by محمد صارم | Jun 23, 2025 | العربية, بالعربية, Articles - EN
سرديات المذكرات السياسية
ليست سردية نائب الرئيس فاروق الشرع السياسية هي السردية الأولى لرجالات النظام البائد، فقد سبقتها السردية المتلفزة لسلفه، النائب الرئاسي السابق عبد الحليم خدام، وكذلك السردية المكتوبة منها، والتي بدأت الصحافة العربية تنشر أجزاءً منها الآن، قبل صدورها المتوقع عن دار “دوف”. كما سبقتها سرديات أخرى كتبها رجال من أركان السلطة وأعمدتها عن حياتهم، من أمثال مصطفى طلاس الذي شغل منصب وزير الدفاع لأكثر من ثلاثين عاماً في حكومات الأب والابن، وأصدر كتابه المعروف باسم “مرآة حياتي”، الذي توزع على عشرة أجزاء، وقد خلت تلك السردية من أية قيمة تاريخية، كما خلت من أية إضافة مهمة للذاكرة السورية. ويتشابه الحال مع سردية عبد الله الأحمر، الأمين العام المساعد لحزب البعث (لمدة 36 عاماً)، المسماة بـ”خواطر وذكريات في سيرتي الذاتية”، المنشورة عام 1998، والتي تم توزيعها على نطاق ضيق.
تتقاطع جميع هذه المذكرات السياسية، بغض النظر عن القيمة التوثيقية في بعض فقراتها، عند طهرانية أصحابها العالية، فلا زلات في سيرهم، ولا نقائص لهم، فهم أنقياء من “جنس الملائكة”، لم تأخذهم السلطة إلى غواية الفساد، ولم يرتكبوا أخطاء سياسية، سواء على صعيد سلوكهم الفردي أو في إطار توجهاتهم السياسية. وفي هذا الحال، لا يبدو أن ندماً من نوع ما يتسلل إلى دواخلهم بشأن الماضي الذي كانوا جزءاً منه وساهموا في صناعته.
وهكذا، تنتفي الحاجة إلى مراجعة الذات، إذ إن المراجعة تستلزم الإقرار بوجود خلل أو سوء تقدير، أو حتى اعتلال في بنية النظام ذاته. وينطبق هذا الغياب على أولئك الذين اضطروا، مكرهين، إلى مفارقة النظام في لحظات حرجة، كعبد الحليم خدام الذي أُقصي عن السلطة عام 2005 لأسباب تتعلق بانتفاء الحاجة إليه ضمن ترتيبات بشار الأسد لسلطته الداخلية، أو كفاروق الشرع الذي تباين مع النظام عام 2011 لأسباب تتعلق بطريقة معالجة النظام للاحتجاجات الشعبية. وفي كلتا الحالتين، لم يتطرق صاحبا السيرتين إلى أحداث تدل على أي انتقاد بنيوي لطبيعة النظام، واكتفيا بتحديد الإشكالية في شخصية الرئيس، بعيداً عن جوهر النظام الذي شكّلا جزءاً منه.
فعلى سبيل المثال، اكتفى فاروق الشرع في الجزء الأول من مذكراته المعنونة بـ”الرواية المفقودة”، على أهميتها للباحثين المختصين، والمنشورة عام 2015، والتي غطت ذكرياته حتى عام 2000، بالتركيز على تفاصيل المفاوضات السورية الإسرائيلية المرتبطة بالسلام واستعادة الجولان. كما اكتفى في الجزء الثاني، الذي صدر عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في إبريل/ نيسان الفائت، بتغيير نظرته إلى بشار الأسد، باعتباره شخصاً سيكوباتياً ومتوحشاً أكثر من المغول، في حين كان قد رحّب في الجزء الأول بارتقاء بشار إلى الرئاسة، ولو ضمن إجراءات التوريث.
وللأسباب ذاتها التي جعلت من المذكرات السياسية في “عهد البعث” أشبه بمبانٍ من رمال مشادة على سطوح متحركة، لا يمكن الركون إليها ولا البناء عليها، فإن ثيمة أخرى لازمت تلك المذكرات وامتصت منها القيمة التوثيقية الجادة، وجعلتها خالية من رصيد إضافي للسردية السياسية، وهي الانتقائية في ذكر الأحداث. فعلى سبيل المثال، لا يمكن فهم إغفال فاروق الشرع لواقعة شديدة الأهمية في تاريخ سورية، وهي (مقتل أو انتحار) رئيس الوزراء الأسبق محمود الزعبي، الذي حدث قبل وفاة حافظ الأسد بشهر واحد، وهو حدث تأسيسي في فهم سيرورة النظام وسردية التوريث.
وفي واقع الأمر، فإن طوقاً من السرية والكتمان حكم الفترة الممتدة من صعود البعث إلى السلطة حتى سقوطه في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول عام 2024، وافتقدت المكتبة السورية أية سرديات سياسية حقيقية، واقتصرت على سرديات هزلية كسرديات مصطفى طلاس وعبد الله الأحمر، التي لم ترق إلى مصاف الصدقية، وبقيت ضمن عجز السياسي السوري عن الإفصاح والاعتراف الشبيه باعتراف مسيحيّ أمام كاهنه، وذلك وفق تعبير السياسي سامي الجندي في كتابه المعنون بـ”البعث”، والمنشور عام 1969.
ويحيل هذا الاعتراف من جديد إلى التساؤل عن مدى إشباع مذكرات فاروق الشرع المنشورة حديثاً لنهم القارئ المتعطش لمعرفة خبايا السياسة السورية وكواليسها الدائرة في الغرف السوداء وممرات القصر الجمهوري، خصوصاً بعد الثورة السورية وانتصارها اللاحق. كما يحيلنا إلى التساؤل عن مستوى الإضافة أو الترميم لسرديات الذاكرة السورية، التي أسستها أعوام الثورة، وتراوحت بين سرديات الطغيان وسرديات الحرب السورية.
سرديات الحرب السورية
في موازاة المعارك المحتدمة على الأرض، شكّلت السرديات المتحاربة للأطراف السورية جبهة أخرى لا تقل ضراوة عن مثيلتها العسكرية. فبينما بدت تلك السرديات كمرايا ثقافية لخطوط الدم والنار المتشكلة في أتون الصراع، فقد عملت على بناء سواتر عالية تحميها من تسلل السرديات النقيضة لها، بالتوازي مع الحفر في خنادق وعيها الجمعي لتكريس ذاتها كسردية أحادية تُعبّر عن منظورها السياسي والاجتماعي، دون أن تنسى، في سياقها العام، الزخم الهجومي على السرديات النقيضة، ومحاولة إثبات تهافتها والعمل الدؤوب على تفكيكها.
لكن التنوع الكبير الذي ذهبت إليه السرديات السورية المتحاربة لم يمنعها من الاصطفاف الكبير بين نسقين مهمين؛ مثّل النظام السابق إحدى ضفتيه، فيما شكّلت المعارضة بأطيافها المتنوعة ضفته الأخرى. وانطلق النظام في سرديته من تصوير “الدولة/ النظام” كهرم مقدس يشكّل المساس به أعلى درجات الخيانة والكفر الوطني، مكثّفاً في سرديته التركيز على المفاهيم المرتبطة بحقوق الجماعة، وعلى تلك المفاهيم الأقل قابلية للتحديد والقياس؛ كمفهوم الدولة، والوطنية، والسيادة. أما المعارضة فقد جنحت سردياتها إلى مفاهيم أكثر ملموسية وأقل عمومية، واتجهت صوب حقوق الأفراد المتصلة بالحرية، والعدالة، وحق الحياة، وشروطها المرتبطة بسبل العيش المباشرة، كالأمان، والسكن، والمخيمات، وأسئلة الحياة اليومية.
وبالتوازي، عبّرت السرديات السورية، في مستوياتها الثلاثة: الإعلامية، والثقافية، والشفوية، عن ذاتها بمنظومة من المفاتيح اللغوية والمفردات الدالة عليها. فغدت مفردة كـ”المؤامرة”، على سبيل المثال، البوابة الأوسع لسردية النظام، وبدت مفردة “الأزمة السورية” كتوصيف ملطّف أو غير يقيني لما حدث بعد عام 2011 في سورية، في مقابل مصطلح “الثورة” الخاص بسردية المعارضة، أو مصطلح “الحرب السورية” الذي بات أكثر دلالة، وشاع استخدامه بعد مضي زمن طويل من التقاتل. وربما تشاركت السرديات المختلفة في هذا المصطلح، أسوة بمصطلح “الشهيد” الذي استخدمه الطرفان، وإنْ كان لكل طرف تعريفه ودلالاته الخاصة.
وشكّلت القصة والرواية الفضاء الأوسع لتجسيد السردية الثقافية الخاصة بالأطراف المتحاربة، والحامل الرئيس لها. وفي تتبع السرديات الثقافية الأولى للنظام، يتكشف عدم خروجها عن سياقها التاريخي المعروف بحب الوطن، والشهيد، والفداء، ولم تستطع تجاوز هذا المنحى في إطارها اللاحق، الذي اختزلته “يوميات الحرب السورية” لنبيل صالح، والتي اعتُبرت توثيقاً لبشاعة الإرهاب والحرب على سورية. وكذلك حاولت “وثيقة وطن”، التي انطلقت عام 2016 وأشرفت عليها المستشارة الرئاسية السابقة بثينة شعبان بالتعاون مع الجامعة السورية، كتابة “تاريخنا بيدنا”، كما جاء في معرفاتها، وأطلقت جائزة سنوية للقصة القصيرة منذ عام 2019، وسعت إلى “العناية بالتأريخ الشفوي لحفظ الذاكرة في مناحي الحياة المختلفة وتوثيقها”، وفق منظور النظام البائد وسرديته الخاصة.
وفي المقابل، توجهت السرديات الثقافية الأولى للمعارضة نحو التوثيق لحدث يتشكل بعنف وسرعة أعلى من وتيرة الكتابة. لكنها سرعان ما تجاوزت التوثيق المباشر، ليتشابك الحدث في مجرى الزمن الروائي ضمن توظيفات السرد، كما في روايتي روزا ياسين حسن: “الذين مسهم السحر” و”أيام في بابا عمر”. ولم تكتفِ السرديات الروائية بالوقوف عند حدود الحفر في زمن الثورة، بل توغلت في أزمنة سابقة لها، وامتد الحفر في بعضها لعقود خلت، كما في رواية فواز حداد “السوريون الأعداء”، حيث تظهر الثورة فيها كحتمية تراكمية لأزمنة من الطغيان والفساد والاستئثار.
ومع التشرد والنزوح ومسارات اللجوء المتعددة، تذهب الروائية مها حسن في روايتها “مترو حلب” إلى سؤال الهوية وعلاقته بالمكان، بينما يؤكد الروائي هيثم حسين، في روايته “قد لا يبقى أحد”، تداعيات الكارثة الكبرى التي حلّت بالسوريين في رحلة العذاب والتشظي بحثاً عن ملاذ آمن، دون أن ينسى الاحتفاء بالحب والحياة، جنباً إلى جنب مع الكتابة عن الاغتراب والهوية.
اضمحلال أم ولادة سرديات جديدة؟
لم تتوقف السرديات المتباينة والمتناقضة، رغم انزياحها الكبير بعد سقوط النظام واندحار سرديته بشكل نهائي. لكن شظايا تلك السردية لم تتفكك بشكل نهائي، بل أعادت الكثير من خلاصاتها السابقة، مستفيدة من الانفلات الأمني في بعض المناطق، وما نجم عنه من مجازر في الساحل والسويداء وأجزاء أخرى من البلاد، بالإضافة إلى التجاوزات المتفرقة التي طاولت الحريات الاجتماعية والدينية. الأمر الذي أفسح الطريق لمزيج جديد من السرديات المتداخلة والمتناقضة بآن معاً، لكنها ما زالت في إطارات التشكل الأولى على المستويين الإعلامي والشفوي، وسيكون اضمحلالها أو ارتقاؤها إلى المستوى الثقافي رهناً بحصيلة المتغيرات الاجتماعية والسياسية في الأيام، وربما الشهور، المقبلة.
by علي محمد إسبر | Jun 22, 2025 | Culture - EN, العربية, Articles - EN
غزا الإسكندر الأكبر سوريا عام ٣٣٣ قبل الميلاد، وبعد موته في عام 323 قبل الميلاد، تنافس خلفاؤه على السيطرة على البلاد حيث استولى سلوقس الأول نيكاتور على الجزء الشمالي، وبطليموس الأول سوتر على الجزء الجنوبي (سوريا الجوفاء). لكن في نحو عام 200 قبل الميلاد استطاع الملك السلوقيّ أنطيوخس الثالث دحر البطالمة وبسطَ سيطرة السلوقيين على سوريا كلّها.
أسس السلوقيون العديد من المدن والمستعمرات العسكرية-من بينها أنطاكيا ولاودكية وأفاميا وأنشأوا فيها أحياء للمستوطنين اليونانيين الذين نقلوا معهم لغتهم وعباداتهم وثقافتهم.
استطاع الرومان في ما بعد هزيمة السلوقيين وتمكَّن القائد الروماني بومبيوس من ضمِّ سوريا إلى الجمهوريّة الرومانيّة في عام 64 قبل الميلاد، وعيَّن بومبيوس ماركوس أميليوس سكورس في منصب حاكم سوريا. وبعد انهيار النظام الجمهوري في روما وتحولها إلى النظام الإمبراطوري أصبحت سوريا مقاطعة تابعة للإمبراطورية الرومانية، يحكمها مبعوث رومانيّ.
تعاقب الأباطرة الرومان على حكم سوريا وصولًا إلى ماركوس أوريليوس الفيلسوف الرواقيّ والإمبراطور الروماني السادس عشر الذي حكم من عام 161 م-إلى عام 180 م. ولا بدَّ أنَّ هذا الإمبراطور الذي يوصف بأنَّه “الفيلسوف على العرش” قام بتشجيع التعليم الفلسفيّ في مختلف أنحاء الإمبراطوريّة الرومانيّة وفي مرحلة حكم أوريليوس ظهر فيلسوف سوريّ مرموق من مواليد أفاميا يُعَدّ مؤسس مدرسة الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة في أفاميا ويرد اسمه في المصادر اليونانية هكذا: Νουμήνιος ο ἐξ Ἀπαμείας نومينيوس الذي من أفاميا، لكن لاحظ الباحث أحمد بيضون وبحقّ أنَّ اسم نومينيوس هو ترجمة يونانيّة لاسم عربيّ هو “النُّعمان”.
شاءت الأقدار أن تزدهر مدرسة أفاميا العربيّة فقد عُنيَ نومينيوس (=النعمان) بإعادة إحياء فلسفة بيثاغوراس وأفلاطون وإيجاد صيغة توفيقيّة أفضت إلى وضع قواعد تفكير بيثاغوريّ/أفلاطونيّ، ولقد تحوَّل منهج في هذه المدرسة إلى غاية للمتعلّمين العرب في ذلك العصر، وحظي برعاية كبيرة طيلة القرن الثالث الميلادي ويمكن إرجاع ذلك إلى أنَّ القرن الثالث شهدَ صعودًا ملحوظًا للقوى السياسيّة العربية، فأصبح العرب عاملًا مؤثرًا في التاريخ الروماني طوال ذلك القرن. إذ في ما يتعلق بمنطقة إميسا (حمص الحالية) التي تتبع لها أفاميا، كانت جزءًا من مما يُسمَّى تسوية بومبيوس الذي لم يضم إميسا مباشرة إلى الإمبراطورية الرومانية، بل تركها كدولة تابعة يحكمها كهنة-ملوك عرب من سلالة محلية، مع الاعتراف بالسيادة الرومانية. هذه السلالة التي تنحدر منها جوليا دومنا، استمرت في حكم إميسا حتى أواخر القرن الأول الميلادي تحت الحماية الرومانية. علاوة على أنَّ جوليا دومنا تزوجت من الإمبراطور الرومانيّ سيبتيموس سيفيروس (حكم من 193 -211 م) فظهرت سلالة السيفريين Severan dynasty وكانت جوليا دومنا هي التي قدمت العنصر العربي لهذه السلالة، بصفتها زوجة للإمبراطور سبتيموس سيفيروس وأم لابنه الإمبراطور الآخر كاراكالا، لكن ما يميّز جوليا أنَّها كانت مقبلة للغاية على الفلسفة. حتى خلال حياة زوجها الإمبراطور، وتشكلت حولها دائرة من الشخصيات الأدبية والمهتمين بالفلسفة. وكان من بينهم الفيلسوف السوفسطائيّ فلافيوس فيلوستراتوس Flavius Philostratos (170-249 م)، الذي كتب -بناء على طلب من جوليا نفسها-سيرة ذاتية للفيلسوف البيثاغوري الجديد أبولونيوس من تيانا Apollonios of Tyana (15 م-98 م)، وهذا يدلّ على اهتمامها بالتعليم البيثاغوريّ الذي وضع أسسه نومينيوس في مدرسة أفاميا.
لكن في النصف الثاني من القرن الثالث الميلاديّ في ظل حكم أذينة وبعده زوجته زنوبيا ملكة تدمر أُعيد إحياء مدرسة أفاميا، فقد كلَّفت زنوبيا الفيلسوف السوريّ أميلوس Amelius وهو من مواليد أفاميا، مسقط رأس نومينيوس بإعادة إحياء المدرسة البيثاغوريّة الأفلاطونية في أفاميا.
لكن حتى نفهم الأمر على نحو أكثر دقة يجب أن نعرف أنَّه بفضل نومينيوس المؤسس الأوَّل لمدرسة أفاميا انتقل تأثير المدرسة إلى الإسكندريّة، وظهر فرع ثان سكندريّ لمدرسة أفاميا يُعرف بمدرسة الإسكندرية للأفلاطونية الجديدة، وتولّى زعامتها أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas (175-243 م)، ولقد تتلمذ الفيلسوف الشهير أفلوطين (204-270) في الإسكندريّة على أمونيوس ساكاس ثم سافر أفلوطين إلى روما وأسس فرعًا ثالثًا لمدرسة أفاميا في روما، واشتهرت هذه المدرسة هناك في روما حتى إنَّ إميلوس نفسه قبل أن تكلّفه زنوبيا (240-275 م) بإعادة إحياء مدرسة أفاميا سافر إلى روما وتتلمذ على أفلوطين وبقي معه لأكثر من عشرين عامًا، حتى عام 269 م، ثم قفل راجعًا إلى مسقط رأسه في أفاميا. ويُرجَّح أنَّ زنوبيا كلَّفته بعد عودته بإعادة إحياء مدرسة أفاميا. هذا إلى أنَّ إمليوس كان قد التقى في روما بأحد أهم فلاسفة الأفلاطونيّة الجديدة وهو الفيلسوف السوريّ مالك الذي من باشان المعروف بين مؤرِّخي الفلسفة بلقبه بورفيريوس Πορφύριος ومعناه باليونانيّة “الأرجوانيّ”، وكان قد أعطاه إياه أستاذه كاسيوس لونغينوس حينما كان يتتلمذ عليه في أثينا، وإميلوس هو الذي دفع بورفيريوس إلى أن يأخذ فلسفة أفلوطين على محمل الجِدّ، لأنَّ استهتر بمحاضرات أفلوطين عندما سمعها لأوَّل مرَّة معتقدًا أنّه يكرر الكلام الوارد في مؤلَّفات نومينيوس السوريّ.
لكن كاسيوس لونغينوس نفسه عاد إلى مسقط رأسه في حمص بعد أن قضى معظم حياته في أثينا فسمعت به زنوبيا هذه الملكة المُحبّة للفلسفة، فاستدعته وطلبت منه أن يعلّمها الآداب اليونانيّة. غير أنَّ لونغينوس سرعان ما تحوّل إلى مستشار لزنوبيا فنصحها بالاستقلال عن الحكم الروماني وأن تصبح مملكة تدمر ذات سيادة مستقلة، وفعلَا طالبت زنوبيا الإمبراطور الروماني آنذاك أوريليان باستقلال مملكتها عن الإمبراطورية الرومانية، لكن كانت النتيجة استيلاء أوريليان على تدمر وتدميرها، وعندما واجه أوريليان زنوبيا بذنبها تنصّلت من التهمة وألصقتها بأستاذها لونغينوس الذي نفَّذ فيه أوريليان حكم الإعدام، فتقبَّله بشجاعة منقطعة النظير.
لم تنتهِ مدرسة أفاميا بعد موت زنوبيا 275 م، لأنَّ فيلسوفًا عربيًّا سوريًّا آخر هو يامبليخوس Ἰάμβλιχος (245-325 م)، ينحدر من السلالة الحمصية أو آل شمسيغرام أعاد إحياءها، وكان يامبليخوس قد تتلمذ على بورفيريوس في روما، ذلك أنَّ بورفيريوس أصبح رئيس مدرسة روما بعد موت أفلوطين؛ لكن يامبليخوس عاد من روما إلى سوريا عام 304 م ليعيد إحياء مدرسة أفاميا.
تتلمذ على يامبليخوس عدد من الفلاسفة من أهمهم الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ Sopater of Apamea (مات قبل عام 337 م) وسافر إلى القسطنطينيّة ليؤسس هناك فرعًا رابعًا لمدرسة أفاميا، وعُقدت عُرى الصداقة بينه وبين الإمبراطور قسطنطين العظيم لكن انقلب قسطنطين العظيم عليه وأعدمه بسبب مكيدة حاكها قنصل رفيع المستوى في الإمبراطورية الرومانيّة هو فلافيوس أبلابيوس. وتتلمذ على يامبليخوس أيضًا أيديسيوس Aedesius (مات قبل عام 355 م) وأسس أيديسيوس فرعًا خامسًا لمدرسة أفاميا في بيرغامون Pergamon التي تقع الحافة الشمالية لسهل كايكوس في منطقة ميسيا التاريخية في شمال غرب تركيا.
كان من بين المتأثرين بتعاليم مدرسة أفاميا سوريانوس Syrianus (مات 437 م) الذي لا نعرف شيئًا عن نشأته، لكن يبدو واضحًا من كتاباته أنَّه درس مؤلفات يامبليخوس، وهذا دليل على أنَّه من أصل سوريّ، كما إنَّ اسمه يُفصح عن ذلك. سافر سوريانوس إلى أثينا وتتلمذ على الفيلسوف اليونانيّ الأفلاطوني المحدث بلوطرخوس الأثينيّ الذي كان رئيس أكاديميّة أفلاطون، وبعد أن مات بلوطرخوس الأثيني عام 430 م أصبح سوريانوس هو رئيس أكاديمية أفلاطون، ثم جاء بروقلوس (412-485 م) الذي ولد في القسطنطينية لعائلة ذات مكانة اجتماعية عالية من ليقيا، ويُرجَّح أنَّه اطلع على فلسفة مدرسة أفاميا، من تأثيرات المدرسة التي كان قد أسسها الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ في القسطنطينيّة. ثم سافر بروقلوس إلى أثينا وتتلمذ على سوريانوس، وأصبح رئيس الأكاديميّة بعد سوريانوس. وخلف بروقلوس على الأكاديميّة مارينوس من نيابوليس Marinus of Neapolis (45-500 م) وهو من مواليد نابلس في فلسطين، ثم يظهر دامسقيوس Damascius المولود في دمشق عام 462 م وتأثر هو كذلك بمدرسة أفاميا، وسافر إلى أثينا وتتلمذ هناك على “مارينوس” نفسه الذي أصبح-كما ذكرنا-رئيس أكاديمية أفلاطون، وشاءت الأقدار أن يخلف دامسقيوس مارينوس بعد موته ليصبح آخر رئيس لأكاديميّة أفلاطون بسبب مرسوم الإمبراطور البيزنطي جستنيان الذي قضى بإغلاق المدارس الفلسفيّة ومن بينها أكاديمية أفلاطون في أثينا، فكان دامسقيوس أو الدِّمشقي آخر رئيس لها حين أُغلقت في عام 529 تحت حكم جستنيان. وهكذا شاءت الأقدار أن يكون سوريٌّ آخرَ الفلاسفة العظماء، آخر فيلسوف انبثق من روح مدرسة أفاميا ليصبح آخر رئيس لأعظم أكاديمية فلسفيّة في العالم القديم.
[تُنشر هذه المقالة بموجب اتفاقية تجمع بين موقع صالون سوريا وجدلية].
by د. علي محمد صافي | Jun 16, 2025 | العربية, بالعربية, Articles - EN
المواطنة تعني بشكل أو بآخر الجنسية، إنها رابطة معنوية تجمع بين المكونات البشرية في بوتقة جغرافية تُعرف باسم الوطن، ومنه يظهر الاشتقاق اللغوي للمواطنة، وهي لا تُعرف إلا من خلاله، ولا تُعرَّف إلا به.
والجنسية رابطة قانونية تنظم علاقة الأفراد أو المواطنين، الذين يشكلون ركناً أساسياً من أركان الوطن، تنظم علاقة المواطنين فيما بينهم، من جهة، وعلاقتهم بالنظام السياسي القائم في أي دولة من الدولة من جهة أخرى.
والجنسية أو المواطنة مفهوم جديد لم يظهر إلا مع ظهور الدولة القومية الحديثة في أوربا ابتداءً من القرن الثامن عشر. تلك الدولة التي قامت على أساس قومي أو وطني جامع لكل مكونات الدولة العرقية أو الدينية، دونما أي شكل من أشكال التمييز حيث ظهرت فكرة المواطنة كرابطة تجمع وتحكم جميع أفراد الدولة، ومعها صار مفهوم الدولة يشير إلى هذا المعنى الأوربي الحديث، أي الدولة القومية أو الوطنية، دولة المواطنة.
في دولة المواطن يكون الوطن لكل مواطنيه، وليس مزرعة لآل فلان وآل فلان، حينما يكون الوطن ملكاً للشعب، يصبح للوطن معنى ويصبح الانتماء انتماءً للوطن، أما حينما يكون الوطن منهوباً بما فيه حينها يصبح الشعور بالانتماء ضعيفاً وربما معدوماً. وحينما يكون الوطن ملكاً للجميع وعلى نحوٍ متساوٍ، حينها نجد أفراده يقومون بما يتوجب عليهم من واجبات تجاه وطنهم، قبل المطالبة بحقوقهم. يبذلون الغالي والرخيص كرامة للوطن وليس تقديساً لشخص بعينه أو أسرة بذاتها.
في دولة المواطنة يتساوى الجميع أمام القانون، كأسنان المشط حسب التعبير الإسلامي، القانون الذي يسنه المواطنون من خلال مجالس شعبية تمثلهم خير تمثيل، والمواطن لا يشارك فقط بسن القوانين، بل يشارك في حكم البلاد وإدارتها السياسية، ولا يوجد أي تمييز بين المواطنين من حيث حقوقهم السياسية، وباقي الحقوق. المواطنة من حيث الأساس تعني المساواة في بين الأفراد في الحقوق والواجبات.
أما حينما تكون المواطنة مجرَّد بطاقة شخصية، كما هو الشأن بنظام الأسد الساقط، حينها تظهر المأساة، لأنه يتم اختزال الحقوق في جرة غاز أو كسرة من الخبز المحروق، أما الواجبات فحدث بلا حرج.
كنت دائماً أتساءل ومنذ ما قبل الثورة السورية المباركة ما الذي يميزني أنا كسوري عن غيري من غير السوريين الذين يعيشون ببلدي، كنت دائماً أعترض عندما أسمع بوسائل الإعلام المحلية كلمة مواطن ومواطنة، لأنني أعتبر أن هذه المفاهيم هي بلا مدلول أو صدق واقعي. لم يكن لدينا في سورية دولة بمعنى الدولة، ولم يكن مواطنوها مواطنين بمعنى الكلمة. وكل ما هنالك هو وجود أفراد أو رعايا، بل رهائن، يرتهنها النظام الساقط من أجل تحقيق مصالحه بالحماية والابتزاز والنهب والاتجار بأبنائه.
والآن وبعد سقوط الأسد، وسقوط المنظومة الأسدية الحاكمة إلى غير رجعة، وعودة الوطن لأهله، صار لازماً العمل على بناء الوطن والمواطنة على أسس وطنية صحيحة، والحقيقة واجهتنا وتواجهنا في سوريا صعوبات كأداء وتحديات جمة لبناء الوطن والمواطنة، نذكر أهم هذه التحديات، على سبيل المثال وليس الحصر.
1- العدوان الخارجي والاحتلال: العدوان المتمثل بالاعتداءات الصهيونية، واحتلال جزء من الأراضي السورية، يمثل تحدياً أولاً ليس للمواطنة فقط، بل لقيام وطن أو دولة مستقرة لأن العدوان يدمر قدرات وخيرات البلاد العسكرية والاقتصادية، كذلك فإن الاحتلال يحرم البلد من خيرات الأراضي المحتلة.
2- الانهيار الاقتصادي: حيث قام النظام الساقط بنهب كافة المقدرات الاقتصادية، وبدون اقتصاد قوي لا يمكن للسلطات الجديدة الايفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها. وبالتالي فإن المواطن سيواجه صعوبة في حصوله على حقوقه المادية. وهذا يخل بمقوم أساسي من مقومات المواطنة.
3- العقوبات الدولية: حيث تشكل العقوبات عقبة كبيرة أمام عملية الانتعاش الاقتصادي واعادة تأهل البلاد وإعادة إعمارها. إن العقوبات الدولية قد عمقت حالة الترهل الاقتصادي، وأدت إلى عجز السلطات الجديدة، حتى عن زيادة رواتب الموظفين، التي وعدت بها، مما يعمق حالة البؤس التي يعيشها المواطن وبالتالي يقف عائقاً أمام تحقيق المواطنة على نحو أمثل.
4- حالة الانقسام الطائفي والعرقي: يشكل الاحتقان والاقتتال الطائفي والعرقي أكبر خطر يمكن أن يهدد المواطنة بل يهدد قيام الدولة برمتها. إن وجود أي شكل من أشكال التمييز، وبالذات التمييز على أساس طائفي، أو عرقي يحيل أفراد الشعب إلى جماعات عنصرية متناحرة، وهذا يعمق حالة الانقسام داخل المجتمع، ويزيد من انهيار الاقتصاد المنهار أساساً، وكذلك قد يستدعي ذلك تدخل أطراف خارجية لصالح هذا الفريق أو ذاك بحجة حماية الأقليات.
إن بناء سورية جديدة، قوية منيعة لا يمكن أن يتم إلا على أساس وطني جامع لكل السوريين، لا فرق فيه بين عربي أو كردي ولا بين مسلم أو مسيحي، سني أو شيعي، علوي أو درزي أو اسماعيلي. حينما يتحقق الشرط الأول في المواطنة وهو شرط المساواة بين جميع مكونات المجتمع السوري، عندها يمكن الحديث عن دولة المواطنة.
والدولة المدنية دولة المواطنة، ليست معطى ناجزاً أو هبة سماوية يؤتها الله من يشاء، أو يتم فرضها بقرار أو وصاية هنا أو هناك، بل هي شيء ننجزه نحن بأيدنا، فالشعب الذي هو أس الدولة وأساسها، وهو الذي يبني الدولة، الشعب بكل مكوناته مسؤول مسؤولية تامة عن بناء الدولة. فبناء الدولة ليست مهمة محصورة بالنظام السياسي، لأن النظام الساسي ليس هو الدولة بل هو جزء منها. الدولة لا تبنى إلا يتكاتف كل أبنائها وتلاحمهم . والغريب أن بعض شرائح أو فئات الشعب لا أقول طوائف، ترى أن بناء الدولة من مهام السلطة الحاكمة، وتنتظر من السلطات الجديدة أن تبني الدولة، وهذا أمر عجيب، لأن بناء الدولة مسؤولية الجميع. وكل منا يجب أن يساهم في هذا البناء.
يقول البعض إن السلطات الجديدة تستأثر بالحكم، وإنها تسير على خطى النظام الساقط، في قمع الحريات والاستبداد، وأنها تعمل على أسلمت أو سلفنة (سلفية) الدولة، حسناً أنا لن أكلف نفسي عناء الرد على هذه الادعاءات والزود عن السلطة الجديدة، بل أوجه ندائي إلى صاحب هذه الادعاءات وأطالبه، بأن ينخرط في عجلة بناء الدولة، وإن كانت السلطة الجديدة كما تدعي فاعمل أنت على تغيير واصلاح ذلك. كيف للدولة أن تقوم إذا كل فريق رفض تسليم سلاحه، ورفض الخروج خارج حدود محافظته أو إقليمه؟ كيف نرفض المساعدة في بناء الدولة ونرفض حتى الاعتراف بها كدولة، ثم نطالب الدولة بأن تكون منصفة وديمقراطية ومعتدلة. أو ليست الدولة أنا وأنت؟ كيف تستأثر بجزء من الأرض والشعب والخيرات، وترفض توحيد السلاح، وفي الوقت نفسه تنتقد الدولة لأنها ليست دولة؟
أنا لا أقول للمسلم أن يترك إسلامه، ولا للسني أن يترك سنيته، ولا للدرزي أو العلوي أو الكردي أن يهجروا مذاهبهم وقومياتهم، لكل منهم دينة ومذهبه، وقوميته الخاصة به، لكن نحن لن نتحد ونشكل دولة طالما أن كل منا متمسك بخصوصيته، ويريد دولة على مقاس هذه الخصوصية. الدولة لن تبنى إلا إذا اجتمعنا على ما يجمعنا لا على ما يفرقنا، وما يجمعنا في هذا الوطن الغالي هو سوريتنا، السورية هي القاسم المشترك لكل السوريين، لكل منا دينه ومذهبه وقوميته، لا بأس من ذلك، لكن إذا أردنا بناء دولة قوية منيعة فلا بد من أن نلتف جميعاً حول وطننا. لنبني معاً دولتنا كما نريد لها أن تكون، ولتكن دولة المواطنة دولة الحرية والديمقراطية والعدالة، لتكن دولة الإنسان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
by سالي موسى | Jun 12, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, بالعربية, All Reports, Uncategorized, Articles - EN
شكّل سقوط النظام السوري لحظة انعتاق سياسي كبيرة؛ لقد كان بمثابة مرآة عاكسة لانهيارٍ طويل الأمد في معنى الدولة ومفهوم الجماعة. انكشفت البلاد على تيهٍ سياسي لم يصنعه الحدث وحده، بل راكمته سنوات القمع، حتى بات غياب السياسة هو السياسة، وغياب العقد هو قاعدة العيش. انحسرت مشاغل السوريين، بعد زوال القبضة المركزية، إلى تفاصيل عابرة، بعيداً عن صياغة مشروع وطني جامع. راحوا يتقاذفون التهم كمن يتنازع على ظل وطن منهار: “أنتم من دمّر”، “نحن من خُذل”. ومع كل تبادل للاتهام، كانت فكرة الـ”نحن” الوطنية تتآكل، ويصعد من تحتها طيف الطائفة، والعشيرة، والجهة، والنجاة الفردية.
وكلّ ذلك كان نتيجة لطبيعة الدولة التي حكمتهم، والتي لم تشكّل يوماً عقداً جامعاً، بل كانت منظومة أمنية محكومة بمنطق الشكّ والسيطرة. في صيغتها العميقة، لم تُبنَ الدولة السورية على المواطنة، كما رأينا، بل على الإذعان: صمتٌ مقابل الأمان، طاعةٌ مقابل البقاء، وذاكرة معلّقة مقابل النجاة. وما كان يُروّج له كهوية وطنية، لم يكن أكثر من قناع هشّ، يخفي تحته نظام فرز اجتماعي قائماً على الولاء وتوزيع الخوف.
في هذا السياق، بدا أن النظام السوري السابق لم يطبق نظرية “هوبز”، بل انقلب عليها. فهوبز تخيّل العقد كوسيلة لخروج الإنسان من حالة الطبيعة، من الخوف المطلق إلى سلطة تحفظ الحياة. أما في سورية، فكانت السلطة هي من يُدير الخوف، ويُعيد إنتاجه، ويُحوّله إلى نظام حكم. تحوّل العقد من أداة لدرء الفوضى إلى وسيلة لتأبيدها، ومن أفق لتنظيم الجماعة إلى شبكة تُخضِع المجتمع باسم حفظ الدولة. وإذا كان “هوبز” قد افترض أن السيادة هدفها الحياة، فقد جعلها النظام أداة لحصارها.
وحين انفجرت الثورة السورية (مارس / آذار 2011)، لم يكن الناس يثورون ضد عقد اجتماعي هشّ، بل يطالبون بكتابته لأول مرة. إلا أن غياب هذا العقد، الذي كان مستتراً بقوة القمع، ظهر فجأة كفجوة لا تسد. يوم سقط نظام الأسد لم تنهض بدائل سياسية، بل تصدّعت البلاد على وقع الولاءات القديمة، وتحوّل الغياب إلى تشظٍّ في كل الاتجاهات. لم تسقط دولة، بل سقط معها التصوّر عن إمكانية الاجتماع نفسه.
في هذا الفراغ المفتوح على كل الاحتمالات، جاءت المراسيم الانتقالية كإشارات لبداية ما يُفترض أنه مسار عدالة ومصالحة وطنية. لكنها، وقد فُرضت من أعلى ومن خارج أي تعاقد مجتمعي حقيقي، سرعان ما بدت محكومة بمنطق الانتقاء، أكثر من سعيها إلى تحقيق عدالة شاملة. وهنا تتبدّى الإشكالية الأعمق: هل يمكن لعدالة انتقالية يشوبها عيب الانتقاء، أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد؟ أم أنها، بهذا العيب البنيوي، تتحوّل إلى أداة ناعمة لإعادة تدوير عقد الطاعة القديم، وإلباسه لغة قانونية خالية من الروح؟
من الناحية الشكلية، بدت هذه المراسيم كمحاولة للاعتراف بمرحلة ما بعد الانهيار، وكإشارة رمزية إلى نية معالجة إرث الانتهاكات. لكنها، في جوهرها، لم تكن أكثر من محاولة لإدارة الفراغ لا لملئه، ولم تأتِ في إطار تعاقدي حقيقي أو برؤية جامعة. لقد كُتبت من خارج المجتمع، وبقيت أسيرة لما تسمح به البُنية الجديدة، لا لما تتطلبه الحاجة التأسيسية لإعادة بناء المعنى الوطني المشترك.
مرسوم “هيئة العدالة الانتقالية” (رقم 19 لعام 2025) وُلد بلا صلاحيات تنفيذية واضحة، ولا ضمانات استقلال عن مراكز القوى الجديدة. أما مرسوم “هيئة المفقودين” (رقم 20)، فقد اكتفى بتسجيل البيانات الإدارية، دون التزام فعلي بكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا أو محاسبة الجناة. غابت في هذه المراسيم آليات المشاركة، والإقرار بمسؤولية الدولة السابقة، وخارطة الطريق التي يمكن أن تعيد الاعتبار للعدالة كمطلب وطني لا كهيكل إداري.
وما يزيد هذا الغموض أخلاقياً وخطورة سياسية، هو أن هذه المراسيم تجاهلت ضحايا فاعلين آخرين، كالذين سقطوا على يد تنظيم داعش، أو اختفوا في مناطق خارجة عن سيطرة النظام. هذا الإقصاء ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يشكّل بذرة تفكك إضافية: فعندما تُقصى جماعات بأكملها من مسار العدالة، ويُترك ألمها في الظل، فإنها لا تندمج في مشروع الدولة، بل تتكتل خارجها. تتكوّن حينها ذاكرة مظلومية موازية، قابلة للاستثمار في منطق الثأر أو الانعزال، أو حتى الرفض التام لفكرة التعايش تحت مظلة عقد لم يعترف بها، ولم يحتسبها كطرف فيه.
إن تجاهل هذه الشرائح من الضحايا لا يعمّق الانقسام فحسب، بل يُهدد كل إمكانية لبناء وطن يضم الجميع. العدالة الانتقائية لا تصالح أحداً، بل تُراكم مشاعر الغبن، وتحوّلها إلى قنابل اجتماعية مؤجلة. فالعدالة، كي تؤسس لعقد جديد، يجب أن تكون شاملة، لا في إجراءاتها فقط، بل في رؤيتها لسوريا كوطن تعددي، جُرحه موحّد، وإن اختلفت الأيدي التي أصابته.
لكن خطورة الانتقاء لا تقف عند حدود من تم إسقاطهم من سجل الضحايا، بل تمتد إلى الفاعلين الرماديين الذين ظلّوا عالقين بين خانة الجاني والمجني عليه. هؤلاء الذين لم يطلقوا النار، لكنهم سكتوا حين أُطلق، أو شاركوا في إدارة الحياة اليومية تحت سلطات أمر واقع، أو غلّفوا الصمت بالخوف، والتواطؤ بالحكمة، والنجاة بالبراغماتية. لم تكن خياراتهم بالضرورة خيانة، لكنها كانت فعلاً سياسياً من نوعٍ مختلف، لا يعترف به خطاب العدالة الكلاسيكي.
يغدو اختزال العدالة في المحاكم والقوانين ضرباً من السطحية. في سورية، كانت الجريمة متغلغلة في النسيج السياسي والاجتماعي، لا فقط في غرف التحقيق. لذا فإن أي مشروع للعدالة في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن يتجاوز التعويضات والمحاسبة، ليمسّ الجرح الأعمق: أزمة الثقة، وتفكك العقد الاجتماعي، وغياب المساحة المشتركة التي يمكن أن تلمّ شتات السوريين. إنّ مواجهة النظام السابق لا تبدأ وتنتهي في المحاكم، بل في قاعات الذاكرة، في الحقول التي مات فيها الأبرياء بصمت، في الحارات التي تحوّلت إلى خطوط تماس، وفي بيوت الناجين الذين لم يجدوا من يسمعهم. لهذا، لا يكفي أن تصدر مراسيم “تنظيمية” لتكون لنا عدالة، بل نحتاج إلى شجاعة ثقافية لطرح السؤال المؤلم: “من نحن بعد كل هذا الألم؟ وما الذي يجعل منا شعباً قادراً على العيش معاً من جديد؟”
وإن كانت العدالة الانتقالية تتموضع غالباً في أروقة المحاكم، فإن العدالة التصالحية تُبنى في المجتمع، بين الناس، بالاعتراف والمواجهة وإشراك أهالي الضحايا أنفسهم. من دون ذلك، لا يمكن لمجتمع أن يُشفى، ولا أن يطوي صفحة الماضي دون الوقوع في منطق الثأر أو الإنكار. على الأقل، لا بد من طرح رمزي من هنا تأتي الحاجة إلى مساحات رمزية-أخلاقية”، مستوحاة من تجربة “الغاشاشا” تلك المحاكم الشعبية التي سمحت للقاتل والناجي بالجلوس في المكان ذاته في رواندا، ولكن بما يتناسب مع السياق السوري. ليست هذه محاكم جنائية، بل فضاءات تُحاكم فيها الذاكرة الصامتة.
إن ما تبقّى من العقد الاجتماعي في سورية ليس سوى أطلال شرعية لم تُبنَ قط، و إرث ثقيل من الخضوع المغلّف بلغة الدولة. ومع ذلك، لا تزال إمكانات العقد قائمة، وإن كانت مشروطة. فالعقد، ليس نموذجاً مستورَداً من التجربة الأوروبية، إنه ديناميكية تفاوضية تُبنى بتراكم الاعتراف، وبنبذ العنف، وبتطوير شرعية مكتسبة لا مفروضة. الشرط الأول لذلك هو الانتقال من منطق القسر إلى منطق التعاقد؛ من احتكار السياسة إلى تعميمها كحيز عمومي مفتوح. وهذا لا يتم عبر نصوص فوقية، بل بإعادة هندسة الثقافة السياسية ذاتها، لتكون ثقافة الاختلاف والمصلحة العامة، لا ثقافة الاصطفاف والارتهان.
كما تبرز العدالة الانتقالية كحقلٍ حاسم في هذا التحوّل: فهي مسار لتسوية انتهاكات الماضي، ولحظة تأسيس ثقافي وأخلاقي تُختبر فيها قدرة المجتمع على مغادرة ثقافة العنف نحو ثقافة التفاوض. فإن بقيت العدالة انتقائية، تُدار بالأدوات نفسها التي صنعت القهر، فإنها لا تفتح أفقاً جديداً، بل تُعيد إنتاج ما كان، بلغة أكثر نعومة. أما إذا تحوّلت إلى أفق تفاوضي فعلي، يُعيد توزيع الاعتراف ويكسر صمت الضحايا، فإنها قد تشكّل نقطة انطلاق لعقد اجتماعي حقيقي، ينهض على توازن الذاكرة والمسؤولية المشتركة.
في مجتمعٍ لم تُمارس فيه السياسة إلا كقسر، ولم تُبْنَ فيه الدولة إلا على إخماد الصوت، لا يكون سؤال العدالة سؤالاً تقنياً، بل سؤالاً على صورة العقد نفسه: هل نريد أن نُبنى كجماعة سياسية حقيقية، أم نعيد تمثيل الطاعة تحت مسميات جديدة؟ العدالة، إذاً، ليست ما يسبق العقد، ولا ما يليه، بل هي محكّه الأول، واختباره الأشد وضوحاً.
by وداد سلوم | Jun 8, 2025 | Cost of War - EN, Culture - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية
صدر للشاعرة السورية هنادي زرقة هذا العام كتابين في فترة متقاربة عن دار أثر وهما ديوان شعر بعنوان “مثل قلب على مدخل البيت” والثاني بعنوان “ماذا تعرف أنت عن الحرب”.
جمعت زرقة في كتابها الثاني مقالات كانت قد كتبتها خلال الحرب السورية بعين الشاعرة الحساسة والواعية والمراقبة التي بقيت في البلد إلى فترة قريبة، ولم يمنعها وجودها في قرية من قرى الساحل البعيدة عن الأحداث المباشرة من الاقتراب من الهم العام والمشاركة به ورصد تشعبات وخيوط المقتلة السورية في المحافظات البعيدة والقريبة، وعبر ما يصل إلى مدينتها من مهجرين وضحايا.
تنتقل زرقة من العام إلى الخاص وبالعكس، حتى يتشابكان ويطغى أحياناً أحدهما على الآخر ثم العكس في توليفة قريبة من قلب القارئ وإحساسه ومنتقلة بين هذا وذاك وبين المعلومة العامة المتنوعة بين الفكري والسياسي والجغرافي لتصنع في كل مقال لوحة متكاملة يستطيع القارئ من خلالها تكوين فكرة واضحة عن حدث معين في خريطة البلاد.
مسلطة الضوء على تحولات الصراع في سوريا والحرب الدائرة فيها عبر أعوام طويلة قبل سقوط نظام الأسد، كان فيها الناس يتداولون عبارة: (الله يفرجها على العباد) وكأنهم كانوا ينتظرون فرجاً إلهياً للخلاص. بينما بقي الحذر حاضراً بينهم. ومن الرقة المدينة المهملة تاريخياً والتي انتفضت على النظام فعوقبت بتركها لقمة سائغة أمام داعش والتطرف المسلح فعانت من هجرة أبنائها بصمت، إلى حلب وطرطوس وغيرها. وكيف صارت الهجرة هاجس الشباب على تنوعهم وصار مستغرباً أن يبقى أحد في البلد. تتساءل هنادي: هل السفر خيانة؟ وحين يكون الثمن هو الحياة هل سيكون الخلاص الفردي خيانة؟ بينما تتحول البلاد إلى مقبرة والبقاء يعني الشروط الدنيا للحياة وترى في مكان آخر أن “البلاد جثة محمولة على الأكتاف وما من مقبرة تدفن بالمجان سوى مقبرة التطرف”.
قد يقول من يقرأ هذه السطور إنه التشاؤم لكنها هواجس كل سوري، وفي السياق تعود زرقة لتحليل الحالة السورية فتحمّل النخب مسؤولية التقصير في توجيه الحراك منذ البداية والاكتفاء بالمراقبة مما تركه عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية والدينية، فأطال عمر النظام ومعاناة البشر، وتذكر كيف منحت صيحات المناداة بالتدخل الدولي والعسكري المبررات للنظام البائد الذهاب بالعنف إلى الآخر، أما عن دفع الأثمان فنرى العائلات المهجرة تنتظر سلال الإغاثة التي اجتمع المهجرون عليها من كل الأطراف تحديداً النساء منهم في باحة كنيسة ورغم الحذر والتخوف من الآخر انتهى بهن الأمر إلى تبادل رواية المأساة حتى البكاء و كأنه نداء إنساني يوحدهم تجاه المتاجرين بالدم السوري، لم تكن جهة الإغاثة تابعة لأي طرف لكن العاملين فيها كانوا من كل طوائف سورية.
كان الساحل حافلاً بصور الضحايا والنعوات والعاهات الناجمة عن إصابات الحرب وأطفال المهجرين الذين حاولوا البحث عن بيئة آمنة، حتى بات يعاني من كثافة سكانية هائلة.
تقول زرقة: “الساحل يحكمه الخوف” لعله الخوف الناجم عن تلك المشاعر المتناقضة ولعله الخوف من المستقبل بالتركة الصعبة التي حملها. وهو ما ظهر للأسف بعد سقوط النظام.
تميل هنادي أحياناً للإسهاب في سرد الذكريات الشخصية والعائلية وإعادة تقييمها وتأثير الآخرين على شخصيتها موازية بين مرض والدتها بالزهايمر ومرض البلاد التي صار بينها وبين أبنائها غربة كبيرة. وتحدثنا عن صديقتها مها جديد التي عملت بالإغاثة وما قدمته لسوريا، الجميل في حديث زرقة عنها أنها لا تتجه إلى الرثاء رغم كل ما تركته صديقتها من ألم بغيابها بل تحدثنا عن أعمالها وقيمتها الإنسانية وعن أفعالها.
في الجزء الذي تنشغل فيه بالهم العام والمعاناة الاقتصادية اليومية للبشر يظهر ذلك التردد الذي شغل كل السوريين، وهو البقاء في البلاد ورغم تأكيدها أنه حالة طبيعية كالتنفس لكن ذلك كان بمثابة إشارة لفوات البديل فالطبيعية تغدو حالة غير عادلة في عمق الصراع.
تسافر هنادي زرقة أخيراً إلى ألمانيا، تقول: “لا يموت الغرباء بالسرطان أو احتشاء القلب بل يقتلهم الحنين وتفتك بهم الذكريات”، وهو ما ينقلنا إلى ديوانها ” مثل قلب على مدخل البيت ” الذي نوهنا لصدوره في البداية. يأخذنا العنوان إلى قصيدة قلب ينبح وحيداً، فالبلاد التي تحترق تحيل الحريق إلى دواخلنا حتى أنها تنوي أن تترك قلبها على مدخل البيت مربوطاً مثل كلب يحرسه ويشيخ، وحين توضب ثيابها وتضع النفتالين لتحفظها تتساءل هل ينفع ذلك مع الذكريات، وتسارع إلى الرغبة برمي كل شيء واقتناء ذكريات جديدة.
تتابع هنادي في ديوانها ذلك الاشتباك بين العام والخاص، العام الذي تبدل بسفرها وانتقالها إلى برلين لكنه بقي يمارس تلك الثنائية مع الخاص وتمكيناً للتجربة الذاتية حيث الحيز الأكبر في الديوان والذي يبدأ بقصيدة تفصيلية لملامح وجهها في المرآة كأنها تقرأ لوحة محايدة، وتعطيها دلالات عديدة، تتأملها راجية أن تنال في النهاية ضحكة في زمن الموت وكأنها تقول كم هي عزيزة تلك السعادة.
لتتابع فيما بعد عرض تاريخ عائلي للألم من فقدان الأب إلى الفقر الذي فرد جناحيه على العائلة بعد موته ومعاناة الأم في بلاد لا ترحم ولا تنتبه إلى آلام سكانها.
تعترف زرقة أن الشعر أعاد ولادتها، الولادة من رحم الشعر هي التي تختارها وهي التي تستحق الاحتفاء، حين كتبت أول قصيدة أهدت نفسها قالب حلوى واحتفلت بميلادها الجديد. اختيار ميلادها بمثابة الاستقلالية المؤكدة والتي تتابعها فيما بعد حين تؤكد أن الحياة تعلمنا الاعتناء بأنفسنا كأمهاتها لنكمل نقص الحنان فيها في إشارة أخرى إلى مرض الزهايمر الذي قلب الأدوار بينها وبين أمها.
تشغل قصائد زرقة الوحدة بشكل كبير وإن كانت حاضرة في البلاد فقد تضاعفت بعد سفرها على ما يبدو فالوحدة التي نطلبها في مرحلة من الحياة تتحول إلى عبء مؤلم لا فكاك منه، وبينما يعمد الآخرون إلى تربية الحيوانات لاحتمال الوحدة تعمد هي إلى الاستعانة بقلبها كحيوان أليف، أو بديل الطفل الذي لم تنجبه، إنه دليل ذلك الاحتواء الذاتي وبلسمة الجراح ذاتياً كتعبير أصيل عن الوحدة الحقيقية.
الوحدة التي تستدعي الذكريات والبكاء والضجر والتي لا يداويها حتى الحب.
تحافظ زرقة على قصيدتها بذات التوهج وفي اختيار النهاية التي تكون على هيئة نقلة نوعية مفاجئة من العام إلى الخاص أو العكس لتجعل القارئ يتلمس ذاته، مع تلك الشفافية المنسابة إلى الأعماق، والفرادة بمحاكاتها.
الزمن شاغل حقيقي في قصيدة هنادي لكنه يتعدى هاجس السن إلى إحصاء الخيبات والمرارات وموت الأصدقاء الذين يشكلونها كما فرانكشتاين، وحين يتساقطون يتركونها غريبة في بلاد هدمتها الحرب.
تقول في قصيدة طحالب تنمو على القلب :
“لماذا تركت الحصان وحيداً؟
كي يؤنس البيت يا ولدي
فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”
أشرد بالعبارات هل تعرف البيوت سكانها الأصليين؟
أراقب الجدران المتهالكة
قطرات المطر وهي تتسلل بين الشقوق
القطط التي تقعي أمام الباب كما لو أنه مهجور
العشب النابت في الممرات
رائحة الرطوبة
الطحالب تنمو على الجدران
وأصوات عويل يصم أذني.
كيف لك ان تفعل ذلك؟
أنا الحصان الذي تركوه كي يحرس البيت من الموت
الحصان الذي سيموت وحيداً
هنادي زرقة شاعرة سورية لها بصمتها الخاصة وصوتها المميز لها في الشعر: “الزهايمر” ، “الحياة هادئة في الفيترين”، “رأيت غيمة شاحبة سمعت مطراً أسود”، وترجمت أعمالها لعدة لغات كالدانمركية والألمانية والفرنسية، وكتبت في السفير والأخبار والآداب وموقع أوان وغيرها.