نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن نموذجاً دعوياً لفكرها، يُستخدم بلا مراعاة لا لرغبة الفتاة ولا لحياتها ولا لمجتمعها، بل عبر استلاب هويتها، وتهشيم ذاتها، وفرض الخيار عليها. وهي غالباً من الأقلية العلوية، ويتم توظيف ذلك على أكثر من وجه؛ فأولاً، هو تقديم الأقليات على أنهم كفار بحاجة إلى هداية، وهذا يعني أن قتلهم أيضاً مباح لأنهم كفار وزنادقة. كما يتم استخدام الفتيات كشهود على خروج الأهل والجماعة عن الدين الحقيقي حسب تصنيفهم، ثم استخدام الفتاة للترهيب وإثارة الرعب بين فتيات المحيط وأسرهن في غرفهن الضيقة، إذ تتعالى صيحات: لماذا ترسلون بناتكم إلى الجامعات أو العمل؟ إنه إعادة للمرأة إلى سجنها الضيق، بما يعنيه ذلك من انتكاسة حقيقية للحقوق الإنسانية والاجتماعية التي تم تحصيلها عبر عصور.

وفي حين يعيش الأهل الرعب على ابنتهم، يتم ظهورهم فيما بعد على الصفحات بأقوال متضاربة تجعل المشاهد في حيرة واضطراب، وهذا يؤدي إلى فقدان التعاطف مع الضحية، ووصم أهلها وبيئتها بوصم أخلاقي لا فكاك منه. وهو أقسى درجات تفتيت نسيج المجتمع السوري، لأن التعاطف قد يعني الرعب من مشاركة المصير، بينما تعيش الفتاة ذلك الظلم المضاعف في استلابها وانفصالها عن هويتها وبيئتها وعائلتها، وممارسة أفكار قد لا تمت لها بصلة أو لم تفكر بها يوماً عبر ممارسة الدور المفروض عليها.

والحقيقة أن هناك نكوصاً حقيقياً في النظر إلى المرأة، التي يجمع المفكرون على أنها مرآة المجتمع.

خطوات إلى الخلف في الحريات أم انهيار اجتماعي؟

من التدخل في الشكل العام لظهورها في العمل بإصدار قرارات منع المكياج، أو التوجيه الشفوي في أماكن عدة بضرورة ارتداء الحجاب، وخضوع الكثيرات لهذا التوجيه خوفاً من الفصل من العمل، خاصة أن هذا الفصل حدث وبكثرة، وخوفاً من التمييز على إثر ذلك، كل هذا غيّر من أسلوب حياة نساء كثيرات. ويضاف إلى ذلك انتشار الفكر الغيبي المتسلط الذي يرى المرأة كجارية. من منا لا يتذكر الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة وهي تقبّل قدم أم زوجها، حماتها، لتسمح لها بالدخول إلى المنزل ولقاء ابنها؟ كان ذلك، للأسف، مع بداية حملة مناهضة العنف ضد المرأة في تشرين الثاني من العام الماضي.

الفيديو مهين بطريقة لا تُحتمل ويمس كل امرأة في العالم. من المؤسف ما حصل، وأن يتم تصويره وبثه وكأنه حفل أو حالة يُعتد بها. والغريب أن العنف الممارس بحق امرأة هو بيد امرأة أخرى، بينما يبدو الزوج متحالفاً مع الأم ويقوم بتصوير إذلال زوجته.

نعم، كانت النساء أكثر قسوة تجاه بنات جنسهن وبشكل واضح على الدوام، كما في جرائم الشرف، حيث كانت الأم غالباً ما تساعد وتحرض على القتل. فهي ابنة هذا المجتمع وغالباً ما تتمسك بأحكامه، سعياً لنيل صك براءتها مما يخالف العرف، ولأنها لا تعي أثر ذلك عليها.

يدعم ذلك موقف بعض النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجل، متذرعات بأنهن حصلن على حقوقهن ولا يشعرن بالانتقاص، وكأن النضال من أجل حقوق المرأة مسألة شخصية أو دفاع فردي وشخصي.

تشكل كل حالة مساندة ودعم ضد الظلم الواقع على المرأة، ولو أنه لا يمس الشخص ذاته، حالة أخلاقية. ومناصرة المظلوم دون أن يكون المرء طرفاً في الحالة واجب أخلاقي وموقف فكري واعٍ لحقوق الآخر واحترامها وصونها. ولهذا كان واجباً على الزوج في الفيديو الانتصار لزوجته وعدم التحالف مع الظلم الواقع بحقها، كما أن واجب النساء مناهضة العنف ضد المرأة ولو كن غير معنّفات، والوقوف بجانب المختطفات ولو كان هناك التباس حتى تظهر الحقيقة. لكننا جميعاً أبناء هذا المجتمع، ويبدو هذا حتى بين المثقفين الذين ينادون بحقوق الرجل في مباهاة بالخروج عن المألوف، ما يعكس حجم النكوص الفكري والاجتماعي والأخلاقي الحاصل بتدمير الطبقة الوسطى خلال الحرب التي أكلت سوريا لمدة أربعة عشر عاماً.

وفي وقت كانت مطالب المرأة السورية في مستوى حق منح الجنسية لأطفالها، تعود اليوم إلى المستوى الأول في تمييز حقوقها، حيث يبدو أنها تُعامل ككائن لا يملك الأهلية للنظر في احتياجات أولادها واعتبارها غير قادرة على متابعة الشؤون القانونية لهم، وذلك ما رأيناه في قرار الوصاية للذكور من جهة الأب الذي أصدره وزير العدل.

تقارير متناقضة عن الخطف

صدر تقرير وزارة الداخلية في التحقيق بحالات الخطف التي تجري في سورية في تشرين الثاني 2025 بالإنكار كظاهرة، والاعتراف بحالة واحدة فقط، مع مساندة المؤثرين على صفحات التواصل والصحافة الاجتماعية لتضليل الحدث عبر بناء سرديات جديدة للحوادث، غريبة وغير مقنعة، تسلب الضحية أي مظلومية تود الدفاع بها عن نفسها. وهو ما يمكن أن نسميه الذهاب نحو الانتقام إلى حده الأقصى وبشكل غير إنساني، يخالف الضمير والأخلاق. إذ صُورت المرأة الضحية إنسانة ساقطة في المعيار الأخلاقي للمجتمع وخارجة عن المعايير الإنسانية، إذ غالباً ما تُقدّم هذه الحوادث على أنها حالات هروب مع عشيق، فتتجاوز المرأة حياتها الزوجية وتضرب بمصلحة أولادها عرض الحائط. ويتم استخدام قصص فُبركت أو دُسّت ضمن عدد الحالات الكبير دون التأكد منها، لتكون أداة إثبات على إنكار كل حوادث الخطف.

لم يعد ذو عقل قادراً على إنكار حوادث الخطف الحاصلة في عدة مناطق سورية، وقد قامت بتغطيتها ورصدها تقارير لوكالات عالمية ومجموعات ناشطة على الأرض، وعبر الشهادات الموثقة. فقد أظهر التحقيق الاستقصائي الذي نشرته النيويورك تايمز في نيسان 2026 وجود 13 حالة اختطاف على خلفية طائفية، وخاصة في الساحل السوري، وتعرض النساء الناجيات إلى عنف جنسي ولفظي واغتصاب جماعي.

هذا الإنكار الرسمي لا يعني فقط ضياع حق الضحية، بل يشجع على المزيد من هذه الحوادث، ويطلق يد العصابات التي تقوم بذلك. يقول أحد الصحافيين إن المرء بإمكانه الحصول على امرأة بالمبلغ الفلاني من إدلب، فلماذا يتم خطف النساء؟ ينم هذا القول عن خلفية فكرية تعتبر النساء سلعة بإمكان أي كان الحصول عليها. وهو بذلك يغالط نفسه؛ فإن من يدفع مقابل سلعة سوف يسعى لنيلها بلا مقابل إن كان ذلك متاحاً ودون محاسبة.

نحن أمام خطر ضياع حقوق الضحايا، اللواتي يعانين من الظلم المضاعف مرات: من الخطف ذاته وما يرافقه من عنف لفظي وجسدي واغتصاب جماعي أو فردي، أو تزويج بالإكراه، والانتهاء إلى حالات غياب الوعي وعدم التحكم التي بدت عليها المختطفات، مما دل على تعاطي أنواع من الأدوية والمخدرات؛ أو من خلال الإنكار الرسمي والتضليل بسرديات العشق أو الخروج عن العائلة الظالمة والكافرة لاعتناق الدين وممارسة النشاط الدعوي، الذي بدأ يظهر في المجتمع بثقة. فوجود “دار الأخوات”، كما ظهر في قضية بتول علوش، يعني أن هناك جهات تدعم وتساند هذا النشاط وتجهز له أماكن العمل والنشاط.

بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا، أعادت النساء بناء البلاد وأُطلق عليهن اسم “نساء الأنقاض”، وأقيمت لهن تماثيل رمزية في عدة مدن. كما أن العبارة الشهيرة “لا سلام مستداماً بدون النساء”، التي أكدتها الأمم المتحدة، تلفت الانتباه إلى دور النساء السوريات اللواتي حملن العبء خلال الحرب، وسيقدمن كل الجهود خلال السلم. لذلك، علينا أن نقف مع المرأة دوماً، فتقدم الأمم صار يُقاس بما توليه من اهتمام لوضع النساء.

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم “اكتظاظاً” بالأحزاب والسياسيين والزعماء و”القادة الملهمين”، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين العرب: “أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعباً يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ويعتقد 50 في المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد 10 في المائة على الأقل أنهم آلهة”. (1)

لمحات من تاريخ العمل الحزبي في سوريا
شهدت سوريا ولادة إرهاصات لأشكال من الأحزاب السياسية “جمعيات” مع أفول حقبة الاحتلال العثماني للشرق، وكانت استجابة لطموح الشعوب المحكومة بالاحتلال إلى الاستقلال وبناء دولها القومية، بالتزامن مع نشوب الحرب العالمية الأولى، وشهوة الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب للاستيلاء على تركة “الرجل المريض”.

وفي زمن الانتداب الفرنسي (1920 ـ 1946)، تأسست أحزاب وحركات عديدة، ربما كان أولها الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان الذي تأسس عام 1924، ثم تأسست الكتلة الوطنية عام 1928 من ائتلاف مجموعة من رجال السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة السوريين الذين جمعهم الإيمان بوحدة سوريا واستقلالها.

وانشق عن الكتلة الوطنية لاحقاً تشكيل سُمّي “حزب الشعب”، ليحتكر الحزبان، إلى حد كبير، الحياة السياسية والبرلمانية في سوريا آنذاك، رغم وجود نشاط واضح للشيوعيين والقوميين السوريين، “تأسس الحزب القومي السوري عام 1932″، إضافة إلى حزب البعث الذي تأسس غداة الاستقلال عام 1946.

الربيع الحزبي القصير
استمرت الحالة الحزبية في سوريا بهذا الشكل، إلى حد كبير، حتى أثناء فترة الانقلابات خلال الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ونشطت أكثر فأكثر خلال الفترة اليتيمة التي شهدت حياة برلمانية حقيقية مستقرة بين عامي (1954 ـ 1958)، حتى جاءت الوحدة السورية المصرية التي قضت على الحياة السياسية في سوريا.

امتد شلل الحياة السياسية، رغم الفشل الذريع لتجربة الوحدة القسرية في أيلول من عام 1961، وقيام حكومة أعادت تفعيل الحياة السياسية، لكن سرعان ما انقض البعثيون على السلطة في انقلاب 8 آذار 1963، وأعادوا تأسيس النظام الأمني الشمولي. ورغم تعدد الحركات والانقلابات، إلا أن الإطار العام بقي تفرداً للبعث بالسلطة، ثم تفرد فرد وعائلة بالسلطة منذ عام 1970، حين تمكن حافظ الأسد من الانقلاب على خصومه، رفاق الأمس، وتأسيس نظام أمني صارم ومغلق ودموي أبقاه على رأس السلطة مع عائلته وحاشية ضيقة من المنتفعين من الفساد الذي رافق الاستبداد، كما هي العادة، حتى موته عام 2000.

وكان حافظ الأسد قد هيأ استلام السلطة لابنه بشار الأسد، الذي حكم بالعنجهية ذاتها، مع تميزه عن أبيه بقلة الخبرة وضعف الشخصية وأمراض مزمنة أخرى، حتى سقوط نظامه في 8 كانون الأول عام 2024.

زمن الهيئة
سقوط نظام بشار، والقدوم السريع لقوات هيئة تحرير الشام من إدلب إلى دمشق خلال 11 يوماً، وإعلانها أبا محمد الجولاني (الرئيس الحالي أحمد الشرع) رئيساً للفترة الانتقالية التي حُددت بخمس سنوات، ومن خلال الملامح الأولى لـ”الحوار الوطني” و”الإعلان الدستوري” و”مجلس الشعب”، بدا للمراقبين أن هناك توجهاً نحو التفرد في إقرار مستقبل البلاد، بتغييب أي دور للأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية التي كانت في صفوف المعارضة لنظام الأسدين.

إضافة إلى تعيين قيادات النقابات والاتحادات المهنية وتحويلها، بالتالي، إلى أجهزة تنفيذية تابعة للسلطة. وكذلك مجلس الشعب، الذي لم يكتمل بعد بانتظار تعيين الثلث الخاص بالرئيس الانتقالي، بعد انتخاب الثلثين الآخرين من لجان شكَّلتها السلطة الانتقالية.

إضافة إلى التسامح مع لغة تحريضية ضد الأقليات، وتنفيذ مجازر مروعة في الساحل السوري في آذار 2025، وفي السويداء بتموز من العام ذاته.

الآن تبدو الصورة البانورامية للحالة الحزبية والنشاط الحزبي والسياسي قاتمة في سوريا بسبب عدم صدور قانون أحزاب جديد أولاً، علماً أن آخر قانون أحزاب أصدره بشار الأسد، في تلبية شكلية لمطالب الثورة السورية، لم يشرع سوى لأحزاب صغيرة مسيطر عليها أمنياً، وتكاد تكون وهمية، إضافة، طبعاً، إلى أحزاب ما سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، وهو تحالف أنشأه حافظ الأسد عام 1972 من الأحزاب الرئيسية المعروفة في البلد، عدا الإخوان المسلمين والحزب القومي السوري، وهي: “الحزب الشيوعي السوري، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الاشتراكيين العرب، حزب الوحدويين الاشتراكيين، وحزب البعث كقائد للدولة والمجتمع والجبهة أيضاً”. ولاحقاً حدثت انقسامات عدة في أحزاب الجبهة، وتم ضم الأحزاب الجديدة المنقسمة عن أحزاب الجبهة إليها، إضافة إلى الحزب القومي السوري، ليصبح عدد الأحزاب تسعة أحزاب.

ويبدو من نهج السلطة الانتقالية، في الجانب السياسي والإداري، اعتمادها كلياً على كوادر هيئة تحرير الشام العاملين في صفوف هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، وهو ما يُعرف في سوريا بمشايخ الهيئة، حيث يدير معظم الوزارات والمؤسسات شيخ أعلى من الوزير أو المدير العام.

ومعلوم أن تأسيس جبهة النصرة كان بعيد اندلاع الثورة السورية، كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، نهاية عام 2012، إذ قام أبو بكر البغدادي، أمير التنظيم في العراق، بإرسال أبي محمد الجولاني مع بضعة قياديين سوريين وأجانب إلى سوريا لإقامة فرع لتنظيم القاعدة فيها تحت اسم “جبهة نصرة أهل الشام” عام 2012.

في تموز عام 2016، تم تغيير اسم تنظيم جبهة النصرة إلى “فتح الشام”، في محاولة للالتفاف على العقوبات الدولية وعلى تصنيف جبهة النصرة كـ”تنظيم إرهابي”. وكان ذلك التغيير تمهيداً للانفصال عن تنظيم القاعدة أيضاً، ولم يدم الاسم طويلاً، إذ سرعان ما أُعلن تأسيس هيئة تحرير الشام بعد دمج فصائل إسلامية عدة مع التنظيم عام 2017.

هذه نبذة موجزة عن الحزب الحاكم فعلياً في سوريا الآن، رغم الإعلان عن حل الهيئة بعد وصول قواتها إلى دمشق، لكن تشكيل ما يسمى بالإدارة السياسية، وهي الحاكم الفعلي لسوريا، يذكرنا إلى حد بعيد بالقيادة القطرية لحزب البعث، في ظل وجود عضو من هذه الإدارة في كل محافظة وفي الوزارات الهامة لتسيير الأمور.

الآن، ما هي الحالة الحزبية في سوريا في ظل عدم وجود قانون أحزاب، ولا قانون إعلام، ولا صحافة حرة بمعنى الكلمة؟

أحزاب تعمل بحذر وتنتظر قانوناً
قمنا بلقاء قياديين في حزبين موجودين على الساحة لسبر رؤيتهما حول الحالة الحزبية في سوريا الجديدة.

عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد تحدث لنا عن الوضع الحالي للحزب قائلاً: “هناك حالة انتظار بالنسبة لنا كنشاط سياسي، ونحاول متابعة حد أدنى من النشاط السياسي والإعلامي، مع حرصنا على عدم استفزاز السلطة.

لقد رفض الحزب الشيوعي السوري الموحد قرار حل الأحزاب، وتابع نشاطه السياسي بأشكال أقل علنية، ويساهم اليوم مع غيره من الأحزاب وهيئات المجتمع المدني في تجمعات سياسية واجتماعية ترفع شعارات وطنية، كاستعادة السيادة السورية، ووحدة الأرض والشعب، ورفض التقسيم، والنضال لاستعادة كل شبر من الأرض السورية التي يحتلها الكيان الصهيوني، ومن أجل الديمقراطية عبر دستور ديمقراطي يعترف بحقوق المواطنة والحقوق السياسية لجميع السوريين بغض النظر عن الجنس والدين والمعتقد والإثنية.”

وحول تعامل السلطة مع الحزب حتى الآن قال: “لم نشهد تصعيداً ضد الحزب حتى اليوم.”

وفي مقال له منشور في صحيفة خليجية زودنا به، يبين القيادي الشيوعي ذاته موقف حزبه، الذي كان عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية في عهد النظام السابق، نقتطف منه: “المنتصرون في سِفر الثورات العالمية على مدى التاريخ، اكتشفوا في أحيان كثيرة أنهم كانوا أضاحي، والمنهزمون خرجوا من الباب وعادوا من الشبّاك بعد أن بدّلوا زيّهم، وتبددت الأحلام الوردية كسحابة صيف، أما شعارات الحرية والعدل والمساواة، فاختنقت في الحناجر، وتحولت إلى “بوسْتَرات” ملوّنة تزين جدران مخافر الشرطة وغرف الاعتقال والتعذيب.”

ويضيف: “ورغم الغموض الذي اتسمت به الصفقات الإقليمية والدولية التي أطاحت بنظام “الأسد” وأدّت إلى سيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في سورية، فقد تساوى التفاؤل والخوف والقلق في صبغ ردود أفعال المواطنين السوريين تجاه التغيير الحاصل في البلاد، فقد تفاءل الكثيرون بسبب انهيار سلطة الحزب الواحد الذي هيمن على سورية منذ نحو ستّة عقود، وكان كثيرون يعتقدون أن ذلك أمرٌ مستحيل، بسبب القبضة العسكرية والأمنية للنظام المنهار، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد تخوف الكثيرون أيضاً من الآتي الجديد بسبب خلفيته الجهادية ذات اللون الواحد، وانتابهم القلق حول مستقبل بلادهم بعد أن عانوا طويلاً من التفرد.”

وحول رأي حزبه بالإجراءات والخطوات التي اتخذتها السلطة الجديدة، أضاف القيادي الشيوعي في مقاله:
“لقد أظهرت مؤشرات عدة خلال فترة قصيرة، بعد أن عُيّن السيد “الشرع” رئيساً للبلاد، بموجب قرار الإدارة العسكرية “لهيئة تحرير الشام”، ومن خلال أول الاستحقاقات، وهو مؤتمر الحوار الوطني، أن اللون الواحد سيطغى على جميع الاستحقاقات اللاحقة، وأن شعار “من يحرّر يقرّر” الذي رفعه بعض قيادات “الهيئة” تحوّل إلى سلوك عملي، رغم تناقضه مع طموحات السوريين إلى سورية الجديدة الموحدة، فكان حواراً مع الذات لا مع الآخر المتنوّع والمختلف، وخرج بتوصيات مسبقة الصنع بصيغ عامة لا تضمن توحيد الأطياف السورية، ولا تضع الإطار الديمقراطي التعددي الذي يمنع إعادة إنتاج التفرّد والاستئثار والاستبداد.

أما المؤشر الثاني، فكانت أحداث الساحل السوري، التي تحولت إلى “مقتلة” أعادت إلى الأذهان التحريض والتجييش الديني والطائفي، واستخدام المراكز الدينية ومشاعر المتدينين لاضطهاد الطائفة العلوية، بزعم أنها حاضنة رموز النظام المنهار. هذه “المقتلة” التي أدّت إلى استشهاد آلاف المدنيين الأبرياء من جهة، والتخوف من استمرارها في مناطق أخرى، وبأشكال أخرى من جهة ثانية، علماً أن هذه الطائفة كانت، خلال عقود تسلط النظام المنهار، من أكثر الأطياف تضرراً، باستثناء قلّة منها استغلت نفوذها لتلبية مصالحها الضيقة المعادية لمصالح الوطن والشعب.

ثم جاء المؤشر الثالث، وهو إصدار الإعلان الدستوري الذي صاغته لجنة اللون الواحد، والذي لم ينص صراحة على تبنّي الديمقراطية التي ناضل السوريون من أجلها، والذي افتقد إلى الضمانات الواضحة لبناء سورية الجديدة الديمقراطية.. المدنية.. التشاركية، ليكتمل المشهد المتسم باللون الواحد، الذي سيراه السوريون في الأيام القادمة.”

السيد عمر المختار ونوس، القيادي في الحزب الدستوري السوري “حدس”، تحدث عن تجربة الحزب مع السلطة الجديدة قائلاً: “نحن في الحزب الدستوري السوري نرى أن المشهد الحزبي بعد سقوط نظام الأسد يعيش حالة فراغ قانوني وسياسي خطير. فحلّ الأحزاب بقرار فوقي، من دون أن يُستكمل ذلك بإطار قانوني بديل ينظّم العمل الحزبي، أوجد واقعاً ضبابياً يقيّد التعددية ويعيد إنتاج منطق السلطة المؤقتة غير الخاضعة للمساءلة.

غياب قانون أحزاب واضح، يستند إلى معايير دستورية ديمقراطية، يعني عملياً تعطيل أحد أهم مقومات الحياة السياسية السليمة، ويجعل النشاط الحزبي عرضة للاجتهاد الأمني أو الإداري، بدل أن يكون حقاً سياسياً مكفولاً.

من وجهة نظرنا، لا يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي أو عن بناء دولة قانون، في ظل غياب تشريع يضمن حرية التنظيم السياسي والتنافس السلمي على أساس البرامج لا الولاءات.”

وجواباً على سؤالنا حول تعامل السلطة الجديدة مع نشاط الحزب وفعالياته، قال: “الحزب الدستوري السوري لم يكن يوماً حزباً مرخّصاً في ظل نظام الأسد، لأنه لم يعترف بشرعية ذلك النظام، ولا بشرعية قوانينه القمعية. وبالتالي فإن موقفنا من السلطة الجديدة ينطلق من المبدأ ذاته: نحن لا نطلب اعترافاً من سلطة أمر واقع، بل نطالب بحقوق دستورية وسياسية وطنية ومواطنية، كان يمكن لمؤتمر حوار وطني حقيقي أن يفضي إلى تثبيتها في عقد اجتماعي، لتصبح هي ذاتها مضمون الوثيقة الدستورية، وقد رأينا كيف أدى تجاوز هذا الحوار إلى تعقيد المشهد الوطني.

السلطة المؤقتة/ الانتقالية/ الأمر الواقع تريد إبقاء الحياة السياسية في منطقة رمادية، لتستكمل تمكين نفسها في الحكم، وهناك الكثير من المقدمات الواضحة بالنسبة لنا في منهج السلطة الحالية، التي تجعلنا على يقين تام بأنها لا تريد نظام حكم يقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية.”

وحول تعامل السلطة مع بعض الفعاليات التي يقيمها الحزب في الداخل السوري، وفيما إذا كان الحزب يطلب موافقة من السلطة على تلك الفعاليات، قال السيد ونوس: “ليس هناك أي حوار بيننا وبين السلطة، ولا نقدم أي طلبات للموافقة على أنشطتنا، ونرفض من حيث المبدأ منطق “الاستئذان السياسي” الذي كان سائداً في عهد النظام السابق. وفي الوقت ذاته، نؤكد أن الحل لا يكون بالفوضى، بل بإصدار قانون أحزاب عصري، واضح، وشفاف، يحدّد الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية.

باختصار، مشكلتنا ليست تقنية مع جهة بعينها، بل سياسية مع غياب الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظّم الحياة العامة، ويمنع تحوّل أي سلطة مؤقتة إلى بديل استبدادي جديد.”

المستقبل واحتمالاته
من خلال تجارب ممارسة السياسة في ظل النظام السابق والنظام الحالي، يمكن القول إنه في العهود البعثية تم إلغاء الحياة السياسية و”تعقيمها” لتصبح على مقاس النظام ورؤاه السياسية والفكرية، وقد أسس حافظ الأسد لنمط خاص في الممارسة السياسية بأن جرّ الأحزاب الرئيسية اليسارية والقومية في البلد إلى تحالف غير متكافئ سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية، جعله يتحكم تماماً بهذه الأحزاب كحزب قائد أولاً، وعبر إعطاء بعض الامتيازات لقياداتها ثانياً، لتتحول إلى جزء من النظام السياسي وتتماهى مع البعث حتى تصل إلى التطابق بالنسبة لغالبية الأحزاب.

أما الأحزاب التي بقيت خارج هذه الجبهة، فكان حافظ الأسد، بحنكته السياسية، يمسك بخيوط الممارسة السياسية، فيقوم، متى ما أراد، بقمع أي حزب أو حركة بحجة عدم شرعيته، وقد ضعفت هذه الأحزاب مع الزمن بعد حملات الاعتقال بحق قياداتها وأعضائها ومناصريها، وأهمها الإخوان المسلمون، والحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، وحزب العمل الشيوعي، والأحزاب الكردية التي اتبعت السلطة تجاهها سياسة غض النظر مع عدم الاعتراف بها والضغط الأمني المستمر عليها.

وقد كانت أحزاب الجبهة هي الوحيدة المعترف بوجودها شرعياً، ويُترك لها الهامش الذي يحدده هو وأجهزته الأمنية بسياسة غض النظر دون الاعتراف بها، أو السماح لها بالعمل علناً. بل إن جريدة الحزب الشيوعي مثلاً لم تكن تباع في الأكشاك رغم مطالبات الحزب المتكررة بذلك حتى مجيء بشار الأسد وسماحه بذلك، رغم أنها في الواقع بالكاد تميزها عن صحف السلطة وملحقاتها الأمنية.

بل إن أملاك هذه الأحزاب وأبنيتها وسياراتها لم تكن توضع باسم الحزب، بل باسم قياداتها “الأمين العام غالباً”، بسبب عدم وجود قانون للأحزاب حتى قيام الثورة السورية عام 2011، حيث أصدر بشار الأسد قانوناً للأحزاب، ورُخِّصت بموجبه أحزاب عدة، معظمها، إن لم نقل كلها، خرجت من داخل فروع المخابرات ومضبوطة حركتها تماماً، ولذلك بقيت مهمشة ومجهولة من الشارع ودخلت طي النسيان بعد سقوط النظام، إلا القليل منها.

بعد صدور قانون للأحزاب عام 2012، صار بإمكان الأحزاب المعترف بها بموجب هذا القانون تملّك مقراتها وأملاكها باسم الحزب، والمفارقة هنا أن كثيراً من أحزاب الجبهة أبقت عليها باسم الأمين العام الذي يختصر الحزب في شخصه، كما هي الحال عند الحليف الكبير.

الآن، تقف الأحزاب القديمة، أو من بقي منها على قيد الحياة، في موقف انتظار الآتي، حيث لا قانون للأحزاب ينظم عملها ويقونن وجودها، مع صدور قرار عن “مؤتمر النصر” بحل أحزاب الجبهة ومصادرة ممتلكاتها.

بالتالي، يسود الخوف والحذر من اعتماد المزاج الشخصي أو العقائدي في التعامل معها، إذ تستطيع السلطة التصرف كما تشاء حيالها، فنلاحظ أن ممارسة السياسة خافتة وفي حدودها الدنيا. وهناك أحزاب وحركات، خصوصاً الأحزاب التي كانت معارضة لنظام الأسد وساهمت بقسطها في الثورة السورية، في طورها السلمي على الأقل، وخسرت قيادات وكوادر لها في المعتقلات، تقوم بفعاليات واجتماعات “غير مرخصة طبعاً”، لكن لا تعترض السلطة عليها حتى الآن، على الأقل.

وقد شهدت مقاهي دمشق “الروضة والكمال خصوصاً” أكثر من اجتماع موسع لأحزاب وحركات “حزب العمل الشيوعي، تحالف تماسك لأحزاب وحركات يسارية، حزب الإرادة الشعبية بقيادة د. قدري جميل… إلخ”، وندوات فكرية لشخصيات فكرية وسياسية معارضة.

ويقرأ كثير من المتابعين هذا الأمر على أنه يعود لسببين أساسيين: الأول، عدم تشكيلها أي خطر على السلطة بسبب ضعف الأحزاب الموروث من الحقبة السابقة وسنوات الدكتاتورية الطويلة، والثاني، أن السلطة في مرحلة التمكين، ويمكن أن تغض النظر عن هذه النشاطات مؤقتاً حتى تتمكن وتبدأ بضبط الحراك السياسي وتطويعه تماماً.

ويبدو التفاؤل ضعيفاً بصدور قانون أحزاب عصري ومتوازن، بالقياس مع طريقة تعاطي السلطة الجديدة مع بقية الاستحقاقات الديمقراطية التي ذكرناها، وخصوصاً مجلس الشعب.

هوامش
1- مقال “بصراحة” للأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة “الأهرام”، 27 أكتوبر 1961.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز واستثمارات دولية. يهدف هذا التقرير إلى تقديم رؤية تحليلية متكاملة لواقع قطاع الكهرباء في سوريا، متتبعاً مساره من مرحلة ما قبل الحرب، مروراً بسنوات النزاع التي شهدت تدميراً ممنهجاً، وصولاً إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام، التي تطرح أسئلة كبرى حول إعادة الهيكلة، والانفتاح على الاستثمارات، وتطبيق نماذج جديدة قد تغير وجه القطاع إلى الأبد.

في مستهل الحديث عن أزمة الكهرباء السورية، ينبغي العودة إلى جذور المشكلة التي لا تعود فقط إلى سنوات الحرب، بل تمتد إلى عقود من الإهمال الممنهج وسوء الإدارة الذي طال القطاع قبل عام 2011. خلال تلك الفترة، عانى قطاع الكهرباء من ضعف مزمن في الاستثمارات، وغياب الصيانة الدورية للمحطات القائمة، وتأخر في تنفيذ مشاريع التوسع رغم النمو السكاني المتزايد والطلب المتصاعد على الطاقة.

ظل القطاع يعاني من عجز هيكلي حتى قبل الحرب؛ ففي عام 2010، بلغ إنتاج سوريا من الكهرباء حوالي 6500 ميغاواط، بينما قُدّرت الحاجة الفعلية بأكثر من 8600 ميغاواط، مما يعني وجود فجوة تقترب من 2100 ميغاواط كان يتم سدها جزئياً عبر الاستيراد. وكانت معظم محطات التوليد التي تعمل بالنفط الثقيل (الفيول) والغاز الطبيعي تعاني من كفاءة منخفضة، وتزايدت ساعات التقنين في فصل الصيف مع ارتفاع الطلب بسبب التكييف والتبريد.

وهذا يعني أن القطاع كان هشاً منذ البداية، حيث اعتمدت سوريا على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي” لتشغيل جزء كبير من محطاتها الحرارية. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، توقفت إمدادات الغاز المصري، ليكشف ذلك عن التبعية الخطيرة التي ارتبط بها القطاع، وعن ضعف التخطيط الاستراتيجي الذي فشل في تأمين بدائل محلية أو إقليمية مستقرة.

وناهيك عن ذلك، فإن نظام الدعم الحكومي للكهرباء كان سيفاً ذا حدين؛ فبينما كانت التعرفة منخفضة بشكل كبير (حوالي 10 ليرات سورية للكيلوواط ساعة في بعض الشرائح)، كانت الخسائر تتضاعف في المؤسسة العامة للكهرباء التي لم تتمكن من تغطية تكاليف الإنتاج أو الاستثمار في تطوير الشبكة. وهكذا، دخل القطاع مرحلة الحرب وهو يعاني من تراكمات إدارية ومالية وتقنية جعلته أكثر عرضة للانهيار.

استهداف البنية التحتية وانهيار القطاع

على المستوى الإجرائي، شهدت سنوات النزاع المسلح تحولاً كارثياً في واقع قطاع الكهرباء، إذ تحولت البنية التحتية التي كانت تعاني أصلاً إلى هدف ممنهج في الحرب التي اشتعلت في البلاد. وبطبيعة الحال، تعرضت محطات التوليد الرئيسية لأضرار جسيمة؛ فمحطة حلب الحرارية، التي كانت تنتج 1100 ميغاواط، دُمّرت بالكامل تقريباً، فيما لحقت أضرار كبيرة بمحطة دير علي، ومحطة الزارة، ومحطة جندر، وغيرها من المرافق الحيوية.

ورغم ذلك، لم يقتصر الدمار على محطات التوليد فقط، بل طال شبكات النقل والتوزيع، حيث سُرقت أبراج الضغط العالي والكابلات الأرضية في عمليات منظمة، وتعرضت خطوط الربط بين المحافظات للتخريب المتعمد. إلا أنه، وعلى الرغم من حجم الدمار، فإن سياسة النظام السابق في استخدام الكهرباء كسلاح حرب كانت أكثر إيلاماً، حيث حُرمت مناطق كاملة من الخدمة لسنوات (مثل الغوطة الشرقية وحلب الشرقية)، بينما فضّلت الحكومة المناطق الموالية لها في التغذية.

انخفضت ساعات التغذية في معظم المناطق إلى ساعتين أو ثلاث يومياً، في أحسن الأحوال، وتراجع الإنتاج من نحو 9500 ميغاواط قبل الحرب إلى حوالي 1500 ميغاواط فقط، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي والزراعي، ودفع المواطنين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي كانت تعمل بالديزل المدعوم أولاً ثم غير المدعوم لاحقاً، وسط تكاليف باهظة أفقرت الأسر ودمّرت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.

وخلاصة القول، إن الحرب لم تكن مجرد نكبة إضافية لقطاع الكهرباء، بل كانت تتويجاً لعقود من الإهمال، واستغلالاً ممنهجاً للبنية التحتية كأداة للضغط والإخضاع، مما جعل الخروج من هذه الأزمة معقداً ويحتاج إلى إرادة سياسية واستثمارات ضخمة.

القرارات الجديدة والتحولات السياسية

مثّل سقوط النظام في أواخر عام 2024 نقطة تحول في ملف الكهرباء، حيث واجهت الإدارة الجديدة تحدياً هائلاً يتمثل في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار لشبكة منهكة ومحطات مدمرة. علاوة على ذلك، شهدت المرحلة الانتقالية تحولاً نوعياً في السياسة الخارجية، حيث انفتحت سوريا على الدول العربية المجاورة والغرب، وبدأت قنوات الاتصال مع المؤسسات المالية الدولية والشركات الكبرى.

أعلنت الحكومة الانتقالية عن حزمة قرارات أولية تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع، كان أبرزها رفع تعرفة الكهرباء بشكل غير مسبوق في تشرين الأول 2025، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من عشرات الليرات إلى 600 ليرة للشريحة الأولى (حتى 300 كيلوواط/دورة)، وإلى 1400 ليرة لما يزيد على ذلك، فيما حُددت تعرفة القطاع الصناعي والتجاري بـ1700 ليرة للكيلوواط. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذا القرار أثار جدلاً واسعاً، إذ اعتبرته الحكومة خطوة أولى نحو تصحيح التشوهات السعرية وتقليل العجز، بينما رأى فيه كثير من المواطنين عبئاً إضافياً في ظل انهيار القدرة الشرائية.

وفي المقابل، تزامن رفع التعرفة مع تحسن ملموس في ساعات التغذية في دمشق وبعض المدن الكبرى، حيث وصلت إلى 12-18 ساعة يومياً، وهو ما فسره المسؤولون بأنه نتيجة لاتفاقيات استيراد الغاز والربط الكهربائي مع الدول المجاورة. لكن يبقى السؤال: هل هذا التحسن مؤقت أم بداية لنهضة حقيقية في القطاع؟

على المستوى النظري، يمكن القول إن المشهد الحالي للمناقصات والتحالفات في قطاع الكهرباء السوري يعكس تنافساً إقليمياً ودولياً محتدماً على الفوز بعقود إعادة الإعمار، حيث تتقاطع مصالح قطر وتركيا والسعودية وأميركا والصين في سوريا.

الصفقة الأكبر والأكثر طموحاً هي تلك التي قادتها شركة “أورباكون” القطرية (UCC) بقيمة 7 مليارات دولار، والتي تشمل بناء 4 محطات غازية تعمل بتقنية الدورة المركبة باستطاعة 4000 ميغاواط، ومحطات طاقة شمسية باستطاعة 1000 ميغاواط، موزعة في دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي. وقد وُصفت هذه الصفقة بأنها الأكبر في تاريخ سوريا، ومن المتوقع أن توفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة.

دخلت الشركات الأميركية والأوروبية على خط الاهتمام أيضاً؛ فشركة “شيفرون” تدرس استثمارات في حقول الغاز البحرية، وشركة “سيمنز” الألمانية تتفاوض لإعادة تأهيل محطة دير علي، وشركة “أنسالدو” الإيطالية تعمل على صيانة وحدات في محطة جندر بتمويل ياباني ونرويجي. وتأسيساً على ذلك، قدّم البنك الدولي منحة بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات الفرعية، في إشارة إلى عودة المؤسسات المالية الدولية إلى سوريا بعد غياب طويل.

من الضروري أن نشير هنا إلى التنافس السعودي التركي القطري في هذا الملف، ففي الوقت الذي تتصدر فيه الشركات القطرية والتركية المشاريع الكبرى، وقّعت السعودية عقوداً مهمة في مجال الطاقة الشمسية والاتصالات (مشروع SilkLink) وتأسيس شركة طيران جديدة، ما يعكس رغبة الرياض في تعزيز وجودها الاقتصادي في سوريا ما بعد الأسد.

يبرز ملف الغاز بوصفه الشريان الحقيقي لقطاع الكهرباء في سوريا، حيث تعتمد معظم المحطات الحرارية على الغاز الطبيعي في التشغيل. كان النظام السابق يعتمد بشكل رئيسي على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي”، لكن الإمدادات توقفت مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، ليحل محلها الغاز الإيراني الذي كان يتم ضخه عبر خطوط غير رسمية في ظل عقوبات دولية خانقة.

المشهد اليوم يختلف جذرياً؛ فسوريا تستورد الغاز من أذربيجان (بتمويل قطري) بكميات تصل إلى 3.4 مليون متر مكعب يومياً، ومن الأردن (بكميات تصل إلى 4 ملايين متر مكعب يومياً)، التي تستورد بدورها الغاز من إسرائيل، مما أثار جدلاً حول المصدر الحقيقي للغاز. وتأسيساً على ذلك، وقّعت سوريا مذكرات تفاهم مع مصر لاستئناف ضخ الغاز عبر خط الغاز العربي، ما قد يعيد إحياء المشروع الذي توقف عام 2011، ويعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي كدولة عبور للغاز بين الشرق والغرب.

وهذا يدل على أن سوريا يمكن أن تصبح معبراً استراتيجياً للغاز، خاصة إذا ما تم ربط حقول الغاز في قطر وإيران والعراق بالأسواق الأوروبية عبر أراضيها، وهو ما يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية لخطوط النقل (التي يبلغ طولها مئات الكيلومترات) وضمان الاستقرار السياسي.

سعر الكيلوواط وسياسة الدعم والدولرة

أصبحت فاتورة الكهرباء محور نقاش حاد بين الحكومة والمواطنين، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من أقل من سنت أميركي إلى أكثر من 5 سنتات للشريحة الأولى (المدعومة بنسبة 60% وفقاً للحكومة)، وإلى 12 سنتاً لما يزيد على 300 كيلوواط. وتفسيراً لذلك، قالت وزارة الطاقة إن هذه الزيادة تأتي في إطار إصلاح القطاع وتحقيق الاستدامة المالية، مشيرة إلى أن تكلفة الإنتاج الفعلية تصل إلى 14 سنتاً للكيلوواط.

ولذلك ينبغي التوقف عند فكرة “الدولرة” التي تتردد في النقاشات الخاصة بإعادة هيكلة القطاع، حيث يرى بعض الخبراء أن ربط أسعار الكهرباء بالدولار الأميركي هو السبيل الوحيد لاستقطاب المستثمرين الأجانب وتأمين استقرار الإيرادات للمشغلين في ظل تدهور قيمة الليرة السورية. وتمتلك هذه الفكرة مبرراتها الاقتصادية (الحماية من مخاطر تقلبات سعر الصرف، وجذب الاستثمارات الكبرى)، لكنها تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية وسياسية هائلة، أبرزها استبعاد شريحة كبيرة من المواطنين من الخدمة، وزيادة الفجوة الطبقية، وإطالة أمد الأزمة الإنسانية.

من الضروري أن تكون سياسة التسعير متوازنة، بحيث تجمع بين تشجيع الاستثمار وحماية الفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي موجه (بدلاً من دعم الأسعار) وشرائح استهلاك مرنة تتناسب مع متوسط الدخل.

وهذا يدل على أن ملف الخصخصة هو الأكثر حساسية في قطاع الكهرباء، حيث سبق أن جُرّبت نماذج محدودة في عهد النظام السابق، كعقود التشغيل والصيانة مع شركات أجنبية (مثل شركة “أنسالدو” الإيطالية و”ميتكا” اليونانية) التي لم تُكتمل بسبب العقوبات والحرب. وتأسيساً على ذلك، تُطرح اليوم نماذج جديدة، أبرزها نموذج BOO (بناء-تملك-تشغيل) الذي تعاقدت بموجبه الحكومة مع تحالف “أورباكون” القطري، حيث تمتلك الشركة المشاريع بشكل دائم، مقابل نموذج BOT (بناء-تشغيل-تحويل) الذي يضمن عودة الملكية للدولة بعد فترة محددة.

ولذلك ينبغي التوقف ملياً أمام مخاطر الخصخصة غير المدروسة، التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار (لتغطية تكاليف الاستثمار والأرباح)، واستبعاد الفقراء من الخدمة، وبروز احتكارات جديدة، وغياب الشفافية في العقود. ومن الضروري أن ترافق أي عملية خصخصة ثلاث ضمانات أساسية:

  • أولاً: هيئة تنظيم مستقلة ذات صلاحيات حقيقية لتحديد التعرفة ومراقبة الجودة.
  • ثانياً: عقود شفافة تُنشر كاملة وتخضع لرقابة المجتمع المدني والبرلمان (عند تشكيله).
  • ثالثاً: استمرار الدعم للفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي، وليس عبر دعم الأسعار الذي يهدر المال العام.

والخلاصة أن الخصخصة ليست حلاً سحرياً، بل هي أداة يمكن أن تحقق نتائج إيجابية إذا ما صاحبها إصلاح مؤسسي حقيقي ورقابة فعالة.

التوجه نحو الطاقة النظيفة

لا بد من التركيز على توجه استراتيجي قد يكون المخرج الوحيد لأزمة الكهرباء في سوريا: الطاقة النظيفة. فسوريا بلد مشمس معظم أيام السنة، بمتوسط إشعاع شمسي يصل إلى 3000 ساعة سنوياً، وتتمتع بمواقع مناسبة لطاقة الرياح في مناطق مثل القنيطرة وجبل الزاوية والساحل، مما يجعلها مرشحة لأن تكون سوقاً واعداً للطاقة المتجددة.

ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح ثلاث مسارات متوازية:

  1. محطات شمسية كبرى (IPP) بشراكة مع القطاع الخاص الدولي، مثل المشروع الذي أعلنت عنه شركة “أورباكون” بقدرة 1000 ميغاواط، ومشاريع أخرى مع شركات سعودية (أكوا باور) وأميركية.
  2. دعم مشاريع الطاقة الشمسية المنزلية والصناعية عبر نظام “صافي القياس” (Net Metering)، الذي يسمح ببيع الفائض من الكهرباء المنتجة إلى الشبكة الوطنية، مع تقديم قروض ميسرة وتخفيضات جمركية على الألواح والبطاريات.
  3. استغلال طاقة الرياح، حيث وقّعت وزارة الطاقة مذكرة تفاهم مع شركة محلية (MARV Energy) لإنشاء مشروع بقدرة 700 ميغاواط، وهو ما يمكن أن يكون نواة لقطاع رياح متطور.

ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة يحقق فوائد جمّة: تقليل الاعتماد على الوقود المستورد (وتوفير العملة الصعبة)، وتخفيف العجز الكهربائي (بما أن المحطات الشمسية والريحية يمكن إنشاؤها في أشهر مقارنة بسنوات لمحطات الغاز)، وخلق فرص عمل، والمساهمة في مواجهة التغير المناخي. لكن هذا يتطلب تحديث القوانين، وتأهيل شبكات النقل لاستيعاب الطاقات المتقطعة، وتطوير كوادر وطنية قادرة على التشغيل والصيانة.

إن الموقع الجغرافي الفريد لسوريا يمنحها فرصة استثنائية لتكون معبراً إقليمياً للطاقة، حيث تقع على البحر المتوسط، وتشكل حلقة وصل بين حقول الغاز في الشرق (قطر، إيران، العراق) والأسواق الأوروبية. وكان “خط الغاز العربي” (الذي يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان وتركيا) أول مشروع لتحويل سوريا إلى دولة عبور، لكنه توقف عام 2011.

إن إعادة إحياء هذا المشروع، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي مع تركيا والأردن والعراق، يمكن أن يحوّل سوريا إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة، حيث تحصل على إيرادات كبيرة من رسوم العبور، وتساهم في تعزيز الأمن الطاقي لدول المنطقة. ومن الضروري أن يكون هذا الملف حاضراً في استراتيجية الحكومة الانتقالية، بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، لتأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل البنية التحتية للغاز والكهرباء، وضمان الشفافية في إدارة هذه المشاريع الحيوية.

يمكن القول إن قطاع الكهرباء في سوريا يواجه تحديات جسيمة، تتراوح بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، والحاجة إلى استثمارات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، وإلى إرادة سياسية حقيقية لتجاوز سياسات الماضي (المركزية الفاسدة، واستخدام الخدمات كأدوات للضغط السياسي). لكن يبقى التساؤل المطروح حول ما إذا كانت الإدارة الجديدة قادرة على تحويل الفرص التاريخية المتاحة إلى واقع ملموس.

مستقبل الكهرباء في سوريا يتوقف على مدى نجاحها في بناء نموذج جديد قائم على الشفافية، والتنوع في مصادر الطاقة (مزيج متوازن من الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة)، واستقطاب الاستثمارات الحقيقية (لا مجرد مذكرات تفاهم)، وإصلاح المؤسسات العامة بما يضمن الكفاءة والمساءلة. وتأسيساً على ذلك، يمكن لسوريا أن تستعيد دورها التاريخي كمعبر إقليمي للطاقة، وأن توفر كهرباء مستقرة وبأسعار عادلة لشعبها، وأن تصبح نموذجاً للتعافي في منطقة تعاني من أزمات متشابكة.

إن الرهان اليوم ليس فقط على الميغاواط الجديدة التي ستُضاف إلى الشبكة، بل على نوعية الإدارة التي ستتولى هذا القطاع الحيوي، وعلى مدى التزام الحكومة بمبادئ الحوكمة الرشيدة، وعلى قدرة المجتمع السوري على الضغط من أجل خدمة عادلة ومستدامة. فالكهرباء، في النهاية، ليست مجرد خدمة عامة، بل هي مقياس حقيقي لمدى نجاح الدولة في بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والكرامة.

أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة، صدر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت مؤخراً كتاب “أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة” لمؤلّفيه بسام برازي وسعد فنصة، اللذين يوثّقان فيه حادثة اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي (1909–1964) في مقاطعة غوياس بالبرازيل، في 27 أيلول/سبتمبر 1964، بإصابته بطلقٍ ناري من مسافةٍ قريبة، وذلك بالاستناد إلى وثائق محاكمة منفّذ عملية الاغتيال، الشاب نواف غزالة – من أبناء الطائفة الدرزية – إضافةً إلى الشهود والمرافعات القانونية التي جرى العثور عليها بعد جهودٍ شاقة ورقمنتها وأرشفتها.

يقدّم برازي (ابن شقيقة الشيشكلي)، وهو خريج جامعة تكساس في الهندسة المدنية ورئيس مجلس إدارة النادي السوري الأميركي في هيوستن، وفنصة (الباحث والمؤرخ السوري المقيم في واشنطن)، في كتابهما الذي صدرت طبعته الأولى عام 2020، محطاتٍ من سيرة وتاريخ العقيد الشيشكلي المولود في حماة عام 1909، والذي أصبح رئيساً للبلاد على إثر الانقلاب العسكري الثالث في تاريخ سوريا الحديث، في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 1949.

كما يتناول الكاتبان بالتحليل والنقاش رؤيتهما الخاصة لأحداث جبل الدروز وسياقها التاريخي في خمسينيات القرن الماضي، ويتناولان أعداد القتلى وأدوار الأطراف الدولية، ويقفان عند أساليب محامي الدفاع، في محاولةٍ لتقديم إضافة موثّقة لفهم مرحلةٍ مهمة من تاريخ سوريا في النصف الأول من القرن العشرين.

يقول الكاتب بسام برازي، في مقدمة وضعها للطبعة الثانية من الكتاب (575 صفحة)، تتخللها وثائق وصور تُنشر للمرة الأولى، إنه:
“حين فرغت من كتابة “الحقيقة المغيبة” مع سعد فنصة، كنت أظن أننا قد وثّقنا كل ما يحتاج إلى توثيق في السرد حول حقبة الشيشكلي، وأننا جمعنا كل ما أمكننا جمعه من الوثائق والشهادات والبيانات. ثم بعد صدور الطبعة الأولى وما أثارته من جدل ونقاش، المثمر منه وغير المثمر، وجدنا أننا أغفلنا توثيق الحادثة الأهم في سيرة الشيشكلي، وهي ببساطة حادثة اغتياله. فقد جرت محاكمة للقاتل ومن شاركوه في التخطيط للجريمة، لكن الكتاب لم يتضمن أي وثيقة من وثائق تلك المحاكمة أو دفاعات المحامين أو مرافعات الادعاء أو شهادات الشهود. وهكذا لم نعد نجد في أنفسنا ذلك الرضا التام عن الكتاب، فبدأنا جهوداً شاقة للحصول على وثائق تلك المحاكمة”.

ويلفت برازي إلى أنه وزميله سعد فنصة كانا يعرفان أن الأمر ليس سهلاً، إذ “إن المحاكمة جرت منذ أكثر من نصف قرن، وليس من السهل العثور على أشخاص يمكن أن يكونوا مرتبطين بها قادرين على تذكر أين أودعت هذه الوثائق – إن كانت موجودة أصلاً ولم تتعرض للإتلاف. وهذه الوثائق لا تنتمي إلى زمان بعيد فقط، بل أيضاً إلى بلد بعيد لا نعرف إلا اليسير عن مسالكه القضائية. لكن الله شاء ألا تضيع جهودنا وجهود أولئك البرازيليين الطيبين الذين تولّوا مهمة البحث، على الرغم من أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الشيشكلي، بل لم يسمعوا باسمه من قبل. وهكذا عُثر على ملف المحاكمة وأُنقذ من الإتلاف الذي كان وشيك الحدوث. كما عمد المسؤولون عن ملف المحكمة، بعد اكتشاف هذا الاهتمام غير المتوقع بملف مضى عليه ستون عاماً، إلى رقمنة الملف وأرشفته، وتخزين النسخة الأصلية الورقية في متحف المحكمة، وتزويدنا بنسخةٍ منه”.

ويبيّن برازي أن هذا الملف الأصلي “يشرح الجهود المستميتة التي بذلها محامو الدفاع عن القاتل، وهم – بحسب الصحافة البرازيلية – من أشهر المحامين الجنائيين في عموم البرازيل، والذين أسرفوا في الافتراء على الشيشكلي واختلاق قصص مفبركة عنه، ووصفه بالمجرم الذي لم يتورع عن قتل الآلاف من أبناء طائفة القاتل، بمن فيهم النساء والأطفال. كما نجحوا في نقل مكان المحاكمة من البلدة التي وقعت فيها الجريمة إلى مكانٍ آخر بعيد، بحجة الخشية على سلامة القاتل، وأن الشهود من البلدة جميعاً متعاطفون مع الشيشكلي ومتأثرون بشخصيته الوادعة الدمثة”.

ويضيف أن ملف المحكمة “غني بالمعلومات، فهو لا يتعلق فقط بحادثة الاغتيال، بل يضع أحداث جبل الدروز في إطارها الحقيقي، ويبيّن أسبابها كما وقعت من خلال تقارير مفصلة ودقيقة وبالأسماء، كما دوّنها في حينه قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظ السويداء رفعت زريق، من دون مبالغات إعلامية فجّة تسعى للإثارة. فقد ذكر أن مجمل عدد القتلى من الطرفين لم يتجاوز بضع عشرات، مقارنة بخمسة عشر ألف قتيل بحسب ادعاءات محامي الدفاع. ويشرح التقرير أدوار الجميع ويعيد – دون قصد – تعريف من هو الضحية ومن هو المعتدي، ويبرز أدوار الرجال المتورطين. ومن المؤسف أن محامي الضحية لم يحسنوا الإفادة من هذه المعلومات”.

معلومات عن حقبة الشيشكلي تُنشر للمرة الأولى

تتجلى أهمية الكتاب الذي نستعرضه في هذا المقال في سرده لسيرة الرئيس الشيشكلي منذ كان عقيداً في الجيش السوري وحتى وصوله إلى سدة الحكم عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من تنفيذه انقلاباً عسكرياً في الشهر الأخير من عام 1949، وتأريخه لحقبته التي لا تزال حتى الآن موضع جدل في الكثير من الكتب والأبحاث والبرامج المتلفزة التي ظهرت خلال العقود الماضية.

إذ يورد الكتاب ما لم تورده الإصدارات السابقة عن سيرة الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي وحياته، وذلك بالعودة إلى قرابة ألفي وثيقة من الوثائق الخاصة بوزارات خارجية الدول العظمى الفاعلة آنذاك: الأميركية والفرنسية والبريطانية، وقد احتوت هذه الوثائق على كثير من المعلومات التي تُنشر للمرة الأولى.

وفي تأريخ حقبة الشيشكلي، بحسب المؤلفين، ثمة مسألتان تميزانها عن بقية الحقب التي مرت على سوريا بعد تخليه عن الحكم. أولاهما أن سوريا – بحسب الوثائق والشهادات – عرفت في عهده عصرها الذهبي في مجالات الحياة المختلفة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو أمر لم يتكرر منذ استقلال البلاد وحتى اليوم.

وثانيهما أنه عندما شعر الشيشكلي، في اللحظات الأخيرة، أن القوى المتصارعة على الحكم بين مؤيدٍ لحكمه ومناهضٍ له قد تدفع البلاد والجيش الذي حرص على بنائه وتقويته إلى حربٍ أهلية أو صدامٍ مسلح بين فرقاء الجيش وقادته، آثر الاستقالة حقناً للدماء وغادر البلاد، رغم امتلاكه القوة العسكرية الكافية للقضاء على الانقلابيين.

ويطرح المؤلفان في كتابهما سؤالين مهمين:
الأول: هل كان أديب الشيشكلي، الرجل الأقوى سياسياً وعسكرياً في سوريا بين عامي 1949 و1954، ديكتاتوراً أم قائداً واقعياً براغماتياً تحوّل إلى ديكتاتور رغماً عنه بفعل الضغوط السياسية؟
والثاني: هل كان يستحق أن يُغتال في منفاه البرازيلي عام 1964 بعد عشرة أعوام على اعتزاله العمل السياسي؟

سيرة مبعثرة ومخفية لشخصية إشكالية

يعرّفنا الكتاب بالرئيس أديب الشيشكلي الذي كان يوم اغتياله في الرابعة والخمسين من عمره، ولم تتح له الفرصة لتدوين مذكراته أسوة بكثير من السياسيين والعسكريين الكبار من معاصريه.

ووفقاً لما يذكره برازي في المقدمة، فإن هدف الكتاب هو الإضاءة على “سيرة واحدة من الشخصيات العسكرية التي كان لها تأثير كبير في تاريخ سوريا المعاصر، وهي الفترة التي أعقبت جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 نيسان/أبريل 1946، وبالأخص مع بداية عصر الانقلابات العسكرية”.

ولا ينفي المؤلف أن الشيشكلي “شخصية إشكالية”، لكنه يشير إلى أنه عندما اغتيل “بقيت سيرته مبعثرة ومخفية في ثنايا الكتب والمراجع”.

ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة هو في الواقع تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة في كثير من الأحيان، إذ فسّر بعض المؤرخين الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن نية أو بسوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله.

ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة إنما هو “تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة، وكان مؤلفوها في أحيان كثيرة يفسّرون الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن أو سوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب، لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله”. ومن هنا ينطلق تدوين السيرة من فكرة “إنصاف” من رفع شعار “الجمهورية السورية لا تزول إلا على جثتي”، فقام بانقلابه الأول في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، ثم تسلّم السلطة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951. ورغم عبوره بكل هذه المحطات، يستنتج برازي: “أقول بكل صدق وأمانة، وحسب معرفتي بشخص أديب الشيشكلي وطبيعته، إنه أصبح ديكتاتوراً رغماً عنه”.

ويشير برازي إلى أن الشيشكلي قاد انقلابه الأول “حين تأكد من عزم الزعيم سامي الحناوي، قائد الانقلاب السابق ضد المشير حسني الزعيم وضباطه، بالتعاون مع “حزب الشعب”، على ضم سوريا إلى النظام الملكي الهاشمي في العراق المرتبط بمعاهدة مع بريطانيا”. ويضيف أنه كان بإمكانه قمع ذلك الانقلاب لأن “معظم قطاعات الجيش الضاربة استمرت تحت إمرته، لكنه آثر حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الجيش السوري أن يتخلى عن الحكم ويغادر البلاد”.

ويضيف برازي وفنصة، استناداً إلى مصادر سياسية سورية، أن “حزب الشعب” هو الذي دفع بالرئيس الشيشكلي رغماً عنه نحو حركته العسكرية المباشرة، فيما كان يفضّل الاستمرار في قيادة العربة من المقعد الخلفي.

ويلفت المؤلفان إلى أنه خلال سنوات قيادة الشيشكلي للبلاد، كرئيس للجمهورية أو كرجل قوي وراء السلطة السياسية، كان مقرّباً من سلطة “الحزب الجمهوري” الأميركي بقيادة الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس. غير أن علاقته بـ”الحزب الجمهوري” تأزمت بعدما فُرضت عليه شروط صعبة التطبيق، من بينها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والدخول في “مشروع أيزنهاور” للتعاون الإقليمي الدفاعي والعسكري مع أميركا لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي والشيوعية في المنطقة.

ويذكر برازي، في هذا السياق، أنه “في أيار/مايو 1953 قال الشيشكلي لوزير الخارجية دالاس إنه يقرّ بأن دولة إسرائيل حقيقة موجودة، كما أنه لا يريد السلاح الأميركي ليلقي بإسرائيل في البحر، بل يريده حتى لا تُلقيَنا إسرائيل في البحر. وهو يدرك أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، ولكن بإمكاننا هزيمتها اقتصادياً”.

ولا يكشف المؤلفان سراً بقولهما إنه خلال فترة حكم الشيشكلي لم تهدأ محاولات العراق وبريطانيا لضم سوريا تحت العرش الهاشمي، ولا محاولات رجل الأعمال اللبناني أميل البستاني (الذي قُتل في حادث طائرة مشبوه)، المعروف – بحسب برازي وفنصة – بصلاته الوثيقة مع الاستخبارات البريطانية، لإيصال رسالة نوري السعيد إلى القيادة السورية حول ضرورة انضمام سوريا إلى العراق.

ويرى المؤلفان، في الفصول المتعلقة بالانقلابات في سوريا الحديثة منذ عام 1949 وحتى عام 1970، أنه عندما قام أديب الشيشكلي بانقلاب في 19/12/1949 على اللواء سامي الحناوي – الذي سبق أن نفّذ انقلاباً عسكرياً على المشير حسني الزعيم واعتقله وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي بعد محاكمة عسكرية سريعة في 14/08/1949 – كان الشيشكلي ينفّذ تعطيلًا للمشروع البريطاني–العراقي–الهاشمي لمصلحة المشروع الأميركي، وليس لمصلحة جهة عقائدية أخرى، قومية سورية أو غيرها.

ويدرج المؤلفان وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في 27/02/1954 (أي عند قرار الشيشكلي الاعتكاف والخروج من سوريا بعد انقلاب الضابط مصطفى حمدون، الذي كان بعثياً وموالياً لارتباط سوريا بالنظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر) تقول: “أفاد لنا رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون بأن لبنان التزم الحياد حيال الأزمة في سوريا، وأقنع الشيشكلي بعدم العودة إلى سوريا، وأن الأخير سافر إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبد العزيز”.

سوريا بعهد الشيشكلي في مركز متقدم بين الدول النامية
يوضح المؤلفان بسام برازي وسعد فنصة مواقف العديد من القيادات السورية المختلفة بعد الانقلاب على الشيشكلي، من بينها موقف خالد العظم الذي قال: “انتقم العراقيون والبريطانيون من أديب الشيشكلي عندما أثاروا ضده عام 1954 حركة معادية في جبل الدروز، وراحوا يمدحون حزب الشعب وغيره لإثارة الفتنة ضده وإبعاده عن الحكم المعادي لهم”. فيما قال العقيد حسين الحكيم، الذي تولى رئاسة إحدى الحكومات المؤيدة للشيشكلي: “شعرت بالحزن بعد استقالة الشيشكلي ويوم سمعت باغتياله. سامي الحناوي لم يكن مسؤولاً عن مقتل محسن البرازي والشيشكلي، ولم يكن مسؤولاً عن إثارة الفتنة في جبل الدروز، ولا عن اغتيال عائلة نواف أبو غزالة الذي اغتاله في البرازيل”.

ويؤكد برازي وفنصة أن قاتل الشيشكلي كان وزير الدفاع السابق البعثي اللواء حمد عبيد (من أبناء الطائفة الدرزية في عهد البعث)، الذي اعترف بجريمته بحجة أن الشيشكلي اضطهد الطائفة الدرزية.

ويبرز الكتاب كيف أولى الشيشكلي الاقتصاد أهمية كبرى منذ تسلّمه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية عام 1953؛ إذ وجّه الحكومة لدعم الاستثمار الحر في البلاد، وسنّ القوانين المساهمة في تنظيمه ومراقبته، وأعاد قضية الموازنة العامة إلى دائرة النقاش النيابي بعد سنوات من غيابها. كما أصدر مراسيم لتشجيع الصناعات المحلية وزيادة الإنتاج، ووجّه بالاهتمام بشؤون التموين ومحاسبة المحتكرين.

ويذكر الكتاب تأثر الشيشكلي بنصائح الخبير الاقتصادي والمصرفي الألماني يالمار شاخت، التي دفعته إلى إقامة العديد من المشاريع الزراعية والصناعية التي أشرف عليها شخصياً، مستنداً إلى معرفته الأكاديمية باعتباره واحداً من خريجي المدرسة الزراعية في مدينة السلمية بمحافظة حماة، فتمكّن من تطوير النشاط والإنتاج الزراعي في البلاد بعد سنوات شهد خلالها القطاع الزراعي ركوداً، تأثر بالفساد والإهمال الحكوميين.

وقد وضعت مراسيم وقرارات الرئيس الشيشكلي سوريا في موقع متقدم بين الدول النامية، وجعلت مهاتير محمد (رئيس الوزراء الماليزي الأسبق ومهندس النهضة الماليزية) يقرّ بتأثره بتجربة الشيشكلي ورؤيته الشاملة والطموحة بعد زيارته سوريا عام 1952: “فأقسم صاحب الفضل في النهضة الماليزية بأن يجعل بلاده نسخة عن سوريا”، كما جاء في الكتاب.

“جريح كالوديان” لـِ طه خليل: أرشيف بصري للحرب

“جريح كالوديان” لـِ طه خليل: أرشيف بصري للحرب

يُمثّل طه خليل صوتاً شعرياً نادراً يتقاطع فيه الحضور الإنساني بالوعي الجماليّ العميق. امتدّت تجربته على مدى عقود، بين قصيدة النثر الملحمية والكتابة الشذريّة المتكثّفة، مشكِّلةً نسيجاً خاصاً يتداخل فيه اليوميّ بالحلميّ، والواقعيّ بالمتخيَّل. يميل في كتاباته إلى صوغ عوالم داخلية مشحونة بالحنين والأسى، مع احتفاءٍ واضح بالصمت بوصفه تعبيراً شعرياً له دلالته. قصيدته تشبه نافذةً صغيرة تطلّ على الذات، وتدوّن بالعتمة أكثر ممّا تكتب بالنور. وبين مجموعاته الشعريّة، تتشكّل هوية تقوم على تجنّب الضجيج، والمراهنة على الهامشيّ والهشّ والمفتّت، لتمنح القارئ إحساساً بجمالٍ يتسرّب خفيةً من بين الشقوق.

منذ ديوانه الأول «قبل فوات الأحزان» (1988)، وصولاً إلى «كحل الرسولة» (2021)، مضى الشاعر الكرديّ السوريّ طه خليل يكتب القصيدة من موقع «الخاسر الجميل»، الذي لا ينتصر في المعارك، لكنه ينجو بالشِعر، ويحوّل الرماد إلى لغة غاية في الرقّة.

ولعلّ «جريح كالوديان» (دار كنعان، دمشق، 2025) يُمثّل ذروة هذا المسار؛ قصائد قصيرة، مكثّفة، مشبعة بالرمز، ومفعمة بالوجع، تكاد تبلغ أقصى حدود ما يمكن أن تبلغه الكتابة من بلاغة في الصمت وجمال في الانكسار. إنّه ديوان اللازمن، حيث الحرب لم تنتهِ، والحبّ لم يُشفَ، والهوية لا تزال مشرّدة.

في هذا الديوان، تتجلّى أرقى حالات التبسيط المركّب التي بلغها الشاعر؛ فالكلمات القليلة تُصبح وسيلة للتكثيف، وأداة وجوديّة تعكس الذات كمرآةٍ شفيفة لحياة تُختصر بسطر، وتُقال كلّها في عبارة واحدة. هكذا، يقف «جريح كالوديان» في قلب التجربة، بوصفه خلاصة المسار وعصارته الأصدق والأندر.

كما تتجلّى الهوية كجرحٍ مفتوحٍ أكثر منها شعاراً، ويحضر الوطن كعاطفة ضائعة لا كحدود فاصلة. قصائد تمشي على حافة الخسارات، وتلتقط التفاصيل المهملة بلغةٍ تشبه الهمس، كأنّها تحاول أن تداوي ما لا يُداوى أو يتعذّر شفاؤه.

الإصغاء لأنين الحرب

الحرب في شعر طه خليل ليست حدثاً تاريخياً محايداً، ولا جحيماً مطلقاً يدينه الشاعر بارتباك؛ إنّها كائن حيّ يتشكّل من الشوارع، والأمهات، والمقاهي القديمة، والمجنّدين، والغزلان المكسورة.

يكتب الشاعر من عمق الفراغ، كأنّ القصيدة كتف يسند جسده، أو أريكة يرتاح فوقها طفلُ حربٍ أنهكه الركض خلال نشرات الأخبار:
«كنت أستند عليك، حتى تنتهي الحرب
انتهيتُ، وما توقّفت الحرب».

بهذا التواطؤ الجمالي مع الألم، يعلن الشاعر انتماءه للخراب كمصير شعريّ.

في «جريح كالوديان»، يوسّع طه خليل خرائط الألم، معيداً رسم وجه الوطن عبر عيون الأطفال، وأقدام الإيزيديات الحافيات، وأمهات المجنّدين، ونداءات النادل الكردي في مطعمٍ بحيّ باب توما الدمشقيّ، دون الاتّكاء على الخرائط الجغرافية.

القصائد قصيرة، لكنها تقول كلّ شيء؛ تستخدم لغةً تفكّك المجاز نفسه وتعيد تركيبه بما يُشبه الصمت:
«أحنّ إلى الغابات
الشجر لا يتقاتل
الشجر يتعانق
حين تهبّ الريح».

قصيدة تفضح خواء البشرية، وتضعنا أمام الحقيقة: حتى الأشجار أرحم من البشر. إنّها استعارة نقيّة للعالم المقلوب، حيث الطبيعة تحتضن، بينما يستعدّ البشر للذبح.

هوية مبعثرة على الأرصفة

دمشق وقامشلي ليستا مجرّد مدينتين في شعر طه خليل (من مواليد مدينة قامشلي، 1966)، إنّما حالتان وجدانيّتان: الأولى يختبر فيها المنفى الداخلي، والثانية تمثّل الطفولة المجروحة، وجذوره الكرديّة، وجغرافيا الحنين. تتحرّك القصيدة بينهما كأنّها تمشي حافية، تُلامس الأرصفة المتشقّقة:
«من تسندني حتى تنتهي هذه الحرب؟
من ترافقني في شوارع دمشق؟
من تطلب من النادل الكردي في المطعم
أن يبدّل لنا أغاني الحرب… بأغنية كرديّة
فينتشي خشب المطعم القديم».

الهوية هنا تنبع من لحظة حنين حسّي، يتحوّل فيها الغناء الكردي إلى بديل للرصاص، ويغدو المطعم الدمشقي معبداً لسلامٍ مؤجَّل.

طه خليل لا يغفل عن الحبّ، لكنه لا يمنحه حضوراً متردّداً يجاور الفقد؛ فالحرب لم تترك في يده عشبا، ولم تُبقِ في قلبه زهوراً، إنّما غزالة مكسورة تمرّ ولا تلتفت، تُشبه العشيقة، وتُشبه البلاد، وتُشبه الذات التي تنظر إلى نفسها ولا تتعرّف عليها:
«لا بأس أيّها الحبّ
لم أعد أتذكّر منك الكثير
أرجوك، أيّها الحبّ
احرس الغزالة في غيابي».

هنا يُستغاث بالحبّ لحراسة ما تبقّى من رهافةٍ مهدّدة بالاندثار، دون التطلّع إلى استعادته. إنّها الغزالة التي تعبر الشارع دون أن يوقف أحد الحرب لأجلها. طه خليل يُبقي الحبّ على قيد الحياة بالتوسّل، في صورةٍ تُقاوم الرثاء وتؤجّل الفقد.

تشكّل قصائد «جريح كالوديان» أرشيفاً بصرياً للحرب، تُوظَّف فيه الصورة كموقف أخلاقي وجمالي أكثر من كونها مشهداً. فـ«أمهات الحرب»، مثلاً، يُستحضَرن بالدموع والتفصيل الإنسانيّ معاً:
«الأمهات اللاتي يقطرن الملح في عيونهن
الأمهات اللاتي هدّ الحزن ظهورهن».

هنا، يوثّق الشعر من موقع الانحياز الكامل للألم، وبلغة تمسّ العظم مباشرة، دون قفّازات بلاغيّة.

لغة طه خليل تتماهى مع الجرح: لا تصرخ، لا تئنّ، بل تهمس. إنّها بلاغة خافتة تُستخرج من تحت أنقاض اللغة، وتبدو دائماً كأنّها تقف على الحافة؛ يتغزّل بالحرب كمن يساير قاتله، ويعلم أنّ خلاصه الوحيد يكون عبر الكتابة. إنّها كتابة تسخر من البلاغة، وتستبدل المجاز بالصمت، والعشق بالخذلان، وتحوّل الشعر إلى حالة نجاة داخلية.

الجرح بوصفه هوية شعريّة

يشكّل عنوان الديوان مفتاحاً تأويلياً دقيقاً، يفتح بوابة الكتاب ويضيء على تجربة طه خليل الشعرية بأكملها؛ فالوديان، بانخفاضها وصمتها واستعدادها لتلقّي الألم، تصبح استعارة مهيبة للذات الشاعرة التي تمتصّ العالم كأرض مشقّقة، منفتحة على الداخل بدل أن ترتفع في وجه الخارج.

بهذا المعنى، «جريح كالوديان» يُمثّل هوية وجودية متكاملة، لا يقتصر على كونه صورة شعريّة فقط؛ الشاعر–الإنسان هو الوادي، والحرب هي المطر الأسود، وبينهما تنمو القصيدة كزهرة وحيدة تنمو بين الطين والركام.

العنوان يتجاوز التماثل البلاغي بين «الجريح» و«الوديان»، ليخلق تواطؤاً داخلياً بين الطبيعة والإنسان، حيث يصبح الألم المكاني انعكاساً للألم الوجودي:
«الجبال كانت تصف لي
وكنتُ جريحاً كالوديان».

إنّه عنوان ينزل إلى قاع النفس البشرية بهدوء وبنهدةٍ خافتة، بعيداً عن العلوّ والهتاف، وبهذا يفتح للقصيدة فضاءً خصباً للرمز والرؤية واحتمالاتٍ أعمق من أن تُقال. فهو يُفصح عن طبيعة داخلية مهيّأة للانكسار، تتجاوز حدود الجرح الجسدي أو العاطفي.

كثافة تُطلق الرؤيا

يمتلك طه خليل بصمة أسلوبية فريدة تقوم على الاقتصاد الدقيق في اللغة، والاعتماد شبه الكامل على الشذرة التي تحرص على الكلمات، وتتعامل مع الشعر كمساحة ملغومة، حيث كل كلمة قابلة للانفجار الرمزي. في «جريح كالوديان»، كما في كثير من دواوينه السابقة، نلمس هذا الميل العميق إلى التكثيف، حيث تتحوّل القصيدة إلى ومضة خافتة، أو تنهيدة مدوّية داخل بيتين:
«كنت أستند عليك، حتى تنتهي الحرب
انتهيتُ، وما توقّفت الحرب».

ما نجده في هذا المقطع من اختيار جمالي وفلسفي يتجاوز الاختزال، ويتقاطع بوضوح مع عبارة النفّري الشهيرة: «كلّما ضاقت العبارة، اتّسعت الرؤيا». فقِصَر القصيدة هنا يعبّر عن اتّساع التجربة وعمقها، وعن قدرة الشاعر على تحرير الرؤيا من أسر اللغة.

اعتماد الشاعر على القصيدة الومضة دون غيرها يُمثّل رهاناً على البلاغة الصامتة، على ما يُقال من بين السطور، وعلى جعل الشعر شذرةً من روح متعبة تهمس بما لا يُحتمل.

قصائده تومض كلقطات خاطفة من حافة العالم؛ تكفي صورة واحدة مثل «الغزالة المكسورة»، أو «النادل الكردي»، أو «الأمهات اللواتي يقطرن الملح» لخلق عالم كامل من الدلالات.

في «جريح كالوديان»، تتلخّص الرحلة كقصيدة مفتوحة على الدم والحنين والمحو، تُثري المكتوب عن الحرب، وتُعيد تعريف القصيدة التي تتحدّث عن الدم دون أن تلطّخ نفسها به، وعن الحبّ دون أن تتورّط في الوهم، وعن الوطن دون أن ترفعه شعاراً.

حين يصير النص خشبة: قراءة في “مسرح الطاولة” وأزمة العرض

حين يصير النص خشبة: قراءة في “مسرح الطاولة” وأزمة العرض

قُدِّم ضمن ما يُسمّى بـ(مسرح الطاولة) عرضان مسرحيان في مدينة حمص للفنان عبد الكريم عمرين؛ كان الأوّل في وقتٍ سابق بعنوان “سقوط الحصان”، وهو مونودراما مأخوذة عن نصّ لفرحان بلبل، الكاتب والمخرج المسرحي المعروف ومؤسّس فرقة المسرح العمالي في مدينة حمص، التي قدّمت مسرحيات كثيرة ومهمة منذ سبعينيات القرن الماضي، كـ”الفيل يا ملك الزمان” و”حفلة سمر على شرف خمسة حزيران” و”رأس المملوك جابر” و”طقوس الإشارات والتحوّلات”، وغيرها من المسرحيات التي بقيت إرثاً مسرحياً غنياً.

أمّا الثاني فكان بعنوان “ظلام”، وقد قُدِّم مؤخراً في كنيسة السريان بحمص، وهو أيضاً عرض مونودراما من تأليف وتمثيل وإخراج عبد الكريم عمرين، الكاتب والممثل وأحد أعضاء فرقة المسرح العمالي المؤسِّسين.

وقد نوّه عمرين بأنه اختار هذا الأسلوب في محاولة لإحياء اللغة والاعتراض على تهميش الإنسان من قبل التقنيات. ويقوم العرض على قراءة النص المسرحي من قبل الممثل جالساً خلف الطاولة، بينما اضطرّ في العرض الثاني “ظلام” للوقوف حتى يتمكّن الجمهور من المشاهدة.

يعيدنا ذلك إلى ما سُمّي بالمسرح الفقير الذي أسّسه غروتوفسكي، ويقوم على الاستغناء عن كلّ الوسائل المسرحية نتيجة رفضه التكاليف الباهظة للعروض المسرحية، فاعتمد اختزال العمل المسرحي بالممثل مقابل الجمهور، الذي قد يكون متفرّجاً واحداً.

أمّا قراءة المسرحيات، ففي الحقيقة كانت شائعة منذ القدم؛ فكانت تتم قراءة المسرحية أمام جمهور خاص من المثقفين. وفي القرن السابع عشر كان الهواة يقومون بقراءة النصوص بشكل تمثيلي في بلاط لويس الرابع عشر. وشاع في العصر الحديث تقليد قراءة المسرح في الاتحاد السوفييتي وإنكلترا، وذلك أمام مجموعة مختارة من المثقفين للتعريف بالكتابات المسرحية الجديدة قبل تقديمها، في نوعٍ من استمزاج الجمهور الخاص و”لبيان الجانب الدرامي في النص بمعزل عن العرض”. كما انتشر هذا الأسلوب في فرنسا ضمن ما سُمّي بالمسرح المفتوح لتعريف الجمهور بالنصوص الجديدة، واعتُبر ذلك نوعاً من الإخراج الصوتي للنص، إضافةً إلى تدريبات طلاب المسرح في قراءة النصوص أمام الجمهور.

في العرضين المقدَّمين في حمص باسم مسرح الطاولة، اقتصرت القراءة على ممثل واحد (مونودراما) أو قارئ واحد، ما يذكّرنا بأسلوب الحكواتي بصيغتيه:
الأولى الشعبية في المقاهي حيث كان الحكواتي يقرأ النص من كتابه، وغالباً ما يكون “ألف ليلة وليلة” أو “الزير سالم” أو “سيرة بني هلال” وغيرها، مع تطعيم القراءة بتلاوة بعضها غيباً نتيجة حفظها لكثرة التكرار، موحياً بصوته أجواء الحكاية والحدث، ولازمته الشهيرة: “كان يا ما كان”.
والثانية: الحكواتي المُـمَسرَح، الذي قدّمه كثير من الفنانين بدءاً من أبي خليل القباني، إلى استخدامه في النص المسرحي كما في نصوص كتبها سعد الله ونوس مثل “سهرة مع أبي خليل القباني” أو “حكاية رأس المملوك جابر”. وقد صار إحدى تقنيات المسرح لكسر الحاجز بين الممثل والجمهور، ولجأ إليها عدد من الفنانين أثناء الأحداث السورية بعد انطلاق الثورة لإيصال صوت السوريين للجمهور متشابكاً مع الذاكرة والتراث. ورغم أصالة الحكواتي وعلاقته بالمسرح، إلا أنّ التجربة تحتاج إلى تقنيات أولية تساعد على الأداء وشدّ المتفرّج.

يكتفي مسرح الطاولة المقدَّم بالاعتماد على صوت الممثل لوضع المشاهد في فضاء المشهد، ولهذا فإن العوامل الخارجية تؤثر على المتابعة. كما أن اعتماد الممثل على الإيقاع الصوتي في الإلقاء لإيصال الفكرة للجمهور يضعنا أمام إشكالية حصر المتفرّج في دائرة التأثّر الوحيدة، أي إملاء قارئ النص، وليس إطلاق خيال المتفرّج.

فإن كان هذا المسرح قد ظهر نتيجة فقر الإمكانيات، وفي واقعٍ توقفت فيه عروض الفرق المسرحية تقريباً كما اختفى المهرجان المسرحي الذي كان يُقدَّم على مسرح المركز الثقافي في حمص، مع ملاحظة التدهور الذي كان يحصل فيه على المستوى الفني والفكري منذ عدة أعوام، يطرح السؤال نفسه: هل هو البحث عن بدائل عبر هذا الشكل المسرحي؟ وإن كان كذلك، ألا يحتاج مسرحاً مُعَدّاً بشكل جيد حتى لا يتم تفتيت المشهد المسرحي بالفوضى والمقاطعة والضوضاء كما حدث في مسرحية “ظلام” للفنان عمرين في العرض الأخير؟ فتوقّف الممثل عن الإلقاء وعودته بعدها يسبّب بلا شك قطعاً في التواصل بينه وبين المتفرّج، خاصةً أنه لا يعتمد على أيّ من سينوغرافيا المسرح (الإضاءة – الديكور – الموسيقى) التي تضبط الانتباه وتحافظ عليه أمام العوامل الطارئة.

مسرحية “ظلام”
فكرة المسرحية “ظلام” تقوم على سرد معاناة الإنسان أمام آلة القمع المتعددة الأوجه، حيث تلتقي قوة القمع العالمية مع القوى المحلية لاستعباد البشر. فمن تعذيب السجناء في المعتقلات بدءاً من غوانتنامو وحتى سجون الأنظمة الدكتاتورية، يسرد الممثل عمرين حكاية شخصٍ أسير في غوانتنامو كمونولوج، وكيف تم تعذيبه والضغط عليه للاعتراف عبر التعذيب تارةً والإغواء تارةً أخرى. كما تم تعذيبه في بلده سوريا حين نُقل إليها، فآلة القمع واحدة والمصالح مشتركة بين القوى العالمية المسيطرة التي تستعبد الشعوب وبين الديكتاتوريات التي تستعبد الإنسان، حتى انتهى الأمر إلى فقدان الإنسان يقينه بالنجاة وسيطرة الظلام كدلالة على سلطة الظلم والقهر العامة.

لكن غاب عنا جرم الشخصية الخاص، فهي نُعِتت بالانتماء لطرف متشدّد (القاعدة)، وبهذا يبدو طبيعياً السؤال: أليس هو جزءاً من آلة قمع تدعو إلى محاربة المختلف وتكفيره وتنهج نهج إقصائه والقضاء عليه؟ ألم تقم بنفس الدور في الأماكن التي سيطرت عليها؟ أليست جزءاً من خريطة المصالح العالمية للقوى السياسية التي تمارس سلطتها بالتغييب والتعذيب والإقصاء وبيع النساء وتجنيد الأطفال؟ بينما سجناء الرأي والفكر الذين لم يحملوا السلاح يوماً ولم يحاولوا فرض رأيهم على أحد قد دفعوا نفس الأثمان في التعذيب والسجون والأقبية.

حاول عمرين بأدائه الصوتي شدّ انتباه الجمهور رغم تململهم بسبب الضجة التي قطعت الأداء عدة مرات وجعلت العودة للمشهد تبدو صعبة. ومع غياب شكل المسرح، ولأن طبيعة الأماكن العامة تسمح بحدوث الفوضى، يبدو نافلاً القول: لا بدّ من الإصرار على شروط عرضٍ جيدة لضمان جودة العمل الفني أثناء تقديمه للمتفرّج ليكون بالمستوى الذي يريد له الفنان أن يصل.

لا شكّ أن تجربة ما يُقدَّم باسم مسرح الطاولة هي إشعار بقدرة المثقف على الخروج من الواقع الصعب دوماً بحلول قد تكون مناسبة أو لا، لكنها تعني عدم التوقف عند حدود.

لننتظر توفّر الإمكانات لتقديم نصوص الطاولة على خشبة المسرح وعروضٍ أخرى. وهذا لا يلغي الجهد المبذول في تقديمها الحالي، وإنما يشكّل نوعاً من الإثراء والتنوّع؛ فكثير من القصص قُدّمت في أكثر من شكل، كقصة “ريا وسكينة” التي قُدّمت على المسرح والسينما والتلفزيون، مضيفةً كل مرة الجديد.