by طارق علي | Aug 31, 2025 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
أقرت الإدارة السورية المؤقتة عبر قنواتها الاقتصادية السيادية وعلى رأسها المصرف المركزي اعتماد سياسة نقدية جديدة من شأنها بحسب المخطط المعلن أن تعالج ما أمكن من الخضّات المالية التي عانت وتعاني منها سوريا. ووفقاً لهذه السياسة سيتم استبدال الكتلة النقدية المتداولة بين أيدي الناس اليوم بفئات أخرى يحذف منها صفران، لتصبح الألف على سبيل المثال عشر ليرات، والمئة تصير ليرة واحدة. وهذا الإجراء ليس حكراً على بلد كسوريا، فقد سبقتها دول كثيرة، ومنها تركيا وفنزويلا، لاتباع هكذا سياسة تحت تأثير التضخم والمشاكل الاقتصادية. بعضها نجح في مخططه وأنقذ عملته، وبعضها الآخر كرّس مشكلة التضخم وانتقل من كارثة اقتصادية لأخرى أكثر فداحةً، كبعض الدول في إفريقيا.
آلية الاعتماد النقدي
سوريا اليوم تنوي طباعة ست فئات جديدة من العملة، ومن أجل ذلك ستشكل لجنتين استراتيجية وتشغيلية لمتابعة الملف، وقد حصلنا على معلومات موثّقة من المصرف المركزي بأنّ العملة الجديدة سيصعب تزويرها ضمن موثوقية حماية أمنية عليا، ولن تحوي على صور أشخاص، وسيتم اعتماد طباعتها لدى جهات “موثوقة.” ووفقاً لمصدر المعلومات من داخل المصرف إنّ الطباعة بهذا الشكل ستهدف إلى تخفيف معاناة المواطنين من التعامل مع كميات كبيرة من الأموال المنقولة سواء لشراء الاحتياجات اليومية ولأغراض البيع والشراء العامة. ولن يؤثر هذا الإجراء النقدي بأي شكل حقيقي على قيمة الليرة ذاتها وقوتها الشرائية، فالمليون هي المليون، ولكن بفارق التسمية وتعداد الأصفار. وباختصار فإن استبدال الكتلة النقدية لا يعني زيادتها في التداول والأسواق، بل يعني فقط تبديل ما هو متداول حالياً. فعلى سبيل المثال، مبلغ مئة ألف ليرة سورية اليوم يعادل نحو 10 دولارات أمريكية، وعند التداول قد يكون عبارة عن رزمة من مئتي ورقة من فئة 500 ليرة، أو مئة ورقة من فئة ألف ليرة، أو 50 ورقة من فئة ألفي ليرة، ومن هنا جاءت سياسة حذف الأصفار لتسهيل التعامل اليومي المباشر.
المراحل الثلاث
وحول طرح العملة الجديدة “الليرة” فإنّ ذلك سيكون على ثلاث مراحل، تبدأ بتداول تدريجي إلى جانب الفئات الحالية المتداولة، ثم سحب الفئات المتداولة سابقة، ومن ثمّ حصر التبديل عبر المصرف المركزي، بالتزامن مع حملات توعية إعلامية واقتصادية لأهمية الخطوة المتخذة وتبعاتها والتي يفترض أن يبدأ تطبيقها قريباً، (من المتوقع أن يكون ذلك مع حلول الذكرى الأولى لانتصار الثورة في الثامن من ديسمبر القادم).
ورغم ذلك ثمّة ما هو أهم بكثير من العملية تلك كلّها، وهي الأشياء التي يحاول المسؤولون عدم تبنيها أو الإعلان عنها بشكل مباشر والتركيز عليها وهذا جانب أساسي من المصداقية، وهنا يجب التوقف عند الجملة التي قيلت لنا في “المصرف المركزي” وهي إنّ الطباعة ستتم عند جهات “موثوقة،” فمن هي تلك الجهات، وما هو رأي الخبراء والأكاديميين بذلك؟
مجازفة استراتيجية
بات من المؤكد أنّ سلطات دمشق ستطبع العملة الجديدة لدى شركة “غوزناك” الروسية، فإذا اتجهت السلطة الانتقالية فعلاً إلى إعادة طباعة العملة السورية في روسيا عبر تلك الشركة المملوكة للدولة الروسية، فإنّ هذه الخطوة تعتبر انزلاقاً خطيراً، ليس بسبب دلالات الانفتاح على موسكو، فهذا موضوع له سياق آخر ومحددات مختلفة، لكن الأمر يتعلق بالشركة الروسية نفسها، فـ “غوزناك” واقعة تحت العقوبات الأمريكية، وسجلّها مثقل بالتورط في طباعة مليارات من الأوراق النقدية لصالح سلطات الشرق الليبي، وقد أُثير حولها الكثير من الجدل لاعتبارها أقرب إلى عملة موازية تفتقر إلى الشرعية، بحسب متخصصين.
كما أنّ الانعكاس السياسي لهذه الخطوة سيكون بالغ الخطورة، إذ ستعزز صورة السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى رؤية اقتصادية متكاملة، وتضعها في مواجهة اعتراضات دولية وربما إجراءات عقابية جديدة، بحكم تعاملها مع مؤسسة خاضعة للعقوبات الأمريكية. وبدلاً من أن تشكّل لحظة بناء للثقة، ستُقرأ هذه الخطوة كإعادة إنتاج لآليات سلطات الأمر الواقع، ما يضعف موقع السلطة الانتقالية في الداخل والخارج.
مخاوف اقتصادية
طباعة العملة بحسب مصرفيين وأكاديميين تحدثنا معهم بتلك الطريقة وما سيترتب عليها من آثار وأضرار قد يدل على عدم نضوج اقتصادي يتيح للدولة الوليدة التحرك ضمنه. يشرح الباحث الأكاديمي الدكتور مالك الحافظ بصورة مفندة آليات التحرك الاقتصادي الذي ستقدم عليه السلطات السورية بادئاً من موضوع طباعة العملات في روسيا إذ يرى أنّ بحث السلطة الانتقالية عن حل سريع لأزمة فقدان الثقة بالعملة الوطنية، وعن محاولة إعادة تقديم “رمز نقدي” يوحي بوجود سياسة نقدية جديدة. لكن في الجوهر، لا جدوى حقيقية من هذه الطباعة إذا لم تُرفَق بخطة اقتصادية شاملة، لأنها لن تعالج أصل الأزمة المتمثل في التضخم، والانهيار المالي، وتآكل الثقة بالسوق. ويكمل: “بالتالي فإنّ جدوى طباعة عملة جديدة عبر شركة روسية ليست في جوهرها اقتصادية بحتة، فهي انعكاس لأزمة سلطة انتقالية تبحث عن أدوات سريعة تمنحها مظهراً بأنها تتحكم بالمشهد المالي. فالطباعة هنا تُقاس بكونها محاولة لإظهار أن السلطة قادرة على إنتاج نقد جديد وإدارة دورة المال، حتى لو كان ذلك في إطار هشّ ومن دون قاعدة اقتصادية صلبة. في الواقع، ما يُقرأ من هذه الخطوة أن السلطة تعطي أولوية للرمزية السياسية أكثر من المعالجة الاقتصادية، إذ تريد أن تُثبت أنها تمسك بزمام الملفات السيادية الكبرى، ولو شكلياً، وأنها ليست مجرد إدارة مؤقتة بلا أدوات”. وفيما يتعلق يحذف الأصفار يضيف الدكتور مالك الحافظ: “هذا الإجراء يهدف بالأساس إلى إعادة صياغة صورة العملة في وعي الناس، أي تقديم نسخة (مبسطة) توحي بالاستقرار وتُسهل التعاملات اليومية. لكنه لا يحل أصل المشكلة، فالقدرة الشرائية لن تتغير، والتضخم لن يتوقف. الأصفار يمكن أن تعود سريعاً إذا لم يكن هناك انضباط مالي وإطار اقتصادي متماسك. لذلك، يمكن القول إن جدوى حذف الأصفار محصورة في الجانب النفسي والتواصلي، لكنه في غياب رؤية أوسع سيُقرأ كإعلان غير مباشر عن فشل العملة السابقة، أكثر مما سيُقرأ كخطوة إصلاحية”.
الانعكاس المباشر
وحول انعكاس أمر الطباعة الجديدة على سوريا يرى الباحث مالك الحافظ أنّ الانعكاسات الاقتصادية لطباعة عملة جديدة في هذه المرحلة لن تكون حيادية، بل ستكشف سريعاً عن هشاشة البنية المالية والاقتصادية. في المدى القصير قد تُضخ سيولة في السوق وتُسهَّل التعاملات النقدية، ما يعطي انطباعاً أولياً بوجود قدرة على ضبط المشهد المالي. ويحذر: “لكن هذا الانطباع سرعان ما سيتبدد إذا لم يكن هناك إطار استقرار نقدي يحدد حجم الكتلة الجديدة ويضبط مسار العجز والإنفاق. فالعملة لا تكتسب قيمتها من الورق المطبوع وإنما من الثقة بالاقتصاد وبقدرة السلطة على إدارة التوازن بين الإيرادات والنفقات. إذا تم طبع العملة من دون ضوابط أو من دون وجود خطة لتعقيم السيولة الزائدة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تضخماً متسارعاً وانهياراً إضافياً في سعر الصرف”.
ويوضح الحافظ المخاطر المحتملة: “من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة، إذا جاءت منفردة ومن دون إصلاحات موازية، إلى تسارع التضخم وتراجع قيمة العملة مقابل العملات الأجنبية. وحين يفقد الناس الثقة بالنقد الوطني، يتوسع اللجوء إلى بدائل كالعملة الصعبة أو حتى المقايضة، وهو ما يضعف دور الدولة في إدارة الدورة الاقتصادية. الأخطر أن الأسواق قد تفسر الطباعة الجديدة كدليل على عجز السلطة الانتقالية عن تأمين موارد حقيقية، ما يعمّق الشكوك ويزيد من حالة الهروب نحو الدولار. بمعنى آخر، الأثر الفعلي لهذه الخطوة سيكون تعزيز صورة أزمة الاقتصاد السوري لا التخفيف منها، لأن الطباعة ستبدو أشبه بمحاولة إسعاف شكلي لمرض مزمن، بينما الواقع يتطلب خطة اقتصادية متكاملة تعالج جذور التدهور وتعيد بناء الثقة قبل أي حديث عن إصدار نقد جديد”.
بين الطباعة لسوريا وليبيا
يعتقد الحافظ أنّ التعامل مع شركة روسية خاضعة لعقوبات دولية يفتح الباب على أزمة أكبر من مجرد طباعة نقد. فهو يضع العملة الجديدة، منذ لحظة صدورها، في موقع الشبهة أمام الأسواق الدولية والمؤسسات المالية. السلطة الانتقالية، التي تعاني أصلاً من نقص الشرعية ومن ضعف الثقة، ستجد نفسها متهمة بأنها اختارت طريقاً محفوفاً بالمخاطر يعرّضها لعقوبات إضافية، أو على الأقل لعزلة مالية أشد. هنا لا يعود النقاش حول جودة الورق أو تصميم العملة، بل حول شرعية الإصدار نفسه، وما إذا كان سيُعامل كعملة وطنية معترف بها أم كأداة نقدية مرتبطة بكيان مؤقت يخالف قواعد الامتثال المالي العالمي. وحول هذه النقطة يوضح الدكتور مالك الحافظ أنّه: “إذا نظرنا إلى تجربة ليبيا، فإن المثال يوضح خطورة الانزلاق. طباعة عملة عبر “غوزناك” هناك لم تساهم في حل الأزمة، بل خلقت ازدواجية نقدية وأثارت نزاعات حول شرعية الأوراق المتداولة. السوق الليبي تعامل مع النقد الجديد كأداة لتكريس الانقسام، وأصبح الاقتصاد أكثر تشتتاً، فيما تراجعت قدرة أي طرف على فرض سياسة نقدية موحدة. إعادة إنتاج هذا السيناريو في سوريا تعني عملياً أن العملة الوطنية ستفقد ما تبقى لها من رمزية”.
الموقف الدولي
تباينت آراء أكثر من متخصص في العلوم الاقتصادية حول طباعة عملة جديدة، البعض أشاد بالفكرة إن تمّ تطبيقها وفق رؤية مسبقة حقيقية وقائمة على نواة علمية ثابتة لضمان عدم تكرار هفوات وأخطاء وتجارب دول أخرى كانت تظن أنّ الخلاص بحذف الأصفار، لتجد أنفسها محتاجة ملايين الملايين من جديد لشراء قطعة بسكويت. فيما قال اقتصاديون آخرون إنّ شؤوناً من هذا النوع هي سيادية خالصة ولا تحتمل التأويل والتجريب والاعتماد على نصائح غير الخبراء، ومن بين أصحاب هذا الرأي المتخصص في العلوم المصرفية أحمد سويفان، إذ يرى المعاجلة في طرق الباب الروسي تعطي انطباعاً عن عدم التمكن من الوصول إلى دولٍ أخرى. فبالعموم اختيار شركة معاقبة من أصل شركات عديدة هو بمثابة رسالة انتحار للخارج الذي كان يراقب بهدوء السلطات الجديدة.
من خيار اقتصادي إلى عبء دبلوماسي
يمكن الاستخلاص إلى أنّ إقدام السلطة الانتقالية على طباعة عملة جديدة في روسيا، خصوصاً عبر مؤسسة معاقبة، سيضعف صورتها الرسمية على أكثر من مستوى. على الصعيد البروتوكولي، ستبدو كحكومة عاجزة عن الوصول إلى شركاء محايدين أو مقبولين دولياً، الأمر الذي يضعها في خانة “سلطة أمر واقع” أكثر من كونها سلطة انتقالية مسؤولة عن إعادة بناء الثقة مع الخارج. هذه الخطوة سترسل إشارة سلبية إلى العواصم الكبرى وإلى المؤسسات المالية الدولية مفادها أن الحكومة السورية المؤقتة لا تملك القدرة على احترام قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، وأنها مستعدة للجوء إلى أي مسار، حتى لو كلّفها ذلك عزلتها.
أما على الصعيد المالي، فإن هذا الخيار يضعف احتمالات أي تعاون مستقبلي مع بنوك دولية أو مانحين، لأن التعامل مع عملة مطبوعة لدى جهة معاقبة سيجعلها غير مرغوبة في أنظمة الدفع العالمية، ما يعرقل أي عملية إعادة إدماج لسوريا في النظام المالي الدولي. وفي الداخل، ستظهر السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى الرؤية الاقتصادية الرشيدة، ما يعزز الانطباع بأنها لا تدير مرحلة انتقالية من أجل الإصلاح، بل من أجل البقاء السياسي. النتيجة النهائية ستكون إضعاف موقع سوريا الرسمي في علاقاتها مع العالم، وتحويل خطوة كان يُفترض أن تكون إدارية إلى عبء دبلوماسي ومالي جديد.
by رانيا كرباج | Aug 23, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
ألا تدخل حروب اليوم حصانَها الطروادي الجميل عبرَ بوابةِ مفاهيمنا المشوّهة؟ ربّما تشويه المفاهيم أو بالأحرى تسطيحَها هو السِمة الأهم لعصرنا، مع أن البشرية سلكت من أجلِ بلورتِها وتقويمِها الطريقَ المُنهك للألمِ و التجربة، لكنّ السياسة العالمية اليوم تميلُ إلى تزيين انحرافاتِها بشعاراتٍ برّاقةٍ، ففي مجتمعاتٍ ودولٍ بُنيَـت على أسُس الديمقراطية والعدالة والحريات الشخصية، لا بدّ من أن تُقنعَ الجماهير، بينما مجتمعاتُنا التي لا تزالُ تتخبّط بين موروثِها الديني والمُنجز الحضاري الغربي، يسهُلُ كذلك اختراقُها، طالما أنّها تردّدُ مفاهيمَ لم تُعِدْ فيها النظر.
فيما يخصّ الموروث الديني، ربّما كانت الرسالات السماوية، ثمرة تطوّر فكري وتجربة روحية، قدّمت مفاهيم وقيماً سامية للبشرية، لكنّ تسييسَها وتسخيرَها من أجل تسيير القطيع البشري والتحكّم به، أدى إلى وقوعِها في فخّ الجمود، وسوء التفسير، والتأويل بما يخدم مصالح الرعاة، و ليس بما يخدم الفهم والفكر والتجربة الروحية. فتحوّل الكلام المقدّس الذي كان من المفترض، كي يظلّ حيّاً، أن ينمو ويعمل، إلى حجارةٍ ميّتة، نحتاجُ إلى إزاحتِها عن صدورِنا كي نتحرّر، أو ربّما، وتلكَ المهمّة الأصعب، أن نعيد له دبيبَ الحياة عبر إعادتِه إلى المنابع العذبة، ليس من بابِ التشبّث بالسلف، بل من بابِ البناء على ما هو حيٌّ لدى أسلافنا.
من المعروف أن الثقافة الغربية الحديثة قامت في جزءٍ كبيرٍ منها، على إعادة قراءة موروثها الديني المسيحي اليهودي، ونقدِه، ورفضهِ، ورَميهِ، إلى أن توصّلت إلى بناء مجتمعاتها على أسسٍ علمانيةٍ تحملُ قيمَ التعايش والتآخي والعدالة الاجتماعية والحريّة الفردية، إلى ما هنالك من المفاهيم التي بنى عليها الغربُ نهضتَهُ، لكنّ النيوليبرالية، وما بعد الحداثة، واقتصاد السوق، حرفوا البوصلة وسطّحوا المفاهيمَ واستهلكَوها بحيث تخدم سياستهُ التي تقومُ على الربح بشتى الوسائل المُمكنة، المجتمعات العربية عرفت كذلك نهضة فكرية أخرجتها من ركودها الذي سبّبته مراحل الحرب والاستعمار، إلا أنّها سرعان ما ارتكست إلى الموروث الديني واتّهمت كل فكر نهضوي بالخيانة والتغريب.
ربّما كانت الحرية عبرَ التاريخ من أكثرِ المفاهيمِ ضبابيّةً، فمن ناحية تمّت شيطنتَها، ومن ناحيةٍ أخرى اشتعلت من أجلها، وباسمها الحروبُ والثورات، في الواقع السوري مثلاً هناكَ جدلٌ مُحتدمٌ منذ اندلاعِ الثورة حول مفهوم الحريّة، لقد خاضَ الثوّار حربهم كي يتحرّروا، بينما يعتقد البعض أنّهم جلبوا الدمار والتدخلات الخارجية إلى البلاد، بين هذا وذاك نشبت حربٌ لم تصل بمفهوم الحرية، حتى بعد التحرير، إلى برٍّ آمنٍ يبشّر السوريين بمستقبلٍ أفضل.
بالعودة إلى المفهوم الغربي، تعدّ الحرية من الركائز الأساسية للفكر السياسي والاجتماعي ،لقد طوّرها عبر قرونٍ من الفلسفةِ والثورات، إذ تقوم الدولة في الغرب على احترام الحريّات الفردية، من حرية التعبير والرأي، وصولاً إلى حريّة المُعتقد، والدين والعمل والحركة، كما تقومُ على احترام الحريّات السياسية، والتي تعني مشاركة الأفراد في الحكم واتخاذ القرار عبر حقّ التصويت، وتشكيل الأحزاب، وصولاً إلى حرية المعارضة السلميّة، يذهب الفيلسوف الألماني المثالي هيجل، صاحب الفكر المرتبط بالتقليد الأفلاطوني اليوناني، إلى أنّ الحرية مرتبطة بالوعي، وعي الإنسان لذاته و تجاوزه لرغباتِه الغريزية كي يصبح عقلاً حرّاً مسؤولاً، كما يعتقد هيجل أنّ الحرية لا تتحقّق إلا من خلال الدولة، التي من المفترض أن تكونَ تجلّياً للعقلِ الحرّ، يربط هيجل الحرية بمسار تطوّر الوعي الإنساني عبر التاريخ، كما يرفض الفكرة السلبية للحرية، التي تقوم على رفض القيود الخارجية على الفرد فحسب، و يؤكد على مفهوم الحرية الايجابية، التي هي القدرة على تطوير وتحقيق الذات.
أمّا الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي يعدّ مُلهم ما بعد الحداثة، فقد رفض المثالية الأفلاطونية والمسيحية والأديان، وأعلن “موتَ الإله”، يعتقد نيتشه بالتحرّر الجذري من كلّ القيود، الدينية، والأخلاقية، والإجتماعية، إنّه يؤمن بإرادة القوة، وبالإنسان الأعلى القادر على تجاوز القطيع من أجل إبداعِ قيمهِ و معاييره الخاصة.
أمّا من وجهة نظر الفكر الديني المسيحي، والإسلامي، الذي ولدَ على أرضنا، فتربط المسيحية بين مفهومَي الحقّ و الحرية، إذ تقول الآية على لسان المسيح “تعرفونَ الحقّ و الحقّ يحرّركم”، كما تربط الحقّ بشخص السيد المسيح الذي أتى إلى العالم ليحرّرنا ” أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة” ، تعتقد المسيحية أنّ حياة المؤمن هي طريقُ جلجلةٍ من أجلِ التحرّر، التحرّر هنا بمعنى التحرّر من الشيطان، الذي إن تمكّن وسيطرَ على حياتِنا سيُحيلها إلى جهنّم، الخطيئةُ في المسيحية هي إذن النيرُ المؤلمُ والعبوديةُ الحقيقيّة، هناكَ مقولةٌ جوهريّةٌ لبطرس الرسول “كأحرار، و ليس كالذين الحريةُ عندهم سترةٌ للشرّ، بل كعبيدٍ لله” هناك بالتالي فرق بين الحرية كقيمةٍ إنسانيةٍ عليا و بين ما يرتكب باسمِها من حروبٍ وصراعات.
يتشابه المفهوم الإسلامي مع المفهوم المسيحي من حيث ربطهِ لحرية المرء بتحرّره من كل ما هو دنيوي من أجل عبادةِ الله وحده، كذلك بربطه مفهوم الحقّ بالربّ الذي هو الفيصل بين الهدى و الضلال، تقول الآية ( وقُلِ الحقُّ من ربّكمْ فمن شاءَ فَليؤمِن ومَن شاءَ فليكفرْ)، طريقُ الحقّ إذن هو طريقٌ الايمان بالله ، المؤمن في الإسلام مأمورٌ كذلك بإقامةِ القسط، الذي يعني نفي العدوان ورفضه، ونيل كلّ ذي حقًّ حقّه، العدلُ في الإسلام بالتالي قيمة مُطلقة و شرط من شروط الايمان القويم ( يا أيّها الذينَ آمنوا كُونوا قَوّامينَ بالقسطِ شهداءَ لله وَلَو على أنفُسِكمْ.. ).
إذا كان الفكر الديني هو ثقافة أجدادنا التي لن نتمكّن من القفز فوقها، فإنّ الثقافة في جوهرِها،هي بحثٌ وتجدّدٌ، يقوم على القدرة المستمرة على مواجهةِ ذاتنا، الفردية والجماعية، من أجلِ نقدِها وإعادة تشكيلها، وهذا لا يحصل إلا عبر الكثير من الألمِ والخسارة، المعضلة أنّ هناكَ من يفضّل أن يبقى رازحاً تحتَ ثقلِ الخسارة على أن يعيدَ النظرَ في ذاته، فتلكَ لحظةٌ تصيبهُ بمقتل، لذا يكتفي بتزيين الواقع المُهترئ بشعاراتٍ وانتصاراتٍ وهمية، أما وفي أقصى درجات التطرّف، هناكَ من يفضّل أن يرتكب جريمة على خوضِ هذه المواجهة مع ذاته، فإمّا يقتل الآخر الذي لا يشبهه، أو ينتحر، فيفجّر نفسهُ ومن حولَه.
بالعودة إلى الواقع السوري، لقد غدا واضحاً أنّ التحرّر من نظام ظالمٍ هو خطوة لازمة، ولكنّها غير كافية ، فالحرية طريقٌ طويل ومرتبط في كل مرحلة بقدرتنا على توسيع رقعةِ وعينا وإعادة صياغة ذاتنا، و بالتالي فهمنا و مفاهيمنا، يرفض السوريونَ اليوم مع كلّ الخسارة والدم والألم التي تكبّدوها خلال أربعة عشرة عامٍ من الاقتتال، إعادة النظر في ذاتهم من أجلِ الوقوفِ على برّ أقرب إلى الحقيقة، له أن ينقلهم إلى بناء دولةِ المواطنة و الحريّة التي ناضلوا من أجلها.
وإذا كنا نحن أرضَ الديانات السماوية التي طالما ربطت بين مفهومَي الحقّ والحرية، ألا يجبُ علينا أن ندركَ أن كرةَ الحقد التي تتدحرجُ على أرضنا مرتبطة بالقفزِ فوق عتبةِ العدالة الانتقالية؟ يحتاجُ الشعب السوري إلى تلكَ العدالة كي يشكّل سرديّة واقعيّة عن أربعةَ عشر عامٍاً من الاقتتال، يُحاسبُ من خلالها الجلادين وتتحمّل الأطرافُ المتصارعة مسؤوليّتَها عن المقتلة، الحقّ وحده ما سيحرّرالشعب السوري من الحقدِ والاحتقان، تلكَ أولى و أهمّ الخطا نحو الحرية.
أمّا تجييش المجموعات العرقية والطائفية على بعضها، فهو حصانُ طروادة الجديد اليوم ، يعبرُ عبرَ الحسّ الوطني المُهترئ لدى بعض السوريين، مُشعلاً حرباً جديدةً قد يطولُ أمدها، لقد نسيَ البعض أنّ الوحدة كانت حلم أبناءِ المنطقة بكافة طوائفهم، ويعملون اليوم بيادق لدى مشروع التفتيت، طبعاً ليس بريئاً الخارج من الاستثمار في انقساماتِنا الداخلية من أجلِ خلق سوريا الضعيفة المُشتّتة التي عمل طويلاً من أجلها، كما ليس بريئاً مشروع بناء دولة على أساس طائفي،إقصائي، في حين تُبنى الدول على أساسِ المساواة في المواطَنة.
أخيراً فإنّ تمزيق الوطنية كإحساس، والمواطَنة كمفهوم، ليس مرتبطاً بالمعضلة السورية فحسب، إنّهُ سياسة عالمية، إذ تقوم النيوليبرالية الغربية وما بعد الحداثة على تَسييل المفاهيم بما يخدم اقتصاد السوق، المواطنة السائلة هي أحد سمات مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث يجري تحطيم مفهوم الدولة القومية في سبيل انتماء عالمي، عَولمي، لا يعترف بالأرض والجذور واللغة والتاريخ والجغرافية، إنما بسوقٍ عالميةٍ، يتم فيها تَسيير القطيع البشري عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مصالح الرعاة، ورؤيتهم لكرةٍ أرضيةٍ يجلسون على عرشها ويتصرّفون كآلهة.
by دعد ديب | Aug 19, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
يمثل الترند “”The trend أًحياناً رأياً عاماً يطغى على كل الخطابات السائدة مما يدفع المعنيين في أي شريحة اجتماعية لركوب الموجة والسيطرة على هذا الرأي وتوجيهه بما يتفق مع مصلحة هذه الجهة أو تلك، والترند كمفردة إنكليزية تترجم على أنها ميل أو اتجاه وقد صار استخدامها وإدراجها في اللغة والحديث العام من الأشياء البديهية نظرا لكثرة تداولها في جميع الأوساط والمواقع، والحقيقة إن الدخول في تفنيد هذه القصص وعزل الحقيقي منها وتنقيته من الشوائب الإعلامية هو كالخوض في عش دبابير حيث لن ترضى عنك أي جهة، وسترى ألف جهة تخوّن وتتهم وتزور أحيانا ولكننا نقول إن محاولة عرض كل الوقائع على الملأ، يمكن أن يساهم في تكوين رأي عام لصالح الضحايا، الضحايا أينما كانوا .
تحفل الذاكرة السورية بحمص من أيام نظام الطاغية ما عُرف وقتها بحادثة الطفلة “جنى” التي راحت ضحية جشع عصابات الكبتاغون والمافيات التابعة لها حيث انتشرت قصتها لتصبح رأياً عاماً وطلب الناس مباشرة من رأس النظام التدخل لإنقاذ حياتها الأمر الذي لم يحصل، وتمت المماطلة والتسويف إلى أن قضت الطفلة نحبها، وهنا كان لزامًا على الحكومة اختراع قصة تسكت الناس في الكشف عن ملابسات الحادثة وتقبض على الفاعلين وتحاسبهم. جاءت القصة المفضوحة باتهام إنسان بسيط يعيش حياة بائسة ومتخلفة وسط المزابل، وتم أخذ إفادته بالاعتراف بقتل الطفلة بعد اغتصابها، القصة التي جاءت منفصلة عن تفاصيل وأوصاف الطفلة: ماذا تلبس وألوان لباسها وما إلى ذلك. ويبدو أن القصة تسربت كذلك إلى وسائل الإعلام الشعبي والخارجي وخوفًا من تداعيات الأمر الذي قد يستدعي لجنة تحقيق خارجية أو تدخل جهة ما قيل إن المرتكب مات لمعاناته من مشكلة صحية طارئة وانتهى الأمر هنا وسكتت كل الجهات بفعل السطوة الأمنية المعروفة بشدتها وتدخلها بكل شيء وضاع حق الطفلة المجني عليها.
رجع هــذا الحادث وملابساته الآن للذاكرة مع ملابسات حادثة مقتل السيدة الراقية” ديالا الوادي التي تحمل الجنسية البريطانية، ابنة صلحي الوادي الفنان العريق والتي يشهد الجميع بثقافتها ورقيها ليتم القبض على الفاعل خلال أربع وعشرين ساعة وهنا تأتي التفاصيل التي يكمن الشيطان فيها، فقد عرف الفاعل بشهادة أحد الجيران الذي طارده مسافة لابأس بها ووثقت الكاميرات صورة الفاعل، وكان من الواضح شعر الرأس الأسود لتأتي صورة الفاعل واعترافاته بهيئة مغايرة للصورة الأولى التي انتشرت وبدا حليق الرأس ويرتدي ثياب السجن. واعترف أن القتل تم بهدف السرقة بعد الاتفاق مع الخادمة، وهذه السرعة تلفت الانتباه وتثير المخاوف في بلد يشكل لجنة طويلة الأمد لمرتكبي جرائم موثقة بالصوت والصورة، قد يكون الهدف منها تسكيت وتطمين الرأي العام عن الشوشرة واللغط الذي يدور عبر ألسنة البعض كونها شخصية معروفة جدًا والتسريبات بأن منزل المغدورة كان مرصوداً لأنه في منطقة المالكي أغلى بيوت الشام وأفخمها وقد تعرضت لزيارات متعددة من قبل جهات مسؤولة من أجل بيتها وملكيتها. ويحكى أنها رجعت من الخارج خوفًا من استملاك بيتها كما يحصل مع الكثير من البيوت الفارغة التي يجري السيطرة عليها بحجة امتلاكها بطريقة غير مشروعة من قبل النظام البائد أو أنها عائدة لأحد رجالاته الهاربين، طبعًا في كل حادثة لا يمكن الجزم بصحة رأي أو عدمه أو التيقن من حقيقة ما الحكاية بخواتيمها وهل الحقيقة هي ما قيل أم سيكشف الستار عن حكاية أخرى وهل سيصار المنزل إلى الورثة أو سيؤول إلى جهة ما.
وتأتي قصة اختفاء سيدة من الساحل لتتصدر الترند فترة من الزمن ليكون اختفاؤها الترند المستمر بعد إنكار شامل مغطى من قبل جهات حكومية وإعلامية لحوادث الخطف التي أقضت مضجع السوريين جميعاً ورغم كل ذلك، في كل يوم تصدر صرخة من إحدى الجهات بغياب فتاة أو امرأة وفقدان الاتصال معها في بقعة ما، ويبقى الإنكار سيد الموقف للجهات العامة رغم توثيقها من قبل جهات خارجية “كلجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة” التي قامت بتوثيق بعض الحالات وتعمل على المزيد منها. وقد نشرت وكالة “رويترز” تقريراً يفيد بوقوع حالات اختطاف لفتيات ونساء في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، حيث يطالب الخاطفون بفدى مالية ويهددون بتصفية المخطوفات إن لم تستجب عوائلهن لمطالبهم.
السيدة فُقد أثرها قرابة أكثر من شهر رغم أنها متزوجة ولديها ثلاثة أولاد وقد توصل أهلها عبر وساطات عدة لمكانها وجاءوا بها، ولكن المفارقة أنها لم تتعرف على أهلها وزوجها وأخيها الذين طلبوا أن تعرض على لجنة طبية توضح وضعها النفسي والصحي، ولكن نمي عنها أنها رجعت لزوجها الآخر في الأتارب بإرادتها والذي يقيم معها علاقة شرعية وهـذا طبعًا يلفت النظر إلى التساهل في قضية زوجة تترك زوجها ليُعترف بعلاقتها بآخر دون طلاقها من الأول مما يشير أن وراء الأكمة ما وراءها
لكن الترند الجديد في ظهورها في فيديو مصور فجر القصة من جديد وحكاية جديدة لما حصل بأنها هربت من عنف زوجي وعائلي وهي سعيدة جدًا بحياتها الجديدة ولن ترجع عنها، وبالنسبة لأولادها تخيرهم في أن يلحقوا بها أم لا ولا تشير لارتباطها بآخر من بعيد أو قريب. الحقيقة أن القصة غير مقنعة رغم إقرار صاحبة الشأن بذلك والثقة المبالغ بها بصوابية ما فعلت لسبب بسيط وهو تناقضها مع الإحساس الأمومي الطبيعي ودعم الجهات الوصائية لفعلتها وخاصة أنها جهات لا تسمح بوجود رجل وامرأة على مقعد في باص، وتضع مصاعد خاصة للرجال والنساء في معظم دوائر الدولة وتمنع تنزه شاب وشابة في حديقة مما يثير الريبة أنها تتسامح وببساطة مع بقصة من هذا النوع وتدافع عنها وكأنها قصة ميرا تعاد من جديد حيث يتجند إعلاميون وجهات مانحة لاحتضان حالتها وكأني بهم يمررون فكرة هروب الفتيات من منازلهم فداء للحب طبعاً. لا يمكن التنبؤ بما قد يحصل لها فيما بعد لإسكات صوت قد يقول الحقيقة يوماً ما.
كل ذلك من أجل إنكار وجود خطف بالبلد رغم الصيحات المتتالية التي تعود في كل حين حول فقدان أثر امرأة ما والأمر هنا لا يتعلق بالنساء وحسب، ولكن أيضاً هناك شباب يُختطفون ولكن سرعان ما تظهر جثثهم في مكان ما دون أن يعرف أحد ملابسات الأمر.
وطبعا لا تتدخل أي جهة حكومية لغاية اللحظة لتفسير وتبرير ما يحصل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الأمن والأمان بغض النظر عن فاعلية هذا الأمر.
وتتحول القضية إلى قضية رأي عام يصمت فيه من حاول أن ينفي حوادث الاختطاف ويعلو صوت من هو متضرر من تلك الحوادث المريبة التي تصنف تحت يافطة السبي والاتجار بالبشر المحرمة دولياً وقانونياً بالوقت الذي كانت الضحية الأخيرة موجودة ولتوصم جميع المختفيات بوصم الانفتاح والتهتك الأخلاقي وعن مسؤوليتهن الشخصية فقط في الخروج عن العائلة والأعراف لا بصفتها قضية عامة تنشأ بفترة النزاعات والحروب كوسيلة ضغط عل الجهة المهزومة أو كفكرة عقائدية جهادية تعيد إلى الأذهان ما فعلته داعش بالايزيديات التي مرت ذكرى استعبادهن من فترة وجيزة ولكن هنا في هذه الحالة التي بين أيدينا قد يخشى من الضغط الدولي من المجاهرة بالهدف منها.
حيال كل هذا لا غنى عن تفعيل دور القضاء المستقل والأهم اعتماد قوانين وضعية معترف بها دولياً وعدم الركون إلى رؤية فقهاء أو مشايخ لم يحدد إمكانيتهم الفكرية والمعرفية والاعتماد على القوانين المتعارف عليها ريثما يتم الإجماع على قوانين بديلة وتبقى الشفافية والوضوح الوضع الأمثل لمن يريد ويبغي الحقيقة كل الحقيقة.
by عامر فياض | Aug 11, 2025 | News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
في منتصف شهر تموز الماضي، دخلت قوات الأمن العام إلى محافظة السويداء برفقة أرتالٍ كبيرة من عناصر وزارة الدفاع، ضمن عمليةٍ عسكرية استُخدمت فيها الدبابات والأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، ثم تبعها بعد أيام دخول عشرات الآلاف من مجموعات العشائر التي قَدِمت من عموم سوريا تلبية لنداءات “الفزعة”. وقد زعمت سلطة الحكومة الانتقالية في دمشق أن سبب دخول المحافظة جاء نتيجة وجود عصاباتٍ مسلحةٍ خارجة عن القانون، إلا أن الواقع الكارثي الذي شهدته المحافظة وحجم القصف الوحشي العشوائي، وشهادات الناشطين وأهالي الضحايا وشهود العيان، وفيديوهات المجازر التي صُورت من قبل مرتكبي الجرائم والإنتهاكات، كل ذلك أوضح للقاصي والداني أن الهدف الأساسي لدخول المحافظة، بالنسبة لمعظم الفصائل المسلحة التي اقتحمتها، كان بغرض الانتقام من أبنائها وإذلالهم ونشر الرعب في قلوبهم، وقتلهم على أساسٍ طائفي، في مشهدٍ يُذكرنا بمجازر الساحل، دون التمييز بين مسلحٍ ومدني وطفل وامرأة ومُسنّ، وهو ما أكده القتلة بأنفسهم عبر نشرهم لمئات مقاطع الفيديو التي تُظهر إهانتهم ومعاقبتهم لكل من وقع في أيديهم، ابتداءً بحلق شوارب الشباب والشيوخ، وترديد العبارات الطائفية المشحونة بخطاب الحقد والكراهية والتوعد بذبح وسفك دماء “الدروز الخنازير”، مروراً بإهانة الرموز الدينية وخطف النساء وتمزيق صور الشيوخ والمجاهدين ودوسها وتحطيمها بالأقدام، وليس انتهاءً بالانتهاكات الإنسانية الفاضحة وعمليات التدمير والنهب والإعدامات الميدانية والمجازر الجماعية.
حتى اليوم يصعب الحصول على رقمٍ نهائي لأعداد الضحايا التي تجاوزت الألف وأربعمائة، وذلك نتيجة صعوبة الوصول إلى مئات الجثث المتناثرة في القرى المنكوبة، وعدم معرفة مصير كثير من المفقودين. ولو أردنا الحديث فقط عن المجازر الجماعية وعمليات القنص والتصفية الميدانية لاحتجنا لعشرات المقالات، لذا سنكتفي بالحديث عن بعضها.
“تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتكِ ولم أحميكِ، خذلكِ الوطن، خذلكِ ما كنا نسميها ثورة، ولم تري منها سوى الظلام والموت، هل تألمتِ عندما اخترقت الرصاصة رأسك؟ ماذا أقول للغيتار والكمان؟ من سيعزف عليهما بعدك؟ ماذا أقول لدفتر الرسم والألوان؟” تلك الكلمات هي جزء مما نشره المهندس حسام الشوفي على صفحته في فيسبوك، ناعياً طفلته التي قَضَت برصاصة قناص. تالا عازفة الكمان والغيتار، التي لطالما رافقت والديها إلى ساحة الكرامة، خلال المظاهرات التي نادت بإسقاط نظام الأسد، ورفعت لافتات تُندّد بقتل المدنيين وتحلم بوطنٍ لجميع السوريين، تالا التي كتبت ولحّنت وغنت أغنية لسوريا الجميلة، التي حلمت بولادتها بعد سقوط نظام الأسد.
خلال نزوحها مع عائلتها، هرباً من الموت، لم تتمكن عازفة الكمان الطفلة غنى هلال من اصطحاب الكمان معها، لكنها، وبحسب ما قالته والدتها، وضعت في حقيبتها، إلى جانب ثيابها، دفتر الرسم والألوان، لعلها كانت تأمل أن تتمكن من ممارسة هواية الرسم في مكانٍ ما، أو ربما أرادت أن تُجابه سلاح القتل بسلاح ألوانها، لكن رصاص القناص كان أقوى من شغفها بالحياة. أصابتها إحدى رصاصته في عنقها، وهي جالسة في حضن والدتها، داخل السيارة التي كانت تنقلهم. أمالت رأسها على كتف والدتها وفارقت الحياة على الفور.
في مشهدٍ مشابه، قد تعجز السينما عن صناعته، وخلال محاولة عائلتها مغادرة المدينة نحو مكانٍ قد يكون آمناً، اُصيبت الطفلة تالا العبدالله مع جدتها برصاصة قناص. الرصاصة الحاقدة اخترقت كتف الجدة واستقرت في رأس الطفلة لتنهي حياتها.
خلال تعرض مدينة السويداء للقصف، وفي محاولة للنجاة من الموت، خرجت الطفلة تايلا الحمود (التي لم تكمل عامها الأول) من المدينة مع والدتها وعدد من أفراد العائلة باتجاه مدينة شهبا، وبحسب شهادة والد الطفلة، تعرضت السيارة التي كانت تنقلهم لإطلاق نارٍ، دون سابق إنذار، من قبل دورية تابعة لجهاز الأمن العام، ما أدى لاستشهاد تايلا مع خالها وجدتها.
وفي مصادفةٍ قد لا تحدث إلا في الروايات والأفلام: نجت الطفلة جودي عمار زغيبة من مجازر بانياس/ القصور (التي وقعت بحق أبناء الطائفة العلوية) بعد مقتل عددٍ من جيرانها بذات المبنى التي كانت تقطنه، لكنها قُتلت في إحدى المجازر التي ارتكبت بحق أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، المدينة التي انتقلت إليها هرباً من الموت وطلباً لحياة آمنة.
في إحدى الشوارع صادف بعض المسلحين رجلاً مُسنّاً يسير بخوفٍ وارتباك، فسأله أحدهم: أنت درزي؟ وفي محاولة يائسة للنجاة، وظناً منه أن جوابه قد يُنجيه من الموت المُحقق، أجاب الرجل بذعر: “أني رايح جيب خبز“، وقبل أن يُنهي جملته قاطعه رصاص المُسلحين، الذي امتزج بقهقهاتهم وعباراتهم الطائفية.
أحد مشاهد القتل الطائفي ذكَّرنا بمجزرة التضامن التي ارتكبتها عصابات الأسد بحق عدد من المدنيين: يُظهر المشهد ثلاثة شُبان (طبيبان ومهندس) من عائلة عرنوس، أخرجهم المسلحون إلى شرفة منزلهم تحت تهديد السلاح، ثم أجبروهم على إلقاء أنفسهم من الشرفة، وخلال سقوطهم أطلقوا النار عليهم، تماماً كما حدث خلال مجزرة التضامن، التي طُلب من ضحاياها أن يسيروا نحو حفرةٍ كبيرة ليتم إطلاق النار عليهم خلال سقوطهم بداخلها.
وفي واحدٍ من أقسى المشاهد وأكثرها إيلاماً، يصور القتلة رجلاً يدعى منير الرُجمة وهو يجثو أمام إحدى مدارس بلدة الثعلة. يسألونه: أنت درزي؟ فيجيبهم بصدقٍ وألم: سوري أنا يا أخي. ولأن القتلة لم يفهموا ما قاله الرجل الضحية، ولا يعنيهم إن كان سورياً، أعادوا السؤال بنبرةٍ صارمة وتهديدية: أنت درزي؟ الرجل الذي تبوح عينيه بمدى صدقه، لم يستطع أن يُنكر من هو، وبمجرد أن أجاب:”يا أخي أنا درزي” إنهارت عليه طلقات الحقد ليُقتل على الفور هو و”سوريته” التي ظنَّ أنها ستنقذه.
رغم سنوات عُمره الذي تخطى الثمانين، ورغم جلوسه إلى كرسي متحرك وعجزه عن المشي وإصابته بمرض السكري، لم يرأف القتلة بحال الشيخ حسين أبو محمود، بل تفنّنوا في قتله، خلال اقتحام منزله، فقاموا بتقييده إلى الكرسي الذي يجلس عليه أمام بيته، وأطلقوا النار عليه، ثم قاموا بإحراق جثته، في مشهدٍ يعكس مدى حقدهم وشهوتهم للانتقام.
لم يشفع لمضافة آل رضوان تاريخها الوطني واستقبالها للنازحين والمعارضين الهاربين من بطش نظام الأسد البائد، إذ تعرضت لمجزرة مروعة بعد اقتحامها من قبل مسلحين أعدموا جميع من كان بداخلها (أكثر من 10 أشخاص) رمياً بالرصاص، بتهمة أنهم دروز، لتمتزج دماؤهم مع القهوة التي اندلقت في المكان بعد أن حطَّم الرصاص أباريقها. قبل تلك المجزرة، وللمصادفة المؤلمة، قام بعض المسلحين، خلال اقتحامهم للمدينة، بتحطيم وتفجير تمثال المجاهد حسين مرشد رضوان باني تلك المضافة، وأحد أبرز المناضلين ضد الاحتلال الفرنسي.
تلك المجزرة هي واحدة من المجازر الجماعية التي ارتُكبت لأسباب طائفية بحق عائلات بأكملها، ومن بينها عائلة بدرية، مزهر، الأشقر، وعائلة سرايا التي يحمل أحد أبنائها الجنسية الأمريكية، وعائلة بدر التي ينتمي إليها وزير الزراعة المهندس أمجد بدر، إذ تعرض نحو عشرة مدنيين من عائلته إلى عملية تصفية ميدانية، على يد مسلحين يرتدون زياً عسكرياً، داخل مضافةٍ للعائلة بالقرب من ساحة سمارة، بعد دخول قوات الأمن العام وعناصر وزارة الدفاع إلى المدينة في 15 تموز.
وللمفارقة المؤلمة، كثير من ضحايا المجازر كانوا ممن ينتمون للثورة السورية ومن أشد معارضي الأسد ومن رواد ساحة الكرامة. لم يسألهم قاتلوهم عن موقفهم السياسي والوطني، وإنما قتلوهم فقط لأنهم دروز، ومن بينهم الإعلامي بهاء الحناوي، والمهندس أنيس ناصر، والفنان التشكيلي توفيق شيا وغيرهم الكثير والكثير.
حالات اختفاء واختطاف للنساء
وثَّق العديد من نشطاء السويداء اختفاء نحو 80 امرأة وفتاة، يُرجح أن معظمهن قد تعرّضن لعمليات اختطاف من قبل بعض المجموعات المسلحة التي اقتحمت المحافظة، وهو ما أكده كثير من الشهود والفيديوهات التي صورها ونشرها الخاطفون بأنفسهم، إذ أظهر أحد تلك الفيديوهات مجموعة من النساء المحتجزات لدى مجموعة مسلحة، يتحدث أحد أفرادها عن إمكانية مبادلتهن بالأسرى الذين وقعوا في أيدي أبناء المحافظة، وفي مقطع فيديو آخر ظهر بعض مسلحي العشائر يدَّعون حمايتهم وإنقاذهم لمجموعة من النساء المحتجزات في أحد البيوت، إلا أن ملامحهن وهيئاتهن كانت تُظهر أنهن تعرضن لعملية اختطاف. وقد أظهر مقطع فيديو، من تقرير للتلفزيون العربي، إحدى عمليات الخطف على الهواء مباشرة، لثلاث نساء وطفلة يجلسن في سيارة لمسلحي العشائر، الذين ادّعوا أنهم أخرجوا النساء من المدينة بغرض حمايتهن، وعند سؤال المراسل لإحداهن عن حقيقة الأمر، أجابت بخوف وارتباك: “هني طلعو جابونا”، في مشهدٍ يُظهر أنهن اختطفن من بيتهن عنوة.
وبعد ظهور السيدة ماجدة ريدان مع ابنتيها وحفيدتها في فيديو نشره أحد مسلحي العشائر، الذي كان يدعي نقلهن إلى المستشفى بغرض علاجهن، تم تأكيد عملية اختطافهن من خلال مقابلة مع السيدة ماجدة (بعد تحريرهن من الخطف في عملية تبادل للأسرى) التي تحدثت عن تفاصيل اختطافهن من قريتهن (رضيمة اللواء) وعن نقلهن إلى محافظة حماة، التي بَقين فيها لعدة أيام. وقد تم تسليمهن للأمن العام خلال عملية التبادل، ومن ثم عدن إلى المحافظة عن طريق الهلال الأحمر.
أكثر من 35 قرية لم تعد صالحة للعيش
أدت الحملات العسكرية وما تبعها من هجماتٍ واقتحاماتٍ إلى تدمير وإحراق ونهب أكثر من 35 قرية، بالإضافة إلى أجزاء كبيرة من مدينة السويداء، حيث تعرضت جميعها إلى قصف بالأسلحة الثقيلة وقذائف الهاون والمسيرات، هذا إلى جانب ما تعرضت له خلال عمليات الاقتحام من تخريبٍ مُمنهج. وقد أدى ذلك كله لإحداث كارثة إنسانية كبيرة وتهجير أكثر من 100 ألف شخص، نزحوا إلى مدينتي شهبا وصلخد وبعض قرى وبلدات الريف الجنوبي، ومازالوا يعيشون حتى اليوم في مراكز الإيواء والمدارس والمقامات الدينية وفي كثير من البيوت التي قامت باستضافتهم.
من مدخل المحافظة الشمالي حتى بلدة أم الزيتون، ولمساحة تمتد لنحو أربعين كيلو متراً، جميع القرى المنتشرة محاذاة طريق دمشق السويداء أصبحت منكوبة ولم تعد صالحة للعيش وتم تهجير جميع سكانها، ومن بينها قرية الصورة الكبيرة، رضيمة اللواء، السويمرة، ذكير، لاهثة، الصورة الصغيرة، الخالدية، المتونة، خلخلة، أم حارتين، حزم، وغيرها.
المصير ذاته تعرضت له معظم قرى الريف الغربي والمحاذية لمحافظة درعا، ومن بينها، قرية الثعلة، الدور، المزرعة، الطيرة، الدويرة، تعارة، لبين، حران، نجران، قراصة، داما، المجدل، المجيمر، ريمة اللحف، ولغا وغيرها.
ولم تقتصر الهجمات المسلحة على حرق وتدمير ونهب البيوت والمقامات الدينية والسيارت والمحلات التجارية وغيرها، بل طالت أيضاً البنى التحتية و جميع مرافق الحياة في كثير من القرى، إذ تم تخريب وتدمير شبكات وأعمدة الكهرباء والبنى التحتية للمياه، إلى جانب تدمير معظم الآبار والخزانات المركزية الكبيرة، في أغلب المناطق التي سيطرت عليها الفصائل والمجموعات المسلحة، من خلال تفجيرها بالألغام والمتفجرات أو تخريبها ونهب معداتها، ومن بينها آبار قرية الثعلة التي كانت تزود مدينة السويداء بـنسبة 70% من مياه الشرب. ولم تنجُ خزانات المياه المنزلية بدورها من عمليات التخريب والتدمير الممنهج، في محاولة واضحة لحرمان الناس حتى من مياه الشرب. كل ذلك حدث في ظل أقسى موجات الجفاف التي تشهدها عموم البلاد، والتي أدت إلى نضوب معظم مياه السدود الحيوية في المحافظة، كسد الروم والجوالين والعين وغيرها.
وفي محاولة واضحة للانتقام من جميع سكان المحافظة، تم إحراق صوامع الحبوب في بلدة أم الزيتون وتخريب المطحنة المركزية التي تمدُّ عدداً من الأفران بمادة الطحين، كما تم نهب وحرق الكثير من الصيدليات ومستودعات الهلال الأحمر وسيارات الإسعاف، وخاصة في مدينة السويداء، ولم ينجُ المستشفى الوطني للمدينة من عمليات القصف والاقتحام والحصار، التي أدت لخروجه عن الخدمة لعدة أيام، ولحدوث أزمة إنسانية وطبية كبيرة ولتراكم الجثث في الممرات وفي العراء، هذا عدا عن الانتهاكات والإعدامات الميدانية التي ارتكبت بحق عدد من المصابين والكوادر الطبية.
ولاتزال محافظة السويداء، حتى اليوم، تعيش أوضاعاً إنسانية كارثية، وأزمات معيشية قاهرة، في ظل نقص المواد الغذائية والأدوية والطحين ومياه الشرب، وغياب المحروقات والوقود، وانقطاع الكهرباء، وكل هذا يحدث في ظل استمرار الحصار الخانق المفروض على المحافظة، منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وإغلاق كافة الطرق المؤدية إليها من دمشق ودرعا، حيث يقتصر دخول الإمدادات والمساعدات على بعض القوافل الإغاثية التي تُدخلها منظمة الهلال الأحمر وبعض المنظمات الإنسانية عبر طريق بصرى الشام /السويداء، الذي بات معبراً إنسانياً وحيداً، وضمن كميات محدودة وإسعافية، لا تكفي لسدّ جزء بسيط من احتياجات المحافظة.
by أسامة إسبر | Jul 15, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
”إن العالم الذي نعتقد أننا نعرفه يتغيّر تحت أقدامنا لأننا قمنا بتغييره. نحن ندخل مرحلة المناخ المجهول.“
جون فايلانت
حين ينعدم اليقين، ويُوظَّف الخطاب الإعلامي الرسمي ليخدم رواية محدّدة بدلاً من أن يكون مصدراً للمعلومة الدقيقة، غالبًا ما تأتي نظريات المؤامرة بأسلحتها من الشائعات وتسدّ الفراغ، وتنتشر كمثل النار في الهشيم محمّلة بشحنات عاطفية، وتُعيد تشكيل فهم الناس للأحداث. والسبب هو أنها تتوافق مع طرق التفكير السائدة، وتخدم الانتماءات الإيديولوجية. نشهد هذا على أوضح وجهٍ في الجوّ السوري حيث تتواصل الاتهامات والاتهامات المضادة حول أسباب حريق اللاذقية، وترسم صورة مشوهة له وهو يلتهم الرئة الخضراء لسورية.
من الأجدى أن نقرأ حريق اللاذقية في سياق التغير المناخي، لا بمعزل عنه، وأظن أن كتاب الصحافي الكندي جون فايلانت ”طقس النار: على الخطوط الأولى لعالم يشتعل“ يقدّم رؤية عميقة لفهم هذا النوع من الكوارث. يذهب فايلانت إلى أننا دخلنا عصراً جديداً لم تعد فيه الحرائق ظواهر طبيعية مألوفة كما عهدناها، بل تغذيها قوى مناخية. فمع ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الهواء، واشتداد الرياح، يتشكل الجو المثالي للاشتعال. ذلك أن النظام المناخي بات يحتوي على قدر غير مسبوق من الطاقة الحرارية، ومع الاحترار العالمي تتعرض الغابات للجفاف بوتيرة متسارعة، وتتحول النباتات إلى وقود هش سهل الالتهاب. لكن الحرارة، كما يشير فايلانت، ليست سوى طرف واحد في المعادلة، فالرطوبة المنخفضة تمثل عاملاً خفياً لكنه بالغ التأثير. إذ حتى عندما لا يبدو سطح الأرض جافًا، قد يكون الهواء نفسه شديد الجفاف، ما يؤدي إلى سحب الرطوبة من الأشجار والتربة والأعشاب. وبهذه الشروط، يتكوّن ما يُعرف لدى رجال الإطفاء بـ ”الوقود المتفجر“، حيث تكفي شرارة صغيرة لإشعال حريق لا تمكن السيطرة عليه. أما الرياح فهي العنصر الأخطر في رأيه، ولقد قدم وصفاً شعرياً لحريق فورت ماكموري في كندا قائلاً إن النار لم تكن تشتعل فحسب بل تتحرك بسرعة وكأنها مُطَاردة. فالرياح لم تكن تدفع الحريق فحسب بل تغذّيه. يشير فايلانت أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الحرائق صارت قادرة على صناعة طقسها الخاص. ففي ظل الحرارة الشديدة يمكن لأعمدة الدخان والهواء الصاعد أن ينتجوا سحباً تُطلق برقاً ورياحاً عنيفة كالعواصف الرعدية فيتحول الحريق إلى نظام ذاتي التغذية. يطلق فاليانت على هـذا الطقس الجديد اسم طقس الحرائق الـذي يعكس تحولاً في سلوك الحرائق لأن العواصف الرعدية باتت تصل دون مطر وتشعل الأراضي الجافة.
حرائق مضيئة ومؤامرات لا تحتاج إلى نظرية
ثمة حرائق سابقة حدثت في مناطق أخرى من العالم يوضحُ الجدلُ الـذي دار حولها كيف تؤثر الإيديولوجيا والانقسامات السياسية في الروايات المتداولة حول أسبابها: أثناء حرائق ولاية أوريغون الأمريكية عام ٢٠٢٠، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم لا أساس لها من الصحة بأن نشطاء مناهضين للفاشية ومتطرفين يمينيين أشعلوا الحرائق عمداً. انتشرت الشائعات بسرعة وتدفقت على مراكز الطوارئ اتصالات من مواطنين تحدثوا عن اعتقالات لم تجْر. وعلى الرغم من نفي الشرطة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي لهذه المزاعم، إلا أن كثيرين واصلوا تصديق أن الحرائق نجمت عن مؤامرة سياسية منظمة. لكن كل ما فعلته هذه الاتهامات هي أنها حاولت تقويض الخطاب البيئي حول الاحتباس الحراري، ورسّخت المعلومات المضللة، وأثرت في الطريقة التي فسّر بها الناس الأزمة.
يكشف لنا الإعلام الاجتماعي أننا لم نعد بحاجة إلى منطق أو أدلة تدعم ما نقوله أو نسوقه على أنه الحقيقة والسبب هو أننا دخلنا في ما دعتْه الفيلسوفة السياسية الأمريكية نانسي روزنبلوم مرحلة المؤامرات التي لا تحتاج إلى نظرية. في جوّ كهذا تصبح المزاعم العاطفية، حتى وإن كانت غير صحيحة، بدائل مؤقتة حيث يفتقر الناس لليقين. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من المستحيل تقريبًا احتواء نظريات المؤامرة، إذ تتم تغذيتها بمحتوى يعزز القناعات المسبقة، الأمر الذي ينتج حلقات مغلقة تتكرر فيها الأكاذيب حتى تبدو حقيقية. يشبه هذا ما يجري في الواقع السوري حيث تُشْحَن بطاريات الاتهامات بكهرباء طائفية تصرف أنظارنا عن الأسباب البيئية للكوارث الطبيعية. في جو مشحون كهـذا تغيب التفسيرات العلمية، ويُغطّى موضوع التغير المناخي بحجابٍ إيديولوجي يخفيه، ويُصوَّر الأمر على أنه صراع بين سلطة تحاولُ تأمين الاستقرار وفلولٍ يحاولون زعزعته من طريق إشعال الحرائق بدعمٍ وتمويل من جهات خارجية تتربّص بالنظام الجديد. فيما يشيع البعض الآخر أن ما يجري محاولة لتهجير سكان هذه المناطق من أجل مشاريع اقتصادية قادمة.
تدخلت الإيديولوجيا في حريق اللاذقية، وتعددت حول أسبابه روايات تلائم مصلحة كل طرف. وبصرف النظر عن قصة هذا أو ذاك، تكشفت النار عن وضع مأساوي سوري ينذر بمخاطر جمة تهدد الأفق المتوسطي. ورغم هذا الخطر الداهم لم تحدث فزعةٌ رسمية لإطفاء الحريق كالفزعة التي حدثت لإخماد تمرد الفلول وارتكاب المجازر ضد المدنيين العلويين في بيوتهم. ولم تحدث فزعة عربية أو دولية فورية لاحتواء الكارثة وإنقاذ المساحات التي احترقت.
عالم جديد
يقول الصحافي الكندي جون فاليانت إن العالم الذي كنّا نعيش فيه ونطمئن إلى ثقافته قد تهاوى، وولد مكانه عالم جديد تتربّع على عرشه النيران. يقترح استبدال مصطلح “الإنسان العاقل” بـ”الإنسان الناري”، وهو اسم مشتق من ولائنا للاحتراق واعتمادنا عليه. فنحن، في نظره، كائنات نارية، لأن النار هي محرّك حياتنا وقوتنا العظمى. لكن المفارقة أن هذا الاعتماد الكبير على الاحتراق جعل العالم أكثر قابلية للاشتعال من أي وقت مضى في تاريخ البشرية. وفي هذا العالم القابل للاشتعال، لا يمكن حصر حريق اللاذقية – الذي قضى على أكثر من ١٦ ألف هكتار من الرئة الخضراء لسورية – ضمن حدود التأويل الإيديولوجي، أو تلوينه بلون الانقسامات والاستقطابات التي نعيشها. فالنار التي التهمت غابات الساحل لا تسأل عن هوية من تضرهم، بل تحرق بيئة السوريين جميعًا، وتحدث آثارًا بعيدة المدى تهدد حياتهم ومستقبل أبنائهم. ومع اشتداد النيران، يكتشف السوريون الحريصون على بلادهم مرجعية جديدة تتشكل من رماد الحرائق يصنعها أبطال متطوعون من مختلف الطوائف، يقفون على الخطوط الأولى للحريق في جبال اللاذقية، بإمكانات محدودة وعزيمة لا تلين. هؤلاء، وليس المرجعيات الطائفية العابرة للحدود، القادمة من قُم أو من نجد، هم من يستحقون أن يكونوا نواة لوعي وطني جديد، وركيزة لبناء سورية على أسس تتجاوز الطائفية والانقسام.
by عامر فياض | Jul 9, 2025 | Cost of War - EN, News - EN, Reports - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
بعد سنوات طويلة من غياب الحياة السياسية في سوريا، خلال حكم نظام الأسد البائد، تشهد الساحة السورية اليوم ولادة العديد من التيارات والتجمعات والمبادرات، التي حاولت ومازالت تحاول أن تدخل المشهد السياسي وتضع موطئ قدم لها في طريق بناء سوريا. ولكن، على الرغم من أهميتها ومحاولة بعضها أن يحل محل الأحزاب السياسية، يبقى المشهد السياسي في سوريا مفتقداً لوجود تلك الأحزاب، في ظل غياب أي قانون خاص لتنظيم عملها وطبيعة نشاطها، إذ أن معظم التيارات والتجمعات التي تأسست بعد سقوط النظام كانت ذات صبغة مدنية ومجتمعية، ورغم اقتراب بعضها قليلاً من المجال السياسي إلا أنها تبقى بعيدة عن نهج وأدبيات وممارسات الأحزاب السياسية.
وبالنظر إلى طبيعة نشاط تلك التجمعات والتيارات سنجد أنها بمعظمها تتبنى أفكاراً وطنية عامة حول المواطنة والتعددية والعدالة وبناء دولة القانون، دون أن يكون لها أية أيديولوجية خاصة أو مشاريع سياسية تفصيلية ومؤثرة أو حتى رؤية وآليات سياسية ناجعة أو خطة عمل واضحة، إذ تتشابه في أفكارها وأهدافها وطبيعة نشاطاتها، التي تنحصر في قيامها بعددٍ من الأنشطة والفعاليات (التي يغلب عليها الطابع المدني والثقافي والإجتماعي) وعقد بعض اللقاءات وجلسات الحوار، وإصدار البيانات حول القضايا والأحداث العامة ورفع بعض الشعارات التي تحمل مطالب وطنية عامة، إلى جانب تنظيم بعض الوقفات التضامنية والاحتجاجية، بغضّ النظر عن مدى تأثيرها الفعلي في الشارع. وقد تأسس بعد سقوط النظام عدد كبير من المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية التي حاولت أن تملأ الفراغ السياسي في البلاد، وسنكتفي هنا بالحديث عن مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع، التجمع المدني في جرمانا، التيار المدني الديمقراطي وتجمع سوريا الديمقراطية.
مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع: بحسب ما جاء في تعريفها: “تهدف هذه المبادرة إلى تحقيق رؤيةٍ وطنية تُجسّد تطلعات الشعب السوري في الحرية، الكرامة، والعدالة، وتُعبّر عن إيماننا الراسخ بدور المجتمع المدني كمحرك أساسي للتغيير الإيجابي”. وقد نظَّمت المبادرة، التي تضم أكثر من 200 عضو، عدداً من جلسات الحوار مع بعض السياسيين والحقوقيين، ومن بينها: جلسة حوار مع الكاتب والباحث حازم نهار بعنوان: المؤتمر الوطني السوري: الضرورة، الآليات، والتحديات. جلسة حوار حول العدالة والصفح في سوريا اليوم، معالكاتب والباحث ياسين الحاج صالح والمحامي والدكتور عبد الحي السيد. جلسة حوار مع أخصائي الطب النفسي الدكتور جلال نوفل،بعنوان: قضايا المحررين والمفقودين وذويهم من وجهة نظر نفسية واجتماعية وإعلامية، وجلسة حوار حول الإعلان الدستوري مع الدكتور في القانون الدولي والباحث القانوني والدستوري إبراهيم دراجي. كما شاركت المبادرة في عدد من الوقفات التضامنية والاحتجاجية، ومن بينها: وقفة تضامنية مع أهالي المعتقلين والمغيبين في ساحة المرجة بدمشق، نظّمتها رابطة عائلات قيصر. وقفة احتجاجية في ساحة الحجاز، بالتعاون مع التجمع المدني في جرمانا، للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية.ووقفة احتجاجية ضد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية والأراضي الفلسطينية. وإلى جانب ذلك شاركت المبادرة في مؤتمر الحوار السوري حول العدالة والحقيقة، الذي عُقد في دمشق/ فندق الشام، في الشهر الأول من العام الحالي، كما نظَّمت المبادرة، بالتعاون مع وحدة تمكين المجتمع المدني، ورشة تدريبية لثلاثة أيام حول مفهوم المواطنة، مبادئها وقيمها والقضايا المرتبطة بها.
التجمع المدني في جرمانا: بحسب ما جاء في بيانه، يطمح التجمع بأن تكون سوريا وطناً ديموقراطياً تعددياً يصون كرامة الناس وحياتهم، يحكمه الدستور الجامع، ويسوده القانون والقضاء المستقل، وتتقدمه مبادئ المواطنة من حرية ومسؤولية ومساواة وتشاركية وقيم المواطنة العديدة.
ويضم التجمع أكثر من 200 عضو، من سياسيين وحقوقيين وفنانين ومثقفين ونشطاء مجتمع مدني. ومن أبرز النشاطات التي قام بها: المشاركة بالوقفة التضامنية في ساحة المرجة دعماً لذوي المعتقلين، استجابة للدعوة التي أطلقتها رابطة عائلات قيصر. تنظيم وقفة أمام محطة الحجاز للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية. تنظيم وقفة تشاركية لدعم استحقاق المؤتمر الوطني العام أمام محطة الحجاز بالتشبيك مع الرابطة المدنية الشبابية السورية ورابطة المحامين السوريين الأحرار. المشاركة في وقفة احتجاجية ضد قرارات الفصل التعسفية بحق آلاف الموظفين. المشاركة في اعتصام مدينة دوما تنديداً بتصريحات نتنياهو ضد التقسيم وضد الطائفية. وإلى جانب ذلك أقام التجمع عدداً من الجلسات الحوارية ومنها: جلسة مع الكاتب والباحث السياسي د.حازم نهار، بعنوان “المؤتمر الوطني السوري العام/ الأهمية – الهدف – التحديات” وجلسة مع الدكتور عمر شحرور، رئيس حزب العدالة والتنمية السوري، بعنوان: “حزب العدالة والتنمية السوري: المبادئ _ الأهداف _ الرؤية السياسية للمرحلة الانتقالية، وللمستقبل السوري”.
التيار المدني الديمقراطي: بحسب ما جاء في تعريفه: نرى نحن في التيار المدني الديمقراطي أن الدولة المدنية الديمقراطية، هي دولة الكل الاجتماعي، التي تنبثق سلطتها عن الشعب، بانتخابات حرة ونزيهة، تشارك فيها كل الأحزاب والتيارات والتجمعات السياسية المستقلة والمنظمات المدنية والاجتماعية والثقافية والنقابات والهيئات الاقتصادية والأفراد، التي تعتمد مبدأ المواطنة المتساوية أساساً لها، بحيث يرى فيها كل المواطنين الأحرار وطنهم السياسي.
وجاء في تعريفه أيضاً: يعمل التيار المدني الديمقراطي بوسائل سلمية سياسية، من أجل التغيير المدني الديمقراطي الشامل، الذي يعيد صياغة أوضاعنا الداخلية على أسس و مبادئ مدنية ديمقراطية، تجمع في وحدة جدلية، لا تنفصم عراها بين الوطني والديمقراطي، أي بين تحقيق السيادة والتحرر من جهة، وبين الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي، من جهة أخرى .
ويرى التيار أن جوهر التغيير المدني الديمقراطي الشامل هو “أن يصبح الشعب مشاركاً حقيقياً في صنع القرارات، التي تمسه”، من خلال “تفعيل دور أحزابه وتياراته وتجمعاته السياسية ونقاباته ومنظماته واتحاداته وروابطه المستقلة، وضمان حرية الصحافة والرأي والتعبير والنشر والحق في التنظيم والتظاهر والإضراب السلميين واستقلال القضاء وفصل السلطات وتطبيق القانون على الحاكم والمحكوم بالتساوي، ومكافحة الفساد كبيره وصغيره، والتوزيع العادل للثروة والدخل”.
تجمع سوريا الديموقراطية: بحسب ما جاء في بيانه التأسيسي: “تداعى في مدينة اللاذقية مناضلون وفاعلون وشخصيات وطنيّة، وتوافقوا على إطلاق مبادرة باسم تجمع سوريا الديمقراطيّة مفتوحة لجميع السوريين، وللتنسيق مع مبادرات مماثلة، ومع كلّ القوى والهيئات والنقابات التي نتوافق معها”.
ومن أهداف التجمع: المساهمة الفاعلة في حماية السلم الأهلي والمرافق العامة مع كل من يساهم في ذلك. العمل الجاد من أجل مؤتمر حواري وطني سوري، ومتابعة عملية الانتقال الديمقراطي. العمل الفوري الجاد على توحيد وتنسيق جميع الجهود الرامية إلى خلاص سوريا من أي احتمال لعودة الاستبداد، وسيرها على طريق الحريات والحقوق الكاملة غير المنقوصة. الدفاع عن مصالح الطبقات والفئات الشعبية الاقتصادية والسياسية وحقوقها بالتنسيق مع نقاباتها واتحاداتها المختلفة المستقلة القائمة أو المزمع إقامتها في المستقبل القريب والبعيد. والتنسيق مع مختلف الاتحادات الثقافية والأدبية والفكرية وسواها، الحريصة على إبراز وجه سوريا الحضاري.
ما بعد وقفة المرجة
خلال المجازر والانتهاكات التي وقعت بحق أبناء الطائفة العلوية، نظَّم عدد من التيارات والتجمعات المدنية والشخصيات الثقافية والسياسية وقفة في ساحة المرجة للتضامن مع ضحايا المجازر ومع شهداء الأمن العام، الذين قضوا بهجمات فلول النظام، وللمطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم. وخلال الوقفة اصطدم المشاركون، الذين كانوا بمعظمهم شخصيات معارضة للنظام السابق ومحسوبة على الثورة، مع بعض الأصوات المعارضة التي أطلقت شعارات طائفية واقتحمت الوقفة لتقف بوجههم وتتهمهم بأنهم عملاء وفلول، ليتطور الأمر إلى عراك بالأيدي ولإطلاق النار بالهواء من قبل عناصر الأمن العام لتفريق المشاركين. ونتيجة لما حصل صُدم معظم المشاركين وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة وتراجع حماس ونشاط الكثير منهم وتسلل الخوف إلى قلوبهم، بعد أن أعادهم المشهد إلى زمن النظام البائد وطريقة تعامله مع المظاهرات التي كانت تطالب بالحرية، وهو ما أدى إلى تراجع زخم النزول إلى الشارع بشكل كبير، ليقتصر الأمر على بعض الوقفات الخجولة، وعلى بعض الأنشطة المدنية والاحتفالية التي يتعلق معظمها بذاكرة الثورة، وهو ما بدا واضحاً خلال أحداث جرمانا وصحنايا والسويداء، التي وقعت بعد التسجيل المسيء للنبي الكريم محمد، فرغم رغبة الكثير من النشطاء المدنيين بتنظيم وقفات احتجاجية ضد ما حدث بحق أبناء الطائفة الدرزية، لم يسجل الشارع أي وقفات احتجاجية أو تضامنية تذكر، وذلك نتيجة تخوفهم الواضح من ردة فعل مشابهة لما حدث خلال وقفة المرجة، في حل تم النزول إلى الشارع.
في غياب الأحزاب السياسية
رغم أهمية تلك المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية، تبقى الحاجة لوجود أحزاب سياسية ضرورة ملحة لتحقيق أهداف الثورة السورية التي نادت بالحرية والديمقراطية، إذ ينتظر الكثير من السوريين إصدار قانون الأحزاب الذي سيتيح لهم إمكانية تشكيل أحزاب سياسية جديدة تُعبِّر عن أفكارهم وتطلعاتهم السياسية. وترى معظم النخب السياسية والثقافية أن غياب الأحزاب السياسية في سوريا وتهميشها وإقصائها سيشكل تهديداً لشكل الدولة الديمقراطية المستقبلي ويعرقل عملية التحول الديمقراطي ويغلق الطريق أمام إمكانية الإصلاح والتغيير المنشودين من قبل السوريين، فمن المعروف أن غياب الأحزاب يعني غياب الديمقراطية، حيث يساهم وجودها في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية في المجتمع ونشر الوعي والفكر السياسي والإرتقاء بهما، وتكريس مفهوم الدولة الديمقراطية الحديثة التي يُعتبر وجود الأحزاب السياسية أحد مرتكزاتها ودعائمها. كما أن وجود الأحزاب يُشكل ضغطا مباشراً على الحكومة ومراكز صنع القرار ومؤسسات الدولة لكي تنهض بمسؤولياتها وواجباتها على أكمل وجه، كما تساهم الأحزاب أيضاً في تشكيل الرأي العام وتحريضه من أجل النهوض بواقع البلاد وتسليط الضوء على أخطاء وممارسات السلطة والوقوف بوجهها في حال حادت عن برنامجها السياسي ونكثت بالوعود التي وعدت الشعب بتنفيذها.