تدريباتنا

قانون رعاية الأطفال مجهولي النّسب والاستثمار في أزمات السوريين

by | Apr 10, 2023

منذ ثلاث سنوات، والحديث عن “مجهولي النّسب” في سوريا، يزداد صعوداً لدى “الإعلام الرسمي” في سوريا، ولعلّ آخر ما حُرّر في ذلك كان ضرباً من المبالغة؛ تفوّهت به امرأة من الحاضرين على شاشة التلفزيون السوريّ ضمن برنامج مباشر من “حلب بعد الحرب”. أكدت تلك المرأة، عدّة مرات أثناء حديثها أن “هناك خمسة وعشرين ألف طفلٍ من مجهولي النّسب؛ من أبناء المسلّحين في حلب وحدها، كان قد تركهم المقاتلون الأجانب!” (…) وهنا لم يكن لدى مذيعة البرنامج “أليسار معلّا” أيّة شهية للشكّ في كلام المرأة؛ ولا حتّى السؤال عن مصدر معلومتها، ربما المقصدُ هو التّرويج لظاهرةٍ تريدها حكومة النظام على لسان أحد “المواطنين” مباشرة. 

مؤخراً، صدر يوم 14 كانون الثاني – يناير عام 2023.م، المرسوم التشريعي رقم (2) لعام 2023 المتضمّن “رعاية الأطفال مجهولي النّسب”، حسب ما نشرت وكالة الأنباء السوريّة الرسميّة التابعة للنظام. 

وتثير الشكّ هذه العناية المُفاجئة للأطفال “الأيتام”، في الوقت الذي تعاني آلاف الأُسر السوريّة المُهجّرة على حدود البلاد من كلّ الجهات، ظروفاً معيشيّة سيّئة بمن فيهم الأطفال. 

تُرى كيف وجِدت تلك الأعداد من الأطفال عديمي الأوراق الثبوتيّة، حسب ما يصدرها “الإعلام الرسميّ”؟ هناك اعتقادٌ سائدٌ أنّ السّجلات المدنيّة الورقيّة لمئات السّوريين قد اختفت جراء المعارك في مناطق عديدة من سورية، ورافق ذلك موجات تغيير ديموغرافيّ أعقبت اجتياح الجيش النظاميّ للمناطق ذات الأغلبيّة المعارضة، وبالتالي ضياع ملفات لعائلات بأكملها من السجلات المدنيّة أو اختفاؤها في الوقت الذي لم تستطع أيّة جهة محايدة عن سلطة النظام، أن تبحث وتحقق في الأمر.

ومع الأخذ بعين الاعتبار أسباباً أخرى لظهور “مجهولي النّسب” في المجتمع السوريّ؛ مثل الظروف المعيشيّة التي تدفع بعض الأسر إلى ترك أطفالها قرب دور الأيتام وتخليها عنهم، أو هؤلاء الأطفال الذين فقدوا آباءهم خلال الحرب في سورية ولم يعد لديهم أي معيل. 

إضافة إلى ذلك، ذكر تقرير نشرته جريدة الوطن شبه الرسمية بدمشق في 13مارس -آذار عام 2018.م، أن “عدد مجهولي النسب خلال الأزمة المسجلين بلغ نحو (300) طفل، وأن عدلية دمشق تستقبل حالة كل شهرين، وأن السجل المدنيّ يختار اسمه ووالديه”. وكانت وزارة الداخليّة التابعة لحكومة النظام قد نشرت مؤخراً خبراً مع صورة لطفل قالت إنه “وُجد قرب أحد مداخل الأبنية في منطقة داريا” حسب ما جاء في صفحتها في فيس بوك، ويمكننا أن نستنتج أن المسألة غير قابلة للضبط والملاحقة الجادة من قبل السلطات.

وفي هذه الظروف التي تنمو ضمنها ظاهرة “مجهولي النّسب” في سورية، كيف يمكن ضمان مستقبل هؤلاء الأطفال من عدم تحوّلهم إلى سلعة بيد مؤسسات النظام؟ 

توجهنا بهذا السؤال إلى المحامي السوريّ “عادل الهادي” حيث قال لموقع صالون سوريا: “لا يشكّل المرسوم رقم (2) لعام 2023 أيّة ضمانة من أيّ نوع كان؛ ألاّ يُستخدم الأطفال مجهولي النّسب كمرتزقة بعد تدريبهم عسكريّاً على عقيدة من نوع ما، ولصالح جهة ما، باعتبار المؤسسة التي أشار إليها المرسوم مطلقة الصلاحية بطريقة رعايتها للأطفال، كما أن الفقرة /هـ/ من المادة الخامسة منه تضمنت أن يتم توفير التدريب والتأهيل المهنيّ اللازم للأطفال والمتوافق مع ميوله وإمكاناته. وهي بالتالي لم تستبعد الميول العسكريّة كما أن الإدارة نفسها هي التي تقرر الميول والإمكانات للطفل”.

وبخصوص ما إذا كان لهؤلاء الأطفال فرصة في المستقبل ليكونوا أحرار العقيدة والأفكار، يؤكد “الهادي” الذي يختص بالتحليل القانونيّ: “أن ذلك غير ممكن، لأن هذا المرسوم فرض عليهم في المادة (21) منه أن يكونوا من القومية العربيّة في سوريا، كما فرض عليهم في المادة (22) منه أن يكونوا من الدين الإسلاميّ، حصراً، ولم يحدّد المذهب هل هو سنيّ أم شيعيّ أم علويّ أم غير ذلك، لأن المرسوم لم يشر إلى ذلك”.

ويعتقد “الهادي” أن المرسوم مخالف للدستور وحق المواطنة وهو يشجع على التطرف الدينيّ والعنصريّة ضد الأديان الأخرى، حسب وصفه، ويعلّل ذلك في حديثه لموقع صالون سوريا قائلاً: “لقد حرم هذا المرسوم فئة كبيرة من الشعب السوريّ من حق العناية بأي طفل مجهول النّسب، حيث اشترط في المادة (34) منه أن تكون العائلة التي تطلب إلحاق الطفل مجهول النّسب بها لتقوم على رعايته؛ أن يكون الزوجان متحدين في الدين مع الطفل مجهول النّسب، وبما أن دين الطفل مجهول النّسب هو الإسلام، حكماً، وفق أحكام المادة (22) المذكورة سابقاً، فإنّه لا يستطيع أي زوجين من الدين المسيحي-مثلاً- أن يطلبا رعاية طفل مجهول النّسب ما يعتبر مخالفاً للدستور من جهة حقوق المواطنة وحقوق الإنسان، واعتداء -أصلاً- على حقّ الطفل في اختيار معتقده الدينيّ بعد بلوغه سنّ الرشد”.

واعتبرت منظمات حقوقيّة أن هذا المرسوم جاء على صيغة جمّعت بعض المواد والنصوص القانونيّة في سوريا والتي “تنظّم قضية الأطفال مجهولي النّسب” من أبرز هذه القوانين: المرسوم رقم (107) لعام 1970 الخاص بـ”اللقطاء” و المرسوم رقم (26) لعام 2007 “قانون الأحوال المدنية”، الذي نظم في بعض مواده الإجراءات المتعلقة بالعثور على اللقيط وتسجيله (المادة 29). 

كما اقتبس مرسوم “مجهولي النسب” لعام 2023 من مراسيم سابقة منها تعديلات قانون الأحوال المدنية بخصوص “اللقيط”، والصادرة بالمرسوم رقم (69) لعام 2012، والذي أجاز منح “اللقيط” الذي تجاوز الثامنة عشر من عمره “كُنية” أو “نسب” الأسرة الحاضنة. وأخيراً، التزم المرسوم الجديد بما نصّ عليه المرسوم (70) لعام 2012، “الخاص بإجراء تعديلات على قانون الأحوال المدنية”، والذي نص على وجوب استبدال كلمة “لقيط” لتصبح “مجهول النّسب”.

ويرى مراقبون أن هذا المرسوم لا يحمل أي جديد باستثناء مستقبله كفرصة لتجنيد المزيد من الموارد البشريّة لخدمة جيش النظام، إضافة إلى تكريس مساعيه لتعويم حضوره دوليّاً عن طريق تلميع صورته في قضايا إنسانية أُدين بها دولياً مثل حقوق الإنسان. 

والمراقب لحال رعاية الأطفال سيكتشف من بعض الفيديوهات عن الاجتماعات الصباحيّة في المدارس الابتدائية، كيف أن الهيئات التربويّة في سوريا، تعمل دون كلل أو ملل على تشويه مخيّلات الأطفال، وتحويل مسارها إلى ما يريده المُستقبل العسكريّ للمجتمع “البعثيّ”. 

في الأحياء الفقيرة -وما أكثرها في دمشق- تدفع مجموعة من الأطفال؛ وقتاً وجهداً، حتى يلوّنوا صورة كبيرة لبشار الأسد؛ في بيوتهم التي لا ترى الكهرباء إلا بضع دقائق في اليوم، يحاولون التفنّنّ بأصابعهم الصغيرة المُرتجفة من رطوبة الأحياء العشوائيّة، وتفهم المدرسة (يمكن قراءتها شعبة أمن الأطفال) أن ذلك هو عملٌ كبيرٌ وأهمّ من فهم حصص الرّياضيات والكيمياء والفيزياء وعلم الأحياء واللّغات الأجنبيّة! أجل؛ هذا بالضبط ما تقوم به أغلب المدارس التي تستعد صباحاً لترديد الشّعارات البعثيّة مع الإدراك المدروس لضمان السّيطرة الذهنية على الأطفال القطعان الذين قد لا يختلفون كثيراً عن إخوتهم من “مجهولي النّسب”!

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا