادر لمقومات العيش اللائق بالأمهات وبالأبناء وبالجميع. تتحول الاحتفالات مهما تغيرت لتلبية الاحتياجات الكبيرة والمتجددة، إلى مناسبات للبكاء وتأكيد الفقدان وتثبيت العجز، عجز شامل ومتمكن وهادر للقوة ولأمل.
by الحسناء عدرا | Mar 19, 2023 | Cost of War - EN, بالعربية, All Reports, Articles - EN
لا يقتصر مقياس “ريختر” العددي الذي طوره تشارلز فرانسيس ريختر على قياس شدة الزلازل ومدى خطورتها على تدمير الأبنية السكنية وحصد الأرواح البشرية والتسبب بالإصابات الجسدية، بل أيضاً يشير إلى التهديدات الصحية التي تتفاوت باختلاف حجم الزلزال والتي غالباً ما ينكشف ظهورها خلال 72 ساعة منذ لحظة حصوله.
أشارت منظمة الصحة العالمية في تحذير سابق إلى أن عدد الذين تضرروا من الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا قد يبلغ 23 مليوناً، بينهم نحو 5 ملايين في وضع هش. في الوقت الذي عبرت منظمات إنسانية عن مخاوفها من انتشار وباء الكوليرا الذي ظهر مجدداً في سوريا، ناهيك عن امتداد الآثار الصحية فورية والطويلة الأمد الناجمة عن الزلزال. ما هو الوضع الصحي للمناطق المنكوبة جراء الزلزال الذي ضرب مدن حلب واللاذقية وجبلة وإدلب، كيف يتم احتواء الأزمة الصحية الطارئة ومواجهتها، لاسيما بعد اثنتي عشرة سنة من الحرب.
ترتفع أسهم الأمراض والأوبئة بعد الكوارث الطبيعية مباشرة، نتيجة الاكتظاظ والاختلاط الشديدين غير المشهودين في الظروف العادية، إذ تصدرت الأمراض الجلدية قائمة الأمراض الأكثر انتشاراً عقب وقوع الزلزال. الناشط الإغاثي ومدير الفريق الطبي السوري الدكتور قاسم عواد يشرح لـ”صالون سوريا” أوضاع الواقع الصحي ضمن الاستجابة الطبية الطارئة: “التحول من نقطة تجمع منزلي بعدد أفراد محدد و نمط حياة معين إلى نقطة تجمع جماعي مفاجئ غير مألوف، يعني أرض خصبة لانتشار الأمراض المختلفة بوتيرة عالية، خاصة مع غياب مراكز إيواء خاصة بإدارة الكوارث الطبيعية، لاسيما أن الزلزال الذي حصل هو حدث كارثي جديد على السوريين لم نختبره من قبل.” ويضيف الدكتور عواد: “استخدام المراحيض المشتركة وغياب النظافة الشخصية والاختلاط الشديد أدى إلى ظهور الحكة والالتهابات الجلدية واحمرار الجلد والقمل والجرب والفطريات والحصبة والأكزيما نتيجة قلة المياه ومستلزمات التعقيم والتنظيف”.
مخاوف من تربص الكوليرا في حلب
تشكل عودة وباء “الكوليرا” أحد أبرز المخاوف والتهديدات الصحية الخطيرة في مدينة حلب المنكوبة، في ظل غياب مصادر المياه الآمنة. ويشرح الدكتور عواد خطورة الوضع: “باعتبار أن مدينة حلب تعرضت مؤخراً لوباء كوليرا فهذا يعني ارتفاع فرصة عودة الوباء إليها، وذلك بسبب تعدد مصادر المياه غير صالحة للشرب وغياب الصرف الصحي الفردي، كما أن وجود حالة إصابة واحدة في مركز التجمع يزيد من نسبة العدوى الجماعية وذلك لاستخدام الجميع مراحيض موحدة وزجاجات مياه واحدة.” ويؤكد الدكتور عواد أن “الفرق الطبية الجوالة تتابع الحالات منذ اللحظات الأولى لوقوع الزلزال، آخذين على عاتقهم مهمة العلاج والمتابعة الطبية بما يساعد على تخفيف حدة حدوث أوبئة مهددة للحياة والحد من خطورتها”.
لا ينكر الدكتور عواد تعرض الطاقم الطبي ضمن الاستجابة الطارئة لضغوطات هائلة، وذلك بسبب إصابة أعداد بشرية كبيرة في آن واحد، واصفاً الوضع بأنه: “صعب لكن تحت السيطرة لغاية الآن ريثما عودة المنكوبين إلى وحدات سكنية وممارسة حياتهم الطبيعية والعيش بظروف صحية”.
الأولوية الطبية وبطء وصول الأدوية
ترتيب الأولويات الطبية كان في أعلى سلم الفرق الطبية ضمن الاستجابة الطارئة، مثل المصابين الذين يندرجون ضمن الحالات الساخنة التي تم نقلها إلى المستشفيات لتقديم العلاج الطبي الطارئ لهم، يليها فوراً مرضى السكري والضغط والقلب.
إلا أن الدكتور عواد يشير إلى وجود بطء في وصول الأدوية والمعدات ناجم عن الخضوع لبروتوكول معين لتقديم الخدمة الطبية يجب أخذه في الحسبان، لافتاً النظر إلى أن الأطفال وكبار السن هما الشريحتان الأكثر تضرراً وهشاشة جراء الكوارث نتيجة عدم قدرتهم على تحمل الظروف غير الصحية، إضافة إلى ذوي الخدمات الطبية الخاصة كأصحاب الإعاقة والأمراض المزمنة كالسرطان.
أخذت الأمراض الهضمية حيزاً كبيراً من ناحية التهديدات الصحية على منكوبي الزلزال، حيث يُشير عواد إلى وقوع حالات تسمم في أحد المطابخ المشتركة التي كانت تستوعب قرابة 6000 متضرر. ويشرح الوضع: “حدوث حالات تسمم أمر محتمل جداً، لكنه مسيطر عليه ولا يشكل خطر الموت ويحتاج إلى خطة علاج معروفة لا تدعو للخوف الشديد”.
الوضع الصحي والإنتانات تنفسية
طبيعة الإصابات هي التي تحدد طريقة الاستجابة الطارئة والتعامل الطبي، وفقاً للدكتور عواد. فالحروق والكسور ومتلازمة هرس الأطراف نتيجة سقوط المباني والبقاء تحت الأنقاض لفترات طويلة هي أبرز مظاهر المشاهدة الأولية لكارثة الزلزال، بينما في الحروب فتكون إصابات ناجمة عن طلق ناري وجروح جراء سقوط القذائف، وكثيراً ما تكون الكوادر الطبية متأهبة على خلاف الزلزال الذي يكون مفاجئاً.
وأشار طبيب مختص بالأمراض الصدرية فضل عدم الكشف عن اسمه إلى أن: “تأثر شريحة من المتضررين بأمراض تنفسية وحالات عديدة بالرشح والزكام وكورونا نتيجة هطول الأمطار الغزيرة والبرد القارس الذي لازم وقت حصول الزلزال، إضافة إلى عدم توفر مستلزمات التدفئة ساهم على نحو كبير بتردي الوضع الصحي للمنكوبين المتواجدين في مراكز الإيواء.” ويضيف طبيب الأمراض الصدرية أن “الأمراض التنفسية تنتشر، خصوصاً في ظل الاكتظاظ في الخيام ومراكز الإيواء، كذلك الدمار الهائل جراء سقوط الأبنية والمنازل وما تسببه من غبار كثيف، فالهواء الملوث يسبب الفطور والحساسية والأمراض التنفسية، لاسيما لمرضى الربو الذين يتفاقم سوء وضعهم الصحي”.
اضطراب ما بعد الصدمة
يترتب على الكوارث الطبيعية آثار نفسية متباينة لا يمكن تجاهلها كفرط التيقظ والعدائية والجمود والعصبية وسهولة الاستفزاز وفقدان الشعور بالطمأنينة والعجز عن العودة لممارسة الحياة الطبيعية، إلى جانب نوبات الهلع واضطرابات النوم التي ترافق المريض لأيام وأسابيع. ويصف الطبيب النفسي جميل ركاب أعراض اضطراب ما بعد الصدمة “بأنها ردود أفعال طبيعية لحدث غير طبيعي” وهو ما يقدم ضمن الإسعاف النفسي الأولي بعد حصول الزلزال، كما يشير إلى اضطراب الشدة ما بعد الصدمة Post-traumatic stress disorder المعروف بـ PTSD والذي يحدث عقب شهر من وقوع كارثة إنسانية وهو اضطراب القلق المرهق الذي يحدث بعد التعرض لحدث صادم أو مشاهدته، حيث يعاني الأشخاص الذين لديهم اضطراب ما بعد الصدمة من إحساس قوي بالخطر، ما يجعلهم يشعرون بالتوتر أو الخوف، حتى في الحالات الآمنة.