حين تصبح الكلمات بيتًا: قراءة في ديوان هنادي زرقه

حين تصبح الكلمات بيتًا: قراءة في ديوان هنادي زرقه

في ديوانها الجديد “مثل قلب على مدخل بيت” (دار أثر، 2025) تقدّم الشاعرة السورية هنادي زرقه شعرًا في حالته الأولى: شعرًا خامًا، يولد في البدء والمباشرة، ويستمد مادته وأنفاسه من سيرة الذات وأيامها المعاشة. الشعر هنا، نداء وجداني، محاورة النفس وتكثيرها بالتذكر والحنين والظنون والأحلام والشكوك والمخاوف، بما هو مستقر في قاع النفس ملتصق بها ولا يغادرها.

تجربة فعلية  

تأتي الكلمات والعبارات من التجربة الفعلية، من الحياة المعاشة كما هي، من الإحساس الأوليّ، من الانطباع الفطري والآنيّ، مما هو خاطرة ويوميات، مما يشبه قصاً قصيراً، سرداً أقرب إلى مقاطع من سيرة. هو ذا شعر لا يتكل على عدة من خارجه. شعر قادم من الداخل الذي هو حياة متحولة وذكرى حياة. شعرٌ كهذا لا يجد فرقاً بين الحياة والكلمات، وهو على الأرجح يُلحم الاثنين يُطعّمهما ليغدُوا جديداً واحداً. شعرٌ يستنبت نفسه، يسقيها وينتظر إثمارها. لنقل إنه يُثمر من أي جهة طالما كانت معاشة ومختبرة. يأتي من الألم لكنه يتخطاه. شعرٌ هو بمكان ما يتنزه مع كلاب الوحدة.

تكتب هنادي كما تتحدث مع أصدقائها، كما تفكر وتشعر، كما تمشي وتشير، كما ترى وتتذكر. لا مسافة بين ما نتكلمه وما نكتبه. الفكر والشعر والسيرة والرؤية والتذكر أمر واحد، قصيدة. التأليف والترتيب الفنيان يأتيان على وقع ما نعيش وما عشناه. هنا نجد مثالاً أليفاً للشعر، مثالاً لا يأتي من الرمز أو التصعيد الجمالي أو التسامي الذاتي من خلال اللغة بما هي جوهر شعري ربما يبتعد عن مصدره وأصله. هنادي لا تبتعد عن المصدر “الأهلي” للشعر، عن التذكار العائلي والطفولي، عن نفسها كما كانت وكما هي الآن.  

 يأتي الشعر من الكلام المسموع والمقروء، مما قد تفتت وتناثر وهاجر، من الرحلة وركام التنقل والسفر والإقامة الجديدة. مصدر الشعر هنا ليس الكتب وحسب ولا القراءة فقط. كلمات الكَلام هي ما تصنع القصيدة، الكلمات بما هي حاجة وبما هي منهل وبما هي ناقل ورسالة ورجاء واستنطاق للصمت والعزلة والحيرة. لكن الشاعرة أيضاً تتكلم إلى نفسها، أو تسمع صوتها الذي لا تجد له مقابلاً في وجه آخر. الشعر والكلام هنا حاجة قبل أن يكون تأليفاً.  

تأملات في اللحظة العادية

يتميز ديوان “مثل قلب على مدخل البيت” بلغةٍ حيةٍ قريبة، تنبثق من التجربة الشعورية المباشرة، مما يشبه ما نتداوله من كلمات وعبارات لا من التنظير أو الزخرفة اللفظية. الشعر ان ترى وتقول ما تراه. لا تجد هنادي في الكلام المتناقل، قد لا يكون بالضرورة كلامها هي نفسه، والحدث العادي ورؤية الأشياء اليومية ما يبعدها عن الشعر. على العكس هي تجد في اللحظة العادية والمتكررة ما يستدعي التأمل وما يجلب الانتباه. لا بلاغة استعراضية ولا تغريب. فهي لغة بسيطة، لكنها عميقة المنشأ الحسي إذ تعتمد على التفاعل الفوري مع اللحظة، فتسجّل الانفعال كما هو، دون أقنعةٍ أو تصنّعٍ. ليست البساطة شحّاً لغوياً، بل هي هنا اختيارٌ فني وتكثيف حسي، ما يجعل الكلمة تعبّر بصوت الفرد الذي ربما لم تبق غير الكلمات تصوّره وتحميه، تتحول إلى خلق ثان وثوب جديد.

الكتابة في هذا الديوان أقرب ما تكون إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث تتحول القصيدة إلى لقطةٍ حيّةٍ، تلتقط تفاصيل الواقع المحيط. الكلمات هنا ليست رموزًا غامضة، بل هي صور ملموسة، تُمكِّن القارئ من رؤية المشهد وسماعه ولمسه. 

هذه اللغة، بما تحمله من لمسٍ حسيٍّ ورجاءٍ دافئٍ وشكوى مريرةٍ، تُعبّر عن عمق التجربة الإنسانية التي تعيشها الشاعرة. فهي تجمع بين الأمل الصعب والإيمان الأصعب، بين الحلم والخيبة، وتنسج من هذه التناقضات نسيجًا شعريًا متماسكًا. لا مكان في هذا الديوان للمجاز الفضفاض أو الغموض المفتعل؛ فالمَجاز هنا ينبع من حرارة الشعور لا من صنعة البلاغة. وهكذا يصبح الديوان شهادةً على صدق القول الشعري وقدرته على الإمساك بجوهر الحياة في لحظتها الآنية.

تدوُّن هنادي كلمات قَصائدها كما تأتيها. هذا قد يعني أنها تكتب على السماع على ضوء الصدى، على نوعٍ من اليُسْر والتبسيط، على ما يتردد ويَتواتر في ذهنها. لكنها أيضاً تكتب وتنهل من معجم مرئي أمامها. من هذا المكان الجديد المتاح والمعاش والمفتوح أمام ناظريها. هي إذاً تسمع وترى وفي الآن تمزج المرئي بالمسموع في بنية واحدة في مقاطع صوتية قصيرة ومتتابعة. 

نضارة اللاشكل 

ليس ثمة شكلٌ واحد أو نموذجٌ شكليٌّ يتكرّر. فكل قصيدة، إذ تُكتب وتنمو، تبلغ خاتمتها من دون قيدٍ مسبق أو شرطٍ شكليٍّ مفترض. وقد يوحي ذلك للقارئ بأن هنادي تنطلق من اللاشكل، أو بأن البنية النهائية للقصيدة ليست ذات أولوية. الأهم هنا هو القول والكتابة وإيجاد المعنى؛ الأهم هو هذا الحوار الداخلي والنداء الذاتي، وإخراجهما إلى نور الكتابة ونهار القصيدة.

يحضر في هذا الديوان العالمان المكاني والنفسي جنبًا إلى جنب، الذاكرة والحاضر. نرى الأمكنة القديمة والجديدة تتجاوَرُ كأنها وجوهٌ مختلفة للذات نفسها. ما هو نفسيٌ قرينٌ لما هو زمنيّ، أحدهما يشكل الآخَر ويُدخله في نسيجه ومحتواه. الدقائق مشاعر وحالات، الساعات والشهور مراحل وتحولات. برلين، على وجه الخصوص، تتجسد حضورًا كثيفًا، ليست مجرد مدينة، ليست انتقالاً جغرافياً، بل كيانٌ شعوريٌّ نابض: مدينة الكلاب والعزلة والأشجار الكثيرة، اللغات التي لا تتحول أو تقدر ان تكون لغة واحدة متاحة ومفهومة حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشاراتٍ عن الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة ووحدة وتخبطاً كما في قصيدة “حيوان أليف يدخن” إذ نقرأ “تجلسين على الشرفة لتدخّني. التدخين، في برلين، ممنوع داخل المنازل! تنصاعين مثل حيوان أليف. يخرج سنجاب من ثقب في أسفل الشجرة. سنجاب متردد. يقف. يحك قدمه ثم أنفه. يصعد. ينزل. يواصل الصعود والنزول اعتباطاً من غير هدف واضح. أو هكذا يبدو. يسقط على الشرفة المقابلة. يقف حائراً لا يعلم أي اتجاه يسلك إلى الثقب-البيت. ساعة بأكملها، تراقبين السنجاب في ضياعه. تبرد القهوة. تنطفئ السيجارة، فيما سنجاب الوحدة يحفر ثقباً في روحك/ تحاولين الولوج منه إلى بيتك هناك”.

سجل حياة

الشاعرة تكتب سجلّ حياتها الشعري، الحياة بما هي معاش يومي ومكابدة مزدوجة، مكابدة المعنى ولغة المعنى. ثمة الواجب وثمة صورته الماثلة والثقيلة، ثمة الجديد الطارئ والقديم الذي يرفض أن يتقادم ويبتعد ويندثر. ثمة النموذج المفترض، وثمة غواية اللا نموذج. هنا الحاضر البرليني وهناك والماضي السوري. لكن القصيدة غير قادرة على النجاة من ماضيها وماضي بلد الشاعرة. هي عالقة بين زمنين مُقسَّمة، دون أن تنتمي الى اي منهما على نحو كلي وناجز. السؤال الشعري سؤال في الانتماء والهوية يطوف حول الذاكرة، الحنين لا يكفيه جواباً والنسيان لا يشفيه. لا أحد يمد طوق النجاة، لا سند ينقذ الشاعر والشعر نفسه.  القصيدة هي هذا التوهان هذا التأرجح المَرَضي، الانتقال غير المستقر بين زمنين وفكرتين. لكن هنادي تنقل هذه الاسئلة الحياتية والأدبية من عالم الفكر المجرد الى التجربة الفردية المحسوسة، وربما يكون الفرد هنا معياراً تُقاس به وعليه الحوادث ومعانيها. 

لا بوصفه تذكّراً للأحداث، بل بوصفه تأمّلًا في الشعر نفسه، في كونه طريقة حياة لا مجرّد كتابة. الشعر عندها مواز للحياة، نسخة عنها، بل شرطها وسرها ودافعها الأول، فهو الدليل في التيه، والاختبار المرير في مواجهة معنى ينسف الإيمان الشخصي. إنه اعتراف وكتمان في آنٍ واحد، تردّدٌ دائم بين التذكّر والنسيان، بين الرغبة والندم. يبلغ الشعر هنا مرتبة النشيد الشفاهي، فهو خطابٌ وحوارٌ ونداء. الكلمة ليست غاية، بل تفصيلٌ للنداء نفسه، حياكةٌ للقول حول التجربة.

إن مجموعة قصائد “مثل قلب على مدخل البيت” ليست مجرد نصوص ذاتية، بل رحلة في الوعي الحسي والشعور الحرّ، رحلة تثبت أن الشعر، حين يكون صادقاً، ووليد تجربة وترحال يصبح شكلاً من أشكال العيش، ووسيلةً لمحاورة الذات مع وحدتها. الشعر هو هذا القِران المستولد من عزلات متراكمة، هذا التزاوج، هذه النجوى وهذا الإسرار بالدعاء “إلهي.. إلهي/لا أريد أن أكون غزالة أو فيلاً/ أعد لي جديلتي/وعيني الواسعتين/وفمي الكبير/وضحكة واحدة/ تخلخل هذا الموت الجاثم فوق صدري”. 

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن “أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش”. من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم الناس بها العالم من حولهم. في هذا الإطار تصبح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية جزءاً من هذا الاحتكار الرمزي؛ فهي التي تحدد ما يسمى تهديداً، وما يعرَّف استقراراً، ومن يقدَّم عدواً، ومن يُصاغ شريكاً. وحين تحتكر الدولة القدرة على تسمية الواقع، فإنها تحتكر في العمق القدرة على إعادة تشكيل الحقل السياسي نفسه.

من هنا ينبع سؤال هذا المقال: كيف أعادت لحظات التحول الكبرى التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تعريف وظيفة الاستخبارات، بحيث أصبحت فاعلاً يساهم في صياغة “حقيقة الشرق” وإعادة توزيع النفوذ؟

شكّل هجوم حركة “حماس” الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لحظة انهيار معرفي داخل البنية الاستخباراتية الإسرائيلية؛ فالجهاز الذي اعتاد تقديم نفسه بوصفه الأكثر اختراقاً لـ”الشرق” وجد نفسه أمام مأزق غير مسبوق؛ عمى شبه كامل عن استعدادات الحركة، وعن اللحظة التي ستتبدل فيها قواعد الاشتباك جذرياً. في قلب هذا الفشل برز ما جرى تجاهله سنوات طويلة وهو تآكل “المعلومة الإنسانية” داخل غزة بعد رهان شبه مطلق على التكنولوجيا.

يتضح حجم الانكشاف أكثر حين نتذكر أن الجنرال “أهارون هاليفا”، مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، توجّه في خريف العام 2023 إلى مقر المخابرات الفرنسية في باريس، في زيارة كانت محاولة لتعويض نقص حاد في المعرفة. وبحسب مصادر فرنسية، احتفظت باريس بشبكة مصادر داخل القطاع، أثبتت قيمتها في اللحظة التي رأت فيها إسرائيل أن كل شيء ينهار. جزء من هذه الشبكة كان يمر عبر الفعاليات التي ينظمها “المعهد الثقافي الفرنسي” في غزة.

ووفقاً لمصدرين عملا في هذا الجهاز، توجه عناصر سريون فرنسيون لاحقاً أيضاً إلى غزة، هذه المرة تحت غطاء إنساني. تزداد الصورة وضوحاً حين نعلم أن دافيد برنياع، مدير جهاز الموساد، مرّ هو أيضاً بباريس قبل أيام من الهجوم، حاملاً ملفاً يتعلق بخطة تمويل لغزة لم يُكتب لها أن تستمر. كانت تلك التحركات اعترافاً بأن احتكار المعرفة داخل غزة لم يعد إسرائيلياً خالصاً، وأن باريس أصبحت – ولو بصمت – شريكاً معرفياً لا يمكن تجاهله.

مع ذلك، ورغم التقارب بين الجهازين الفرنسي والإسرائيلي، جرى استهداف المعهد الفرنسي في غزة بضربة إسرائيلية، ثم اقتحمت قوات الجيش الإسرائيلي المبنى، وصودرت ملفات ثقافية وأجهزة كمبيوتر تحتوي على معلومات مرتبطة بأنشطة استخباراتية كانت فرنسا تقوم بها داخل القطاع. هكذا تحوّل يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر من حدث أمني إلى لحظة أعادت توزيع القدرة على تسمية الواقع في غزة؛ من يملك المعلومة يملك المفاتيح الأولى لإعادة رسم خريطة التهديد.

ما حدث لإسرائيل في غزة وجد صداه – وإن بصيغة مختلفة – في التجربة الفرنسية في سورية. حين أغلقت باريس سفارتها في دمشق عام 2012، ظن صانعو القرار أنهم يتخذون موقفاً سياسياً وأخلاقياً ضرورياً. لكن الأجهزة رأت في هذه الخطوة خروجاً قسرياً من ساحة لا يمكن مغادرتها. أحد كبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات قال لاحقاً، بحسب تقارير إعلامية فرنسية: “إغلاق السفارة جعلنا عمياناً وصمّاً في سوريا”. هذا الوصف يلامس جوهر ما يسميه بورديو “فقدان القدرة على تسمية الواقع”. فالدولة التي تفقد نافذتها على الميدان تفقد معها لغة تفسيره، فتضطر لاستعارة هذه اللغة من أجهزة أخرى.

بهذا المعنى أصبحت فرنسا تعتمد شبه كلياً على “جهاز الموساد” للحصول على المعلومات المتعلقة بالجنوب السوري، ومسارات المقاتلين، والميليشيات، والجماعات المتشددة. نشأت علاقة معرفية غير متكافئة؛ باريس بحاجة إلى المعلومة، وتل أبيب قادرة على توفيرها.

لكن هذا الوضع لم يكن قابلاً للاستمرار. فرنسا كانت تحتاج إلى موطئ قدم تستعيد منه جزءاً من قدرتها على الرؤية المباشرة. في هذا السياق تشغل باريس في شرق المتوسط سفناً ومنصات مخصصة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وقد صرّح الجنرال كريستوف غومار، القائد السابق لإدارة الاستخبارات العسكرية بين عامي 2013 و2017، بأن “الإسرائيليين يعتبرون أننا نقدّم عملاً جيداً في جمع المعلومات”، في إشارة إلى أن فرنسا لا تكتفي بالمعطيات الإسرائيلية، بل تعتمد مقاربة متعددة المصادر.

باريس تحلل البيانات التي تجمعها عبر قدراتها الاستخبارية في قبرص، إلى جانب ما تنتجه حملاتها الجوية من رصد لسورية وجنوب لبنان. هذه القدرات سمحت لها تدريجياً باستعادة جزء من استقلاليتها التحليلية. ومع تراكم هذه الأدوات، تحولت قبرص – بموقعها ومحطاتها الاستطلاعية – إلى “دمشق جديدة” توفر لفرنسا نافذة متقدمة على المشرق، وتعيد لباريس توازنها الاستخباري الذي كانت قد فقدته خلال السنوات الماضية.

هذا التحول في أدوات الرؤية كان مقدمة ضرورية لتحول مواز في أدوات الفهم السياسي، خصوصاً مع اقتراب الساحة السورية من لحظة انفجار كبرى. حين بلغت التحولات ذروتها مع سقوط نـظام الأسد، بدا أن المشهد كله يدخل مرحلة جديدة تتجاوز الأمن إلى إعادة هندسة المعنى السياسي نفسه. في الساعات الأولى لما يمكن تسميته “الفراغ السوري الكبير”، تحركت باريس بحذر حتى لا ينقلب الوضع السوري على الداخل الفرنسي. فحتى لو سبقت برلين العاصمة الفرنسية بخطوات، فإن دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الإليزيه للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كانت لحظة تأسيسية لاختبار قدرة فرنسا على إنتاج سردية جديدة عن سورية.

برأي كاتبة هذه السطور، كان اللقاء في جوهره لقاءً استخبارياً قبل أي شيء آخر؛ إذ حاولت الأجهزة الفرنسية أن تعيد التعرف إلى رجل يعرف تضاريس الشمال السوري معرفة لا يملكها أحد في الغرب اليوم، ويعرف تنظيم داعش من الداخل، ويمتلك شبكة علاقات لا يستطيع أي طرف غربي الوصول إليها من دون وسيط. وفي الوقت نفسه، وفّر اللقاء مساحة لتعارف الأجهزة الاستخباراتية إلى بعضها مجدداً، ولإعادة اختبار حدود التنسيق الممكن في مرحلة سورية يعاد بناؤها على عجل.

في هذا الإطار أعتقد أن باريس لم تكن تختبر “الشرع” كشخص بقدر ما كانت تختبر إمكانية النفاذ عبره إلى بيئة خرجت من الخرائط الرسمية ودخلت في منطق الشبكات غير المرئية. هنا يظهر أثر بورديو مجدداً؛ الدولة لا تتعامل مع الفاعلين كما هم، بل تقرر كيف تعرّفهم، وكيف تصنع حولهم “حقيقة سياسية” قابلة للاستخدام. لم تكن باريس معنية بالشرع كاسم فردي، بل بالوظيفة الرمزية والسياسية التي يمكن إنتاجها منه، وبالقدرة على تحويله إلى تصنيف يساهم في إعادة بناء سرديتها عن المرحلة السورية الجديدة.

هذا التوجه لم يمر من دون ثمن؛ فالتقارب مع الشرع أحدث انقساماً في البرلمان الفرنسي، وهاجم بعض النواب وزير الخارجية جان نويل بارو، معتبرين الخطوة “مخاطرة أخلاقية وأمنية”. مع ذلك لم تتراجع الأجهزة. بدا أن إيمانويل ماكرون، مدفوعاً بتقديرات استخبارية أكثر مما هو بحسابات سياسية داخلية، قرر المضي في إعادة بناء صورة الشرع عبر سلسلة اختبارات متدرجة؛ من ملف المقاتلين الأجانب في إدلب، إلى قياس قدرته على الانخراط في التحالف ضد داعش.

بهذا المعنى كان التقارب جزءاً من عملية تصنيع متعمقة لـ “فاعل سياسي” جديد يناسب إعادة بناء النفوذ الفرنسي في منطقة تتبدل هياكلها بسرعة. ورغم التوترات الداخلية التي تضعف النفوذ الفرنسي الظاهر، يبقى دور باريس الاستخباري صعب الاستغناء عنه بالنسبة إلى إسرائيل وأوروبا وشرق المتوسط. فبينما تغرق تل أبيب في وعود الذكاء الاصطناعي، تعرف أجهزتها أن لا خوارزمية تعوّض بلداً يمتلك تاريخاً طويلاً من الوصول إلى سورية ولبنان ومساحات لا تستطيع إسرائيل دخولها مباشرة. وقد لخّص إيرن ليرمان، أحد أبرز وجوه الأمن القومي الإسرائيلي، هذه الحقيقة حين اعترف بأن قدرات إسرائيل “ليست لا نهائية”، وأن فرنسا تبقى شريكاً لا يُستغنى عنه.

في النهاية تتضح حقيقة مركزية؛ معارك الشرق الأوسط تُخاض اليوم بالمعرفة قبل السلاح، وبمن يملك القدرة على صياغة الواقع قبل السيطرة عليه. هذا ما يجعل عبارة بورديو أكثر راهنية اليوم؛ فالقوة صارت في الدولة التي تعرّف ما يحدث وتفرض تعريفها على الآخرين، لا في الدولة التي تتحرك بلا لغة تشرح ما تفعل.

هكذا يعود السؤال إلى جوهره: من يملك اليوم سلطة إنتاج “حقيقة الشرق”؟ من يملك المعلومة، أم من يملك القدرة على تحويلها إلى معنى؟ في عالم يتشكل من تحت الرماد، تبدو الإجابة أبعد من أن تكون حكراً على قوة واحدة؛ بل موزعة على شبكة من الأجهزة تعيد رسم الخريطة في الظل، قبل أن تظهر الخطوط على السطح.

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية “المتنبي” للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً. 

عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم، قائلاً: لقد كان علوياً.

لم أجد مبرراً لهذا السؤال، فما علاقة الإبداع بالانتماء الطائفي!؟  خاصة وأنه في ذلك الحين لم تكن قد استشرت النزعات التي نعاني منها اليوم، وكان خطاب الانتماء الوطني هو السائد. 

في اليوم التالي قال لي أحد زملائي مازحاً: لم أعد أحب المتنبي، تصوّر يا رجل أنه كان علوياً..

بالمقابل فاجأتني الخيبة التي اعترت أحد شعراء البحور حين عرف أن الفرزدق مدح أمراء بني أمية: سليمان بن عبد الملك والوليد بن عبد الملك بن مروان، ومدح يزيد بن عبد الملك وبشر بن مروان، حتى أنه مدح الحجاج بن يوسف الثقفي.

وقد قال بالحرف: لا بد أن القصائد منحولة، فلا يمكن لمن يمدح علي زين العابدين أن يمدح هؤلاء.. 

عادت إلى ذهني الحادثتان مؤخراً مع ما وصلـت إليه الحالة السورية من تداعي الانتماء الوطني وصعود الانتماء الطائفي.

من الطائفية المقنعة إلى المتفشية السافرة

على مدى سنوات طويلة كانت مقاربة الطائفية في سورية تتم بحذر ووجل، حتى الدراسات التي تتناول المسألة الديموغرافية والأنثربولوجية، والتي من المفترض أن تسمي الأشياء والأحوال بمسمياتها؛ لم تكن محبذة في الدوريات والكتب الصادرة في سورية. 

ومن يفعل ذلك على الصعيد الشعبي؛ في الشارع أو في أي مكان عام، أو على الصعيد الرسمي إن كان في وظيفة أو في أي جهة عامة أخرى، كان يسارع إلى الاعتذار وإحالة الأمر إلى التندر والمزاح. 

كان السؤال الأكثر انتشاراً والأكثر مباشرة وجرأة بما يخص الانتماء هو: من أين أنت؟ رغم أن الإجابة لا يمكن أن تحمل معلومة دقيقة تفيد بالانتماء الطائفي في ظل التنوع الديموغرافي الطائفي والإثني السائد في كل المناطق السورية. 

يمكن القول إن التغيير في هذا الأمر بدأ يأخذ منحى آخر مع بدء الأزمة السورية، حيث بدأت المجاهرة بمسألة الانتماء الطائفي وذلك في سياق الاصطفاف السياسي الذي ساد الواقع السوري وتحوّل بسرعة إلى اصطفاف عسكري، وفي سياق هذا تم تبادل الاتهامات التي تتناول الحالة الوطنية لأطياف المجتمع السوري، فقد رأينا اتهامات تشكك بالانتماء الوطني لطائفة من قبل طائفة أخرى وبالتبادل. 

بعد سقوط النظام السابق الذي كان يتظاهر أنه ليس طائفياً، وهو فعلاً لم يفضّل طائفة على أخرى إلا في سبيل مصالحه، وكان يطبّق ترويكا طائفية غير معلنة على كافة المستويات في أجهزة الدولة، طفحت الطائفية في الخطاب البيني السوري، وعلى كل السويات وفي كل المجالات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على المستوى الشعبي والرسمي، وهذا كان متوقعاً مع وصول تيار يقوم على أيديولوجيا دينية تخص طائفة بعينها، تيّار موصوم بالتطرف، إلى السلطة، وذلك في سياق الفعل ورد الفعل، فتبني جهة ما للطائفية لا بد أن يفرز طائفية مضادة ولو بعد حين.

مثقفون في مهب التعاطي الطائفي

لم تقتصر الطائفية على الفعاليات التي ذكرناها، بل رشحت إلى الناحية الثقافية، كان ذلك مفاجئاً للبعض، والمفاجأة هنا تأتت من الحوار الذي كان يدور بين المثقفين السوريين من كافة الأطياف، ففي خضم هذا الحوار تبيّن النزوع الطائفي لكثير من المثقفين الذين كانوا يعرفون بالتنوير والعلمانية، هذا النزوع الذي تبلوّر فيما بعد في مواقف واضحة؛ وأداء وتصرفات طائفية صريحة لم تعد ترى ذلك عيباً أو خطأً ولا تخجل من ذلك.

أغلب الحوارات كانت في البداية تتسم بالعقلانية والمنطق البعيد عن الطائفية وتبني الطروحات التي تعزز الانتماء الوطني، لكنها يوماً إثر يوم بدأت تتبدّل وكأن هناك ما استيقظ في نفوس بعض المتحاورين، فالنزوع الطائفي كان موجوداً ومكبوتاً، كأنه كان نائماً فقط وأتى من يوقظه.  

في تلك الحوارات والتي شاركت في بعضها، تم استحضار الحساسيات الطائفية المزمنة والاتهامات المعروفة باحتضان النظام البائد والتشكيك بمصداقية الانتماء من قبل مثقفين معروفين، ووصل الأمر بالبعض في إحدى جلسات الحوار إلى المطالبة بضرورة تفكيك الخطاب العلوي وتخليصه من خرافاته من قبل أحد مثقفي الطائفة السنية، ورد عليه مثقف علوي أن خرافات الخطاب العلوي ليست قاتلة، الأهم أن نتخلص من خرافات الخطابات القاتلة. 

تصاعد التوتر الطائفي في تلك الحوارات وفي التعاطي بين المثقفين بشكل مباشر وغير مباشر، واستحضرت شخصيات تاريخية أدبية ليدور السجال على صفحات السوشال ميديا حول انتمائها الطائفي كأبي نواس وأبي فراس الحمداني والفرزدق وعلي بن الجهم وغيرهم، وفي الواقع صار الفرز الطائفي لدى الكثير من المثقفين واضحاً، وصارت أية خطوة أو إجراء يتم اتخاذه يفسّر طائفياً.

 مثال ذلك، عندما قام رئيس اتحاد الكتاب العرب بفصل عدد من المنتسبين إليه، أعاد الكثيرون ذلك إلى دافع طائفي، رغم أن قائمة المفصولين كانت تضم كتابا من أطياف المجتمع السوري كافة. 

لمست ذلك عقب نشري منشوراً تناولت فيه كيفية انتساب الكاتب “حسن م يوسف” للاتحاد حيث مُنح العضوية بشكل فخري من قبل رئيس الاتحاد حينها، المرحوم “نضال الصالح” وقد كنت حاضراً وشاهداً على ذلك، ورأيت أنّ ذلك “التنسيب” أثار أسئلة عدة حينها، فكيف لكاتب بحجم يوسف ألا يكون عضو اتحاد حتى ذلك الوقت؟ إمّا أنه لم يكن يرغب بذلك وإمّا أنه تقدّم ولم يقبل وهذه مفارقة، فكيف لمثله ألا يقبل؟ وكيف قبل بالعضوية الفخرية؟ 

سارع أحد الأصدقاء إلى الاتصال بي ولامني على ما نشرت قائلاً: حسن م يوسف فصل طائفياً وأنت بما نشرت تتفق مع ذلكّ!؟ 

لا بد من القول أنه إن صح أن الأمر وإن لم يصح تمّ بدافع طائفي، فرد الفعل كان طائفياً أيضاً فأغلب من تنطعوا للدفاع عن أسماء من طائفة معينة لم يذكروا أسماء المفصولين من الطوائف الأخرى. 

كذلك قرأنا تصريحات تخص أعمالاً أدبية ودرامية أعيدت إلى الدافع الطائفي ومنعكسه السياسي كتصريح مدير المسارح في وزارة الثقافة والذي تناول فيه مسلسلي “ضيعة ضائعة” و”الخربة”.

الاحتفاء بالآخر البعيد ورفض الآخر القريب 

توضح تبني الطائفية في الوسط الثقافي في قضية ترشيح أدونيس لجائزة نوبل للآداب، فقد أثار هذا الترشيح ردود أفعال متباينة؛ القليل منها تبنى وجهة نظر قائمة على أساس أدبي، نقدي أو متعلق بالذائقة فقط، بينما رأينا تعليقات كثيرة بصبغة طائفية، و الطائفية هنا تجلت في الحكم على أدونيس بناء على منبته و انتمائه الذي لا محيد عنه حتى و لو لم يتبن هو ذلك، فأدونيس رافضي و من فئة سعى البعض لحصرها في إطار اجتماعي وسياسي معين، فهي مهزومة بنظرهم وفوز أدونيس سيشكل عاملاً لتعويمها وإكسابها سمة جديدة، ثقافياً واجتماعياً على الأقل.

 في المقابل نحى مثقفون آخرون المنحى الطائفي بما يخص قضية أدونيس، وهم من طائفته بطبيعة الحال، فقد تمّ تبنيه من قبل هؤلاء ومنهم من رفضه سابقاً، وذلك بدافع إثبات وجود الطائفة ثقافياً ومعرفياً وعلى نطاق عالمي بعد محاولات طمس وجودها سياسياً وتحميلها عبء ممارسات النظام البائد، فأدونيس في رأيهم حال فوزه سيشكل رافعة للطائفة.

 المؤسف أن الكثير من الآراء التي طرحت لم تقم على أساس أدبي، ولا نقصد تلك الآراء التي صدرت عمن ليس لهم علاقة بالأدب؛ بل من أدباء ونقاد معروفين. 

بعد فوز الكاتب المجري “لاسلو كراسناهوركاي” تباينت الآراء بخصوص أدونيس بين الأسف والارتياح، إن لم نقل الشماتة، وكأننا هنا في مهب مقولة القريب والبعيد، لكنها هنا معكوسة فالآخر البعيد مفضّل ومحبّذ عمن يعتبر “الآخر” القريب.  

من المؤسف أن يصل الاستقطاب الطائفي في الوسط الثقافي إلى هذا الحد، ألاّ نستطيع التوافق على شخصية ثقافية سورية بانتمائها وأيديولوجيتها، وهي وجه من وجوه سورية الثقافية والمعرفية عالمياً بما حققته، ونختلف أيضاً حول قضايا ثقافية وشخصيات تاريخية على أساس طائفي. في الوقت الذي كان من الممكن أن يكون المثقفون عاملاً فاعلاً في تصويب الخطاب الطائفي اللاوطني.      

عودة السوريين المنتمين للثورة وجدلية الداخل والخارج 

عودة السوريين المنتمين للثورة وجدلية الداخل والخارج 

بعد تحول الثورة السورية إلى حربٍ دمّرت البلاد وقتلت مئات الآلاف، غادر جزءٌ كبير من السوريين المنتمين للثورة البلاد، طلباً للنجاة وبحثاً عن حياة جديدة، فيما آثر جزء آخر البقاء لاعتبارات عديدة. وطوال سنوات الحرب أثارت العلاقة بين جزء كبير من سوريي الداخل والخارج جدلاً كبيراً، كان يتفاقم في كل حدثٍ أو مناسبة، ليتم تبادل الاتهامات وتوزيع أدوار الوطنية. اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد البائد، وعودة كثير من السوريين المحسوبين على الثورة إلى البلاد، خلال الأشهر الماضية، عاد الجدل مجدداً، رغم فرحة معظم سوريي الداخل بعودتهم. 

سياحة ثورية

يرى جزء من السوريين الذين لم يغادروا البلاد طوال سنوات الحرب، أن معظم من عادوا، بعد سقوط النظام البائد، أتوا كزائرين يدفعهم الحنين والاشتياق، وليسوا كأبناء وطنٍ، يرغبون في المساهمة في بناء سوريا التي حلموا بها ورفعوا لأجلها شعارات الثورة في عام 2011. كما أصيب جزء آخر بخيبة أمل بعد عودة بعض المعارضين البارزين في الثورة، إذ اكتفوا بزياراتٍ استعراضية لأبرز معالم العاصمة، كانت أقرب إلى “السياحة الثورية”، وكان هدفها الظهور الإعلامي والتقاط الصور، فيما اقتصرت معظم نشاطاتهم على الجلوس في المقاهي، التي اكتظت بالنشطاء المدنيين والسياسيين العائدين، كمقهى الروضة. وبدل أن يحاولوا الاقتراب من الحياة الحقيقية التي يعيشها الشعب السوري ليروا جزءًا من معاناته ويحاولوا أن يشاركوه ببعضها، كانوا يعيشون حياةً مترفة لا تشبه حياة أغلب السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذ أقام الكثير منهم في الفنادق أو البيوت الفاخرة ضمن الأحياء الراقية.  

“كانت سعادتي لا توصف بعودة صديقي الذي لم أره منذ نحو عشر سنوات، كنت مستعداً لاستقباله في بيتي، خلال زيارته لدمشق، لنستعيد التفاصيل والذكريات التي جمعتنا في السابق، لكنني فوجئتُ بأنه قد حجز في أحد الفنادق ليقيم فيها طوال فترة زيارته، وعند لقائي به شعرت أنني أمام شخصٍ آخر، لا يشعر بشيءٍ من معاناتنا وأوجاعنا”.  هكذا يصف الفنان التشكيلي طارق (46 عام) لقاءه بصديقه العائد من أوروبا، مضيفاً: “ورغم أنني كنت عاطلاً عن العمل، نتيجة الواقع المؤلم الذي تعيشه البلاد، وبالكاد أجد ثمن علبة سجائر، لم يُبد صديقي أي تضامن أو تعاطف معي، على الرغم من أن المبلغ الذي أنفقه في إحدى سهرات البار كان يكفيني ثمن طعامٍ لأسبوع، والمبلغ الذي كان يدفعه كإيجار يومي لغرفتة  في الفندق يعادل إيجار بيتي المتواضع لشهر. كل ذلك جعلني أشعر بشرخٍ كبير في علاقتي معه، وبالمقابل مازالت علاقتي بأصدقائي، الذين لم يغادروا سوريا طوال الحرب، تزداد عمقاً، إذ كنا وما نزال سنداً لبعضنا، نحفّز بعضنا على التطور والإنجاز، ونتقاسم الفرح والحزن وما في جيوبنا من نقود”. 

  ذاكرة جديدة وانتماء جديد 

طوال سنوات الحرب، كان معظم المنتمين للثورة من الذين لم يغادروا البلاد، لا يخرجون من محافظاتهم أو حتى مدنهم وقراهم إلا فيما ندر، بقوا محاصرين بذكريات الثورة، يستذكرون تفاصيلها الجميلة فيما بينهم، وبقيت أحلام بعضهم تتعلق بواقع البلاد وسقوط نظام الأسد وتحسن الواقع المعيشي والاقتصادي، وبالمقابل كثير ممن غادروا البلاد أصبح لديهم حياة جديدة وأحلام مختلفة وبعيدة عن الواقع السوري، بل تعودوا على نمط مختلف من العلاقات الاجتماعية، التي يغلب عليها الطابع الأوروبي، وتحول بعضهم إلى شخصيات غريبة، لا تشعر بأي حنينٍ إلى البلاد وما فيها، ولا تُشبه ما كانت عليه خلال الثورة.  

 تحدثنا المدرّسة رشا (45 عام) عن لقائها بعددٍ من أصدقائها الذين عادوا إلى سوريا، بعد غيابهم عنها لسنوات: “بعد عودتهم تفاجأت (أنا وأصدقائي الذين لم يغادروا البلاد) بهم وتفاجؤوا بنا. كنا ننتظر منهم الكثير ونطالبهم بأن يكونوا مثلنا، لكننا اكتشفنا أنهم تغيّروا بشكلٍ جذري، أصبح لديهم حياة بعيدة عن نمط حياتنا. ببساطة هم لم يعيشوا خوفنا وظروفنا المعيشية الصعبة، إذ كنا طوال السنوات الماضية نضيّع أيامنا ونحن نلهث خلف لقمة العيش، ونقاوم الموت بشتى السبل ونبذل كل طاقتنا لنتكيَّف ونتأقلم مع ظروف الحرب ونحافظ على شيءٍ من توازننا العقلي والنفسي”. وتضيف: “كنا فقط ننتظر منهم شيئاً من العزاء والمواساة، وأن يلاقونا بلهفةٍ واشتياق أو على الأقل بنوعٍ من الحنين إلى ماضينا المشترك، لكننا، وللأسف، اكتشفنا أننا وحدنا من يحتفظ بذكريات الماضي، الذي تجاوزوه وصنعوا بدلاً عنه ذاكرة جديدة، فباتوا ينظرون إلى ذكرياتنا المشتركة كنوع من الفلكلور، بل بات ذكر ذلك الماضي بالنسبة لهم غير مُحبّبٍ، ربما لأنه يُشكل لهم عبئاً وحساسية تتعلق بخروجهم من البلاد”.  

من جهته يرى الموظف والناشط السياسي عمار (40 عام) أن جزءًا كبيراً ممن عادوا إلى سوريا قد تغير انتماؤهم الوطني وأصبح لديهم بطاقات أمان، كونهم يحملون جنسياتٍ أخرى أو إقاماتٍ تخوّلهم العودة إلى بلدانهم البديلة متى شاؤوا، لذا “تجدهم يتحدثون من برجهم العاجي وبكثيرٍ من المثالية والطوباوية، ولديهم الكثير من الوقت لكي ينظرّوا ويتثاقفوا، ويقدموا لنا الاقتراحات حول آليات بناء الأوطان وتطوير الإنسان، دون أن ينظروا عن قرب إلى الواقع الاقتصادي والسياسي والأمني الحقيقي للبلاد الممزّقة، والتي بإمكانهم مغادرتها بمجرد نفاذ ما يملكونه من أموال، بينما نحن لا نملك أي خيارٍ للخروج منها في حال اخترنا ذلك، وليس لدينا أي انتماءٍ إلا إليها” بحسب عمار الذي يضيف: “بعض أصدقائي الذين عادوا كانوا يتذمرون من كل شيء يرونه، يتذمرون من الازدحام في الشوارع وتراكم القمامة حول الحاويات، ومن انقطاع الكهرباء والماء، وفوق ذلك كانوا ينظرون إلينا بفوقيةٍ وتعالٍ، ويتحدثون طوال الوقت عن الفوارق بين بلادنا وبلدان إقامتهم في أوروبا وغيرها، ويذكروننا بأننا نعيش في بلادٍ متخلّفة ومُعدمة، بعيدة عن التطور ولا تصلح للحياة البشرية، وكأنهم بذلك يبررون قرار خروجهم منها ويرون فيه انتصاراً، ويتهموننا، نحن الذين آثرنا البقاء لأسباب وطنية، بالغباء لأننا لم نغادر البلاد”.

 تصدر المشهد السياسي وتولي المناصب  

يرى جزء كبير من المعارضين والمنتمين للثورة، ممن لم يغادروا البلاد، أنهم، ورغم ما عانوه من خطر الموت والاعتقال، ورغم الثمن الكبير الذي دفعوه نتيجة بقائهم، لم يُنصفوا كما يجب بعد سقوط النظام البائد، بل تم إقصاؤهم عن المشهد السياسي والثقافي، وهو ما يؤكده الناشط المدني تمّام (44عام) حيث يقول: “معظم الذين عادوا بعد السقوط تصدروا المشهد الثقافي والسياسي، فور عودتهم، وكأنهم فاتحون، أقاموا في العاصمة ليبقوا على مقربة من الأنشطة والفعاليات الثقافية، وعلى تماس مباشر مع وسائل الإعلام، وراحوا يعقدون الندوات والاجتماعات لكي يسرقوا الأضواء، بينما كان بعضنا عاجزًا عن تدبير تكاليف المواصلات لكي يذهب إلى الفعاليات والمحاضرات، بل كنا أحياناً نستدين النقود لكي نؤمن ثمن المواصلات”. ويضيف” جزء كبير من معارضة الفنادق الذين أساؤوا لأهداف الثورة ونهبوا الكثير من الأموال باسمها، عادوا كالأبطال لينظّروا على الشعب الذي صمد طوال سنوات الحرب في أسوأ شروط الحياة، ويقدموا له محاضرات عن المواطنة والعدالة، وليثبتوا وجودهم على الأرض ويحصلوا على المناصب السياسية والثقافية”.  

وحول تولي المناصب والحصول على فرص العمل يقول : “جزء كبير من المعارضين البارزين ارتموا بأحضان السلطة فور عودتهم وراحوا يتملقونها، ليحصلوا على المناصب، ناسين أنهم كانوا ثواراً ومعارضين للسلطة السابقة. وإلى جانب ذلك، ثمة جزء ممن استغلوا الثورة لسنوات، وعاشوا  على مكتسباتها، وعملوا مع المنظمات المشبوهة، حتى صار هدف بعضهم هو الحصول على التمويل فقط، عادوا بعد السقوط ليقتنصوا فرص العمل مع وسائل الإعلام والمنظمات الممولة أو قاموا بالحصول على تمويلات من مصادر مختلفة لإقامة بعض الورشات الشكلية، حول المواطنة والعمل المدني،  وتنظيم بعض الفعاليات الاحتفالية، ليحققوا بذلك مزيداً من الدخل دون أي جهدٍ فاعل يذكر،  بينما نحن الذين عملنا طوال الحرب كمتطوعين في الإغاثة والعمل الإنساني، مازلنا نعيش في ظروف معيشية واقتصادية متردية”.  

على الرغم من الآراء السابقة لا يمكننا أن ننسى بأن جزءاَ كبيراً ممن خرجوا من سوريا خلال الحرب أُجبروا على ذلك  نتيجة معارضتهم الشرسة للنظام، ونتيجة تدمير بيوتهم وموت أقاربهم، وتعرضهم للتهديد المباشر بالقتل، وخشيتهم من الاعتقال، كما أنهم دفعوا ثمناً كبيراً نتيجة خروجهم، فعاشوا لسنوات في المنافي وحُرِموا من رؤية أحبتهم وعائلاتهم ومن إمكانية زيارة بلادهم، بل حرموا حتى من وداع من فارق الحياة من أحبتهم، كما حُرم جزء كبير منهم من حقوقهم المدنية وتمت مصادرة أملاكهم من قبل النظام البائد، لذا يشعر بعض هؤلاء بأنهم الثوار الحقيقيون وأصحاب الانتصار الحقيقي، ولهم الأحقية بتصدر المشهد السياسي والثقافي وتولي المناصب والحصول على فرص العمل. 

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: “من وين حضرتك؟” فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها الولاء فكرةً عسكريةً تُلقَّن، والذاكرة نشرةَ أخبارٍ واحدة، والقانونُ هيكلاً يقف على ساق الأمن. كلّ تفصيل صغير في الحياة اليومية كان يضيف شرخاً جديداً في المرآة، حتى صرنا نرى أنفسنا شظايا أكثر من كوننا شعباً واحداً.

في الصفوف الأولى من المدرسة، كانت الدولة تقول للطفل أنت “رفيق طليعي، ابن الحزب القائد”. كان الكتاب يعرّف الوطن من خلال اسم الرئيس، ويقدّم صورة القائد على أنها أعلى من الجغرافيا والتاريخ معاً. في ساحة المدرسة، يُرفَع العلم، لكن العيون معلّقة بصورةٍ على الجدار. ينسى التلميذ اسم الدرس، ولا ينسى الشعار المحفوظ: “قائدنا إلى الأبد…”؛ ينسى التاريخ الدقيق للثورة السورية الكبرى، ولا ينسى تاريخ ميلاد الرئيس أو تاريخ “حركته التصحيحية” أو ميلاد حزبه الحاكم!

في هذا الجو، يستبدل الطفلُ، من دون أن يدري، معنى الانتماء: لا يعود الوطن مكاناً يسكنه الناس، بل شخصاً يُخشى الخروج من صفّه. عند النقطة التي يُستبدَل فيها السؤالُ بالنشيد، يتكسّر أوّل ضلعٍ في معنى المواطنة.

بعد سنوات، حين يكبر ذلك الطفل ويقف في طابور خدمة العلم، يكتشف أن مؤسسته العسكرية ليست بوتقةً جامعة كما قيل له، بل ذراع حكمٍ تتحرك بمنطق الثقة السياسية والولاء. الشاب القادم من قريةٍ مهمّشة في الشرق يلاحظ سريعاً أن زميله “المضمون” يترقّى أسرع، وأن الأوامر التي تُقال بصوتٍ عالٍ في قاعة التدريب لا تُكتب دائماً في اللوائح، بل تُهمَس في غرفٍ جانبية. هكذا ينتقل الشاب من الإيمان بأن الجيش يحمي الوطن إلى شعورٍ غامض بأن الجيش يحمي نظاماً-عصابة، وأن مكانه في هذه المعادلة يتحدد بحسب أصله و”ضمانته” لا بحسب كفاءته.
في اللحظة التي يشعر فيها أن أقوى مؤسسات الدولة منحازةٌ لا محايدة، تتصدّع الرابطة الوطنية من جديد؛ يغدو الانتماء إلى الوحدة العسكرية أو الفرع الأمني أقوى من الانتماء إلى الراية العامة، ويصير الحديث عن السيادة كلاماً مهدّداً، لأن السلاح لم يعد على مسافةٍ واحدة من الجميع.

في الخلفية، تُعاد كتابة ذاكرة البلد على نارٍ هادئة. كتاب التاريخ، نشرة الأخبار، الخطب الرسمية، كلها تروي الحكاية ذاتها؛ منتصرٌ واحدٌ لا يُهزم، عدوٌّ واحدٌ يتربّص بنا، وشعبٌ واحدٌ سعيد بقيادته. حدثٌ مثل مجزرةٍ في مدينةٍ صغيرة يُمحى من الكتب، فيما تُضخَّم معركةٌ في خارج الحدود لتصير علامةً على العبقرية التاريخية للحاكم.
في بيتٍ ما، يجلس أبٌ علويٌّ يروي لابنه خوفه القديم من أن تتحوّل أي هفوة سياسية إلى تهديد وجودي للطائفة. في بيتٍ آخر، في مدينةٍ سنّية كبيرة، تروي أمٌّ لابنتها عن أخيها الذي اعتقل في الثمانينيات ولم يعد. في قريةٍ كردية في الشمال الشرقي، يحكي جدٌّ عن لغةٍ مُنعَت من المدرسة وعلمٍ لم يُسمح له أن يُرفع. كل بيتٍ يكتب تاريخاً موازياً، لا يجد مكاناً له في الكتاب الرسمي.
لا تعترف الدولة بهذه الذاكرات المتوازية، ولا تسمح لها بالالتقاء. تترك الجروح مكشوفة بلا عدالة انتقالية ولا اعترافٍ متبادل. وهكذا يتحوّل البلد إلى أرشيف من الحكايات السرّية؛ أجيال تسلّم أجيالاً وصايا مكتوبة بالحذر والمرارة.

أمام نافذة الموظف، يأخذ التشقّق شكلاً آخر. المواطن الذي يحمل أوراقه كاملة، ويقف في الطابور منذ ساعات، يكتشف أن ملفه لا يتحرك إلا حين “يتعرّف” على شخصٍ يعرف شخصاً. القانون موجود، لكنه لا يعمل إلا حين يُرفَق بورقة توصية، أو مكالمة من مسؤول، أو مبلغٍ يغيّر اتجاه التوقيع.
كل معاملةٍ لا تُنجَز إلا بوساطة هي درس إضافي في معنى الهوية؛ أنت لست مواطناً متساوياً أمام القانون، بل زبون في “كشك دولة”؛ تُعرَّف بحسب قربك من الشبكة لا بحسب حقوقك. تتحوّل الهوية الوطنية من بطاقةِ مواطنةٍ إلى بطاقةِ تعريفٍ إلى مكتب المتنفّذ: “فلان ابن فلان، من طرف فلان”.

في الاقتصاد، تتخذ الهشاشة شكلاً أكثر قسوة. في الثمانينيات، يحفظ دفتر التموين حياة عائلاتٍ كثيرة لكنه يشدّ الحبل حول عنق الولاء؛ الخبز والزيت والسكر مشروطةٌ ببقاء “الوضع مستقرّاً”. في الألفية، يتحوّل الشعار إلى “اقتصاد سوق اجتماعي”، لكن المعنى الحقيقي يُكتَب في مكانٍ آخر؛ خصخصة انتقائية لصالح دائرة ضيقة من رجال الأعمال المتصلين بالعائلة الحاكمة.
شابٌّ من ريف حلب يهاجر إلى المدينة بحثاً عن عمل، فيجد المصانع الصغيرة تغلق أبوابها، فيما تتضخّم مشاريع كبرى في يد قلّة. مزارع في الحسكة يرى القطن والقمح يتأرجحان بين سياسات شراءٍ مجحفة وجفافٍ لا يلقى استجابة. في الأحياء الفقيرة حول المدن الكبرى، تنمو أحياءٌ عشوائية تحمل شوارعها أسماء أملٍ لا يتحقّق؛ “شارع الوحدة”، “حارة الإخلاص”، لكن الواقع فيها يقول شيئاً آخر.
تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل عادةً أعصاب أي هوية وطنية. يصبح الشعور العام أن الدولة ليست بيتاً مشتركاً، بل شركة مغلقة تبيع الخدمات لمن تريده شريكاً وتترك الآخرين على الباب.

ثم تأتي الحرب لتستخدم كل هذه الشقوق القديمة كوقودٍ جديد. ما إن تهتف حناجر في درعا وحمص ودوما “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”، حتى تُستخرج من الأدراج أقدم الأسلحة؛ التطييف، التخوين، تخويف الأقليات، واستدعاء أشباح الماضي. يُطلق سراح متشددين من السجون، وتُترك لهم الساحة كي يلوّثوا مشهداً كان يمكن أن يبقى مدنياً سياسياً.
في حيٍّ مختلط، يسقط أول قتيلٍ في حادثةٍ غامضة: رصاصةٌ في جنازة، شتيمةٌ مكتوبة على جدار مسجد، اعتداءٌ على موكبٍ ديني. تتكاثر الإشاعات أسرع من الحقائق، ويصبح الجارُ “تفصيلاً طائفياً” لا شخصاً من لحمٍ ودم.

مع الوقت، تتكاثر البنادق خارج الجيش. تُنشأ ميليشيات محلية، لجان شعبية، فصائل ثورية، تشكيلات عقائدية، مجموعات مدعومة من الخارج. لكل بلدةٍ علم، لكل طائفة علم، ولكل شارع رايةٌ صغيرة. على الحواجز، لا يُسأل السوري فقط عن هويته الشخصية، بل عن لهجته و”منطقه” ومظهره. ومع دخول الفاعلين الإقليميين والدوليين، تتعلّق مناطق كاملة بضامنٍ خارجي؛ هنا منطقة “تحت حماية” دولةٍ إقليمية، وهناك أخرى تحت جناح تحالفٍ آخر. خريطة الولاءات تتحوّل إلى فسيفساء نفوذ، لا دولةً واحدة.

في قلب هذا الخراب، يولد اقتصاد ظلّ؛ حصارٌ يغذّي التهريب، معابرُ تُنبت “أمراء حرب”، وإتاواتٌ تُدفع على كل شاحنةٍ وكل كيس طحين. يكتشف الناس أن الأمان والخبز والدواء صاروا يُشترون لا من الدولة، بل من حامل السلاح الأقرب. حتى صناعة المخدّر، التي تُنسب في سردياتٍ كثيرة إلى دوائر داخل السلطة، تغدو علامةً على موت العقد الاجتماعي؛ الولاء لم يعد إحساساً بالانتماء، بل صفقةً يومية تُبرَم مع من يملك القدرة على الأذى.

عند عتبة عام 2024، يتبيّن كل ذلك دفعةً واحدة. نصف الشعب بين لجوءٍ ونزوح، اقتصادٌ يزفر، مؤسساتٌ تحوّلت إلى أصداف فارغة. وحين تسقط قبضة الحكم في 8 كانون الأول/ديسمبر، لا يجد النظام من يموت لأجل بقائه. لا تندلع معارك شرسة دفاعاً عن “القائد”، بل تنفتح مخازن الذاكرة.
في دمشق، تُرفَع راية الاستقلال التي حُوصرت لعقودٍ في صورٍ قديمة. في الشرق، ترفرف الألوان الكردية في ساحات لم تكن تُرى فيها من قبل. في الجنوب، تحضر رموزٌ درزية، وفي الساحل، تظهر تشكيلات مسلحة تتقوقع في القرى بحثًا عن “ضمانة”. لا يولد “كيان علوي” بالمعنى الكامل، لكنه يُطرَح علناً بوصفه احتمالاً؛ مجرّد تداول الفكرة على هذا النحو يكفي لنعرف إلى أي حدّ تهتّك المشترك، وإلى أي حدّ صار الحديث عن التقسيم أقلّ فظاعةً من استمرار الوضع السابق.

تأتي المرحلة الانتقالية بعناوين جديدة؛ إعلانٌ دستوري، حكومةٌ مؤقتة، وعودٌ باللا مركزية، لجان حوار، مؤتمرات مصالحة. لكن الأرض التي تسير عليها هذه العناوين رخوة؛ حساسيات تمثيلٍ بين مكوّناتٍ تشعر أن أحداً لم يسمعها من قبل، اشتباكات ظلّ بين فلول القديم وأمراء الحرب الجدد، ودولٌ خارجية تختبر قدرتها على تعطيل كل خطوةٍ لا تخدم مصالحها.
ومع ذلك، يحدث شيء مختلف؛ يعود مئات الآلاف من اللاجئين إلى الداخل، لا بدافع الثقة الكاملة، بل لأنهم تعبوا من حياة الانتظار. في الأحياء التي كانت مهدّمة، تُفتح مدارس مؤقتة، ويقف أستاذ تاريخ في منتصف الفصل ويسأل طلابه: “كيف تحبّون أن نروي هذه السنوات؟” للمرة الأولى، لا يقدّم الكتاب إجابةً جاهزة، بل يفتح الباب لأسئلةٍ صعبة.

السؤال اليوم لم يعد: ماذا فعل بنا الماضي؟ بل: ماذا يمكن أن نفعل بهذا الماضي كي لا يبتلع المستقبل؟ كيف نعيد بناء هويةٍ سياسيةٍ لا تُقصي الذاكرات ولا تستدعيها كسلاح؟ كيف نكتب عقداً اجتماعياً لا يحتاج المواطن فيه إلى “واسطة” ليكون مواطناً؟ كيف نسمح للمحليّة أن تزدهر: لغةً، وثقافةً، وإدارةً، من دون أن تتحوّل إلى محميّات مغلقة ترفع كلٌّ منها علمها الصغير في مواجهة علمٍ أكبر؟

ترميم الهوية هنا ليس شعاراً أخلاقياً، بل مشروعٌ سياسيّ ملموس. يعني قبل كل شيء إعادة بناء المؤسسات بحيث تقطع رزق الزبائنية. قضاءٌ يملك ميزانيته وأدواته، يستطيع قاضٍ فيه أن يحكم ضد جهازٍ أمني من دون أن يُنفى إلى محافظةٍ نائية. وزارة داخلية مدنية تقود شرطةً موحّدة، لا عشرات الأجهزة التي يتوه بينها المواطن. جيشٌ مهني، لا أداة حكم.
يعني أيضاً عدالة انتقالية لا تكتفي بالشعارات؛ لجان حقيقةٍ تستمع علناً إلى شهادات الضحايا، تسمي الأشياء بأسمائها، تُفرّق بين المسؤولية الفردية والجماعية، وتكتب ضمانات عدم التكرار في الدستور والمناهج والسجون. ليست العدالة هنا ثأراً، وليست عفواً شاملاً يغسل كلّ شيء؛ هي محاولةٌ لتثبيت ذاكرةٍ عادلة، لا ذاكرة منتصرة.
ويعني أخيراً لا مركزيةً رشيدة؛ بلدياتٌ تعرف شوارعها بأسمائها لا بأسماء المتنفّذين، ومحافظاتٌ تملك حصةً حقيقية من مواردها، تستطيع أن تقرر خطّة ماءٍ أو كهرباء من دون أن تنتظر توقيعاً من العاصمة على كل تفصيل. لكن هذه اللامركزية لا تُترك سائبة كي تتحول إلى “فدراليات مزاجية” السيادة، والدفاع، والعملة، والموارد السيادية تبقى في مركزٍ واضح، والرقابة المتبادلة تمنع أن تتكرر تجربة “أقاليم غنيّة” وأخرى منسيّة.

سنَعرف أننا نسير في الطريق الصحيح ليس من خلال بيانات الحكومة، بل من مشاهد صغيرة في اليوم العادي؛ يوم يقف مواطنٌ بسيط في محكمةٍ محلية ويعترض على مخالفةٍ مرورية، فيجد قاضياً يحكم له ضد شرطيٍّ متجاوز، ولا يحدث له شيء بعد ذلك. يوم يقرّر رئيس بلديةٍ أن يبدأ إصلاح شبكة الصرف الصحي في حيٍّ لم يصوّت له، لأن الحاجة هناك أكبر. يوم تبثّ نشرة أخبارٍ عامة تقريراً نقدياً عن وزارة سيادية، من دون أن يتهم المذيع بالخيانة. يوم يفتح الناس كتاب تاريخٍ جديد فيجدون فيه المأساة السورية مرويةً بوصفها مأساة وطنية مشتركة، لا “معركة انتصر فيها طرفٌ على طرف”.

في تلك اللحظات، سيشعر السوري أن القانون يعمل فعلًا في حياته اليومية؛ أن بإمكانه اللجوء إليه كمسار واضح لحماية حقه، لا كنصّ يردَّد في المناسبات. وستبدو العدالة أداةً لتنظيم المسؤوليات والحقوق بين الضحايا والمرتكبين، لا وسيلةً لزيادة نفوذ الغالب. أما اللامركزية فستُفهَم بوصفها طريقةً لتحسين الإدارة وتقريب القرار من الناس، مع الحفاظ على وحدة الكيان السياسي واحترام تعدّد المجتمع.

الانهيار السوري لم يأتِ من حادثةٍ واحدة، إنه تراكم طويل حوَّل مؤسسات الدولة إلى أدوات سيطرة، وأضعف ثقة الناس بكل ما هو “عام”. إعادة بناء الهوية الوطنية تعني، في جوهرها، تصحيح هذا الخلل؛ قانونٌ يُطبَّق على الجميع بلا استثناءات، مؤسساتٌ تعمل وفق قواعد معلنة لا وفق الاتصالات الشخصية، وذاكرةٌ جماعية تعترف بكل الضحايا وتمنع تكرار الانتهاكات.

المطلوب ليس معجزة، بل معيارٌ واضح يمكن القياس عليه؛ هل يستطيع المواطن تسجيل ابنه في المدرسة من دون توصية؟ هل يحصل على عدّاد كهرباء من دون رشوة؟ هل يُحاسَب مسؤول كبير لأن عقد اتصالاتٍ وقّعه أضرّ بالمال العام؟ عندما تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة متاحة في الواقع اليومي لا في الأمنيات، يمكن للاسم “السوري” أن يستعيد معناه كاسم يضمّ الجميع، لا كإشارة إلى طائفة أو منطقة أو شبكة نفوذ.

نحن نعرف اليوم، من خلال التجربة، كيف تآكلت الهوية الوطنية؛ مدرسة تُقصي السؤال من الصف، قانون يُطبَّق بانتقائية، اقتصاد يوزّع المنافع على قلة، وإعلام يتجاهل ذاكرة الناس وآلامهم. وبالمقدار نفسه نعرف العناصر التي يمكن أن تساعد على ترميمها وهي: تعليمٌ يفسح مكاناً للنقد والسؤال، منظومة قانونية تعيد للحقّ اسمه، اقتصاد يربط المنفعة بالمصلحة العامة لا بالقرب من السلطة، وإعلام يقدّم حكاية هذا المجتمع بكل تناقضاته بدل أن يختزلها في رواية واحدة.

في لحظةٍ ما، إذا سارت هذه المسارات في الاتجاه الصحيح، لن يكون سؤال السوري على بوابة الدولة عن طائفته أو منطقته، بل عن موقعه كمواطن وما له من حقوق وما عليه من واجبات. عندها يقترب الشعار الذي تكرّر كثيراً حتى فقد معناه من أن يستعيد محتواه الفعلي: “سورية للجميع”.

من أدب السجون السوري: رسائل عدنان المالكي 

من أدب السجون السوري: رسائل عدنان المالكي 

ينتمي كتاب “عدنان المالكي.. رسائل من السجن”، الصادر أخيراً، عن “محترف أوكسجين للنشر” في مقاطعة أونتاريو بكندا، إلى “أدب السجون السوري”، وهو الأول من سلسلة “أرشيف أوكسجين” التي أطلقها المحترف لتعنى بالذاكرة، وتناهض النسيان والتغييب والإخفاء، متّخذةً من الأرشيف منطلقاً نحو اختبار التواريخ والوقائع والذكريات، وفق إملاءات الحاضر والمستقبل، وربما جراء الحنين. بحسب الناشر.

الكتاب الذي نستعرضه هنا، صدرت طبعة أولى يتيمة منه في عام 1960، ويُعدّ بمثابة وثيقة استثنائية متّصلة برسائل كتبها العقيد السوري الشهيد عدنان المالكي (1919-1955) أثناء اعتقاله إبّان حكم الرئيس أديب الشيشكلي (1909-1964) لسورية، بعد اتّهامه بمحاولة قيادة حركة تمرّد للانقلاب على الشيشكلي الذي حكم سورية في الفترة ما بين عامي 1953 و1954.

تضيء رسائل المالكي على ملامح من هذه الشخصية المفصلية في تاريخ سورية المعاصر، وقد كتبها العقيد الشهيد أثناء اعتقاله في “سجن المزة” العسكري اعتباراً من 6 نيسان/ابريل 1953، كما يرد في الرسالة الأولى من هذا الكتاب، بينما خلت الرسائل الأخرى من تواريخ كتابتها وقد استمرّ اعتقال صاحبها مدّة سبعة أشهر، وحين اُطلق سراحه اُحيل إلى التقاعد، وليعود إلى مهامه بعد تنحي الرئيس أديب الشيشكلي عن الحكم في 25 شباط/ فبراير 1954.

تشكّل رسائل المالكي مصدراً أولياً نادراً يسلّط الضوء على فترة حرجة من تاريخ سورية السياسي. وهي توثّق جوانب إنسانية وسياسية قلّما نجدها في السرديات الرسمية. كما تتيح للباحثين الاطّلاع على مواقف وتفاصيل من داخل تجربة الاعتقال قبل هيمنة حزب البعث. وهي على حدِّ تعبير الناشر “قطعة من التاريخ، من الحنين إلى الآمال العريضة والمترامية”.

كتب المالكي مجموعة هذه الرسائل مادّة الكتاب إلى والدته أثناء فترة اعتقاله، ساعياً في ملمح من ملامحها إلى طمأنتها عليه وعلى شقيقه رياض (شريكه في تجربة السجن) رغم تعرّض هذا الأخير لتعذيب وحشي، إذ يقول في الرسالة السادسة: “قبلاتي الوافرة لأياديك الطاهرة ولأيادي سيدي الوالد المعظم ولوجنات الأشقاء مقرونة بالإعجاب المستديم بمثاليتكم النادرة وبجرأتكم وإيمانكم مما يجعلنا دائماً أقوياء في أعمالنا وتصاريحنا مخلصين للوطن التعيس الذي هو بأشدّ الحاجة لعائلات مثلكم تغذي أبناءها الروح السامية لرفع شأنه. وأما بعد فإنني أوجه إليكم عتاباً صغيراً كما ألوم نفسي في نفس الوقت، وأعاتبكم لأنكم شغلتُم بالَكُم على الحبيب رياض بينما أكدت لكم بأنه بتمام الصحة وبأن مرحه يدهشني حيث لم أكن أعرفه مرحاً لهذه الغاية وإذا كان لم يرسل لكم كتابه فلا شك لأنه لم يكن يفكر بأنكم أصبحتم طماعين. والحق عليّ لأنني أصبحت أكتب إليكم أكثر من كتاب في الأسبوع الواحد ولذلك ضاربت على رياض. وعلى كلٍّ إنني لست نادماً على ذلك فسأتابع تحاريري كلما سنحت الفرصة مهما كثُر عددُها ولكن إياكم أن تشغلوا بالكم إذا تأخر أحدنا عن ذلك، وأقسم لك بأن رياض يتمتع بصحة جيدة جداً وأنني أسمع ضحكاته ونوادره طيلة النهار وربك حميد أن مدير السجن المعروف بغلاظته أظهر له العطف من أول يوم من دخوله السجن وهما متفاهمان تماماً وهو غير حردان وغير منرفز مطلقاً والرقابة طبيعية ولا يهمه شيء سوى خدمة الوطن وراحتكم، وأقسم لكم بأن كل شكوككم في غير محلها تماماً. لقد أعجبتني الكلمة المأثورة التي قرأتموها في جريدة “الزمان” وهي الحقيقة بعينها، وإذا كنا نضحك دائماً وغير مهتمين بالسجن فلإيماننا القوي بأن المستقبل لنا ومن زرع يحصد وإليكم هذا البيت من الشعر:

تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا       وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ

  • ذاكرة وضاءة وضرورية لحاضرنا ومستقبلنا

بالنظر إلى فحوى رسائل العقيد الشهيد عدنان المالكي، يمكننا القول: إنها درس في الصمود والنقاء؛ فهو يقول في واحدة منها “لا يمكننا التنازل عن مبادئنا ولو أعطونا رتب الدنيا ومال العالم كله”.

 كما أنه يمكن وصف هذه الرسائل، بأنها ذاكرة وضاءة وضرورية لحاضرنا ومستقبلنا، وهي بالضرورة ستقود القرّاء إلى عالم العقيد المالكي ما بعد إطلاق سراحه.

وضع ناشر الكتاب، الكاتب والروائي السوري زياد عبد الله، مقدّمة مطولة عمل فيها على استقصاء عوالم المالكي وملابسات اغتياله حين أطلق عليه جنديٌّ سوري الرصاص بينما كان يرعى مباراة في كرة القدم في دمشق بين فريق الجيش السوري وخفر السواحل اللبناني، وكان حينها معاوناً لرئيس الأركان العامة، والمنعطف الذي شكّله هذا الاغتيال في تاريخ سورية. كذلك صاغ بالتواريخ والوقائع اعتماداً على العديد من المراجع، والمذكرات والشهادات والصور الفوتوغرافية المتّصلة بالمالكي واغتياله، ما له أن يكون سرداً شديد التوثيق تارة، وسرداً متخيلاً لوقائع حقيقية تارة أخرى، كما لو أننا حيال فيلم وثائقي عن العقيد المغدور.

صياغة مقدّمة الكتاب جاءت مختلفة عن السائد بحمولتها “سرداً متخيلاً لوقائع حقيقية”، عبر إعادة سرد اليومين الأخيرين (21–22 ابريل/ نيسان 1955) من حياة المالكي بأسلوب سردي شديد التوثيق، ولتغوص بعدئذٍ عميقاً في شخصيته ومشروعه في إبعاد الجيش السوري عن الحزبية والتبعية السياسية، ثم في تناول تبعات اغتياله، إلى أن تُختم بالبحث في أسباب اعتقال المالكي (سبب هذه الرسائل) وفق روايتَي شقيق المحامي رياض المالكي والصحافي البريطاني باتريك سيل.

يذكر المحامي رياض المالكي (شقيق العقيد وشريكه في تجربة السجن)، بخصوص ملابسات تناقل تلك الرسائل وتسريبها من “سجن المزة”، أن عدنان “كان الضابط الركن المجاز، بحكم الشعبية التي له في أوساط العسكريين، والتي استطاع الحصول عليها بسرعة في أوساط السجانين أيضاً، قد توصل إلى تنظيم شبكة للمراسلة بين معظم المعتقلين داخل السجن. وامتدّ نشاط الشبكة إلى خارج السجن حيث كانت الرسائل تأخذ طريقها إلى ذويه، ومنهم إليه وإلى أخيه”. يضيف رياض: “وقد أفاد بعض المعتقلين من هذه الوسيلة وتمكّنوا بواسطتها من إيصال الرسائل الى أسرهم، حتى ولو كانت تقطن بعيداً عن العاصمة وفي أقصى الشمال. وكان أهل الضابط وأخيه يوافونهما بأخبار البلاد وأحوالها السياسية، ويرسلون لهما أحياناً بعض المنشورات الموزعة في أوساط الجماهير وفي صفوف طلاب الجامعة، والتي يجدر بمن يودّ الإحاطة بأحوال البلد، في تلك الحقبة المظلمة القاسية، الرجوع إليها واستخلاص العبرة منها والتأمّل في تبدل المفاهيم، وتقلب بعض البشر، وحتى العقائديين منهم”.

  • تفاصيل وملابسات اغتيال العقيد.. سرد متخيل

نقتطف من مقدّمة الكتاب، سرد عبد الله المتخيل عن يوم 22 نيسان 1955، الذي وقعت فيه حادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي، والتي ورد فيها:

  • دمشق – الجمعة 22 نيسان 1955

العقيد جالس على كنبته المعتادة، يرتشف قهوته الصباحية. لا أحد في البيت، لقد مضى الجميع وكـذلك فعل أخوه المحامي ووالداه إلى “الحمّة”. يتردّد في قراءةِ الملف المرسل من سويسرا، فهو يشعر بانقباضٍ شديدٍ، ولا بدّ أن قراءته ستزيد انقباضَه. يضعُه جانباً.

كأنّ فؤادي في مخالبِ طائرٍ   إذا ذُكرت ليلى يشدّ به قبضاً

يخرج عليه هذا البيت لمجنون ليلى، فيتّصل بخطيبته.

تمتدّ المكالمة بينهما زمناً طويلاً. وعَدَها بأنه سيأخذ إجازةً في بحرِ الأسبوع ويقصد صيدا، وسيرتِّبان كلّ شيء متعلّق بالزفاف.

تنتهي المكالمة ولا يفارقه الانقباض.

يستمع إلى الراديو. يقرأ الملف. يكتب ملاحظات ويتوصّل إلى إجراءاتٍ وخطواتٍ شديدة الدقة سيتبعها بدءاً من الغد.

ينصت إلى نشرةِ الأخبار، وما إن تنتهي حتى يصدح المذياع بأغنيةِ زكية حمدان. تأخذه الأغنية بعيداً، يطرب لها، تحرِّرهُ من الانقباض، ويردِّدها وهو يحلق ذقنَه ويُجهِّز نفسَه للتوجه إلى الملعبِ البلدي.

يعاوده الانقباض: “أرى سلمى بلا ذنب جفتني… وكانت أمسِ من بعضي ومنّي…” يكتفي بمطلع الأغنية. تعاوده ذكرياتٌ كثيرة، من طفولته، تعيده إلى “الشاغور” وبيت أهله القديم، “سأزوره بعد المباراة”.

يصل الملعب. يترجل من سيارته شارداً، لا يرى الجنودَ بل يسمع خبطاتِ أقدامهم وهم يؤدّون له التحية بعد أن يتجاوزهم، فيعود إليهم ويُبادِلهم التحية.

يصعد درجاتِ المنصة، تلتقي عيناه بعينَي رقيبٍ بالشرطة العسكرية من حرّاس المنصة، يجد فيهما شيئاً مقلقاً، يزيد من انقباضه لدرجة الغثيان، يقول الرقيبُ بصوتٍ مرتجفٍ مؤدّياً التحية:

– احترامي سيّدي.

يتوجه نحوه المقدّم عبد الهادي معانقاً، وما إن يخرج من بين ذراعي المقدّم حتى يعانقه العقيدُ جمال، فيسترد نفسه المرِحة، ويفارقه الانقباضُ برؤيةِ صديقيه وقد مرّ زمنٌ طويلٌ لم يرهما، يقول:

– هلا هلا بقادة اللواء السادس…

تعلو ضحكاتُ العقيد، وهو يصافح هذا ويعانق ذاك، ويتعرّف على اللواء قائدِ مصلحةِ خفر السواحل المصرية، ثم يأتي قائدُ الأركان والسفير المصري، يشكره هذا الأخير على قدومِه.

يأخذ العقيدُ مكانه في مقعدٍ يتوسّط الصف الثالث والأخير في المنصة. يُعزف النشيدان السوري والمصري، وفي تمامِ الرابعة تبدأ المباراة.

ما هي إلا دقائق وأثناء هجمةٍ لفريق خفر السواحل على الفريق السوري، وأعين الجميعِ تتابعها، يُسمع دويُّ طلقين ناريين. ينبطح جميعُ مَن في المنصة أرضاً، وحين يحاول البعضُ النهوضَ، يُدوِّي طلقٌ ثالث.

يسود صمتٌ ممض، ومن ثم يعلو الصراخ، ويُرى العقيدُ مترنحاً على مقعده، مضرّجاً بدمائه، وخلفه رقيبُ الشرطة العسكرية مضمّخاً بدم العقيد، هنيهاتٌ ويلقى الرقيب مصرعه.

هنا، ينتهي سرد عبد الله المتخيل، وفي تعليق له على هذه الحادثة يلفت الكاتب والناشر السوري، إلى أنه “تتعدّد الروايات بخصوص الرقيب في الشرطة العسكرية يونس عبد الرحيم الذي اغتال العقيد عدنان المالكي، “منها ما يقول: إنه قتل على الفور من عناصر الحماية الأخرى المتواجدة في المنصّة، ومنها ما يقول: إنه انتحر”.

  • المالكي.. سيرة ضابط قُتل مرتين

في الفترة التي أعقبت سقوط النظام البائد وهروب بشار الأسد إلى موسكو في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما تبع ذلك من حالة انفلات أمني مؤقّتة شهدتها العاصمة دمشق، تداول السوريون على منصات التواصل الاجتماعي خبر استهداف تمثال عدنان المالكي بالرصاص وتخريب متحفه القريب في حيّ المالكي وسرقة محتوياته، وقد لقي خبر إصابة التمثال بعدد من الطلقات النارية التي طاولت عينيه ووجهه، فشوّهت معالمهما، كما أحدثت ثقوباً متعدّدة في قبعته وصدره استنكاراً واسعاً من أوساط سوريّة عامة، لكنّ الجيل الشاب من أبناء سورية الجديدة راح يتساءل من هو عدنان المالكي، صاحب التمثال والمتحف؟

وُلد الضابط السوري عدنان شمس الدين المالكي عام 1919، في حيّ الشاغور بدمشق، من عائلة كبيرة تعود أصولها إلى الحجاز. والده شمس الدين كان تاجراً معروفاً وأحد ممولي الكتلة الوطنية في زمن الانتداب الفرنسي، بينما جده الأكبر، يوسف، كان مفتي المذهب المالكي بدمشق في القرن الثامن عشر. نشأ المالكي في بيئة غنية بالتراث الديني والثقافي، ما شكَل جزءاً كبيراً من شخصيته وتوجهاته المستقبلية.

عقب تخرجه من الكلية العسكرية في حمص عام 1939، برتبة مرشح ضابط، التحق المالكي بـ “جيش الشرق” الفرنسي وخدم في قطاعات مختلفة. وعُيّن مدرباً في الكلية الحربية، فأظهر قدرات تدريبية عالية ونشر الروح الوطنية بين مرؤوسيه، الأمر الذي أثار قلق القادة الفرنسيين، فوضعوه تحت الرقابة الشديدة، إلا أن حماسه الوطني لم يهدأ بل زاد. كان يذكّر الجنود دوماً أن الجيش للوطن، مما أكسبه احترام وتقدير زملائه ومرؤوسيه.

في عام 1945، انشق المالكي عن “جيش الشرق” تلبية لدعوة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، أثناء العدوان الفرنسي على العاصمة السورية. حكمت عليه السلطات الفرنسية بالإعدام، لكنه ظلّ متوارياً عن الأنظار حتى صدور العفو عنه.

بعد ذلك، انضم إلى الجيش السوري عند تأسيسه في 1 آب/أغسطس 1945، وساهم في وضع الأنظمة العسكرية وتعريبها، ليكون أحد المؤسّسين الحقيقيين للجيش العربي السوري، وبدأ مسيرته نحو المجد العسكري، ليصبح واحداً من أبرز الضباط في تاريخ سورية الحديث، وأحد الأركان الأساسية في بناء المؤسّسة العسكرية السورية الحديثة.

شارك المالكي في حرب فلسطين الأولى عام 1948 كقائد لسرية مشاة، حيث أظهر شجاعة استثنائية وقيادة حكيمة، حيث قاد السرية في معركة حاسمة ضدّ العصابات الصهيونية، ونجح في احتلال تل مشرف على مستوطنة “مشمار هايردن” اليهودية على الطريق الذي يربط مدينة صفد الفلسطينية بدمشق غربي جسر بنات يعقوب. وقد جاء هذا الإنجاز رغم إصابته بجروح بليغة في رأسه، فتم نقله إلى المستشفى للعلاج، ولكن بمجرد تعافيه عاد إلى ساحة المعركة ليواصل الدفاع عن وطنه، مما أظهر مدى تصميمه وشجاعته في الميدان. 

عُيّن المالكي لاحقاً قائداً للفوج الثامن، وهو فوج حديث التشكيل والتدريب، وقاد هذا الفوج في الدفاع عن الجبهة اللبنانية. كان له دور كبير في فك الحصار عن الجيش المصري المحاصر في الفالوجا، حيث ساهم في توفير الدعم العسكري واللوجستي الذي كان ضرورياً لفك هذا الحصار. وبفضل قيادته الحازمة وشجاعته، تمكن الفوج الثامن من التصدّي للهجمات الصهيونية وتحقيق الانتصارات في عدّة معارك.

نال المالكي تقديراً كبيراً عن دوره البطولي في حرب فلسطين، وحصل على العديد من الأوسمة منها وسام الاستحقاق السوري ووسام الإخلاص ووسام جرحى الحرب والوسام الحربي.

كما منحه الرئيس اللبناني بشارة الخوري وسام الاستحقاق اللبناني، تقديراً لدوره في الدفاع عن الجبهة اللبنانية وتعزيز العلاقات السورية اللبنانية.

وبحسب مراقبين سوريين، فإن حادثة اغتيال العقيد السوري المغدور الشهيد عدنان المالكي، الذي كان مأمولاً له، فيما لو لم تنل منه الرصاصات التي أتته غدراً، أن يلعب دوراً محورياً في تاريخ سورية الحديث، تبقى قضية من القضايا المثيرة في تاريخ سورية، فهذه الحادثة التي مرّت ذكراها الـ 70 قبل فترة وجيزة (22 نيسان 1955) لطالما اعتُبرت مفصلية لجهة سيطرة الجيش على الحياة العامة في سورية التي كانت قد خرجت قبل عام واحد فقط من عهد ديكتاتورية أديب الشيشكلي، والصراع بين القوتين السياسيتين الناهضتين آنذاك: الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، حول التحكّم في الأجهزة. وقد أدّى اتّهام الأول بتهمة التخطيط وتنفيذ العملية إلى تدميره بشكل كامل واستبعاده من المشهد السوري لعقود لاحقة. فيما بدأ حكم البعث الذي جثم على صدور السوريين ومارس بحقهم أشدّ أنواع التعذيب والعنف والتنكيل والقتل حتى إسقاطه في تشرين الأول/ ديسمبر 2024.