أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة، صدر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت مؤخراً كتاب “أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة” لمؤلّفيه بسام برازي وسعد فنصة، اللذين يوثّقان فيه حادثة اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي (1909–1964) في مقاطعة غوياس بالبرازيل، في 27 أيلول/سبتمبر 1964، بإصابته بطلقٍ ناري من مسافةٍ قريبة، وذلك بالاستناد إلى وثائق محاكمة منفّذ عملية الاغتيال، الشاب نواف غزالة – من أبناء الطائفة الدرزية – إضافةً إلى الشهود والمرافعات القانونية التي جرى العثور عليها بعد جهودٍ شاقة ورقمنتها وأرشفتها.

يقدّم برازي (ابن شقيقة الشيشكلي)، وهو خريج جامعة تكساس في الهندسة المدنية ورئيس مجلس إدارة النادي السوري الأميركي في هيوستن، وفنصة (الباحث والمؤرخ السوري المقيم في واشنطن)، في كتابهما الذي صدرت طبعته الأولى عام 2020، محطاتٍ من سيرة وتاريخ العقيد الشيشكلي المولود في حماة عام 1909، والذي أصبح رئيساً للبلاد على إثر الانقلاب العسكري الثالث في تاريخ سوريا الحديث، في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 1949.

كما يتناول الكاتبان بالتحليل والنقاش رؤيتهما الخاصة لأحداث جبل الدروز وسياقها التاريخي في خمسينيات القرن الماضي، ويتناولان أعداد القتلى وأدوار الأطراف الدولية، ويقفان عند أساليب محامي الدفاع، في محاولةٍ لتقديم إضافة موثّقة لفهم مرحلةٍ مهمة من تاريخ سوريا في النصف الأول من القرن العشرين.

يقول الكاتب بسام برازي، في مقدمة وضعها للطبعة الثانية من الكتاب (575 صفحة)، تتخللها وثائق وصور تُنشر للمرة الأولى، إنه:
“حين فرغت من كتابة “الحقيقة المغيبة” مع سعد فنصة، كنت أظن أننا قد وثّقنا كل ما يحتاج إلى توثيق في السرد حول حقبة الشيشكلي، وأننا جمعنا كل ما أمكننا جمعه من الوثائق والشهادات والبيانات. ثم بعد صدور الطبعة الأولى وما أثارته من جدل ونقاش، المثمر منه وغير المثمر، وجدنا أننا أغفلنا توثيق الحادثة الأهم في سيرة الشيشكلي، وهي ببساطة حادثة اغتياله. فقد جرت محاكمة للقاتل ومن شاركوه في التخطيط للجريمة، لكن الكتاب لم يتضمن أي وثيقة من وثائق تلك المحاكمة أو دفاعات المحامين أو مرافعات الادعاء أو شهادات الشهود. وهكذا لم نعد نجد في أنفسنا ذلك الرضا التام عن الكتاب، فبدأنا جهوداً شاقة للحصول على وثائق تلك المحاكمة”.

ويلفت برازي إلى أنه وزميله سعد فنصة كانا يعرفان أن الأمر ليس سهلاً، إذ “إن المحاكمة جرت منذ أكثر من نصف قرن، وليس من السهل العثور على أشخاص يمكن أن يكونوا مرتبطين بها قادرين على تذكر أين أودعت هذه الوثائق – إن كانت موجودة أصلاً ولم تتعرض للإتلاف. وهذه الوثائق لا تنتمي إلى زمان بعيد فقط، بل أيضاً إلى بلد بعيد لا نعرف إلا اليسير عن مسالكه القضائية. لكن الله شاء ألا تضيع جهودنا وجهود أولئك البرازيليين الطيبين الذين تولّوا مهمة البحث، على الرغم من أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الشيشكلي، بل لم يسمعوا باسمه من قبل. وهكذا عُثر على ملف المحاكمة وأُنقذ من الإتلاف الذي كان وشيك الحدوث. كما عمد المسؤولون عن ملف المحكمة، بعد اكتشاف هذا الاهتمام غير المتوقع بملف مضى عليه ستون عاماً، إلى رقمنة الملف وأرشفته، وتخزين النسخة الأصلية الورقية في متحف المحكمة، وتزويدنا بنسخةٍ منه”.

ويبيّن برازي أن هذا الملف الأصلي “يشرح الجهود المستميتة التي بذلها محامو الدفاع عن القاتل، وهم – بحسب الصحافة البرازيلية – من أشهر المحامين الجنائيين في عموم البرازيل، والذين أسرفوا في الافتراء على الشيشكلي واختلاق قصص مفبركة عنه، ووصفه بالمجرم الذي لم يتورع عن قتل الآلاف من أبناء طائفة القاتل، بمن فيهم النساء والأطفال. كما نجحوا في نقل مكان المحاكمة من البلدة التي وقعت فيها الجريمة إلى مكانٍ آخر بعيد، بحجة الخشية على سلامة القاتل، وأن الشهود من البلدة جميعاً متعاطفون مع الشيشكلي ومتأثرون بشخصيته الوادعة الدمثة”.

ويضيف أن ملف المحكمة “غني بالمعلومات، فهو لا يتعلق فقط بحادثة الاغتيال، بل يضع أحداث جبل الدروز في إطارها الحقيقي، ويبيّن أسبابها كما وقعت من خلال تقارير مفصلة ودقيقة وبالأسماء، كما دوّنها في حينه قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظ السويداء رفعت زريق، من دون مبالغات إعلامية فجّة تسعى للإثارة. فقد ذكر أن مجمل عدد القتلى من الطرفين لم يتجاوز بضع عشرات، مقارنة بخمسة عشر ألف قتيل بحسب ادعاءات محامي الدفاع. ويشرح التقرير أدوار الجميع ويعيد – دون قصد – تعريف من هو الضحية ومن هو المعتدي، ويبرز أدوار الرجال المتورطين. ومن المؤسف أن محامي الضحية لم يحسنوا الإفادة من هذه المعلومات”.

معلومات عن حقبة الشيشكلي تُنشر للمرة الأولى

تتجلى أهمية الكتاب الذي نستعرضه في هذا المقال في سرده لسيرة الرئيس الشيشكلي منذ كان عقيداً في الجيش السوري وحتى وصوله إلى سدة الحكم عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من تنفيذه انقلاباً عسكرياً في الشهر الأخير من عام 1949، وتأريخه لحقبته التي لا تزال حتى الآن موضع جدل في الكثير من الكتب والأبحاث والبرامج المتلفزة التي ظهرت خلال العقود الماضية.

إذ يورد الكتاب ما لم تورده الإصدارات السابقة عن سيرة الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي وحياته، وذلك بالعودة إلى قرابة ألفي وثيقة من الوثائق الخاصة بوزارات خارجية الدول العظمى الفاعلة آنذاك: الأميركية والفرنسية والبريطانية، وقد احتوت هذه الوثائق على كثير من المعلومات التي تُنشر للمرة الأولى.

وفي تأريخ حقبة الشيشكلي، بحسب المؤلفين، ثمة مسألتان تميزانها عن بقية الحقب التي مرت على سوريا بعد تخليه عن الحكم. أولاهما أن سوريا – بحسب الوثائق والشهادات – عرفت في عهده عصرها الذهبي في مجالات الحياة المختلفة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو أمر لم يتكرر منذ استقلال البلاد وحتى اليوم.

وثانيهما أنه عندما شعر الشيشكلي، في اللحظات الأخيرة، أن القوى المتصارعة على الحكم بين مؤيدٍ لحكمه ومناهضٍ له قد تدفع البلاد والجيش الذي حرص على بنائه وتقويته إلى حربٍ أهلية أو صدامٍ مسلح بين فرقاء الجيش وقادته، آثر الاستقالة حقناً للدماء وغادر البلاد، رغم امتلاكه القوة العسكرية الكافية للقضاء على الانقلابيين.

ويطرح المؤلفان في كتابهما سؤالين مهمين:
الأول: هل كان أديب الشيشكلي، الرجل الأقوى سياسياً وعسكرياً في سوريا بين عامي 1949 و1954، ديكتاتوراً أم قائداً واقعياً براغماتياً تحوّل إلى ديكتاتور رغماً عنه بفعل الضغوط السياسية؟
والثاني: هل كان يستحق أن يُغتال في منفاه البرازيلي عام 1964 بعد عشرة أعوام على اعتزاله العمل السياسي؟

سيرة مبعثرة ومخفية لشخصية إشكالية

يعرّفنا الكتاب بالرئيس أديب الشيشكلي الذي كان يوم اغتياله في الرابعة والخمسين من عمره، ولم تتح له الفرصة لتدوين مذكراته أسوة بكثير من السياسيين والعسكريين الكبار من معاصريه.

ووفقاً لما يذكره برازي في المقدمة، فإن هدف الكتاب هو الإضاءة على “سيرة واحدة من الشخصيات العسكرية التي كان لها تأثير كبير في تاريخ سوريا المعاصر، وهي الفترة التي أعقبت جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 نيسان/أبريل 1946، وبالأخص مع بداية عصر الانقلابات العسكرية”.

ولا ينفي المؤلف أن الشيشكلي “شخصية إشكالية”، لكنه يشير إلى أنه عندما اغتيل “بقيت سيرته مبعثرة ومخفية في ثنايا الكتب والمراجع”.

ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة هو في الواقع تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة في كثير من الأحيان، إذ فسّر بعض المؤرخين الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن نية أو بسوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله.

ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة إنما هو “تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة، وكان مؤلفوها في أحيان كثيرة يفسّرون الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن أو سوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب، لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله”. ومن هنا ينطلق تدوين السيرة من فكرة “إنصاف” من رفع شعار “الجمهورية السورية لا تزول إلا على جثتي”، فقام بانقلابه الأول في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، ثم تسلّم السلطة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951. ورغم عبوره بكل هذه المحطات، يستنتج برازي: “أقول بكل صدق وأمانة، وحسب معرفتي بشخص أديب الشيشكلي وطبيعته، إنه أصبح ديكتاتوراً رغماً عنه”.

ويشير برازي إلى أن الشيشكلي قاد انقلابه الأول “حين تأكد من عزم الزعيم سامي الحناوي، قائد الانقلاب السابق ضد المشير حسني الزعيم وضباطه، بالتعاون مع “حزب الشعب”، على ضم سوريا إلى النظام الملكي الهاشمي في العراق المرتبط بمعاهدة مع بريطانيا”. ويضيف أنه كان بإمكانه قمع ذلك الانقلاب لأن “معظم قطاعات الجيش الضاربة استمرت تحت إمرته، لكنه آثر حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الجيش السوري أن يتخلى عن الحكم ويغادر البلاد”.

ويضيف برازي وفنصة، استناداً إلى مصادر سياسية سورية، أن “حزب الشعب” هو الذي دفع بالرئيس الشيشكلي رغماً عنه نحو حركته العسكرية المباشرة، فيما كان يفضّل الاستمرار في قيادة العربة من المقعد الخلفي.

ويلفت المؤلفان إلى أنه خلال سنوات قيادة الشيشكلي للبلاد، كرئيس للجمهورية أو كرجل قوي وراء السلطة السياسية، كان مقرّباً من سلطة “الحزب الجمهوري” الأميركي بقيادة الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس. غير أن علاقته بـ”الحزب الجمهوري” تأزمت بعدما فُرضت عليه شروط صعبة التطبيق، من بينها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والدخول في “مشروع أيزنهاور” للتعاون الإقليمي الدفاعي والعسكري مع أميركا لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي والشيوعية في المنطقة.

ويذكر برازي، في هذا السياق، أنه “في أيار/مايو 1953 قال الشيشكلي لوزير الخارجية دالاس إنه يقرّ بأن دولة إسرائيل حقيقة موجودة، كما أنه لا يريد السلاح الأميركي ليلقي بإسرائيل في البحر، بل يريده حتى لا تُلقيَنا إسرائيل في البحر. وهو يدرك أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، ولكن بإمكاننا هزيمتها اقتصادياً”.

ولا يكشف المؤلفان سراً بقولهما إنه خلال فترة حكم الشيشكلي لم تهدأ محاولات العراق وبريطانيا لضم سوريا تحت العرش الهاشمي، ولا محاولات رجل الأعمال اللبناني أميل البستاني (الذي قُتل في حادث طائرة مشبوه)، المعروف – بحسب برازي وفنصة – بصلاته الوثيقة مع الاستخبارات البريطانية، لإيصال رسالة نوري السعيد إلى القيادة السورية حول ضرورة انضمام سوريا إلى العراق.

ويرى المؤلفان، في الفصول المتعلقة بالانقلابات في سوريا الحديثة منذ عام 1949 وحتى عام 1970، أنه عندما قام أديب الشيشكلي بانقلاب في 19/12/1949 على اللواء سامي الحناوي – الذي سبق أن نفّذ انقلاباً عسكرياً على المشير حسني الزعيم واعتقله وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي بعد محاكمة عسكرية سريعة في 14/08/1949 – كان الشيشكلي ينفّذ تعطيلًا للمشروع البريطاني–العراقي–الهاشمي لمصلحة المشروع الأميركي، وليس لمصلحة جهة عقائدية أخرى، قومية سورية أو غيرها.

ويدرج المؤلفان وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في 27/02/1954 (أي عند قرار الشيشكلي الاعتكاف والخروج من سوريا بعد انقلاب الضابط مصطفى حمدون، الذي كان بعثياً وموالياً لارتباط سوريا بالنظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر) تقول: “أفاد لنا رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون بأن لبنان التزم الحياد حيال الأزمة في سوريا، وأقنع الشيشكلي بعدم العودة إلى سوريا، وأن الأخير سافر إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبد العزيز”.

سوريا بعهد الشيشكلي في مركز متقدم بين الدول النامية
يوضح المؤلفان بسام برازي وسعد فنصة مواقف العديد من القيادات السورية المختلفة بعد الانقلاب على الشيشكلي، من بينها موقف خالد العظم الذي قال: “انتقم العراقيون والبريطانيون من أديب الشيشكلي عندما أثاروا ضده عام 1954 حركة معادية في جبل الدروز، وراحوا يمدحون حزب الشعب وغيره لإثارة الفتنة ضده وإبعاده عن الحكم المعادي لهم”. فيما قال العقيد حسين الحكيم، الذي تولى رئاسة إحدى الحكومات المؤيدة للشيشكلي: “شعرت بالحزن بعد استقالة الشيشكلي ويوم سمعت باغتياله. سامي الحناوي لم يكن مسؤولاً عن مقتل محسن البرازي والشيشكلي، ولم يكن مسؤولاً عن إثارة الفتنة في جبل الدروز، ولا عن اغتيال عائلة نواف أبو غزالة الذي اغتاله في البرازيل”.

ويؤكد برازي وفنصة أن قاتل الشيشكلي كان وزير الدفاع السابق البعثي اللواء حمد عبيد (من أبناء الطائفة الدرزية في عهد البعث)، الذي اعترف بجريمته بحجة أن الشيشكلي اضطهد الطائفة الدرزية.

ويبرز الكتاب كيف أولى الشيشكلي الاقتصاد أهمية كبرى منذ تسلّمه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية عام 1953؛ إذ وجّه الحكومة لدعم الاستثمار الحر في البلاد، وسنّ القوانين المساهمة في تنظيمه ومراقبته، وأعاد قضية الموازنة العامة إلى دائرة النقاش النيابي بعد سنوات من غيابها. كما أصدر مراسيم لتشجيع الصناعات المحلية وزيادة الإنتاج، ووجّه بالاهتمام بشؤون التموين ومحاسبة المحتكرين.

ويذكر الكتاب تأثر الشيشكلي بنصائح الخبير الاقتصادي والمصرفي الألماني يالمار شاخت، التي دفعته إلى إقامة العديد من المشاريع الزراعية والصناعية التي أشرف عليها شخصياً، مستنداً إلى معرفته الأكاديمية باعتباره واحداً من خريجي المدرسة الزراعية في مدينة السلمية بمحافظة حماة، فتمكّن من تطوير النشاط والإنتاج الزراعي في البلاد بعد سنوات شهد خلالها القطاع الزراعي ركوداً، تأثر بالفساد والإهمال الحكوميين.

وقد وضعت مراسيم وقرارات الرئيس الشيشكلي سوريا في موقع متقدم بين الدول النامية، وجعلت مهاتير محمد (رئيس الوزراء الماليزي الأسبق ومهندس النهضة الماليزية) يقرّ بتأثره بتجربة الشيشكلي ورؤيته الشاملة والطموحة بعد زيارته سوريا عام 1952: “فأقسم صاحب الفضل في النهضة الماليزية بأن يجعل بلاده نسخة عن سوريا”، كما جاء في الكتاب.

“جريح كالوديان” لـِ طه خليل: أرشيف بصري للحرب

“جريح كالوديان” لـِ طه خليل: أرشيف بصري للحرب

يُمثّل طه خليل صوتاً شعرياً نادراً يتقاطع فيه الحضور الإنساني بالوعي الجماليّ العميق. امتدّت تجربته على مدى عقود، بين قصيدة النثر الملحمية والكتابة الشذريّة المتكثّفة، مشكِّلةً نسيجاً خاصاً يتداخل فيه اليوميّ بالحلميّ، والواقعيّ بالمتخيَّل. يميل في كتاباته إلى صوغ عوالم داخلية مشحونة بالحنين والأسى، مع احتفاءٍ واضح بالصمت بوصفه تعبيراً شعرياً له دلالته. قصيدته تشبه نافذةً صغيرة تطلّ على الذات، وتدوّن بالعتمة أكثر ممّا تكتب بالنور. وبين مجموعاته الشعريّة، تتشكّل هوية تقوم على تجنّب الضجيج، والمراهنة على الهامشيّ والهشّ والمفتّت، لتمنح القارئ إحساساً بجمالٍ يتسرّب خفيةً من بين الشقوق.

منذ ديوانه الأول «قبل فوات الأحزان» (1988)، وصولاً إلى «كحل الرسولة» (2021)، مضى الشاعر الكرديّ السوريّ طه خليل يكتب القصيدة من موقع «الخاسر الجميل»، الذي لا ينتصر في المعارك، لكنه ينجو بالشِعر، ويحوّل الرماد إلى لغة غاية في الرقّة.

ولعلّ «جريح كالوديان» (دار كنعان، دمشق، 2025) يُمثّل ذروة هذا المسار؛ قصائد قصيرة، مكثّفة، مشبعة بالرمز، ومفعمة بالوجع، تكاد تبلغ أقصى حدود ما يمكن أن تبلغه الكتابة من بلاغة في الصمت وجمال في الانكسار. إنّه ديوان اللازمن، حيث الحرب لم تنتهِ، والحبّ لم يُشفَ، والهوية لا تزال مشرّدة.

في هذا الديوان، تتجلّى أرقى حالات التبسيط المركّب التي بلغها الشاعر؛ فالكلمات القليلة تُصبح وسيلة للتكثيف، وأداة وجوديّة تعكس الذات كمرآةٍ شفيفة لحياة تُختصر بسطر، وتُقال كلّها في عبارة واحدة. هكذا، يقف «جريح كالوديان» في قلب التجربة، بوصفه خلاصة المسار وعصارته الأصدق والأندر.

كما تتجلّى الهوية كجرحٍ مفتوحٍ أكثر منها شعاراً، ويحضر الوطن كعاطفة ضائعة لا كحدود فاصلة. قصائد تمشي على حافة الخسارات، وتلتقط التفاصيل المهملة بلغةٍ تشبه الهمس، كأنّها تحاول أن تداوي ما لا يُداوى أو يتعذّر شفاؤه.

الإصغاء لأنين الحرب

الحرب في شعر طه خليل ليست حدثاً تاريخياً محايداً، ولا جحيماً مطلقاً يدينه الشاعر بارتباك؛ إنّها كائن حيّ يتشكّل من الشوارع، والأمهات، والمقاهي القديمة، والمجنّدين، والغزلان المكسورة.

يكتب الشاعر من عمق الفراغ، كأنّ القصيدة كتف يسند جسده، أو أريكة يرتاح فوقها طفلُ حربٍ أنهكه الركض خلال نشرات الأخبار:
«كنت أستند عليك، حتى تنتهي الحرب
انتهيتُ، وما توقّفت الحرب».

بهذا التواطؤ الجمالي مع الألم، يعلن الشاعر انتماءه للخراب كمصير شعريّ.

في «جريح كالوديان»، يوسّع طه خليل خرائط الألم، معيداً رسم وجه الوطن عبر عيون الأطفال، وأقدام الإيزيديات الحافيات، وأمهات المجنّدين، ونداءات النادل الكردي في مطعمٍ بحيّ باب توما الدمشقيّ، دون الاتّكاء على الخرائط الجغرافية.

القصائد قصيرة، لكنها تقول كلّ شيء؛ تستخدم لغةً تفكّك المجاز نفسه وتعيد تركيبه بما يُشبه الصمت:
«أحنّ إلى الغابات
الشجر لا يتقاتل
الشجر يتعانق
حين تهبّ الريح».

قصيدة تفضح خواء البشرية، وتضعنا أمام الحقيقة: حتى الأشجار أرحم من البشر. إنّها استعارة نقيّة للعالم المقلوب، حيث الطبيعة تحتضن، بينما يستعدّ البشر للذبح.

هوية مبعثرة على الأرصفة

دمشق وقامشلي ليستا مجرّد مدينتين في شعر طه خليل (من مواليد مدينة قامشلي، 1966)، إنّما حالتان وجدانيّتان: الأولى يختبر فيها المنفى الداخلي، والثانية تمثّل الطفولة المجروحة، وجذوره الكرديّة، وجغرافيا الحنين. تتحرّك القصيدة بينهما كأنّها تمشي حافية، تُلامس الأرصفة المتشقّقة:
«من تسندني حتى تنتهي هذه الحرب؟
من ترافقني في شوارع دمشق؟
من تطلب من النادل الكردي في المطعم
أن يبدّل لنا أغاني الحرب… بأغنية كرديّة
فينتشي خشب المطعم القديم».

الهوية هنا تنبع من لحظة حنين حسّي، يتحوّل فيها الغناء الكردي إلى بديل للرصاص، ويغدو المطعم الدمشقي معبداً لسلامٍ مؤجَّل.

طه خليل لا يغفل عن الحبّ، لكنه لا يمنحه حضوراً متردّداً يجاور الفقد؛ فالحرب لم تترك في يده عشبا، ولم تُبقِ في قلبه زهوراً، إنّما غزالة مكسورة تمرّ ولا تلتفت، تُشبه العشيقة، وتُشبه البلاد، وتُشبه الذات التي تنظر إلى نفسها ولا تتعرّف عليها:
«لا بأس أيّها الحبّ
لم أعد أتذكّر منك الكثير
أرجوك، أيّها الحبّ
احرس الغزالة في غيابي».

هنا يُستغاث بالحبّ لحراسة ما تبقّى من رهافةٍ مهدّدة بالاندثار، دون التطلّع إلى استعادته. إنّها الغزالة التي تعبر الشارع دون أن يوقف أحد الحرب لأجلها. طه خليل يُبقي الحبّ على قيد الحياة بالتوسّل، في صورةٍ تُقاوم الرثاء وتؤجّل الفقد.

تشكّل قصائد «جريح كالوديان» أرشيفاً بصرياً للحرب، تُوظَّف فيه الصورة كموقف أخلاقي وجمالي أكثر من كونها مشهداً. فـ«أمهات الحرب»، مثلاً، يُستحضَرن بالدموع والتفصيل الإنسانيّ معاً:
«الأمهات اللاتي يقطرن الملح في عيونهن
الأمهات اللاتي هدّ الحزن ظهورهن».

هنا، يوثّق الشعر من موقع الانحياز الكامل للألم، وبلغة تمسّ العظم مباشرة، دون قفّازات بلاغيّة.

لغة طه خليل تتماهى مع الجرح: لا تصرخ، لا تئنّ، بل تهمس. إنّها بلاغة خافتة تُستخرج من تحت أنقاض اللغة، وتبدو دائماً كأنّها تقف على الحافة؛ يتغزّل بالحرب كمن يساير قاتله، ويعلم أنّ خلاصه الوحيد يكون عبر الكتابة. إنّها كتابة تسخر من البلاغة، وتستبدل المجاز بالصمت، والعشق بالخذلان، وتحوّل الشعر إلى حالة نجاة داخلية.

الجرح بوصفه هوية شعريّة

يشكّل عنوان الديوان مفتاحاً تأويلياً دقيقاً، يفتح بوابة الكتاب ويضيء على تجربة طه خليل الشعرية بأكملها؛ فالوديان، بانخفاضها وصمتها واستعدادها لتلقّي الألم، تصبح استعارة مهيبة للذات الشاعرة التي تمتصّ العالم كأرض مشقّقة، منفتحة على الداخل بدل أن ترتفع في وجه الخارج.

بهذا المعنى، «جريح كالوديان» يُمثّل هوية وجودية متكاملة، لا يقتصر على كونه صورة شعريّة فقط؛ الشاعر–الإنسان هو الوادي، والحرب هي المطر الأسود، وبينهما تنمو القصيدة كزهرة وحيدة تنمو بين الطين والركام.

العنوان يتجاوز التماثل البلاغي بين «الجريح» و«الوديان»، ليخلق تواطؤاً داخلياً بين الطبيعة والإنسان، حيث يصبح الألم المكاني انعكاساً للألم الوجودي:
«الجبال كانت تصف لي
وكنتُ جريحاً كالوديان».

إنّه عنوان ينزل إلى قاع النفس البشرية بهدوء وبنهدةٍ خافتة، بعيداً عن العلوّ والهتاف، وبهذا يفتح للقصيدة فضاءً خصباً للرمز والرؤية واحتمالاتٍ أعمق من أن تُقال. فهو يُفصح عن طبيعة داخلية مهيّأة للانكسار، تتجاوز حدود الجرح الجسدي أو العاطفي.

كثافة تُطلق الرؤيا

يمتلك طه خليل بصمة أسلوبية فريدة تقوم على الاقتصاد الدقيق في اللغة، والاعتماد شبه الكامل على الشذرة التي تحرص على الكلمات، وتتعامل مع الشعر كمساحة ملغومة، حيث كل كلمة قابلة للانفجار الرمزي. في «جريح كالوديان»، كما في كثير من دواوينه السابقة، نلمس هذا الميل العميق إلى التكثيف، حيث تتحوّل القصيدة إلى ومضة خافتة، أو تنهيدة مدوّية داخل بيتين:
«كنت أستند عليك، حتى تنتهي الحرب
انتهيتُ، وما توقّفت الحرب».

ما نجده في هذا المقطع من اختيار جمالي وفلسفي يتجاوز الاختزال، ويتقاطع بوضوح مع عبارة النفّري الشهيرة: «كلّما ضاقت العبارة، اتّسعت الرؤيا». فقِصَر القصيدة هنا يعبّر عن اتّساع التجربة وعمقها، وعن قدرة الشاعر على تحرير الرؤيا من أسر اللغة.

اعتماد الشاعر على القصيدة الومضة دون غيرها يُمثّل رهاناً على البلاغة الصامتة، على ما يُقال من بين السطور، وعلى جعل الشعر شذرةً من روح متعبة تهمس بما لا يُحتمل.

قصائده تومض كلقطات خاطفة من حافة العالم؛ تكفي صورة واحدة مثل «الغزالة المكسورة»، أو «النادل الكردي»، أو «الأمهات اللواتي يقطرن الملح» لخلق عالم كامل من الدلالات.

في «جريح كالوديان»، تتلخّص الرحلة كقصيدة مفتوحة على الدم والحنين والمحو، تُثري المكتوب عن الحرب، وتُعيد تعريف القصيدة التي تتحدّث عن الدم دون أن تلطّخ نفسها به، وعن الحبّ دون أن تتورّط في الوهم، وعن الوطن دون أن ترفعه شعاراً.

حين يصير النص خشبة: قراءة في “مسرح الطاولة” وأزمة العرض

حين يصير النص خشبة: قراءة في “مسرح الطاولة” وأزمة العرض

قُدِّم ضمن ما يُسمّى بـ(مسرح الطاولة) عرضان مسرحيان في مدينة حمص للفنان عبد الكريم عمرين؛ كان الأوّل في وقتٍ سابق بعنوان “سقوط الحصان”، وهو مونودراما مأخوذة عن نصّ لفرحان بلبل، الكاتب والمخرج المسرحي المعروف ومؤسّس فرقة المسرح العمالي في مدينة حمص، التي قدّمت مسرحيات كثيرة ومهمة منذ سبعينيات القرن الماضي، كـ”الفيل يا ملك الزمان” و”حفلة سمر على شرف خمسة حزيران” و”رأس المملوك جابر” و”طقوس الإشارات والتحوّلات”، وغيرها من المسرحيات التي بقيت إرثاً مسرحياً غنياً.

أمّا الثاني فكان بعنوان “ظلام”، وقد قُدِّم مؤخراً في كنيسة السريان بحمص، وهو أيضاً عرض مونودراما من تأليف وتمثيل وإخراج عبد الكريم عمرين، الكاتب والممثل وأحد أعضاء فرقة المسرح العمالي المؤسِّسين.

وقد نوّه عمرين بأنه اختار هذا الأسلوب في محاولة لإحياء اللغة والاعتراض على تهميش الإنسان من قبل التقنيات. ويقوم العرض على قراءة النص المسرحي من قبل الممثل جالساً خلف الطاولة، بينما اضطرّ في العرض الثاني “ظلام” للوقوف حتى يتمكّن الجمهور من المشاهدة.

يعيدنا ذلك إلى ما سُمّي بالمسرح الفقير الذي أسّسه غروتوفسكي، ويقوم على الاستغناء عن كلّ الوسائل المسرحية نتيجة رفضه التكاليف الباهظة للعروض المسرحية، فاعتمد اختزال العمل المسرحي بالممثل مقابل الجمهور، الذي قد يكون متفرّجاً واحداً.

أمّا قراءة المسرحيات، ففي الحقيقة كانت شائعة منذ القدم؛ فكانت تتم قراءة المسرحية أمام جمهور خاص من المثقفين. وفي القرن السابع عشر كان الهواة يقومون بقراءة النصوص بشكل تمثيلي في بلاط لويس الرابع عشر. وشاع في العصر الحديث تقليد قراءة المسرح في الاتحاد السوفييتي وإنكلترا، وذلك أمام مجموعة مختارة من المثقفين للتعريف بالكتابات المسرحية الجديدة قبل تقديمها، في نوعٍ من استمزاج الجمهور الخاص و”لبيان الجانب الدرامي في النص بمعزل عن العرض”. كما انتشر هذا الأسلوب في فرنسا ضمن ما سُمّي بالمسرح المفتوح لتعريف الجمهور بالنصوص الجديدة، واعتُبر ذلك نوعاً من الإخراج الصوتي للنص، إضافةً إلى تدريبات طلاب المسرح في قراءة النصوص أمام الجمهور.

في العرضين المقدَّمين في حمص باسم مسرح الطاولة، اقتصرت القراءة على ممثل واحد (مونودراما) أو قارئ واحد، ما يذكّرنا بأسلوب الحكواتي بصيغتيه:
الأولى الشعبية في المقاهي حيث كان الحكواتي يقرأ النص من كتابه، وغالباً ما يكون “ألف ليلة وليلة” أو “الزير سالم” أو “سيرة بني هلال” وغيرها، مع تطعيم القراءة بتلاوة بعضها غيباً نتيجة حفظها لكثرة التكرار، موحياً بصوته أجواء الحكاية والحدث، ولازمته الشهيرة: “كان يا ما كان”.
والثانية: الحكواتي المُـمَسرَح، الذي قدّمه كثير من الفنانين بدءاً من أبي خليل القباني، إلى استخدامه في النص المسرحي كما في نصوص كتبها سعد الله ونوس مثل “سهرة مع أبي خليل القباني” أو “حكاية رأس المملوك جابر”. وقد صار إحدى تقنيات المسرح لكسر الحاجز بين الممثل والجمهور، ولجأ إليها عدد من الفنانين أثناء الأحداث السورية بعد انطلاق الثورة لإيصال صوت السوريين للجمهور متشابكاً مع الذاكرة والتراث. ورغم أصالة الحكواتي وعلاقته بالمسرح، إلا أنّ التجربة تحتاج إلى تقنيات أولية تساعد على الأداء وشدّ المتفرّج.

يكتفي مسرح الطاولة المقدَّم بالاعتماد على صوت الممثل لوضع المشاهد في فضاء المشهد، ولهذا فإن العوامل الخارجية تؤثر على المتابعة. كما أن اعتماد الممثل على الإيقاع الصوتي في الإلقاء لإيصال الفكرة للجمهور يضعنا أمام إشكالية حصر المتفرّج في دائرة التأثّر الوحيدة، أي إملاء قارئ النص، وليس إطلاق خيال المتفرّج.

فإن كان هذا المسرح قد ظهر نتيجة فقر الإمكانيات، وفي واقعٍ توقفت فيه عروض الفرق المسرحية تقريباً كما اختفى المهرجان المسرحي الذي كان يُقدَّم على مسرح المركز الثقافي في حمص، مع ملاحظة التدهور الذي كان يحصل فيه على المستوى الفني والفكري منذ عدة أعوام، يطرح السؤال نفسه: هل هو البحث عن بدائل عبر هذا الشكل المسرحي؟ وإن كان كذلك، ألا يحتاج مسرحاً مُعَدّاً بشكل جيد حتى لا يتم تفتيت المشهد المسرحي بالفوضى والمقاطعة والضوضاء كما حدث في مسرحية “ظلام” للفنان عمرين في العرض الأخير؟ فتوقّف الممثل عن الإلقاء وعودته بعدها يسبّب بلا شك قطعاً في التواصل بينه وبين المتفرّج، خاصةً أنه لا يعتمد على أيّ من سينوغرافيا المسرح (الإضاءة – الديكور – الموسيقى) التي تضبط الانتباه وتحافظ عليه أمام العوامل الطارئة.

مسرحية “ظلام”
فكرة المسرحية “ظلام” تقوم على سرد معاناة الإنسان أمام آلة القمع المتعددة الأوجه، حيث تلتقي قوة القمع العالمية مع القوى المحلية لاستعباد البشر. فمن تعذيب السجناء في المعتقلات بدءاً من غوانتنامو وحتى سجون الأنظمة الدكتاتورية، يسرد الممثل عمرين حكاية شخصٍ أسير في غوانتنامو كمونولوج، وكيف تم تعذيبه والضغط عليه للاعتراف عبر التعذيب تارةً والإغواء تارةً أخرى. كما تم تعذيبه في بلده سوريا حين نُقل إليها، فآلة القمع واحدة والمصالح مشتركة بين القوى العالمية المسيطرة التي تستعبد الشعوب وبين الديكتاتوريات التي تستعبد الإنسان، حتى انتهى الأمر إلى فقدان الإنسان يقينه بالنجاة وسيطرة الظلام كدلالة على سلطة الظلم والقهر العامة.

لكن غاب عنا جرم الشخصية الخاص، فهي نُعِتت بالانتماء لطرف متشدّد (القاعدة)، وبهذا يبدو طبيعياً السؤال: أليس هو جزءاً من آلة قمع تدعو إلى محاربة المختلف وتكفيره وتنهج نهج إقصائه والقضاء عليه؟ ألم تقم بنفس الدور في الأماكن التي سيطرت عليها؟ أليست جزءاً من خريطة المصالح العالمية للقوى السياسية التي تمارس سلطتها بالتغييب والتعذيب والإقصاء وبيع النساء وتجنيد الأطفال؟ بينما سجناء الرأي والفكر الذين لم يحملوا السلاح يوماً ولم يحاولوا فرض رأيهم على أحد قد دفعوا نفس الأثمان في التعذيب والسجون والأقبية.

حاول عمرين بأدائه الصوتي شدّ انتباه الجمهور رغم تململهم بسبب الضجة التي قطعت الأداء عدة مرات وجعلت العودة للمشهد تبدو صعبة. ومع غياب شكل المسرح، ولأن طبيعة الأماكن العامة تسمح بحدوث الفوضى، يبدو نافلاً القول: لا بدّ من الإصرار على شروط عرضٍ جيدة لضمان جودة العمل الفني أثناء تقديمه للمتفرّج ليكون بالمستوى الذي يريد له الفنان أن يصل.

لا شكّ أن تجربة ما يُقدَّم باسم مسرح الطاولة هي إشعار بقدرة المثقف على الخروج من الواقع الصعب دوماً بحلول قد تكون مناسبة أو لا، لكنها تعني عدم التوقف عند حدود.

لننتظر توفّر الإمكانات لتقديم نصوص الطاولة على خشبة المسرح وعروضٍ أخرى. وهذا لا يلغي الجهد المبذول في تقديمها الحالي، وإنما يشكّل نوعاً من الإثراء والتنوّع؛ فكثير من القصص قُدّمت في أكثر من شكل، كقصة “ريا وسكينة” التي قُدّمت على المسرح والسينما والتلفزيون، مضيفةً كل مرة الجديد.

سقوطٌ بلا انتقال: لماذا انخفض سقف الأحلام بعد عامٍ من الفرح؟

سقوطٌ بلا انتقال: لماذا انخفض سقف الأحلام بعد عامٍ من الفرح؟

بعد سقوط نظام الأسد، نهض الشعب السوري بكامل طاقاته ليحتفل بتحقيق حلمه المنتظر، أُفرغت السجون من المعتقلين، استفاقت الآمال مجدداً، عاد حُلم بناء الوطن لدى كثير من السوريين الوطنين، وعاد جزء كبير ممن هجَّرهم نظام الأسد وحرمهم من زيارة البلاد لسنوات. ولكن، على الرغم من الفرح الكبير الذي عاشه السوريون، وما زال بعضهم يعيشه حتى اليوم، وبعد مرور عامٍ على السقوط، أصيب جزء كبير من الشعب بخيبة أملٍ كبيرة، وانخفض سقف الأحلام والتوقعات، بعد ما شهدته البلاد من أحداثٍ مُقلقة وخطيرة، فتحت الباب أمام جملة من الأسئلة المُلحة والمؤلمة: هل تغير واقع البلاد إلى الأفضل؟ هل تغيرت المنظومة الاستبدادية والعقلية الأمنية والسياسية التي أسقطها الشعب بثورته؟ هل ولَّى زمن التطبيل والتشبيح؟ وهل تغير واقع الإعلام  وأزيلت القيود عن حرية الرأي والتعبير؟ … الخ.

الطائفية تهدد السلم الأهلي 

بدلاً من تطبيق العدالة الانتقالية وإنصاف جميع الضحايا، وبناء شرعية سياسية عبر تفاهماتٍ وحوارات وطنية حقيقيةٍ وناجعة، تُشرك جميع مكونات الشعب، دخلت البلاد في دوامة عنفٍ طائفي دموي قد يجرّها نحو الانقسام. فَتحتَ ذريعة مُحاربة فلول النظام، ارتُكبت المجازر وعمليات القتل الطائفي خارج نطاق القضاء، بحق آلاف المدنيين العلويين في الساحل وحمص وغيرها، وهو ما أدى إلى إحداث موجات نزوحٍ داخلي وخارجي، حيث فرّ مئات المدنيين إلى القرى الجبلية النائية وقاعدة حميميم الجوية الخاضعة للجيش الروسي، ونزح جزء آخر إلى دمشق وريفها وإلى مناطق أخرى، فيما عَبر جزء آخر الحدود السورية باتجاه الأراضي اللبنانية. وحتى اليوم، لم يتمكن جزء كبير من هؤلاء النازحين من العودة إلى بيوتهم نتيجة غياب الأمان واستمرار الانتهاكات.  

 الطائفة الدرزية تعرضت بدورها لسلسلة من المجازر والانتهاكات، التي بدأت نهاية شهر نيسان، عقب انتشار تسجيل مُفبرك يُسيء للنبي الكريم محمد، أعقبه محاولة اقتحام لمدينة جرمانا، ثم اقتحام لمدينة صحنايا والأشرفية وارتكاب عشرات الجرائم والانتهاكات وعمليات القتل الطائفي، ومن ثم وقوع عدد من الاشتباكات  في محيط  محافظة السويداء التي تعرضت لعدة هجمات مسلحة من المحور الشمالي والغربي. وإثر ارتفاع حدة الخطاب الطائفي خَلت الجامعات السورية من معظم الطلبة الدروز، بعد أن تعرضوا لكثيرٍ من المضايقات والتهديدات وشعروا بخطرٍ يتهدد حياتهم.  

ولم تكد تهدأ نار الخطاب الطائفي ضد الطائفة الدرزية حتى اشتعلت من جديد، بعد أحداث تموز الدامية التي شهدتها محافظة السويداءعَقب اقتحامها من قبل قوات الأمن وعناصر من وزارة الدفاع ومن ثم أرتال العشائر التي قَدِمت بعشرات الآلاف من مختلف أنحاء البلاد.  ويوضح الواقع الكارثي الذي خلَّفه اقتحام المحافظة حجم الحقد الطائفي ونزعة الثأر والانتقام، وقد تجلى ذلك بإحراق وتدمير أكثر من 35 قرية وتهجير أكثر من 100 ألف شخص، وارتكاب مئات المجازر عبر الإعدامات الميدانية والتصفية الطائفية، والانتقام من  أبناء المحافظة وإذلالهم و معاقبتهم  من خلال حلق شوارب الشباب والشيوخ، وخطف النساء وإهانة الرموز الدينية، وغير ذلك من الانتهاكات الإنسانية التي لا يمكنها أن تُمحى من ذاكرة أبناء المحافظة. 

وقد عكست تلك الأحداث الطائفية التي شهدتها البلاد عجز الحكومة الحالية عن حماية السلم الأهلي وعن إنتاج خطاب وطني جامع يُهدئ من الاحتقان الطائفي الكامن داخل المجتمع السوري، وهو ما ساهم في زرع الشقاق بين مكونات الشعب، وجَعل مرجعيات دينية ووطنية واجتماعية في السويداء والساحل تدعو إلى الانفصال أو الفيدرالية في ظل انسداد آفاق الحلول السياسية وتعذر إيجاد أي حوار وطني مع الحكومة السورية الحالية، وهو ما قد يهدد وحدة البلاد مستقبلاً. 

الواقع الأمني 

رغم مرور عام على سقوط نظام الأسد مازال الوضع  الأمني في البلاد يعاني من خللٍ وهشاشةٍ كبيرة، إذ تستمر عمليات الخطف (خاصة في مناطق الساحل) وعمليات القتل والتصفية والإعدام الميداني خارج نطاق القضاء في مختلف أنحاء البلاد، هذا بالإضافة إلى استمرار عمليات السطو المسلح والنهب و مختلف أشكال النشاط الإجرامي، وكان من بينها سرقة المتحف الوطني في دمشق ومركز الوثائق التاريخية في قصر العظم وتمثال مار بولس من مدخل الكنيسة في باب شرقي، وذلك في ظل غياب المساءلة القانونية بحق كثيرٍ من مرتكبي الجرائم والانتهاكات. إلى جانب ذلك ارتكبت جماعات مسلحة، تتبع للحكومة الجديدة، الكثير من الانتهاكات بحق أفراد، يُشتبه في تعاونهم أو ارتباطهم بحكومة النظام البائد، شملت الاعتقالات التعسفية، التعذيب الجسدي، وعمليات الاغتيال والإعدامات، ومعظمها تمت بدافع الثأر والانتقام، في ظل غياب القوانين وتطبيق العدالة الانتقالية.

وحتى اليوم ماتزال الكثير من مناطق الساحل، وخاصة الأرياف، تشهد انتهاكات يومية ويتعرض الكثير من سكانها لمضايقاتٍ متكررة، وممارسات ابتزاز، في ظل استمرار العمليات الأمنية التي تهدف إلى فرض السيطرة بشتى الطرق على السكان المحليين الذين تأثرت حياتهم المدنية والاجتماعية والاقتصادية على نحو كبير. إلى جانب ذلك تعرضت عدة قرى علوية لعمليات تهجير قسري ممنهج واستيلاء على المنازل والأراضي، من بينها قرى كفر عقيد والعزيزية وأرزة في سهل الغاب، وهو ما يشكل استهدافًا واضحًا للسكان المحليين ومحاولات لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، يضطر كثير من سكان  القرى العلوية، التي مازالت تعيش حالة من الحذر والترقب، إلى الالتزام في منازلهم عند حلول الساعة الثامنة مساءً، تحسبًا لأي انتهاكاتٍ أو تهديداتٍ محتملة.

ورغم محاولات السلطات السورية مأسسة أجهزة الأمن والشرطة والجيش، لا يزال هناك انتشار كبير للسلاح غير المنضبط في عموم البلاد، في ظل وجود الكثير من الجماعات والفصائل المسلّحة التي تنشط خارج إطار الدولة. وإلى جانب ذلك ما زالت العقلية الفصائلية تطغى على سلوك الكثير من عناصر الأمن والشرطة والجيش الذين يواصلون عملهم اليوم بذات العقلية التي سادت في البلاد خلال سنوات الحرب، والتي يحمل بعض أصحابها أيديولوجيات دينية تغلب على الأيديولوجيات الوطنية، ويسعون لتحقيق مكاسب فردية وسلطوية بدلاً من المكاسب الوطنية، فيما لا يزال جزء منهم يحمل خلفية جهادية، وأفكاراً متطرفة قد تهدد الأمن في أي لحظةٍ بدلاً من ضبطه، وما حدث في هجوم تدمر قبل أسابيع هو خير دليل على ذلك، إذ أقدم أحد عناصر الأمن السوري على قتل جندين أمريكيين ومترجم وجرح آخرين، خلال لقاء أمني جمع عسكريين أمريكيين مع مسؤولين من وزارة الداخلية السورية في مقر فرع الأمن الداخلي في تدمر. 

إلى جانب ذلك، ومنذ سقوط الأسد، صعّدت إسرائيل نشاطها العسكري في سوريا، حيث استهدفت البنية التحتية العسكرية، وقامت بتدمير مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة لتحطم بذلك القوة القتالية للمؤسسة العسكرية، وما زالت تتوغل يوماً بعد يوم عَبر الحدود في القنيطرة ودرعا، من خلال عملياتٍ عسكرية، لتحتل مساحاتٍ جديدة من الأراضي السورية، حيث فرضت سيطرتها على أكثر من500 كم مربع، وقد أسفرت تلك العمليات عن وقوع كثير من الخسائر البشرية والمادية إلى جانب نزوح عددٍ من السكان. وكل ذلك يحدثدون أي مواجهةٍ تذكر أو حتى إصدار بيانات احتجاج أو استنكار حتى ولو شكلية.  

مطبلون وشبيحة جدد 

بدلاً من تحطيم فكر وممارسات شبيحة ومطبلي نظام الأسد، ولدت، بعد سقوطه، فئة جديدة مشابهة، تستميت في امتداح السلطة والدفاع عنها بشتى السبل، لتعيد استنساخ النموذج البعثي ولكن بطرق وممارسات إيديولوجية مختلفة،  يُسيّرها الخطاب الديني أو”الثوري”. فبينما كان موالو الأسد يبررون دكتاتوريته واستبداده، قبل الثورة، تحت ذرائع الممانعة والمقاومة والتصدي للمشاريع الخارجية، ومن ثم محاربة الإرهاب خلال الثورة،  يحاول معظم موالي السلطة الحالية تبرير ممارساتها تحت ذرائع محاربة فلول الأسد وإقامة الحكم المثالي، والمصلحة العليا للدين، والواقعية السياسية، وعلاج التركة الثقيلة التي خلَّفها نظام الأسد وغيرها من التبريرات، مستقوين بشعار”من يحرر يقرر”، متناسين، عن قصدٍ أو غير قصد، أنهم يعيدون إنتاج خطاب التبرير ذاته، وانتاج استبدادٍ وديكتاتورية جديدة، من خلال قمع وانتقاد كل معارضٍ أو مخالفٍ في الرأي، وتجريم الفكر النقدي البنَّاء، وتقديس وتبني الخطاب الواحد،  والولاء المطلق للزعيم، بوصفه القائد الأوحد الذي لا يُخطئ. وقد تجلى ذلك في أكثر من مناسبة، من بينها ما حدث خلال الوقفة التضامنية   مع ضحايا مجازر الساحل،  التي أُقيمت في ساحة المرجة في شهر آذار الفائت، فعلى الرغم من رفع المحتجين شعاراتٍ تتضامن مع شهداء الأمن العام وتترحم على أرواحهم، خرجت أصوات معارضة من الموالين الجدد  لتتصدى للمشاركين في الوقفة وتردد عبارات طائفية تسيء للمواطنة والانتماء الوطني وتتهمهم بأنهم فلول وعملاء، رغم أن معظمهم كانوا من معارضي نظام الأسد ومن المعتقلين السابقين والمنتمين للثورة.

الأمر ذاته تكرر خلال الوقفة الصامتة التي نظمها ناشطون أمام البرلمان للتضامن مع ضحايا مجاز السويداء. ورغم أن الوقفة لم تتضمن أية شعارت تتعلق بالسويداء أو تُندد بممارسات السلطة، ورغم أنها حملت شعاراً وطنياً: “دم السوري على السوري حرام”، لم ترُق للشبيحة الجدد، الذين شعروا أنها تشكل انتقاداً، بل ربما تهديداً للسلطة الجديدة، فقاموا بالهجوم على المشاركين فيها وشتمهم والإعتداء على بعضهم بالضرب، وقد انتشر فيديو يظهر شاباً يهاجم الصحافية والناشطة زينة شهلا ويشتمها بأبشع الشتائم.    

إلى جانب ذلك، ومنذ تولي السلطة الجديدة حكم البلاد وحتى اليوم، اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بالكثير من الناشطين المطبلين الذين أصبحوا، ولكثرتهم، جيوشاً إلكترونية، هدفهم رصد منتقدي السلطة ليقوموا بإهانتهم وتهديدهم وشيطنتهم، وفبركة الأخبار الكاذبة عنهم، وقذفهم بعشرات الاتهامات الجاهزة مثل: “فلول النظام”، “أيتام الأسد”، “العمالة” و”السعي للانفصال والتقسيم” وغيرها. 

وبالنظر لما ذُكر، قد تغرق البلاد في إرثٍ جديد من الخوف والعقلية المخابراتية وثقافة الإقصاء واحتكار السلطة، وحَرف بوصلة الانتماء الوطني نحو الانتماء الديني والسلطوي، وهو ما سيشكل تهديداً لمفهوم الشراكة الوطنية  ولمستقبل الهوية السورية الجامعة.

إعلام السلطة 

رغم خلاص البلاد من الرقابة والتضييق وغير ذلك من الممارسات الأمنية التي كان يفرضها الأسد على حرية الإعلام، مازال الإعلام الرسمي يُشبه، في نقاط كثيرة، ما كان عليه خلال حكم الأسد. فلم تكد البلاد تنسى الإعلاميين المُطبلين لسلطته، حتى جاء إعلاميون مشابهون، هدفهم  امتداح السلطة وتلميع صورتها، عبر خطابٍ إعلامي يُطلق صفة الوطنية على من يشاء، ويحصر الانتماء إلى سوريا بالولاء المطلق للسلطة الجديدة. إعلاميون يفتقد معظمهم إلى الموضوعية والمهنية وأبسط قواعد العمل الصحافي. جزء كبير منهم كانوا مجرد “تيكتوكرز” أو “يوتيوبر” أو نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، تم إطلاقهم في فضاءات مواقع التواصل، ليقوموا بتسطيح وإفراغ العمل الإعلامي من مضمونه ودوره الريادي، وتحويل الخطاب السياسي والوطني إلى مادة استهلاكية، تقوم على المهاترات والمشاحنات والسخرية من معارضي السلطة وشتمهم وتقزيمهم، بشكلٍ يذكرنا بما كان يفعله مثقفو وإعلاميو سلطة الأسد، دون أن يكون لديهم أية محاولة لتقريب وجهات النظر أو مدّ جسور الحوار مع منتقدي السلطة. وقد جعلهم ولاؤهم المطلق للسلطة  يتصدرون المشهد الإعلامي، ويحتلون مختلف المنابر والمساحات الإعلامية والثقافية، ليتحدثوا من خلالها عن إنجازات الحكومة، ومشاريع إعادة الإعمار والاستثمارت  وتعافي الاقتصاد وتطبيق الحكم المثالي، ومقارنة الواقع الحالي للبلاد بما كانت عليه خلال حكم الأسد، فيما يتجاهلون الحديث عن الفساد وتسريح الموظفين، وعن فشل جزء كبير من الوزراء والمسؤولين في أداء عملهم الوظيفي، وعن الجرائم والانتهاكات وغير ذلك من ممارسات الحكومة التي تحتاج للكثير من النقد والتصويب.  

تحتاج سوريا اليوم في هذه المرحلة الخطيرة والمفصلية، إلى شراكة وطنية حقيقية بين جميع السوريين، تبدأ من حوار وطني وسياسي حقيقي وفاعل بين جميع المكونات والطوائف من جهة، وبين الحكومة السورية والمكونات المعارضة لها من جهة أخرى، وهذا لن يحدث دون التخلي عن العقلية الفصائلية، ودون قطيعة جذرية مع ثقافة الإقصاء والطاعة العمياء واللون الواحد، ومع كل خطاب يُبرر العنف والديكتاتورية تحت أي من المسميات. 

بعد سقوط نظام الأسد: لماذا لم تسقط لغته؟

بعد سقوط نظام الأسد: لماذا لم تسقط لغته؟

لم يعد من الصَّعب اليوم تناول المشهد الثّقافي السُّوري العام بعد مرور عامٍ على سقوط نظام حكم البلاد لعقودٍ طويلةٍ، فخلال الاحتفالات الّتي شهدتها الذكرى الأوّلى لـ “معركة ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد انتشرت على منصّات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو التُقطت في الشّوارع والسّاحات، كان يسأل المراسلون فيها السّوريين عن مشاعرهم وانطباعاتهم في هذه المناسبة.

في تلك المقاطع تكرّرت عبارات مثل: “عاشت سوريا الأسد، وسقط بشار الأسد”، و”غير ثلاثة ما منختار؛ الله وسوريا وبشار وبس”، وغالباً ما كانت هذه العبارات تخرج على ألسنة النّاس بطريقةٍ عفويةٍ وغير مقصودةٍ، إمّا في حديثهم المباشر عن فرحتهم وإمّا في أثناء طلب المذيع منهم إكمال عبارةٍ مألوفةٍ؛ ليأتي الجواب فوريّاً وتلقائياً: “وبشار وبس” دونَ الانتباه إلى التناقض الّذي تحمله الجملة في سياقٍ يُفترض أنَّه احتفال بسقوط ما يُسألون عنه!.

هذه المواقف وغيرها لا يُمكن اختزالها بأنَّها زلّةُ لسانٍ أو التباسٌ لغوي عابر؛ بل تكشف عن أثرٍ أعمقٍ خلّفته لغةُ السّلطة السّابقة في الوعي الجمعي، لغةٌ جرى تداولها لعقودٍ في الإعلام، والهتافات، والمدارس… والفضاء العام، حتى تحوّلت إلى قوالب ذهنيّة جاهزة تُستحضر آليّاً في لحظات الانفعال، بما فيها تلك اللحظات الّتي يُفترض أنّها تمثّل قطيعةً مع الماضي، وكأنَّ التَّحرر من السُّلطة لم يكتمل بعد!

هذا التّكرار على ألسنة الغالبية العظمى من النّاس يتقاطع مع فكرة “اللُّغة كقوة رمزية” قادرة على إعادة إنتاج ملامح السَّيطرة حتى بعد غياب السُّلطة المباشرة، فالخطاب الّذي يستمر رغم انهيار النظام السِّياسي الّذي فرضه ليس مجرد صدى؛ إنَّه أثر للبنية الذهنيَّة المتراكمة الّتي تشكّلت داخل السُّوريين خلال عقود من الهيمنة السِّياسيَّة، فهو لا يزول بزوال مُنتِجه؛ بل يظلّ يعيش داخل الوعي الجمعي والمعجم الفكري بما يُصطلح عليه بـ “استمرارية الخطابات” حتى بعد سقوط الأنظمة الّتي صاغتها، والّتي أشار إليها ميشيل فوكو عند حديثه عن تحوّلات المعرفة والسّلطة عبر التاريخ، وبذلك تتجاوز مقاطع الفيديو تلك وصف “الطُّرفة”، وتقرأ كاختبارٍ يوحي بحجم الفراغ الفكري، وبالضرورة الثّقافي، الّذي يتكشّف بعد انهيار منظومة كانت تمسك الخطاب السِّياسي والإعلامي (المجال العام) بقبضةٍ مُحكمةٍ تؤطر وتنظّم ذهنيّاً العلاقات بين الفرد والمجتمع والدولة، مما يعني تشكّل “الوعي الجمعي” للمجتمع بطريقة ٍمحددةٍ تسيطر من خلالها على رؤيته.

لغةٌ جديدةٌ لوعي جديدٍ

لطالما كانت اللُّغة سلاح السُّلطات الأقوى، ليس عبر الشِّعارات فقط؛ بل من خلال خلق نسقٍ كاملٍ من المفاهيم الّتي تنظّم التفكير، وإنَّ إعادة بناء الخطاب ليست مجرد عمليَّة لغويَّة؛ بل إعادة تشكيل للوعي الجمعي، فالمفردات الّتي سادت لعقودٍ لم تكن مجرد كلمات؛ هي منظومة تؤطر الوعي وتُعيد إنتاجه، وقد أشار إدوارد سعيد إلى هذا النوع من استعمال اللُّغة بوصفها “بنية تفرض نفسها على أنَّها الحقيقة الوحيدة الممكنة”، بما يكشف عن الدور المركزي لعملية التوظيف تلك.

وعلى الرغم من أهميَّة الفكرة السابقة فإنَّها غير كافية، فلا يكفينا فقط أن تتغيّر اللًّغة حتى يتغيّر الوعي الجمعي، لأنَّ المطلوب إعادة إنتاج منظومة كاملة من المفاهيم الّتي تسمح للأفراد بالتعبير دون خوفٍ، وتربط الثّقافة باستعادة التّفكير النقدي. فأثر الرقابة الطويلة ما زال واضحاً؛ وكثيرون ما زالوا يتحركون داخل حدودٍ غير مرئية، تشبه ما وصفه فوكو بـ “السّجن غير المرئي للذات”، حيث تستمر الرقابة عبر الذاكرة لا عبر الأجهزة.

وإنَّ الذاكرةَ السُّورية مثقلةٌ اليوم بمزيجٍ من الخوف والتطلّع، فالتجارب الفردية الّتي عاشها المثقفون تحت السّلطة السّابقة، من الرقابة إلى الاستدعاءات الأمنيَّة، صنعت جيلاً معتاداً على “التفكير داخل الأقفاص”، وهذا ما يمكن قراءته في إطار ما يسمّى “الذاكرة الجريحة” الّتي تمنع المجتمعات من الانتقال السلس إلى خطاب جديد، فلم يستطع الجميع التحرّر وبقيت اللّغة القديمة في العقل، وما تزال الرقابة الذاتية تؤثر في الخطاب، وهنا على الجهات المعنية أن تحمل على عاتقها المسؤولية الكاملة لبناء مشروع وطني يشفي جرحنا، و يرمم ذاكرتنا، ويحرّر تفكيرنا.

ما بين الواقع والمأمول

يذكّرنا تتبع الواقع ورصده بما كتبه فرانز فانون عن “عودة أشباح السّلطة القديمة في لحظات الانتقال” حين تسعى القوى الجديدة إلى فرض وصايتها، ومن هذه الممارسات الّتي توحي بمحاولات إحياء أساليب قمع جديدة تعزّز الرقابة وتمنع الحرية، وعلى سبيل المثال لا الحصر حادثة التضييق على الكاتب والروائي خليل صويلح ومنع الرقابة السورية نشر روايته “جنة البرابرة”، وحادثة إغلاق “سينما الكندي” العريقة بحجة فسخ عقد إشغال العقار التابع لوزارة الثّقافة، وحادثة منع رسم النَّموذج (الموديل) العاري في كلية الفنون الجميلة، ومنع استيراد الآلات الموسيقيّة وغير ذلك كثير من الحادثات الّتي تجعلنا نقف أمام فكرة: ما مستقبل وشكل حوامل الثّقافة في سوريا الجديدة؟!، وما الآلية البديلة لغياب منتج ثقافي جديد يمحي أثر القديم؟!

عن غياب “مشروع وطني”

تبدو السَّاحة الثَّقافيّة بعد عام على سقوط نظام الأسد أقرب إلى الاضطراب والفوضى منها إلى الانتظام، فالمشهد الثقافي الراهن يقتصر على الأنشطة التي قوامها التَّجمهر الفئوي، من أمسيات محلية إلى تجمعات ذات طابع مناطقي…؛ ليتقدّم “الاجتماع الأهلي” على “الاجتماع الوطني”، ولعل من الإنصاف أن نشير إلى أنَّ هذا الحال لا يقتصر علينا فقط؛ ففي التَّجارب التَّاريخيَّة، عاشت دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية الفراغ نفسه، وقد وصفته كاثرين فيردري بأنَّه “لحظة الانكشاف الكامل”، غير أنَّ هذا الأمر يستدعي بالضرورة طرح السُّؤال الآتي: إلى متى ستستمر هذه الأزمة؛ أزمة موت القديم وعدم قدرة الجديد على أن يولد بعد؟!

إنَّ الفراغ الثَّقافي الناتج عن غياب الإدارة الثَّقافيَّة وانعدام الرؤية الوطنية الجامعة وغياب المشروع الثّقافي الواضح الّذي يعيد تشكيل ملامح الفضاء الثَّقافي السُّوري العام من قِبل وزارة الثّقافة السُّوريَّة يوحي بحالة الفراغ العميقة ويُظهر أنَّ الدولة الجديدة لم تتشكّل بعد!؛ لينعكس على هيئة واقع يتسم بحرية شبه مطلقة من جهة وفوضى تنظيمية من جهة أخرى، وبذلك يغدو الإنتاج الثَّقافي خاضعاً لعشوائية السُّوق أو قوى النفوذ والتَّمويل بدلاً من السِّياسات العامة.

وهنا تبرز مجموعة من التساؤلات المهمة الّتي تتطلب إجابات محددة وواضحة من المعنيين والمسؤولين: إلى أين تتجه الثقافة السُّورية؟، وكيف تُعاد هيكلة المؤسسات الثَّقافيَّة؟، وكيف تُبنى سياسات ثقافيَّة تُوازن بين الحرية والضوابط المهنيَّة؟، وكيف نضمن ألا تنتقل الرقابة من سلطة سياسيَّة إلى قوة اجتماعيَّة أو دينيَّة؟، وما السّبيل إلى توظيف الثقافة كأداة للشفاء والعدالة الانتقاليَّة؟، وكيف نتأكد أنّها لن تتحول إلى أداة للانقسام؟، وهل ستستطيع الثّقافة السُّوريَّة أن تخرج من وصاية الخطاب القديم دون الوقوع في وصايةٍ جديدةٍ؟، وكيف لنا أن ننتج خطاباً وطنياً جامعاً يخلق سردية وطنّية بديلة تُعيد بناء الوعي الجمعي على أسس الحرية لا الخوف؟

كلّ هذه الأسئلة وغيرها مما لا يتسع المقام لطرحها توضّح أنَّ بناء الوعي الجمعي رحلة طويلة تتطلب أولاً وقبل أيّ شيءٍ تحملاً للمسؤولية، ثمَّ تخطيطاً سياسياً، وشجاعة إداريَّة مع قدرة على قراءة الماضي نقدياً لا إنكاره، وتبيّن أنَّ شكل الإجابات عنها سيفتح الأبواب نحو سوريا جديدة تُنجب خطابها لا تستعيره.

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن “أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش”. من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم الناس بها العالم من حولهم. في هذا الإطار تصبح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية جزءاً من هذا الاحتكار الرمزي؛ فهي التي تحدد ما يسمى تهديداً، وما يعرَّف استقراراً، ومن يقدَّم عدواً، ومن يُصاغ شريكاً. وحين تحتكر الدولة القدرة على تسمية الواقع، فإنها تحتكر في العمق القدرة على إعادة تشكيل الحقل السياسي نفسه.

من هنا ينبع سؤال هذا المقال: كيف أعادت لحظات التحول الكبرى التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تعريف وظيفة الاستخبارات، بحيث أصبحت فاعلاً يساهم في صياغة “حقيقة الشرق” وإعادة توزيع النفوذ؟

شكّل هجوم حركة “حماس” الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لحظة انهيار معرفي داخل البنية الاستخباراتية الإسرائيلية؛ فالجهاز الذي اعتاد تقديم نفسه بوصفه الأكثر اختراقاً لـ”الشرق” وجد نفسه أمام مأزق غير مسبوق؛ عمى شبه كامل عن استعدادات الحركة، وعن اللحظة التي ستتبدل فيها قواعد الاشتباك جذرياً. في قلب هذا الفشل برز ما جرى تجاهله سنوات طويلة وهو تآكل “المعلومة الإنسانية” داخل غزة بعد رهان شبه مطلق على التكنولوجيا.

يتضح حجم الانكشاف أكثر حين نتذكر أن الجنرال “أهارون هاليفا”، مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، توجّه في خريف العام 2023 إلى مقر المخابرات الفرنسية في باريس، في زيارة كانت محاولة لتعويض نقص حاد في المعرفة. وبحسب مصادر فرنسية، احتفظت باريس بشبكة مصادر داخل القطاع، أثبتت قيمتها في اللحظة التي رأت فيها إسرائيل أن كل شيء ينهار. جزء من هذه الشبكة كان يمر عبر الفعاليات التي ينظمها “المعهد الثقافي الفرنسي” في غزة.

ووفقاً لمصدرين عملا في هذا الجهاز، توجه عناصر سريون فرنسيون لاحقاً أيضاً إلى غزة، هذه المرة تحت غطاء إنساني. تزداد الصورة وضوحاً حين نعلم أن دافيد برنياع، مدير جهاز الموساد، مرّ هو أيضاً بباريس قبل أيام من الهجوم، حاملاً ملفاً يتعلق بخطة تمويل لغزة لم يُكتب لها أن تستمر. كانت تلك التحركات اعترافاً بأن احتكار المعرفة داخل غزة لم يعد إسرائيلياً خالصاً، وأن باريس أصبحت – ولو بصمت – شريكاً معرفياً لا يمكن تجاهله.

مع ذلك، ورغم التقارب بين الجهازين الفرنسي والإسرائيلي، جرى استهداف المعهد الفرنسي في غزة بضربة إسرائيلية، ثم اقتحمت قوات الجيش الإسرائيلي المبنى، وصودرت ملفات ثقافية وأجهزة كمبيوتر تحتوي على معلومات مرتبطة بأنشطة استخباراتية كانت فرنسا تقوم بها داخل القطاع. هكذا تحوّل يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر من حدث أمني إلى لحظة أعادت توزيع القدرة على تسمية الواقع في غزة؛ من يملك المعلومة يملك المفاتيح الأولى لإعادة رسم خريطة التهديد.

ما حدث لإسرائيل في غزة وجد صداه – وإن بصيغة مختلفة – في التجربة الفرنسية في سورية. حين أغلقت باريس سفارتها في دمشق عام 2012، ظن صانعو القرار أنهم يتخذون موقفاً سياسياً وأخلاقياً ضرورياً. لكن الأجهزة رأت في هذه الخطوة خروجاً قسرياً من ساحة لا يمكن مغادرتها. أحد كبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات قال لاحقاً، بحسب تقارير إعلامية فرنسية: “إغلاق السفارة جعلنا عمياناً وصمّاً في سوريا”. هذا الوصف يلامس جوهر ما يسميه بورديو “فقدان القدرة على تسمية الواقع”. فالدولة التي تفقد نافذتها على الميدان تفقد معها لغة تفسيره، فتضطر لاستعارة هذه اللغة من أجهزة أخرى.

بهذا المعنى أصبحت فرنسا تعتمد شبه كلياً على “جهاز الموساد” للحصول على المعلومات المتعلقة بالجنوب السوري، ومسارات المقاتلين، والميليشيات، والجماعات المتشددة. نشأت علاقة معرفية غير متكافئة؛ باريس بحاجة إلى المعلومة، وتل أبيب قادرة على توفيرها.

لكن هذا الوضع لم يكن قابلاً للاستمرار. فرنسا كانت تحتاج إلى موطئ قدم تستعيد منه جزءاً من قدرتها على الرؤية المباشرة. في هذا السياق تشغل باريس في شرق المتوسط سفناً ومنصات مخصصة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وقد صرّح الجنرال كريستوف غومار، القائد السابق لإدارة الاستخبارات العسكرية بين عامي 2013 و2017، بأن “الإسرائيليين يعتبرون أننا نقدّم عملاً جيداً في جمع المعلومات”، في إشارة إلى أن فرنسا لا تكتفي بالمعطيات الإسرائيلية، بل تعتمد مقاربة متعددة المصادر.

باريس تحلل البيانات التي تجمعها عبر قدراتها الاستخبارية في قبرص، إلى جانب ما تنتجه حملاتها الجوية من رصد لسورية وجنوب لبنان. هذه القدرات سمحت لها تدريجياً باستعادة جزء من استقلاليتها التحليلية. ومع تراكم هذه الأدوات، تحولت قبرص – بموقعها ومحطاتها الاستطلاعية – إلى “دمشق جديدة” توفر لفرنسا نافذة متقدمة على المشرق، وتعيد لباريس توازنها الاستخباري الذي كانت قد فقدته خلال السنوات الماضية.

هذا التحول في أدوات الرؤية كان مقدمة ضرورية لتحول مواز في أدوات الفهم السياسي، خصوصاً مع اقتراب الساحة السورية من لحظة انفجار كبرى. حين بلغت التحولات ذروتها مع سقوط نـظام الأسد، بدا أن المشهد كله يدخل مرحلة جديدة تتجاوز الأمن إلى إعادة هندسة المعنى السياسي نفسه. في الساعات الأولى لما يمكن تسميته “الفراغ السوري الكبير”، تحركت باريس بحذر حتى لا ينقلب الوضع السوري على الداخل الفرنسي. فحتى لو سبقت برلين العاصمة الفرنسية بخطوات، فإن دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الإليزيه للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كانت لحظة تأسيسية لاختبار قدرة فرنسا على إنتاج سردية جديدة عن سورية.

برأي كاتبة هذه السطور، كان اللقاء في جوهره لقاءً استخبارياً قبل أي شيء آخر؛ إذ حاولت الأجهزة الفرنسية أن تعيد التعرف إلى رجل يعرف تضاريس الشمال السوري معرفة لا يملكها أحد في الغرب اليوم، ويعرف تنظيم داعش من الداخل، ويمتلك شبكة علاقات لا يستطيع أي طرف غربي الوصول إليها من دون وسيط. وفي الوقت نفسه، وفّر اللقاء مساحة لتعارف الأجهزة الاستخباراتية إلى بعضها مجدداً، ولإعادة اختبار حدود التنسيق الممكن في مرحلة سورية يعاد بناؤها على عجل.

في هذا الإطار أعتقد أن باريس لم تكن تختبر “الشرع” كشخص بقدر ما كانت تختبر إمكانية النفاذ عبره إلى بيئة خرجت من الخرائط الرسمية ودخلت في منطق الشبكات غير المرئية. هنا يظهر أثر بورديو مجدداً؛ الدولة لا تتعامل مع الفاعلين كما هم، بل تقرر كيف تعرّفهم، وكيف تصنع حولهم “حقيقة سياسية” قابلة للاستخدام. لم تكن باريس معنية بالشرع كاسم فردي، بل بالوظيفة الرمزية والسياسية التي يمكن إنتاجها منه، وبالقدرة على تحويله إلى تصنيف يساهم في إعادة بناء سرديتها عن المرحلة السورية الجديدة.

هذا التوجه لم يمر من دون ثمن؛ فالتقارب مع الشرع أحدث انقساماً في البرلمان الفرنسي، وهاجم بعض النواب وزير الخارجية جان نويل بارو، معتبرين الخطوة “مخاطرة أخلاقية وأمنية”. مع ذلك لم تتراجع الأجهزة. بدا أن إيمانويل ماكرون، مدفوعاً بتقديرات استخبارية أكثر مما هو بحسابات سياسية داخلية، قرر المضي في إعادة بناء صورة الشرع عبر سلسلة اختبارات متدرجة؛ من ملف المقاتلين الأجانب في إدلب، إلى قياس قدرته على الانخراط في التحالف ضد داعش.

بهذا المعنى كان التقارب جزءاً من عملية تصنيع متعمقة لـ “فاعل سياسي” جديد يناسب إعادة بناء النفوذ الفرنسي في منطقة تتبدل هياكلها بسرعة. ورغم التوترات الداخلية التي تضعف النفوذ الفرنسي الظاهر، يبقى دور باريس الاستخباري صعب الاستغناء عنه بالنسبة إلى إسرائيل وأوروبا وشرق المتوسط. فبينما تغرق تل أبيب في وعود الذكاء الاصطناعي، تعرف أجهزتها أن لا خوارزمية تعوّض بلداً يمتلك تاريخاً طويلاً من الوصول إلى سورية ولبنان ومساحات لا تستطيع إسرائيل دخولها مباشرة. وقد لخّص إيرن ليرمان، أحد أبرز وجوه الأمن القومي الإسرائيلي، هذه الحقيقة حين اعترف بأن قدرات إسرائيل “ليست لا نهائية”، وأن فرنسا تبقى شريكاً لا يُستغنى عنه.

في النهاية تتضح حقيقة مركزية؛ معارك الشرق الأوسط تُخاض اليوم بالمعرفة قبل السلاح، وبمن يملك القدرة على صياغة الواقع قبل السيطرة عليه. هذا ما يجعل عبارة بورديو أكثر راهنية اليوم؛ فالقوة صارت في الدولة التي تعرّف ما يحدث وتفرض تعريفها على الآخرين، لا في الدولة التي تتحرك بلا لغة تشرح ما تفعل.

هكذا يعود السؤال إلى جوهره: من يملك اليوم سلطة إنتاج “حقيقة الشرق”؟ من يملك المعلومة، أم من يملك القدرة على تحويلها إلى معنى؟ في عالم يتشكل من تحت الرماد، تبدو الإجابة أبعد من أن تكون حكراً على قوة واحدة؛ بل موزعة على شبكة من الأجهزة تعيد رسم الخريطة في الظل، قبل أن تظهر الخطوط على السطح.