مازن الحُمادة سيرة الشاهد والشهيد المُغيَّب في كتاب للفرنسية غارانس لوكان

مازن الحُمادة سيرة الشاهد والشهيد المُغيَّب في كتاب للفرنسية غارانس لوكان

كتاب “اِنسَ اسمك- مازن الحُمادة، طريق المختفي” (Oublie ton nom – Mazen el Hamada, itinéraire d’un disparu)، للمخرجة والكاتبة والصحافية الاستقصائية الفرنسية، “غارانس لوكان” (Garance Le Caisne)، الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2022، هو كتابها الثاني بعد إصدارها لكتاب “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية” باللغة الفرنسية في عام 2015، والذي تروي فيه قصّة المصوّر العسكري السوري “قيصر” الذي التقط آلاف الصور الفوتوغرافية التي تفضح جرائم نظام بشار الأسد البائد، والذي تُرجم إلى العربية، وصدر عن دار “ميسلون للثقافة والترجمة والنشر” عام 2018. 

في يونيو/ حزيران 2024، صدرت الترجمة العربية لكتاب “اِنسَ اسمك..” بعنوان “لم يعُد معنا: سيرة مُغيَّب“، عن “دار الجديد” البيروتية، وفيه تقدّم “لوكان” قصّة مازن كما رواها لها خلال عامي 2017 و2018، والتي تحكي مأساة التعذيب في أقبية سجون نظام الرئيس المخلوع الهارب بشار الأسد، وفوضى الحياة الجديدة التي طال انتظارها وحلمها.

  • ذكريات المعتقل الناجي، والشاهد والشهيد

بعد عِلم “لوكان” بتردّي حالة مازن النفسية ورفضه الخضوع للعلاج جمّدت مشروع الكتاب، واحتفظت به ثلاثة أعوام، حتى إذا ما علمت من أخيه أنّه لم يعد موجوداً، أفرجت عن الكتاب بعد أن استأذن عائلة الحُمادة لالتزامها الأخلاقي، ولرغبة منها أن لا تموت قصّة مازن الشُّجاع، إذ تقول إنّها في اللقاءات كانت تشعر كأنّها تلمّ شظاياه بيديها “بينما كانت مدينته تُقصَف قصفاً يفوق الخيال”، وفقاً لشهادة أخيه.

قضى مازن (مواليد عام 1977) تحت التعذيب، قبل سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو بأسبوع واحد، إذ عُثر على جُثّته في “مستشفى حرستا الوطني” بريف دمشق، وعليها آثار تعذيب انتقامي وحشي، فالكدمات وآثار التعذيب التي ظهرت على جسده كانت كافية لرسم صورة التعذيب الذي تعرّض له، وكانت عودته إلى دمشق في شهر فبراير/ شباط 2020. وعند وصوله إلى دمشق أدرك خطأه. وكانت عبارة “ادعوا لي” آخر الكلمات التي سُمعت من مازن.

استندت “لوكان” في تأليفها للكتاب الذي نستعرضه في هذه المقالة، إلى عدّة مقابلات أجرتها مع مازن عندما كان في أوروبا؛ في باريس، وفي شقة مازن في قرية هيلغوم الهولندية، وفي مزرعة قديمة في ريف النورماندي، قبل عودته إلى دمشق عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، يوم 22 فبراير/ شباط 2020، وتغييبه بعد يومين، إثر اعتقاله من قِبل المخابرات الجوّية في دمشق، ثم قتله تحت التعذيب عمداً، عشية سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024.

في عام 2015، كان اللقاء الأوّل بين الصحافية الفرنسية ومازن الحُمادة، الذي يتحدر من أسرة كبيرة في دير الزور تعمل في الزراعة وتربية الماشية، والذي كان يعمل قبل الثورة كفنّي لدى إحدى شركات النفط العاملة في محافظته شمال شرق سوريا، والذي انتظم في ثورة شعبه السلمية، واعتقلته الأجهزة الأمنية في نظام الأسد أربع مرّات، وكان الاعتقال الأخير (في سجن المخابرات الجوّية بدمشق) هو الأصعب، إذ مكث فيه ما يزيد على عام ونصف العام (بين 2012- 2014) تعرّض خلالها لأشدّ أنواع التعذيب التي تركت آثارها المدمّرة على صحته الجسدية والنفسية، وكان شاهداً على العديد من ممارسات النظام الوحشية بحقّ آلاف المعتقلين السياسيين والثوّار. 

في ذلك اللقاء الأوّل بين “لوكان” ومازن، وافق المعتقل الناجي-حينها، والشاهد والشهيد في نهاية المطاف، على الإدلاء بشهادته حول كتابها الأوّل “عملية قيصر في قلب آلة الموت السورية”، بحسب ما تروي “لوكان”، لافتة إلى أنّ مشروع كتابها معه وحوله بدأ في عامي 2017 و2018، عندما بدأت جلسات استماعها إليه، وهو يروي ذكريات وجعه التي عايشها في سجون نظام الأسد، مستعينةً بصديقتها الشاعرة السورية الفرنسية عائشة أرناؤوط كوسيط ترجمة بينها وبينه.

  • إعادة بناء الصوت للوجوه المنسية

جاء الكتاب في 190 صفحة موزعة على أربعين فصلاً، جاء كل فصل منه في شكل ثنائية كتابية متناغمة تتضمّن حديث مازن وسرده لذكرياته، ثم تعقيبات وإضافات من المؤلّفة عليها. 

ووفقاً لما كتب الناشر على الغلاف الخارجي الأخير للكتاب، فإنّه “حينَ تيقّنتْ غارانس لوكان أنّ مازن الحُمادة، الذي أمضتْ معه ساعاتٍ طويلةً تصغي فيها إلى قصّة سجنه وتعذيبه ولجوئهِ لن يعود، قرّرت إنشاء كلامه كتاباً.

خانته عدالة الغرب، ففضّل العودة إلى سوريا بلدِ المطامير والإهانةِ وهو يحلُمُ بدير الزور والفرات وبدولةٍ عادلةٍ لا تفترسُ أبناءَها. وصلَ إلى مطار دمشق واختفى. صحيحٌ أنّ التِّنِّينَ لا يرتوي من دماء أبنائهِ، بيدَ أنّ شقائق النّعمان عنيدةٌ كالرّبيع.”

يُقدّم الكتاب شهادة إنسانية قاسية ومؤلمة عن الاعتقال السياسي والتعذيب في “سوريا الأسد”. أما أبرز المحاور التي تناولتها “لوكان” فهي: نشأة مازن في دير الزور، وانتماؤه لعائلة كبيرة من 18 أخاً وأختاً، وتجربة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام، خاصّة في سجن المخابرات الجوّية بين 2012 و2014، والمنفى واللجوء في أوروبا، ومحاولاته إيصال صوت المعتقلين عبر جولاته الإعلامية في بعض المدن الأوروبية والأميركية، والخذلان الدولي وصراعه النفسي بعد تجاهل العالم لمعاناة السوريين، وأخيراً عودته الصادمة إلى دمشق وتغييبه مجدّداً في الشهر الثاني من عام 2020. ولعل أهم ما يميّز عمل “لوكان” هذا هو: الطرح الإنساني العميق إذ تُركّز على الإنسان لا الحدث السياسي، واللغة الأدبية التوثيقية حيث تمزج بين السرد والتحليل والشهادة، والتأريخ للحدث السوري من الداخل بتقديمها الثورة من خلال وجوهها المنسية. إضافة إلى التحرير الحيادي فلا نرى “لوكان” تُعلّق بل تُنصت وتُعيد بناء الصوت، ناهيك عن الرمزية النفسية بتجسيدها كيف يتحوّل الألم إلى ذاكرة مقاومة.

مازن، بقامته النحيلة كما لو أنّ معاناته ابتلعته، وبكتفيه البارزتين، ويديه الطويلتين كثيرتا الحركة، وخديه الأجوفين، ونظراته الخالية من الأمل، “قطع وعداً على نفسه بأن يشهد”، تقول “لوكان”، وتضيف: “بالإضافة إلى الإيذاء الجسدي، شهد مازن على تدمير الأرواح. كلماته التي تم جمعها على مدى عدّة أشهر، أصبحت مفكّكة بشكلٍ متزايد وكشفت الحيرة التي سقط فيها بسبب استحالة سماعه من قبل القادة الغربيين الذين كان ينبغي عليهم القبض على المجرمين. تعكس عزلة مازن شهادات الناجين من معسكرات الاعتقال وشهادات الناجين من الإبادة الجماعية”. 

تناولت “لوكان” في فصول الكتاب نشأة مازن، وذكريات الطفولة في مسقط رأسه دير الزور، ومعايشته للثورة السورية، وذكريات الوجع والآلام في سجون نظام الأسد، التي قضى فيها في الاعتقال قبل الأخير ، مدّة 18 شهراً تقريباً، وبعد الإفراج عنه خلال الربع الأوّل من العام 2014، قرّر مغادرة السجن السوري الكبير عبر قوارب الموت، وكله عزيمة وإصرار على رواية عذابات ووجع أبناء وبنات شعبه الثائر ضدّ ظلم نظام “الدولة المتوحشة” على حدِّ وصف الباحث والكاتب الفرنسي “ميشيل سوار”، الذي لقي حتفه في سوريا إعداماً عام 1986، وبقي رفاته محتجزاً لمدة عشرين عاماً، لا لشيء إلّا لأنّه فضح نظام حافظ الأسد الدموي.

  • طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا 

بعد إطلاق سراح مازن عام 2014، واضطراره لمغادرة سوريا، وبعد عبوره البحر الأبيض المتوسط​​، انتهى به المطاف في هولندا، “البلد الذي ستذكره قنواته بنضارة نهر الفرات في طفولته. سيصبح أحد السوريين القلائل الذين يندّدون علانية بالتعذيب الذي تعرّض له في سجون نظام الأسد” بحسب ما ورد في تقديم الكتاب.

تنقل “لوكان” عن مازن قوله: “أنا عينة من أبناء البلد وسأحدّثكم عما حصل: طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا. فقط لأنّنا طالبنا بالحرّية، قتلونا واعتقلونا وعذبونا وذبحونا. قصفونا بكل أنواع الأسلحة، البراميل المتفجرة، الصواريخ، الفوسفور… وبكل شيء يمكنكم تخيله”. يضيف متسائلاً: “ماذا كان سيحدث لو طالبنا أيضاً بثروات البلد! أضحك ولكن كما تعلمون، لقد دمّروا ذاكرتنا. دمّروا طفولتنا وذكرياتنا وأحلامنا. حتى أنّهم هدموا الجسر المعلّق فوق نهر الفرات. لقد حاولوا محو الإنسان بداخلنا وأخلاقنا ومبادئ عالمنا، وأرادوا دفعنا نحو التطرّف، وقذفوا بنا إلى البحار”.

ويتابع قائلاً: “عشت بدايات الثورة؛ السجن، الحرب. كنت مطلوباً من قبل الأسد و(داعش) والفصائل المتطرّفة، وفي إحدى الأمسيات، التقيت بإخوتي الأكبر سناً وأبلغتهم أنّ وضعي قد أصبح صعباً، وقد حان وقت الرحيل”.

تواصل “لوكان” سرد أوجاع مازن وما خلفه نظام الأسد الوحشي في نفسه الهشة من رعب وترهيب، فتنقل على لسانه: “نحتاج إلى متخصّص يمكنه فتح رؤوسنا وتفكيك أدمغتنا ورؤية ما بالداخل، والتحقّق من الروابط وجعل كل شيء على ما يرام. شخص قادر على الترتيب والتنظيف. يجب إزالة البراميل والصواريخ والمواد الكيماوية والتعذيب والسجن وإزالة ما حدث على مدى السنوات السبع الماضية وسنتين في الاعتقال. يجب إزالة 70 بالمئة من هذه الذاكرة. عندما وصلت إلى أوروبا، لم يكن الأمر كما لو أنّني لم أرَ شيئاً، فأنا أعلم بأوجاع أولئك الذين عانوا. لم يكن هناك تلفاز في زنزانتي، لذا فإنّ شهادتي للعالم هي جزء ضئيل مما عشناه في السجن. أن تتكلم وتسمع ليس كما ترى، والنظر إلى الوراء يكسرني. يجب أن أعيش، لكنّ العيش صعب أيضاً، فعندما أكون وحدي تعود بي الذكريات إلى هناك..”.

تتوقّف “لوكان” مطولاً عند وحشية نظام الأسد وكيف غرق في ذُعره من السوريين المنتفضين ضدّ حكمه الفاسد والمستبدّ، فلم يتردّد باستخدام كل أساليب ووسائل التعذيب اللاإنسانية لقمع الثوّار. وتنقل في متن الكتاب عن مازن قصصاً لا تصدق عن القمع والتعذيب اللاإنساني الذي مارسه جلادو الطاغية بحقّه من اليوم الأوّل لدخوله إلى السجن منذ المرّة الأولى، وتعرُّضه للضرب قبل الاستجواب والاستمرار به حتى يقوم بالاعتراف بما يريده السجانون، أما الإنكار فليس لصالحه إذ سيفقد القُدرة على التحمُّل ويعترف بأي شيء يريده سجانه. ومن الضرب والشبح (التعليق من اليدين حتى يشعر السجين المشبوح أنّها ستنقطع، أو تُخلع من الأكتاف)، وحين يصرُخ من الألم يسدّون فمهُ بالحذاء، إلى الضرب بماسورة المياه والاغتصاب بالعصا، والتعذيب بشدّ مشبك معدني على العضو الذكري، والحبس في زنزانة قذرة حتى تتقيّح الجُروح، ثم الحبس في زنزانة حُشر فيها 180 شخصاً، بينما لا تتّسع لخمسين شخصاً، حتى يصبح الاختناق وارداً، والموت يومياً حيث يُكلّف السجناء بنقل جُثث من يموت منهم ويرمونها خارجاً.

يواصل مازن حديثه إلى “لوكان” عن أساليب التعذيب الأخرى التي تفنّن السجانون في استخدامها لتعذيب نفوس وأجساد المعتقلين من الثائرين ضدّ حكم عائلة الأسد، كـ إطفاء السجائر في الساقين، والصّعق بالكهرباء بعد سكب الماء البارد على جسد السجين، وتعذيب الأبرياء للضغط على ذويهم لتسليم نفسهم، كحكاية الشاب من داريا الذي حرقوا وجهه ويديه للضغط على والده، ويروي أيضاً حادثة إعدام الضباط الذين انشقّوا عن جيش النظام وحُبسوا معهم في “سجن المزة” ثم اختفوا.

يتذكّر مازن في أحاديثه واللقاءات الطويلة مع “لوكان” ذكرياته المؤلمة، وكيف أنّ النظام “دمّر ذاكرتهم”: بستان العائلة، الخبز المُعدّ على التنّور فوق سطح المنزل، مخبأ الكتب الممنوعة، المظاهرات الأولى، وبالطبع الحياة… ابتُلعت جميعها في الزنازين المكتظة حيث اُحتجز مازن مع اثنين من أبناء أخته.

وتخبرنا “لوكان”، كيف بدأ وعي مازن السياسي يتشكّل من خلال المكتبتين الموجودتين في منزله، واللتين تضمّان روايات وكتباً سياسية، وذلك بالإضافة إلى زاوية سرية في حائط حديقة المنزل، أين حفرت العائلة كوة وخبأت فيها مجموعة من الكتب التي كانت من المحرّمات في ظل الحكم الديكتاتوري العسكري الشمولي للأسدين الأب والابن. 

وفي السياق، تحدّثنا عن بلدته “الموحسن” التابعة لمحافظة دير الزور، والتي دخل إليها الفكر الشيوعي منذ عام 1947، على يد المدرّس مدّاح الصايغ، حتى عُرفت بـ”موسكو الصُّغرى”، وهي موطن عائلة الحُمادة.

  • عودة إلى دمشق اكتنفها الغموض 

كان مازن يقول: “أُريد العودة إلى بلادي، لقد اكتشفتُ العالم وأكاذيبه ورأيت… أُريد العودة إلى سوريا للدفاع عن بلادي”، لقد أصبح حُرّاً في هولندا لكنّه مقيّد بالذكريات والواجب. وفي اتّصال أخير للناشطة السورية ميسون بيرقدار معه في بيروت، قال لها: “سأضحّي بنفسي لوضع حدّ لحمّام الدّم، هذا كل ما في الأمر”. وبعدها تواصل مع نتالي لاريسون، مديرة البرنامج الإنساني في “الجمعية السورية للمهمّات الطارئة”، قائلاً: “صلّوا من أجلي”.

اكتنف الغموض عودة مازن في 22 فبراير/ شباط 2020 إلى دمشق، وبدون سابق إنذار، الأمر الذي فتح باب الشكوك واسعاً لدى الناشطين السوريين بخاصّة المقرّبين منه، إذ ليس من المعقول والمنطقي أن ينجو أحد من سجون نظام الأسد ثم يعود إليها بإرادته. لا سيّما وأنّ مازن كان قد حصل على لجوء في هولندا قبل أن يتردّد بكثرة إلى ألمانيا قبيل عودته المثيرة للجدل إلى سوريا.

يصف أحد أقربائه المقيمين في هولندا ما حصل مع مازن بأنّه “اختطاف”، مرجّحاً أن تكون عودته تمت بمكيدة أعدّتها سفارة نظام الأسد في برلين. ونفى ما تم تداوله عن عودته بشكل طوعي بسبب تردّي أحواله المادّية والنفسية.

وأفاد قريب مازن بأنّه تواصل مع أشخاص شاهدوا الأخير في مطار برلين قبيل وقت قصير من عودته إلى دمشق برفقة سيدة موالية ومقرّبة من سفارة النظام بألمانيا. وحين سألوه إن كان ذاهباً إلى دمشق، أجاب بالنفي وقال لهم بأنّه ذاهب إلى بيروت، لتردّ السيدة التي بجانبه قائلة: “بل إلى دمشق”.

في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، شيع آلاف السوريين مازن الحُمادة، الذي لم يمهله القدر أسبوعاً واحداً فقط قبل سقوط حكم آل الأسد لينعم بالحرّية التي طالما حلم بها، وسيسجّل التاريخ أنّه رحل ولم ولن يبقى لنا من أثره سوى صدى صوته الحرّ وكلماته التي ستبقى توجعنا كسوريين نلنا حرّيتنا بفضل نضالات مازن وأمثاله من الضحايا والناجين: “لقد دمّروا ذاكرتنا بيد أني أستمدُّ قوّتي من ذاكرة وجعي”.

مؤلّفة الكتاب في سطور:

“غارانس لوكان”، مخرجة وكاتبة وصحافية استقصائية فرنسية مستقلة، تعمل في المجلة الأسبوعية الفرنسية “لو جورنال دو ديمانش” (Le Journal du Dimanche)، وفي المجلة الإخبارية “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur) منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. عندما كانت تعيش في القاهرة قامت بتغطية القضايا السياسية في الشرق الأوسط والاحتجاجات والانتفاضات والثورات في العالم العربي. قامت بتغطية الثورة السورية بشكل خاص منذ عام 2011 وكتبت مقالات عن طب الطوارئ في الصراع السوري.

حظي كتابها الوثائقي “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية”، باعتراف دولي بعد ترجمته إلى لغات عديدة بينها الإنكليزية والألمانية والإيطالية. وحصلت “لوكان” عنه على جائزة “غيشويستر شول للأدب” في ألمانيا عام 2016. وفي مدينة هونج كونج على ساحل الصين الجنوبي، صُنف ضمن أفضل الكتب التي تتناول حقوق الإنسان.

في عام ۲۰۲۲ حقّقت “لوكان” ككاتبة ومساعدة في الإخراج، بالتعاون المخرج ستيفان مالتير، فيلماً وثائقياً بعنوان “أرواح ضائعة” (Les âmes perdues)، الذي يعرض العذابات التي تعرّض لها الشعب السوري من قبل سلطات نظام الأسد كما يسلط الفيلم الضوء على ضحايا قيصر بالإضافة إلى تناوله قضية المخفي قسرياً مازن الحُمادة، كذلك يتحدّث الفيلم أيضاً عن الجريمة التي ارتكبتها أجهزة المخابرات السورية بحقّ الفرنسي من أصل سوري مازن دباغ وابنه باتريك. وهو إنتاج فرنسي- ألماني.

استسهال القتل والضحية هـذه المرة الشاب يوسف لباد 

استسهال القتل والضحية هـذه المرة الشاب يوسف لباد 

كأن الموت بات قدرًا يلازم السوريين على اختلاف انتماءاتهم وتباين توزعهم الجغرافي، إما فرادى أو جماعات، من مجازر الساحل إلى أحداث صحنايا إلى المجازر المرتكبة في السويداء تلك التي ظل أهلها معتصمون في الشوارع على مدى عام ونصف احتجاجًا على الطاغية قبل سقوطه.

 تصدمنا جميعاً الوقائع المتصاعدة من أحداث قتل وتنكيل وخطف بعد أن استبشرنا بعهد جديد ينفض الاستبداد عن كاهل الناس ويعد بحرية مأمولة بُذل الغالي والرخيص لأجلها، لنعاود الرجوع إلى واقع غوغائي ما قبل الدولة لا يعرف المرء فيه لماذا يُقتل وكيف.

 كان الكثير من معارضي النظام البائد أول الناس الذين استهدفوا في مجازر الساحل نتيجة انتمائهم الطائفي ولم تشفع لهم سنواتهم الطوال في معتقلات الأسد وكأن عبارة الفلول أصبحت مشجبًا يعلق عليها كل من يريد الانتقام والتخلص من أي كان نتيجة أحقاد طائفية ترجع لألف وأربعمائة سنة خلت لخلاف بين أناس لا نعرفهم بل انتمى كل منا إلى فئة بحكم الصدفة ورغم تكرار الحوادث والارتكابات ورغم ما حصل ويحصل وما هو مستمر بالحصول لم نسمع أنهم ألقوا القبض على أي منهم.

وكما كرة الثلج التي تكبر شيئًا فشيئًا تتصاعد حكاية مصرع الشاب “يوسف لباد” التي تصدرت وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي من آراء واجتهادات بين مدافع ومدين؛ بين مبرر ومتهم لحادثة موت غير طبيعي، فيوسف الشاب القادم من ألمانيا لرؤية بلده بعد طول غياب قضاها في غربة عنه وقد أخذ عهداً على نفسه إن تحررت سورية من الأسدية أن يبات ثلاثة أيام في المسجد الأموي، وكانت النتيجة وكأنه جاء لحتفه. لا نستطيع الاختباء وراء إصبعنا في تفسير الحادثة وقد سبقتها أكثر من حكاية مشابهة لمن يدخلون للتحقيق ونسمع عن جثثهم ملقاة في مكان آخر في مشفى أو طريق وخاصة أن الرواية المتناقضة للأوساط الحكومية تكشف اضطرابًا غير مقنع في تفسير لحالة الموت التي تباينت بين إصابته بجلطة وبين تسمم وإدمان كحولي وآخرها أن المغدور يعاني من اضطراب نفسي جعله يقتل نفسه أثناء وجوده في غرفة الحراسة حيث أقدم على إيذاء نفسه بشكل عنيف عبر ضرب رأسه بأجسام صلبة، ما تسبب له بإصابات بالغة، وقد تم الاتصال بالإسعاف على الفور، إلا أنه فارق الحياة رغم محاولة إسعافه، وعلى إثرها تقرر تشكيل لجنة للتحقيق بملابسات الحادث وحصر وتحميل المسؤولية لمن يتهم بالأمر أو يثبت تورطه، وقد صار معروفًا لدى العامة أننا اذا أردنا تمييع قضية نشكل لها لجنة للتحقيق ووضع من يتحمل المسؤولية أمام مسؤولياته. 

 لا يوجد اثنان يختلفان على التشكيك بمحاولة التغطية على الحادثة فالشاب لم يكد يمضي على وصوله للبلد ثماني وأربعون ساعة ويحمل الجنسية الألمانية ولم يكن يعاني من شيء حسب إفادة زوجته وأقاربه ولم يكن ليسمح له بالسفر بالطائرة لوكان يعاني أي شيء من هذا القبيل، ولم يكن الشاب المغدور ينتمي للأقليات فهو ليس علويًا أو درزياً أو مسيحيًا بعد أن صار قتل هؤلاء أمراً عاديًا وتهمتهم جاهزة. 

ولم يكن سنياً كافراً فهو جاء ليعتكف بالمسجد الأموي ويؤدي صلاته للخالق سبحانه وتعالى فما الحكاية ولماذا استهدف؟ هل هو استسهال للفعل بحكم العادة أو سطوة السلطة والغرور الذي يتملك بعض أفرادها بقدرتهم على العنف واحتكارهم له، باعتقادي لا يمكن الابتعاد عن البنية التكفيرية التي تقضي بقتل أي مخالف في العقيدة وندخل هنا في تفاصيل الفرق والنحل الدينية التي تكفر بعضها في المذهب الواحد وخاصة أن المرتكب هنا يقنع نفسه بأنه يؤدي واجبًا دينيًا يخفي شهية الدم خلفه، وهذا سيستمر ويتصاعد إذا لم يتم التأسيس لقوانين وضعية واضحة وصريحة باعتبار أي حادثة  مشابهة جريمة قتل عمد تعرض صاحبها للمحاكمة العلنية بتهم بينة،  لأن السيناريو تكرر وسيتكرر مالم يوضع له حد وإلا فالقصة تنذر بفوضى عارمة لن يستطيع أحد إيقافها وخاصة بتزايد عدد الضحايا الذين يقضون بلا سبب واضح أو تهمة محددة. 

نهر الدم يجب أن يتوقف، وخاصة عندما يفقد الفرد إيمانه بأي عدالة وعندما يفكر كل شخص بحل مشكلته بشكل فردي. 

 لا يمكن أن تقام دولة على اجتهادات مشايخ في فهم الدين والتشريع وهناك مئات التجارب لقوانين مدنية عالمية ومحلية ثبت من ممارستها أهميتها في ضبط الأفراد في حقوقهم وواجباتهم ودائمًا هناك قانون مكتوب ومعروف مبنى على عقد اجتماعي معروف لدى الجميع وقبل أن نلغي قوانين معمول بها من المفروض أن تنشر بدائلها على الإعلام والتصويت المجتمعي لقبولها، خاصة في واقع صار أشبه بغابة نتيجة تكرار حوادث القتل التي لا تنتهي وأحبولة التعامل معها كحوادث فردية لا يحاكم أصحابها بتجاهل متعمد يخفي ما وراءه. 

وفي كل جولة للموت لا نستطيع منع أنفسنا من تذكر كل ما مر على هذه الأرض خلال هذه الأشهر السبعة المنصرمة والتي كنا جميعا محملين أثناءها بطاقة هائلة من الأمل بزوال حقبة الاستبداد والطغيان لتضمحل تلك الأماني شيئًا فشيئاً ولتتصاعد كارثية الأمر عندما لا يعرف المرء ذنبه أو خطيئته وينفذ به الحكم قبل أن يدان من أي جهة.

في الحقيقة لا نستطيع إلا رفع الصوت عالياً بأن دم سوري على السوري حرام وأن دم الإنسان على الإنسان حرام وهذا أضعف الإيمان وأضعف ما نستطيع فعله في هذه المقتلة المستمرة ونردد ما قاله أحد الشعراء: يا دجلة الخير لقد هانت مطامحنا حتى لأدنى طماح غير مأمول.  

حين يهدد العفو السلم الأهلي وينذر بالفوضى

حين يهدد العفو السلم الأهلي وينذر بالفوضى

منذ ستة أشهر أي منذ سقوط النظام في سوريا، كانت العدالة الانتقالية ٌإحدى أهم النقاط التي يتفق عليها السوريون مهما كانت الاختلافات بينهم، وتجتمع الأصوات على المطالبة بها كطريقة منصفة لرد الحقوق والعدالة بانتزاع حق الضحايا وخاصة بعد الظهور العلني لشخصيات ثبت تورطها بالدماء السورية وبالمجازر التي ارتكبها النظام، إذ كانوا جزءاً من منظومة القمع والقتل الخاصة به. كما شاهدنا إجراء تسوية لمسؤولين كبار كانوا على صلة مباشرة بإعطاء الأوامر خلال الحرب السورية الطويلة. ولهذا صار الشغل الشاغل للناس هو الخوف أن يذهب الدم السوري وحق الضحايا أدراج الرياح.

وهذا الخوف كان أحد الدوافع التي ساقت البعض لأخذ حقهم بيدهم وهذا ما يلاحظه أي متتبع لحوادث الخطف والقتل والسطو على البيوت بإخراج أهلها منها، خاصة بعد ما تغنت السلطة بشعار اذهبوا فأنتم الطلقاء، منذ البداية إذ أنذرت هذه العبارة بعدم المحاسبة وأعطت الضوء الأخضر للعقلية الثأرية التي مازالت تحرك الرؤوس. وانعكس هذا سلباً على الواقع العام، فأخذ الحق باليد من وراء كواليس سماحة السلطة، شجع كثيرين أيضاً لاستغلال الفرصة وللقيام بأعمال عنف وفوضى ما زالت تهدد السلم الأهلي وحياة المواطنين.

من هنا كانت العدالة الانتقالية ضرورة ملحة تتفق عليها الأصوات الواعية للانتقال إلى عملية البناء ومطلب حقيقي للحفاظ على أمن البلاد وحياة الناس وعلى السلم الأهلي الذي دونه لن تنجو البلاد من حرب دموية، وهذا  ما أكدته كل البيانات الصادرة بعد كل حدث.

كان للمؤتمر الصحافي الذي أجراه حسن صوفان رئيس لجنة السلم الأهلي وقع الماء البارد في وجه السوريين وصدمة أثارت ضجة كبيرة، وردود أفعال غاضبة وجدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ صار مناسبة لسرد مظلوميات الأفراد والعائلات والجماعات، الذين لحق بهم أذى غيّر مصير حياتهم وذهب بحياة الكثيرين من أحبتهم، يحركهم في ذلك ليس فقط هذا الأذى والألم بل أيضاً الإحساس بالخذلان جراء مساومة السلطة على ألمهم وتناسيها له بالقدر الذي يخدم مصالحها مع القتلة، وكأن دمهم هو مثار المساومة. ولو كان للقتلى فم يحكي لصرخ في وجه القتلة الذين يتحركون علناً وعلى المنابر والشاشات. 

وما أثار الناس في المؤتمر ليس فقط نسيان جرائم شخصيات بعينها بل تقريب هذه الشخصيات.  أما العذر الذي قدمه صوفان للسلطة القائمة، فهو دور هؤلاء في المساعدة بإسقاط نظام بشار الأسد. فهل يبدو هذا مقنعاً كمبرر للعفو عن شركاء الأسد وداعميه؟ 

 والسؤال المطروح هل تخلى هؤلاء عن نظام الأسد حباً بالثورة أو جراء تغيير في موقفهم من النظام البعثي المجرم؟ أم أنها خيانة لأصحابهم في النظام، تضاف لسجلهم غير النظيف أم أن هذا كله كان بأثمان قبضوها لتسليم نظام الأسد؟ وهل كان هذا العفو هو ثمن دماء السوريين؟

بكل الأحوال هذا لا ينظف أيديهم من الدم السوري الذي ما زال يسفح حتى الآن فمن شعر أن السلطة قد خذلته بتقريب فادي صقر وغيره من شخصيات داعمة لنظام بشار الأسد عسكرياً واقتصادياً قد يلجأ إلى أن يأخذ حقه بيده من أشخاص مقدور عليهم، كما حدث الانتقام من فلول النظام بقتل القرويين البسطاء وسكان قرى الساحل الأكثر فقراً وتغييباً عن أي تأثير، أو من الشباب الذين أجبروا على الخدمة الإلزامية بعد أن اقتنصتهم حواجز النظام دون أن يتمكنوا من السفر خارج البلاد، والذين تحملوا عبء استخدام النظام الانتماء الطائفي.

ففي الوقت الذي تعفو فيه السلطة عن هؤلاء المثبتة إدانتهم، ما زالت تتحفظ على العسكريين والشباب الذين قبضت عليهم في الحملات الأمنية ومنذ خمسة أشهر أو أكثر دون توجيه تهمة محددة لهم ودون أن يتمكن الأهالي من معرفة إن كانوا على قيد الحياة أم لا، فلا زيارات ولا اتصال معهم ولا توكيل محامين، تبقى قضيتهم معلقة تحت الشبهة ودون توجيه تهمة. مع كل ما يترتب من ذلك على حياة أسرهم اقتصادياً.

ونستطيع العودة إلى تجارب الشعوب التي خرجت من حروب أهلية كالوضع السوري للاستفادة منها بأشكال عديدة من طرق تطبيق العدالة الانتقالية كراوندا وجنوب إفريقية وغيرها.

يتم تداول الإشاعة بأن الحساب سيأتي فردياً ومن خلف الكواليس، إذ قد تتم تصفية هذه الشخصيات بطرق خاصة تباعاً. يعيدنا هذا لفكرة أهمية العدالة الانتقالية والانتقائية فضرورتها، ليس فقط المحاسبة وأخذ الحق الشخصي، ومن يفكر بأن موت هؤلاء أو سجنهم هو الهدف يرتكب خطاً فادحاً، فمحاسبتهم لها شقان : الأول أنها سترد الحق لأصحابه، حق المظلومين، وتشير باليد لمن استهان بدم الناس، إلى المسؤول الحقيقي عن جرائم النظام الأسدي وأعمدته التي ساهمت في تفتيت البلد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبالتالي ستعيد تمكين النسيج الاجتماعي السوري وتكون الأساس المتين لبناء المجتمع الجديد، أما الشق الثاني: فإنها ستكرس مبدأ القانون وتعزز مكانة الدولة وكيانها كحامي لحقوق المواطنين، ومسؤول عن رد الحقوق لأصحابها. وتعيد للقانون سلطته في المجتمع، القانون الذي يقف عنده الجميع على خط المساواة وتقضي على حالات الثأر الفردية وفورة الدم وتعزز السلم الأهلي  وهذه أولى خطوات تمكين الدولة و بناء المجتمع.

حريق اللاذقية المُؤَدْلج ونظريات المؤامرة

حريق اللاذقية المُؤَدْلج ونظريات المؤامرة

”إن العالم الذي نعتقد أننا نعرفه يتغيّر تحت أقدامنا لأننا قمنا بتغييره. نحن ندخل مرحلة المناخ المجهول.“
جون فايلانت

حين ينعدم اليقين، ويُوظَّف الخطاب الإعلامي الرسمي ليخدم رواية محدّدة بدلاً من أن يكون مصدراً للمعلومة الدقيقة، غالبًا ما تأتي نظريات المؤامرة بأسلحتها من الشائعات وتسدّ الفراغ، وتنتشر كمثل النار في الهشيم محمّلة بشحنات عاطفية، وتُعيد تشكيل فهم الناس للأحداث. والسبب هو أنها تتوافق مع طرق التفكير السائدة، وتخدم الانتماءات الإيديولوجية. نشهد هذا على أوضح وجهٍ في الجوّ السوري حيث تتواصل الاتهامات والاتهامات المضادة حول أسباب حريق اللاذقية، وترسم صورة مشوهة له وهو يلتهم الرئة الخضراء لسورية.
من الأجدى أن نقرأ حريق اللاذقية في سياق التغير المناخي، لا بمعزل عنه، وأظن أن كتاب الصحافي الكندي جون فايلانت ”طقس النار: على الخطوط الأولى لعالم يشتعل“ يقدّم رؤية عميقة لفهم هذا النوع من الكوارث. يذهب فايلانت إلى أننا دخلنا عصراً جديداً لم تعد فيه الحرائق ظواهر طبيعية مألوفة كما عهدناها، بل تغذيها قوى مناخية. فمع ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الهواء، واشتداد الرياح، يتشكل الجو المثالي للاشتعال. ذلك أن النظام المناخي بات يحتوي على قدر غير مسبوق من الطاقة الحرارية، ومع الاحترار العالمي تتعرض الغابات للجفاف بوتيرة متسارعة، وتتحول النباتات إلى وقود هش سهل الالتهاب. لكن الحرارة، كما يشير فايلانت، ليست سوى طرف واحد في المعادلة، فالرطوبة المنخفضة تمثل عاملاً خفياً لكنه بالغ التأثير. إذ حتى عندما لا يبدو سطح الأرض جافًا، قد يكون الهواء نفسه شديد الجفاف، ما يؤدي إلى سحب الرطوبة من الأشجار والتربة والأعشاب. وبهذه الشروط، يتكوّن ما يُعرف لدى رجال الإطفاء بـ ”الوقود المتفجر“، حيث تكفي شرارة صغيرة لإشعال حريق لا تمكن السيطرة عليه. أما الرياح فهي العنصر الأخطر في رأيه، ولقد قدم وصفاً شعرياً لحريق فورت ماكموري في كندا قائلاً إن النار لم تكن تشتعل فحسب بل تتحرك بسرعة وكأنها مُطَاردة. فالرياح لم تكن تدفع الحريق فحسب بل تغذّيه. يشير فايلانت أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الحرائق صارت قادرة على صناعة طقسها الخاص. ففي ظل الحرارة الشديدة يمكن لأعمدة الدخان والهواء الصاعد أن ينتجوا سحباً تُطلق برقاً ورياحاً عنيفة كالعواصف الرعدية فيتحول الحريق إلى نظام ذاتي التغذية. يطلق فاليانت على هـذا الطقس الجديد اسم طقس الحرائق الـذي يعكس تحولاً في سلوك الحرائق لأن العواصف الرعدية باتت تصل دون مطر وتشعل الأراضي الجافة.

حرائق مضيئة ومؤامرات لا تحتاج إلى نظرية

ثمة حرائق سابقة حدثت في مناطق أخرى من العالم يوضحُ الجدلُ الـذي دار حولها كيف تؤثر الإيديولوجيا والانقسامات السياسية في الروايات المتداولة حول أسبابها: أثناء حرائق ولاية أوريغون الأمريكية عام ٢٠٢٠، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم لا أساس لها من الصحة بأن نشطاء مناهضين للفاشية ومتطرفين يمينيين أشعلوا الحرائق عمداً. انتشرت الشائعات بسرعة وتدفقت على مراكز الطوارئ اتصالات من مواطنين تحدثوا عن اعتقالات لم تجْر. وعلى الرغم من نفي الشرطة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي لهذه المزاعم، إلا أن كثيرين واصلوا تصديق أن الحرائق نجمت عن مؤامرة سياسية منظمة. لكن كل ما فعلته هذه الاتهامات هي أنها حاولت تقويض الخطاب البيئي حول الاحتباس الحراري، ورسّخت المعلومات المضللة، وأثرت في الطريقة التي فسّر بها الناس الأزمة.

يكشف لنا الإعلام الاجتماعي أننا لم نعد بحاجة إلى منطق أو أدلة تدعم ما نقوله أو نسوقه على أنه الحقيقة والسبب هو أننا دخلنا في ما دعتْه الفيلسوفة السياسية الأمريكية نانسي روزنبلوم مرحلة المؤامرات التي لا تحتاج إلى نظرية. في جوّ كهذا تصبح المزاعم العاطفية، حتى وإن كانت غير صحيحة، بدائل مؤقتة حيث يفتقر الناس لليقين. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من المستحيل تقريبًا احتواء نظريات المؤامرة، إذ تتم تغذيتها بمحتوى يعزز القناعات المسبقة، الأمر الذي ينتج حلقات مغلقة تتكرر فيها الأكاذيب حتى تبدو حقيقية. يشبه هذا ما يجري في الواقع السوري حيث تُشْحَن بطاريات الاتهامات بكهرباء طائفية تصرف أنظارنا عن الأسباب البيئية للكوارث الطبيعية. في جو مشحون كهـذا تغيب التفسيرات العلمية، ويُغطّى موضوع التغير المناخي بحجابٍ إيديولوجي يخفيه، ويُصوَّر الأمر على أنه صراع بين سلطة تحاولُ تأمين الاستقرار وفلولٍ يحاولون زعزعته من طريق إشعال الحرائق بدعمٍ وتمويل من جهات خارجية تتربّص بالنظام الجديد. فيما يشيع البعض الآخر أن ما يجري محاولة لتهجير سكان هذه المناطق من أجل مشاريع اقتصادية قادمة.

تدخلت الإيديولوجيا في حريق اللاذقية، وتعددت حول أسبابه روايات تلائم مصلحة كل طرف. وبصرف النظر عن قصة هذا أو ذاك، تكشفت النار عن وضع مأساوي سوري ينذر بمخاطر جمة تهدد الأفق المتوسطي. ورغم هذا الخطر الداهم لم تحدث فزعةٌ رسمية لإطفاء الحريق كالفزعة التي حدثت لإخماد تمرد الفلول وارتكاب المجازر ضد المدنيين العلويين في بيوتهم. ولم تحدث فزعة عربية أو دولية فورية لاحتواء الكارثة وإنقاذ المساحات التي احترقت.

عالم جديد

يقول الصحافي الكندي جون فاليانت إن العالم الذي كنّا نعيش فيه ونطمئن إلى ثقافته قد تهاوى، وولد مكانه عالم جديد تتربّع على عرشه النيران. يقترح استبدال مصطلح “الإنسان العاقل” بـ”الإنسان الناري”، وهو اسم مشتق من ولائنا للاحتراق واعتمادنا عليه. فنحن، في نظره، كائنات نارية، لأن النار هي محرّك حياتنا وقوتنا العظمى. لكن المفارقة أن هذا الاعتماد الكبير على الاحتراق جعل العالم أكثر قابلية للاشتعال من أي وقت مضى في تاريخ البشرية. وفي هذا العالم القابل للاشتعال، لا يمكن حصر حريق اللاذقية – الذي قضى على أكثر من ١٦ ألف هكتار من الرئة الخضراء لسورية – ضمن حدود التأويل الإيديولوجي، أو تلوينه بلون الانقسامات والاستقطابات التي نعيشها. فالنار التي التهمت غابات الساحل لا تسأل عن هوية من تضرهم، بل تحرق بيئة السوريين جميعًا، وتحدث آثارًا بعيدة المدى تهدد حياتهم ومستقبل أبنائهم. ومع اشتداد النيران، يكتشف السوريون الحريصون على بلادهم مرجعية جديدة تتشكل من رماد الحرائق يصنعها أبطال متطوعون من مختلف الطوائف، يقفون على الخطوط الأولى للحريق في جبال اللاذقية، بإمكانات محدودة وعزيمة لا تلين. هؤلاء، وليس المرجعيات الطائفية العابرة للحدود، القادمة من قُم أو من نجد، هم من يستحقون أن يكونوا نواة لوعي وطني جديد، وركيزة لبناء سورية على أسس تتجاوز الطائفية والانقسام.

هل ستحل التجمعات المدنية مكان الأحزاب السياسية في سوريا الجديدة؟ 

هل ستحل التجمعات المدنية مكان الأحزاب السياسية في سوريا الجديدة؟ 

بعد سنوات طويلة من غياب الحياة السياسية في سوريا، خلال حكم نظام الأسد البائد، تشهد الساحة السورية اليوم ولادة العديد من التيارات والتجمعات والمبادرات، التي حاولت ومازالت تحاول أن تدخل المشهد السياسي وتضع موطئ قدم لها في طريق بناء سوريا. ولكن، على الرغم من أهميتها ومحاولة بعضها أن يحل محل الأحزاب السياسية، يبقى المشهد السياسي في سوريا مفتقداً لوجود تلك الأحزاب، في ظل غياب أي قانون خاص لتنظيم عملها وطبيعة نشاطها، إذ أن معظم  التيارات والتجمعات التي تأسست بعد سقوط النظام كانت ذات صبغة مدنية ومجتمعية، ورغم اقتراب بعضها قليلاً من المجال السياسي إلا أنها تبقى بعيدة عن نهج وأدبيات وممارسات الأحزاب السياسية.  

وبالنظر إلى طبيعة نشاط تلك التجمعات والتيارات سنجد أنها بمعظمها تتبنى أفكاراً وطنية عامة حول المواطنة والتعددية والعدالة وبناء دولة القانون، دون أن يكون لها أية أيديولوجية خاصة أو مشاريع سياسية تفصيلية ومؤثرة أو حتى رؤية وآليات سياسية ناجعة أو خطة عمل واضحة، إذ تتشابه في أفكارها وأهدافها وطبيعة نشاطاتها، التي تنحصر في قيامها بعددٍ من الأنشطة والفعاليات (التي يغلب عليها الطابع المدني والثقافي والإجتماعي) وعقد بعض اللقاءات وجلسات الحوار، وإصدار البيانات حول القضايا والأحداث العامة ورفع بعض الشعارات التي تحمل مطالب وطنية عامة، إلى جانب تنظيم بعض الوقفات التضامنية والاحتجاجية، بغضّ النظر عن مدى تأثيرها الفعلي في الشارع. وقد تأسس بعد سقوط النظام عدد كبير من المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية التي حاولت أن تملأ الفراغ السياسي في البلاد، وسنكتفي هنا بالحديث عن مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع، التجمع المدني في جرمانا، التيار المدني الديمقراطي وتجمع سوريا الديمقراطية. 

مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع: بحسب ما جاء في تعريفها: “تهدف هذه المبادرة إلى تحقيق رؤيةٍ وطنية تُجسّد تطلعات الشعب السوري في الحرية، الكرامة، والعدالة، وتُعبّر عن إيماننا الراسخ بدور المجتمع المدني كمحرك أساسي للتغيير الإيجابي”. وقد نظَّمت المبادرة، التي تضم أكثر من 200 عضو، عدداً من جلسات الحوار مع بعض السياسيين والحقوقيين، ومن بينها: جلسة حوار مع الكاتب والباحث حازم نهار بعنوان: المؤتمر الوطني السوري: الضرورة، الآليات، والتحديات. جلسة حوار حول العدالة والصفح في سوريا اليوم، معالكاتب والباحث ياسين الحاج صالح والمحامي والدكتور عبد الحي السيد. جلسة حوار مع أخصائي الطب النفسي الدكتور جلال نوفل،بعنوان: قضايا المحررين والمفقودين وذويهم من وجهة نظر نفسية واجتماعية وإعلامية، وجلسة حوار حول الإعلان الدستوري مع الدكتور في القانون الدولي والباحث القانوني والدستوري إبراهيم دراجي. كما شاركت المبادرة في عدد من الوقفات التضامنية والاحتجاجية، ومن بينها: وقفة تضامنية مع أهالي المعتقلين والمغيبين في ساحة المرجة بدمشق، نظّمتها رابطة عائلات قيصر. وقفة احتجاجية في ساحة الحجاز، بالتعاون مع التجمع المدني في جرمانا، للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية.ووقفة احتجاجية ضد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية والأراضي الفلسطينية. وإلى جانب ذلك شاركت المبادرة في مؤتمر الحوار السوري حول العدالة والحقيقة، الذي عُقد في دمشق/ فندق الشام، في الشهر الأول من العام الحالي، كما نظَّمت المبادرة، بالتعاون مع وحدة تمكين المجتمع المدني، ورشة تدريبية لثلاثة أيام حول مفهوم المواطنة، مبادئها وقيمها والقضايا المرتبطة بها.   

التجمع المدني في جرمانا:  بحسب ما جاء في بيانه، يطمح التجمع بأن تكون سوريا وطناً ديموقراطياً تعددياً يصون كرامة الناس وحياتهم، يحكمه الدستور الجامع، ويسوده القانون والقضاء المستقل، وتتقدمه مبادئ المواطنة من حرية ومسؤولية ومساواة وتشاركية وقيم المواطنة العديدة. 

ويضم التجمع أكثر من 200 عضو، من سياسيين وحقوقيين وفنانين ومثقفين ونشطاء مجتمع مدني. ومن أبرز النشاطات التي قام بها: المشاركة بالوقفة التضامنية في ساحة المرجة دعماً لذوي المعتقلين، استجابة للدعوة التي أطلقتها رابطة عائلات قيصر. تنظيم وقفة أمام محطة الحجاز للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية. تنظيم وقفة تشاركية لدعم استحقاق المؤتمر الوطني العام أمام محطة الحجاز بالتشبيك مع الرابطة المدنية الشبابية السورية ورابطة المحامين السوريين الأحرار. المشاركة في وقفة احتجاجية ضد قرارات الفصل التعسفية بحق آلاف الموظفين. المشاركة في اعتصام مدينة دوما تنديداً بتصريحات نتنياهو ضد التقسيم وضد الطائفية. وإلى جانب ذلك أقام التجمع عدداً من الجلسات الحوارية ومنها: جلسة مع الكاتب والباحث السياسي د.حازم نهار، بعنوان “المؤتمر الوطني السوري العام/ الأهمية – الهدف – التحديات”   وجلسة مع الدكتور عمر شحرور، رئيس حزب العدالة والتنمية السوري، بعنوان: “حزب العدالة والتنمية السوري: المبادئ _ الأهداف _ الرؤية السياسية للمرحلة الانتقالية، وللمستقبل السوري”.  

التيار المدني الديمقراطي:  بحسب ما جاء في تعريفه: نرى نحن في التيار المدني الديمقراطي أن الدولة المدنية الديمقراطية، هي دولة الكل الاجتماعي، التي تنبثق سلطتها عن الشعب، بانتخابات حرة ونزيهة، تشارك فيها كل الأحزاب والتيارات والتجمعات السياسية المستقلة والمنظمات المدنية والاجتماعية والثقافية والنقابات والهيئات الاقتصادية والأفراد، التي تعتمد مبدأ المواطنة المتساوية أساساً لها، بحيث يرى فيها كل المواطنين الأحرار وطنهم السياسي.

وجاء في تعريفه أيضاً:  يعمل التيار المدني الديمقراطي بوسائل سلمية سياسية، من أجل التغيير المدني الديمقراطي الشامل، الذي يعيد صياغة أوضاعنا الداخلية على أسس و مبادئ مدنية ديمقراطية، تجمع في وحدة جدلية، لا تنفصم عراها بين الوطني والديمقراطي، أي بين تحقيق السيادة والتحرر من جهة، وبين الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي، من جهة أخرى .

ويرى التيار أن جوهر التغيير المدني الديمقراطي الشامل هو “أن يصبح الشعب مشاركاً حقيقياً في صنع القرارات، التي تمسه”، من خلال “تفعيل دور أحزابه وتياراته وتجمعاته السياسية ونقاباته ومنظماته واتحاداته وروابطه المستقلة، وضمان حرية الصحافة والرأي والتعبير والنشر والحق في التنظيم والتظاهر والإضراب السلميين واستقلال القضاء وفصل السلطات وتطبيق القانون على الحاكم والمحكوم بالتساوي، ومكافحة الفساد كبيره وصغيره، والتوزيع العادل للثروة والدخل”.

تجمع سوريا الديموقراطية: بحسب ما جاء في بيانه التأسيسي: “تداعى في مدينة اللاذقية مناضلون وفاعلون وشخصيات وطنيّة، وتوافقوا على إطلاق مبادرة باسم تجمع سوريا الديمقراطيّة مفتوحة لجميع السوريين، وللتنسيق مع مبادرات مماثلة، ومع كلّ القوى والهيئات والنقابات التي نتوافق معها”.

ومن أهداف التجمع:  المساهمة الفاعلة في حماية السلم الأهلي والمرافق العامة مع كل من يساهم في ذلك. العمل الجاد من أجل مؤتمر حواري وطني سوري، ومتابعة عملية الانتقال الديمقراطي. العمل الفوري الجاد على توحيد وتنسيق جميع الجهود الرامية إلى خلاص سوريا من أي احتمال لعودة الاستبداد، وسيرها على طريق الحريات والحقوق الكاملة غير المنقوصة. الدفاع عن مصالح الطبقات والفئات الشعبية الاقتصادية والسياسية وحقوقها بالتنسيق مع نقاباتها واتحاداتها المختلفة المستقلة القائمة أو المزمع إقامتها في المستقبل القريب والبعيد. والتنسيق مع مختلف الاتحادات الثقافية والأدبية والفكرية وسواها، الحريصة على إبراز وجه سوريا الحضاري.

ما بعد وقفة المرجة  

خلال المجازر والانتهاكات التي وقعت بحق أبناء الطائفة العلوية، نظَّم عدد من التيارات والتجمعات المدنية والشخصيات الثقافية والسياسية وقفة في ساحة المرجة للتضامن مع ضحايا المجازر ومع شهداء الأمن العام، الذين قضوا بهجمات فلول النظام، وللمطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم. وخلال الوقفة اصطدم المشاركون، الذين كانوا بمعظمهم شخصيات معارضة للنظام السابق ومحسوبة على الثورة، مع بعض الأصوات المعارضة التي أطلقت شعارات طائفية واقتحمت الوقفة لتقف بوجههم وتتهمهم بأنهم عملاء وفلول، ليتطور الأمر إلى عراك بالأيدي ولإطلاق النار بالهواء من قبل عناصر الأمن العام لتفريق المشاركين. ونتيجة لما حصل صُدم معظم المشاركين وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة وتراجع حماس ونشاط الكثير منهم وتسلل الخوف إلى قلوبهم، بعد أن أعادهم المشهد إلى زمن النظام البائد وطريقة تعامله مع المظاهرات التي كانت تطالب بالحرية، وهو ما أدى إلى تراجع زخم النزول إلى الشارع بشكل كبير، ليقتصر الأمر على بعض الوقفات الخجولة، وعلى بعض الأنشطة المدنية والاحتفالية التي يتعلق معظمها بذاكرة الثورة، وهو ما بدا واضحاً خلال أحداث جرمانا وصحنايا والسويداء، التي وقعت بعد التسجيل المسيء للنبي الكريم محمد، فرغم رغبة الكثير من النشطاء المدنيين بتنظيم وقفات احتجاجية ضد ما حدث بحق أبناء الطائفة الدرزية، لم يسجل الشارع أي وقفات احتجاجية أو تضامنية تذكر، وذلك نتيجة تخوفهم الواضح من ردة فعل مشابهة لما حدث خلال وقفة المرجة، في حل تم النزول إلى الشارع. 

في غياب الأحزاب السياسية  

رغم أهمية تلك المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية، تبقى الحاجة لوجود أحزاب سياسية ضرورة ملحة لتحقيق أهداف الثورة السورية  التي نادت بالحرية والديمقراطية، إذ ينتظر الكثير من السوريين إصدار قانون الأحزاب الذي سيتيح لهم إمكانية تشكيل أحزاب سياسية جديدة تُعبِّر عن أفكارهم وتطلعاتهم السياسية. وترى معظم النخب السياسية والثقافية أن غياب الأحزاب السياسية في سوريا وتهميشها وإقصائها سيشكل تهديداً لشكل الدولة الديمقراطية المستقبلي ويعرقل عملية التحول الديمقراطي ويغلق الطريق أمام إمكانية الإصلاح والتغيير المنشودين من قبل السوريين، فمن المعروف أن غياب الأحزاب يعني غياب الديمقراطية، حيث يساهم وجودها في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية في المجتمع ونشر الوعي والفكر السياسي والإرتقاء بهما، وتكريس مفهوم الدولة الديمقراطية الحديثة التي يُعتبر وجود الأحزاب السياسية أحد مرتكزاتها ودعائمها. كما أن وجود الأحزاب يُشكل ضغطا مباشراً على الحكومة ومراكز صنع القرار ومؤسسات الدولة لكي تنهض بمسؤولياتها وواجباتها على أكمل وجه، كما تساهم الأحزاب أيضاً في تشكيل الرأي العام وتحريضه من أجل النهوض بواقع البلاد وتسليط الضوء على أخطاء وممارسات السلطة والوقوف بوجهها في حال حادت عن برنامجها السياسي ونكثت بالوعود التي وعدت الشعب بتنفيذها.

موسكو والشرع: سيناريو ضبابي

موسكو والشرع: سيناريو ضبابي

قد يُغري بعض السوريين الظن بأن النفوذ الروسي قد تراجع مع سقوط نظام الأسد، وأن الحاضنة الشعبية التي تشكلت رفضاً للتدخلات الأجنبية كفيلة بتحصين المستقبل السوري من أي ارتداد. لكن هذا التصور يتجاهل قاعدة راسخة في سياسات القوى الكبرى: لا تُغادر الساحات بهدوء، ولا تُسلّم بالهزيمة دون إعادة تموضع. النظام الروسي، القائم على سردية قومية واستبدادية، لا يرى في الانسحاب المعلن إلا اعترافاً لا يُغتفر بالضعف، وهو ما لا تسمح به عقيدته.

في الكواليس، ظل التنسيق الأمني بين موسكو وحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع قائماً منذ اليوم الأول لانطلاق “عملية ردع العدوان”، وفقاً لمعلومات الاستخبارات التركية حتى اليوم. هذا الاستمرار يُظهر رغبة روسية في الاحتفاظ بموقع فاعل داخل الخريطة السورية، ليس عبر القواعد العسكرية وحدها، بل من خلال القنوات الاستخباراتية العميقة. وقد عكس اللقاء الأخير الذي جرى في العاصمة الأذربيجانية باكو بين رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي ومسؤول أمني سوري هذا التوجه، حيث طُرحت، بحسب التسريبات، مسألة العناصر الجهادية الأجنبية، مع ضغط روسي واضح لتشديد الضبط الأمني داخل سورية، منعًا لتسلل هؤلاء إلى الداخل الروسي أو إلى دول آسيا الوسطى.

اللافت أن هذا التنسيق لم ينقطع رغم تبدّل الرؤوس السياسية في دمشق. بل ثمة مؤشرات على أن العلاقة بين الجانبين تدخل مرحلة جديدة: أقل صخباً، لكنها أكثر تقييداً. فبينما تتحدث موسكو عن “ضمان الأمن المشترك” و”احترام سيادة سورية”، يلوّح الشرع بخطاب مزدوج: يُثني على دعم موسكو التاريخي، لكنه يطالب – للمرة الأولى منذ عقدين – بعلاقات متكافئة لا وصاية فيها.

من هنا، لا بد للسوريين من التعاطي مع المرحلة الانتقالية بعين اليقظة. فالاطمئنان إلى أن ما تحقق شعبياً سيمرّ بسلاسة، دون مقاومة أو انتكاسات، قد يكون أقصر الطرق إلى الانتكاس ذاته. النفوذ لا يعود عبر الدبابات فقط، بل يجد طريقه عبر إعادة تدوير الوجوه، وشراء الولاءات، وتغذية الانقسامات. وهناك دوماً أطراف، داخل سورية وخارجها، مستعدة لفتح الأبواب من جديد أمام مشاريع الهيمنة القديمة، بدوافع تتراوح بين المصلحة والنوستالجيا المرضية لنظام القوة.

تتبدّى ملامح هذا الخطر اليوم في مشاهد متفرقة، لكن مترابطة في عمقها: دعم مؤتمرات تُروّج لتقسيم سورية تحت عناوين الفيدرالية الزائفة، وفعاليات تنسج سرديات متعالية عن الضحايا، تصنع تدرجاً في الألم الوطني، وتُعيد تدوير لغة المنتصر المهزوم. ما تكشفه هذه الديناميات هو أن المعركة على سورية لم تُحسم بعد، وأن الجغرافيا السياسية لما بعد الأسد لا تزال هشّة ومفتوحة على الاختراق.

الأخطر من ذلك أن جمهور الحاضنة القديمة – الذي ظنه البعض قد تبخّر – قد أُيقظ من سباته مع عودة شائعات إعادة تأهيل ماهر الأسد. هؤلاء لم يتلاشوا؛ بل انكمشوا، وراقبوا بصمت. وهم لم يتخلّوا عن النظام لأنه قاتل، بل لأنه خسر. ولاءهم لم يكن للمبادئ، بل للقوة والقدرة على البقاء. وهذه الطبقة الرمادية، إذا لم يتم تفكيك بنيتها النفسية والاجتماعية بخطاب سياسي ذكي، قادرة على إعادة إنتاج النظام بأشكال جديدة، أكثر دهاء وربما أكثر قبولاً في الداخل والخارج.

في هذا السياق الانتقالي، دخلت موسكو بدورها مرحلة ارتباك استراتيجي. فالرئيس أحمد الشرع – الذي بدأ عهده بخطاب سيادي متماسك – لم يمنح موسكو ما اعتادت عليه: لا تبعية مباشرة، ولا ضوءاً أخضر لمواقع نفوذ ثابتة. هذا ما يفسّر التصريحات المتوترة التي صدرت من بعض المسؤولين الروس، وأبرزها تصريح السفير الروسي في بغداد لقناة عراقية، حين قال: “مسألة مصير بشار الأسد لم تُناقش، وهو أمر غير وارد”. لا يُقرأ هذا التصريح بوصفه موقفاً، بل كقناعٍ للحرج؛ محاولة لطمس سؤال الخسارة أكثر من كونه تأكيدًا على تحالف دائم.

وبينما اكتفى الكرملين بالمراوغة أمام المتغيرات في دمشق، أرسل الرئيس فلاديمير بوتين رسالة تهنئة إلى أحمد الشرع بمناسبة توليه السلطة، حينئذ. الرسالة لم تُنشر نصاً، وجرى الاكتفاء بتصريح مقتضب من المتحدث باسم الكرملين وصفها بأنها “تهنئة رسمية”. لكن التسريبات التي رافقتها  عن حديث حول “استمرار التعاون” و”مكافحة الإرهاب” و”احترام خيارات الشعب السوري”  بدت كأنها تعكس محاولة روسية للحفاظ على موطئ قدم، دون التورّط في مشهد قد يُحمِّلها مسؤولية الفشل السوري الكامل.

اللافت أن حكومة الشرع لم تُصدر أي رد رسمي على الرسالة، وهو صمتٌ مدروس لا يخلو من الرسائل. فقد أراد الشرع أن يترك الباب مفتوحاً، دون أن يقدّم لموسكو أوراق التطمين المجانية. وهنا تبرز المعادلة الجديدة: دمشق لم تعد ساحة خالية لمراكز النفوذ، بل حقل ألغام سياسي، يتطلّب مهارة عالية في التوازن، لا سيما حين يتعلّق الأمر بالقوة الروسية التي ما تزال تحاول إنكار لحظة السقوط.

على أن التطور الأكثر دلالة جاء من بوتين نفسه، حين أعاد التأكيد في تصريح حديث على أن التدخل الروسي في سورية كان لمنع تمدد الإرهاب، مضيفاً بعبارة مموّهة لكنها لافتة أن المعارضة السورية “قد تعلّمت خلال عقد من الصراع كيف تدير شؤونها وتحافظ على أمنها الداخلي”.
تصريح قد يبدو عابراً، لكنه يحمل في طياته تحولًا نوعياً في سردية الكرملين: من شيطنة المعارضة باعتبارها تهديداً وجودياً، إلى الإقرار، الضمني، بأنها أصبحت طرفاً قادراً على ضبط البلاد، بعد أن أنهكها الاقتتال متعدد الأطراف، من جيش الأسد إلى فصائل الثورة المتناحرة، ومن التدخلات الإيرانية إلى الغارات الإسرائيلية والضغوط الغربية.

هذا التحول لا يعني أن موسكو تبنّت شرعية حكومة الشرع، بل إنها تحاول صياغة موضع جديد لها داخل المعادلة الناشئة، انطلاقًا من مبدأ روسي تقليدي: إذا احترق الميدان، تفاوض على الرماد.
ورماد النظام السوري، الذي كان شريكاً استراتيجياً لموسكو، يتداخل اليوم مع رماد المشروع الروسي نفسه في شرق المتوسط، حيث التمدد التركي، والاندفاعة الأوروبية، وتراجع الاهتمام الأمريكي، يفرضان على موسكو إعادة نظر جذرية في أدواتها ومواقعها.

من هنا، تتعدد السيناريوهات أمام روسيا:

  1. الاعتراف الضمني بحكومة الشرع، من دون إعلان القطيعة مع شخصيات موالية لبشار الأسد، مع الإبقاء على صِلات عبر شخصيات تكنوقراط أو أمنيين قدامى.
  2. الانكفاء السياسي والعسكري النسبي، مقابل التموضع كقوة استثمارية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، حيث الدولة السورية الجديدة أكثر هشاشة، وأشد عطشاً إلى الخارج.
  3. اللعب على التناقضات الداخلية داخل حكومة الشرع أو بين الفصائل، لتغذية انقسامات تفتح باباً خلفيًا للنفوذ الروسي غير الرسمي.
  4. تفعيل أدواتها الإقليمية: مجموعات عراقية، لبنانية، أو سورية تدين لها بالولاء، كي تبقى ممسكة بخيوط المشهد دون أن تتصدر واجهته.

في كل هذه السيناريوهات، تسعى روسيا إلى الحفاظ على سرديتها الكبرى: أنها لم تُهزم، بل غيرت أدواتها فقط.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن تفهم دمشق الجديدة – حكومةً ومجتمعاً – أن هذه السردية تُصاغ الآن بهدوء، تحت قشرة الرماد، وأن إهمال مواجهتها قد يفتح الباب أمام عودة بطيئة، ماكرة، ولكن فعّالة.

فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يُلهم المتربصين بإعادة إنتاجه. والنفوذ، كما خبرناه في العقد الماضي، لا يأتي فقط على ظهر الدبابات؛ بل يتسلل إلى الاجتماعات الوزارية، وصفقات الإعمار، وتحالفات الطاقة، وابتسامات الدبلوماسيين.

يبقى السؤال الأخير: ماذا تعني الهزيمة إن لم تُعلَن؟ وماذا لو أُعيد تسويقها كـ”حكمة إعادة تموضع”؟
بقاء روسيا في سورية ليس قَدَراً. إنه احتمال. واحتمال يمكن كسره، بشرط ألا ننسى من أشعل النار أول مرة، وألا نُخدع بوهم أن الرماد قد برد.فالرماد، كما علمتنا التجربة السورية، لا يحتاج إلا نسمة خفية ليشتعل مجدداً.