بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
في القامشلي، لم تُثنِ الأزمة القلبية المفاجئة رجلاً عن معاودة الاحتجاج؛ فبعد ساعات من نقله إلى المستشفى إثر وعكة داهمته وهو يتحدث عن ضيق العيش، عاد في اليوم التالي ليتابع الوقفة من مقعد سيارته. يختصر هذا المشهد مزاجاً سورياً جديداً في عام 2026: شعبٌ أنهكه الفقر، ويرفض في الوقت نفسه أن يصمت. منذ مطلع العام، رصد صحافيون وباحثون نحو ثمانين وقفة احتجاجية خلال ثلاثة أشهر، بمعدل واحدة كل يوم تقريباً، امتدت من دمشق وحلب إلى دير الزور والرقة والحسكة والسويداء ودرعا. تعلّمت البلاد، بعد نصف قرن من الصمت المفروض، أن تنزل إلى الشارع من جديد.
هذا الغضب نهران يجريان معاً. الأول معيشيّ اقتصاديّ: رفعت الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع تعرفة الكهرباء بنحو 800 في المئة، وحدّدت سعر طنّ القمح عند نحو 330 دولاراً، بينما تجاوزت كلفة إنتاجه خمسمئة دولار، وقلّصت رغيف الخبز وزناً وعدداً. خرج المزارعون في الرقة ودير الزور تحت شعار “سنابل الكرامة”، وأضرب عمّال “زينوبيا” و”مدار” في ريف دمشق، فانتزعوا زيادات وتأميناً صحياً، واعتصم متقاعدو الجزيرة إلى أن أعلنوا “تجمّع المتقاعدين”. وطالبت ممرضات بمساواتهنّ بالأطباء في الأجر، واحتجّ مفصولون من القطاع العام على تسريح بلا معايير. يضاف إلى المعيشة نزاع الأرض: تظاهر متضررو المرسوم 66 في دمشق خوفاً من مشروع “ماروتا سيتي”، ورفض أهالي الرقة هدم منازل نحو ثلاثة آلاف عائلة بذريعة الإعمار، في مقابل مشاريع فاخرة كـ”يعفور 963” تبدأ أسعار شققها من ثلاثمئة ألف دولار. وهكذا تتحول إعادة الإعمار إلى استثمار للأثرياء، لا إلى حلّ لأزمة سكن الغالبية. ورافق ذلك تقشّف قاسٍ، إذ خفّض “برنامج الأغذية العالمي” مساعداته إلى النصف وأنهى دعم الخبز، فتعمّق انعدام الأمن الغذائي لدى الفئات الأشدّ هشاشة.
أما النهر الثاني فحقوقيّ. انطلق “اعتصام الكرامة” في دير الزور منتصف حزيران/يونيو، مطالباً بمحاسبة المتورطين في جرائم النظام المخلوع، ورافضاً “تعويم” رموزه العائدين بلا حساب عبر “تسويات” أثارت حفيظة الشارع. سرعان ما بلغ الحراك إدلب وحلب وتدمر، وانزلق في مواضع نحو العنف حين حاول محتجون مهاجمة أحياء ذات غالبية علوية، كالمزة 86، فتدخّل الأمن العام لتطويقها. وفي السويداء، تتكرر الوقفات للمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين والإفراج عن المعتقلين. وفي دمشق، فضّت قوى الأمن اعتصام “قانون وكرامة” الذي نادى بدولة القانون ومكافحة الفساد، لتتقاطع مطالب المعيشة والعدالة في ميدان واحد يتّسع من لقمة العيش إلى الحق والذاكرة.
ما الذي يغذّي هذين النهرين؟ في العمق، أزمة بنيوية. ترث البلاد دولة محطّمة، تُقدَّر كلفة إعمارها بمئتي مليار دولار ونيّف، ويعيش أكثر من ثمانين في المئة من سكانها تحت خط الفقر، ويعمل ثلاثة أرباعهم في اقتصاد غير رسمي بلا حماية. ومن هنا، يصطدم التحرير الاقتصادي، حين يجري من دون شبكة أمان للفئات الهشّة، بتطلعات شعب انتظر ثمرة سريعة لسقوط الأسد. تنضاف إلى ذلك عثرة العدالة الانتقالية: غياب مجلس منتخب أخّر إقرار قانون ناظم، وعجز مالي يكبح “جبر الضرر”، وأرشيف أمني هائل يحتاج إلى فرز، في حين يبلغ عدد المطلوبين نحو ستة عشر ألفاً، لم يُوقَف منهم سوى الثلث. ويزيد الطين بلّة مشهد حفلات التبرّع للإعمار التي تحوّلت إلى منصّات لأصحاب الملايين، فتزرع بذور رأسمالية محتكرة قبل أن تقوم للدولة قائمة. وليس مستغرباً أن يرى ثلثا السوريين، وفق استطلاعات محلية، أنّ جهود الحكومة الاقتصادية غير كافية. ولعلّ أخطر ما في هذه الموجة أنها بلا أيديولوجيا أو قيادة؛ إنها غضب موزّع أفقياً على قضايا متفرقة، وهو ما يجعل احتواءها أيسر واستئصالها أعسر في آن.
كيف تتصرف الحكومة؟ تتعامل مع الاحتجاج بقدر من التسامح، وتتراجع أحياناً عن قراراتها؛ إذ رفع المرسوم 120 سعر القمح قليلاً بعد الاعتصامات، وأبدى الأمن العام مهنية في حماية بعض الوقفات، وهو تحوّل نوعي قياساً بنصف قرن من القمع. غير أنّ هذا التسامح يظل هشّاً. فالقرارات الكبرى تُتّخذ من دون تشاور، وتفتقر الموازنة إلى الشفافية، ويمنح تعميم “ترخيص التظاهر” السلطة حقّ المنع، عوض الاكتفاء بالإخطار الذي كفله الإعلان الدستوري. حتى إنّ أدوات من زمن الأسد ما زالت تُستعمَل، كقانون الجرائم المعلوماتية الذي اعتُقل بموجبه الناشط حسّان عكّاد خمسة أيام لمطالبته بشفافية تبرعات الإعمار. وتحت ضغط الشارع وحده، بدأت في نيسان/أبريل محاكمات لرموز كعاطف نجيب ووسيم الأسد والمفتي السابق أحمد حسّون، فيما كشفت الداخلية عن نحو ستة آلاف موقوف؛ وهي خطوة تبقى دون سقف تطلعات ذوي الضحايا.
على صعيد آخر، يتحرك المجتمع المدني والمحلي على استحياء. عادت الإضرابات والتنظيم الذاتي بعد سنوات القهر، فانتخب عمّال “زينوبيا” لجنة إضراب تفاوض باسمهم، وأصدرت مجالس المصالحات ووجهاء إدلب بيانات ترفض عودة “الشبيحة” وتؤكد أنّ العدالة مكانها القضاء لا الشارع. على أنّ هذه الطاقة تصطدم بحدودها: احتجاجات محصورة جغرافياً، بلا تنسيق بين المحافظات، ومن دون أحزاب جماهيرية أو نقابات مستقلة تحوّل المطالب المتناثرة إلى برنامج إصلاح. ومن ثمّ يبقى الحراك أسير لحظته، عاجزاً عن التراكم. ويحتدم بين السوريين سؤال مشروع: هل الشارع أداة مناسبة للتعبير، أم آخر ما يملكه من أُقصي من دوائر القرار؟ يرى ناشطون وحقوقيون أنّ بقاء الحراك سلمياً ومطلبياً علامة نضج، شرط أن يلقى آذاناً صاغية تحوّله إلى فرصة لبناء الثقة، بدلاً من أن يصير تهديداً إضافياً لبلد أنهكته الحروب.
ما الحلول الممكنة؟ تبدأ من إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها تشاركاً لا احتكاراً. تقتضي المرحلة شفافية حقيقية في الموازنة، وتشاوراً مسبقاً قبل القرارات الاقتصادية الكبرى، وحماية واضحة للاحتجاج السلمي باعتباره قناة مشروعة لا تهديداً، وشبكة أمان اجتماعية ترافق أيّ رفع للأسعار، صوناً للإصلاح من أن يصير وقوداً لأزمة جديدة. وتحتاج العدالة الانتقالية إلى جدول زمني معلن، ومؤسسات مستقلة، وإشراك لذوي الضحايا، مع تمييز صارم بين المحاسبة الفردية القائمة على القانون والانتقام الجماعي الذي يصنع ضحايا جدداً؛ فشعار “نصر لا ثأر فيه” لا يستقيم من دون محاسبة فعلية. ولا يقلّ أهمية بناء أرشيف وطني يحفظ الأدلة والذاكرة، وإطلاق حرية التنظيم النقابي كي يدافع العاملون عن مصالحهم بأنفسهم. فإعادة بناء الاقتصاد، في خاتمة المطاف، لا تنفصل عن إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه.
وهنا يتّضح شكل سوريا المأمول: دولة قانون ومؤسسات، تشاركية لا إقصائية، توزّع ثمار الإعمار على عموم الناس لا على حفنة من رجال الأعمال الذين حوّلوا حفلات التبرّع إلى منصّات لنفوذهم. دولة تُنصف الضحية وتحمي المتّهم من العقاب الجماعي، وتصون حقّ الأقليات في العيش الآمن، مثلما تصون حقّ المظلوم في المحاسبة.
نعود إلى رجل القامشلي الذي احتجّ من مقعد سيارته. في إصراره درس ونذير: صار الشارع آخر القنوات المتاحة لشعب يشعر أنّه مستبعَد من دوائر القرار، والأخطر ليس انهياراً مدوّياً، إنما تآكل بطيء للثقة إذا ظلّت المطالب بلا آذان صاغية. أمام دمشق فرصة نادرة لتحويل هذا الغضب من تهديد إلى مدخل لبناء الثقة. فإمّا أن يُصغى إلى الوقفات اليوم، وإمّا أن تتحول، كما حذّرت أصوات سورية كثيرة، إلى انفجار يشبه انفجار عام 2011.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






